الأمصار ذوات الآثار

- محمد بن أحمد الذهبي المزيد...
262 /
5

الافتتاحية

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه مسدي المنح و المواهب، و مغدق النّعم على خلقه من كل جانب، و الصلاة و السلام على سيدنا المصطفى، و إمامنا المجتبى، و أسوتنا المرتضى محمد بن عبد اللّه، و على آله و صحابته الذين حملوا دعوة الإسلام إلى أصقاع الأرض، فآتت أكلها، و استقام في النفوس عودها، و جعلت من بلاد الإسلام صرح الحضارة، و قلعة التمدن، و مجمع العلوم‏ وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً، كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ‏ (1).

أما بعد فإن خزائن الكتب الإسلامية المتبقية التي سلمت من عوادي الزمان، و نجت من مصارع الأيام، لتزخر بنفائس الأسفار، و أمهات الكتب، و نوادر الرسائل. غير أنها تحتاج إلى من يكشف اللّثام عنها، و ينزع السّتر دونها، و يخرجها إلى الناس في حلّة قشيبة سيراء، و بردة حبيرة زهراء.

و من تلك النوادر الجليلة رسالة «الأمصار ذوات الآثار» للحافظ الذهبي، التي ظن الناس أن الضّياع قد غشّاها (2) فيما غشّى، و كنت ممن يزعم هذا المزعم، إلى أن عثرت عليها ضمن أحد المجاميع في المكتبة المحمودية

____________

(1) الأعراف 58.

(2) عدا ما أورده السخاوي منها في كتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التّوريخ.

6

بالمدينة المنورة منذ أربع سنين، فسررت بها غاية السرور، و بادرت إلى تصويرها و نسخها أملا في إخراجها و طبعها، لكن حالت دون ذلك عوائق و صوارف أرجأت الشروع في خدمتها إلى غرّة شهر ربيع الآخر من سنة 1405 حيث بدأت في تحقيقها، و التعليق عليها، و صنع مقدمة مسهبة لها تساعد على فهمها، حتى تمت على هذه الصورة المتواضعة التي أرجو أن تحظى بالقبول في الدنيا و الآخرة، و اللّه ولي التوفيق.

و كتبه قاسم علي سعد في مدينة الرياض 12 ربيع الأول سنة 1406

7

المقدمة (1) النهضة العلمية في ظل الدولة الإسلامية و مواطن ضعفها

قصدت من عقد هذا المبحث بيان أسباب قوة و ضعف الحركة العلمية في بلاد الإسلام، لكن لما كان الخوض في هذا الأمر يحوج المتصدي له إلى كثرة الاعتراض و الاستطراد في ذكر تواريخ نشوء الدول و زوالها، و الإشارة إلى نبذ من أحوالها و أخبارها، اخترت الاستهلال بمدخل تاريخي يشتمل على عرض صور موجزة للدول الإسلامية المتعاقبة، مع الإسهاب في ذكر خبر التتار خاصة. و من ثمّ أشرع في الموضوع الذي قصدت إليه.

المدخل التاريخي‏

تعد الأمة الإسلامية سيدة الأمم في مجال العلم، و رائدتها في إقامة الحضارة المتوازنة التي طالما كان يتطلع إليها عقلاء الأمم، لتنقذهم من غياهب الظّلم و الظّلم، إلى نور العدل، و شريعة الحق.

و العلم الذي أقام تلك الحضارة المشرقة، هو العلم المؤسّس على الفطرة السليمة التي فطر اللّه سبحانه و تعالى الناس عليها.

فالإسلام دعا إلى العلم، و حثّ عليه، و أرشد إليه، و ليس أدلّ على هذا من أن البعثة النبوية افتتحت بتلك الآيات المباركات: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي‏

____________

(1) اعتمدت في جمع و تصنيف هذه المقدمة على أمهات الكتب التاريخية القديمة و الحديثة، و لم أتعرض فيها لعزو المعلومات إلى مصادرها إلا عند ذكر النصوص، و الضرورة.

8

خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ ... و لا يخفى على ذي بصيرة أن هذه الآيات فيها دعوة إلى العلم الموافق لفطرة الإنسان، المقرّة بوجود رب خالق قاهر، و مربوب مخلوق مقهور.

و هذا الارتباط بين العلم و الفطرة التي غذتها الرسالة النبوية أدى إلى نجاح الحركة العلمية عند المسلمين نجاحا باهرا لم تعهده أمة من الأمم.

فقد قامت قديما و حديثا حركات و مذاهب تدعو إلى العلم على غير هدى، حيث أهملت جانب الفطرة، و انطلقت من نقطة فارغة، و أخذت تتعثر بنفسها لأنها أرادت الخوض في أمور هي أوسع من دائرة العقل الإنساني، فأجهدت نفسها، و أعدمت قوتها دون طائل، و من هنا نرى أن معظم المذاهب الفلسفية لم تجد نفعا، و لم تحقق غرضا، إلا بث الجدليات العقيمة التي حالت دون تقدم العلم.

فالحضارة لا تكون سوية إلا إذا نشأت في ظل دين سماوي، لأن هذا الدين يرسم للإنسان السبيل القويم، و يسلك به إلى شاطى‏ء النجاة و اليقين، و يضعه أمام واقع يتجاوب عقل الإنسان معه.

لقد تأخر العرب قبل الإسلام عن مسايرة ركب الحضارة- مع شدة تقبّل نفوسهم لها- لتلك الغشاوة التي أطبقت على فطرتهم، فلما بعث سيد البشر، و خاتم الرسل محمد بن عبد اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أزال تلك الغشاوة فانطلقوا من عقالهم، و نشطوا من سكرتهم، فأصابت الدعوة إلى العلم شغاف قلوبهم، و حركت مكامن نفوسهم، و خاصة عندما رأوا التناسب الظاهر بينها و بين صلاح طبائعهم، و صفاء أذهانهم، و جودة قرائحهم، و بعد مداركهم، فرأيتهم ينهلون من منابع العلم، و يغرفون من عيونه، حتى كانوا بعد فترة من الزمن سادة عصرهم، و نسيج وحدهم في هذا المجال، فأقاموا حضارة عظيمة آذنت بأفول الحضارات السابقة، و مثلها كمثل الشمس إذا طلعت، لا تبقي أثرا لسائر الكواكب.

9

إنها الحضارة المتوازنة التي تناسب طبيعة الأبدان و الأكوان، و شفافية الأرواح و الأذهان.

و لما كان أتباع هذا الدين الحنيف خلفاء للّه في أرضه، و مستعمرين فيها، تطلعوا إلى إنقاذ البشرية كلها من مفاسد الانحراف عن الفطرة، و هدايتها إلى الطريق السوي، فبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رسله إلى سادة الأرض و ملوكها يدعوهم إلى الحق الواضح؛ و كان في طليعة هؤلاء المدعويين كسرى ملك الفرس، و قيصر سيد الروم، و كانت دولتاهما أعظم الدول قوة، و أوسعها رقعة، و أعتاها حكما، تقومان على إذلال الإنسان، و استعباده، و ظلمه، لكن تلك الدعوة المباركة لم تجد في نفسي كسرى و قيصر أثرا صالحا، لأنهما رأيا فيها ذهاب ملكهما، و ضياع عظمتهما.

فلما لم تفلح حكمة اللسان معهما، جاءت موعظة السّنان لتفهم هذين الجبارين في الأرض، أن الجبروت كله للّه، يعطي و يمنع، و يرفع و يضع، و يعز و يذل، و يؤتي الملك من يشاء، و ينزعه عمن يشاء.

فلم ينته عصر الراشدين المهديين إلا و بلاد الفرس و الروم بأيدي المسلمين، بل اتسعت تلك الفتوحات في عهدهم، فشملت بلاد خراسان شرقا إلى أطرابلس الغرب، و باب الأبواب (الدّربند) و مناطق من آسيا الصغرى شمالا إلى جنوب جزيرة العرب؛ و بعض الجزر كقبرص و رودس، هذا إلى جانب غزوهم لمناطق كثيرة كجرجان، و طبرستان، و أذربيجان، و بلاد ما وراء النهر في الشرق، و بلاد النّوبة في الجنوب المصري.

و لم تقف تلك الفتوحات في عهد خلفاء بني أمية، بل امتدت لتشمل كافة بلاد السّند، و بعض بلاد الهند، و بلاد ما وراء النهر كبخارى و سمرقند و الشاش و الصّغد و فرغانة إلى حدود الصين، و بلاد المغربين الأوسط و الأقصى، و بلاد الأندلس و جنوب فرنسة- فرنجة- كما قاموا بحصار حاضرة البيزنطيين «القسطنطينية».

10

ثم أفل نجم بني أمية، و بزغ فجر بني العباس، فكان الخلفاء في هذا العهد يعملون على تثبيت ملك الإسلام للبلاد المفتوحة قبلهم، و على ضبط النظام في الداخل، و قمع الخارجين، كما قاموا بفتح بعض البلاد، و بغزو بلاد الهند و النّوبة باستمرار.

لكن حدث في هذا العهد- أعني العصر الأول‏ (1) لبني العباس- خروج‏ (2) بعض البلاد عن حكمهم، و استقلالها عن سلطانهم، فاستأثر عبد الرحمن الداخل الأموي بالأندلس، و أسس فيها الدولة الأموية، و كانت حاضرتها قرطبة، و أسس الأدارسة دولة في المغرب و حاضرتها مرّاكش ثم فاس، و كذا فعل الأغالبة في إفريقيّة، و كانت حاضرتهم القيروان، كما قامت في اليمن الدولة الزّيادية و حاضرتها زبيد، إلا أن الدولتين الأخيرتين لم تكونا تامة الاستقلال عن الدولة العباسية.

ثم كان العصر الثاني للعباسيين، الذي ضعفت فيه الخلافة ضعفا شديدا، و استبد الجند (3) الأتراك بأمور الحكم، فلم يبق للخليفة في معظم هذا العهد إلا ذاك المظهر الديني و المركز الصوري، من إقامة الخطبة له، و نقش اسمه على السّكة، و نحو ذلك من ألقاب و شعارات خاوية؛ بل راح كثير من الخلفاء ضحية لأهواء هؤلاء الجند، فكم خليفة قتل، أو ضرب، أو سملت عيناه، أو عزل، أو أهين.

و قد أدى هذا الضعف إلى استقلال الولايات الكثيرة، و قيام الدول،

____________

(1) و ينتهي هذا العصر بوفاة الخليفة الواثق سنة 232.

(2) لم تسلم الدولة الأموية من مثل هذا الخروج، لكن كان ذلك في زمن ضعفها و في آخر أيامها.

(3) اعتمد العباسيون في بادى‏ء أمرهم على الفرس، فمنحوهم المناصب العالية في الدولة، كالوزارة، و إمرة الجيوش، فلما قوي أمرهم، و اشتد نفوذهم، رأى الخليفة المعتصم أن من السلامة إقصاءهم و عزلهم، و قد تم له ذلك، لكنه أبدلهم بالعنصر التركي الذي أصبح في وقت من الأوقات أسوأ حالا من سابقه.

و الأمويون قد استراحوا من الفريقين، و سلموا قبل اللّدغ من الجحرين، فقدموا العرب دون غيرهم و أسندوا لهم الوظائف الكبيرة.

11

و نشوء المذاهب و الدعوات الفاسدة كالإسماعيلية، و القرمطية، و العبيدية «الفاطمية».

كما قامت بعض الدول الخارجة بالاستبداد بالحكم في حاضرة الخلافة بغداد، و تصريف الأمور دون الخليفة.

لكن كان لكثير من تلك الدول المنفصلة عن جسم الدولة الأم، فضل في نشر العلم، و تثبيت ملك الإسلام في المناطق المفتوحة، و فتح بلاد جديدة، و نشر الإسلام بين أهلها، و محاربة الكفرة الذين يتضرر المسلمون منهم.

و أعرض الآن صورا مختصرة لأهم الدول التي نشأت في هذا العصر، أو كانت امتدادا لدول نشأت في العصر العباسي الأول.

و يمكن تقسيم هذا الأمر إلى ثلاث نقاط:

(1) دول المشرق.

(2) دول الشام و مصر.

(3) دول المغرب و الأندلس.

و بذلك يسهل تناول تعاقب الدول بالبحث، لأن كثرة تلك الدول تحجب الدقة عن البحث ما لم تنظم هذا التنظيم أو ما يشاكله، و أبدأ بالحديث عن دول المشرق فأقول:

(1) دول المشرق:

لقد قامت في بلاد المشرق دول كثيرة على أيدي الفرس و الأتراك و غيرهم، و كانت معظم هذه الدول تعترف بسلطان الخليفة العباسي، و تعلن ولاءها الظاهري له.

فقد قامت الدولة الطّاهرية على يد طاهر بن الحسين سنة 205 في بلاد خراسان، و كانت حاضرتها نيسابور، ثم زالت تلك الدولة سنة 254 على يد يعقوب بن الليث الصفّار مؤسس الدولة الصفّارية التي اتسعت رقعتها فشملت‏

12

بلاد خراسان، و فارس، و أصبهان، و سجستان، و السّند، و كرمان، و همت بدخول بغداد لكنها لم توفق، ثم زالت الدولة الصفارية سنة 298 على يد الدولة السامانية التي أسسها نصر بن أحمد الساماني الفارسي سنة 261 في بلاد ما وراء النهر و كانت حاضرتها بخارى ثم استولت هذه الدولة على بلاد خراسان، و جرجان، و طبرستان، و سجستان، و الجبال.

ثم انقرضت هذه الدولة على يد الغزنويين، و خانات تركستان- الذين تمتد بلادهم من حدود الصين شرقا إلى حدود الدولة السامانية غربا- و البويهيين.

و كانت قد قامت الدولة الزيارية سنة 322 على يد مرداويج بن زيار الدّيلمي، و شملت بلاد الجبال، و طبرستان، و الرّي، و جرجان، و غيرها؛ و همت بدخول بغداد لإعادة مجد الدولة الفارسية، لكن سرعان ما زالت دولتهم على يد الدولة البويهية الفارسية الشيعية التي أسسها عماد الدولة علي بن بويه، و أخواه ركن الدولة حسن، و معز الدولة أحمد و ذلك سنة 323 و شملت بلاد الجبال، و الرّي، و فارس، و العراق، و الموصل، و ديار بكر و غيرها، و قد استطاعت هذه الدولة أن تمد نفوذها إلى حاضرة الخلافة بغداد، فحكمت فيها أكثر من قرن، و استأثر سلاطينها بالسلطة فيها دون الخلفاء؛ و كان عهد بني بويه من أسوأ العهود، حيث حرضوا الشيعة على أهل السنة، و هموا بإقامة خلافة علوية، و ناصبوا الخلفاء العداء فقتلوا، و عذبوا، و أهانوا، و عزلوا من شاءوا منهم، و شجعوا في آخر عهدهم دعاة الباطنية، و المذاهب الملحدة حتى دمر اللّه عليهم ملكهم على يد الغزنويين و السلاجقة.

و كانت الدولة الغزنوية- و حاضرتها غزنة- قد أخذت في الظهور سنة 352 على يد ألبتكين التركي أحد ولاة السامانيين، لكن المؤسس الفعلي لها هو سبكتكين أحد مماليك إسحاق بن ألبتكين و ذلك سنة 366، و اتسعت رقعة هذه الدولة فشملت بلاد ما وراء النهر، و خراسان، و فارس، و سجستان،

13

و الري، و الجبال، و أصبهان، و طبرستان، و خوارزم، و السّند، و البنجاب، و إقليم جوجرات، و كشمير.

و كانت هذه الدولة من محاسن الدول، و سلاطينها من مفاخر السلاطين، فقد توغلت في بلاد الهند فتحا، فقتلت و أسرت و غنمت ما لم يسمع بمثله، و أزالت من تلك الديار المعابد و الأصنام، و استولت على الحصون، و لم يتهيأ لسلطان مسلم قبلهم فتح ما فتحوه من تلك البلاد، كما عملوا على نشر الإسلام بين الهنود، و بين الغوريين الكفرة الذين تقع بلادهم بين غزنة و هراة، و من أعظم محاسنهم أيضا قضاؤهم المبرم على سلطان البويهيين الشيعة في الري و بلاد الجبال، و استردادهم لبلاد ما وراء النهر من خانات تركستان الكفرة، و محاربتهم أهل البدع و الفساد من معتزلة، و رافضة، و إسماعيلية، و قرامطة، و مشبهة، و إظهارهم للسنة.

ثم قامت الدولة السّلجوقية، و مؤسسها الأول هو سلجوق بن تقاق أحد ملوك الأتراك الذي فر مع قبيلته و قومه من بلاد الترك، إلى بلاد الإسلام، حيث أسلم هو و من معه، و حسن إسلامهم، و أخذ يكثر من الإغارة على بلاد الترك الكفرة، و يساعد المسلمين عليهم، و كان يقيم بنواحي جند، ثم ملك أبناؤه من بعده، و فتحوا البلاد، و استولوا على مناطق كثيرة من بلاد الغزنويين بعد معارك شديدة، و أصبحت دولتهم من أعظم الدول، حيث كانت أوسع رقعة، و أقوى سلطانا، و أكثر ازدهارا من الدولة الغزنوية، و كانت حاضرة السّلجوقيين مدينة الرّي.

و قد امتدت هذه الدولة من حدود الصين شرقا إلى أقاصي الشام غربا، و من بلاد آسيا الصغرى شمالا إلى جنوب بلاد اليمن، و كانت لهم مع الروم وقائع شديدة، حققوا فيها انتصارات عظيمة، و دفع لهم إمبراطور الروم الجزية، كما أنهم أزالوا حكم البويهيين عن بغداد و غيرها، و حكموا في حاضرة الخلافة العباسية، و أزالوا حكم العبيديين «الفاطميين» عن الحجاز

14

و كثير من مدائن الشام، و قضوا على ثورة البساسيري الرافضي أحد أمراء جند بني بويه، الذي خطب للعبيديين في بغداد نفسها، و حاربوا الباطنية «الإسماعيلية» و صلحت البلاد في أيامهم، و أمنت الطرق، و هنأت الرعية، و انتشر العدل، لكن سنّة اللّه في مداولة الأيام بين الناس أصابتهم كما أصابت غيرهم، فضعفت دولتهم، و قام في وجهها الخوارزميون و الغوريون من الشرق، و الصليبيون و الروم في آسيا الصغرى و بلاد الشام و فلسطين، و من ثم زالت و تفرع عنها بعض الدول الصغيرة.

و كان من أخطر الأحداث في عهد هذه الدولة، خروج الصليبيين الفرنجة، و اجتماعهم على الاستيلاء على ديار المسلمين ففي سنة 478 استولوا لعنهم اللّه على مدينة طليطلة أكبر و أحصن مدائن الأندلس، و على غيرها من المدن في تلك الناحية و ذلك في عهد ملوك الطوائف. و في سنة 484 استولوا على جميع جزيرة صقلّيّة و كانت تابعة لسلطان العبيديين في مصر. و في سنة 490 توجهوا بجحافلهم نحو بلاد الشام و الجزيرة فاحتلوا الرّها و أنطاكية و بيت المقدس، و طرابلس، و أسسوا في كل واحدة منها إمارة لاتينية، كما ملكوا كثيرا من مدائن الشام و الجزيرة كعكا، و حيفا، و يافا، و اللّاذقيّة، و بيروت، و صيدا، و صور، و جبيل، و بانياس، و غيرها الكثير، فقتلوا فيها مئات الآلاف من رجال المسلمين، و سبوا نساءهم، و نهبوا ديارهم و أموالهم، و عاثوا في تلك الديار التي كان يحكمها السّلاجقة و العبيديون الفساد، و ذلك لما رأوا ضعف هاتين الدولتين، و ما تعانيانه من حروب داخلية قاتلة.

و مع ذلك فقد قامت تلك الدولتان بالوقوف في وجه الصليبيين، و مقاومتهم رغم ضعف إمكانياتهما، إلا أن الفضل الأكبر في ردع حملات الصليبيين الحاقدة، و استرداد البلاد الإسلامية منهم، كان للدولة الأتابكية في الموصل و حلب، و الدولة الأيوبية، و من ثمّ دولة المماليك.

و قد سبق أن الدولة الغورية قامت في وجه الدولة السّلجوقية؛ و الدولة

15

الغورية قامت على أيدي الغور الأفغانيين، و كانت حاضرتهم «فيروزكوه» و هي من أعمال غزنة، و يعتبر المؤسس الحقيقي لهذه الدولة هو علاء الدين الحسين بن الحسين الغوري و ذلك في سنة 547 أو قبل ذلك، و قد اتسعت رقعة هذه الدولة فشملت بعض بلاد خراسان، و السّند، و الهند، و قد فاقوا الغزنويين كثيرا في فتوحاتهم في بلاد الهند، و دانت لهم ملوك تلك الناحية، و غنموا منها المغانم التي تفوق الحصر، و قتلوا من الهنود الكفرة العدد الكبير، و نشروا الإسلام في تلك الديار، و كانت دولتهم من أحسن الدول سيرة.

كما كان على يد هذه الدولة زوال الدولة الغزنوية.

ثم زالت الدولة الغورية على يد الدولة الخوارزمية التي يعتبر أصل تأسيسها سنة 470 على يد أنوشتكين أحد موظفي بلاط السّلاجقة، و من ثم استقلت الدولة الخوارزمية عنهم، و ضاهت‏ (1) دولتهم، حيث إنها جاءت على أنقاض الدولة السّلجوقية، و الدولة الغورية، و امتدت بلادهم من حدود الفرات غربا إلى حدود الهند و إلى بلاد ما وراء النهر، و تركستان شرقا و من باب الأبواب، و تفليس، و بحر آرال شمالا إلى الخليج الفارسي، و بحر العرب جنوبا، و قد دارت بينهم و بين السّلاجقة و الغوريين حروب ضارية.

و من محاسن هذه الدولة قضاؤها المبرم على الخطا الكفرة الذين كانوا يسكنون بلاد تركستان- الواقعة بين الصين و بلاد ما وراء النهر- و الذين كانوا يسومون المسلمين سوء العذاب حيث إنهم سيطروا على بلاد ما وراء النهر، و أخضعوا المسلمين فيها لسلطانهم، و أجبروهم على بذل المال لهم، بل إنهم عبروا جيحون إلى بلاد خراسان فعاثوا فيها فسادا.

كما كان للدولة الخوارزمية الفضل في قتل معظم الكرج الكفرة، و نهب‏

____________

(1) إلا أن شاهات خوارزم لم يستطيعوا الحكم في حاضرة خلافة بني العباس كما فعل السلاجقة و البويهيون.

16

بلادهم الواقعة شرق البحر الأسود، و قد كان هؤلاء الكرج أهل بطش و ظلم و عدوان، لم يسلم من إيذائهم أحد من جيرانهم قبل الإسلام و لا بعده، فقد تضررت منهم مملكة فارس قبل الإسلام، و من ثم راحوا يصبون النقمة و الظلم على المسلمين من حولهم في بلاد أذربيجان، و أرّان، و دربند شروان، و أرزن الروم، و خلاط، و لم يجسر أحد على الإيقاع بهم كما فعل جلال الدين بن علاء الدين خوارزم شاه آخر سلاطين الخوارزمية رغم ضعف دولته، و قضاء التتر على معظم جنده.

كما قامت الدولة الخوارزمية بمحاربة الإسماعيليين الباطنيين، و وضعوا السيف في جموع كبيرة جدا منهم.

ثم زالت الدولة الخوارزمية في آخر سنة 628، و محيت آثارها، و نسفت ديارها، و أبيدت جنودها على يد التتار الكفرة لعنهم اللّه فإنهم فعلوا في بلاد المسلمين من القتل و الفحش و السبي و النهب و التخريب و الفساد ما لم يسمع بمثله في تاريخ البشرية كلها.

و قد ذكرت من ذي قبل أن الدولة السّلجوقية تفرع عنها دويلات، و ذلك كدولة سلاجقة الروم، و شاهات إرمينية، و دول الأتابكة، و سأتحدث فيما بعد إن شاء اللّه تعالى عن بعض دول الأتابكة و دورهم الفريد في محاربة الصليبيين، و تمهيدهم الطريق للأيوبيين و من ثم للمماليك في محو آثار الصليبيين من بلاد الشام و مصر.

(2) دول الشام و مصر:

لم يحظ بلد من البلدان بما حظيت به بلاد مصر و الشام من موقع جغرافي، و سوقي، و روحي مميز، فكانت مهد النبوات، و مهبط الحضارات، و ملتقى التجارات، لذا تطلعت إليها الأنظار، و تأسست فيها الدول الكبار، و كانت أولى البلاد التي فتحها المسلمون في زمن الراشدين، و ظلت تحت‏

17

سلطة الخلافة الإسلامية المركزية، إلى أن دب الضعف في جسم تلك الخلافة، و تفككت روابطها، في العصر العباسي الثاني، فاستقلت الولايات الكثيرة، و منها بلاد مصر و الشام.

ففي سنة 259 ولي أحمد بن طولون التركي مصر من قبل الخليفة، و من ثم ضم إليه الشام، و استقل بتلك البلاد مؤسسا بذلك الدولة الطولونية التي امتدت من العراق شرقا إلى برقة غربا، و من آسيا الصغرى شمالا إلى بلاد النّوبة جنوبا، و قد أكثر ملوكها من غزو بلاد الروم حتى خافهم أباطرتها، و كانت أيام هذه الدولة أيام ازدهار للبلاد، و رخاء للعباد، ثم زالت رسوم هذه الدولة سنة 292 على يد الخلافة العباسية.

و بعد أن خضعت تلك البلاد لسلطان الخليفة فترة من الزمن، قامت فيها الدولة الإخشيدية سنة 323 على يد محمد الإخشيد بن طغج- أحد أولاد ملوك فرغانة- نائب العباسيين في تلك الديار، و كان لملوك هذه الدولة موقف جليل في صد حملات العبيديين الحربية لدخول مصر، كما دانت لها بلاد الحجاز، و قد قامت هذه الدولة بإصلاحات كثيرة، ثم سقطت على يد العبيديين سنة 358.

و كان الحمدانيون قد استولوا على حلب من الإخشيديين، و دولة بني حمدان تأسست في بلاد الموصل سنة 317 على يد ناصر الدولة الحسن بن عبد اللّه بن حمدان الذي تولى إمرة الأمراء في بغداد؛ كما أنها تأسست في حلب و توابعها على يد سيف الدولة الحمداني أخي ناصر الدولة، و قد امتاز عهد السيف هذا بكثرة وقائعه مع البيزنطيين الذين استولوا على كثير من المناطق الإسلامية الشمالية في بلاد الروم، و الجزيرة، و غيرها، ثم زالت الدولة الحمدانية في الموصل على يد البويهيين، و في حلب على يد العبيديين.

و دولة العبيديين قامت سنة 297 في إفريقيّة، و المغرب الأوسط على يد

18

أول خلفائها و هو عبيد اللّه المهدي، بعد أن مهد الطريق له داعية الباطنية أبو عبد اللّه الشيعي، ثم اتسعت رقعة هذه الدولة فشملت المغرب الأقصى و مصر و فلسطين و الشام و الموصل و الحجاز و اليمن، و جزيرة صقلّيّة إلى جانب إفريقيّة و المغرب الأوسط، و كانت حاضرة هذه الدولة القاهرة بعد أن كانت القيروان، و المهدية، و المنصورية على التوالي، و قد نشر العبيديون في البلاد التي امتدت أيديهم إليها المذاهب الشيعية الغالية، و ناصبوا أهل السنة العداء، و ضيقوا عليهم. ثم زال حكمهم في المغرب و إفريقيّة على يد دويلات، و زال في الشام على يد السّلاجقة، و بعض دول الأتابكة، و الصليبيين، و زال في مصر على يد صلاح الدين الأيوبي أحد قواد نور الدين محمود.

و أنتقل الآن للكلام عن بعض دول الأتابكة فأقول:

إن سلاطين السّلاجقة كانوا يعهدون لبعض الأتراك النابهين بالوزارة لهم، أو بتربية أولادهم، و كان السلاطين يولون أولادهم الصغار بعض الأقاليم و الولايات، و يرسلون معهم الأتابك- أي الأمير الوالد- ليدير شئون تلك البلاد عنهم، ريثما يتأهلون للحكم بأنفسهم، و كان السّلاجقة أيضا يسندون إدارة بعض الأقاليم أو الولايات، لبعض الأتابكة، فلما ضعفت الدولة السّلجوقية، و آذنت بالأفول استقل كثير من الأتابكة بولاياتهم، و استأثروا فيها دون سلاطينهم، و من ثم أطلق على دولهم تلك، دول الأتابكة.

و قد كثرت هذه الدول: كأتابكية الموصل، و أتابكية دمشق، و أتابكية حلب، و أتابكية الجزيرة، و أتابكية سنجار، و أتابكية كيفا و ماردين، و أتابكية أذربيجان و غيرها.

و من أهم هذه الأتابكيات: أتابكية دمشق، و أتابكية الموصل، و أتابكية حلب. فأتابكية دمشق: أسسها طغتكين أحد قواد السّلاجقة، و استمرت هذه الدولة تحت نفوذ أسرة طغتكين إلى سنة 549 حيث استولى عليها الملك العادل نور الدين محمود (رحمه اللّه تعالى).

19

و أما أتابكية الموصل: فقد أسسها عماد الدين زنكي أحد ولاة السّلاجقة المقربين ممن تولوا أرفع المناصب في هذه الدولة، ففي سنة 521 صدر قرار من السلطان السّلجوقي محمود بن محمد بن ملكشاه بإقطاع عماد الدين الموصل، و سائر البلاد الجزرية، مع تسليمه ولدي السلطان ليكون أتابكا لهما، و منذ ذلك الحين أطلق على زنكي لقب «أتابك»، ثم ضم زنكي إلى إقطاعه مدينة حلب، و غيرها من مدائن الشام.

و قد تسلم الملك الشهيد زنكي هذه البلاد في أصعب الأوقات و أحلكها، حيث كان الفرنج النصارى يعيثون في بلاد الإسلام الشامية و الجزرية الفساد، و اتخذوا فيها مملكة واسعة الأطراف تمتد من نواحي ماردين شمالا إلى عريش مصر، و ليس بيد المسلمين من مدن تلك الناحية سوى حلب، و حمص، و حماه، و دمشق، و كانت جميع البلاد الشامية و الجزرية تتعرض لغاراتهم، و فسادهم، و نهبهم، و قتلهم.

فقام الملك الشهيد زنكي بمحاربة الفرنجة و الروم، و اشتبك معهم في وقائع شديدة، و استعاد منهم الحصون المنيعة، و من أهمها «الرّها»، و أعاد لمناطق المسلمين أمنها و استقرارها، ثم توفي (رحمه اللّه تعالى) في سنة 541 بعد أن نشر العدل، و بث الأمن، و أرهب الأعداء. و تولى مكانه الملك ولداه الملك سيف الدين غازي في الموصل و بلاد الجزيرة، و الملك العادل نور الدين محمود في حلب و نواحيها، و كانت دولة نور الدين من أعظم الدول حيث قامت بجهاد الفرنجة، و الاستيلاء على كثير من حصونهم في ديار الإسلام، و أسر و قتل عدد من كبار ملوكهم حتى ذلوا و وهنت عزائمهم، و خارت قواهم، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

و بعد موت سيف الدين غازي ملك البلاد الجزرية، و خليفته من بعده أخيه قطب الدين مودود قام الملك العادل بضم الموصل و بلاد الجزيرة إليه، و كذلك فعل بدمشق و غيرها من مدن الشام و ذلك في سنة 549 و لم يحمله على هذا

20

إلا فعل الخير بتقوية البلاد الإسلامية و توحيدها لمواجهة الأعداء الحاقدين من الفرنجة و غيرهم، و قد قرر على بلاد الجزيرة ابني أخيه قطب الدين، و هما سيف الدين و عماد الدين، كما بسط في جميع البلاد التي يحكمها الأمن و العدل و الإحسان فمالت إليه القلوب، و أنست بعهده النفوس.

و لما تم للملك العادل نور الدين محمود توحيد تلك البلاد أرسل أحد قواده العظام و هو أسد الدين شيركوه و برفقته ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي إلى مصر ففتحاها، و طردوا الفرنجة من ثغورها، لكن سرعان ما توفي أسد الدين (رحمه اللّه)، فتولى مكانه ابن أخيه صلاح الدين الذي كانت على يديه الكريمتين زوال معالم الخلافة العبيدية الرافضية، و فتح بلاد اليمن بواسطة أخيه في سنة 569 و توحيدها بعد أن كانت مفككة تحكمها عدة دويلات.

و في العام نفسه توفي الملك العادل نور الدين رحمة اللّه عليه، بعد حياة حافلة بالجهاد و الإصلاح و الصلاح، و كانت رقعة ملكه قد اتسعت لتشمل الموصل و بلاد الجزيرة، و بلاد الشام، و الديار المصرية، و اليمنية، و الحجازية، و أطاعه أصحاب ديار بكر، و بذلك مهد العادل الطريق للسلطان الشهم المجاهد صلاح الدين الأيوبي ليسترد معظم مدن الشام من الفرنجة لعنهم اللّه.

* الدولة الأيوبية

: قامت هذه الدولة الفتية على يد البطل الشهير، و السلطان الكبير صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب، و ذلك أن هذا السلطان كان يحكم مصر نيابة عن الملك العادل نور الدين محمود، فلما مات العادل نور الدين (رحمه اللّه) ضعفت الدولة الزّنكية، فرأى صلاح الدين من الحكمة ضم جميع ولايات هذه الدولة تحت سلطانه، ليتيسر له استرداد البلاد الشامية من الفرنجة، و قد تحقق لصلاح الدين هذا الأمر، فدانت له البلاد الجزرية، و الموصلية، و الشامية التي بأيدي المسلمين، ثم كشف عن ساق الجد و راح يحارب الفرنجة، و يدفعهم عن بلاد الإسلام، فخاض معهم معارك‏

21

مستمرة و ضارية، حتى استرجع منهم معظم البلاد الشامية و خاصة بيت المقدس، فتوسعت دولته بذلك بحيث شملت الديار المصرية، و الشامية- ما عدا أجزاء يسيرة- و الجزرية، و الموصلية، و اليمنية، و الحجازية، ثم توفي إلى رحمة اللّه سنة 589، فتقاسم دولته خلفاؤه من بعده، ثم زالت الدولة الأيوبية من مصر سنة 652 على يد المماليك البحرية.

* دولة المماليك البحرية

: المماليك البحرية هم الترك الذين اشتراهم‏ (1) الملك الصالح أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر- أخي صلاح الدين- بن أيوب ملك مصر، و بنى لهم قلعة بجزيرة الروضة في النيل و أسكنهم فيها- فلذا سموا البحرية- و اتخذهم أمراء، و أعوانا، و جندا؛ ثم توفي الصالح سنة 647، فتولى الملك من بعده ابنه المعظم توران شاه فلم يلبث فترة يسيرة حتى قتل على يد مماليك أبيه سنة 648، فأقام المماليك بعده زوجة أبيه الصالح شجرة الدر، ثم عزلوها، و ولوا مكانها المعز (2) أيبك التّركماني المملوكي سنة 648 و به بدأت دولة المماليك البحرية، ثم ولوا مع المعز أحد الأيوبيين و هو الأشرف موسى بن يوسف، لكن المعز عزله بعد ذلك، و تفرد بالسّلطنة، ثم قتل المعز، فتولى مكانه ابنه المنصور علي الذي خلعه مملوك المعز الملك المظفر سيف الدين قطز و تولى مكانه عرش مصر، و في عهد هذا السلطان العظيم انتصر المسلمون بقيادته على جحافل التتار في موقعة عين جالوت الشهيرة فأفنى المسلمون التتار المحاربين قتلا، و أخرجوهم من بلاد الشام كلها بعد أن أحكموا سلطانهم فيها، و تعتبر هذه المعركة أول معركة يهزم فيها التتار هزيمة مؤثرة، ثم تتالت عليهم الهزائم بعد ذلك و للّه الحمد و المنّة، و قد اشترك في هذه المعركة العظيمة قائد جند قطز بيبرس البندقداري حيث أبلى فيها بلاء حسنا، و تتبع فلول التتار حتى أخرجهم من‏

____________

(1) المماليك الترك هم الذين أوصلوا الملك الصالح إلى كرسي السلطنة، لذا أكثر من شرائهم، و العناية بهم.

(2) لم يكن المعز، و لا ابنه، و لا قطز من المماليك البحرية.

22

الديار الشامية و من دولة الروم السّلجوقية، و ضم تلك البلاد إلى حكم سلاطين مصر، ثم قتل المظفر قطز فتولى سدّة الملك بعده الملك الظاهر بيبرس أعظم سلاطين المماليك، و أول المماليك البحرية الذين علوا كرسي السلطنة، و قد قام الظاهر باسترداد بعض الحصون الشامية التي بقيت بيد الفرنجة كأنطاكية، و القليعات، و حلبا، و عرقة، و صفد، و يافا، و قيساريّة الشام، و أرسوف، و غيرها. و قد أخزى اللّه على يديه التتار و الفرنجة، كما تمكن هذا السلطان من فتح بلاد النّوبة بأكملها.

و كان من أعمال بيبرس المحمودة أن نصب سنة 659 أحد العباسيين خليفة في مصر بعد أن زالت الخلافة في بغداد على يد التتار سنة 656، و انقطعت أكثر من ثلاث سنين، ثم توفي الظاهر (رحمه اللّه تعالى) سنة 676 بعد أن دام حكمه سبع عشرة سنة.

فتولى بعده ابنه بركة، ثم ابنه الآخر سلامش، ثم قام سيف الدين قلاوون بخلع الأخير، و تولى مكانه، و تلقب بالمنصور، و كان هذا السلطان كسلفه بيبرس من أعظم سلاطين المماليك، ففي عهده حقق المسلمون نصرا مؤزّرا على التتار بظاهر حمص، حيث أفنى المسلمون التتار المهاجمين؛ كما تمكن من فتح حصن المرقب من الفرنجة و هو من أمنع الحصون، و قد حقق اللّه على يديه أيضا فتح طرابلس الشام، و قتل من فيها من الفرنجة، و كان هؤلاء لعنهم اللّه قد استولوا عليها سنة 503، و لم تفتح إلا سنة 688 على يد قلاوون.

و في السنة التالية لهذا النصر- أي سنة 689- توفي قلاوون رحمة اللّه عليه فتولى بعده ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل.

و كان عهد الأشرف عهدا ميمونا، حيث قام هذا السلطان بفتح عكا، و قتل فيها ما لا يحصى من النصارى، و كان هؤلاء قد أخذوها من صلاح الدين الأيوبي سنة 587، و ظلت تحت أيديهم إلى سنة 690 حيث فتحها الأشرف،

23

و لما علم الفرنجة بهذا الفتح و هي الحصن الحصين، و الدرع المنيع، دخل الرعب في قلوبهم، و علموا أن لا قرار لهم في سواحل الشام و مدنه، ففروا على وجوههم من بيروت، و صيدا، و صور، و أنطرطوس، و غيرها، فعادت بلاد الشام كاملة إلى المسلمين، و الحمد للّه رب العالمين.

كما قام الأشرف بفتح قلعة الروم، و فتك بمن فيها من الأرمن، ثم قتل (رحمه اللّه تعالى).

و في عهد خليفة الأشرف و هو أخوه الملك الناصر بن قلاوون هجم التتار بجموع حاشدة على بلاد الشام، و استولوا على دمشق، و كانت بينهم و بين السلطان و جيشه حروب ضارية كان النصر فيها دولا، لكن الخاتمة الخيرة كانت للمسلمين حيث قتلوا من التتار الجموع التي تفوق الحصر.

و من محاسن عهد الناصر فتح جزيرة أرواد، و قتل و أسر جميع أهلها من الفرنجة، و كذلك فتح ملطية و قتل من بها من النصارى، ثم توفي الملك الناصر، و كان قد عزل مرتين عن الملك ثم أعيد إليه، و قد خطب له ببغداد، و العراق، و ديار بكر، و الموصل، و الروم إلى جانب بلاده.

و كان الناصر قد تابع ما ابتدأه أسلافه، بيبرس، و قلاوون، و الأشرف خليل من غزو بلاد النّوبة، و تعيين حكامها من قبله، حتى أصبحت حاكميتها مسلمة.

ثم ضعفت الدولة المملوكية البحرية، و زالت على يد الدولة المملوكية البرجية سنة 784، و كان للبحرية فضل عظيم في دحر التتار، و قتل مئات الآلاف منهم، و في القضاء على جميع ما تبقى من سلطان للنصارى في بلاد الشام، و في الوقوف في وجه الحملات الصليبية على الشّمال المصري، و قتلهم لكثير من جند تلك الحملات.

* الدولة المملوكية البرجية الجركسية

: لما رأى السلطان المنصور قلاوون ازدياد نفوذ المماليك الأتراك، و كثرة شغبهم، أراد أن يقوي أمره،

24

و يستعين بأمراء يوالونه دون غيره، فأكثر من شراء المماليك الجراكسة الذين يقطنون في المناطق الواقعة على بحر نيطش (البحر الأسود) من شرقيّه.

و أسكنهم أبراج القلعة في القاهرة- فلذا سموا بالبرجية.

و من ثم قوي نفوذ هؤلاء المماليك، حتى استطاعوا سنة 784 أن يخلعوا آخر سلاطين البحرية السلطان الصالح أمير حاج بن شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن المنصور قلاوون، و يولوا مكانه الظاهر سيف الدين برقوق الجركسي، و بتوليته بدأت دولة المماليك البرجية الجركسية.

و قد تم في عهد أحد سلاطين هذه الدولة و هو السلطان الأشرف برسباي فتح جزيرة قبرص.

و كانت هذه الدولة تعيش في دوامة من الثورات الداخلية، مما استنزف كثيرا من قوتها، ثم زالت في مستهل سنة 923 على يد السلطان سليم العثماني، و أصبحت مصر و الشام تابعة لحاضرة العثمانيين (إستنبول).

* الدولة العثمانية

: أسسها بنو عثمان، و هم ينحدرون من أصل عربي كما يرى بعض العلماء، فقد قام جدهم الأول عثمان بالهجرة من موطنه في الحجاز إلى بلاد الروم السّلجوقية، فعظم شأنه عند حكامها، و تقدم في المناصب، حتى استطاع بعد ذلك أن يضع البذور الأولى للدولة العظيمة الواسعة التي استوت على سوقها في عهد أولاده و أحفاده.

و كان أحد ملوك هذه الدولة- و هو السلطان سليم بن بايزيد بن محمد بن مراد خان بن بايزيد- و هو الذي أسره تيمور لنك كما سيأتي- بن أورخان بن أردن بن عثمان الثاني- قد تطلع إلى توسعة رقعة دولته على حساب الصفويين الرافضة ملوك العراقين و غيرهما الذين لا يؤمن جانبهم، فتمكن في سنة 921 من هزيمة إسماعيل الصفوي، و أباد معظم جنده، و تملك غالب بلاده.

25

ثم عزم على الاستيلاء على بلاد المماليك في الشام و مصر، زاعما أن السلطان الملك الأشرف قانصوه الغّوري المملوكي كان يمالى‏ء الصفويين عليه، و يؤوي الخارجين من أمراء العثمانيين، فتقدم نحو بلاد الشام سنة 922، و كان المصاف العظيم بينه و بين السلطان الغوري في مرج دابق، فقد جرت بين الفريقين وقعة شديدة هزم على أثرها المماليك، و قتل من الفريقين ما لا يوصف كثرة، و كان من بين القتلى السلطان الغوري (رحمه اللّه) ثم سلّم أمراء الشام بلادهم للسلطان سليم فملك تلك الديار دون ممانعة.

ثم تقدم العثمانيون نحو مصر، و كان اللقاء بينهم و بين المماليك و على رأسهم سلطانهم الجديد الأشرف طومان باي عند الريدانية في آخر سنة 922، فهزم المماليك في هذه الوقعة، و دخل العثمانيون مصر، و وضعوا السيف في الجراكسة حتى أهلكوا منهم العدد الكثير، هذا و لم يسلم المصريون من إيذائهم و نهبهم و فسادهم و ظلمهم الشديد، ثم قبض السلطان سليم على طومان باي و قتله شنقا.

و لما صفت الديار المصرية للسلطان العثماني، عين نائبا له عليها، و توجه إلى حاضرة ملكه إستنبول بعد أن وضع يده على جميع أموال و ذخائر المماليك التي تفوق الحصر، بل نقل إلى بلاده كثيرا من علماء و قضاة و أمراء و فقهاء مصر، و كذلك بعض أرباب الوظائف، و المهن، و الحرف، كما انه نقل المكتبات النفيسة في مصر، و اقتلع كثيرا من رخام و أعمدة القصور و المدارس و المجالس في القلعة و سيرها إلى إستنبول، و لم يقنع بهذا كله حتى أمر الخليفة العباسي بالإقامة في الديار الرومية. ثم توفي السلطان سليم سنة 926. فتولى بعده ابنه السلطان سليمان فأظهر العدل في الرعية، و عفا عن كثير من أسرى المصريين، و عن الذين أجبرهم والده على المسير إلى مصر، و أعاد للمماليك الجراكسة حريتهم و اعتبارهم بعد أن ظلموا ظلما شديدا، و أوذوا إيذاءا أليما.

26

(3) دول المغرب و الأندلس:

فتح الأمويون بلاد المغرب و الأندلس، و أخضعوها لسلطانهم النافذ، لكن لما ضعفت الدولة الأموية في آخر عهدها ذهب ذلك النفوذ، و أصبحت تلك البلاد شبه مستقلة عن الدولة الأم.

و لما انتقلت الخلافة إلى بني العباس، حدث في عصرهم الأول خروج بلاد الأندلس عن أيديهم، على يد عبد الرحمن الداخل الأموي و ذلك سنة 138 مؤسسا دولة أموية قوية، أعادت للأمويين بعض سلطانهم المسلوب، و كانت هذه الدولة من محاسن الدول، حيث حرصت على جهاد الصليبيين، و الفرنجة، و نصارى الأندلس، و أوقعت بهم الهزائم في وقائع عديدة، و فرضت عليهم الجزية، كما أنها أقامت حضارة أندلسية عريقة، و كانت حاضرة هذه الدولة «قرطبة».

ثم زالت الدولة الأموية سنة 422 على أيدي ملوك الطوائف الذين أسسوا في الأندلس دولا صغيرة متنازعة، بعد أن كانت تلك الدولة قوية متماسكة، بل إنها أقامت في ديار الأندلس خلافة، عندما أعلن أحد ملوكها و هو عبد الرحمن الناصر الذي حكم بين سنتي 300- 350 نفسه خليفة، و سار على منواله من جاء بعده من حكام الأمويين‏ (1).

و لما ضعف أمر الأمويين، و بني حمّود في الأندلس وثب الأمراء على الجهات فقامت ممالك الطوائف التي زالت على يد الدولة المرابطية ثم زالت الدولة المرابطية على يد الدولة الموحدية ثم زالت دولة الموحدين في الأندلس على يد محمد بن يوسف بن هود الجذامي، ثم زال حكم بني هود، و حكم البقية الباقية من بلاد الأندلس بنو نصر، ثم انتهى حكم المسلمين في تلك الديار سنة 897 عند سقوط غرناطة بيد الصليبيين.

____________

(1) و قد نازع بنو حمّود الأدارسة ملوك الغرب، الأمويين على الخلافة في الأندلس، حيث إنهم ملكوا قرطبة سنة 407، و حكموا الأندلس لكن ما لبث أن عاد الأمر إلى الأمويين بقرطبة.

27

و كانت قد تأسست في بلاد المغرب الأقصى سنة 172 دولة الأدارسة المناهضة للدولة العباسية، و قد امتد سلطانها من وهران شمالا، إلى بلاد السّوس الأقصى جنوبا، ثم زالت هذه الدولة سنة 375 على يد الأمويين في الأندلس، و العبيديين في إفريقيّة، و كانت قد خضعت- في فترات من قبل- للعبيديين، و الأمويين.

و قامت في إفريقيّة دولة الأغالبة التي أسسها إبراهيم بن الأغلب سنة 184، و كانت حاضرتها القيروان، ثم زالت هذه الدولة سنة 296 على يد العبيديين؛ ثم لم يلبث أن زال حكم العبيديين عن بلاد المغرب كلها.

و في سنة 448 تأسست في المغرب الدولة المرابطية- و حاضرتها مرّاكش- على يد الأمير يحيى بن إبراهيم اللّمتوني، و يرجع الفضل الكبير في تأسيسها إلى الشيخ الفقيه عبد اللّه ياسين المالكي، و قد قامت هذه الدولة على الإيمان و التقوى، و كانت من خيار الدول، و يكفيها شرفا أنها نشرت مذهب أهل السنّة في تلك البلاد التي حكمها و أفسدها العبيديون.

و قد اتسعت الدولة المرابطية في عهد أميرها يوسف بن تاشفين (رحمه اللّه تعالى) فامتدت من حدود تونس شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، و من جبال البرانس في الجنوب الفرنسي شمالا إلى السّودان جنوبا، و عملت على نشر الإسلام بين قبائل المغرب، و الصحراء، و بلاد السنغال و غيرها، و قضت على آمال ملوك نصارى أوروبا، و الأندلس الذين استطاعوا في عهد ملوك الطوائف أن يتوغلوا في بلاد الأندلس، و يستولوا على كثير من مدنها، و أقاليمها، و حصونها، فخرجت جحافل المرابطين المنصورة من بلاد المغرب نحو الأندلس، فاسترجعت كل ما ملكه النصارى من بلاد الإسلام في تلك الناحية، بعد حروب ضارية، و وحدت بلاد الأندلس تحت رايتها بعد أن كان يحكمها ملوك كثيرون دب بينهم الخلاف و الشقاق، كما وحدت بلاد المغربين الأقصى و الأوسط و غيرهما من البلاد.

28

و لما ضعفت هذه الدولة في أواخر أيامها، عاد النصارى إلى بلاد المسلمين في الأندلس فملكوها، و أوقعوا بأهلها، و ساموهم سوء العذاب.

ثم زالت دولة المرابطين بالكلية على أيدي الموحدين سنة 541.

و قد تأسست الدولة الموحدية في المغرب سنة 524 على يد عبد المؤمن بن علي الزّناتي، و كان للمهدي محمد بن تومرت فضل عظيم في قيامها، و كانت حاضرتها مرّاكش كما هو حال الدولة المرابطية، و امتدت رقعة هذه الدولة حتى شملت المغربين الأقصى و الأوسط، و إفريقيّة، و كثيرا من بلاد الأندلس، و كانت لهم مع نصارى الأندلس جولات وصولات، ثم زالت هذه الدولة سنة 667 على يد الدولة المرينيّة في المغرب، و دولة بني هود في الأندلس، و قامت في إفريقيّة الدولة الحفصية، و الحفصيون من أتباع الموحدين، كما قامت في المغرب الأوسط الدولة الزيانية، و بزوال الدولة الموحدية ضعفت بلاد المغرب، و الأندلس.

29

ذكر خبر التتار

لا بد قبل الخوض في شرح الحالة العلمية في العصور المتعاقبة من ذكر أمر التتار الذين زالت بهم حضارة الشرق الإسلامية، و عدمت بعد أن بلغت أوج مجدها و عزها.

فالتتار هم عالم كثير من التّرك، كانوا يقطنون في المناطق الواقعة شمالي صحراء جوبي في منغوليا، و في مناطق من سيبيريا، و كانوا قبائل متناحرة، لا تخضع لقانون، و لا تلتزم بنظام، و لا تمتثل لخلق، و كانوا يعبدون الكواكب، و يسجدون للشمس.

فأراد أحد ملوكهم و هو «جنكيز خان» أن يجمع شمل تلك القبائل، و يوحد بينها، و يخضعها كلها لسلطانه، فمكث عشرات السنين يعمل على تحقيق هذا الغرض، و لم يصف له إلا بعد حروب ضارية، و وقعات متتالية؛ ثم قام بوضع قانون اجتماعي سارت على نهجه أمم التتار؛ و بعد أن استتب له الأمر، و دانت لسلطانه معظم القبائل، رغب في توسعة رقعة مملكته على حساب الآخرين، فاستولى على معظم بلاد الصين، ثم أكمل ولده و خليفته من بعده «أجتاي» السيطرة على تلك البلاد.

و كان يفصل بين مملكة «جنكيز خان» و بلاد الإسلام في خراسان، و ما وراء النهر، بلاد تركستان التي يحكمها قبائل من التّرك الكفرة تسمى بالخطا، و هم عالم كثير، كانوا يكثرون من الإغارة على بلاد الإسلام، حتى‏

30

دانت لهم ملوك ما وراء النهر، و بعض بلاد خراسان، إلى أن استطاع علاء الدين محمد خوارزم شاه صاحب الدولة الخوارزمية استئصال تلك الأمة الباغية، و عمل على ضم بلادهم إليه.

و كان جنكيز خان لعنه اللّه- بعد أن ثبّت أمر ملكه في الداخل، و قضى على مناوئيه من التتار، و أخضع معظم بلاد الصين- يرغب في التوجه غربا نحو بلاد الإسلام ليضمها إلى مملكته. و عجل بتحقيق هذه الرغبة، قيام علاء الدين خوارزم شاه بقتل جماعة من تجار التتار، و غزوه لبلادهم، فسار جنكيز خان بجموعه إلى بلاد تركستان، فأباد فيها أقوام التتار التي لا تخضع له، ثم عبر نهر سيحون إلى بلاد الإسلام، و عندها كانت الطامة الكبرى، و المصيبة العظمى على المسلمين، فقد فعل هذا الملك الملعون، و خلفاؤه من بعده، في ديار الإسلام من القتل، و النهب، و الفساد، و التخريب ما لم يسمع بمثله في قديم الأيام، و لا ما تعاقب من الأزمان.

فلما عبر جنكيز خان نهر سيحون، توجه في أواخر 616 إلى بخارى، فحاصرها حصارا محكما، و قاتلها قتالا شديدا، حتى تمكن من دخولها، ثم قتل جميع من كان بقلعتها، و أمر جنده بنهب البلد، و تخريبه، حتى جعلوه هباء منثورا، فأحرقوا مساجده، و مدارسه، و مكتباته، و قتلوا معظم الرجال، و سبوا النساء و الذرية، و فعلوا من الفحش ما لا يوصف. و استصحبوا معهم من بقي من رجال بخارى ليكونوا عونا لهم على أخذ سمرقند- و كانت هذه عادة التتار، إذا غصبوا بلدة، أمروا أهلها بمساعدتهم على دخول قلعتها، أو دخول بلد آخر- و قد وصلوا إلى هذه المدينة العريقة المنيعة في المحرم من سنة 617 و دارت رحى الحرب بينهم و بين أهل سمرقند، و جندها الذين يعدون بمئات الآلاف، و بعد معارك شديدة يشيب من هولها الولدان استطاع التتار أن يدخلوا المدينة، فأفنوا رجالها، و سبوا النساء و الذرية، و نهبوا الأموال، و أحرقوا المساجد و المدارس و المكتبات، و لم ينج من أهل هذا البلد إلا النفر اليسير.

31

و بذا يكون قد تم للتتار السيطرة على بخارى و سمرقند، و هما قصبتا بلاد ما وراء النهر.

و اتخذ جنكيز خان من سمرقند قاعدة له، و أمر طائفة من فرسان جنده أن يطلبوا علاء الدين خوارزم شاه- ملك خراسان، و ما وراء النهر، و غيرهما من البلاد- الذي يعسكر بجيوشه في نواحي بلخ، فعبرت تلك الطائفة نهر جيحون، و توجهوا نحو علاء الدين فلما شعر بدنوهم فر أمامهم، فجعلوا يتتبعونه، و يقصون أثره في البلدان الكثيرة، حتى دخل بحر طبرستان «بحر الخزر» حيث فر إلى قلعة له في إحدى جزره، فيئسوا حينئذ من اللّحاق به، و تركوه و شأنه.

و كانوا لعنهم اللّه لا يمرون- عند تتبعهم لخوارزم شاه- ببلدة إلا عملوا على قتل رجالها، و سبي نسائها، و استرقاق صبيانها، و نهب أموالها، و تخريب ديارها، و حرق عمرانها، و طمس آثارها، و جعلها أطلالا بالية و رسوما خاوية، هذا عدا بعض البلدان التي صالحوها كهمذان، فلم تسلم منهم الرّي، و لا زنجان، و لا قزوين، و لا غيرها، و قد عدّ القتلى في قزوين وحدها فبلغوا (40000) و كان أهل قزوين قد قاوموا التتار، و قتلوا منهم العدد الكثير.

ثم سلكت تلك الطائفة- تساعدهم الإسماعيلية و أهل الفساد- شمالا إلى بلاد أذربيجان ففعلوا بمدنها و قراها مثل ما فعلوه في بلاد الجبال، و لم تسلم منهم إلا تبريز التي صالحهم صاحبها، ثم تقدموا أيضا نحو الشّمال فوصلوا إلى بلاد الكرج الكفرة فقاتلوهم و هزموهم شر هزيمة، ثم عادوا نحو الجنوب إلى بلاد أذربيجان لشدة وعورة بلاد الكرج، و قد تم لهم كل ما سبق في سنة 617، و وصلوا في مستهل السنة التالية إلى مدينة مراغة من بلاد أذربيجان فملكوها بعد مقاومة شديدة، و فعلوا فيها الأفاعيل، و توجهوا بعد ذلك إلى همذان من بلاد الجبال، و كانوا قد صالحوا أهلها كما تقدم، و استنفدوا أموالهم، فاجتمع رأي الهمذانيين على قتال التتار، و تحصنوا

32

بالبلد، فوصل التتار، و أحكموا حصارهم على المدينة، و جرت وقائع شديدة قتل فيها من التتار خلق كثير، ثم تمكن المحاصرون من دخول المدينة في رجب من سنة 618 و وضعوا السيف في أهلها حتى أفنوهم، ثم أحرقوا البلد حتى عفا رسمه.

و بعد ذلك عاد التتار شمالا إلى بلاد أذربيجان فملكوا بعض مدنها، ثم تقدموا إلى بلاد أرّان شمال أذربيجان فملكوا كثيرا من مدنها و قراها و فعلوا فيها مثل ما فعلوا في قزوين. ثم تقدموا إلى بلاد الكرج الكفرة، و نشبت بين الجانبين معارك قاسية قتل فيها عشرات الآلاف من الكرج، و نهبت التتار كثيرا من بلادهم.

ثم توجه التتار إلى دربند شروان و أهلها مسلمون، فحاصروا مدينة شماخي، و ملكوها بعد مقاومة شديدة من أهلها، و عبروا بعد ذلك مضايق الدربند إلى جهة الشّمال حيث تقطن قبائل اللّان النصرانيين، و قبائل اللّكز- و منهم المسلمون و الكفار- فقاتلوهم، و نهبوهم، و سبوا نساءهم؛ ثم توجهوا إلى بلاد القفجاق ففر أهلها، و اعتصموا بالجبال، و لحق الكثير منهم ببلاد الرّوس، و استقرت تلك الطائفة العادية من التتار في تلك البلاد لكثرة مراعيها في الصيف و الشتاء، ثم توجهوا نحو بلاد الروس النصارى سنة 620 فقاومهم أهلها بمساعدة القفجاق الهاربين مقاومة عنيفة، لكن التتار انتصروا عليهم، و دخلوا بلادهم، فعملوا فيها مثل عملهم في ديار الإسلام، و قد استطاع الكثير من الروس الفرار من بلادهم، ثم توجه التتار غربا فملكوا كثيرا من البلاد، و في عودتهم كمن لهم البلغار في آخر سنة 620 فقتلوا الكثير منهم، و عادت بقيتهم إلى ملكهم جنكيز خان.

فهذا هو خبر التتار المغرّبة الذين أرسلهم جنكيز خان ليتتبعوا آثار خوارزم شاه.

و كان جنكيز خان لعنه اللّه لما علم بفرار خوارزم شاه من بلاد خراسان،

33

أراد أن يخضع جميع بلاد ما وراء النهر لحكمه و سلطانه، فسيّر- و هو في سمرقند- جيشا إلى فرغانة، و آخر إلى ترمذ، و آخر إلى قلعة كلانة، و إلى غيرها من تلك النواحي، فاستولت تلك الجيوش على هذه المناطق، فقتلوا، و نهبوا، و أحرقوا، و خربوا، كما فعل أصحابهم المغربة، ثم عادوا إلى ملكهم.

و جهز جنكيز خان أيضا جيشا كبيرا إلى خوارزم، و آخر إلى بلاد خراسان غربي جيحون.

فأما الجيش الموجه إلى خوارزم فقد لاقى في حصار هذه المدينة عناء شديدا، و ذلك لكثرة جند هذا البلد، و مناعته، و شجاعة أهله، فقد قتل من الفريقين ما لا يحصى، و كان قتلى التتار أكثر، عندها طلبت تلك الطائفة التتارية النجدة و العون من ملكهم جنكيز خان، فأمدهم بجنود وفيرة، و اشتد الحصار على خوارزم، و تفانى أهلها المسلمون في الدفاع عنها إلى أن دخلها التتار، فأعمل هؤلاء المجرمون السيف في أهلها، و نهبوا ثرواتها، ثم فتحوا السّكر الذي يمنع ماء جيحون عنها، فدخلها الماء، و غرق كل ما فيها، و تهدمت مبانيها، و لم يسلم منها أحد البتة، فإنا للّه و إنا إليه راجعون.

و أما الجيش الموجه إلى خراسان، فقد عبر نهر جيحون إلى مدينة بلخ فدخلوها صلحا سنة 617، ثم قصدوا عدة مدن في ناحيتها فملكوها صلحا أيضا، لكن أخذوا الرجال ليكونوا عونا لهم على من يمتنع عليهم، فقصدوا بلاد الطّالقان، و بها قلعة حصينة، فحاصروها ستة أشهر، فلما عجزوا عن نيل مأربهم منها استنجدوا بملكهم جنكيز خان، فأجابهم بنفسه، و معه خلق كثير من أسرى المسلمين، فمكث في حصار هذه القلعة، و مقاتلة جندها أربعة أشهر، ثم تمكن من دخولها فنهبت، و قتل من فيها ممن لم ينجه الفرار، لكن ذهب الكثير من جنده عند حصارها.

و قد قام جنكيز خان بعد ذلك بجمع المقاتلة المسلمين من البلاد التي‏

34

صالح أهلها، و سيرهم إلى مدينة مرو العظيمة، و كانت من أمنع البلاد، و كان يرابط بظاهرها فقط ما يزيد على 000، 200 من المسلمين الذين نجوا من بلادهم المصابة، و التقت الفئتان، و صمد الفريقان، و لما اشتد على المسلمين القتال و لوّا هاربين، فتتبعتهم جيوش جنكيز خان فقتلت و أسرت العدد الكبير، و لم ينج إلا القليل.

و جاء دور مرو نفسها في الحصار، فجمع التتار إلى جموعهم أناسي كثيرا من البلاد المجاورة، و أحكموا الحصار، و تفانوا في القتال، و لم يتمكنوا من دخولها- لقوة منعتها- إلا بعد أن أغروا أهلها بالسلامة و طلب الأمان، فلما طلبوه، غدر التتار بهم، و وضعوا السيف في رقابهم حتى أفنوهم جميعا بعد أن سبوا من شاءوا من النساء و الأطفال، و قدرت القتلى في هذه المدينة بنحو 000، 700، و لم ينج إلا الشريد، فعادت تلك الديار العامرة بلقعا كأن لم تغن بالأمس.

ثم توجهوا إلى نيسابور، فضيقوا عليها الحصار، حتى تمكنوا من دخولها عنوة، فسبوا نساءها، و قتلوا سائر أهلها، و نهبوا خيراتها، و خربوا ديارها، ثم قطعوا رءوس القتلى لئلا يسلم أحد، و توجهوا بعد ذلك إلى طوس فلم تكن أحسن من سابقتها، ثم توجهوا إلى هراة و هي من أحصن البلاد فملكوها بعد حصار شديد، و قتلوا بعض أهلها، و أمنوا الباقين.

و سلكوا بعد ذلك إلى غزنة، فأوقع بهم جلال الدين بن علاء الدين خوارزم شاه هزيمة منكرة، قتل فيها كثير من جند التتار، فاستبشر أهل هراة بهذا النصر، و حملوا على حامية التتار في بلدهم فقتلوهم، فعادت جنود التتار إلى هراة، و دخلوها، و أعملوا في جميع أهلها السيف، بعد أن سبوا من شاءوا، ثم أحرقوا البلد.

و لما تم لهم كل ذلك عادوا (1) إلى ملكهم جنكيز خان و هو بالطّالقان يبعث‏

____________

(1) خرجت هذه الطائفة من عند ملكها في سنة 617، و عادت في نفس السنة.

35

الجيوش إلى جميع بلاد خراسان، حتى لم يسلم بلد من شرهم و فسادهم.

و قد وجه جنكيز خان بعد ذلك طائفة كبيرة جدا من جنده لمحاربة جلال الدين، فالتقى الفريقان في «كابل» و دارت رحى الحرب، و اشتدت و زخرت، و أسفرت عن هزيمة التتار، و قتل الكثير منهم، و غنم المسلمون منهم غنائم كثيرة، و أنقذوا الأسرى المسلمين من أيديهم، لكن حدث خلاف في صفوف جند جلال الدين ما لبث أن استحكم، و أدى إلى الاقتتال بين المسلمين أنفسهم، و فر أحد كبار الأمراء إلى بلاد الهند ب 000، 30 مقاتل، فاستعطفه جلال الدين و ذكره اللّه و الجهاد فلم يرجع، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا.

و بينما المسلمون على هذه الحال، إذ فاجأهم جنكيز خان بجيش عظيم لا قبل لهم به، فآثر جلال الدين النجاة ببقية جنده، و فر نحو السّند، فجد جنكيز خان في طلبه، حتى تلاقيا عند ماء السّند- حيث لم يتمكن جلال الدين من العبور بمن معه لعدم وجود السفن- و استعرت الحرب، و التحم الفريقان في معركة لم تشهد حروب المسلمين و التتار قبلها مثلها حدة، و ضراوة، و صدقا في القتال، و سقط من الفريقين عدد كبير من القتلى ثم انهزم التتار و للّه الحمد، و عبر جلال الدين بمن معه النهر بعد وصول السفن، فلما كان الغد عاد التتار إلى غزنة و فعلوا فيها و في سوادها مثل ما فعلوه في بلاد خراسان حتى عادت غزنة كأن لم تغن بالأمس.

و في مستهل سنة 621 وجه جنكيز خان طائفة من جنده إلى الري- و هم غير الطائفة المغربة- فوضعوا السيف في من بقي من أهلها حتى قتلوهم عن آخرهم، و دمروا ما كان عمر منها بعد وقعة التتار المغربة، ثم ساروا في البلاد مفسدين و مهلكين الحرث و النسل فدخلوا ساوة و قمّ، و قاشان و غيرها من البلاد، ثم قصدوا همذان فخربوها، و قتلوا من كان سلم من أهلها في الوقعة الأولى، و لم ينج من قتلهم إلا الأسير.

36

و كان جلال الدين قد قدم من بلاد الهند إلى خوزستان و العراق، فملك أصبهان و غيرها من البلاد الواسعة، و خاصة بلاد أذربيجان، و مدينة تفليس التي استولى عليها الكرج في سنة 515، و أوقع بهؤلاء الكفرة هزيمة ساحقة، قضى فيها على معظمهم، و كان هؤلاء الكرج يكثرون من الإغارة على بلاد المسلمين حولهم كخلاط، و أذربيجان، و أرّان، و أرزن الروم، و دربند شروان، و المسلمون معهم في ذل.

و لم يقدر أحد من سلاطين و ملوك الشرق المسلمين عليهم بمثل ما فعله فيهم جلال الدين رغم فناء كثير من جنده، فقد كاد أن يبيد أفرادهم، و يستأصلهم.

و قام جلال الدين بعد ذلك بحرب الباطنية- الإسماعيلية- فنهب بلادهم، و خربها، و قتل أهلها، و سبى و استرق كثيرا من نسائها و غلمانها، انتقاما منهم لقيامهم بعون التتار على المسلمين، و لقتلهم أحد أمرائه المقدمين.

و لما فرغ جلال الدين من أمر الإسماعيلية لقيته فئة عظيمة من التتار جهة الري فهزمهم، و وضع السيف فيهم، و أقام بنواحي الري فلاقته طائفة كبيرة من التتار أيضا أرادوا سكن تلك الديار بعد أن طردهم جنكيز خان فالتحم الفريقان في وقائع كثيرة كانت الحرب فيها دولا.

و في هذه الفترة وقع خلاف شديد بين جلال الدين و بعض الملوك المسلمين، فزين الإسماعيليون الملاحدة لإخوانهم التتار سوء فسادهم، و أعلموهم بضعف جلال الدين، فتقدمت جموع التتار في سنة 628 من بلاد ما وراء النهر التي فيها عاصمة ملكهم، إلى بلاد أذربيجان، فمروا ببلاد خراسان و كانت خرابا ثم توجهوا إلى الري و همذان فاستولوا عليهما، ثم قصدوا أذربيجان فخشي جلال الدين من منازلتهم لضعف جنده، و خروج الكثير منهم عن طاعته، ففر أمامهم، و هم يتبعونه، من بلد إلى آخر حتى تمزق جنده من التعب و النصب، و كان التتار عند قصّهم أثره لا يمرون على‏

37

بلد من بلاد أذربيجان و الروم و الجزيرة إلا ساموها سوء العذاب، ينهبون، و يقتلون، و يخربون، و لم تنته سنة 628 إلا و بلاد أذربيجان جميعها تحت سلطانهم.

و قد أكثروا في هذه السنة و ما بعدها، من غاراتهم، و اعتداءاتهم على بلاد العراق و الجزيرة و الروم و ديار بكر، و أكثروا فيها من القتل و النهب.

و لما رأى التتار من ظهور أمرهم، و عظم سلطانهم، قام ملكهم تولي بن جنكيز خان في سنة 638 بدعوة ملوك الإسلام إلى طاعته.

و لم يتوقف التتار عن اعتداءاتهم على البلاد الإسلامية، بل واصلوا ذلك، حتى جرت بينهم و بين جيش الخليفة العباسي وقعة عظيمة في سنة 643 كسر فيها جند التتار، و لاذوا بالفرار. و مع هذا فقد ظلوا يعيثون الفساد في الأرض، و قد استحكم هذا الفساد في سنة 656 عندما ارتكبوا جريمتهم الكبيرة، و جريرتهم الشنيعة ألا و هي دخولهم حاضرة الخلافة العباسية بغداد بعد أن حاصرها 200000 مقاتل منهم حصارا محكما، و ضيقوا عليها الخناق، و قاتلوا جندها قتالا شديدا، فقد وضعوا السيف في رقاب أهلها و لم يسلم منهم عظماؤها و كبراؤها، فقد قتلوا الخليفة الشهيد أبي أحمد عبد اللّه المستعصم باللّه بن المستنصر باللّه آخر خلفاء بني العباس بالعراق و قتلوا العلماء و القضاة و الأئمة و الأمراء، و ارتكبوا الفواحش، و ظلوا على هذه الحال أربعين يوما حتى خوت بغداد على عروشها، و سالت دروبها بدماء القتلى، و أنتنت الجيف حتى حل بهذه البلدة العظيمة وباء شديد، سرت عدواه إلى بلاد الجزيرة و الشام.

و قد قدرت أعداد القتلى في حاضرة الخلافة ب 800000، و قيل ب 1800000، و قيل ب 2000000، و كان الذي تولى كبر ما حل ببغداد من مصائب هو الرافضي الخبيث ابن العلقمي وزير الخليفة المستعصم باللّه، فهو الذي دعى ملك التتار هولاكو لدخول بغداد، بعد أن عمل على تقليص عدد جيش الخلافة، فكان لعنه اللّه كما كان أسلافه الباطنيون من قبله، عونا و يدا على المسلمين.

38

و لما تم لهولاكو إخضاع بغداد، أخذ يعد العدة لضم البلاد الجزرية، و الشامية إلى مملكته، فقد تمكن في سنة 657 من السيطرة على البلاد الجزرية، و في السنة التالية جاز الفرات إلى بلاد الشام، فذعر الناس، و فر الكثير منهم إلى الديار المصرية و كان ذلك في زمن الشتاء فلحقهم أذى شديد، و مات منهم خلق كثير.

و قد قصد هولاكو مدينة حلب، فحاصرها، ثم دخلها بالأمان، لكنه كعادة قومه آثر الغدر، و وضع السيف في رقاب أهلها، فقدرت قتلاها ب 50000 إنسان، و اقترف جنده فيها كل رذيلة، و سبوا من شاءوا من نسائها و أطفالها، و نهبوا خيراتها و ثرواتها، و خربوا أسوارها، فلما علم أهل حمص و حماة ما حل بصاحبتهم طلبوا الأمان فأجيبوا إليه.

ثم أرسل هولاكو طائفة من جنده إلى دمشق فدخلوها دون ممانعة، و كتبوا الأمان لأهلها، لكن حامية قلعتها أبوا الاستسلام فحاصرتهم التتار و قاتلتهم حتى تملكوا القلعة ثم خربوها.

و قد تولى إمرة دمشق رجل تتري فيه ميل إلى النصارى، فعمل على رفع مكانة هؤلاء الضالين، فراحوا يعلنون عداءهم للمسلمين، فذموا شرائع الإسلام، و رفعوا صلبانهم، و نشروا الخمور، و أسرفوا في الفساد.

و لما تمكن التتار من دمشق، واصلت طائفة منهم السير إلى نابلس و غزّة فملكوهما، و نهبوا ما مروا عليه من الديار، و في عزمهم مواصلة التقدم إلى مصر، عندها أراد اللّه سبحانه أن يكرم الأمة الإسلامية بنصر مؤزّر من عنده يذل به أمة التتار الظالمة التي جاست خلال الديار، و جعلت أعزة أهلها أذلة؛ فقام سلطان مصر الملك المظفر سيف الدين قطز بإعداد العدة، و تعبئة الجيوش، ثم زحف إلى جهة الشام، و التقى مع جيش التتار- بقيادة أميرهم الكبير كتبغانوين الذي فتح لهولاكو أقصى بلاد العجم إلى الشام- في عين جالوت و ذلك في سنة 658، و اشتد القتال بين الفئتين، و صبر المسلمون‏

39

و التتار، و تفانوا في الدفاع عن أنفسهم و ديارهم، ثم انجلت المعركة عن هزيمة التتار، و قتل قائدهم، و معظم جندهم.

و قد أبلى الملك المظفر قطز، و قائد جيشه بيبرس البندقداري بلاء حسنا، و قد تولى بيبرس مع طائفة من الشجعان تتبع فلول التتار في بلاد الشام و الروم فأخرجوهم من حلب، و استردوا منهم مملكة الروم السلجوقية في آسيا الصغرى، و أصبحت تلك الديار تابعة لسلطان مصر الملك المظفر الذي جعله اللّه سبحانه قذى في أعين التتار، و شجا في حلوقهم.

و بعد مقتل قطز عند عوده من الشام إلى مصر، تولى زمام الملك، الملك الظاهر بيبرس البندقداري.

و في هذا الوقت أخذ ملك التتار هولاكو يعد العدة للانتقام من المسلمين لما حل بجنده، و لاسترداد بلاد الشام إليه، فأرسل طائفة من جنده، فدخلت حلب، و قتلت معظم أهلها، لكن الملك الظاهر حال دون تقدمهم.

كما أرسل حملة أخرى، فالتقى معهم أصحاب حلب، و حماة، و حمص بجنودهم في شمالي حمص، فكانت الدائرة على التتار، حيث هزموا، و ارتدوا على أعقابهم خاسئين، بعد قتل و أسر الكثير منهم.

ثم أرسل هولاكو طائفة إلى الموصل، فحاصرتها، ثم دخلتها، و وضعت السيف في رقاب أهلها.

و قد أوقع اللّه سبحانه و تعالى العداوة و البغضاء بين ملوك‏ (1) التتار

____________

(1) لقد كان للتتار ثلاث ممالك و دول، فدولة في أقصى الشرق و حاضرتها بكين؛ و دولة في الشّمال و حاضرتها سراي و ملكها في عهد هولاكو هو ابن عمه بركه خان بن صائن بن دوشي بن جنكيز خان المتوفى سنة 665 الذي دخل في دين الإسلام؛ و دولة في بلاد الإسلام الشرقية و هي تمتد من خراسان شرقا إلى ديار بكر غربا، و تضم خراسان، و بلاد الجبال، و العراق، و أذربيجان، و خوزستان، و فارس و بلاد الروم، و غيرها، و كان هولاكو هو ملك تلك الديار بعد آبائه، و دام حكمه 10 سنين، حتى أهلكه اللّه على دينه الفاسد سنة 663.

40

أنفسهم، فقد أحل ملك التتار الشّماليين بركة خان بهولاكو و جنده هزيمة فظيعة في معركة فني فيها معظم جند هولاكو، ثم هلك هولاكو، و مات بعده ابن عمه بركه خان، فخلف الأول ابنه أبغا، و خلف الثاني ابن عمه منكوتمر و قد سار هذا الأخير على نهج سلفه في الإسلام.

و قد حدثت وقعة شديدة بين أبغا، و بركه بعد هلاك هولاكو سنة 663 هزم فيها أبغا، و مزقت جموعه، ثم جرت وقعة أخرى بين أبغا، و منكوتمر بعد وفاة بركه خان سنة 665 هزم فيها منكوتمر.

و بذلك يكون اللّه سبحانه قد جعل بأس التتار بينهم شديد.

و لما كان عهد الملك المنصور السلطان قلاوون، تقدم التتار بجحافلهم سنة 680 لحرب المسلمين، و كان المصاف العظيم بين الفئتين بظاهر حمص، و قد أسفرت المعركة عن دحر التتار حيث قتل معظم رجالهم، و شرد الباقون، و لم يتقدم على التتار هزيمة أشد من هذه.

ثم هلك أبغا بن هولاكو، فخلفه أخوه بكدار الذي دخل في الإسلام، و تسمى بأحمد سلطان، فنقم منه التتار إسلامه و قتلوه، فتولى بعده أرغون بن أبغا، فما لبث أن هلك، فتولى مكانه رجل من التتار، و بعد هذا رجل آخر ثم تولى غازان بن أرغون سنة 694 و دخل في دين الإسلام، و أسلم‏ (1) معه خلق كثير من التتار.

و قد جهز غازان جيشا كبيرا من التتار، و زحف بهم إلى الشام في‏

____________

(1) ذكر الذهبي في معجم شيوخه الكبير ورقة 104 أ حادثة، أسلم بسببها أربعون ألفا من التتار، و ذلك أن كلبا لأمير تتري تنصر، افترس أحد كبار النصارى لتنقصه من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و كان ذلك في مجلس الأمير صاحب الكلب، و حضر هذه الواقعة بعض علماء المسلمين. و القصة طويلة تنظر في الكتاب المشار إليه.

و لا يفوتني في هذه التعليقة أن أذكر أن أول من أسلم من ملوك التتار في بلاد الترك و الصين هو «ترماشيرين» و ذلك سنة 725، و حسن إسلامه، و أمر أمراءه بذلك حتى فشا الإسلام في بلاده.

41

سنة 699، و كان المصاف بينهم و بين المسلمين بقيادة الملك الناصر بن قلاوون، عند حمص، و أسفرت المعركة عن هزيمة الناصر، ففر بجنده نحو مصر فتتبعته جنود التتار.

ثم دخل غازان إلى دمشق، و خطب له فيها مئة يوم بدل السلطان المملوكي، و هذه هي وقعة غازان الشهيرة التي نهبت فيها دمشق، و مكتباتها.

ثم تقدم التتار إلى غزة، و القدس، و الكّرك، فنهبوا، و غنموا الكثير، ثم عادوا مع ملكهم إلى ديارهم في الشرق.

ثم توجهوا مرة أخرى إلى بلاد الشام، و ذلك في سنة 700، لكنهم رجعوا على أعقابهم لشدة المطر.

و لما كانت سنة 702 عادوا إلى بلاد الشام، فذعر الناس، وفر الكثير منهم إلى بلاد مصر، و الكّرك، و الحصون، فالتقى معهم جيش مصر و الشام بقيادة السلطان الناصر في شقحب، و جرت بين الفريقين وقائع شديدة، و استبسل المسلمون، و صبروا في ساعات القتال، فأنزل اللّه سبحانه و تعالى عليهم النصر، و تم لهم قتل التتار المهاجمين عن آخرهم.

و لما علم غازان بهزيمة جماعته، وجه إلى الشام حملة كبيرة بقيادة نائبه، فالتقى معهم السلطان الناصر أيضا، و أوقع بهم الهزيمة، و قتل منهم مقتلة عظيمة، لا تدخل تحت الحصر، و الذين تمكنوا من الفرار أهلكهم الجوع و الغرق؛ فلله الحمد على منّه.

ثم توفي غازان سنة 703 كمدا على ما حل بجنده، فتولى الملك بعده أخوه خربنده، الذي ترفض بعد أن كان في أول ملكه سنيا، و أظهر بدعته في البلاد، فقويت الرافضة على أهل السنّة، و اشتطوا في ظلمهم لهم و شدتهم عليهم؛ و كان خربنده قد أراد غزو مكة لكن اللّه أهلكه قبل تحقق أمنيته، و ذلك في سنة 716. فتولى بعده ابنه بو سعيد.

42

و كان بو سعيد بن خربنده من خيار ملوك التتار في الشرق، و أحسنهم طريقة، حيث أذل الرافضة، و أظهر أهل السنّة، خلاف ما فعله أبوه، ثم توفي سنة 736 فضعف أمر التتار بعده ضعفا شديدا.

و في عهد بو سعيد، و بالتحديد في سنة 719 جرى اقتتال عظيم بين التتار أنفسهم فقتل منهم ما يربو على 30000 رجل، حتى كاد يزول ملكهم.

و بو سعيد بن خربنده هو آخر من ملك من بني هولاكو، و بموته تفرقت المملكة بأيدي أقوام.

ثم ظهر أمر التتار في عهد تيمور لنك ملك الشرق، حيث ضم لسلطانه كثيرا من بلاد ملوك التتار الآخرين، و تمكن من الاستيلاء على ممالك كثيرة، منها العراقين، و أقاليم ديار بكر و قام بتخريب بلاد عراق العرب، و بعض بلاد ديار بكر، ثم قصد البلاد الشامية في سنة 798 لكنه سرعان ما عاد منها إلى بلاده خوفا من السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق الجركسي الذي رابط بجنده عند حلب، و زاد من خوف تيمور لنك اتفاق ملك التتار الشّماليين طقتمش خان، و ملك بلاد الروم بايزيد بن عثمان، و صاحب سيواس القاضي برهان الدين أحمد، مع السلطان برقوق على نصرته في حرب التتار.

و بينما تيمور لنك في سمرقند بلغه خبر وفاة ملك الهند، و حدوث نزاع شديد بعده، فتوجه إلى تلك البلاد، و ملك حاضرة مملكتها مدينة دلهي‏ (1) و ذلك في سنة 800، بعد وقائع استعمل فيها الخديعة و المكر، ثم قام جنده فجاسوا خلال ديارها فقتلوا و أسروا و سبوا و نهبوا و خربوا.

و لما كان تيمور لنك ينظم أمر تلك الناحية، ورده الخبر بموت الملك الظاهر برقوق، و صاحب سيواس القاضي برهان الدين، فغمرته الفرحة، و استبشر بملك بلاد الشام و الروم، فخرج إلى حاضرة ملكه سمرقند، ثم قطع‏

____________

(1) لما ملك تيمور لنك مدينة دلهي كان غالب أهلها مسلمين، و سلطانها كذلك.

43

البلاد حتى وصل إلى سيواس في بلاد الروم، فحاصرها، ثم دخلها عنوة، و أهلك جميع مقاتلتها حيث دفنهم و هم أحياء؛ ثم قصد عدة مناطق من بلاد المماليك الشمالية فنهبها و خربها و سفك فيها الدماء.

عندها أصاب الناس في بلاد الشام ذعر شديد، و ازداد خوفهم لما علموا برفض الأمراء المصريين لطلب ملك بلاد الروم بايزيد بن عثمان الذي دعى فيه إلى جمع الشمل لمقاتلة التتار، و لما رأوا من تخاذل السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق، و تباطئه عن المسير إلى الشام.

و كان نواب المماليك في الشام قد قرروا أن يخرجوا بجموعهم لمقاتلة التتار، فتوجهوا إلى حلب، حيث انضم إليهم أهل حلب جميعهم، ثم خرجوا إلى ظاهر المدينة، فزحف عليهم تيمور لنك بجنود كثيرة، كالجراد المنتشر- و ذلك في سنة 803- و اشتد القتال بين الفريقين، و أبلى نواب الشام بلاء حسنا، لكن لم تمض فترة وجيزة من اللقاء إلا و جنود الشام يفرون إلى حلب، فتتبّعهم التتار بشدة حتى هلك من المسلمين من شدة الزّحام و تحت حوافر الخيل ما لا يدخل تحت الحصر.

ثم دخل تيمور لنك بقبيله حلب، فاستباحوها، و كثر منهم القتل، و السبي، و النهب، و التخريب، فقتلوا الرجال و الأطفال، و سبوا النساء، و ارتكبوا فيهن العظائم، و هدموا الدور، و قطعوا الأشجار، و أحرقوا المساجد و المدارس و المكتبات، و أشعلوا النار في حلب كلها حتى صارت أطلالا بالية.

و في هذه الفترة كان ابن تيمور لنك قد ملك حماه، و سار فيها سيرة أبيه في حلب.

ثم مضى تيمور لنك لعنه اللّه إلى دمشق، و كان أهلها، و مقاتلتها قد أتموا تحصينها، و استعدوا لملاقاة التتار، و بينما هم كذلك وصل السلطان فرج بن برقوق إلى دمشق، و عسكر مع جنده في ظاهرها، و من ثم أخذت جموع التتار

44

تتقدم نحوهم، حتى كان المصاف بين الفريقين في سنة 803، و حمي بينهم و طيس القتال، و اشتد الأمر على المسلمين.

و في ساعة العسرة هذه، أشيع بين صفوف جند السلطان أن أحد الجراكسة في مصر نصب نفسه ملكا، فخرج بعض الأمراء بالسلطان سرا نحو مصر، و لما علم كبار الأمراء و القواد بذلك تبعوا سلطانهم، فضعفت عندها العزائم، و خارت القوى، و تراجع المسلمون حتى دخلوا دمشق، و أغلقوا أبوابها، و عزموا على القتال حتى ينالوا إحدى الحسنيين.

ثم تقدم تيمور لنك إلى دمشق، فأحكم حصارها، و قاتلها قتالا شديدا، لكنه لم يتمكن من دخول، أو نقب شي‏ء من أسوارها لشدة حصانتها، و تفاني أهلها في الدفاع عن أنفسهم، و بلدهم؛ عندها أعمل تيمور لنك الخديعة، فقد دعى أهل دمشق إلى طلب الأمان، فطلبوه بعد خلاف بينهم، و أرسلوا أحد القضاة إلى تيمور لنك، فأغراه ملك التتار، و أحسن له في الكلام، و تلطف معه في القول، و هو يكثر الذكر و التسبيح مكرا و خدعة، و للّه در القائل:

قد بلينا بأمير* * * ظلم الناس و سبح‏

فهو كالجزار فيهم‏* * * يذكر اللّه و يذبح‏

فرجع القاضي إلى دمشق، و راح يسرد على الناس محاسن تيمور لنك، و أنه رجل عاقل يريد الصلح، حتى أقنع كثيرا من الناس بحسن نية الخبيث تيمور لنك، ثم فتحت بعض أبواب دمشق، و أخذ ملك التتار يشتط في طلب الأموال و الذخائر حتى عدمت الأقوات، و غلت الأسعار، و وقع الناس في بلاء شديد.

ثم قسم تيمور لنك دمشق على أمرائه، فراحوا يسومون أهلها سوء العذاب عند استخراج الأموال منهم، حتى هلك بالعقوبة الشديدة القاتلة، و الجوع خلق لا يعلم عددهم إلا اللّه.

45

كما قام التتار باقتراف العظائم بالنساء أمام ذويهن، و لم ينج أحد من القتل و الأسر إلا الأطفال الذين لم يبلغوا الخامسة من أعمارهم الذين هلك معظمهم جوعا، بل يذكر بعض المؤرخين أنه جمع لتيمور لنك أطفال دمشق الذين هم دون الخامسة و كانوا نحو عشرة آلاف طفل فأمر جنده أن يسوقوا الخيل عليهم، حتى ماتوا أجمعين.

و قد أخرج التتار الأسرى من الرجال و النساء و الأولاد من دمشق، و أضرموا النار في المنازل و المساجد و المدارس و المتاجر و الأسواق، حتى أصبحت دمشق بلاقعا كأن لم تغن بالأمس.

ثم خرج تيمور لنك نحو حلب، فوصلها و أهلك من كان قد عاد إليها، ثم زحف إلى بغداد فوضع السيف في أهلها حتى بلغ عدد قتلاها في ذلك اليوم نحو مئة ألف إنسان. ثم عطف إلى بلاد الروم، و كان المصاف بينه و بين صاحبها بايزيد بن عثمان- و ذلك في سنة 804- فاستطاع تيمور لنك بمكره أن يشتت جند ملك بلاد الروم، حتى انضم الكثير منهم إلى فئته الباغية، ثم نشبت الحرب بينه، و بين ما تبقى من جند بايزيد الذي قتل معظمهم ظمأ، فهزموا، و أسر بايزيد، و ظل في الأسر حتى مات (رحمه اللّه).

و بعد أن تم للتتار القضاء على جند بلاد الروم راحوا يعيثون فيها الفساد، فقتلوا، و سبوا، و نهبوا، و خربوا كما هي عادتهم.

ثم توجه تيمور لنك نحو بلاد الصين يريد الاستيلاء عليها، فهلك إلى غير رحمة اللّه سنة 807 قبل الوصول إليها، فتولى بعده حفيده.

و بذا ينتهي المدخل التاريخي الذي جعلته مقدمة لموضوع أسباب قوة الحركة العلمية و ضعفها في بلاد الإسلام.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

أسباب قوة الحركة العلمية و ضعفها في بلاد الإسلام‏

[الفقرة الأولى: أسباب قوة الحركة العلمية في بلاد الإسلام‏]

لقد بعث الإسلام في أرجاء الأرض نهضة علمية فريدة و عظيمة، بدّد نورها ظلام الجهل، و عمّ ضياؤها الحزن و السهل، فأنس الناس بحسن رونقها، و استعذبوا طيب حلاوتها، و قرّت عيونهم ببهاء نضرتها، فلم يمض عصر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و عصر الراشدين المهديين من بعده، حتى انتشر العلم في جميع ديار المسلمين، فأولاه الناس عظيم عنايتهم، و توجهوا إليه بكليتهم، فعشقته النفوس، و شغفت بحبه القلوب، و شنفت لسماعه الآذان، و ودّ كل ذي علم أن ينال منه القسط الأوفى، و القدح المعلّى، و لكن هيهات أن يحاط بجملته، لأنه غائر الأعماق، واسع الآفاق، فهو بحر تنقطع الآجال دون بلوغ ساحله، و فضاء تقصر الأبصار عن درك آخره، هذا فيما مكننا اللّه من علمه، فكيف بما وراء ذلك! و صدق ربنا حيث يقول: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (1).

و يمكنني أن أشرع في معالجة هذا الموضوع «أسباب قوة الحركة العلمية و ضعفها في بلاد الإسلام» من خلال تقسيمه إلى فقرتين رئيستين تبرزان في عنوانه، ألا و هما:

(1) أسباب قوة الحركة العلمية في بلاد الإسلام.

(2) أسباب ضعفها.

____________

(1) الإسراء 85.

48

فالفقرة الأولى: و هي أساس هذا الباب، و صلبه، يمكن تناولها بدقة من خلال عرض تلك الأسباب، و توضيح مقاصدها، و إليك هذا العرض و التوضيح:

السبب الأول: دعوة القرآن الكريم و السنة المشرفة إلى التعلم، و حثّهما الناس على طلب العلم، و بيانهما لفضيلته، و إشادتهما بأهله.

فقد قال اللّه تعالى في كتابه الحكيم: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (1)، و قال أيضا: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏ (2)، و قال أيضا: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (3)، كما أمر سبحانه و تعالى رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، و من ثمّ عباده بالاستزادة من العلم فقال سبحانه: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (4).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين» (5)، و قال أيضا: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك اللّه له طريقا إلى الجنة، و إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، و إن العالم ليستغفر له من في السماوات، و من في الأرض، حتى الحيتان في الماء، و فضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (6).

____________

(1) الزمر 9.

(2) المجادلة 11.

(3) فاطر 28.

(4) طه 114.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب 13، حديث 1، و في كتاب الاعتصام بالسنّة، باب 10، حديث 1.

(6) أخرجه الترمذي في جامعه- و اللفظ له- في كتاب العلم، باب 19، حديث 2، و أبو داود في سننه في كتاب العلم، باب 1، حديث 1، و ابن ماجه في سننه في المقدمة باب 17، حديث 4، و أحمد في مسنده 5/ 196.

49

السبب الثاني: العمل بالعلم‏

: لا شك أن الالتزام العملي بما يعلم، يرسخ المعلومات في الأذهان، و يثبتها، و قد كان صحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و من بعدهم من أئمة الدين، يقرنون العلم بالعمل‏ (1)، و القول بالفعل، و من الأدلة على هذا قول ابن مسعود رضي اللّه عنه: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، و العمل بهن» (2) و قول أبي عبد الرحمن السلمي التابعي: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا، أنهم كانوا يستقرئون من النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن، و العمل جميعا» (3).

و أمر آخر و هو أن اللّه سبحانه يهب عباده المؤمنين العاملين قوة في علمهم، و ثباتا في ذهنهم فضلا منه و رحمة، فقد حكي عن عيسى بن مريم (عليه السلام) أنه قال: «من عمل بما يعلم ورثه اللّه علم ما لم يعلم» (4) فهذا القول و لو لم نعلم صحة نسبته إلى عيسى (عليه السلام) فإنه صحيح المعنى، أما العصاة المذنبون فإنهم يحرمون بركة العلم، قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي‏* * * فأرشدني إلى ترك المعاصي‏

و أخبرني بأن العلم نور* * * و نور اللّه لا يهدى لعاص‏ (5)

السبب الثالث: ترغيب الشارع في تبليغ العلم، و ترهيبه من كتمه‏

: فقد رغب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمته في تبليغ العلم عنه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «نضّر اللّه امرءا سمع‏

____________

(1) لا يفهم من هذا أنهم كانوا يفعلونه لأجل تقوية الحافظة، فحاشاهم من ذلك، بل قصدهم الطاعة، و الخضوع للّه تعالى، لكن هذا المقصد يلزم منه ذلك.

(2) أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 80، و ذكره القرطبي في التفسير 1/ 39 عن عثمان، و أبيّ أيضا.

(3) أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 80.

(4) نسب هذا القول إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هي نسبة باطلة، انظر الحلية لأبي نعيم الأصبهاني 10/ 15، و المغني عن حمل الأسفار في الأسفار للحافظ العراقي 1/ 71.

(5) ديوان الإمام الشافعي ص 54.

50

منا حديثا فحفظه حتى يبلّغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، و رب حامل فقه ليس بفقيه» (1)، و قال أيضا: «نضّر اللّه امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمع، فرب مبلّغ أوعى من سامع» (2).

بل أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صحابته (رضوان اللّه عليهم) بتبليغ ما يتلقونه عنه إلى من خلفهم، كيما يشيع العلم، و يفيض الخير، فقال (عليه الصلاة و السلام) في خطبته بعد الفتح بمكة: «و ليبلّغ الشاهد الغائب» (3)، و قال ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «ليبلغ العلم الشاهد الغائب» (4).

و قد حذر اللّه سبحانه، و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) من كتم العلم، و حجبه، فقال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ (5).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللّه بلجام من نار يوم القيامة» (6).

فهذا الترهيب، و ذاك الترغيب كان لهما وقع شديد في نفوس أهل العلم، فقد حملاهم على الاعتناء بتبليغ علوم الشريعة إلى الناس كافة، و هم يرجون‏

____________

(1) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب العلم، باب 10، حديث 2؛ و الترمذي في جامعه، في كتاب العلم أيضا، باب 7، حديث 1- و اللفظ لهما- و ابن ماجه في سننه، في المقدمة باب 18، حديث 2 و 7.

(2) أخرجه الترمذي في جامعه في كتاب العلم، باب 7، حديث 2.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب 37، حديث 1، مطولا.

(4) هذا من معلقات البخاري في صحيحه التي جزم بها، كتاب العلم، باب 37.

(5) البقرة 159- 160.

(6) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب العلم، باب 9، حديث 1- و اللفظ له- و الترمذي في جامعه، في كتاب العلم أيضا، باب 3، حديث 1، و ابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب 24، حديث 1، 4- 6.

51

لأنفسهم صفة النّضارة التي وعدوا بها، و يخشون من لعنة اللّه، و من لجام النار يوم القيامة إن هم كتموا ما أمروا بتبليغه.

و مع هذا فلم ينسق العلماء في الرواية، بل احتاطوا فيها كل حيطة، خشية من التّقوّل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما لم يقله، لأنهم يروون عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قوله: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» (1)، و قوله أيضا:

«من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (2)، و قوله أيضا: «من حدث عني حديثا و هو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (3).

و قد صرح بعض الصحابة بأنهم ما حدثوا حديثا لولا تلك الآيتان اللتان أوعدتا كاتم العلم، و صرح بعضهم أيضا بأن الذي حملهم على التقليل من الرواية حديث من كذب عليّ ... و إليك إثبات ذلك:

فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: «إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، و لولا آيتان في كتاب اللّه ما حدثت حديثا، ثم يتلو: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى- إلى قوله- الرحيم» (4).

و عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما أنه قال: «قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما يحدث فلان، و فلان قال: أما إني‏

____________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب 38، حديث 2- و اللفظ له- و حديث 3؛ و في كتاب الجنائز، باب 34، حديث 1؛ و في كتاب الأنبياء، باب 50، حديث 9؛ و في كتاب الأدب، باب 109، حديث 4؛ و مسلم في صحيحه، في المقدمة، باب 2، حديث 2- 4؛ و في كتاب الزهد، باب 16، حديث 2. و هذا الحديث متواتر، و في بعض روايات البخاري المذكورة زيادة «متعمدا» بعد قوله: «من كذب عليّ»، كما أنها في جميع روايات مسلم المذكورة مع اختلاف الصيغة في بعض تلك الروايات.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب 38، حديث 4.

(3) أخرجه الترمذي في جامعه، في كتاب العلم، باب 9، حديث 1؛ و ابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب 5، حديث 1 و 2- و اللفظ له فيهما- و حديث 3 و 4.

(4) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب 42، حديث 1.

52

لم أفارقه، و لكن سمعته يقول: من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» (1).

لذا سار أئمة الهدى في تبليغهم طريقا عدلا وسطا، فلم يحدثوا إلا بما اطمأنت إلى صحته نفوسهم، و لم يجرءوا على كتم العلم، حتى إن أبا هريرة رضي اللّه عنه قال: «لو وضعتم الصّمصامة (2) على هذه- و أشار إلى قفاه- ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتها» (3).

السبب الرابع: بناء الأمصار و المدن‏

: لا ريب أن ينبوع الحضارة الزاهرة، و النهضة العامرة، يتفجر حيث الأمن، و الجماعة، و الاستقرار، و هذه العناصر كانت تتفرد بالاتصاف بها المدن، و حواضر البلدان.

فقد قام الراشدون المهديون (رضوان اللّه تعالى عليهم) و كذلك الخلفاء، و الملوك، و السلاطين من بعدهم، ببناء الأمصار، و المدن في مختلف أصقاع الأرض، لتكون مركزا صالحا لتجمع الجند، و انطلاقهم للفتوحات، و لتكون أيضا مجمعا للناس، و مأمنا لهم من أهل العبث و الفساد.

و عندما يأمن الناس من الشرور، و يكفون مؤونة النفير لرد العدوان، يتطلعون إلى الغذاء الروحي العظيم الذي هو العلم، فكانت المدن و الأمصار موئلا للعلوم، و منارا للفنون، و كانت كثرتها باعثة على النهضة العلمية العريقة التي تميزت بها الأمة الإسلامية.

و من أهم تلك المدن و الأمصار: مكة، و المدينة، و البصرة، و الكوفة، و بغداد، و دمشق، و الفسطاط، و القاهرة، و القيروان، و فاس، و قرطبة،

____________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب 38، حديث 2.

(2) هي السيف الصارم الذي لا ينثني، و قيل: الذي له حد واحد. فتح الباري 1/ 161.

(3) أخرجه الدارمي في سننه، في المقدمة، باب 46، حديث 4؛ و ذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم، في كتاب العلم، باب 10.

53

و بخارى، و نيسابور، و مرو، و الرّيّ، و مرّاكش، و غرناطة، و غيرها من المدن التي كان لها دور بارز في نشاط الحركة العلمية.

السبب الخامس: سكن الخلفاء و الملوك و السلاطين في المدن و الأمصار

: فمن تأمل تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين، وجدها في أوج نشاطها، و كامل نموها، في حواضر الدول التي كان يسكنها الحكام الكبار.

فحاضرة العباسيين بغداد، و حاضرة الأمويين في الأندلس قرطبة، و حاضرة السامانيين بخارى، و حاضرتا السّلاجقة مرو و الرّيّ، و حاضرة الموحدين مرّاكش، و حاضرة الدولتين الصلاحية و المماليكية القاهرة، لم يبلغن الدرجة العلمية الرفيعة لولا حلول حكامها العظام فيها، و قد أحسن ياقوت في قوله:

«إنما تعمر البلدان بسكنى السلطان» (1).

السبب السادس: فشو العلم في الحكام، و اهتمامهم به، و تشجيعهم للعلماء، و إنشاؤهم للمراكز العلمية كالمدارس، و المكتبات.

و أجد لزاما عليّ قبل الدخول في صلب هذا الموضوع، أن أذكر لمحة موجزة عن نوعية الحركة العلمية في البلاد الإسلامية فأقول: كانت العلوم من لدن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى آخر عهد الأمين العباسي لا تخرج عن العلوم النقلية، و المساعدة لها، و عن بعض العلوم العقلية النافعة المفيدة، فكانت علوم القوم في هذه الفترة: القراءات، و التفسير، و علوم القرآن، و الحديث، و علومه، و التاريخ، و الأنساب، و السير، و اللغة، و النحو، و الأدب، و الطب، و الهندسة، و نحو ذلك.

فلما كان عهد المأمون العباسي فرط عقد هذا النظام، حيث شغف هذا الخليفة بعلوم الأوائل، و صبت نفسه إليها، فناصرها، و أمر بترجمة و نشر كتب كثيرة منها، فكان ذلك مبدأ فساد العلوم في ديار الإسلام، إلى أن أذن اللّه‏

____________

(1) معجم البلدان 4/ 454.

54

بخلافة المتوكل فأبطل هذا الأمر، و أعاد الأمة إلى سبيل الخير و الرشاد، و نصر العلوم النقلية، فشكره الناس على فعلته الحميدة هذه.

و لما ضعفت الدولة العباسية، و وهنت قواها، و استقلت ولاياتها، اختلط الأمر، فدولة تراها تميل إلى العلوم النقلية، و دولة تراها تجنح إلى العلوم العقلية البحتة، و منهم من يتوسط بين الأمرين. و مجمل القول في ذلك أن الدولة الإسلامية التي كان يحكمها أهل السنّة تنتشر فيها العلوم النقلية، و خاصة علم الحديث، أما الدول التي حكمها الرافضة، و أهل البدع فتراها منغمسة في علوم الأوائل، و محاربة لبعض العلوم الإسلامية، و أصدق مثال على هذا دولة بني بويه في المشرق، و بغداد، و الدولة العبيدية في المغرب، و مصر.

و أعود الآن إلى أصل الموضوع، و أتناوله فقرة فقرة:

أولا- فشو العلم في الحكام، و عنايتهم به:

فقد كان الراشدون (رضوان اللّه تعالى عليهم) أهل علم و فقه، و كان كثير من الخلفاء بعدهم على شاكلتهم، كمعاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه و عبد الملك بن مروان، و عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه و أبي جعفر المنصور، و المهدي بن المنصور، و هارون الرشيد بن المهدي، و المأمون بن الرشيد، و الواثق باللّه بن المعتصم.

كما برز في العصر الثاني للدولة العباسية خلفاء علماء كالقادر باللّه بن المقتدر، و المستظهر باللّه بن المقتدي باللّه، و المسترشد باللّه بن المستظهر باللّه، و الراشد باللّه بن المسترشد باللّه، و المقتفي لأمر اللّه بن المستظهر باللّه، و الناصر لدين اللّه بن المستضي‏ء بأمر اللّه.

بل كان من خلفاء العباسيين بمصر من له اشتغال بالعلم، و مشاركة للعلماء كالمستكفي باللّه بن الحاكم بأمر اللّه، و المعتضد باللّه بن المتوكل على‏