الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف‏

- محمد بن محمد ابن ظهيرة المزيد...
346 /
5

مقدمة التحقيق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

ابن ظهيرة (1): محمد بن محمد بن أبى بكر بن ظهيرة القرشى المخزومى.

ولد بمكة، و ذكر معاصرون أنه كان شيخ الفتيا و التدريس و مرجع العلماء و صفوة الفقهاء بمكة المشرفة، كما كان مفرد زمانه فى العلم و الفضل و الدين و التقوى.

من آثاره التاريخية: الجامع اللطيف فى فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف، و هو هذا الذى نقدم له اليوم.

و قد عبّر فى مقدمته عن رغبته فى وضع تأليف متوسط بين الإطالة و الاختصار، و رتبه على مقدمة و عشرة أبواب و خاتمة، و جعل المقدمة فى فضل العلم، أما الأبواب فخصصها بما يتعلق بالكعبة المشرفة و فضلها و عمارتها و وصف ما بداخلها و ما ورد فى فضل المقام و الحجر الأسود و الملتزم و ماء زمزم و فضل المسجد الحرام و عمارته، و فضل مكة و ذكر أمرائها، و الخاتمة فى ذكر الأماكن و المشاهد بمكة المكرمة.

و قد اعتمد ابن ظهيرة على مصادر متنوعة من كتب التاريخ و السيرة و المناسك و التفسير و غيرها (2).

هذا و قد استندت فى تحقيق نص ابن ظهيرة إلى:

النسخة التى طبعت بمطبعة عيسى الحلبى بالقاهرة سنة 1938 م.

كما استعنت بمخطوطة دار الكتب المصرية برقم 2946 تاريخ. و قد رمزت إليها بالحرف (د).

____________

(1) كذا قيّده صاحب تاج العروس بفتح الظاء و كسر الهاء.

(2) التاريخ و المؤرخون بمكة لمحمد الحبيب الهيلة ص 236، 237.

6

و قد أشرت إليهما معا فى تعليقاتى (بالأصلين).

و كان حرصى على سلامة النص أكثر من حرصى على التعريف بالأعلام و البلاد و الإسراف فى الشرح و التعليق، إذ كان ذلك أهم ما يحتاج إليه العلماء و الباحثون عند الرجوع إلى الكتب المحققة.

كما قمت فى آخر الكتاب بعمل الفهارس المتنوعة التى تقرب نفعة، و تدنى جناه.

القاهرة فى ذى الحجة سنة 1422 ه

مارس سنة 2002 م‏

د/ على عمر

7

غلاف نسخة دار الكتب المصرية رقم 2946 تاريخ‏

8

الصفحة الأولى من نسخة دار الكتب المصرية رقم 2946 تاريخ‏

9

الصفحة الأخيرة من نسخة دار الكتب المصرية رقم 2946 تاريخ‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[خطبة الكتاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذى أسبغ على أهل مكة بمجاورة بيته الأمين مواد الفضل و النعمة.

و جعلهم أهله و خاصته فخرا لهم و تنويها بشأنهم لما اقتضته الحكمة. و خص من شاء منهم بباهر العز و الجلال و دفع عنه كل بؤس و نقمة. و حباه بمزيد العناية و الشرف فصار له جارا و جار اللّه جدير بوافر الإنعام و الحرمة.

أحمده على انتظامى فى هذا السلك، و أشكره على تفضلاته الجمة. و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له الذى أكرمنا بخير نبى كنّا به خير أمة. و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله المبعوث فى هذه البقعة المطهرة لكشف غياهب الشك و الظلمة، صلى اللّه عليه و على آله و أصحابه السادة الأئمة، الذين ناصروه و ظاهروه على عدوه و قاموا فى مصالحه على همة، صلاة و سلاما دائمين مقرونين بعظيم البركة و الرحمة.

أما بعد: فيقول الفقير إلى عفو اللّه و لطفه الخفى، محمد جار اللّه بن ظهيرة القرشى المكى الحنفى: اعلم أنه لا يخفى على كل عاقل من ذوى الألباب السليمة، و الأفكار الرائقة الحسنة المستقيمة، أن الكعبة الشريفة هى أفضل مساجد الأرض و أنها بيت اللّه الحرام، و قبلة لجميع الأنام. و أن مكة المشرفة هى البلد الأمين، و مسقط رأس سيد المرسلين. و أهلها هم خاصة اللّه من البشر. الحائزون نهاية الشرف و الفخر و الظفر.

و المسجد الحرام فضله لا ينكر. و ما طوى من فضائله لم يزل ينشر. و الأدلة على ذلك من الكتاب و السنة أكثر من أن تحصى، و أعظم من أن تستقصى، و قد تصدى لتأليف فضائل مكة و أخبارها جمع كثير من فضلاء المتقدمين أجلهم الإمام المتقن أبو الوليد الأزرقى تغمده اللّه برحمته.

و من المتأخرين السيد العلامة المحرر القاضى تقى الدين الفاسى المكى بوأه اللّه دار كرامته، و هو المعول عليه، فإنه (رحمه اللّه) قد أغرب و أبدع، و أتى فى مؤلفه «شفاء الغرام» و مختصراته بما يشفى و ينفع، و أظهر فى ذلك جملا من المحاسن و المفاخر، و إن كان‏

12

للمتقدم عليه فضل السبق و التأسيس فكم ترك الأول للآخر، غير أن الجميع رحمهم اللّه قد أطالوا الكلام و بالغوا فى الإسهاب، و نشروا العبارة و بسطوها فى جميع الكتاب، بحيث من أراد الإحاطة بذلك يحتاج إلى استيعاب جميع المؤلف مع كبر الحجم ليقف على ما هنالك. و ربما قدم بعضهم ما يحسن تأخيره، و أخر ما يحسن تقديمه و تقريره.

و ممن جنح أيضا إلى هذا الغرض و ذكره ضمنا أرباب كتب المناسك فى أوائل مناسكهم، فمنهم من أوسع العبارة و أطال بما يمكن أن يدرك بأدنى إشارة، و منهم من مال إلى الإيجاز و الاختصار، و مع ذلك فلم تسلم عبارته من التكرار، و بعضهم ضيق العبارة جدا، بحيث إنه ذكر ذلك فى نحو ست ورقات عدا، فأخل حينئذ بما تعين أن يذكر، و أضرب صفحا عن أمور وجب أن تثبت و تشهر.

فلما وجدتها على ما وصفت و لم أقف على مؤلف متوسط فى ذلك يدل على المقصود، و لا ظفرت بتعلق مفرد يكون جامعا لما هو فى أسفار علماء هذا الفن موجود.

أحببت أن أجعل بعد الاستخارة تعليقا لطيفا غير مختصر مخل، و لا مطول ممل.

يكون عدة للقصاد، سالكا إن شاء اللّه تعالى سبيل التوسط و الاقتصاد لقصور الهمم فى هذا الزمان عن مطالعة المطولات، و مراجعة المبسوطات.

أجمع فيه ما تفرق من منثور الكلام، و أضم كل لفظ إلى مناسبه ليحصل كمال الالتئام، و لما أن التأليف فى هذا الوقت ليس هو إلا كما قال بعضهم: جمع ما تشتت، ورم ما تفتت مع زيادة فروع فقهية، و أحاديث نبوية. و آثار ضوية. و فوائد كثيرة. و لطائف غزيرة. مع تحرير عبارة و تقرير و إشارة.

مثبتا ذلك على قدر الفتوح. حسبما هو موجود فى الأسفار مشروح، عازيا كل قول غالبا إلى قائله، و مبينه لطالعه و سائله، ليكون للواقف عليه عمدة، و أخرج بذلك من الدرك و العهدة.

و ما فتح اللّه به فى كلامى على سبيل البحث ميزته بقولى فى أوله بما صورته أقول أو بحث، و فى آخره انتهى، أو و اللّه الموفق بالقلم الأحمر (1)، و شرطت أن لا يخل الناسخ‏

____________

(1) فى هامش المطبوع: «اكتفينا بجعله بين قوسين» و قد أبقينا عليه كما ورد فى المطبوع.

13

بذلك ليتميز عن كلام الغير، هذا مع اعترافى بكساد البضاعة و عدم التقدم فى هذه الصناعة، فشرعت مجتهدا فى ذلك، طالبا من اللّه تيسير تلك المسألة، و سميته:

«الجامع اللطيف فى فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف» و رتبته على مقدمة و عشرة أبواب و خاتمة.

المقدمة فى فضل العلم.

الباب الأول: فى مبدأ أمر الكعبة الشريفة و بيان فضلها و شرفها و ما ورد فى ذلك من الآيات و الأحاديث و الآثار، و ما سبب تسميتها الكعبة و تسميتها بالبيت العتيق.

الباب الثانى: فى زيادة تعظيم هذا البيت الشريف و ما جاء فى فضله من الآيات الشريفة، و العجائب الباهرة المنيفة، و ما ورد فى فضل المقام و ما سبب تسميته بالمقام و فيه فصلان: (الأول) فى ذكر الحجر الأسود و ما ورد فى فضله و شرفه (و الثانى) فى فضل الملتزم و الدعاء فيه و ذكر الفيل و خبر تبع.

الباب الثالث: فيما يتعلق ببناء الكعبة الشريفة و عدد مرات بنائها و فيه أربعة فصول:

(الأول) فى الكلام على البيت المعمور و ذكر شى‏ء من فضل جدة على سبيل الاستطراد (و الثانى) فى ذكر كنز الكعبة و الكلام فيه (و الثالث) فى الكلام على دخول الكعبة الشريفة و ما ورد فى ذلك (و الرابع) فى ثواب دخوله.

الباب الرابع: فى الكلام على كسوة الكعبة الشريفة و تطييبها و تحليتها و معاليقها، و فيه فصل فى الكلام على سدانة البيت.

الباب الخامس: فى فضل الطواف بالبيت و الطائفين به، و فيه ثلاثة فصول: (الأول) فى النظر إلى البيت (الثانى) فى بيان المواضع التى صلى فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حول الكعبة (الثالث) فى بيان وجهة المصلين إلى القبلة من سائر الآفاق.

الباب السادس: فى فضل مكة شرفها اللّه تعالى و حكم المجاورة بها، و فيه ثلاثة فصول: (الأول) فى أفضليتها على المدينة (الثانى) فى أفضلية قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) على سائر البقاع (الثالث) فى ذكر أسماء مكة المشرفة.

14

الباب السابع: فى فضل الحرم و حرمته و فضل المسجد الحرام و خبر عمارته، و فيه خمسة فصول: (الأول) فى ذكر الآيات المختصة بالحرم (الثانى) فى الكلام على تعريف المسجد الحرام، و فيه ذكر شى‏ء من خبر الإسراء على سبيل الاستطراد (الثالث) فى ذكر عمارة المسجد الحرام (الرابع) فى خبر عمارة الزيادتين اللتين به و ذرعه و ذكر المنابر (الخامس) فى كيفية المقامات التى بالمسجد الحرام و بيان مواضعها و حكم الصلاة فيها و ما فى المسجد من القباب و الأبنية و عدد أبواب المسجد الحرام.

الباب الثامن: فى فضل أهل مكة و شرفهم و ما ورد فى ذلك، و فيه فصل واحد يتعلق بذكر نسب النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و نسب أصحابه العشرة، و ذكر شى‏ء من مناقب قريش.

الباب التاسع: فى ذكر مبدأ بئر زمزم و فضل مائها و أفضليته و خواصه، و فيه فصلان (الأول) فى ذكر أسمائها (الثانى) فى آداب الشرب منها.

الباب العاشر: فى عدد أمراء مكة من لدن عهد النبى (صلى اللّه عليه و سلم) إلى يومنا هذا.

الخاتمة: فى ذكر الأماكن المباركة التى يستحب زيارتها بمكة و حرمها و خارجها من المواليد و الدور و المساجد و الجبال و المقابر، سائلا من كرم اللّه و لطفه أن يهدينى إلى الطريق السواء و يجعلنى ممن أخلص النية فى العمل، و إنما لكل امرئ ما نوى، مستعينا به فيما أردت، مؤملا من فضله إتمامه حسبما قصدت، و هو الموفق للصواب، و إليه المرجع و المآب.

15

المقدمة فى فضل العلم الشريف و أهله و طالبيه و ما ورد فيه من الآيات العظيمة و الأخبار الكريمة و الآثار الجسيمة

اعلم أن العلم شرف الإنسان. و فخر له فى جميع الأزمان. و هو العز الذى لا يبلى جديده. و الكنز الذى لا يغنى مزيده. و قدره عظيم. و فضله جسيم. قال اللّه تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (سورة فاطر: 28) برفع العلماء على الفاعلية. أى إنما يخاف اللّه من عرفه حق معرفته و هم العلماء. و قرئ فى الشواذ برفع الاسم الشريف على الفاعلية و نصب العلماء على المفعولية. و هذا مروى عن جماعة من العلماء منهم إمامنا أبو حنيفة رضى اللّه عنه. كان الأستاذ الكمال ابن الهمام فى مجلس تدريسه فأورد عليه سائل قراءة أبى حنيفة المذكورة فأجاب بقول الشاعر:

أهابك إجلالا و ما بك قدرة* * * علىّ و لكن مل‏ء عين حبيبها

و حينئذ فالمراد بالخشية الإجلال. فيكون المعنى على هذا إنما يجل اللّه من عباده العلماء، و قال تعالى‏ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ‏ (سورة آل عمران: 18) الآية. فقرنهم بالملائكة ثم عطف شهادتهم على شهادته و ميزهم من بين سائر الخلق و فضلهم على جميع الناس لقوله تعالى: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ (سورة العنكبوت: 43) و منّ على سيد البشر بقوله تعالى: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (سورة النساء: 113) قال تعالى تنويها بشأن العلماء: وَ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لا آباؤُكُمْ‏ (سورة الأنعام: 91) و قال تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ (سورة العلق: 5) و قال تعالى فى جواب الكفار حين سألوا و ما الرحمن: الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ‏ (سورة الرحمن: 1: 4) و قال تعالى فى حق العلماء: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (سورة الزمر: 9) و قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ‏

16

آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ‏ (سورة المجادلة: 11) قال بعض المفسرين: يرفع اللّه المؤمن العالم على المؤمن غير العالم. قال بعض العلماء: رفعتهم تشمل المعنوية فى الدنيا بحسن الصيت و علوّ المنزلة، و الحسية فى و الآخرة بعلوّ المنزلة فى الجنة، و قال تعالى: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (سورة طه: 114) وجه الدلالة أن اللّه تعالى لم يأمر نبيه بطلب الازدياد من شى‏ء إلا من العلم. و مثل هذا كثير فى كتاب اللّه، و فى بعض الكتب المنزلة (يقول اللّه: أنا الذى خلقت الخلق و القلم و علمت الناس البيان).

و أما ما جاءت به بالسنة فأكثر من أن يحاط به. فمن ذلك ما روى عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «طلب العلم فريضة على كل مسلم، و طالب العلم يستغفر له كل شى‏ء حتى الحوت فى البحر».

و روى عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من غدا ليطلب العلم صلت عليه الملائكة و بورك له فى معيشته».

و عن أبى الدرداء رضى اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك اللّه به طريقا من طرق الجنة».

و فى رواية: (سهل اللّه له به طريقا إلى الجنة، و إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضاها بما يصنع). قال بعض العلماء المراد بوضع الأجنحة التواضع على جهة التشريف. و قيل على الحقيقة تضع أجنحتها لهم فيمشون عليها و لا يدركون ذلك للطافة أجسادهم.

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «العلماء ورثة الأنبياء، و إن الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما و لكن ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر».

و عن أبى إسحاق المزنى يرفعه إلى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «يقال للعابد يوم القيامة ادخل الجنة، و يقال للعالم: قف فاشفع لمن شئت».

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «العالم و المتعلم كهذه من هذه» و جمع بين المسبحة و التى تليها «شريكان فى الأجر، و لا خير فى سائر الناس بعد».

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا لذلك، و لا تكن الخامس فتهلك».

17

و عن أبى أيوب الانصارى رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «مسألة واحدة يتعلمها المؤمن خير له من عبادة سنة و خير له من عتق رقبة من ولد إسماعيل».

لطيفة [تخصيص اولاد اسماعيل بالذكر]

: تخصيص أولاد إسماعيل بالذكر دون غيرهم قيل: لكونهم أفضل أصناف الأمم، فإن العرب أفضل الأمم، ثم أفضلهم أولاد إسماعيل. و قيل: لأن أولاد إسماعيل لم يجز عليهم رق قبل الإسلام.

و عن أبى أمامة رضى اللّه عنه عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته» رواه مسلم.

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم».

و فى الترمذى: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد».

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «يشفع اللّه يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» قال بعض الفضلاء: أكرم بمرتبة هى متوسطة بين النبوة و الشهادة.

أقول: فى العطف ب «ثم» أدل دليل بعلى أفضلية العلماء على الشهداء كما لا يخفى على من عرف الحكم النحوى فى ثم. انتهى.

و فى «الفائق» عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «تعلموا العلم و علموه الناس» و فيه أيضا: «تعلموا العلم و اعملوا به» و فيه: «تعلموا العلم قبل أن يرفع» و فيه: «تعلموا العلم و كونوا من أهله» و فيه: «إن أهل الجنة ليحتاجون إلى العلماء فى الجنة كما يحتاجون إليهم فى الدنيا».

لطيفة [من الاحتياج الى العلماء فى الجنة]

: من الاحتياج إلى العلماء فى الجنة أنه إذا دخل أهل الجنة إليها يعطيهم اللّه جميع ما يتمنونه و لا يزالون يتمنون بإذن ربهم حتى تعجز عقولهم و تدبيراتهم عن الأمانى، لأنهم نالوا كل ما أرادوا من النعيم، فيقول اللّه سبحانه بعد ذلك كله: تمنوا فلا يعرفون ما يتمنون، فيرجعون إلى العلماء فيسألونهم ما يتمنون فيستنبطون لهم أشياء من أسرار اللّه تبارك و تعالى فيتمنونها. كذا فى «حاوى القلوب إلى لقاء المحبوب» لابن الميلق الشافعى (رحمه اللّه).

و الأحاديث فى ذلك كثيرة جدا. و هذا بعض من كل، و قال بعض الفضلاء: العلم أمان من كيد الشيطان، و حرز من كيد الحسود و دليل العقل، و لقد أحسن من قال:

18

ما أحسن العقل و المحمود من عقلا* * * و أقبح الجهل و المذموم من جهلا

فليس يصلح نطق المرء فى جدل‏* * * و الجهل يفسده يوما إذا سئلا

و العلم أشرف شى‏ء ناله رجل‏* * * من لم يكن فيه علم لم يكن رجلا

تعلم العلم و اعمل يا أخى به‏* * * فالعلم زين لمن بالعلم قد عملا

و عن بعض الحكماء أنه قال: العلم خليل المؤمن، و الحلم وزيره، و العقل دليله، و العمل قائده، و الرفق والده، و البر أخوه، و الصبر أمير جنوده.

و قال بعض الحكماء: لمثقال ذرة من العلم أفضل من جهاد الجاهل ألف عام، و قال الإمام الشافعى رضى اللّه عنه و أعاد علينا من بركاته: الاشتغال بالعلم أفضل من صلاة النافلة، و قال ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.

و قال بعض العلماء: العلم نور يهتدى به الحائر، و فى معناه أنشدوا:

بالعلم تحيا نفوس قط ما عرفت‏* * * من قبل ما الفرق بين الصدق و المين‏

العلم للنفس نور تستدل به‏* * * على الحقائق مثل النور للعين‏

و قال آخر:

كفى شرفا بالعلم دعواه جاهل‏* * * و يفرح إن أمسى إلى العلم ينسب‏

و يكفى خمولا بالجهالة أننى‏* * * أراع متى أنسب إليها و أغضب‏

19

و قال ابن الزبير: إن أبا بكر كتب إلىّ و أنا بالعراق: يا بنى عليك بالعلم فإنك إذا افتقرت إليه كان مالا، و إن استغنيت به كان جمالا، و أنشد فى معناه:

العلم بلغ قوما ذروة الشرف‏* * * و صاحب العلم محفوظ من التلف‏

يا صاحب العلم مهلا لا تدنسه‏* * * بالموبقات فما للعلم من خلف‏

العلم يرفع بيتا لا عماد له‏* * * و الجهل يهدم بيت العز و الشرف‏

و قال بعض الفضلاء: ينبغى لكل عاقل أن يبالغ فى تعظيم العلماء ما أمكن و لا يعد غيرهم من الأحياء، و قد أجاد من قال:

و من الجهالة أن تعظم جهلا* * * لصقال ملبسه و رونق نقشه‏

و اعلم بأن التبر فى بطن الثرى‏* * * خاف إلى أن يستبين بنبشه‏

و فضيلة الدينار يظهر سرها* * * من حكه لا من ملاحة نقشه‏

و قال أبو طالب المكى فى «قوت القلوب» جاء فى الخبر أن اللّه تعالى لا يعذر على الجهل و لا يحل للجاهل أن يسكت على جهله و لا يحل للعالم أن يسكت عن علمه، و قد قال سبحانه: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (سورة الأنبياء: 7).

و قال سيدى الشيخ سهل بن عبد اللّه التسترى رضى اللّه عنه و أعاد علينا من بركاته: ما عصى اللّه بمعصية أعظم من الجهل، و ما أطيع اللّه بمثل العلم.

و قال بعضهم رضى اللّه عنه: قسوة القلب بالجهل أشد من قسوته بالمعاصى. قال الشيخ محمد ابن على المنهاجى (رحمه اللّه): قلت: و اللّه أعلم و لهذا نجد الجاهل يبغض كل من كان طالبا للعلم و يعد ذلك عيبا، و قيل فى معنى ذلك:

20

عاب التعلم قوم لا عقول لهم‏* * * و ما عليه إذا عابوه من ضرر

ما ضر شمس الضحى و الشمس طالعة* * * أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

و قال على بن أبى طالب (كرم اللّه وجهه): العلم خير من المال. العلم يحرسك و أنت تحرس المال. و العلم حاكم و المال محكوم عليه. و العلم يزيد بالإنفاق و المال ينقص بالنفقة. و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال: خير سليمان بن داود (صلوات اللّه عليهما) بين العلم و الملك و المال فاختار العلم فأعطى الملك و المال معه. و قال الإمام مالك بن أنس رضى اللّه عنه:

ليس العلم بكثرة الرواية و إنما العلم نور يجعله اللّه فى قلب من يشاء.

و قال بعض الحكماء: ليت شعرى أى شى‏ء أدرك من فاته العلم و أى شى‏ء فات من أدرك العلم. و ما أحسن ما قيل:

مع العلم فاسلك حيثما سلك العلم‏* * * و عنه فكاشف كل من عنده فهم‏

ففيه جلاء للقلوب من العمى‏* * * و عون على الدين الذى أمره حتم‏

فخالط رواة العلم و اصحب خيارهم‏* * * فصحبتهم زين و خلطتهم غنم‏

و لا تعدونّ عيناك عنهم فإنهم‏* * * نجوم هدى إن غاب نجم بدا نجم‏

فو اللّه لو لا العلم ما اتضح الهدى‏* * * و لا لاح من غيب الأمور لنا رسم‏

و عن ابن المبارك أنه قال: لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.

و عن عثمان بن أبى شيبة قال: سمعت و كيعا يقول: لا يكون الرجل عالما حتى يسمع‏

21

ممن هو أسن منه و ممن هو مثله و ممن هو دونه. و عن ابن مسعود رضى اللّه عنه أنه قال: منهومان لا يشبعان: طالب العلم و طالب الدنيا، و هما لا يستويان، أما طالب العلم فيزداد رضى الرحمن، و أما طالب الدنيا فيزداد فى الطغيان ثم قرأ: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى و ما أحسن قول بعضهم:

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم‏* * * على الهدى لمن استهدى أدلاء

و قدر كل امرئ ما كان يحسنه‏* * * و الجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حيا به أبدا* * * فالناس موتى و أهل العلم أحياء

و قيل للحسين بن الفضل رضى اللّه عنه: هل تجد فى القرآن من جهل شيئا عاداه؟ فقال: نعم، فى موضعين: قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ‏ (سورة يونس: 39) و قوله تعالى:

وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ‏ (سورة الأحقاف: 11).

و قال يحيى بن معاذ الرازى رضى اللّه عنه: العلماء أرأف بأمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أرحم عليهم من آبائهم و أمهاتهم، و ذلك أن آباءهم و أمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا و آفاتها، و العلماء يحفظونهم من نار الآخرة و شدائدها.

و قال سفيان الثورى رضى اللّه عنه: العجائب عامة و فى آخر الزمان أعم، و النوائب طامة و فى أمر الدين أطم. و المصائب عظيمة، و موت العلماء أعظم، و إن العالم حياته رحمة للأمة، و موته فى الإسلام ثلمة.

و عن معاذ: تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، و طلبه عبادة، و مذاكرته تسبيح، و البحث عنه جهاد، و تعليمه من لا يعلمه صدقة، و بذله لأهله قربة، و ما أحسن قول الزمخشرى:

و كل فضيلة فيها سناء* * * وجدت العلم من هاتيك أسنى‏

22

فلا تعتد غير العلم ذخرا* * * فإن العلم كنز ليس يفنى‏

و عن أبى هريرة رضى اللّه عنه أنه قال: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع.

و عن عمر رضى اللّه عنه: موت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت العالم البصير بحلال اللّه و حرامه.

و الكلام فى هذا يطول، و لنختم هذا النوع بحديث نبوى ورد فى الصحيحين عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضى اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس، و لكن يقبض العلماء، حتى لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير بعلم فضلوا و أضلوا» و هذا التعليق لا يحتمل أكثر من هذا. و فيما ذكرته مقنع.

اللهم إنى أسألك بجاه نبيك محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أن ترزقنى علما نافعا و تختم لى بخير و تحشرنى فى زمرة من ذكرتهم بقولك تبارك اسمك: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (سورة النساء: 69) آمين يا رب العالمين.

23

الباب الأول فى مبدأ أمر الكعبة الشريفة و بيان فضلها و شرفها و ما يدل على ذلك من الآيات و الأحاديث و الآثار و الحكايات و العجائب [و ما سبب تسميتها كعبة و تسميتها بالبيت العتيق‏] (1)

أما الآيات فمن ذلك قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏ (سورة آل عمران: 96، 97) الآيتين. قال الكواشى: سبب نزول هاتين الآيتين أن اليهود لما قالوا للمسلمين: قبلتنا قبل قبلتكم أنزل اللّه تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ.

و اختلف فى معنى كونه أول بيت وضع للناس، فقيل: أول بيت وضعه اللّه للطاعات و جعله متعبدا و قبلة للصلوات و موضعا للطواف، و يدل عليه ما روى عن على رضى اللّه عنه، أنه سئل أهو أول بيت وضع؟ فقال: كان قبله بيوت و لكنه أول متعبد. و قيل: أول بيت بنته الملائكة فلما حجه آدم قالت له الملائكة: بر حجك فإنا قد حججنا قبلك بألفى عام.

و قيل: أول بيت بناه آدم. و قيل: أول بيت بناه إبراهيم، و قيل: أول بيت حج بعد الطوفان.

و قيل: أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السموات و الأرض. فهذه ستة أقوال.

و بيان القول الأخير أن اللّه تعالى كان و لم يكن شى‏ء قبله، و كان عرشه على الماء و ليس هو ماء البحر بل هو ماء تحت العرش بكيفية شاءها اللّه تعالى. فقيل: إنه خلق السماء دخانا قبل الأرض و فتقها سبعا بعد الأرض. ورده بعضهم بأن خلق الأرض كان أولا مستدلا بقوله تعالى: أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ (سورة فصلت: 9) إلى قوله: طائِعِينَ. قال النسفى فى تفسيره المسمى «بالمدارك»: يفهم منه أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض، و به قال ابن عباس رضى اللّه عنه و اختاره الشيخ جلال الديبن السيوطى من المتأخرين، و أجاب بذلك عن سؤال رفع إليه صورته:

يا عالم العصر لا زالت أناملكم‏* * * تهمى وجودكم نام مدى الزمن‏

____________

(1) ما بين الحاصرتين ساقط من المطبوع.

24

لقد سمعت خصاما بين طائفة* * * من الأفاضل أهل العلم و اللسن‏

فى الأرض هل خلقت قبل السماء و هل‏* * * بالعكس جا أثر يا نزهة الزمن‏

فمنهم قال إن الأرض منشأة* * * بالخلق قبل السما قد جاء فى السنن‏

و منهم من أتى بالعكس مستندا* * * إلى كلام إمام ماهر فطن‏

أوضح لنا ما خفى من مشكل و أبن‏* * * نجاك ربك من زور و من محن‏

ثم الصلاة على المختار من مضر* * * ماحى الضلالة هادى الخلق للسنن‏

فأجاب رضى اللّه عنه بما صورته:

الحمد للّه ذى الإفضال و المنن‏* * * ثم الصلاة على المبعوث بالسنن‏

الأرض قد خلقت قبل السماء كما* * * قد نصه اللّه فى حاميم فاستبن‏

و لا ينافيه ما فى النازعات أتى‏* * * فدحوها غير ذاك الخلق للفطن‏

فالحبر أعنى ابن عباس أجاب بذا* * * لما أتاه به قوم ذوو لسن‏

و ابن السيوطى قد خط الجواب لكى‏* * * ينجو من النار و الآثام و الفتن‏

انتهى بنصه.

25

فإن قيل: هل قول السماء و الأرض كان بلسان الحال أم المقال: قيل: إن ظهور الطاعة منهما قام مقام قولهما. و قيل: إن اللّه خلق فيهما كلاما فنطق من الأرض موضع الكعبة و نطق من السماء ما بحيالها.

مطلب: أصل طينة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة

قال الثعلبى: خلق اللّه تعالى جوهرة خضراء ثم نظر اليها بالهيبة فصارت ماء فخلق اللّه الأرض من زبده و السماء من بخاره فكان أول ظاهر على وجه الأرض مكة. زاد غيره ثم المدينة ثم بيت المقدس ثم دحا الأرض منها طبقا واحدا ثم فتقها بعد ذلك و كذلك السماء. و روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال أصل طينة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) من سرة الأرض بمكة.

قال بعض العلماء: فى هذا إيذان بأنها التى أجابت من الأرض، و عن كعب الأحبار رضى اللّه عنه قال: كانت الكعبة غثاء على الأرض. قبل خلق السموات و الأرض بأربعين سنة، و منها دحيت الأرض فهو (صلى اللّه عليه و سلم) الأصل فى التكوين و الكائنات تبع له.

مطلب: مدفن الإنسان بتربته‏

فإن قيل: مدفن الإنسان يكون بتربته، أى مكان طينته التى خلق منها و هو (صلى اللّه عليه و سلم) دفن بالمدينة الشريفة، أجاب بعض العلماء أن الماء لما تموج عند وقوع الطوفان ألقى تلك الطينة إلى ذلك الموضع من المدينة الشريفة. و عن ابن عباس رضى اللّه عنه قال: لما كان العرش على الماء قبل أن تخلق السموات و الأرض بعث اللّه ريحا هفافة- بفاءين- فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة فى موضع البيت كأنها قبة، فدحا اللّه الأرضين من تحتها فمادت ثم مادت فأوتدها بالجبال.

مطلب: أول جبل وضع فى الأرض أبو قبيس‏

و كان أول جبل وضع فيها أبو قبيس، فلذلك سميت مكة أم القرى أى أصلها. و الخشفة بالخاء و الشين المعجمتين و الفاء واحدة الخشف، و هى حجارة تنبت فى الأرض نباتا.

و روى عمر بن شبة فى أخبار مكة: خشعة بالعين المهملة عوضا عن الفاء و هى أكمة لاطية بالأرض. و قيل: هو ما غلب عليه السهولة و ليس بحجر و لا طين. و يقال للجزيرة التى فى البحر لا يعلوها الماء خشفة بالفاء و جمعها خشاف.

26

و قوله فى الآية السابقة: لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً (سورة ال عمران: 96) أى كثير الخير لما يحصل لمن حجه أو اعتمره أو عكف عنده أو طاف حوله من الثواب.

و انتصاب مباركا على الحال. قال الزجاج و غيره: المعنى استقر بمكة فى حال بركته و هو حال من وضع، و قوله: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ‏ (سورة ال عمران: 97) قال النسفى فى «تفسيره»: أى علامات واضحات لا تلتبس على أحد.

و مقام إبراهيم: عطف بيان لقوله آيات بينات، و صح بيان الجماعة بالواحد، لأنه بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه و قوة دلالته على قدرة اللّه تعالى و نبوة إبراهيم (عليه السلام) من تأثير قدمه فى صخر صلد، أو لاشتماله على آيات، لأن أثر القدم فى الصخرة الصماء آية، و غوصه فيها إلى الكعبين آية، و إلانة بعض الصخرة دون بعض آية، و إبقاءه دون سائر آيات الأنبياء (عليهم السلام) آية لإبراهيم خاصة.

و قوله: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (سورة ال عمران: 97) عطف بيان لآيات، فكأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم و أمن داخله. و الآيتان فى معنى الجمع، و يجوز أن تذكر هاتان الآيتان و يطوى ذكر غيرهم دلالة على تكاثر الآيات، فكأن المعنى مقام إبراهيم و أمن من دخله و كثير سواهما، و نحوه فى طى الذكر قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «حبب إلى من دنياكم ثلاث» و قيل إن لفظ ثلاث موضوعة لا أصل لها فى الحديث، كما صرح به بعض أئمة الحديث «الطيب و النساء و قرة عينى فى الصلاة» فقرة عينى ليس من الثلاث، بل هو ابتداء كلام لأنها ليست من الدنيا، و الثالث مطوى. انتهى باختصار.

مطلب: أول مسجد وضع بالأرض المسجد الحرام‏

و عن أبى ذر رضى اللّه عنه قال: قلت: يا رسول اللّه، أى مسجد وضع فى الأرض أولا؟ قال:

المسجد الحرام، قلت: ثم أى؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال:

أربعون عاما.

و فى ذلك إشكال أشار إليه جدى- أى جد المؤلف قاضى القضاة شيخ الاسلام خطيب المسجد الحرام فخر الدين أبو بكر بن على بن ظهيرة الشافعى تغمده اللّه برحمته و أسكنه بحبوح جنته- فى منسكه المسمى «بشفاء الغليل فى حج بيت اللّه الجليل» و هو أن‏

27

مسجد مكة بناه إبراهيم (عليه السلام) بنص القرآن‏ وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ‏ (سورة البقرة: 127) الآية. و المسجد الأقصى بناه سليمان كما جاء فى حديث ابن عمر، أخرجه النسائى بإسناد صحيح. و بين إبراهيم و سليمان زمان طويل يزيد على ألف سنة كما قاله أهل التواريخ، فكيف قال فى الحديث: بينهم أربعون سنة؟ و الجواب عن ذلك بأنه يحتمل أن ابراهيم و سليمان إنما جددا ما بناه غيرهما كما سيأتى آنفا من أن أول من بنى البيت آدم، فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس بعده بأربعين عاما. و يجوز أن تكون الملائكة أيضا بنته بعد بنائها البيت بإذن من اللّه تبارك و تعالى، فعلى هذه الأقاويل يكون قوله تعالى‏ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ‏ وضع على ظاهره، و هو الذى عليه جمهور العلماء و صححه النووى.

انتهى بمعناه.

و من ذلك قوله تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً (سورة البقرة: 125) المراد بالبيت الكعبة، لأنه غالب عليها كالنجم للثريا. و مثابة: قال النسفى: مباءة و مرجعا للحجاج و العمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه.

و أمنا موضع أمن، فإن الجانى يأوى إليه فلا يتعرض له حتى يخرج، و هو دليل لنا فى الملتجئ إلى الحرم. انتهى.

و أصل الثوب لغة: الرجوع، و من ذلك قوله تعالى عقب هذه الآية: وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ‏ (سورة البقرة: 125) الآية، المعنى: طهراه من الأوثان و الأنجاس و الخبائث كلها. و المراد بالطائفين: الدائرون حوله. و بالعاكفين:

قيل: المجاورون الذين عكفوا عنده أى أقاموا لا يبرحون.

و قيل: المعتكفون، و قيل: الطائفون النزاع إليه من البلاد. و العاكفون: المقيمون عنده من أهل مكة.

مطلب: قبلته (صلى اللّه عليه و سلم)

و من ذلك قوله تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها (سورة البقرة: 143) ثم قوله:

فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها (سورة البقرة: 144) الآيات.

28

و روى أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يصلى بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود ثم حول إلى الكعبة.

قال النسفى: أى و ما جعلنا القبلة التى تحب أن تستقبلها الجهة التى كنت عليها أولا بمكة الا امتحانا للناس و ابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه فيرتد، فقد ارتد عن الإسلام عند تحويل القبلة جماعة. انتهى.

و المراد بقوله: شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ بمعنى المحرم هو الكعبة. قال الكواشى:

و ذكر النسفى أن المراد جهته و سمته أى جعل تولية الوجه تلقاء المسجد و شطره نصب على الظرف أى نحوه، لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائى.

و ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين.

انتهى، و قوله: وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ‏ (سورة البقرة: 144) قال الزمخشرى أى إن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان فى بشارة أنبيائهم برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه يصلى إلى القبلتين.

مطلب: تحويل القبلة

فائدة: قال العلامة شهاب الدين أبو الفضل بن العماد الأقفهسى فى الدرة الضوية فى هجرة خير البرية: كان تحويل القبلة فى السنة الثانية من الهجرة. ثم قال: قال النووى ناقلا عن محمد بن حبيب الهاشمى: حولت القبلة فى ظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، كان النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى أصحابه فحانت صلاة الظهر فى منازل بنى سلمة- بكسر اللام- فصلى بهم ركعتين من الظهر فى مسجد القبلتين إلى بيت المقدس، ثم أمر و هو فى الصلاة باستقبال الكعبة و هو راكع فى ثالثة فاستدار و استدارت الصفوف خلفه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأتم الصلاة، فسمى مسجد القبلتين.

و كان (صلى اللّه عليه و سلم) مأمورا بالصلاة إلى بيت المقدس مدة مقامه بمكة و بعد الهجرة بستة عشر شهرا أو سبعة عشر، ثم قال- أعنى ابن العماد: قول النووى أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان مأمورا باستقبال بيت المقدس مدة إقامته بمكة قد جزم البغوى بخلافه فقال فى تفسير قوله تعالى:

قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ‏ (سورة البقرة: 144) الآية، كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه يصلون‏

29

بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره اللّه تعالى أن يصلى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم بما يجدون من نعته فى التوراة، فصلى إليها ستة عشر شهرا أو سبعة عشر، و كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة إبراهيم.

و قال مجاهد: كان يحب ذلك من أجل أن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا و يصلى إلى قبلتنا، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لجبريل: وددت لو حولنى اللّه إلى الكعبة، فقال له سل ربك. فجعل (صلى اللّه عليه و سلم) يديم النظر إلى السماء فأنزل اللّه تعالى: قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ (سورة البقرة: 144) الآيات. انتهى بنصه.

و ما جزم به البغوى من أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يصلى بمكة إلى الكعبة هو المعتمد و عليه أكثر المفسرين و أصحاب السير.

مطلب: المختار أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يكن متعبدا بشرع من قبله بعد البعثة

و اختلف العلماء هل كان ذلك باجتهاد أو بأمر من ربه؟ و هذا تفريع على الأصح من أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يتعبد بشرع غيره بعد البعثة. و من ذلك قوله تعالى فى سورة المائدة: وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ‏ (سورة المائدة: 2) أى لا تحلوا من قصده من الحجاج و العمار، و إحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر و أن يحال بينها و بين المتنسكين بها، قاله النسفى.

أقول: و توجيهه أن المتنسكين إنما أرادوا تعظيم هذا البيت المشرف و جزيل الثواب، و فى الإحالة إبطال ذلك، و اللّه الموفق.

و فى «تفسير الكواشى»: وَ لَا آمِّينَ‏ أى و لا قتال قاصدين البيت، فإن قيل: هذا عام فى المؤمنين و المشركين أم انتسخ الحكم فى حق المشركين؟ فالجواب أنه منسوخ بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ‏ (سورة التوبة: 5) و بقوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا (سورة التوبة: 28) و هو المشهور.

30

مطلب: عن الحسن و غيره ليس فى المائدة منسوخ‏

و عن الحسن و غيره ليس فى المائدة منسوخ. و من ذلك قوله تعالى فى السورة المذكورة هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ (سورة المائدة: 95) فبالغ الكعبة صفة لهديا و جاز الوصف بذلك لأن إضافته غير حقيقية كما صرح به النحاة. و معنى بلوغ الكعبة أن يذبح بالحرم و هو فناء المسجد الذى هو فناء للبيت، كل ذلك تعظيما لهذا البيت أن لا تقام هذه القربة إلا فى حرمه، و لا يجزئ الذبح فى غيره.

فروع: الأول: الهدى المذكور فى الآية هو جزاء الصيد، و يجب على المحرم عندنا بقتله الصيد سواء كان ناسيا أو عامدا أو مبتدئا و هو الذى قتل الصيد مرة أو عائدا و هو الذى قتل مرة بعد أخرى، بل العائد عندنا أشد جناية خلافا لمن يقول لا جزاء على العائد لأن اللّه تعالى قال: وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ‏ (سورة المائدة: 95) جعل كل جزاء العائد الانتقام فى الآخرة فلا تجب الكفارة.

و الجواب عنه بأن وجوب الكفارة فى العائد مستفاد من الآية بدلالة النص، و المراد من قوله: و من عاد، العود مستحلا.

الثانى: يجب الجزاء على المحرم عندنا بالدلالة أيضا خلافا للشافعى لأنه يقول: الجزاء متعلق بالقتل فى قوله تعالى: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً (سورة المائدة: 95) ليست بقتل و لنا قوله (صلى اللّه عليه و سلم): هل أشرتم هل دللتم ... الحديث. مع أن فى الدلالة عليه تفويتا لأمنه و هو قتل معنى.

الثالث: يجوز التصدق بلحوم الهدايا عندنا على مساكين الحرم و غيرهم سواء كان التصدق بالحرم أو حيث شاء بعد أن حصلت الإراقة فى الحرم، و عند الشافعى (رحمه اللّه) لا يجوز التصدق إلا بالحرم على مساكينه فقط نص عليه ابن خليل فى «منسكه» و من ذلك قوله عقيب الآية المتقدمه آنفا جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ‏ (سورة المائدة: 97) أى قواما لهم فى أمر دينهم و دنياهم فلا يزال فى الأرض دين ما حجت و عندها المعاش و المكاسب كذا فى «منسك» ابن جماعة. قال الجد تغشاه اللّه برحمته بعد ذكر هذه الآية:

أى ركز فى قلوبهم تعظيمها بحيث لا يقع فيها أذى على أحد و صارت وازعا لهم من الأذى‏

31

و هم فى الجاهلية الجهلاء لا يرجون جنة و لا يخافون نارا إذ لم يكن لهم ملك يمنعهم من أذى بعضهم بعضا، فقامت لهم حرمة الكعبة مقام حرمة الملك. هذا مع تنافسهم و تحاسدهم و معاداتهم و أخذهم بالثأر، و بالجملة فهو سبب لقيام مصالح الناس فى أمر دينهم و دنياهم و آخرتهم: أما فى أمر الدين فإن به يقوم الحج و تتم المناسك، و أما فى أمر الدنيا فإنه تجبى إليه ثمرات كل شى‏ء و يأمنون فيه، و أما فى الآخرة فلأن المناسك لا تقام إلا عنده، و هى سبب لعلو الدرجات و تكفير الخطيئات و زيادة الكرامات و المثوبات. انتهى.

بحروفه.

و روى عن الحسن البصرى أنه تلا هذه الآية ثم قال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت و استقبلوا القبلة.

مطلب: وجه تسمية البيت الحرام كعبة

و فى تسمية البيت كعبة أقوال، فقيل: لتكعبه أى تربعه، يقال برد مكعب إذا طوى مربعا، و قيل لعلوه و نتوئه، و منه سمى الكعب كعبا لنتوئه و خروجه من جانب القدم، يقال تكعبت الجارية إذا خرج نهداها، و قيل لانفرادها عن البيوت و ارتفاعها. و ذكر الأزرقى (رحمه اللّه) فى «تاريخه» أن الناس كانوا يبنون بيوتهم مدورة تعظيما للكعبة» (1).

مطلب: أول من بنى بيتا مربعا بمكة حميد بن زهير

و أول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير، فقالت قريش: ربع حميد بيتا، إما حياة و إما موتا (2).

و ذكر أيضا أن شيبة بن عثمان كان يشرف فلا يرى بيتا مشرفا على الكعبة إلا أمر بهدمه.

و نقل عن جده عن يوسف بن ماهك قال: كنت جالسا مع عبد اللّه بن عمرو بن العاص فى ناحية المسجد الحرام إذ نظر إلى بيت على أبى قبيس مشرف على الكعبة فقال:

أبيت ذلك؟ قلت: نعم، فقال: إذا رأيت بيوت مكة قد علت أخشبيها كذا و فجرت بطونها أنهارا فقد أزف الأمر. أى: قرب‏ (3).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 280.

(2) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 280.

(3) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 280.

32

و ذكر أن العباس بن محمد بن على بن عبد اللّه بن عباس لما بنى داره التى بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام أمر القوام أن لا يرفعوا بناءها فيشرفوا به على الكعبة إعظاما لها، و أن الدور التى كانت تشرف على الكعبة هدمت و خربت إلا دار العباس هذه فإنها على حالها إلى اليوم. انتهى بمعناه‏ (1).

و أخرج ابن شبة البصرى فى مؤلفه «أخبار مكة» أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه لما قدم مكة رأى حول الكعبة بناء قد أشرف عليها فأمر بهدمه و قال: ليس لكم أن تبنوا حولها ما يشرف عليها. انتهى.

أقول: إذا كانت العلة فى عدم العلو و الإشراف هى الإعظام، فارتفاع البيوت الموجودة الآن المحيطة بالمسجد تؤذن بتركه، فلا حول و لا قوة إلا باللّه.

و بالجملة التطاول فى البنيان من علامات الساعة على حد قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان» لأن المراد من الحديث الإخبار بتغير الأحوال و تبدلها كما قال الإشبيلى. و فيه دليل على كراهة ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء و تشييده. و مات (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يشيد بناء و لا طوله. انتهى.

و ما تقدم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص آنفا مشعر بذلك حيث قال: فقد أزف الأمر.

و أما تسميته بالبيت الحرام فلأن اللّه تعالى حرمه و عظمه و حرم أن يصاد صيده و أن يختلى خلاه و أن يعضد شجره و أن يتعرض له بسوء. ثم المراد بتحريم البيت سائر الحرم على حد قوله تعالى‏ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ (سورة المائدة: 95) فإن المراد بها الحرم كما تقدم آنفا. و من ذلك قوله تعالى: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ (سورة الحج: 26) أى المقيمين بمكة، و ناهيك بهذه الإضافة المنوهة بذكره المعظمة لشأنه الرافعة لقدره. و كفى ذلك شرفا و فخرا، و به علا على سائر البقاع عظمة و قدرا، و ما أحسن ما قيل فى ذلك المعنى:

و كفى شرفا أنى مضاف إليكم‏* * * و أنى بكم أدعى و أدعى و أعرف‏

و هى من السر فى إقبال قلوب العالمين عليه و عكوفهم لديه، و أنشد فى المعنى:

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 280.

33

لا يرجع الطرف منه حين يبصره‏* * * حتى يعود إليه الطرف مشتاقا

و من ذلك قوله تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (سورة الحج: 29) و المراد به طواف الزيارة الذى هو ركن فى الحج باتفاق الأئمة الأربعة، و لا يحصل تمام التحلل إلا به، و هو آخر فرائض الحج الثلاثة، ثم قال قال النسفى: و هو: مطاف أهل الغبراء كما أن العرش مطاف أهل السماء.

مطلب: تسمية الكعبة البيت العتيق‏

و اختلف فى تسميته بالعتيق، فقيل: لأن اللّه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار.

و قيل: لقدمه لأنه أول بيت وضع كما تقدم، و العتيق القديم، قاله الحسن. و قيل: لأنه كريم على اللّه لأنه لم يجر عليه ملك لأحد من خلق اللّه فلا يقال بيت فلان و إنما بيت اللّه. و قيل: لأنه أعتق من الغرق لما أنه رفع زمن الطوفان. و قيل: لشرفه سمى عتيقا.

و فيل: لأن اللّه تعالى يعتق فيه رقاب المؤمنين من العذاب. و قيل: لأنه يعتق زائره من النار و هو قريب مما قبله. و قيل غير ذلك. و القول الأول هو المعتمد و فى هذا من التنويه بشأنه ما لا يخفى.

استطراد: قوله بعد هذه الآية: ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ‏ (سورة الحج: 30) الآية، قال النسفى: الحرمة ما لا يحل هتكه و جميع ما كلفه اللّه عز وجل بهذه الصفة من مناسك الحج و غيرها، فيحتمل أن يكون عاما فى جميع تكاليفه و يحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج.

و قيل: حرمات اللّه خمس: البيت الحرام، و المشعر الحرام، و الشهر الحرام، و البلد الحرام، و المسجد الحرام.

أقول: فعلى هذا القول يكون التعظيم خاصا بهذه الخمس و اللّه الموفق. و ذكر الزمخشرى بدل المشعر المحرم حتى يحل، و من ذلك قوله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (سورة الحج: 33) أى عنده، و المراد الحرم الذى هو حريم البيت كقوله: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ (سورة المائدة: 95) كما تقدم، و المعنى واحد فلا نطول.

34

نكتة: ثم: للتراخى فى الوقت فاستعيرت للتراخى فى الأحوال آنفا، و المعنى إن لكم فى الهدايا منافع كثيرة فى دينكم و دنياكم و أعظها و أبعدها شوطا فى النفع محلها إلى البيت العتيق. كذا فى «الكشاف» و هذا بعض ما ورد من الآيات بنصها على فضل هذا البيت و شرفه. و أما ذكره اللّه ضمن الآيات على سبيل الكناية فكثير كما ذكره المفسرون.

و أما الأحاديث و الآثار فأكثر من أن تحصى، من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إن هذا البيت دعامة الاسلام و من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر زائرا كان مضمونا على اللّه إن رده رده بأجر و غنيمة، و إن قبضه أن يدخله الجنة» و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من خرج فى هذا الوجه لحج أو عمرة فمات لم يعرض و لم يحاسب و قيل له ادخل الجنة» و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها» يعنى الكعبة و الحرم «فإذا ضيعوا ذلك هلكوا» أخرجه ابن ماجه و سنده حسن .. إلى غير ذلك من الأحاديث و الآثار كما ستأتى مفرقة فى الأبواب الآتية فى مظانها إن شاء اللّه تعالى مع مزيد بيان و إيضاح. و اللّه أعلم.

35

الباب الثانى فيما ورد من الآيات الشريفة و العجائب الباهرة المنيفة فى زيادة تعظيم هذا البيت الشريف و ما جاء فى فضله و ما ورد فى فضل المقام و ما السبب فى تسميته بالمقام‏

و فيه فصلان:

الأول: فى ذكر الحجر الأسود و ما ورد فى فضله و شرفه و ما سبب تسميته بالأسود.

و الفصل الثانى فى فضل الملتزم.

اعلم أن لهذا البيت المعظم زاده اللّه تشريفا و تعظيما آيات كثيرة و عجائب غزيرة تدل على شرفه و فضله، منها: مقام ابراهيم (صلوات اللّه عليه)، و هو لغة موضع قدم القائم، و مقام إبراهيم هو الحجر الذى وقف عليه الخليل، و فى سبب وقوفه عليه أقوال:

الأول: أنه وقف عليه لبناء البيت، قاله سعيد بن جبير.

الثانى: أنه جاء يطلب ابنه إسماعيل (عليهما السلام) فلم يجده، فقالت زوجته انزل، فأبى، فقالت: دعنى أغسل رأسك فأتته بحجر فوضع رجله عليه و هو راكب فغسلت شقه ثم رفعته و قد غابت رجله فيه فوضعته تحت الشق الآخر و غسلته فغابت رجله الثانية فيه فجعله اللّه من الشعائر. و هذا القول منسوب إلى ابن عباس و ابن مسعود رضى اللّه عنهما.

الثالث: أنه وقف عليه للأذان للحج. و ذكر الأزرقى فى «تاريخه» أنه لما فرغ من التأذين جعل المقام قبلة فكان يصلى إليه مستقبل الباب. و ذكر أيضا أن ذرع المقام ذراع و أن القدمين داخلان فيه سبعة أصابع.

و ذكر القاضى عز الدين بن جماعة فى «منسكه» أنه حرر مقدار ارتفاعه من الأرض فكان نصف ذراع و ربع و ثمن بذراع القماش المستعمل بمصر فى زمنه.

و ذكر أن أعلى المقام مربع من كل جهة نصف ذراع و ربع و موضع غوص القدمين فى المقام ملبس بفضة و عمقه من فوق الفضة سبع قراريط و نصف قيراط بالذراع المتقدم.

36

أقول: لا مناقضة بين ما ذكره الأزرقى و القاضى عز الدين فى ذرع المقام، و يمكن الجمع بأن ذرع الأزرقى كان باليد و ذرع القاضى عز الدين بالذراع الحديد حسبما تقدم، و بين ذراع اليد و الحديد فرق نحو ثمن أو قريب منه بحسب الأشخاص فتأمل. انتهى.

و أخرج الأزرقى أيضا أن السيول كانت تدخل المسجد الحرام فربما رفعت المقام عن موضعه حتى جاء سيل أم نهشل الذى ماتت فيه فاحتمل المقام فذهب به فوجد بأسفل مكة فأتى به فربط إلى أستار الكعبة فى وجهها، و كتب بذلك إلى عمر فأقبل فزعا فدخل معتمرا فى رمضان و قد عفا السيل موضع المقام فدعا الناس و سألهم عن موضعه، فقال المطلب ابن أبى وداعة: عندى علم ذلك، كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن و إلى باب الحجر و إلى زمزم بميقاط و هو عندى فى البيت، فقال له عمر: اجلس عندى و أرسل إليها فأرسل المطلب فأتى بها فوجدها عمر كما قال، فشاور الناس عمر و استثبت فقالوا: هذا موضعه فأمر بإحكام ربطه تحته ثم حوله فهو فى مكانه إلى هذا اليوم‏ (1) انتهى بمعناه.

و مكانه هذا هو مكانه فى زمن الخليل (عليه السلام) كما نقله الإمام مالك فى «المدونة» ثم قال: و كانت قريش فى الجاهلية ألصقته بالبيت خوفا عليه من السيول، و استمر كذلك فى عهده (صلى اللّه عليه و سلم) و عهد أبى بكر رضى اللّه عنه، فلما ولى عمر رضى اللّه عنه رده إلى موضعه الآن كما سمعت. انتهى.

و أخرج الأزرقى عن ابن أبى مليكة أنه قال: موضع المقام هذا الذى هو فيه اليوم هو موضعه فى الجاهلية و فى عهد النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و أبى بكر و عمر رضى اللّه عنهما إلا أن السيل ذهب به فى خلافة عمر ثم رد و جعل فى وجهة الكعبة حتى قدم عمر فرده‏ (2). و فى هذا مناقضة لما قاله مالك رضى اللّه عنه فى «المدونة» و اللّه أعلم بالحقائق.

و صحح ابن جماعة ما قاله مالك. و يروى أن رجلا يهوديّا أو نصرانيّا كان بمكة يقال له جريج فأسلم، ففقد المقام ذات ليلة فوجد عنده، أراد أن يخرجه إلى ملك الروم، فأخذ منه ثم قتل‏ (3).

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى ج 2 ص 33.

(2) أخبار مكة للأزرقى ج 2 ص 35.

(3) شفاء الغرام ج 1 ص 338.

37

و نقل العلامة ابن خليل فى «منسكه الكبير» أن الحجرين الكبيرين المفروشين خلف المقام اللذين يقف المصلى عليها قد صلى عليهما بعض الصحابة.

مطلب: تقبيل المقام و استلامه ليس بسنة

و قال أيضا إن مسح المقام و مسه و تقبيله ليس سنة، إنما أمرنا بالصلاة عنده، و روى أن ابن الزبير رأى قوما يمسحون المقام، فقال: لم تؤمروا بالمسح، إنما أمرتم بالصلاة عنده.

انتهى.

مطلب مهم‏

بحث: كون المسح و التقبيل ليس سنة لا يمنع من الإتيان بهما على وجه التبرك، فمن فعل ذلك تبركا فالظاهر أنه لا بأس به فتأمل. و اللّه الموفق.

و روى أن عمر رضى اللّه عنه قال: يا رسول اللّه، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): لم أومر بذلك. فلم تغب الشمس حتى نزل قوله: وَ اتَّخِذُوا (سورة البقرة: 125) الآية. و هذا أحد المواطن التى وافق فيها عمر ربه.

مطلب: فيما يتعلق بالحجر الاسود

(و منها) الحجر الاسود و حفظه و هو يمين اللّه فى الأرض، يشهد لمن استلمه بحق و أنه من الجنة. و سيأتى معنى كونه يمين اللّه.

و روى عن ابن عمر رضى اللّه عنه أنه قال «استقبل النبى (صلى اللّه عليه و سلم) الحجر ثم وضع شفتيه عليه يبكى طويلا ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكى فقال: يا عمر ها هنا تسكب العبرات» رواه ابن ماجه و الحاكم‏ (1).

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) «ما من أحد يدعو عند هذا الركن الأسود إلا استجاب اللّه له» أخرجه القاضى عياض فى «الشفاء» (2).

____________

(1) أخرجه الحاكم فى المستدرك برقم 1670.

(2) الشفاء للقاضى عياض ج 2 ص 59.

38

مطلب الحجر الأسود و المقام ياقوتتان من يواقيت الجنة

و عن أبى هريرة رضى اللّه عنه أنه قال: من فاوض الحجر الأسود فإنما يفاوض يد الرحمة.

و معنى فاوض: لابس، كذا ذكره العلامة ابن جماعة.

و عن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول و هو مسند ظهره إلى الكعبة «الركن و المقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، و لو لا أن اللّه طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق و المغرب» (1).

و قد فضّل اللّه بعض الأحجار على بعض كما فضل بعض البقاع و الأيام و البلدان على بعض. و فى رواية: «و لو لا ما مسهما من خطايا بنى آدم لأضاءا ما بين المشرق و المغرب».

و فى رواية لابن أبى شيبة: «ما بين السماء و الأرض، و ما مسهما من ذى عاهة و لا سقيم إلا شفى». و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما عنه (صلى اللّه عليه و سلم) «نزل الحجر الأسود من الجنة و هو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بنى آدم» حديث حسن صحيح، و فى رواية خطايا أهل الشرك» و فى رواية لابن أبى شيبة «من الثلج» و فى رواية «كأنه لؤلؤة بيضاء» و فى رواية: «كأنه ياقوتة بيضاء» و فى رواية للأزرقى: «و إنه لأشد بياضا من الفضة».

و قال القاضى عز الدين بن جماعة: و قد رأيته أول حجاتى سنة ثمان و سبعمائة و به نقطة بيضاء ظاهرة لكل أحد، ثم رأيت البياض بعد ذلك قد نقص نقصا بينا. انتهى.

و قال العلامة ابن خليل فى «منسكه الكبير»: و قد أدركت فى الحجر الاسود ثلاثة مواضع بيضاء نقية، فى الناحية التى إلى باب الكعبة المعظمة: إحداها و هى أكبرهن قدر حبة الذرة الكبيرة، و الأخرى إلى جنبها و هى أصغر منها، و الثالثة إلى جنب الثانية و هى أصغر من الثانية تأتى قدر حبة الدخن. ثم إنى أتلمح تلك النقط فإذا هى كل وقت فى نقص. انتهى بنصه.

لطيفة: أحسن ما ذكر فى تسويده بالخطايا أنه للاعتبار، ليعلم أن الخطايا إذا أثرت فى الحجر فتأثيرها فى القلوب أعظم و أوقع، فوجب لذلك أن تجتنب، و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه‏

____________

(1) شفاء الغرام ج 1 ص 338.

39

قال: «الحجر الأسود يمين اللّه فى أرضه. فمن لم يدرك بيعة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فمسح الحجر فقد بايع اللّه و رسوله» (1) و معنى كونه يمين اللّه فى أرضه أن من صافحه كان له عند للّه عهد، و جرت العادة بأن العهد الذى يعقده الملك لمن يريد موالاته و الاختصاص به إنما هو بالمصافحة فخاطبهم بما يعهدونه. قاله الخطابى.

و نقل عن المحب الطبرى أن كل ملك إذا قدم عليه الوافد قبّل يمينه، فنزل الحجر منزلة يمين الملك، و للّه المثل الأعلى‏ (2).

و روى الشيخان عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أنه قبّل الحجر ثم إنه قال: و اللّه لقد علمت أنك حجر لا تضر و لا تنفع، قال بعض الفضلاء: إلا بإذن، و لو لا أنى رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقبلك ما قبلتك، و قرأ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (سورة الأحزاب: 21) و روى أنه لما قال ذلك قال له أبى بن كعب: إنه يضر و ينفع، إنه يأتى يوم القيامة و له لسان ذلق يشهد لمن قبله و استلمه فهذه منقبة. و فى رواية أيضا أن على بن أبى طالب (كرم اللّه وجهه) قال لعمر: بلى يا أمير المؤمنين، إنه يضر و ينفع، و إن اللّه لما أخذ المواثيق على آدم كتب ذلك فى رق و ألقمه الحجر. و قد سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: يؤتى بالحجر الأسود يوم القيامة و له لسان يشهد لمن قبله بالتوحيد، فقال عمر رضى اللّه عنه: لا خير فى عيش قوم لست فيهم يا أبا الحسن. و فى رواية: لا أحيانى اللّه لمعضلة لا يكون فيها ابن أبى طالب حيّا. و فى أخرى للأزرقى: أعوذ باللّه أن أعيش فى قوم لست فيهم يا أبا الحسن.

فوائد:

الأولى: إنما قال عمر رضى اللّه عنه ذلك لأن الناس كانوا حديثى عهد بعبادة الأصنام، فخشى أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعله فى الجاهلية، فأراد عمر رضى اللّه عنه أن يعرف الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا أن الحجر يضر و ينفع بذاته كما اعتقدته الجاهلية فى الأوثان، كذا نقله الجد عن المحب الطبرى.

____________

(1) شفاء الغرام ج 1 ص 278.

(2) شفاء الغرام ج 1 ص 278.

40

الثانية: أن قول عمر هذا فيه التسليم للشارع فى أمور الدين و حسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها و هى قاعدة عظيمة فى اتباعه (صلى اللّه عليه و سلم) فيما فعله و لو لم تعلم الحكمة فيه، قال الشيخ زين الدين العراقى فى «شرح الترمذى» و فى قول عمر رضى اللّه عنه دليل على كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله، و أما قول الشافعى و أيما قبل من البيت فحسن فلم يرد به الاستحباب، لأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين. انتهى.

و أجيب عن الشافعى بأن معنى قوله: فحسن، أن ذلك غير مكروه و لا مستحب. كذا قاله الجد (رحمه اللّه).

الثالثة: قال السهيلى: الحكمة فى كون خطايا بنى آدم سودته دون غيره من حجارة الكعبة، أن العهد الذى فيه هى الفطرة التى فطر الناس عليها فى توحيد اللّه، فكل مولود يولد على الفطرة، و على ذلك فلو لا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يسود قلبه بالشرك لما حال من العهد، فقد صار قلب ابن آدم محلا لذلك العهد و الميثاق، و صار الحجر محلا لما كتب فيه من ذلك العهد و الميثاق فتناسبا، فاسود من الخطايا قلب ابن آدم بعد ما كان أبيض لما ولد عليه من ذلك العهد، و اسود الحجر بعد بياضه. و كانت الخطايا سببا فى ذلك حكمة من اللّه تعالى. انتهى.

الرابعة: قد اعترض بعض الملحدين على الحديث المتقدم آنفا فقال: إذا سودته الخطايا ينبغى أن تبيضه الطاعات، أجاب ابن قتيبة عن ذلك بأنه لو شاء اللّه لكان، ثم قال:

أما علمت أيها المعترض أن السواد يصبغ به و لا ينصبغ، و البياض ينصبغ و لا يصبغ به.

مطلب: الحكمة فى تغيير الحجر الأسود إلى السواد

الخامسة: روى عن ابن عباس أنه قال: إنما غير بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة. قال المحب الطبرى: إن ثبت هذا فهو الجواب، قال ابن حجر: أخرجه الجندى فى «فضائل مكة» بإسناد ضعيف، و قيل: إن شدة سواده أن الحريق أصابه مرتين فى الجاهلية و الإسلام، و سيأتى الكلام فى سبب الحريق فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

41

مطلب: هل كان الحجر يسمى أسود قبل اسوداده حال كونه أبيض من اللبن أم لا؟

السادسة: قال الجد (رحمه اللّه): فإن قلت: هل كان الحجر يسمى بالأسود قبل اسوداده حال كونه أشد بياضا من اللبن أو لا؟ و إنما تجدد له هذا الاسم بعد اسوداده. قلت: لم أر فى ذلك لأحد نقلا، و يحتمل أنه كان يسمى بذلك لما فيه من السودد، فيكون المراد بقولهم أسود أى ذو سودد، و يحتمل أنه لم يسم بذلك، إلا بعد اسوداده، و اللّه أعلم.

انتهى.

مطلب: خواص الحجر

السابعة: من خواص الحجر الأسود أنه اذا جعل فى الماء لا يغرق بل يطفو و يرتفع، و إذا جعل فى النار لا يحمى و لا تعمل فيه النار بل يبقى باردا على حاله. كذا نقله الطرسوسى.

و من آيات الحجر: أنه أزيل عن مكانه غير مرة ثم أعاده اللّه إليه. و وقع ذلك من جرهم و إياد و العمالقة و خزاعة و القرامطة.

و آخر من أزاله منهم أبو طاهر سليمان بن الحسن القرمطى و ذلك أنه فى موسم سنة سبع عشرة و ثلاثمائة حصل منه فى يوم التروية أذى عام، و ذلك أنه نهب الحاج و سفك الدماء حتى سال بها الوادى ثم رمى ببعض القتلى فى بئر زمزم حتى امتلأت، و أصعد رجلا على أعلى البيت ليقلع الميزاب فتردى على رأسه و مات، ثم انصرف و معه الحجر الأسود فعلقه على الأسطوانة السابعة من جامع الكوفة لاعتقاده الفاسد و زعم أن الحج ينتقل إليها، فاستمر عنده إلى أن اشتراه منه المطيع للّه أبو القاسم و قيل أبو العباس الفضل بن المقتدر بثلاثين ألف دينار، ثم أعيد إلى مكانه سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة، و كانت مدة مكثه عندهم اثنتان و عشرون سنة إلا شهرا، و لما ذهب به هلك تحته أربعون جملا و لما أعيد إلى مكة حمل على قعود أعجف فسمن تحته.

42

و عن مجاهد أنه قال: يأتى الحجر و المقام يوم القيامة مثل أبى قبيس كل واحد منهما له عينان و شفتان يناديان بأعلى أصواتهما يشهدان لمن و افاهما بالوفاء.

و عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «إن اللّه يعيد الحجر إلى ما خلقه أول مرة» أخرجه الأزرقى.

و أخرج ابن شيبة عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال: يرفع الحجر الأسود يوم الاثنين. و عن ابن عمر أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «مسح الحجر الأسود و الركن اليمانى يحط الخطايا حطّا» و روى أن الحجر الأسود كان يسلم على النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن يبعث.

فروع:

الأول: السّنة فى تقبيل الحجر الأسود أن يكون بلا تصويت و لا تطنين و لا لحس باللسان، ثم إن أمكنه أن يسجد عليه فعل لأنه جائز عندنا و عند الشافعى و أحمد لأن فيه تقبيلا و زيادة سجود للّه تعالى، و قال مالك: إن السجود عليه بدعة، ثم ذلك مشروط بعدم الإيذاء و الزحام و المدافعة، لأن التقبيل سنة و ترك الأذى عن الناس فريضة، فلا يجوز الإتيان بالسنة مع ترك الفريضة، و لأن له خلفا و هو الإشارة.

الثانى: إذا كان الحجر مطيبا فقبله المحرم فلزق الطيب بفمه أو بيده أو بأكثرهما لزمه الدم و إلا فصدقة، و هذا عندنا، و عند الشافعى لا يشرع له التقبيل و لا المس.

الثالث: يستحب لمن أكل بصلا أو ثوما أو ما له رائحة كريهة و أراد تقبيل الحجر أن ينظف فاه بسواك و نحوه مما يذهب الرائحة، فإن كان به بخر لا يمكن زواله فهو معذور.

الرابع: لو أزيل الحجر من موضعه- و العياذ باللّه تعالى- استلم ركنه و قبّله و سجد عليه. كذا نقله القاضى عز الدين بن جماعة الدارمى من الشافعية، و استشكله بعض علمائهم. و وجهه الجد (رحمه اللّه) و قال: إن الخصوصية التى تثبت للحجر من كونه يمين اللّه فى الأرض و يشهد لمن استلمه بحق و تقبيله (صلى اللّه عليه و سلم) له غير موجودة فى الركن الذى هو فيه. انتهى.

أقول: لم أقف على نقل لأصحابنا فى ذلك، و ما ذكره الجد من التوجيه فى غاية القبول، و ربما يوافق أصولنا لأنه حيث ثبت هذا الحكم للحجر اقتصر عليه و اختص به‏

43

دون الركن فلا ينتقل الحكم إلى الركن و لا يقوم بدلا عن الحجر، لأن من أصلنا أن نصب البدل بالرأى لا يجوز. أما من أراد الطواف و وقف مستقبل الركن و رفع يديه لأجل النية فينبغى الجواز لأنه محل البداءة. فتأمل. انتهى.

فائدتان:

الأولى: قد تقدم فى الفرع الأول أن الزحام المفضى إلى الإيذاء عند استلام الحجر ممنوع، و قد ثبت عن عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنه أنه كان يزاحم على الحجر حتى يدمى أنفه و لا يترك تقبيله، فالجواب أنه كان مجتهدا و أن مذهبه أفضلية المزاحمة على الحجر و إن أفضت إلى الأذى.

مطلب: أول من استلم الركن من الأئمة قبل الصلاة و بعدها ابن الزبير

الثانية: أول من استلم الركن الأسود من الأئمة قبل الصلاة و بعدها ابن الزبير فاستحسنت ذلك الولاة بعده فاتبعته، أخرجه الأزرقى.

فصل: فى فضل الركن اليمانى و ذكر شى‏ء مما ورد فيه:

روى عن ابن عباس رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «ما مررت بالركن اليمانى إلا و عنده ملك ينادى آمين آمين فإذا مررتم به فقولوا اللهم ربنا آتنا فى الدنيا حسنة و فى الآخرة حسنة و قنا عذاب النار».

و عن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال: «على الركن اليمانى ملكان يؤمنان على دعاء من مر بهما و إن على الحجر الأسود ما لا يحصى» أخرجه الأزرقى.

و عن أبى هريرة رضى اللّه عنه أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «وكل بالركن اليمانى سبعون ملكا من قال اللهم إنى أسألك العفو و العافية فى الدنيا و الآخرة، ربنا آتنا فى الدنيا حسنة و فى الآخرة حسنة و قنا عذاب بالنار، قالوا: آمين» قال العلامة عز الدين بن جماعة (رحمه اللّه): و لا تضاد بين الأحاديث على تقدير الصحة إذ يحتمل أن السبعين موكلون به و لم يكلفوا التأمين، و إنما يؤمّنون عند سماع الدعاء، و الملكان كلفا قول آمين. و رواية ملك محمولة على الجنس. انتهى بمعناه.

44

و روى الأزرقى عن عطاء قال قيل: يا رسول اللّه، إنك تكثر من استلام الركن اليمانى، قال: ما أتيت عنده قط إلا و جبريل (عليه السلام) قائم عنده يستغفر لمن يستلمه‏ (1).

و عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «عند الركن اليمانى باب من أبواب الجنة، و الركن الاسود من أبواب الجنة».

و أخرج الأزرقى عن مجاهد أنه قال: ما من إنسان يضع يده على الركن اليمانى و يدعو إلا استجيب له، و إن بين اليمانى و الركن الأسود سبعين ألف ملك لا يفارقونه، هم هنالك منذ خلق اللّه البيت‏ (2).

و فى «رسالة الحسن البصرى» عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) «ما بين الركن اليمانى إلى الركن الأسود قبور سبعين نبيا».

و فى «منسك» ابن جماعة «ما بين الركن و المقام و زمزم قبور نحو من ألف نبى».

و نقل عن الشعبى أنه قال: رأيت عجبا: كنا بفناء الكعبة أنا و عبد اللّه بن عمر و عبد اللّه ابن الزبير و أخوه مصعب و عبد الملك بن مروان، فقالوا بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم رجل رجل فليأخذ بالركن اليمانى و ليسأل اللّه تعالى حاجته فإنه يعطى من سعة، ثم قالوا لعبد اللّه بن الزبير: قم أولا، فإنك أول مولود فى الهجرة، فقام فأخذ بالركن اليمانى ثم قال: اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك و حرمة عرشك و حرمة نبيك (صلى اللّه عليه و سلم) أن لا تميتنى من الدنيا حتى تولينى الحجاز و يسلم علىّ بالخلافة، و جاء و جلس.

ثم قام أخوه مصعب فأخذ بالركن اليمانى فقال: اللهم إنك رب كل شى‏ء و إليك كل شى‏ء، أسألك بقدرتك على كل شى‏ء أن لا تميتنى من الدنيا حتى تولينى العراق و تزوجنى سكينة بنت الحسين. و جاء و جلس.

ثم قام عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن و قال: اللهم رب السموات السبع و الأرض ذات النبات بعد القفر، أسألك بما سألك عبادك المطيعون لأمرك، و أسألك بحرمة وجهك،

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 338.

(2) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 339.

45

و أسألك بحقك على جميع خلقك و بحق الطائفين حول بيتك أن لا تميتنى حتى تولينى شرق الأرض و غربها، و لا ينازعنى أحد إلا أتيت برأسه، ثم جاء فجلس.

ثم قام عبد اللّه بن عمر حتى أخذ بالركن ثم قال: اللهم يا رحمن يا رحيم، أسألك برحمتك التى سبقت غضبك، و أسألك بقدرتك على جميع خلقك أن لا تميتنى من الدنيا حتى توجب لى الجنة.

قال الشعبى فما ذهبت عيناى من الدنيا حتى رأيت كل واحد و قد أعطى ما سأل، و بشر عبد اللّه بن عمر بالجنة (1).

أقول: لقائل أن يقول: ما الدليل على وجه البشرى؟ و لم أر أحدا من المؤلفين فى هذا المعنى ذكر شيئا مما يستدل به على ذلك و لا تعرض له فيما وقفت عليه. و يحتمل أن يكون أن يكون فى ذلك وجهان:

الأول: أن سيدنا عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنه كان قد كف بصره بعد ذلك و قد وعد النبى (صلى اللّه عليه و سلم) من ابتلى بذلك بالجنة كما فى «صحيح البخارى».

الثانى: أن الثلاثة لما أعطوا ما سألوه كان ذلك أدل دليل على إجابة دعاء الجميع، إذ هو اللائق بكرم اللّه وسعة عطائه، و كان سيدنا عبد اللّه رضى اللّه عنه من الورع و الزهد و الصلاح بالمكانة التى لا تجهل كما فى مناقبه.

و فى «منهاج التائبين»: من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الركن اليمانى ليستلمه خاض فى الرحمة، فإذا استلمه غمرته الرحمة. و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ما بين الركن اليمانى و الحجر الاسود روضة من رياض الجنة».

فرع: استلام الركن اليمانى عندنا حسن و تركه لا يضر. لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يستلمه مرة و يتركه أخرى و هو الصحيح. كذا نقله الكرمانى من أصحابنا. و عن محمد أنه يستلمه و يقبل يده. و فى رواية عنه أنه يقبله. و عند الشافعى (رحمه اللّه) يستلم الركن اليمانى قولا واحدا.

____________

(1) شفاء الغرام ج 1 ص 318.

46

مطلب: فى كيفية استلام الركن اليمانى هل يقبل يده ثم ينقلها إليه أو يضع يده عليه ثم يقبلها؟

لكن اختلف أصحابه فى كيفية استلامه. قال بعضهم: يقبل يده أولا ثم يضعها على الركن لينقل القبلة إليه. و قال بعضهم: يضع اليد على الركن أولا ثم يقبلها ليكون ناقلا بركته إلى يده و نفسه، و هو الأصح عندهم. و عند مالك (رحمه اللّه) يستلم الركن اليمانى و لا يقبل يده، و إنما يضعه على فيه. و عند أحمد (رحمه اللّه) أنه يستلمه بيده و لا يقبله. و فى تقبيل يده خلاف عند أصحابه، كذا نقله الشيخ عز الدين بن جماعة. و نقل الكرمانى من أصحابنا رواية عن أحمد أنه يقبله. و فى الكل ورد النقل عن الصحابة و التابعين (رضوان اللّه عليهم).

(و أما الركنان الآخران) اللذان يليان الحجر: فمذهب أهل العلم لا يستلمان، كذا نقل عن كثير من الصحابة منهم عمر و ابنه و معاوية.

فصل: فى فضل الملتزم و الدعاء فيه:

إنما سمى بذلك لأن الناس يلتزمونه و يدعون عنده و هو من المواطن التى يستجاب فيها الدعاء. روى القاضى عياض فى «الشفاء» بقراءته على القاضى الحافظ أبى علىّ (رحمه اللّه)، عن أبى العباس العذرىّ عن (أبى) أسامة محمد الهروىّ، عن الحسن بن رشيق، عن أبى الحسن محمد بن الحسن بن راشد، عن أبى بكر محمد بن إدريس، عن الحميدىّ، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس رضى اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «ما دعا أحد بشى‏ء فى هذا الملتزم الا استجيب له» قال ابن عباس: و أنا فما دعوت اللّه بشى‏ء فى هذا الملتزم منذ سمعت هذا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا استجيب لى.

و قال عمرو بن دينار: و أنا فما دعوت اللّه بشى‏ء فى هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ابن عباس إلا استجيب لى. و قال سفيان: و أنا فما دعوت اللّه بشى‏ء فى هذا الملتزم منذ سمعت هذا من عمرو بن دينار إلا استجيب لى. و قال الحميدى: و أنا فما دعوت اللّه بشى‏ء فى هذا الملتزم منذ سمعت هذا من سفيان إلا استجيب لى. و قال محمد بن إدريس: و أنا فما

47

دعوت اللّه بشى‏ء فى هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحميدى الا استجيب لى. و قال أبو الحسن محمد بن الحسن: و أنا فما دعوت اللّه بشى‏ء فى هذا الملتزم منتذ سمعت هذا من محمد بن إدريس إلا استجيب لى. قال أبو أسامة: و ما أذكر الحسن بن رشيق قال فيه شيئا. و أنا فما دعوت اللّه بشى‏ء فى هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحسن بن رشيق إلا استجيب لى فى أمر الدنيا، و أنا أرجو أنت يستجاب لى فى أمر الآخرة. قال العذرى: و أنا فما دعوت اللّه بشى‏ء فى هذا الملتزم منذ سمعت هذا من أبى أسامة إلا استجيب لى. قال أبو على: و أنا فقد دعوت اللّه فيه بأشياء كثيرة فاستجيب لى بعضها و أرجو من سعة فضله أن يستجيب لى بقيتها. انتهى‏ (1).

يقول الحقير مؤلف هذه الفضائل و جامعها: قد دعوت اللّه فيه بأشياء فاستجيب لى بفضل اللّه و أنا مستمر على الدعاء فى أمور أخر، منها حسن الخاتمة، و أرجو اللّه إجابة الدعاء بحصولها.

و ذكر القاضى عز الدين فى «منسكه» عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال: من التزم الكعبة و دعا استجيب له، ثم قال: فيجوز أن يكون على عمومه و يجوز أن يكون محمولا على الملتزم‏ (2). انتهى.

ذكر معرفة الملتزم و المستجار (3) و المتعوذ و المدعى و الحطيم‏

أما الملتزم فهو ما بين الحجر الأسود و باب الكعبة (4) كما ثبت عن ابن عباس رضى اللّه عنه.

و أما المستجار فهو ما بين الركن اليمانى و الباب المسدود فى دبر الكعبة (5) و الدعاء عنده مستجاب كما رواه ابن أبى الدنيا.

و أما الحطيم فهو ما بين الحجر الأسود و مقام إبراهيم و زمزم و حجر إسماعيل.

و سمى بذلك لأن الناس كانوا يحطّمون هنالك بالأيمان و يستجاب فيها الدعاء للمظلوم على‏

____________

(1) الحديث و الأخبار التالية له لدى القاضى عياض فى الشفاء ج 2 ص 60.

(2) إخبار الكرام للأسدى ص 80.

(3) تحرف فى المطبوع إلى «المستجاب» و صوابه لدى الأسدى ص 80 و هو ينقل عن ابن ظهيرة.

(4) الأسدى ص 80.

(5) الأسدى ص 80.

48

الظالم، فقل من حلف هنالك كاذبا إلا عجّلت له العقوبة و كان ذلك يحجز الناس عن المظالم‏ (1).

و قيل: لأن الشاذروان هو الحطيم، لأن البيت رفع بناؤه و ترك هو بالأرض محطوما (2).

و الحطيم عندنا: هو الحجر- بكسر الحاء و سكون الجيم- و هو الموضع الذى نصب فيه ميزاب البيت، و إنما سمى بالحطيم لأنه حطم من البيت أى كسر، كذا فى كتبنا.

و أما المتعوّذ و المدعى فروى عن ابن عباس أن الملتزم و المتعوذ و المدعى ما بين الحجر الأسود و الباب. و عن عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه أن ما بين الركن الاسود و الباب، هو الملتزم، و ما بين الركن اليمانى و الباب المسدود هو المتعوذ. كأنه جعل الأول موضع رغبة، و الثانى موضع استعاذة.

و عن عمرو بن العاص أنه طاف بالبيت ثم استلم الحجر و قام بين الركن و الباب، فوضع صدره و وجهه و ذراعيه و كفيه و بسطهما بسطا، ثم قال: كذا رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يفعله‏ (3).

مطلب: دعاء آدم على نبينا و عليه الصلاة و السلام‏

و أخرج الأزرقى فى «تاريخه» أن آدم (عليه السلام) طاف بالبيت سبعا حين نزل، ثم صلى تجاه الكعبة ركعتين، ثم أتى الملتزم فقال: اللهم إنك تعلم سريرتى و علانيتى فاقبل معذرتى. و تعلم ما فى نفسى و ما عندى فاغفر لى ذنوبى. و تعلم حاجتى فأعطنى سؤلى.

اللهم إنى أسألك إيمانا يباشر قلبى و يقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبنى إلا ما كتبت لى، و الرضا بما قضيت علىّ، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا آدم قد دعوتنى بدعوات و استجبت لك، و لن يدعونى بها أحد من ولدك إلا كشفت همومه و غمومه، و كففت عليه ضيعته، و نزعت الفقر من قلبه، و جعلت الغنى بين عينيه، و تجرت له من وراء تجارة كل تاجر، و أتته الدنيا و هى راغمة و إن كان لا يريدها، ثم قال: فمنذ طاف آدم كانت سنة الطواف انتهى‏ (4).

____________

(1) شفاء الغرام ج 1 ص 318.

(2) شفاء الغرام ج 1 ص 318.

(3) الأسدى ص 81 و الخبر لديه بالنص كما هنا.

(4) أخبار مكة للأزرقى ج 1 ص 44، إخبار الكرام ص 81.

49

قال العلامة عز الدين بن جماعة: و لعله يريد سنة الطواف فى العدد، و إلا فقد ورد أن الملائكة طافت به قبل آدم (عليه السلام)، فلعله كان بغير عدد أو بغير ذلك العدد أو أراد لبنيه من بعده، و اللّه أعلم. انتهى.

و روى الأزرقى أن ابن الزبير مر بعبد اللّه بن العباس و هو بين الباب و الركن الأسود فقال له ليس هاهنا الملتزم، إنما هو دبر البيت، فقال ابن عباس هنالك ملتزم عجائز قريش.

و ذكر أيضا أن عائشة رضى اللّه عنه أرسلت إلى أصحاب المصابيح فأطفئوها ثم طافت من وراء ستر و حجاب ثلاثة أسابيع، تقف بعد كل أسبوع بين الباب و الحجر تدعو.

مطلب: الأولى عند الحنفية لمن أراد الملتزم أن يقدمه على ركعتى الطواف ثم يأتى بهما

فرع: الأولى عندنا لمن انتهى طوافه و أحب أن يلتزم أن يقدمه على ركعتى الطواف ثم يأتى بهما بعد ذلك، كذا فى منسك الكرمانى من أصحابنا: و ذكر غيره تقديم الصلاة على الالتزام و هذا فيما عدا طواف الوداع. و أما بعده فإنه عقب الصلاة و الشرب من ماء زمزم يأتى الملتزم ثم يدعو فيه بما أراد ثم ينصرف القهقرى فيكون آخر عهده الالتزام. و اللّه أعلم.

عدنا إلى المقصود:

و منها: بقاء بنائه الموجود الآن و ثباته و لا يبقى غيره من الأبنية هذه المدة الطويلة كما ذكره المهندسون، و ذلك لأن الأرياح و الأمطار قلما تواترت على بناء إلا خرب، و هذا البيت الشريف لم تزل الأرياح العاصفة و الأمطار العظيمة تتوالى عليه منذ بنى و إلى تاريخه، و لم يقع بحمد اللّه تغير فى بنائه و لا خلل.

مطلب: ما وقع فى الكعبة من الترميم‏

قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر (رحمه اللّه): و لم أقف فى شى‏ء من التواريخ على أن أحدا من الخلفاء و لا من دونهم غيّر من الكعبة شيئا مما صنعه الحجّاج إلى الآن إلا فى الميزاب و الباب و عتبته. و كذا وقع الترميم فى جدارها غير مرة و فى سقفها و سلم سطحها.

و وقع أيضا فى جدارها الشامى ترميم فى شهور سنة سبعين و مائتين، ثم فى شهور سنة

50

اثنتين و أربعين و خمسمائة ثم فى شهور سنة تسع عشرة و ستمائة ثم فى سنة ثمانين و ستمائة ثم فى سنة أربع عشرة و ثمانمائة (1).

ثم قال: و قد ترادفت الأخبار الآن فى وقتنا هذا فى سنة اثنتين و عشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتم لذلك سلطان الإسلام الملك المؤيد. ثم حججت سنة أربع و عشرين و تأملت المكان الذى قيل عنه فلم أجده بتلك الشناعة. و قد نقض سقفها فى سنة سبع و عشرين على يدى بعض الجند فجدد لها سقفا و رخم السطح. فلما كان فى سنة ثلاث و أربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى داخل الكعبة أشد مما كان أولا فأداه رأيه الفاسد إلى أن نقض السقف مرة أخرى، و سدّ ما كان فى السطح من الطاقات التى كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة (2).

و لزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر فأنكر أن يكون أمر بذلك. وجهز بعض الجند لكشف ذلك‏ (3). فتعصب للأول من جاور و اجتمع الباقون رغبة و رهبة فكتبوا محضرا بأنه ما فعل شيئا إلا عن ملأ منهم و أن كل ما فعله مصلحة فسكن غيظ السلطان و غطى عليه الأمر.

و قال أيضا: و مما يتعجب منه أنه لم يبق الاحتياج فى الكعبة إلى الإصلاح إلا فيما صنعه الحجاج، إما من الجدار الذى بناه فى الجهة الشامية و إما فى السلم الذى جدده للسطح و العتبة، و ما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة كالرخام أو التحسين كالباب و الميزاب‏ (4).

قال الجد نوّر اللّه ضريحه: و ما ذكره من نقض سقفها سنة سبع و عشرين على يد بعض الجند و أنه جدد لها سقفا سبق قلم، و صوابه سنة ثمان و ثلاثين و اللّه أعلم.

انتهى‏ (5).

____________

(1) إخبار الكرام ص 90.

(2) إخبار الكرام ص 90.

(3) إخبار الكرام ص 91.

(4) إخبار الكرام ص 92.

(5) إخبار الكرام ص 92.

51

مطلب: عقوبة من أخذ شيئا من مال الكعبة و يسمى بالأبرق‏

(و منها) أن فتى من الحجبة حضرته الوفاة و اشتد عليه النزع جدا حتى مكث أياما ينزع نزع شديدا فقال له أبوه: لعلك أصبت من الأبرق شيئا، يعنى مال الكعبة، فقال: أربعمائة دينار، فأشهد أبوه أن عليه للكعبة أربعمائة دينار، فسرى عن الفتى ثم لم يلبث أن مات‏ (1).

مطلب: إذا وضع مفتاح البيت فى فم الصغير تكلم سريعا

(و منها) أن مفتاح بابها إذا وضع فى فم الصغير الذى ثقل لسانه عن الكلام تكلم سريعا. ذكره الفاكهى، و قال: إن ذلك مجرب‏ (2).

مطلب: دخان البيت يصعد مستويا

(و منها) ما ذكره ابن الحاج أن دخان البيت لا يذهب يمينا و لا شمالا و لا أمام و لا خلف، بل يصعد مستويا إلى السماء. قال الفاسى: و لعل المراد بالدخان دخان ما تجمر به الكعبة (3) و اللّه أعلم‏

مطلب: هيبته و تعظيمه فى القلوب‏

(و منها) هيبته و تعظيمه فى قلوب الناس و كف الجبابرة عنه على مر الدهور و الأعصار و إذعان نفوس العرب لتوفير هذه البقعة بدون ناه و لا زاجر. روى أن الحجاج بن يوسف لما نصب المنجنيق على أبى قبيس بالحجارة و النيران و اشتعلت النار فى أستار الكعبة، جاءت سحابة من نحو جدة يسمع فيها الرعد و يرى البرق فمطرت فلم يجاوز مطرها الكعبة و المطاف، فأطفأت النار و أرسل اللّه عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه.

قال عكرمة: و أحسب أنها احترقت تحته أربعة رجال فقال الحجاج: لا يهولنكم هذا فإنها أرض صواعق، فأرسل اللّه صاعقة أخرى فأحرقت المنجنيق و أحرقت معه أربعين رجلا، و ذلك فى سنة ثلاث و سبعين فى أيام عبد الملك بن مروان.

____________

(1) إخبار الكرام ص 93.

(2) نقله الفاسى فى شفاء الغرام ج 1 ص 301.

(3) شفاء الغرام ج 1 ص 302.

52

قال الجد: هذا و الحجاج ما قصد التسلط على البيت، و إنما تحصن به ابن الزبير ففعل ذلك لإخراجه كما أشير إليه قريبا إن شاء اللّه تعالى.

أقول: و توجيهه أن فعل الحجاج و إن لم يقصد التسلط على البيت فهو مؤذن بجبروته و عدوانه و انتهاكه لحرمة البيت و المسجد و البلد و استباحته للقتال فى هذه البقعة الشريفة، فهو جدير بإرسال الصواعق على منجنيقه و رجاله، بل و عليه، فسبحان من لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. انتهى.

(و منها) أمن الخائف الثابت ذلك من قديم الدهر و كانت العرب يغير بعضها على بعض و يتخطفون الناس بالقتل و أخذ الأموال و أنواع المظالم إلا فى الحرم، و ينبنى على هذا أمن الحيوان فيه و سلامة الشجر، و ذلك للبركة و الهيبة و العظمة التى جعلها اللّه فى هذا البيت و ما جاوره و بركة دعوة الخليل (صلوات اللّه عليه) فى قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً (سورة البقرة: 126) الآية، و العرب تقول فى ضرب المثل: آمن من حمام مكة، لأنها لا تهاج و لا تصاد (1).

حكى عن بعض العباد أنه قال: كنت أطوف بالبيت ليلا، فقلت: يا رب، إنك قلت‏ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (سورة آل عمران: 97) فمن ماذا هو آمن؟ فسمعت من يكلمنى و يقول:

من النار، فنظرت و تأملت فما كان فى المكان أحد (2).

مطلب: لا يرى البيت أحد لم يكن رآه قبل إلا ضحك أو بكى‏

(و منها) ما روى عن الجاحظ أنه قال: لا يرى البيت الحرام أحد ممن لم يكن رآه قبل ذلك إلا ضحك أو بكى.

مطلب: تعجيل العقوبة لمن قصد البيت بسوء

(و منها) تعجيل العقوبة لمن قصده بسوء كقصة تبع و أصحاب الفيل‏ (3). حين قصدوا تخريبه، و عند ذكرهما رأيت أن أسوق خبرهما باختصار:

(أما قصة تبع‏ (4)) فذكر القطبى‏ (5) فى «الإعلام» أنه كان من الخمسة الذين دانت لهم‏

____________

(1) إخبار الكرام ص 94- 95.

(2) إخبار الكرام ص 95.

(3) إخبار الكرام ص 95.

(4) انظر قصة تبع: منائح الكرم ج 1 ص 374.

(5) تحرف فى المطبوع إلى: «القرطبى» و صوابه لدى السنجارى فى منائح الكرم ج 1 ص 374.

53

الدنيا بأسرها، و كان كثير الوزراء فاختار منهم واحدا و أخرجه لينظر فى ملكه، و كان إذا أتى بلدة يختار من حكمائها عشرة رجال، و كان معه من العلماء و الحكماء مائة ألف رجل هم الذين اختارهم من البلدان و لم يكونوا محسوبين من الجيش. ثم إنه قصد مكة، فلما انتهى إليها لم يخضع له أهلها كخضوع غيرهم و لم يعظموه، فغضب لذلك و دعا وزيره و شكى إليه فعلهم، فقال: إنهم عرب لا يعرفون شيئا و لهم بيت يقال له الكعبة و هم معجبون به، فنزل الملك بعسكره ببطحاء مكة و عزم على هدم البيت و قتل الرجال و نهب النساء و سبيهم، فأخذه الصداع و تفجر من عينيه و أذنيه و منخريه و فمه ماء منتن فلم يصبر عنده أحد طرفة عين من شدة النتن.

(فقال لوزيره) اجمع العلماء و الحكماء و الأطباء فلم يقدروا على الجلوس عنده، و عجزوا عن مداواته و قالوا: نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض، و هذا من السماء لا نستطيع له ردا، ثم اشتد أمره و تفرق الناس عنه، فلما أقبل الليل جاء أحد العلماء لوزيره فقال: إن بينى و بينك سرا، فإن كان الملك يصدقنى فى حديثه عالجته، فاستبشر الوزير بذلك و جمع بينه و بين الملك، فلما خلا به قال له العالم: أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوءا، قال: نعم، فقال له العالم: أيها الملك نيتك أحدثت لك هذا الداء، و رب هذا البيت عالم بالأسرار، بادر و ارجع عما نويت، فقال الملك: قد أخرجت ذلك من قلبى و نويت لهذا البيت و أهله كل خير، فلم يخرج العالم من عنده الا و قد عافاه اللّه تعالى من علته فآمن باللّه من ساعته و خلع على الكعبة سبعة أثواب، و هو أول من كسا الكعبة، كما سأذكره بعد إن شاء اللّه تعالى.

(ثم خرج) إلى يثرب و ليس بها يومئذ بيت و إنما فيها عين ماء فنزل عند العين ثم إن العلماء و الحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة و هم أعلمهم و تبايعوا أن لا يخرجوا من يثرب و إن قتلهم الملك فلما علم الملك بذلك سألهم عن الحكمة التى اقتضت إقامتهم فى هذه البلدة؟

فقالوا: أيها الملك إن ذلك البيت و هذه البقعة يشرفان برجل يبعث فى آخر الزمان اسمه محمد، و وصفوه ثم قالوا: طوبى لمن أدركه و آمن به، و نحب أن ندركه أو يدركه أولادنا، فلما سمع الملك بذلك هم بالمقام معهم فلم يقدر على ذلك فأمر بعمارة أربعمائة دار على عدة العلماء، و أعطى كل واحد منهم جارية و أعتقها و زوجه بها، و أعطاهم مالا جزيلا.

54

ثم كتب كتابا و ختمه بخاتم من ذهب و دفعه إلى عالمهم الكبير، الذى أبرأه من علته و أمره أن يدفعه إلى محمد (صلى اللّه عليه و سلم) إن أدركه، و إلا يوصى بذلك أولاده ثم أولادهم.

و كان الكتاب أما بعد: فإنى آمنت بك و بكتابك الذى ينزل عليك، و أنا على دينك و سنتك و آمنت بربك و بكل ما جاء من ربك من شرائع الإيمان و الإسلام، فإن أدركتك فبها و نعمت، و إلا فاشفع لى و لا تنسنى يوم القيامة فإنى من أمتك الأولين، و قد بايعتك قبل مجيئك و أنا على ملتك و ملة إبراهيم أبيك (عليه السلام).

ثم نقش عليه للّه الأمر من قبل و من بعد، و كتب عنوانه: إلى محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب نبى اللّه و رسوله و خاتم النبيين و رسول رب العالمين (صلى اللّه عليه و سلم) من تبع الأول حمير ابن وردع، ثم سار من يثرب إلى بلاد الهند فمات بها، و كان من يوم موته إلى اليوم الذى بعث فيه النبى (صلى اللّه عليه و سلم) ألف سنة لا تزيد و لا تنقص.

مطلب: آباء الأنصار أولئك الأربعمائة حكيم‏

و كان الأنصار من أولاد أولئك العلماء و الحكماء (فلما ظهر خبره) (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل منهم يقال له: أبو ليلى إلى مكة فوجد النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى قبيلة بنى سليم، فعرفه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له: أنت أبو ليلى؟ فقال: نعم، قال: معك كتاب تبع الأول، قال: نعم، و بقى أبو ليلى متفكرا، ثم دفع الكتاب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فدفعه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى على بن أبى طالب فقرأه عليه، فلما سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كلام تبع قال: مرحبا بالأخ الصالح ثلاث مرات، ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة يبشرهم بقدومه (صلى اللّه عليه و سلم).

مطلب: أبو أيوب الذى نزل عنده (صلى اللّه عليه و سلم) من ولد العالم الذى شفى به تبع‏

(فلما هاجر) النبى (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم و صاروا يتعلقون بزمام ناقته و هو يقول: خلوها فإنها مأمورة، حتى جاءت إلى دار أبى أيوب الأنصارى، و كان من أولاد العالم الذى شفى تبع برأيه. انتهى بمعناه.