نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج1

- العلامة الحلي المزيد...
629 /
3

الجزء الأول‏

[المدخل‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏

التوبة: 122

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[المقدمات‏]

[مقدمة العلامة جعفر السبحاني‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

أصول الفقه بين الماضي و الحاضر

الإسلام عقيدة و شريعة. فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه و صفاته و التعرّف على أفعاله.

و الشريعة هي الأحكام و القوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد و المجتمع في حقول مختلفة، تجمعها العناوين التالية: العبادات، و المعاملات، و الإيقاعات و السياسات.

فالمتكلّم الإسلامي من تكفّل ببيان العقيدة، و برهن على الإيمان باللّه سبحانه و صفاته الجمالية و الجلالية، و أفعاله من لزوم بعث الأنبياء و نصب الأوصياء لهداية الناس و حشرهم يوم المعاد.

كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعيّة الكفيلة بإدارة الفرد و المجتمع، و التنويه بوظيفتهما أمام اللّه سبحانه و وظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.

بيد أنّ لفيفا من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم‏

6

في مجال العقيدة أبطال الفكر و سنامه، و في مجال التشريع أساطين الفقه و أعلامه، و لهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعدة.

فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين ففهمها و استخراجها من الكتاب و السنّة رهن أمور، أهمها: العلم بأصول الفقه، و هو العلم الذي يرشد إلى كيفيّة الاجتهاد و الاستنباط، و يذلّل للفقيه استخراج الحكم الشرعي من مصادره الشرعيّة.

إنّ كلّ علم يوم حدوثه و نشوئه لم يكن إلّا مسائل عديدة لا تتجاوز عدد الأصابع شغلت بال الباحث أو الباحثين، و لكنّها أخذت تتكامل و تتشعّب عبر الزمان حتّى صارت علما متكامل الأركان، له خصوصيّات كلّ علم، أعني:

تعريفه، و موضوعه، و مسائله.

و هذه خصيصة كلّ علم من العلوم الّتي تسير مع تكامل الإنسان.

و أمامك علم المنطق؛ فقد نقل الشيخ الرئيس في آخر منطق الشفاء عن أرسطوطاليس أنّه قال: إنّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلّا ضوابط غير مفصّلة. و أمّا تفصيلها و إفراد كلّ قياس بشروطه و ضروبه و تمييز المنتج عن العقيم إلى غير ذلك من الأحكام، فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا و أسهرنا أعيننا حتّى استقام على هذا الأمر، فإن وقع لأحد ممّن يأتي بعدنا فيه زيادة أو إصلاح فليصلحه، أو خلل فليسدّه‏ (1).

هذا هو نفس العلم، و في جانب كلّ علم، بحث آخر ربّما يسمّى بتاريخ‏

____________

(1). شرح المنظومة للحكيم السبزواري: 5- 6. نقلا عن منطق الشفاء للشيخ الرئيس ابن سيناء.

7

العلم، و هو غير العلم نفسه، حيث يستعرض الباحث في تاريخ العلم الأسباب الّتي أدّت إلى نشوئه، أو صارت سببا لتكامله خلال العصور، و الإلماع إلى العلماء الذين كان لهم دور في تطوّر العلم، إلى غير ذلك من المباحث الّتي تناسب تاريخ العلم.

و هنا نفترض أنّ سفينة تجري على ضفاف البحر، و تشقّ الأمواج العاتية في وسطه، متقدّمة إلى الأمام، فهناك راكب فيها، كما أنّ هناك ناظر إليها من بعيد، و لكلّ بالنسبة إلى السفينة رؤية خاصّة، فالراكب إذا أراد وصفها فسوف يصف معدّاتها الداخلية و ما فيها من غرف الملّاحين، و مخازن الأطعمة و الأشربة، و مقاعد الركاب و غرفهم، إلى غير ذلك ممّا يقع نظره عليه.

و أمّا الآخر فهو ينظر إليها بما أنّها مصنوع قام بصنعها كبار المهندسين و مهرة العمّال وفق تخطيط دقيق باستخدام أدوات مختلفة، و موادّ متنوعة، حتّى صارت جاهزة تقلّ الركّاب و تنقل البضائع من ميناء إلى ميناء.

فالنظرة الأولى نظرة فاحصة متعلّقة بما في داخل السفينة، و النظرة الثانية نظرة فاحصة تتعلق بخارجها.

و على ضوء هذا المثال يمكن التفريق بين نفس العلم و تاريخه، فالنظر إلى داخل العلم بما له من موضوعات و مسائل و غايات، هي دراسة لنفس العلم.

كما أنّ النظر إليه من حيث نشوئه و تكامله بيد أساتذته عبر الزمان، هي دراسة لتاريخ العلم و سيره من بداية نشوئه إلى الحد الّذي بلغه.

و على هذا ف «أصول الفقه» علم له تعريفه و موضوعه و مسائله و غاياته، و قد أفاض فيه علماء الأصول في بحوثهم و دراساتهم و كتبهم، و نحن هنا

8

لا نخوض فيه، بل ننتقل إلى الجانب الثاني- أعني: دراسة تاريخ هذا العلم- و الأسباب التي أدّت إلى نشوء هذا العلم و تدوينه بصورة رسائل و كتب.

حاجة الفقيه إلى أصول الفقه:

إنّ الإسلام عقيدة و شريعة. فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه و صفاته و التعرّف على أفعاله.

و الشريعة هي الأحكام و القوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد و المجتمع في حقول مختلفة تجمعها العناوين التالية:

«العبادات، المعاملات، الإيقاعات، و السياسات». فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين، فلم يترك الدين شيئا يحتاج إليه المجتمع في عاجله و آجله، و أغنى الإنسان المسلم عن كلّ تشريع وضعي سوى ما شرّعه الدين.

يرشدنا إلى إغناء التشريع الإسلامي عن كلّ قانون سواه، لفيف من الآيات و الروايات، و نكتفي بما يلي:

1. قال سبحانه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1).

2. قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمّة إلّا أنزله في كتابه، و بيّنه لرسوله، و جعل لكلّ شي‏ء حدّا، و جعل عليه دليلا يدلّ عليه». (2)

____________

(1). المائدة: 3.

(2). الكافي: 1/ 59، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة.

9

3. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «ما من شي‏ء إلّا و فيه كتاب أو سنّة». (1)

4. و قال أبو الحسن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في جواب من سأله: أ كلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه.

قال: «بلى كلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه». (2)

هذا من جانب، و من جانب آخر، أنّه كلّما توسّع نطاق الحضارة، و بلغ الإنسان منها ما بلغ، احتاج في تنظيم حياته إلى تشريعات خاصّة أزيد ممّا كان يحتاج إليها في الظروف الغابرة؛ و بما أنّ الحضارة الإنسانيّة ما زالت تتوسّع و تتكامل، فذلك يستتبع حاجة الإنسان إلى تشريعات جديدة تستنبط من الكتاب و السنّة مع سائر الأدلّة.

و هذا الأمران هما:

1. استغناء المسلم عن كلّ تشريع سوى تشريع السماء.

2. تزايد الحاجة إلى التشريعات الجديدة.

فهذان الأمران يفرضان على الفقيه الدقّة و الإمعان في الكتاب و السنّة، و استنطاقهما مع سائر الأدلّة في الحوادث المستجدّة، و هذا هو نفس الاجتهاد الّذي فتح اللّه بابه على الأمّة الإسلاميّة منذ رحيل الرسول إلى يومنا هذا.

و من المعلوم: أنّ استنطاق الأدلّة الأربعة يجب أن يكون تابعا لنظام منطقيّ يصون المجتهد عن الخطأ في الاستنباط. و هذا هو علم «أصول الفقه» فإنّ دوره هو تعليم المجتهد كيفيّة استنطاق الدليل الشرعي لاستنباط الحكم الإلهي في حقول مختلفة.

____________

(1). الكافي: 1/ 59، باب الرّد إلى الكتاب و السنّة.

(2). الكافي: 1/ 59، باب الرّد إلى الكتاب و السنّة.

10

إنّ إغناء الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل عن كلّ تشريع سواه، رهن اشتمالها على مادّة حيويّة و أصول و قواعد عامّة تفي باستنباط آلاف من الفروع الّتي يحتاج إليها المجتمع البشري عبر القرون و الأجيال.

و هذه الثروة العلميّة من مواهبه سبحانه للأمّة بين سائر الأمم.

و من المعلوم أنّ تبسيط المادة الحيويّة و تهيئتها للإجابة على مورد الحاجة دون نظام خاص يسهّل إنتاج الأحكام الفرعية من هذه الموادّ و الأصول، يوجد الفوضى في حقل الاستنباط.

فوزان علم الأصول بالنسبة إلى الفقه، وزان علم المنطق إلى الفلسفة، فكما أنّ المنطق يعلّم الباحث كيفية الاستدلال و البرهنة على المسائل العقليّة أو الكونيّة أو المعارف الإلهية، فهكذا علم الأصول يرشد المجتهد إلى كيفيّة ردّ الفروع إلى الأصول.

المسلمون الأوائل و المسائل المستجدّة:

واجه المسلمون في فتوحاتهم و احتكاكهم مع الأمم الاخرى مسائل و موضوعات مستجدّة لم يجدوا حلّها في الكتاب و السنّة بصراحة- مع العلم بكمال الدين في حقلي العقيدة و الشريعة- فأخذ كلّ صحابي أو تابعي بالإجابة وفق معايير خاصّة، دون أن يكون هناك منهج خاص يصبّ تمام الجهود على مورد واحد، فمسّت الحاجة إلى تدوين أصول و قواعد تضفي على الاجتهاد منهجيّة و نظاما خاصّا يخرجه عن الفوضى في الإفتاء، فعند ذلك جاء دور أصول الفقه المتكفّل لبيان المنهج الصحيح للاستنباط.

11

جذور علم الأصول في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)

إنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا سيّما الإمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام) أملوا على أصحابهم قواعد كلّيّة في الاستنباط يقتنص منها قواعد أصوليّة أوّلا و قواعد فقهيّة ثانيا على الفرق المقرّر بينهما. و قد قام غير واحد من علماء الإماميّة بتأليف كتاب في جمع القواعد الأصوليّة و الفقهيّة الواردة في أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، و نخصّ بالذكر الكتب الثلاث التالية:

أ- الفصول المهمة في أصول الأئمّة: للمحدّث الحرّ العاملي (المتوفّى 1104 ه).

ب- الأصول الأصليّة: للعلّامة السيّد عبد اللّه شبّر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242 ه).

ج- أصول آل الرسول، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318 ه).

و بمحاذاة تلك الحركة بدأ نشاط تدوين علم أصول الفقه عند الإماميّة على ضوء القواعد الكلّية الواردة في أحاديث أئمّتهم، مضافا إلى ما جادت به أفكارهم.

فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 ه) كتابه «اختلاف الحديث و مسائله» و هو نفس باب التعادل و الترجيح في الكتب الأصوليّة.

كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237- 311 ه) كتاب:

الخصوص و العموم، و الأسماء و الأحكام، و إبطال القياس.

12

إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي، فألّف كتاب: «خبر الواحد و العمل به». و هذه هي المرحلة الأولى لنشوء علم أصول الفقه عند الشيعة القدماء.

و بذلك يعلم أنّ أئمّة الشيعة (عليهم السلام) سبقوا غيرهم في إملاء القواعد الأصولية، كما أنّ تلامذتهم شاركوا الآخرين في حلبة التأليف و التصنيف.

و أمّا الآخرون فقد اشتهر أنّ أوّل من ألّف في أصول الفقه هو الإمام الشافعي.

قال الإمام الرازي: اتّفق الناس على أنّ أوّل من صنّف في هذا العلم- أي أصول الفقه- الشافعي، و هو الّذي رتّب أبوابه، و ميّز بعض أقسامه في بعض، و شرح مراتبها في القوة و الضعف‏ (1).

و ما ذكره الرازي موضع تأمّل، و إن اشتهر بين المتأخّرين أنّ الإمام الشافعي أوّل من ألّف في علم الأصول و الّذي طبع باسم «الرسالة»، و ذلك:

1. أنّ أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفّى (عام 182 ه) أوّل من ألّف في أصول الفقه على وفق مذهب أستاذه أبي حنيفة. (2)

2. أنّ محمد بن حسن الشيباني المتوفّى (عام 189 ه) هو أحد من ألّف في أصول الفقه، كما صرّح به ابن النديم‏ (3)، فلم يعلم تقدّم الشافعي على العالمين لو لم نقل بتقدّمهما عليه.

____________

(1). مناقب الإمام الشافعي للرازي: 56- 57.

(2). وفيات الأعيان لابن خلكان: 6/ 383.

(3). فهرست ابن النديم: 258.

13

و على كل تقدير فنحن نقدر و نثمن جهود الفقهاء الّتي بذلوها في تنمية أصول الفقه و إظهاره للوجود ثم تطويره و تكامله، و هو من مواهب اللّه سبحانه.

تعريف أصول الفقه:

إنّ البحث السابق رفع الستار عن واقع أصول الفقه و بالتالي عن تعريفه.

و هو عبارة عن: العلم بالقواعد الّتي يتوصّل بها الفقيه إلى استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها، أو ينتهي إليها المجتهد بعد اليأس من العثور على الأدلّة الشرعيّة، و هذا كالأصول العمليّة من البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب، فالمستنبط يلتجئ إليها عند اليأس من العثور على الدليل التفصيلي.

فالمجتهد تارة يستنبط الحكم الشرعي الواقعي، كما إذا كان في المسألة دليل من الكتاب و السنّة؛ و أخرى يرشد المكلّف إلى وظيفته الفعلية من العمل بالبراءة و الاحتياط و غيرها. و الفرق بين الأمرين واضح لمن مارس أصول الفقه لدى الإماميّة.

موضوع علم الأصول:

المشهور أنّ موضوع أصول الفقه هو الأدلّة الأربعة، أو الحجّة في الفقه؛ و الثاني هو الأظهر، لاختلاف الفقهاء في تحديد الأدلّة بالأربعة، و هناك من يحتجّ بالعقل، و منهم من لا يحتجّ به.

و بما أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، فللأصولي‏

14

أن يبحث في أصول الفقه عن عوارض «الحجّة في الفقه»، و عندئذ يقع الكلام في العوارض الّتي تعرض على «الحجّة في الفقه» و الأصولي يبحث عنها؟ و هذا ما يحتاج إلى بيان زائد، و هو:

إنّ العارض على قسمين:

أ- عارض خارجيّ يخبر عن عروض شي‏ء على المعروض خارجا، كالبحث عن عوارض الأجسام الخارجيّة كما في الفيزياء، أو الداخليّة كما في الكيمياء، إلى غير ذلك من الأعراض.

ب- عارض تحليلي و عقلي، و هذا نظير ما يبحث عنه الحكيم في الفلسفة عن تعيّنات الموجود بما هو موجود، حيث إنّ الموضوع لهذا العلم هو الوجود المطلق العاري عن كلّ قيد، فالحكيم يبحث عن تعيّناته و تشخّصاته، فصار يقسّمه إلى واجب و ممكن، و علّة و معلول، و مادّي و مجرّد، و واحد و كثير.

و على ضوء هذا، فالموضوع في علم أصول الفقه هو «الحجّة في الفقه»، فإنّ الفقيه يعلم وجدانا بأنّ بينه و بين ربّه حججا تتضمّن بيان الشريعة و الأحكام العمليّة. فيبحث عن تعيّنات هذه الحجج المعلومة بالإجمال، و أنّها هل تتشخّص بخبر الواحد أو لا؟ و بالقياس و عدمه، إلى غير ذلك.

فقولنا: خبر الواحد حجّة أو القياس حجّة، يرجع واقعهما إلى تعيّن الحجّة الكليّة غير المتشخّصة في خبر الواحد و القياس و غيرهما، حتّى أنّ البحث عن كون الأمر ظاهرا في الوجوب، و النهي في الحرمة، يرجع لبّ البحث فيه إلى وجود الحجّة على لزوم إتيان الأمر الفلاني، أو وجود الحجّة على تركه. (1)

____________

(1). رسائل و مقالات: 4/ 349- 350.

15

اتّجاهان في تدوين أصول الفقه‏

قام بتدوين أصول الفقه في أوّل الأمر طائفتان هما: المتكلّمون و الفقهاء.

الطائفة الأولى: كانت تمثّل المذهب الشافعي في الفقه.

و الطائفة الثانية: كانت تمثّل مذهب الإمام أبي حنيفة.

و لأجل التعرّف على كلا الاتّجاهين عن كثب، نذكر شيئا منهما، ثم نشير إلى أسماء الكتب الّتي ألّفت في هذين المضمارين.

طريقة المتكلّمين‏

تمتّعت طريقة المتكلّمين بالأمور التالية:

أ. النظر إلى أصول الفقه نظرة استقلاليّة، حتى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهيّة، فأخذوا بالفروع لما وافق الأصول و تركوا ما لم يوافق، و بذلك صار أصول الفقه علما مستقلا غير خاضع للفروع التي ربّما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأصول.

ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابع عقلي و استدلالي استخدمت فيه أصول مسلّمة في علم الكلام، فترى فيها البحث عن الحسن و القبح العقليّين، و جواز تكليف ما لا يطاق و عدمه، إلى غير ذلك.

ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوائل القرن الرابع.

يقول الشيخ أبو زهرة في وصف هذه المدرسة: «الاتّجاه الّذي‏

16

سمّي أصول الشافعيين أو أصول المتكلّمين، كان اتّجاها نظريا خالصا، و كانت عناية الباقين فيه متّجهة إلى تحقيق القواعد و تنقيحها من غير اعتبار مذهبيّ، بل يدلّ انتاج أقوى القواعد، سواء أ كان يؤدّي إلى خدمة مذهبهم أم لا يؤدّي- إلى أن قال- و قد كثرت في هذا المنهاج، الفروض النظريّة و المناحي الفلسفيّة و المنطقيّة، فتجدهم قد تكلّموا في أصل اللغات، و أثاروا بحوثا نظرية، ككلامهم في التحسين العقلي و التقبيح العقلي، مع اتّفاقهم جميعا على أنّ الأحكام في غير العبادات معلّلة معقولة المعنى.

و يختلفون كذلك في أنّ شكر المنعم واجب بالسمع و العقل، مع اتّفاقهم على أنّه واجب.

و هكذا يختلفون في مسائل نظريّة لا يترتب عليها عمل، و لا تسن طريقا للاستنباط، و من ذلك اختلافهم في جواز تكليف المعدوم. (1)

بل إنّهم لم يمتنعوا عن أن يخوضوا في مسائل من صميم علم الكلام، و لا صلة لها في الفقه إلّا من ناحية أنّ الكلام فيها كلام فيها كلام في أصل الدين، و من ذلك كلامهم في عصمة الأنبياء قبل النبوّة، فقد عقدوا فصلا تكلّموا فيه في عصمة الأنبياء قبل النبوة». (2)

ثمّ أضاف و قال: و إنّ ذلك الاتّجاه أفاد علم الأصول في الجملة، فقد كان البحث فيه لا يعتمد على تعصّب مذهبي، و لم تخضع فيه القواعد الأصوليّة للفروع المذهبيّة، بل كانت القواعد تدرس على أنّها حاكمة على الفروع، و على‏

____________

(1). الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: 1/ 219.

(2). أصول الفقه لأبي زهرة: 16.

17

أنّها دعامة الفقه، و طريقة الاستنباط، و أنّ ذلك النظر المجرّد قد أفاد قواعد أصول الفقه، فدرست دراسة عميقة بعيدة عن التعصّب في الجملة، فصحبه تنقيح و تحرير لهذه القواعد، و لا شك أنّ هذه واحدها فائدة علميّة جليلة، لها أثرها في تغذية طلّاب العلوم الإسلاميّة بأغزر علم و أدقّه. (1)

و سوف توافيك قائمة بأسماء بعض الكتب التي ألّفت على هذا المنهاج، مع الإشارة إلى الفصول الّتي لا تقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي.

طريقة الفقهاء

و هناك طريقة أخرى تمتاز بما يلي:

أ. إنها تنظر إلى أصول الفقه نظرة آلية، بمعنى أنّ الملاك في صحّة الأصول و عدمها هو مطابقتها للفروع التي عليها إمام المذهب، فكانوا يقرّرون القواعد الأصوليّة طبقا لما قرّره أئمة المذهب في فروعهم الاجتهادية الفقهيّة، و تكون القاعدة الأصوليّة منسجمة مع الفروع الفقهيّة، فلو خالفتها لما قام لها وزن و إن أيّده البرهان و عضده الدليل؛ فتجد كثرة التخريج تشكّل الطابع العام في كتبهم التي ألفت على هذه الطريقة.

ب. خلوّ هذه الطريقة من الأساليب العقليّة و القواعد الكلاميّة.

ج. ظهور هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، و أوّل من ألّف على هذا الأسلوب هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي (المتوفّى 220 ه).

____________

(1). أصول الفقه لأبي زهرة: 17.

18

قال أبو زهرة في تبيين ذلك الاتّجاه: الاتّجاه الثاني هو الاتّجاه المتأثر بالفروع، و قد اتّجه فيه الباحثون إلى قواعد الأصول ليقيسوا بها فروع مذهبهم، و يثبتوا سلامتها بهذه المقاييس. و بذلك يصحّحون بها استنباطها و يزودون بها في مقام الجدل و المناظرة، فكانت دراسة الأصول على ذلك النحو صورة لينابيع الفروع المذهبيّة و حججها، و لقد قال بعض العلماء: إنّ الحنفيّة أوّل من سلكوا هذه الطريقة و لم تكن لهم أصول فقهية نشأت في عهد الاستنباط (1).

نظرة إلى طريقة الفقهاء:

إذا كانت الغاية من تدوين علم الأصول هي التعرّف على قواعد تسهّل الاستنباط، و تأخذ بيد المجتهد إلى استنباط الحكم الشرعي؛ فيجب أن تكون القواعد الأصوليّة حاكمة على الفروع و دعامة للفقه، و طريقة للاستنباط، و هذا لا ينطبق إلّا على طريقة المتكلّمين.

و أمّا إذا كانت الغاية هي تصحيح الفروع التي أفتى بها الإمام و مخرجو مذهبه، فيكون حينئذ قليلة الجدوى، لأنّه يصبح دفاعا عن مذهب معيّن، فلو وافقها أخذ به، و إن خالفها رفضها.

و الحاصل أنّ علم الأصول هو العلم الذي يعدّ منهاجا للاستنباط و طريقا إليه، و أمّا إذا كانت الغاية منه تأييد المذهب و الدفاع عنه، فيصبح علم الأصول أداة طيّعة لفتوى الإمام، و لا يكون منهاجا للاجتهاد.

____________

(1). نفس المصدر: 18.

19

و لأجل هاتين الرؤيتين المختلفتين، نرى اختلافا واضحا بين الأصوليّين لأتباع أئمّة المذاهب.

نعم الذي يؤاخذ على طريقة المتكلّمين هو أن الكتب الأصوليّة عندهم، قد أصبحت مقتصرة على ذكر القواعد و الأصول دون تطبيقها على مصاديقها، و بذلك أصبحت لا تنفع للفقيه، من حيث التطبيق و التدريب. نعم قام بعضهم بالجمع بين الأمرين في بعض كتبهم.

و هذا الإشكال- ذكر القواعد بلا تطبيقات و تمرينات- داء منتشر و لا يختصّ بكتب علم الأصول فقط، بل يعمّ كتب النحو و الصرف و المعاني و البيان، فيجد المتعلّم فيها قواعد جافّة دون أن يطبقها على موارد في الكتاب و السنّة، أو كلمات البلغاء و أشعار الفصحاء.

و لأجل أن يقف القارئ على نماذج ممّا ألّف في هذين المضمارين، نشير إلى بعض من ذلك.

المؤلّفون على طريقة المتكلّمين:

قام غير واحد من الأصوليّين بتأليف كتب أصوليّة على هذه الطريقة، و نشير إلى أسمائهم مع كتبهم على وجه الإيجاز:

1. أبو بكر الصيرفي (المتوفّى 330 ه):

مؤلّف: «البيان في دلائل الاعلام على أصول الأحكام».

20

2. محمد بن سعيد القاضي (المتوفّى 346 ه):

مؤلف: «الهداية» و كان علماء خوارزم يتداولونه.

3. القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403 ه):

مؤلّف: «التقريب و الإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد».

4. قاضي القضاة عبد الجبار (324- 415 ه):

مؤلّف: «النهاية» و «العمد».

5. أبو الحسين البصري محمد بن علي بن الطيب (المتوفّى 436 ه):

مؤلّف: «المعتمد».

6. أبو الوليد الباجي (المتوفّى 474 ه):

مؤلف كتاب «إحكام الفصول في أحكام الأصول».

7. أبو إسحاق الشيرازي (المتوفّى 476 ه):

مؤلّف: «اللمع» و كتاب «التبصرة».

8. أبو نصر أحمد بن جعفر بن الصباغ (المتوفّى 477 ه):

مؤلّف: «العدّة» و «تذكرة العامل» و «الطريق السالم».

21

9. إمام الحرمين عبد الملك بن عبد اللّه الجويني (المتوفّى 478 ه):

مؤلّف: «الورقات»، و كتاب «البرهان».

10. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي (المتوفّى 505 ه):

مؤلّف: «المستصفى»، و «المنخول من تعليقات الأصول».

11. أحمد بن علي بن برهان البغدادي (المتوفّى 518 ه):

مؤلّف: كتاب «الوصول إلى علم الأصول».

12. فخر الدين محمد بن عمر الرازي (المتوفّى 606 ه):

مؤلّف: «المحصول في علم أصول الفقه».

13. سيف الدين الآمدي (المتوفّى 631 ه):

مؤلّف: «الإحكام في أصول الأحكام».

14. ابن الحاجب المالكي (المتوفّى 646 ه):

مؤلّف: «منتهى السؤل و الأمل في علمي الأصول و الجدل»، و كتاب «مختصر المنتهى».

إلى غير ذلك من المؤلّفات على هذا الطراز.

إنّ التأليف على هذا الغرار و إن دام قرونا، و لكن أكثر ما كتب تلخيص لكتب ثلاثة:

22

1. «المعتمد» لأبي الحسين البصري.

2. «البرهان» لإمام الحرمين الجويني.

3. «المستصفى» للغزالي.

و هناك ملاحظة أخرى، و هي أن مؤلّفي أكثر هذه الكتب قد أدخلوا في علم الأصول ما لا يمتّ له بصلة إلّا على وجه بعيد، فهذا هو الآمدي قد أدخل في كتاب «الإحكام في أصول الأحكام»- الّذي طبع في أربعة أجزاء- كثيرا من المباحث الكلاميّة نظير:

1. التعرّف على مبدأ اللغات و طرق معرفتها.

2. التكليف بما لا يطاق.

3. تكليف المعدوم.

4. في عصمة الأنبياء (عليهم السلام).

5. في حقيقة الخبر و أقسامه.

6. في أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نصّ فيه.

7. جواز الاجتهاد للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

إلى غير ذلك من المباحث، التي ليس لها علاقة بأصول الفقه، و لا تمثّل تكاملا لهذا العلم، بل هي بحوث زائدة إذا لم تكن مضرّة به.

و قد وقف أبو الحسين البصري (المتوفّى 436 ه) على ما ذكرنا و قال في مقدّمة كتابه «المعتمد»: ثم الّذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أصول الفقه، بعد شرحي «كتاب العمد» و استقصاء القول فيه، أنّي سلكت في «الشرح» مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، و تكرار كثير من مسائله، و شرح أبواب لا تليق‏

23

بأصول الفقه من دقيق الكلام، نحو القول في أقسام العلوم و حدّ الضروري منها و المكتسب، و توليد النظر العلم و نفي توليده النظر، إلى غير ذلك. فطال الكتاب بذلك و بذكر ألفاظ «العمد» على وجهها، و تأويل كثير منها.

فأحببت أن أؤلّف كتابا مرتّبة أبوابه غير مكرّرة، و أعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام. إذ كان ذلك من علم آخر، لا يجوز خلطه بهذا العلم، و إن يعلق به من وجه بعيد. فإنّه إذا لم يجز أن يذكر في كتب الفقه التوحيد و العدل- و أصول الفقه، مع كون الفقه مبنيا على ذلك مع شدة اتّصاله به-، فبأن لا يجوز ذكر هذه الأبواب في أصول الفقه، على بعد تعلّقها بها، و مع أنّه لا يقف عليها فهم الغرض بالكتاب، أولى.

و أيضا فإنّ القارئ لهذه الأبواب في أصول الفقه إن كان عارفا بالكلام، فقد عرفها على أتمّ استقصاء، و ليس يستفيد من هذه الأبواب شيئا. و إن كان غير عارف بالكلام، صعب عليه فهمها، و إن شرحت له، فيعظم ضجره و ملله، إذ كان قد صرف عنايته و شغل زمانه بما يصعب عليه فهمه. و ليس بمدرك منه غرضه.

فكان الأولى حذف هذه الأبواب من أصول الفقه. (1)

الكتب المؤلّفة على طريقة الفقهاء:

قد تقدّم أنّ طائفة من الأصوليّين نهجوا منهجا غير منهج السابقين فألّفوا كتبا أصوليّة طبقا لما قرّره أئمّة المذهب في فروعهم الفقهيّة، و هذا النوع خال‏

____________

(1). المعتمد في أصول الفقه: 1/ 3.

24

من الأساليب العقليّة و القواعد الكلاميّة. و قد قام غير واحد من المهتمّين بأصول الفقه بتأليف كتب على هذا الغرار، نظير:

1. أبو الحسن الكرخي (المتوفّى 340 ه):

و له رسالة في الأصول.

2. أبو منصور الماتريدي (المتوفّى 333 ه):

مؤلّف: «ماخذ الشرائع في الأصول».

3. أبو زيد عبيد اللّه بن عمر القاضي (المتوفّى 340 ه):

مؤلّف: «تقويم الأدلّة».

4. أبو بكر الجصّاص (المتوفّى 370 ه):

مؤلّف: «أصول الجصّاص».

5. فخر الإسلام البزدوي (المتوفّى 482 ه):

مؤلّف كتاب: «كنز الوصول إلى معرفة الأصول».

6. شمس الأئمة السرخسي (المتوفّى 482 ه):

مؤلّف: «تمهيد الفصول في الأصول».

25

7. الحافظ النسفي (المتوفّى 701 ه):

مؤلّف: «منار الأنوار في أصول الفقه».

و قد عمدوا إلى الفروع يؤلّفونها إلى مجاميع يوجد بينها التشابه، ثمّ يستنبطون منها الضوابط و القواعد.

و على ضوء ذلك، فأصول الفقه عندهم أشبه بالقواعد الفقهيّة، حيث إنّ الفقيه يضمّ مسألة إلى مسألة ثم يوحّد بينهما و بين الآخرين، و ينتزع من الجميع قاعدة فقهيّة تعمّ الجميع.

مثلا إنّ الفقيه إذا وقف على أنّ صحيح الإجارة و فاسدها يوجب الضمان، كما أنّ البيع أيضا يوجب فاسده و صحيحه الضمان، إلى غير ذلك من المسائل الّتي فيها مبادلة بين المالين أو بين المال و المنفعة، فينتزع من الجميع قاعدة كلّية و يقول: كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

فالقواعد الفقهيّة أشبه بطريقة الفقهاء، و عندئذ فكلّ قاعدة لا تنسجم مع ما وقف عليه الفقيه في ثنايا استنباطه تكون مردودة، و إن كان البرهان يوافقه.

طريقة الإماميّة في تدوين الأصول:

و أمّا طريقة الإماميّة فالموجود ما بين أيدينا من القرن الرابع أشبه بطريقة المتكلّمين، مستمدّين من بعض الأحاديث عن الأصول و القواعد الواردة في أحاديث الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، فإنّهم طرحوا أصولا و قواعد لها دور في استنباط الحكم الشرعي، و ربّما ألجأتهم الظروف إلى إدخال المسائل الكلاميّة في كتبهم، نظراء:

26

1. محمد بن محمد النعمان (المتوفّى 413 ه):

مؤلّف كتاب: «التذكرة في أصول الفقه».

2. الشريف المرتضى (المتوفّى 436 ه):

مؤلّف: «الذريعة».

3. سلّار الديلمي (المتوفّى 448 ه):

مؤلّف: «التقريب في أصول الفقه».

4. محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460 ه):

مؤلّف: «العدة في أصول الفقه».

5. ابن زهرة الحلبي (المتوفّى 558 ه):

مؤلّف: «الغنية».

6. سديد الدين الحمصي (المتوفّى حوالي 600 ه):

مؤلّف: «المصادر في أصول الفقه».

7. نجم الدين الحلي (المتوفّى 676 ه):

مؤلّف: «المعارج في أصول الفقه».

27

8. العلّامة الحلّي نابغة العراق الحسن بن مطهر (المتوفّى 726 ه):

مؤلّف: عدة كتب في الأصول، أعظمها: «نهاية الوصول إلى علم الأصول».

9. عميد الدين الأعرجي (المتوفّى 754 ه):

مؤلّف: «منية اللبيب في شرح التهذيب».

10. ضياء الدين الأعرجي (كان حيا 740 ه):

مؤلّف: «النقول في تهذيب الأصول».

11. فخر المحقّقين محمد بن الحسن الحلّي (المتوفّى 771 ه):

مؤلّف: «غاية الأصول في شرح تهذيب الأصول».

12. الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي (المتوفّى 786 ه):

مؤلّف: «القواعد و الفوائد» و يشتمل على قواعد أصولية و فقهيّة.

13. المقداد بن عبد اللّه السيوري (المتوفّى 826 ه):

مؤلّف: «نضد القواعد».

14. زين الدين بن نور الدين الشهيد الثاني (المتوفّى 965 ه):

مؤلّف: «تمهيد القواعد».

28

إلى هنا تمّت المرحلة الأولى الّتي طواها علم الأصول.

و بعد أن ظهرت الحركة الأخباريّة في أواخر القرن العاشر و بداية القرن الحادي عشر، عمّ الركود على الفكر الأصولي عبر قرنين. إلى أن برز المحقّق البهبهاني إلى الساحة، فقام بالرد على فكرة الأخباريّة و إبطال أسسهم، و استطاع أن يشيّد للأصول أركانا جديدة و دعامات رصينة، فنهض بالأصول من خموله الّذي دام قرنين.

و بذلك انتهى عصر الركود، و بدأ عصر الإبداع و الابتكار من زمانه إلى نهاية القرن الرابع عشر، ففي هذه الفترة بلغ علم الأصول ذروة التكامل، فأسّست قواعد و مسائل لم يكن لها أيّ أثر في زبر السابقين، سنّة و شيعة.

إلى أن صار علم الأصول الحديث عند الإماميّة بالنسبة إلى القديم منه، كأنهما علمين مختلفين، أو أن أحدهما بداية الأصول و الآخر نهاية.

و ها نحن نذكر شيئا من ابتكارات علمائنا في القرنين الأخيرين بما يدهش العقول و يبهر النفوس:

29

تطوّر علم الأصول عند الإماميّة

نحن نقدّر ما كابده علماء الفريقين في سبيل هذا العلم إبداعا و ابتكارا، أو بيانا و إيضاحا حتّى أوصلوه إلى القمّة، و مع ذلك كلّه لا نرى مانعا من بيان ما يختصّ بالإماميّة من تنشيط و تصعيد الحركة الأصوليّة عبر القرون، و قد تمّ تحقيق هذا التنشيط بإحداث قواعد و ضوابط تمدّ المستنبط في مختلف الأبواب، و ها نحن نشير إلى بعضها:

1. تقسيم الواجب إلى مشروط و معلّق:

إنّ تقسيم الواجب إلى مطلق كمعرفة اللّه، و مشروط كالصلاة بدخول الوقت، تقسيم معروف.

و أمّا تقسيم الواجب إلى مشروط و معلّق، فهو من خصائص أصول الفقه للإماميّة.

و الفرق بينهما: أنّ القيد في الأوّل يرجع إلى الهيئة، و في الثاني يرجع إلى المادة.

و بعبارة أخرى: كلا الواجبين مقيّدان، إلّا أنّ القيد في الواجب‏

30

المشروط قيد للوجوب، كالوقت بالنسبة إلى الصلاة، فما لم يدخل الوقت لا وجوب أصلا. و لكنّه في الواجب المعلّق قيد للواجب، فالوجوب حاليّ لكن الواجب مقيّد بوقت متأخر.

و هذا نظير من استطاع الحجّ، فوجوب الحجّ مشروط بالاستطاعة، فلا وجوب قبلها، و بحصولها يكون الوجوب فعليا، و لكن الواجب استقبالي مقيّد بظرفه، أعني: أيّام الحجّ.

و يترتّب على التقسيم ثمرات مذكورة في محلّها، و نقتصر على ذكر ثمرة واحدة.

إنّ تحصيل مقدّمة الواجب المشروط غير لازم، لأنّ وجوب المقدّمة ينشأ من وجوب ذيها، فإذا كان ذو المقدّمة غير واجب، فلا تجب مقدّمته شرعا، فلا يجب تحصيلها.

هذا بخلاف مقدّمة الواجب المعلّق، فبما أنّ الوجوب فعليّ- بحصول الاستطاعة- يجب تحصيل مقدّمات الحجّ، و إن كان الواجب استقباليا.

2. دلالة الأمر و النهي على الوجوب و الحرمة:

لقد بذل الأصوليون جهودهم في إثبات دلالة الأمر و النهي على الوجوب و الحرمة، دلالة تضمنيّة أو التزاميّة، و طال النقاش بين الموافق و المخالف، و لكن المحقّقين المتأخّرين من الإماميّة دخلوا من باب آخر، و هو أنّ السيرة المستمرّة بين العقلاء هي: أنّ أمر المولى و نهيه لا يترك بدون جواب- رغم عدم‏

31

دلالتهما على الوجوب و الحرمة لفظا- و كيفيّة الجواب عبارة عن لزوم الإتيان في الأوّل، و الترك في الثاني. و هو عبارة عن الوجوب و الحرمة.

كما أنّ العقل يدعم موقف العقلاء فيؤكّد على متابعة الأمر و النهي حذرا من احتمال المخالفة.

و بالرغم من أنّ أمر المولى على قسمين: واجب و مندوب، كما أنّ نهيه كذلك: حرام و مكروه، و مع ذلك يلزم العقل العبد المكلّف على الامتثال حذرا من المخالفة الاحتماليّة.

3. الترتّب أو الأمر بالضدّين مترتّبا:

إنّ ثمرة القول بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه، هو بطلان الضدّ المنهيّ عنه إذا كان عبادة، و هذا كما إذا وقعت المزاحمة بين واجب مضيّق، و أخر موسّع، كإزالة النجاسة عن المسجد، و الفريضة الموسّع وقتها، فالأمر بالأولى يقتضي النهي عن الثانية، و تكون الثمرة بطلانها لأنّ الصحّة و الزجر عن الفعل لا يجتمعان.

و ربما قيل ببطلان الثمرة و انّ الصلاة باطلة، و لا يحتاج في بطلان الفريضة إلى تعلّق النهي بها، إذ يكفي في البطلان عدم تعلّق الأمر بها- عند تعلّق الأمر بالإزالة- لأنّ الأمر بها و إن لم يلازم النهي عن الصلاة، لكنّه يلازم عدم الأمر بها، و إلّا يلزم طلب الضدّين. و بما أنّ طلبهما باطل، فلا محيص عن عدم تعلّق الأمر بالصلاة و هو يكفي في البطلان.

32

ثمّ إنّ جماعة سلّموا بطلان الثمرة، لكنّهم حاولوا تصحيح الصلاة بالأمر بهما عن طريق الترتب، بأن يكون الأمر بالضدّ، مشروطا بعصيان الأمر الأوّل، و يقال: أزل النجاسة عن المسجد، و إن عصيت فصلّ.

و هذه هي المسألة المعروفة بالترتّب، و لها دور في استنباط قسم من الأحكام، و اطلب تفاصيلها عن المحصول. (1)

4. العام بعد التخصيص ليس بمجاز:

الرأي المعروف عند الأصوليين أنّ العام المخصّص مجاز، لأنّ المخصّص قرينة على استعماله في غير المعنى الموضوع له، و لكن المحققين من أصحابنا أثبتوا أنّه بعد التخصيص أيضا حقيقة مطلقا، سواء كان المخصّص متصلا أم منفصلا، بتصوير أنّ للمتكلّم إرادتين: إرادة استعماليّة، و ارادة جديّة، و العام مطلقا مستعمل بالإرادة الاستعماليّة في المعنى الموضوع له، و التخصيص إنّما يتوجّه إلى الإرادة الجدّية، فهو يستعمل العامّ في المعنى الموضوع، ثمّ يشير بدليل آخر إلى أنّ قسما منه ليس بمراد جدّا، و لا يلزم لاستعمال العام من بدء الأمر في الخصوص.

و يترتّب على ذلك ثمرة أصوليّة و هي صحّة التمسك بالعام عند الشك في وجود تخصيص زائد، لأنّ العام حسب الفرض، استعمل في العموم بالإرادة الاستعماليّة، و انعقد ظهوره فيه، و هو حجّة فيه، و لا يصحّ رفع اليد عنه إلّا بمقدار ما قام الدليل على خلافه، و المفروض عدم قيامه إلّا في مورد واحد.

____________

(1). المحصول الّذي هو تقرير لأبحاثنا الأصوليّة بقلم السيّد الجلالي حفظه اللّه: 2/ 75- 80.

33

5. دلالة المطلق على الشيوع عقليّة:

عرّف الأصوليّون القدماء المطلق بأنّه ما دلّ على معنى شائع في جنسه، و ظاهر ذلك أنّ دلالة المطلق على الفرد الشائع دلالة لفظيّة، و ليست كذلك، لأنّ البيع- مثلا- في قوله سبحانه: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ موضوع للطبيعة المعرّاة عن كلّ قيد، و ليس فيه ما يدلّ على الشيوع و لا على فرد منها، بل مدلولها نفس الطبيعة.

هذا من جانب، و من جانب آخر: أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام مطلوبه و مراده، فلو كان متعلّق التحليل بيع خاص لبيّنه.

فانضمام هذين الأمرين، يثبت أنّ الامتثال يحصل بإتيان أيّ فرد من أفراد الطبيعة، لأنّها توجد بفرد ما، فالشيوع بمعنى كفاية إتيان كلّ فرد في مقام الامتثال حكم عقلي لا لفظي.

6. التمسك بالعام في الشبهة المصداقية:

كان الرائج بين قدماء الأصوليين، جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص، مثلا إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، و ثبت أنّ زيدا عالم، و لم يثبت أنّه غير فاسق، فالرائج عنه هو التمسك بالعام و إثبات وجوب إكرامه.

و الشاهد على ذلك افتاؤهم فما لو تلف مال الغير عند شخص، و شكّ في أنّ يده كانت يدا أمانية أو غيرها، فيحكم عليه بالضمان، تمسكا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.

34

مع أنّه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، لخروج اليد الأمانية عنه، حيث إنّ الأمين لا يضمن ما لم يكن هناك تفريط، فالأمر دائر في بقاء زيد تحت العام إذا كانت يد غير أمانية، و خروجها عنه و دخولها تحت المخصّص إذا كانت أمانية. و مع دوران الأمر بين الأمرين فكيف يصحّ التمسك بالعام، و على ضوء ذلك ذهب أصحابنا إلى عدم صحّة التمسك بالعام إلّا إذا ثبت بنحو من الأنحاء عدم عنوان المخصّص، و التفصيل في محلّه. و للمسألة دور كبير في الفقه، يقف عليه من كان ممارسا للفقه.

7. الإطلاق فرع كون المتكلّم في مقام البيان:

إذا وقع لفظ كلّي تحت دائرة الحكم- كما إذا قال: أعتق رقبة- يحكم الفقهاء بأنّ الموضوع مطلق، فلا فرق في مقام الامتثال بين كونها مؤمنة أو كافرة.

فجعلوا دلالة المطلق على الاجتزاء بكلّ فرد منه، دلالة عقليّة بمعنى: أنّ الموضوع عند المشرّع هو ذات المطلق، فلو كان الموضوع مركبا من شيئين:

المطلق و قيده، لزم أن يركّز عليه المشرّع، فسكوته دليل على عدم مدخليته.

لكن الركن الركين في جواز التمسّك بالمطلق- عند الإماميّة- كون المتكلّم في مقام بيان للموضوع من جزء أو شرط، و لو لا إحرازه لم يتمّ التمسّك بالمطلق.

و على هذا فلو قال: الغنم حلال، لا يصحّ التمسك بإطلاقه لإثبات حليّة مطلق الغنم (مملوكة و مغصوبة، الجلّال و غيره،) بحجّة أنّ المتكلّم اتّخذ الغنم موضوعا لحكمه و هو صادق على القسمين، و ذلك لأنّ المتكلّم بصدد

35

بيان حكم الغنم بما هو هو، لا بما إذا اقترن مع العوارض.

نرى أنّ بعض الفقهاء أفتوا بجواز أكل ما أمسكته كلاب الصيد دون وجوب أن يغسل مواضع عضّها، تمسّكا بقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ‏ (1) و لم يقل: فكلوا بعد غسل مواضع العض.

و لكن التمسّك بإطلاق الآية غفلة عن الشرط اللازم للمطلق، أعني: كون المتكلّم في مقام البيان، فليست الآية إلّا بصدد بيان حلّية ما اصطادته الجوارح، و أنّه ليس من مقولة الميتة، و أمّا أنّه يؤكل بغير غسل، أو معه، فليست الآية في مقام بيانه حتّى يستدلّ سكوته على عدم شرطيّته.

و بالتدبّر في هذا الأصل يظهر بطلان كثير من التمسّكات بالإطلاق في كثير من أبواب الفقه، و هو غير صالح للتمسّك.

8. الملازمات العقلية:

لقد طال البحث في دلالة الأمر على وجوب المقدّمة، و النهي على حرمة مقدّمته، و حاول كثير من الأصوليين إثبات الدلالة اللفظية بنحو من الأنحاء الثلاثة.

و لكن الإماميّة طرقوا بابا آخر في ذلك المجال، و انتهوا إلى نفس النتيجة، لكن من طريق أوضح، و هو: وجود الملازمة العقلية بين إرادة الشي‏ء و إرادة مقدّمته، من غير فرق بين الإرادة التكوينية و الإرادة التشريعية، فكما أنّ إرادة

____________

(1). المائدة: 4.

36

الصعود إلى السطح لا تفارق إرادة تهيئة السلّم و استخدامه، فهكذا الإرادة التشريعيّة بمعنى تعلّق إرادته بصعود الغير إلى السطح.

و قد استفاد الأصوليّون من هذه القاعدة- الملازمة العقلية- في غير واحد من أبواب أصول الفقه، كالملازمة بين الأمر بالشي‏ء و إجزائه عن الإتيان به ثانيا، و النهي عن العبادات و فسادها، و النهي عن المعاملات و فسادها عند تعلّق النهي بما لا يجتمع مع صحتها، كالنهي عن أكل ثمنها، كما إذا قال: ثمن الميتة سحت، أو ثمن المغنّية سحت.

9. التعارض و التزاحم و الفرق بينهما:

إنّ التنافي بين الدليلين إذا كان راجعا إلى مقام الجعل و الإنشاء بأن يستحيل من المقنّن الحكيم، صدور حكمين حقيقيين لغاية الامتثال فهو المسمّى بالتعارض، مثلا يستحيل جعل حكمين باسم: «ثمن العذرة سحت، و لا بأس ببيع العذرة»، فلو كان تنافي الخبرين من تلك المقولة، فهذا ما يبحث عنه في باب التعادل و الترجيح، و يرجّح أحد الخبرين على الآخر بمرجّحات منصوصة أو مستنبطة.

و أمّا إذا كان التنافي راجعا إلى مقام الامتثال دون مقام الجعل و الإنشاء، و هذا كما إذا ابتلي الإنسان بغريقين، فالتنافي في المقام يرجع إلى عجز المكلّف عن الجمع بينهما، لأنّ صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر، فهذا ما يعبّر عنه بالتزاحم. و إلّا فلا تنافي في مقام التشريع بأن يجب إنقاذ كلّ غريق فضلا عن غريقين.

37

و بذلك ظهر الفرق بين التعارض و التزاحم بوجه آخر، و هو أنّ ملاك التشريع و المصلحة موجود في أحد المتعارضين دون الآخر، بخلاف المتزاحمين فالملاك موجود في كل من الطرفين كإنقاذ كلّ من الغريقين، و لكن المانع هو عجز المكلّف، و عند ذلك يجب رفع التزاحم بالتخيير إذا كانا متساويين، أو بالترجيح كما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر.

و بذلك يستطيع الفقيه رفع التنافي بين كثير من الأدلّة التي يظهر فيها التنافي لعجز قدرة المكلّف، مع كون الحكمين ذا ملاك. و رفع التنافي رهن إعمال مرجّحات خاصة بباب التزاحم، و ها نحن نذكر رءوسها دون تفصيل:

1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.

2. تقديم المضيّق على الموسّع.

3. تقديم الأهمّ بالذات على المهمّ.

4. سبق أحد الحكمين زمانا.

5. تقديم الواجب المطلق على المشروط.

و التفصيل موكول إلى محله.

و لنمثل لإعمال الترجيح مثالا يوضح المقصود:

قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيويّة، التي يتوقّف عليها نظام الطب الحديث، فلا يتسنّى تعلم الطب إلّا بالتشريح و الاطّلاع على خفايا أجهزة الجسم و أمراضها.

غير أنّ هذه المصلحة تصادمها، مصلحة احترام المؤمن حيّه و ميّته،

38

إلى حدّ أوجب الشارع، الإسراع في تغسيله و تكفينه و تجهيزه للدفن، و لا يجوز نبش قبره إذا دفن، و لا يجوز التمثيل به و تقطيع أعضائه، بل هو من المحرّمات الكبيرة، و الذي لم يجوّزه الشارع حتى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامّة و تقدّم العلوم، جعلته يسوّغ ممارسة هذا العمل لتلك الغاية، مقدّما بدن الكافر على المسلم، و المسلم غير المعروف على المعروف منه، و هكذا ....

10. تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام:

إنّ تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام ثلاثة- أعني: كونه قاطعا بالحكم، أو ظانّا، أو شاكّا فيه- تقسيم طبيعي في مورد الحكم الشرعي، بل بالنسبة إلى كلّ شي‏ء يفكر الإنسان فيه و يلتفت إليه، فهو بين قاطع و ظان و شاك.

لا شكّ أنّ القاطع يعمل بقطعه، و لا يمكن نهيه عن العمل بالقطع، لأنّه يرى نفسه مصيبا للواقع، إنّما الكلام في الشقين الأخيرين، فالإماميّة لا يعتقدون بحجّية الظنون في مورد استنباط الأحكام إلّا ما قام الدليل القطعي على حجّيته، و يستدلّون على ذلك بأنّ الشكّ في حجّية الظنّ يوجب القطع بعدم الحجّية، و لعلّ بعض الناس يتلقاه لغزا، إذ كيف يتولّد من الظنّ بالحجّية، القطع بعدمها، و لكنّه تظهر صحته بأدنى تأمّل، و ذلك لأنّ المراد من الظنّ هو الظنّ بالحكم الشرعي، هذا من جانب، و من جانب آخر، العمل به مع التردد في الحجّية مصداق للبدعة، و البدعة حرام قطعي لا مزية فيه.

و بعبارة أخرى: إذا كانت البدعة عبارة عن إدخال ما لم يعلم كونه‏

39

من الدين في الدين، فإذا عمل المكلّف بالظنّ، مع الشك في حجّيته و إذن الشارع بالعمل به، فقد أدخل بعمله هذا، ما لم يعلم كونه من الدين في الدين، فإذا قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو غير عالم بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال، فقد نسب إليه حكما ما لم يعلم كونه منه، و لذلك أصبحت الضابطة الأولى عند الإماميّة حرمة العمل بالظنّ إلّا ما قام الدليل القطعي على حجّته، كخبر الثقة الضابط، و البيّنة، و قول أهل الخبرة، إلى غير ذلك من الظنون التي ثبتت حجّيتها من جانب الشرع.

و أمّا حكم الشاك فهذا هو بيت القصيد في المقام. أقول: الشكّ على أقسام أربعة:

ألف. الشكّ في شي‏ء له حالة سابقة:

إذا شككنا في بقاء حكم أو بقاء موضوع كنّا جازمين به سابقا، و إنّما نشك في بقائه، فهنا يؤخذ بالحالة السابقة، و يسمّى باصطلاح الأصوليين بالاستصحاب عملا بالسنّة: «لا تنقض اليقين بالشك».

ب. الشكّ في أصل تشريع الحكم:

إذا شككنا في حرمة شي‏ء أو وجوبه و ليس له حالة سابقة، كالشك في حرمة التدخين أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و أمثال ذلك، فالمرجع هنا هو البراءة، لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، و يعضده ما ورد في الشرع من قوله سبحانه: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) و بعث الرسول كناية عن بيان‏

____________

(1). الإسراء: 15.

40

الوظائف في العقائد و الأحكام، و قول النبيّ الأكرم: «رفع عن أمّتي تسعة: ما لا يعلمون ...».

و هذا (الشكّ في أصل الحكم) يسمّى في مصطلح الأصوليّين بالشبهة البدويّة.

ج. إذا كان عالما بالحكم و جاهلا بالمكلّف به:

إذا كان المكلّف عالما بالحكم الشرعي و جاهلا بالمكلّف به، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر و لم يعرف القبلة، فيحكم العقل بالاشتغال و لزوم تحصيل البراءة اليقينية و هو الصلاة إلى أربع جوانب ليعلم أنّه صلّى إلى القبلة.

من غير فرق بين كون الجهل متعلّقا بالموضوعات الخارجية كالمثال المذكور، أو بمتعلّقات الأحكام، كما إذا علم بأنّه فات منه صلاة واحدة مردّدة بين المغرب و العشاء، فالعقل يحكم بوجوب الجمع بينهما، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، و على هذا الأصل فرّعوا فروعا كثيرة.

د. تلك الصورة و لكن لم يكن الاحتياط ممكنا:

كما إذا دار أمر الشي‏ء بين كونه واجبا أو حراما، فالمرجع هاهنا هو التخيير.

و بذلك ظهر أنّ علاج الشكّ في الموضوع، أو الحكم الشرعيين، يتحقّق بإعمال القواعد الأربع حسب مظانّها و هي:

أ. الاستصحاب، عند ما كانت هناك حالة سابقة.

41

ب. البراءة، إذا كان الشكّ في الحكم الشرعي، و لم يكن هناك حالة سابقة بالنسبة إليه.

ج. قاعدة الاشتغال، عند الشكّ في المكلّف به مع إمكان الاحتياط.

د. التخيير، فيما إذا لم يمكن الاحتياط.

إنّ بعض هذه القواعد و إن كان يتواجد في أصول الآخرين، و لكن بيان أحكام القاطع و الظان و الشاك بهذا المنوال من خصائص أصول الإماميّة.

11. أدلّة اجتهاديّة و أصول عمليّة:

إنّ تقسيم ما يحتجّ به المستنبط إلى دليل اجتهادي، و أصل عملي من خصائص أصول الفقه عند الإماميّة، لأنّ ما يحتجّ به المجتهد ينقسم إلى قسمين:

أ. ما جعل حجّة لأجل كون الدليل بطبعه طريقا و مرآة إلى الواقع، و إن لم يكن طريقا قطعيا بشكل كامل، و هذا كالعمل بقول الثقة و البيّنة و أهل الخبرة و غير ذلك، فإنّها حجج شرعية لأجل كونها مرايا للواقع و تسمّى بالأدلّة الاجتهاديّة.

و هذا بخلاف الأصول العمليّة كالاستصحاب، و البراءة، و التخيير، و الاشتغال، فالمجتهد و إن كان يحتجّ بها، و لكن لا بما أنّها طرق إلى الواقع و مرايا له، و إنّما يحتجّ بها لأجل الضرورة و رفع الحيرة، حيث انتهى المستنبط إلى طريق مسدود.

و يترتّب على ذلك تقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي، فلا

42

يحتجّ بأصل البراءة مع وجود الدليل كقول الثقة على وجوب الشي‏ء أو حرمته، و لا بالاستصحاب إذا كان هناك دليل اجتهادي كالبيّنة على ارتفاع المستصحب.

و بذلك يظهر الخلط بين كلمات الفقهاء، فلم يميّزوا بين الأدلّة الاجتهاديّة و الأصول العمليّة، فربّما جعلوا الأصل معارضا للدليل الاجتهادي.

12. تقديم أحد الدليلين على الآخر بملاكات:

لا شكّ أنّ بعض الأدلّة يتقدّم على الآخر، و لكن المذكور في كلمات الأصوليين ملاك واحد، و هو أنّ المخصّص يتقدّم على العام، و ربّما يضاف إليه تقدّم الناسخ على المنسوخ، و هذا ممّا لا ريب فيه، و لكن هناك موجبات أخرى توجب تقدّم أحد الدليلين الاجتهاديين على الآخر، و هي عبارة عن العنوانين التاليين:

أ. كون الدليل حاكما على دليل آخر.

ب. كونه واردا على الآخر.

أمّا «الحاكم» فهو عبارة عن: أن يكون لسان أحد الدليلين بالنسبة إلى الدليل الآخر لسان التفسير، فيقدّم المفسّر على المفسّر، مثلا: قال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ (1)، فالآية صريحة في الطهارة المائية، و أنّ شرط صحّة الصلاة هو تحصيل الطهارة المائيّة قبلها.

____________

(1). المائدة: 6.

43

و إذا قيس قوله: «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين» إلى الآية، يأخذ لنفسه طابع التفسير و يوسّع الشرط اللازم تحصيله قبل الصلاة، فتكون النتيجة شرطيّة مطلق الطهارة: المائيّة و الترابيّة، غاية الأمر أنّ الاجتزاء بالثانية رهن فقدان الأولى.

و نظير ذلك قوله: «الطواف بالبيت صلاة» فيستدلّ به على وجوب تحصيل الطهارة قبل الطواف، و ذلك لأنّ الدليل الثاني يجعل الطواف من مصاديق الصلاة ادّعاء و تشريعا، فيكون الطواف محكوما بالصلاة من أحكام.

و أمّا «الوارد» فهو أن يكون أحد الدليلين مزيلا و رافعا لموضوع الدليل الآخر، و هذا نظير قول الثقة بالنسبة إلى أصل البراءة العقلية، فإنّ موضوع البراءة هو قبح العقاب بلا بيان، أي بلا بيان من الشارع، فإذا أخبر الشارع بحجّية قول الثقة، فيكون قوله في مورد الشك بيانا من الشارع، فيكون رافعا له.

13. الأقل و الأكثر و الشكّ في المحصّل:

إذا تعلّق الحكم الشرعي بمركّب ذي أجزاء، و شككنا في قلّة أجزائه و كثرته، كما إذا شككنا في أنّ الجلسة بعد السجدتين واجبة أو مستحبّة، فالمرجع هو البراءة عن وجوبها، لأنّ الأجزاء الباقية معلومة الوجوب، و هذا الجزء مشكوك وجوبه، فيرجع فيه إلى أصل البراءة، أخذا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون» حيث إنّ وجوب هذا الجزء ممّا لا يعلم.

و هذا ما يعبّر عنه في مصطلح الأصوليّين من الإماميّة «بالأقلّ و الأكثر الارتباطيين».

44

و لكنّهم استثنوا صورة أخرى، ربّما تسمّى بالشكّ في المحصّل تارة، و الشكّ بالسقوط ثانيا، و مورده ما إذا كان المكلّف به أمرا بسيطا لا كثرة فيه، و لكن محقّقه و محصّله في الخارج كان كثيرا ذا أجزاء، فشككنا في جزئيّة شي‏ء لمحصّله و عدمه.

مثلا لو قلنا بأنّ الطهور في قوله: «لا صلاة إلّا بطهور» اسم للطهارة النفسانية الحاصلة للنفس الإنسانية، لا للغسلات و المسحات، و لكن نشكّ في جزئيّة شي‏ء كالمضمضة و الاستنشاق و عدمه للمحصّل، فيحكم هنا بالاشتغال و لزوم ضمّ الاستنشاق أو المضمضة إلى الوضوء.

و ذلك لأنّ المحصّل و إن كان مركّبا ذا أجزاء منحلا إلى ما علم وجوبه كالغسلات و المسحات، و إلى ما شكّ في وجوبه، كالمضمضة و الاستنشاق، و هو في حدّ نفسه قابل لإجراء البراءة عن وجوده.

و لكن بما أنّ تعلّق الوجوب بالطهور بمعنى الطهارة النفسانيّة و هو أمر بسيط لا يتجزأ و لا يتكثّر، فلا تقع مجرى للبراءة، بل العقل يبعث المكلّف إلى تحصيلها بالقطع و الجزم، لأنّ الاشتغال اليقيني بهذا الأمر البسيط، يقتضي البراءة اليقينيّة، و لا تحصل البراءة القطعيّة إلّا بضمّ الاستنشاق و المضمضة إلى سائر الواجبات و الإتيان بهما رجاء و احتمالا.

14. تقدّم الأصل السببي على المسببي:

كثيرا ما يتصوّر أنّ أحد الأصلين معارض للأصل الآخر، و هذا صحيح إذا كان الأصلان في درجة و رتبة واحدة، و أمّا إذا كان أحد الأصلين متقدّما رتبة

45

على الآخر، و كان الأخذ بأحدهما رافعا للشكّ في الجانب الآخر، فيؤخذ بالمتقدّم و يطرح الآخر، و ملاك التقدّم هو كون الشكّ في أحد الأصلين ناشئا عن الشكّ في الأصل الآخر، فإذا عملنا بالأصل في جانب السبب، يرتفع الشك عن الجانب المسبّب حقيقة، و لنذكر مثالا:

إذا كان هناك ماء طاهر، شككنا في طروء النجاسة عليه، ثمّ غسلنا به الثوب النجس قطعا، فربّما يتصوّر تعارض الأصلين، فإنّ مقتضى استصحاب طهارة الماء، هو كون الثوب المغسول به طاهرا، و مقتضى استصحاب نجاسة الثوب كون الماء نجسا، فيقال: تعارض الاستصحابين.

و لكن الأصولي الإمامي يقدّم استصحاب طهارة الماء على استصحاب نجاسة الثوب، و ذلك لأنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب بعد الغسل بالماء، نابع عن كون الماء طاهرا و عدمه، فإذا قلنا بحكم الشارع: «لا تنقض اليقين بالشكّ» بأنّ الماء طاهر، يزول الشك في جانب الثاني، و يحكم عليه بالطهارة، و ذلك لأنّ كلّ نجس، غسل بماء محكوم بالطهارة فهو طاهر.

و من هنا ينفتح أمام الفقيه باب واسع لرفع التعارض بين الأصول العمليّة.

15. ما يصحّ أخذه في المتعلّق و ما لا يصحّ:

و من ابتكاراتهم تقسيم القيود إلى قسمين:

قسم يتعلّق به الطلب و يقع تحت دائرته، كالطهارة، فيقال: صلّ مع الطهارة، أو صلّ إلى القبلة، إلى غير ذلك من القيود المأخوذة في جانب المتعلّق.

46

و هناك قيود لا يتعلّق بها الطلب، و لا يتحقّق إلّا بعد تعلّق الطلب بالمتعلّق، و مثلها- ما يتولّد يعد تعلّق الطلب- لا يقع متعلّقا له، كقصد الأمر، و قصد الوجه (الوجوب أو الندب)، فإنّ هذه القيود، قيود فوق دائرة الطلب و إنّما تتولّد بعده.

و يترتّب على ذلك أنّه لو شكّ في أنّ واجبا كذا تعبديّ أو توصليّ، لا يمكن الحكم بأنّه توصليّ بحجّة أنّ قصد الأمر لم يقع في متعلّق الأمر، لأنّ المفروض أنّ قصد الأمر على فرض وجوبه لا يمكن أخذه في متعلّق الطلب، فعدم أخذه فيه لا يكون دليلا على عدم أخذه قيدا للمتعلّق.

و هذا التقسيم و إن وقع موقفا للنقاش و لكنّه لا يخلو عن فائدة.

16. استصحاب الزمان و الزمانيات:

لما كان الاستصحاب عند الإماميّة أصلا من الأصول، و دلّ على حجّيته الأحاديث الصحيحة، ذكروا حوله بحوثا علميّة جليلة منها التقسيم التالي:

1. استصحاب الزمان: ما إذا كان الزمان معنونا بعنوان وجودي ككونه ليلا أو نهارا.

2. استصحاب الأمر غير القارّ بالذات: و هذا كالحركة، و جريان الماء، و سيلان الدم، و بقاء التكلّم، و المشي، إذا شكّ في بقائها، فإنّ ذات الأفعال في هذه المسألة أمور متدرّجة بالذات، متقضية بالطبع.

3. استصحاب الأمر القارّ بالذات المقيّد بالزمان: و هذا كالجلوس في المسجد إلى الظهر.

47

و الغاية من هذا التقسيم هو أنّ روح الاستصحاب هو إبقاء ما كان، و هذا لا يتصوّر إلّا في القسم الثابت، مع أنّ المستصحب في كلّ من الأقسام الثلاثة غير ثابت.

أمّا الليل و النهار فهي أمور زمانيّة، و الزمان لا يتصوّر فيه البقاء، و أمّا الأمور الوجوديّة المزيجة بالزمان كالحركة، و جريان الماء، فهي أيضا كالأمور الزمانية (الليل و النهار) لأنّ المفروض أنّ الحركة أمر غير قارّ بالذات.

و منه يظهر حال القسم الثالث، فإنّ الجلوس و إن كان قارّا بالذات، لكن تقيده بالزمان يجعله مثله.

و مع هذا فقد ذكر المحقّقون وجوها لجريان الاستصحاب فيها، بتصوير أنّ بقاء كلّ شي‏ء بحسبه، و أنّ للزمان و الزمانيّات و الأمور المقيّدة بالزمان بقاء و ثباتا عرفيّة مشروحة في محلّها.

17. تقسيم المستصحب إلى جزئيّ و كليّ:

قسّم المستصحب إلى كونه جزئيّا و كليّا. فلو علمنا بوجود زيد في الغرفة، و شككنا في خروجه، فيصحّ لنا استصحاب وجوده الجزئي، كما يصحّ لنا استصحاب وجود الإنسان، لأنّ في العلم بوجود زيد في الغرفة، علما بوجود الإنسان فيه.

و على ذلك تترتّب آثار في الفقه.

48

18. تقسيم الاستصحاب إلى تنجيزيّ و تعليقيّ:

إذا كان الحكم الشرعي محمولا على الموضوع بلا قيد و لا شرط، فالحكم تنجيزيّ و إلّا فتعليقيّ، سواء عبّر عنه بالجملة الخبريّة التي قصد منها الإنشاء في نحو قولك: العصير العنبي حرام إذا غلى، أو بالجملة الإنشائيّة نحو قولك:

اجتنب من العصير العنبي إذا غلى.

و عندئذ يقسم الاستصحاب حسب انقسام القضية، إلى استصحاب تنجيزي و استصحاب تعليقي و قد وقع الكلام في جواز التنجيزي و عدمه.

19. الأصول المثبتة:

إنّ القدماء لمّا قالوا بحجّية الاستصحاب من باب الظنّ و الأمارة، رتّبوا عليه الآثار العقليّة، و أمّا المتأخّرون من أصحابنا الإماميّة فلمّا قالوا بحجّية الاستصحاب بما أنّه أصل لا أمارة، و الأصل لا يثبت به إلّا الحكم الشرعي دون الآثار العقليّة نفوا حجية الأصل المثبت، و نوضح ذلك بالمثال التالي:

إذا شككنا في حياة زيد فمقتضى قوله: لا تنقض اليقين بالشك هو ترتيب الآثار الشرعيّة للحياة الواقعيّة، على الحياة التعبديّة الثابتة بالأصل، فهو- بفضل الاستصحاب- مالك لماله، لا يقسّم باحتماله موته.

و أمّا الآثار العقليّة للحياة، كجريان الدم في عروقه، فلا يثبت باستصحاب الحياة، و إن كان من لوازمها. و على ضوء ذلك لو ترتّب على جريان الدم‏

49

أثر شرعيّ- كإعطاء الصدقة- للفقير، فلا يثبت و لا يحكم به، و ذلك لتوسط الأمر العقلي (جريان الدم) بين المستصحب (الحياة)، و الأثر الشرعي: (وجوب الصدقة) فالحياة، تلازم جريان الدم، و هو موضوع لوجوب التصدّق.

و إيضاحا للحال نأتي بمثالين:

1. إذا مات الوالد في زوال يوم الجمعة، و علمنا بموت الولد أيضا، لكن تردّد موته بين كونه قبل الزوال أو بعده، فموت الوالد لأجل كونه معلوم التاريخ غير مشكوك لا من جهة أصل وجوده و لا زمانه، فلا يجري فيه الأصل، بخلاف موت الولد، فإنّه يجري فيه الأصل، فيقال: الأصل بقاء حياة الولد إلى زوال يوم الجمعة.

فلو كان الأثر (الإرث) مترتّبا على حياة الولد حين موت الوالد فيرثه الولد، و أمّا لو قلنا بترتّبه على تأخّر موته عن حياة الأب، فلا يرث، لأنّ عنوان التأخّر لازم عقليّ للمستصحب، حيث إنّ لازم بقاء حياة الولد، إلى زمان موت الوالد مع العلم بموته أيضا، هو تأخّر موته عن موت الوالد.

2. إذا علمنا بإصابة البول بالماء القليل زوال يوم الجمعة، ثمّ علمنا بأنّه صار كرّا إمّا قبل الزوال أو بعده، فالأصل لا يجري في معلوم التاريخ، لعدم الشكّ فيه، و إنّما يجري في مجهوله فيقال: أصالة عدم صيرورته كرّا إلى زوال يوم الجمعة، فلو كانت النجاسة مترتّبا على الماء غير الكرّ، فيحكم عليه بالنجاسة.

و أمّا لو كان مترتّبا على تأخّر الكريّة عن إصابة البول، فلا يحكم عليه بها، لأنّ تأخّر الكريّة عنها لازم عقليّ، لعدم صيرورته كرّا إلى زوال يوم الجمعة مع العلم بحدوث الكرّية أيضا.

50

20. في استصحاب حكم المخصص:

إذا ورد التخصيص على عموم، و علم خروج فرد من تحته في فترة من الزمان، و لكن شكّ في أنّ خروجه يختصّ بها أو يعمّ ما بعدها، كما في قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، و قد خرج منه العقد الغبني، فالمغبون ذو خيار بين الإمضاء و الفسخ، فشككنا في أنّ الخيار فوريّ أو ثابت إلى زمان لا يتضرّر البائع من تزلزل العقد.

فحينئذ يقع البحث هل المرجع بعد انقضاء الفور هو عموم العام، أعني‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فيكون العقد لازما.

أو المرجع استصحاب حكم المخصّص أعني كونه جائزا، و هناك تفصيل و تحقيق لا يسع المقام له.

هذه نماذج ممّا ابتكره فحول الأصوليين عبر القرنين، و هناك مسائل أخرى لا تنقص أهمّيتها ممّا ذكرنا، خصوصا بحوثهم حول العلم الإجمالي.

إنّ لأصحابنا حول العلم الإجمال بحوثا ابتكاريّة نظير:

1. أنّ متعلّق العلم الإجمالي تارة يكون محصورا، و أخرى غير محصور.

2. العلم الإجمالي في المحصور، منجّز للتكليف.

3. هل هو منجّز على وجه العلة التامة، بحيث لا يجوز الترخيص في أطرافه، أو منجّز على الوجه المقتضي، فيجوز الترخيص في بعض أطرافه.

____________

(1). المائدة: 1.

51

4. هل خروج أحد الأطراف، قبل تعلّق العلم الإجمالي أو مطلقا، مانع عن تنجيزه أو لا، أو فيه تفصيل.

5. هل طروء الاضطرار على بعض الأطراف قبل تعلّق العلم الإجمالي، مانع عن التنجيز أو لا.

6. هل ملاقي بعض أطراف الشبهة، محكوم بنفس حكم الملاقى أو لا، أو فيه تفصيل.

إلى غير ذلك من مباحث لم يسبق إليها سابق.

رحم اللّه الماضين من علمائنا

و حفظ اللّه الباقين منهم‏

52

العلامة الحليّ و موسوعته الأصوليّة

إن من شروط التعريف أن يكون المعرّف أجلى من المعرّف، و هذا الشرط يقتضي إيقاف القلم عن الإفاضة و عدم النبس ببنت شفة حول المؤلّف، إذ أين الثرى من الثريا، و الندى من البحر؟!

و لكن لو سمح المؤلّف لأمثالنا أن نتجاوز هذا الشرط، فنقول: إنّ المؤلّف من النوابغ القلائل الذين يضن بهم الدهر إلّا في فترات متقطعة، فهو من أعاظم فقهاء الإسلام و أكابر المحقّقين في الفقه و أصوله، و قد صرف برهة من عمره في تحقيق مسائلهما و حلّ مشاكلهما، فاستبطن دقائقهما و أحصى مسائلهما، و أحاط بآراء أساتذتهما، فعاد فقيها مقداما و أصوليا محقّقا لا يباريه و لا يناضله إلّا القلائل.

التعريف بالمؤلّف‏

هو الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (648- 726 ه) المعروف بالعلّامة على الإطلاق، من أسرة عربية عريقة من بني أسد، ولد في الحلّة الفيحاء مهد الحضارات في تاريخ الإنسانية، و تربّى في أحضان رجال كبار، كان‏