نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
5

الجزء الثاني‏

[تتمة المقصد الرابع‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الذكرى المئوية السابعة لرحيل العلّامة الحلّي (قدّس سرّه)

إنّ تقدير العلماء و تخليد ذكرهم يعدّ من صفات الأمم الراقية و المجتمعات الواعية، لأنّه يساهم في تكريس قيمة العلم، و إعلاء دوره و مكانته، و في جعل العالم في موضع الأنموذج و القدوة الّتي تحتذى، ممّا يحفّز همم الأجيال الصاعدة للتسابق إلى كسب العلم، و إحراز المواقع المتقدّمة في ميادينه.

كما أنّ تجديد ذكرى العلماء المتميّزين يوجّه أنظار أبناء الأمّة إلى آرائهم و عطائهم و مواقفهم، فتصبح محورا للدراسة و الاهتمام، و موردا للبحث و الاستلهام.

و لأجل ذلك، نرى المجتمعات المتقدّمة تبتكر مختلف الأساليب و الوسائل لتقدير و تخليد عظمائها و علمائها، كعقد المؤتمرات لدراسة أفكارهم و آرائهم، و رصد الجوائز التقديرية بأسمائهم، و السعي إلى إبرازهم على‏

6

المستوى العالمي كرموز و شخصيات عالمية تستقطب الاهتمام و الاحترام على الصعيد البشري العامّ.

و في تاريخ أمّتنا الإسلامية الحضاري و العلمي كفاءات عظيمة و شخصيات رائدة لكنّها لم تنل ما يناسب حقّها و مكانتها من الاحترام و التقدير، فأغلب تلك الكفاءات واجهت في حياتها المشاكل و الصعوبات من قبل الحاكمين المستبدين، و الحاسدين الحاقدين، و الجهلاء الغوغائيين؛ و بعد وفاتها قوبلت بالتجاهل و الإهمال.

لقد ضاع كثير من تراث علمائنا السابقين، و لا يزال قسم كبير منه مخطوط يتراكم عليه الغبار، و لم تتح له فرصة النشر و الظهور.

و كم من أفكار عميقة، و آراء دقيقة، و نظريات ثريّة، تفتقت عنها أذهان علماء أفذاذ، تستحق الدراسة و البحث، و أن تعقد حولها المؤتمرات، و لكنّها بقيت مركونة مهملة بسبب أجواء التخلّف الّتي أبعدتنا عن الاهتمام بتقدير العلماء و تخليد ذكراهم، فكان في ذلك حرمان لأجيال الأمّة، و خسارة لمستقبلها في العلم و المعرفة.

و في طليعة علماء الأمّة الأفذاذ الذين يستحقّون أعلى درجات التقدير و التمجيد و التخليد، نابغة عصره و نادرة دهره آية اللّه العلّامة الحلّي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الأسدي (648- 726 ه).

لقد ظهر نبوغه العلمي في حداثة سنه، و انتهت إليه زعامة الشيعة الإماميّة الذين لا يلقون أزمة أمورهم و مرجعيتهم الدينية إلّا للمتفوّق على أهل زمانه في العلم و الفضل.

7

كان (رحمه اللّه) كتلة من النشاط و الحركة العلمية الدائبة طوال حياته الشريفة، لم يترك البحث و التأليف حتّى في حالة السفر و ركوب الدابة.

و من أهم نقاط تميّزه العلمي، عمق أبحاثه و دقّة تحقيقاته و ثراء عطائه في مجال الأصولين: أصول الدين و أصول الفقه، حيث تبلغ مؤلّفاته في هذين الحقلين أكثر من ثلاثين كتابا، بعضها يقع في عدة مجلدات، إضافة إلى كتاباته المختلفة في سائر مجالات العلوم، كمؤلّفاته الكثيرة العميقة في الفقه الإسلامي.

و لو لم يكن من عطاء العلّامة الحلّي إلّا كتابه (نهاية الوصول إلى علم الأصول) لكفى ذلك في إظهار عبقريته، و إبراز تفوّقه، و كشف عمق تفكيره وسعة معارفه، و إحاطته بالآراء المطروحة في المسائل الأصولية في زمانه.

كما يكشف الكتاب عن مستوى أخلاقي متقدّم لدى العلّامة الحلّي يتجلّى في أمانة نقله لآراء الآخرين، و اجتهاد في فهم مقولاتهم على أفضل فروض الصحة ما أمكن، ثم التزام النهج العلمي و الموضوعية في مناقشة الآراء بعيدا عن التعصّب و الانحياز، إلّا إلى ما يقود إليه الدليل الصادق و البرهان الصحيح.

إنّ هذا النهج في البحث العلمي و الحوار الموضوعي الّذي سلكه العلّامة الحلّي و أرسى قواعده في كتاباته المختلفة، لهو النهج الّذي تحتاجه الأمّة لتجاوز حالات القطيعة و النزاع بين طوائفها و اتّباع مذاهبها الإسلامية المختلفة.

فالتعارف الصحيح الّذي يوضح صورة كلّ طرف أمام الآخر على حقيقتها، و ليس من خلال الإشاعات و الاتّهامات الباطلة، هو الأرضية المناسبة للتقارب و التواصل بين فئات الأمّة على تنوّع مشاربها و مذاهبها، كما يقول الإمام‏

8

شرف الدين (رحمه اللّه): إنّ المسلمين إذا تعارفوا تآلفوا.

كما أنّ الحوار العلمي الموضوعي شرط ضروري لإثراء المعرفة، و بلورة الرأي و الاقتراب من موقع الحقيقة و الصواب.

و من توفيق اللّه تعالى لمؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) أن تقوم بتحقيق هذا الكتاب و تقديمه إلى عالم الفكر و المعرفة بطباعة أنيقة جميلة.

*** و نودّ الإشارة أخيرا إلى أنّ هذا العامّ (1426 ه) يصادف الذكرى المئوية السابعة لوفاة العلّامة الحلّي سنة (726 ه) لذا نهيب بحوزاتنا العلمية، و مؤسّساتنا الدينية، أن تستثمر هذه المناسبة في الاحتفاء بذكرى هذا الطود العظيم في العلم و المعرفة، الّذي كرّس حياته للدفاع عن خط أهل البيت (عليهم السلام) و تبيين معالم مدرستهم في العقيدة و الشريعة.

و من أهم مظاهر الاحتفاء بذكرى العلّامة الحلي الاهتمام بتحقيق و طبع تراثه العلمي و نتاجه المعرفي على شكل موسوعة كاملة، و ترجمة بعض مؤلّفاته إلى اللغات العالمية الحيّة، ليرى المفكرون المعاصرون سعة أفق الفكر الإسلامي و عمق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

كما أنّ عقد مؤتمر علميّ في هذه المناسبة لدراسة حياة هذا الرجل العظيم و قراءة أفكاره و آرائه، سيبعث حركة و موجا ثقافيا فكريا في أوساطنا العلمية و ساحتنا الإسلامية.

رحم اللّه العلّامة الحلّي و أعلى درجته و مقامه، و وفق اللّه العاملين في‏

9

خدمة الدين و العلم، لمواصلة مسيرته المقدسة، و تخليد ذكراه العطرة، بإحياء آثاره و علومه.

و في الختام يتقدّم المؤسس بالشكر الجزيل للعلّامة الحجة الشيخ إبراهيم البهادري الّذي قام بتحقيق هذا الكتاب على أحسن وجه، شكر اللّه مساعيه الجميلة و وفقه لأعمال علمية أخرى.

و الحمد للّه رب العالمين‏

جعفر السبحاني مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) قم المقدسة 10 ربيع الأوّل 1426 ه

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

شبهات و إيضاحات حول أصول الفقه للشيعة الإماميّة

لقد قمنا بزيارة المملكة المغربية في مستهلّ عام 1425 ه، و تعرّفت على رجال الفكر و الثقافة في تلك البلاد من خلال إلقاء المحاضرات في غير واحدة من جامعاتها و حول مواضيع مختلفة. و قد دوّنت خاطراتنا حول هذه الرحلة في كتاب سمّي‏ «على ضفاف جبل طارق» و سيصدر قريبا إن شاء اللّه تعالى.

و ممّا يجب ذكره: إنّي قد ألقيت محاضرة حول تطوّر أصول الفقه عند الإمامية في جامعة القرويين في مدينة فاس بتاريخ 4 محرم الحرام 1425 ه، و ذكرت فيها التطوّر الّذي أحدثه علماء الإمامية في علم الأصول عبر القرون على نحو لا يرى نظيره في المدارس الأخرس، و ذكرنا نماذج من تقدم الحركة الأصولية، و قد أعقبت هذه المحاضرة مناقشات و استفسارات أجبنا عنها حسب ما سمح لنا الوقت بذلك.

12

و في اليوم الأخير من سفرنا و الّذي غادرنا فيه المملكة المغربية زرنا صباحا مؤسسة «دار الحديث الحسنية» الّتي يديرها الدكتور أحمد الخمليشي، و قد استقبلونا بحفاوة و تكريم، و تعرّفنا هناك على عدد من الأساتذة المحترمين من أصحاب الاختصاصات المتنوّعة، و قد دار الحديث خلال هذه الزيارة في مواضيع عديدة لا يسع المجال لذكرها هنا.

كلّ ذلك كان بفضل ربنا سبحانه و تعالى حيث التقينا بشخصيات علمية بارزة، و لمسنا منهم حب المعرفة و الاطّلاع على مذهب الشيعة الإماميّة و التقريب بين المسلمين، و الاهتمام بالتبادل الثقافي بين الجمهورية الإسلامية و المملكة المغربية.

*** و قد وقفنا في هذه الأيام على مقال نشر في العدد الثاني من مجلة «الواضحة»، الصادرة عن «دار الحديث الحسنية» في المغرب المؤرخ في 1425 ه- 2004 م تحت عنوان «أصول الفقه عند الشيعة الإمامية- تقديم و تقويم» بقلم:

الدكتور أحمد الريسوني، الأستاذ في جامعة محمد الخامس في الرباط.

و من حسن الحظ أنّا قد التقينا بصاحب المقال مرتين:

الأولى: خلال إلقاء محاضرة في كلية الآداب و العلوم الإسلامية جامعة محمد الخامس، و الّتي كان موضوعها: «الفقه الإسلامي و أدواره التاريخية».

الثانية: كانت خلال الحفل الّذي أقيم في سفارة الجمهورية الإسلامية في المغرب لتكريم ضيفها.

و نشكر اللّه الّذي هيّأ لنا هذه اللقاءات الأخوية.

13

و قد قرأت المقال و وجدت أنّ المواضيع الّتي تخضع للبحث و النقاش فيه عبارة عمّا يلي:

1. تأخّر الشيعة في تدوين علم الأصول عن السنّة.

2. أدلّة الأحكام عند الشيعة الإمامية، و منها سنّة الأئمة الاثني عشر و الإجماع.

3. الإمامية ترفض الأخذ بالقياس و الاستصلاح لأنّها أدلّة ظنية، و في الوقت نفسه يعملون بالظنّيات كالعمل بأخبار الآحاد.

4. الإمامية يقولون بحجّية الدليل العقلي بينما يرفضون القياس و هو من بديهيات العقول و أوّلياتها.

5. الإمامية ترفض حجّية المصلحة؟! و لكنّهم يأخذونها بأسماء و أشكال متعدّدة.

هذه هي المحاور الّتي يدور عليها مقال الدكتور الّذي مارس النقد البنّاء، و استعرض وجهة نظره بعبارات مهذّبة، و نحن نتناول تلك الأمور بالبحث و المناقشة ضمن فصول، خضوعا لما أفاده في مقدّمة مقاله قائلا:

على أنّني حين أضع هذا المقال في سياق التقريب و السعي نحو التفاهم، فإنّي لا أنفي حتمية النقاش الصريح و النقد الحر المتبادل، لأنّ التقريب المنشود لا يمكن أن يبنى على المجاملة أو المحاباة، و لكنّه بحاجة إلى تحسين الظن، و تهذيب الخطاب، و تحمّل النقد بحثا عمّا فيه من حق لقبوله، لا بحثا- فقط- عمّا فيه من مداخل لنقضه و تسفيهه.

14

1 التقدّم في التأسيس أو التدوين‏

إنّ واقع العلم المنتشر قائم بأمرين:

1. إلقاء الأفكار الّتي تقدح في أذهان المؤسّسين إلى تلاميذهم.

2. تدوين الأفكار من قبل المؤسّسين أو تلاميذهم الذين اقتبسوا من أضوائهم و استلهموا تلك الأفكار.

و ليس علم الأصول شاذّا عن هذه القاعدة.

إذا كانت الغاية من علم الأصول هو تعليم الفقيه كيفية إقامة الدليل على الحكم الشرعي و استنطاق الأدلّة الشرعية لاستنباط الحكم الشرعي في الحقول المختلفة، فإنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام)- لا سيّما الإمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام)- هم السابقون في هذا الميدان، فقد أملوا على أصحابهم قواعد كلّيّة تتضمّن قواعد أصولية تارة و قواعد فقهية تارة أخرى، فربّوا جيلا كبيرا من الفقهاء في مجال الاجتهاد و الاستنباط حفلت معاجم الرجال و التراجم بأسمائهم و آثارهم.

فمن سبر ما وصل إلينا من آثار الفقهاء في القرن الثاني و الثالث ممّن تربّوا في أحضان أهل البيت (عليهم السلام)، يقف على مدى رقيّهم في سلم الاجتهاد، فمن باب‏

15

المثال انظر إلى ما بقي إلى هذا الوقت من اجتهادات تلاميذ الإمامين الصادقين (عليهما السلام)، نظير:

1. زرارة بن أعين (المتوفّى عام 150 ه) الّذي يقول في حقّه ابن النديم:

زرارة أكبر رجال الشيعة فقها و حديثا.

2. محمد بن مسلم الثقفي (المتوفّى عام 150 ه).

3. يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى عام 208 ه).

4. الفضل بن شاذان (المتوفّى عام 260 ه)، مؤلف كتاب «الإيضاح» المطبوع.

إلى غيرهم من الفقهاء البارزين، الذين تركوا تراثا فقهيا مستنبطا من قواعد أصولية و فقهية على نحو يبهر العقول، و قد ذكرنا شيئا من فتاواهم و اجتهاداتهم في كتابنا (تاريخ الفقه الإسلامي و أدواره ج 1 ص 195- 202).

و قد كانت اجتهاداتهم و استنباطاتهم على ضوء قواعد تلقّوها عن أئمتهم (عليهم السلام) و استضاءوا بنور علومهم. و قد جاءت هذه القواعد مبثوثة في ضمن أحاديث موجودة في جوامعنا الحديثية.

و قد قام جماعة من المحدّثين بفصل هذه الروايات و جمعها في مكان واحد، نذكر منهم:

1. فقد جمعها العلّامة المجلسي (1037- 1110 ه) ضمن موسوعته الكبيرة «بحار الأنوار»، في كتاب العقل و العلم. (1)

____________

(1) بحار الأنوار: 2/ 266- 283.

16

2. ألّف الشيخ الحر العاملي (المتوفّى 1104 ه) كتابا مستقلا في هذا المضمار أسماه‏ «الفصول المهمة في أصول الأئمة» و قد اشتمل على 86 بابا أودع فيها الأحاديث الّتي تتضمّن قواعد أصولية و فقهية ممّا يبتنى عليها الاستنباط.

3. صنّف المحدث الخبير السيد عبد اللّه شبّر (المتوفّى 1242 ه) كتابا أسماه «الأصول الأصلية و القواعد الشرعية» يحتوي على مائة باب، و قد طبع الكتاب في 340 صفحة.

4. أخيرهم لا آخرهم العلّامة الفقيه السيد محمد هاشم الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318 ه) الّذي خاض بحار الأحاديث و صرف برهة من عمره في جمع هذا النوع من الروايات المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) (و الّتي تتضمن الأصول و القواعد الّتي يبتنى عليها الاستنباط) في كتاب سماه «أصول آل الرسول» و أورد فيه خمسة آلاف حديث من هذا النوع، و لو أسقطنا المتكرر منها لكان في الباقي غنى و كفاية، و هذا يشهد على تقدّم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تأسيس الفكرة و هداية الأمّة إلى تلك القواعد و الأصول.

هذا و إنّ كثيرا من أئمة الفقه كانوا سبّاقين في التأسيس لا في التدوين، و إنّما قام بالتدوين تلاميذ منهجهم. و من المعلوم أنّ الفضل للمؤسّس لا للمدوّن.

هذا الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (80- 150 ه) أحد أئمة المذاهب الأربعة، و مؤسّس الفقه الحنفي قد أسّس مدرسة فقهية توسّعت على يد تلاميذه، و أخصّ بالذكر منهم: تلميذه المعروف محمد بن الحسن الشيباني (131-

17

189 ه)، و تلميذه الآخر القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (113- 182 ه)، و هذان الفقيهان اتّصلا بأبي حنيفة و انقطعا إليه و تفقّها على يديه و بهما انتشر المذهب، و الفضل للمؤسّس لا للمدوّن.

و هذا هو أحمد بن محمد بن حنبل (164- 241 ه) الحافظ الكبير حيث لم يصنّف كتابا في الفقه يعدّ أصلا و مرجعا، و إنّما جمع أصوله تلميذ تلميذه «الخلال» من الفتاوى المتشتّتة الموجودة بين أيدي الناس، و جاء من جاء بعده فاستثمرها و بلورها حتى صارت مذهبا من المذاهب.

يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ أحمد لم يصنّف كتابا في الفقه يعدّ أصلا يؤخذ منه مذهبه و يعدّ مرجعه و لم يكتب إلّا الحديث. (1)

و مع هذا فقد صقل تلاميذه مذهبه و ألّفوا موسوعة فقهية كبيرة، كالمغني لابن قدامة ...

و أمّا مسألة التدوين فهي و إن كانت أمرا مهما قابلا للتقدير لكن لا نخوض فيها، على الرغم من وجود تآليف في أصول الفقه للشيعة الإمامية يعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني و أوائل القرن الثالث الهجري.

و من سبر تاريخ الحديث و الفقه و دور الأئمة الاثنى عشر و خاصّة الباقر و الصادق (عليهما السلام) في حفظ سنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و توعية الناس، يقف على أنّ حضور مجالسهم كان واسعا جدا، فكان يحضر فيها فئات مختلفة من طوائف المسلمين، و كانت خطاباتهم موجهة إلى عامّة الحاضرين .. فإنّ الفوارق الّتي نشاهدها اليوم بين السنّة و الشيعة لم تكن في عصر الإمامين (عليهما السلام) على حد تصد

____________

(1) ابن حنبل حياته و عصره لأبي زهرة: 168.

18

غير شيعتهم عن الاختلاف إلى مجالسهم و محاضراتهم، فقد كان يشهد حلقات دروسهم فريق من التابعين و تابعي التابعين، من غير فرق بين من يعتقد بإمامتهم و قيادتهم أو من يرى أنّهم مراجع للعقائد و الأحكام.

هذا هو التاريخ يحكي عن أنّ حلقة درس الإمام الصادق كانت تضم عددا كبيرا من رجال العلم، و ها نحن نذكر فيما يلي أسماء البارزين منهم:

1. النعمان بن ثابت (المتوفّى 150 ه) صاحب المذهب الفقهي المعروف.

يقول محمود شكري الآلوسي في كتابه «مختصر التحفة الاثنى عشرية»: هذا أبو حنيفة رضى اللّه عنه و هو من بين أهل السنّة كان يفتخر و يقول بأفصح لسان: لو لا السنتان لهلك النعمان، يريد السنتين اللتين صحب فيهما- لأخذ العلم- الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). (1)

يقول أبو زهرة: و أبو حنيفة كان يروي عن الصادق كثيرا، و اقرأ كتاب الآثار لأبي يوسف، و الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني فإنّك واجد فيهما رواية عن جعفر بن محمد في مواضع ليست قليلة. (2)

2. مالك بن أنس (المتوفّى 179 ه) و كانت له صلة تامّة بالإمام الصادق (عليه السلام)، و روى الحديث عنه، و اشتهر قوله: ما رأت عين أفضل من جعفر بن محمد.

3. سفيان الثوري (المتوفّى 161 ه) من رؤساء المذهب و حملة الحديث‏

____________

(1) مختصر التحفة: ص 8 طبع عام 1301 ه.

(2) الإمام الصادق: 38.

19

و كان له اختصاص بالإمام الصادق، و قد روى عنه الحديث، كما روى كثيرا من آدابه و أخلاقه و مواعظه.

4. سفيان بن عيينة (المتوفّى 198 ه) و هو من رؤساء المذاهب البائدة.

5. شعبة بن الحجاج (المتوفّى 160 ه)، خرّج له أصحاب الصحاح و السنن.

6. فضيل بن عياض (المتوفّى 187 ه)، أحد أئمة الهدى و السنّة. خرّج له البخاري.

7. حاتم بن إسماعيل (المتوفّى 180 ه) خرج له البخاري و مسلم، أخذ عن الصادق (عليه السلام) و أخذ عنه خلق كثير.

8. حفص بن غياث (المتوفّى 194 ه) روى عن الصادق (عليه السلام) و روى عنه أحمد و غيره.

9. إبراهيم بن محمد أبو إسحاق المدني (المتوفّى 191 ه) روى عن الصادق.

10. عبد الملك بن جريج القرشي (المتوفّى 149 ه).

هذه عشرة كاملة و من أراد أن يقف على حملة علمه و تلامذة منهجه من السنّة، فعليه بكتاب «الإمام الصادق و المذاهب الأربعة» لأسد حيدر ج 1 ص 400- 421.

هذه نبذة ممّن استناروا بنور الصادق (عليه السلام) الوهّاج و انتهلوا من نميره العذب و تلقّوا عنه الفقه و الحديث كما تلقّاهما عنه غيرهم من شيعته.

***

20

2 أدلّة الأحكام عند الإماميّة

اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ منابع الفقه و مصادره لا تتجاوز الأربعة، و هي:

1. الكتاب.

2. السنّة.

3. الإجماع.

4. العقل.

و ما سواها إمّا ليست من مصادر التشريع، أو ترجع إليها.

هذا هو فقيه القرن السادس محمد بن إدريس الحلي (543- 598 ه) يذكر الأدلّة الأربعة في ديباجة كتابه (السرائر) و يحدّد موضع كل منها، و يقول: فإنّ الحق لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب اللّه سبحانه، أو سنّة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المتواترة المتّفق عليها (1)، أو الإجماع، أو دليل العقل؛ فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في‏

____________

(1) اشتراط التواتر نظرية خاصّة لقليل من علماء الإمامية، فالجمهور منهم يعملون بخبر العدل أيضا.

21

المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه و موكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها و التمسّك بها. (1)

تقسيم الأدلّة إلى اجتهادية و أصول عملية

تقسيم الأدلّة إلى اجتهادية و أصول عملية من خصائص الفقه الشيعي، و أمّا الفرق بينهما فهو كالتالي:

و هو انّه لو كان الملاك في اعتبار شي‏ء حجّة على الحكم الشرعي هو كونه أمارة للواقع و طريقا إليه عند المعتبر فهو دليل اجتهادي كالأدلّة الأربعة. فإنّ الملاك في حجّيتها هو ما ذكرنا، فإنّ كلّا من الكتاب و السنّة حتّى الخبر الواحد منها طريق إلى الواقع و كاشف عنه إما كشفا تاما كما إذا أفاد القطع، أو كشفا غير تام كما في خبر العدل، و على كلّ تقدير فالملاك لاعتباره حجّة هو كاشفيته عن الواقع.

و أمّا إذا كان الملاك بيان الوظيفة و وضع حلول عملية للمكلّفين عند قصور يد المجتهد عن الواقع فهو أصل عملي، فالملاك لاعتبار هذا القسم من الأدلّة هو رفع التحيّر و إراءة الوظيفة عند اليأس عن العثور على دليل موصل للواقع، و لذلك أخذ في لسان حجّيتهم الجهل بالواقع و عدم توفر طريق في‏

____________

(1) السرائر: 1/ 46.

22

متناوله. و هذه الأصول العامّة الّتي تجري في عامّة أبواب الفقه لا تتجاوز الأربعة، و هي:

1. أصالة البراءة.

2. أصالة الاشتغال.

3. أصالة التخيير.

4. أصالة الاستصحاب.

[مجاري الأصول العملية:]

و لكلّ منها مجرى خاص:

أمّا الأولى [أصالة البراءة]

: فمجراها هو الشكّ في التكليف، فإذا كان المجتهد شاكّا في أصل الوجوب أو الحرمة، و تفحّص عن مظانّ الأدلة و لم يقف على دليل و حجّة على الحكم الشرعي، فوظيفته الحكم بالبراءة عن التكليف. كما إذا شكّ مثلا في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا أو ما أشبهه ذلك، و الأصل له رصيد قطعي و هو:

أ. قول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): رفع عن أمّتي تسعة ... و ما لا يعلمون.

ب. حكم العقل بقبح عقاب الحكيم دون بيان و اصل.

و أمّا الثانية [أصالة الاشتغال‏]

: فمجراها فيما إذا علم بالحكم الشرعي و لكن تردّد الواجب أو الحرام بين أمرين، فيجب عليه الجمع بين الاحتمالين بالإتيان بهما عند تردّد الواجب، و الاجتناب عنهما عند تردّد الحرام.

مثلا إذا علم بفوت صلاة مردّدة بين المغرب و العشاء يجب عليه الجمع بينهما، أو إذا علم نجاسة أحد الإنائين من غير تعيين يجب الاجتناب عن كليهما.

23

و أمّا الثالثة [أصالة التخيير]

: إذا دار حكم الشي‏ء بين الوجوب و الحرمة و لم يقف على دليل شرعي يوصله إلى الواقع، فالوظيفة العملية هي التخيير.

و أمّا الرابعة [أصالة الاستصحاب‏]

: و هو ما إذا علم بوجوب شي‏ء أو بطهارته لكن شك في بقاء الحكم أو بقاء الموضوع و تفحّص و لم يقف على بقائه أو زواله، فالمرجع هو الأخذ بالحالة السابقة أخذا بقول الإمام الصادق (عليه السلام) «لا ينقض اليقين بالشك».

هذه هي الأصول العملية الأربعة الّتي استنبطها المجتهدون من الكتاب و السنّة، و ليس لها دور إلّا عند فقد النص على الحكم الشرعي، و لكلّ مجرى خاصّ و ليس الملاك في اعتبارها كونها كاشفة عن الواقع بل كونها مرجعا للوظيفة الفعلية.

تقسيم الأصول إلى محرز و غير محرز

إنّ الأصول العملية تنقسم إلى: أصول محرزة. و أصول غير محرزة، و المراد من الإحراز، هو إحراز الواقع و الكشف عنه، و ذلك لأنّ بعض الأصول فيه جهة كشف عن الواقع، كشفا ضعيفا، لكن العقلاء لا يعتبرون في معاملاتهم و سياساتهم كونه حجّة لهذه الجهة، بل الملاك لاعتباره هو تسهيل الأمر في الحياة و وضع حلول عملية في ظرف الجهل و الشكّ، كما أنّ الشارع الّذي أمضاه و اعتبره حجّة في الفقه، لم يعتبره لهذه الغاية حتى يكون أمارة عقلانية كخبر الثقة.

و مثّلوا لذلك بالأصول العملية الثلاثة:

1. الاستصحاب.

24

2. قاعدة اليد.

3. قاعدة التجاوز.

فالأوّل منها أصل عام يجري في عامّة أبواب الفقه، بخلاف الأخيرين فإنّهما خاصان ببعض الأبواب.

و ما سوى ذلك أصل غير محرز كأصالة البراءة و الاشتغال و التخيير.

هذه هي أدلّة الأحكام عند الشيعة الإمامية، فهلمّ معي ندرس ما ذكره الأستاذ حول أدلّة الأحكام عند الشيعة لنرى فيه مواقع الخطأ و الالتباس على ضوء الدراسة الصحيحة لأصول الفقه عند الإمامية.

1. مسلك الشيعة هو مسلك الغزالي‏

يقول الأستاذ: جعلت الشيعة أدلّة الأحكام المعتمدة أربعة: الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، ثم قال: و لا يخفى على الدارس أنّ هذا هو مسلك الإمام الغزالي في باب الأدلّة. (1)

يلاحظ عليه: لا نظن أنّ الأستاذ يتّهم الشيعة بمتابعتهم الغزالي في حجّية الكتاب و السنّة، فإنّ المسلمين قاطبة يقولون بذلك. و إنّما مظنّة التهمة قولهم بحجّية العقل.

فنقول: هناك فرق واضح بين المسلكين: الإمامي و الغزّالي، فإنّ الأوّل يعتمد على التحسين و التقبيح العقليين، و الغزّالي تبعا لإمام مذهبه يرفض ذلك‏

____________

(1) الصفحة: 86 من المجلة المذكورة.

25

و يقول: إنّ للّه عزّ و جلّ إيلام الخلق و تعذيبهم من غير جرم سابق، لأنّه متصرّف في ملكه ... (1)

و العقل الّذي هو مصدر التشريع عند الإمامية أو كاشف عن التشريع الإلهي- على الاصح- هو العقل المعتمد على حكمين ينبعان من صميم العقل.

1. التحسين و التقبيح العقليان.

2. الملازمات العقلية.

و أين الغزّالي و منهاج أستاذه عن القول بهما؟!

و تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على حجّية العقل قبل أن يولد الغزالي بقرون، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حجّة اللّه على العباد النبي، و الحجّة فيما بين العباد و بين اللّه، العقل». (2)

و قال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) (المتوفّى: 183 ه) مخاطبا هشام بن الحكم: «يا هشام إن للّه على الناس حجتين: حجّة ظاهرة، و حجّة باطنة؛ فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة، و أمّا الباطنة فالعقول». (3)

إنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أعطوا للعقل أهمية كبيرة، فهذا هو الإمام الباقر (عليه السلام) يقول: «إنّ اللّه لمّا خلق العقل استنطقه- إلى أن قال:- و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك، و لا أكملتك إلّا في من أحب، أما إنّي إيّاك‏

____________

(1) قواعد العقائد: 60 و 204.

(2). الكليني: الكافي: 1/ 25، كتاب العقل و الجهل، الحديث 22.

(3) الكافي: 1/ 16، كتاب العقل و الجهل، الحديث 12.

26

آمر و إيّاك أنهى، و إيّاك أعاقب و إيّاك أثيب». (1)

فكان المترقب من الأستاذ المحترم أن لا يقضي في الموضوع إلّا بعد الإحاطة بأصول الشيعة الإماميّة.

2. تقييم تعريفه للأدلّة الاجتهادية و الأصولية العلمية:

قد تعرّفت على ما هو الفرق بين الأدلّة الاجتهادية و الأصولية العملية، و على تقسيم الأصول إلى أصل محرز و غير محرز.

و للأستاذ كلام في هذا الصدد نأتي به:

أ. الأدلّة الأربعة المعتمدة المشار إليها آنفا تسمى الأدلة المحرزة- الكتاب، السنّة، العقل، و الإجماع- و يقابلها الأصول العملية باعتبارها تعطي حلولا عملية للمكلّفين حين يتعذر عليها إحراز الحكم الشرعي من دليله.

يلاحظ عليه: أنّه أصاب في التفريق بين الأدلة الأربعة و الأصول العملية إلّا أنّ وصف الأدلّة الأربعة بالأدلّة المحرزة، خلاف المصطلح و إنّما يوصف بها بعض الأصول، فمنها أصل محرز و منها غير محرز. كما تقدّم في كلامنا، و إنّما توصف الأدلّة الأربعة، بالأدلّة الاجتهادية.

ب. و يدخل ضمن هذه الأصول العملية جملة قواعد: أهمها قاعدة الاحتياط، انطلاقا من أنّ الأصل هو شغل الذمّة بالتكليف و انّ للّه في كلّ نازلة حكما يتعيّن الالتزام به، و قاعدة البراءة الأصلية، انطلاقا من أنّ الأصل براءة

____________

(1). الكافي: 1/ 10، كتاب العقل و الجهل، الحديث 1.

27

الذمّة من التكليف، قاعدة الاستصحاب الّتي تقضي بإبقاء ما كان على ما كان انطلاقا من أنّ اليقين لا يرتفع بالشكّ. (1)

يلاحظ عليه: أنّ قاعدة الاحتياط تنطلق من العلم القطعي بنفس التكليف في الواقعة بلا تردد فيه، و الجهل بالموضوع، كما إذا علم بفوت إحدى الصلاتين المغرب أو العشاء، فيجب عليه قضاؤهما، و ما ذكره من المنطلق يعني أنّ «الأصل هو شغل الذمّة بالتكليف» له لا صلة له بقاعدة الاحتياط، بل أساسه هو العلم بالتكليف و الجهل في المتعلّق.

و العجب انّه عند ما يفسّر قاعدة الاحتياط عند الإمامية، يقول: الأصل شغل الذمّة بالتكليف.

و عند ما يفسّر قاعدة البراءة عندهم بقوله: الأصل براءة الذمّة من التكليف، و هذا هو نفس التناقض، فلو كان الأصل هو الاشتغال فما معنى كون الأصل هو البراءة؟!

و هذا يكشف عن أنّ الأستاذ لم يكن ملمّا بأصول الفقه عند الإمامية حيث ارتكب في بيانها التناقض.

كما أنّ ما ذكره: «أنّ للّه في كلّ نازلة حكما يتعيّن الالتزام به» و جعله منطلقا للاحتياط عجيب جدا، لأنّ العلم بأنّ للّه في كلّ نازلة حكما لا يسبب الاحتياط، و إذ من المحتمل أن يكون حكم اللّه في المورد هو الإباحة أو الكراهة، أو الاستحباب.

____________

(1). مجلة الواضحة: 87 بتلخيص.

28

3 هل سنّة وراء سنّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

السنّة هي المصدر الثاني للعقيدة و الشريعة، سواء أ كانت منقولة باللفظ و المعنى، أو كانت منقولة بالمعنى فقط، إذا كان الناقل ضابطا في النقل.

و قد خصّ اللّه بها المسلمين دون سائر الأمم حيث إنّهم اهتموا بنقل ما أثر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قول و فعل و تقرير، و بذلك صارت السنّة من مصادر التشريع الإسلامي.

و قد أكد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّ السنّة الشريفة هي المصدر الرئيسي بعد الكتاب، و أنّ جميع ما يحتاج الناس إليه قد بيّنه سبحانه في الذكر الحكيم أو ورد في سنّة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

قال الإمام الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمّة إلّا أنزله في كتابه و بيّنه لرسوله، و جعل لكلّ شي‏ء حدّا، و جعل عليه دليلا يدلّ عليه، و جعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا». (1)

و قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ما من شي‏ء إلّا و فيه كتاب أو سنّة». (2)

____________

(1 و 2). الكليني: الكافي: 1/ 59، باب الرد إلى الكتاب و السنّة، الحديث 2، 4.

29

و روى سماعة عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام)، قال: قلت له:

أكل شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيه، أو تقولون فيه؟

قال: «بل كلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيه». (1)

روى أسامة، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و عنده رجل من المغيرية (2)، فسأله عن شي‏ء من السنن؟ فقال: «ما من شي‏ء يحتاج إليه ولد آدم إلّا و قد خرجت فيه سنّة من اللّه و من رسوله، و لو لا ذلك، ما احتجّ علينا بما احتج؟»

فقال المغيري: و بما احتج؟

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (3) فلو لم يكمل سنّته و فرائضه و ما يحتاج إليه الناس، ما احتجّ به». (4)

روى أبو حمزة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في خطبته في حجّة الوداع: «أيّها الناس اتّقوا اللّه ما من شي‏ء يقرّبكم من الجنّة و يباعدكم من النار إلّا و قد نهيتكم عنه و أمرتكم به». (5)

إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من التأكيد على السنّة و الركون إليها.

____________

(1). الكافي: 1/ 62، باب الرد إلى الكتاب و السنة، الحديث 10.

(2). هم أصحاب المغيرة بن سعيد، الذي تبرّأ منه الإمام الصادق (عليه السلام).

(3). المائدة: 3.

(4). المجلسي: البحار: 2/ 168 ح 3.

(5). البحار: 2/ 171 ح 11.

30

أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حفظة سنن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

كان النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقوم بأمور و مهام لها صلة بالجوانب المعنوية- بالإضافة إلى إدارة دفّة الحكم- و هي:

1. تبيين الأحكام الشرعية و الإجابة عن الحوادث المستجدّة الّتي لم يبيّن حكمها في الكتاب و لا في السنّة الصادرة إلى يومها.

2. تفسير القرآن الكريم و تبيين مجملاته و تقييد مطلقاته و تخصيص عموماته.

3. الردّ على الشبهات و التشكيكات الّتي يطلقها أعداء الإسلام من اليهود و النصارى بعد الهجرة.

و من المعلوم أنّ من يقوم بهذه المسئوليات، سوف يورث فقده فراغا هائلا في نفس هذه المجالات، و من الخطأ أن نتّهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و العياذ باللّه- أنّه قد ارتحل من دون أن يفكّر في مل‏ء تلك الثغرات المعنوية الحاصلة برحيله ...

فإذا رجعنا إلى أحاديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نقف على أنّه قد سدّ هذه الثغرات باستخلاف من جعلهم قرناء الكتاب و أعداله، و أناط هداية الأمّة بالتمسّك بهما، و نذكر نماذج من كلماته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في هذا المجال:

1. روى ابن الأثير الجزري في «جامع الأصول» عن جابر بن عبد اللّه، قال:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حجّة الوداع يوم عرفة و هو على ناقته القصواء

31

يخطب، فسمعته يقول: «إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي». (1)

2. و أخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، قال:

قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة و المدينة، و حمد اللّه و أثنى عليه و وعظ و ذكر، ثمّ قال:

أمّا بعد: ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، و أنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى و النور فخذوا بكتاب اللّه و استمسكوا به فحثّ على كتاب اللّه و رغب فيه.

ثمّ قال: و أهل بيتي أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي. (2)

3. أخرج الترمذي في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال:

رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حجّة يوم عرفة على ناقته القصواء يخطب فسمعته، يقول: يا أيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه و عترتي. (3)

4. أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود إلى السماء

____________

(1). جامع الأصول: 1/ 424.

(2). صحيح مسلم: 2/ 325.

(3). سنن الترمذي: 5/ 662، باب مناقب أهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

32

و الأرض، و عترتي أهل بيتي، و انّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. (1)

و هذا الحديث المعروف بحديث الثقلين رواه عن النبي أكثر من ثلاثين صحابيا، و دوّنه ما يربو على ثلاثمائة عالم في كتبهم في مختلف العلوم و الفنون، و في جميع الأعصار و القرون، فهو حديث صحيح متواتر بين المسلمين، و قد عيّن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ببركة هذا الحديث من يسدّ هذه الثغرات و يكون المرجع العلمي بعد رحيله و ليس هو إلّا أهل بيته.

و بهذا يتبين أن العترة (عليهم السلام) عيبة علم الرسول و خزنة سننه و حفظة كلمه، تعلموها بعناية من اللّه تبارك و تعالى كما تعلّم صاحب موسى بفضل من اللّه دون أن يدرس عند أحد، و لذلك تمنّى موسى (عليه السلام) أن يعلمه ممّا علّم.

قال سبحانه حاكيا عن لسان نبيه موسى (عليه السلام): قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (2).

و على ضوء ذلك فليس لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) سنّة و لا تشريع، و ما أثر عنهم من قول و فعل أو تقرير فإنّما يعتبر، لكونهم حفظة سنن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا يصدرون و لا يحكمون إلّا بسنّته.

فلو قيل: إنّ قول الإمام (عليه السلام) أو فعله أو تقريره سنّة إنّما يراد به أنّهم تراجم سنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أقواله و أفعاله.

فما قاله العلّامة الشيخ المظفر (قدّس سرّه) من أنّ المعصوم من آل البيت (عليهم السلام) يجري‏

____________

(1). مسند أحمد: 3/ 14.

(2). الكهف: 66.

33

قوله مجرى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من كونه حجة على العباد، إنّما يريد ذلك و ما أحسن قوله «يجري مجرى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)»، فلو كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم أصحاب سنن في عرض سنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلما ذا قال «يجري قولهم مجرى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)»؟!

هذه عقيدة الإمامية من أوّلهم إلى آخرهم؛ فالتشريع للّه سبحانه فقط، و النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو المبلّغ عن اللّه سبحانه في ما شرّعه، و أئمة أهل البيت خلفاء رسول اللّه و حفظة سننه و تراجم كلمه، و المبلّغون عنه السنن حتى يجسّدوا إكمال الدين في مجالي العقيدة و الشريعة.

و حين قال سبحانه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ (1) فإنّما هو لأجل نصب علي (عليه السلام) أوّل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) للخلافة لكي يقوم بنفس المسئوليات الّتي كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قائما بها طيلة أيّام رسالته، و يملأ الثغرات الّتي أعقبتها رحلته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير أنّه نبي يوحى إليه و هذا وصي حافظ لسننه.

سنّة الصحابة في مقابل سنّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

لقد تبيّن لنا أنّ الأستاذ قد عجب من وجود سنّة لأهل البيت (عليهم السلام)، و قد فسّرنا معنى ذلك عند الإماميّة، و قلنا بأنّه ليس للأئمة سنّة سوى ما سنّه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لكن ألفت نظره إلى أنّ أهل السنّة قد قالوا بوجود سنن أخرى بعد سنّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إليك ما يشير إلى ذلك:

____________

(1). المائدة: 3.

34

1. الحديث المعروف عندهم: «عليكم بسنّتي و سنّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها و عضّوا عليها بالنواجذ».

يقول ابن قيم الجوزية في تفسير الحديث: فقد قرن سنّة خلفائه بسنّته و أمر باتّباعها كما أمر باتباع سنّته، و هذا يتناوله ما أفتوا به و سنّوه للأمّة و إن لم يتقدّم للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه شي‏ء و إلّا كان ذلك سنّة. (1)

فالرواية تدل على أنّ للصحابة سنّة كسنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فعندهم سنّة أبي بكر و سنّة عمر و سنّة عثمان و سنّة علي.

2. روى السيوطي قال حاجب بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب و هو خليفة فقال في خطبته: على أنّ ما سنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صاحباه فهو دين نأخذ به و ننتهي إليه، و ما سنّ سواهما فإنّا نرجئه. (2)

أبعد هذه النصوص يصحّ للأستاذ أن يستغرب من وجود سنّة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام): أعلام الهدى و مصابيح الدجى و قرناء الكتاب، و ثاني الثقلين ...

و لو لا المخافة من تكدير مياه الصفاء لبسطنا القول في ذلك.

طرق علم الأئمة بالسنّة

قد أشرنا إلى أنّه ليس لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) سنّة خاصّة، بل هم حفظة سنن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لسائل أن يسأل: ما هي طرقهم إلى سنن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أكثرهم لم‏

____________

(1). إعلام الموقعين: 4/ 140.

(2). تاريخ الخلفاء للسيوطي: 160.

35

يعاصروه و لم يسمعوها عنه مباشرة. و من المعلوم أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد عاصره الإمام علي و الإمامان الحسن و الحسين (عليهم السلام)، فقط؟

و الإجابة عن هذا السؤال واضحة لمن عرف أحاديث الشيعة و أنس بجوامعهم، فإنّ لهم (عليهم السلام) طرقا إلى سنن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نأتي ببعضها:

الأوّل: السماع عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

إنّ الأئمة (عليهم السلام) يروون أحاديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سماعا منه بلا واسطة أو بواسطة آبائهم، و لذلك ترى في كثير من الروايات أن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول:

حدّثني أبي عن زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن علي أمير المؤمنين عن الرسول الأكرم.

و هذا النمط من الروايات كثير في أحاديثهم.

فأئمة أهل البيت (عليهم السلام) رووا أحاديث كثيرة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن هذا الطريق دون أن يعتمدوا على الأحبار و الرهبان أو على مجاهيل أو شخصيات متسترة بالنفاق.

الثاني: كتاب علي (عليه السلام)

كان لعلي (عليه السلام) كتاب خاص بإملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد حفظته العترة الطاهرة (عليهم السلام) و صدرت عنه في مواضع كثيرة و نقلت نصوصه في موضوعات مختلفة، و قد بث الحرّ العاملي في موسوعته الحديثية، أحاديث ذلك الكتاب‏

36

حسب الكتب الفقهية من الطهارة إلى الديات، و من أراد فليرجع إلى تلك الموسوعة.

و إليك شذرات من أقوال الأئمة بشأن هذا الكتاب الّذي كانوا يتوارثونه و ينقلون عنه و يستدلّون به:

قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام): «إنّ العلم فينا و نحن أهله، و هو عندنا مجموع كلّه بحذافيره، و منه لا يحدث شي‏ء إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلّا و هو عندنا مكتوب، بإملاء رسول اللّه و خطّ علي بيده». (1)

و قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لأحد أصحابه- أعني حمران بن أعين- و هو يشير إلى بيت كبير: «يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعا بخطّ علي (عليه السلام) و إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لو ولّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه، لم نعد ما في هذه الصحيفة».

و قال (عليه السلام) أيضا لبعض أصحابه: يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا و هوانا لكنّا من الهالكين، و لكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)».

و قال الإمام الصادق (عليه السلام) عند ما سئل عن الجامعة: «فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، و ليس من قضية إلّا فيها حتّى أرش الخدش».

و قال الإمام الصادق (عليه السلام) في تعريف كتاب علي (عليه السلام): «فهو كتاب طوله سبعون ذراعا إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من فلق فيه، و خط علي بن أبي طالب (عليه السلام) بيده، فيه و اللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة، حتّى أنّ‏

____________

(1). الاحتجاج: 2/ 6؛ بحار الأنوار: 89/ 47.

37

فيه أرش الخدش و الجلدة و نصف الجلدة». (1)

و يقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا، إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ و خطّ عليّ (عليه السلام) بيده، ما من حلال و لا حرام إلّا و هو فيها حتّى أرش الخدش».

و قد كان علي (عليه السلام) أعلم الناس بسنّة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كيف لا يكون كذلك، و هو القائل: «كنت إذا سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطاني، و إذا سكت ابتدأني». (2)

الثالث: انّهم محدّثون‏

لأجل إيقاف القارئ على المحدّث في الإسلام و مفهومه نذكر شيئا في توضيحه.

«المحدّث» من تكلّمه الملائكة بلا نبوّة و رؤية صورة، أو يلهم له و يلقى في روعه شي‏ء من العلم على وجه الإلهام و المكاشفة من المبدأ الأعلى، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره.

فالمحدّث بهذا المعنى ممّا أصفقت الأمّة الإسلامية عليه، بيد أنّ الخلاف في مصاديقه، فالسنّة ترى عمر بن الخطاب من المحدّثين، و الشيعة ترى عليا و أولاده الأئمة منهم.

____________

(1). قد جمع العلّامة المجلسي ما ورد من الأثر حول كتاب علي في موسوعته بحار الأنوار: 26/ 18- 66 تحت عنوان، باب جهات علومهم و ما عندهم من الكتب، الحديث 12، 1، 10، 20.

(2). المستدرك: 3/ 125.

38

أخرج البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لقد كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء؛ فإن يكن من أمّتي منهم فعمر. (1)

و قد أفاض شرّاح صحيح البخاري الكلام حول المحدّث. (2)

و للمحدّثين من أهل السنّة كلمات حول المحدّث نأتي بملخّصها:

يقول القسطلاني حول الحديث: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة. (3)

و أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد كان في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم.

و قال النووي في شرح صحيح مسلم: اختلف تفسير العلماء للمراد ب «محدّثون» فقال ابن وهب: ملهمون، و قيل: يصيبون إذا ظنّوا فكأنّهم حدّثوا بشي‏ء فظنّوه، و قيل: تكلّمهم الملائكة و جاء في رواية مكلّمون. (4)

و قال الحافظ محب الدين الطبرسي في «الرياض»، و معنى «محدّثون»- و اللّه أعلم- أن يلهموا الصواب، و يجوز أن يحمل على ظاهره و تحدّثهم‏

____________

(1). صحيح البخاري: 4/ 200، باب مناقب المهاجرين و فضلهم، دار الفكر، بيروت.

(2). لاحظ: إرشاد الساري، شرح صحيح البخاري للقسطلاني: 6/ 99.

(3). ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 5/ 431.

(4). شرح صحيح مسلم للنووي: 15/ 166، دار الكتاب العربي، بيروت.

39

الملائكة لا لوحي، و إنّما بما يطلق عليه اسم حديث، و تلك فضيلة عظيمة. (1)

و حصيلة الكلام: انّه لا وازع من أن يخصّ سبحانه بعض عباده بعلوم خاصّة يرجع نفعها إلى العامّة من دون أن يكونوا أنبياء، أو معدودين من المرسلين، و اللّه سبحانه يصف مصاحب موسى بقوله: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً و لم يكن المصاحب نبيّا، بل كان وليّا من أولياء اللّه سبحانه و تعالى بلغ من العلم و المعرفة مكانة، دعت موسى- و هو نبيّ مبعوث بشريعة- إلى القول: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. (2)

و يصف سبحانه و تعالى جليس سليمان- آصف بن برخيا- بقوله: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي. (3)

و هذا الجليس لم يكن نبيّا، و لكن كان عنده علم من الكتاب، و هو لم يحصّله من الطرق العاديّة التي يتدرّج عليها الصبيان و الشبان في المدارس و الجامعات، بل كان علما إلهيا أفيض عليه لصفاء قلبه و روحه، و لأجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه و يقول: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي. (4)

و الإمام علي و الأئمة من بعده، الذين أنيطت بهم الهداية في حديث‏

____________

(1). الرياض النضرة: 1/ 199.

(2). الكهف: 66.

(3). النمل: 40.

(4). الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 2/ 365- 366.

40

الثقلين، ليسوا بأقلّ من مصاحب موسى (عليه السلام)، أو جليس سليمان، فأي وازع من أن يقفوا على سنن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن طريق الإشراقات الإلهية.

الرابع: الاستنباط من الكتاب و السنّة

هذا هو الطريق الرابع، فقد كانوا (عليهم السلام) يستدلّون على الأحكام الإلهية بالكتاب و السنّة بوعي متميز يبهر العقول و يورث الحيرة، و لو لا خشية الإطالة في المقام لنقلنا نماذج كثيرة من ذلك، و نكتفي هنا بانموذج واحد و هو: قدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكّل إلى الإمام علي الهادي (عليه السلام)(1) يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: يضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلة، فكتب (عليه السلام): بسم اللّه الرحمن الرحيم‏. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ‏ (2).

فأمر به المتوكل فضرب حتى مات. (3)

إنّ الإمام الهادي ببيانه هذا شقّ طريقا خاصّا لاستنباط الأحكام من الذكر الحكيم، طريقا لم يكن يحلم به فقهاء عصره، و كانوا يزعمون أنّ مصادر

____________

(1). الإمام العاشر و هو علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق (عليهما السلام).

(2). غافر: 84- 85.

(3). مناقب آل أبي طالب: 4/ 405.

41

الأحكام الشرعية هي الآيات الواضحة في مجال الفقه الّتي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، و بذلك أبان للقرآن وجها خاصّا لدلالته، لا يلتفت إليه إلّا من نزل القرآن في بيته، و ليس هذا الحديث غريبا في مورده، بل له نظائر في كلمات الإمام و غيره من آبائه و أبنائه (عليهم السلام).

هذه إلمامة عابرة في بيان طرق أهل البيت (عليهم السلام) إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فما روي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) حول علمهم بالسنّة فانما هو ناظر إلى ما سبق ذكره.

سئل الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): أكل شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيه، أو تقولون فيه؟ فقال: «لا بل كل شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيه». (1)

فالإمام يريد بالسنّة ما ذكرنا (مصادرها و طرقها) لا خصوص السنّة الموجودة في أفواه الناس و على ألسنتهم، و إن كان ربّما يلتقي علمهم بالسنن بما رواه الناس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بعض المواضيع.

هذه الرواية العابرة توقفنا على مدى ما تلقاه الأئمة (عليهم السلام) من سنن النبي، أ فبعد هذا يصح أن نعتمد على ما رواه البخاري عن أبي جحيفة الّذي قال: قلت لعلي: عندكم كتاب؟ قال لا إلّا كتاب اللّه، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل و فكاك الأسير و لا يقتل مسلم بكافر. (2)

____________

(1). الكافي: 1/ 62، باب الرد إلى الكتاب و السنّة، الحديث 10.

(2). صحيح البخاري: 1/ 64 باب كتابة العلم، الحديث 52.

42

كيف لا يكون عند علي (عليه السلام) كتاب يجمع فيه سنن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هؤلاء هم أبناء علي (عليه السلام) ينقلون عنه و يعتمدون عليه؟!

و العجب ما ورد في هذه الرواية من أنّ الصحيفة الّتي كان يحتفظ بها علي لم تشتمل إلّا على جمل محدودة، فلو لم يكن عند علي و أبنائه المعصومين إلّا ما جاء في هذه الرواية، فمن أين هذه العلوم الموروثة عنه و عن أبنائه الصادقين الّتي بهرت العقول؟!

كيف لا يكون عند علي (عليه السلام) سوى ما في هذه الصحيفة أو ما في ألسن الناس مع أنّ المسلّم عند الفريقين أنّ عليا كانت عنده علوم و أسرار لم تكن عند غيره، و كان الصحابة يرجعون إليه في المشاكل و المسائل العويصة، فهذا عمر بن الخطاب و سائر الخلفاء كانوا يرجعون إليه و يسألونه، كيف لا و هو باب مدينة علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و قد قام زميلنا الجليل المغفور له الشيخ علي الأحمدي. (1) بجمع ما ورد في كتاب علي (عليه السلام) ممّا هو مبثوث في الجوامع الحديثية و رتّبه على 26 بابا، و ما جمعه إنّما هو غيض من فيض و قليل من كثير ممّا كان في الأصل.

____________

(1). مكاتيب الرسول: 2/ 135- 313.

43

4 تقييم الإجماع عند الإماميّة

عدّ الأصوليون الإجماع من أحد الأدلّة الشرعية، غير أنّهم اختلفوا في ملاك الحجيّة فالمحقّقون من السنّة قالوا: إنّ الإجماع يجب أن يكون مستندا إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي كالخبر الواحد و المصالح المرسلة و القياس و الاستحسان.

فلو كان المستند دليلا قطعيا من قرآن أو سنّة متواترة، يكون الإجماع مؤيدا معاضدا له‏ (1)؛ و لو كان المستند دليلا ظنيا، فيرتقي الحكم بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع و اليقين. و مثله إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتفاق على حكم شرعي- استنادا إلى ذلك الدليل- يجعله حكما شرعيا قطعيا إلهيا و إن لم ينزل به الوحي. (2)

و على ضوء ذلك فالإجماع عند أهل السنّة من مصادر التشريع في عرض‏

____________

(1). لا يذهب عليك أنّه إذا كان في المورد دليل قرآني أو سنّة متواترة، فلا حاجة للتأييد و التعضيد، و الأولى أن تخص مورده بما إذا لم يكن في مورده إلّا دليل ظنّي.

(2). الوجيز في أصول الفقه لوهبة الزحيلي: 49.

44

الكتاب و السنّة، لكن بشرط أن يكون الحكم مستندا إلى دليل ظني، فعندئذ يجعله إجماع العلماء حكما قطعيا.

و أمّا عند الشيعة فالإجماع بما هو هو ليس من مصادر التشريع و انّما يكشف عن وجود الدليل، فالاتّفاق مهما كان واسعا، لا يؤثر في جعل الحكم، شرعيا إلهيّا و انّما المؤثر في ذلك المجال، نزول الوحي به فقط.

نعم للإجماع دور في كشف الدليل الأعم من القطعي و الظنّي، و قد اختلفوا في كيفية كشفه إلى أقوال يجمعها أمران:

1. استكشاف الدليل بالملازمة العادية بين فتوى المجمعين و قول الإمام.

2. استكشاف الإجماع موافقة الإمام (عليه السلام) لكونه من جملة المجمعين.

أمّا الثاني فمشروط بشرطين:

أ. ان يكون الإمام ظاهرا لا غائبا.

ب. أن تتوفر الحرية في الفتوى و يكون للإمام حرية تامة في إظهار رأيه، و مثل ذلك لم يتّفق في عصر الحضور إلّا في فترة قليلة، و هي الّتي عاصرها الإمامان الصادقان: الباقر و الصادق (عليهما السلام). و بسبب عدم توفر هذين الشرطين في عصر الأئمة لم يلتفت إليها إلّا القليل من العلماء، و إنّما المهم استكشاف وجود الدليل عن إجماع المجمعين بأحد الطريقين التاليين:

أ. تراكم الظنون مورث لليقين بالحكم الشرعي، لأنّ فتوى كلّ فقيه و إن كانت تفيد الظن، إلّا أنّها تعزز بفتوى فقيه ثان فثالث، إلى أن يحصل للإنسان من إفتاء جماعة على حكم، القطع بالصحة، إذ من البعيد أن يتطرق البطلان إلى فتوى هؤلاء الجماعة.

45

ب. الإجماع كاشف عن دليل معتبر.

إنّ حجيّة الإجماع ليس لأجل إفادته القطع بالحكم، بل لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر وصل إليهم و لم يصل إلينا، و هذا هو الّذي اعتمد عليه صاحب الفصول، و عدّة من المتأخرين.

قال صاحب الفصول: سنكشف قول المعصوم عن دليل معتبر باتّفاق علمائنا الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمة في الأحكام و طريقتهم التحرّز عن القول بالرأي و الاستحسان. (1)

قراءة صاحب المقال للاجماع عند الشيعة

إنّ الدكتور أحمد الريسوني «حفظه اللّه» بعد أن ذكر أنّ الإجماع عند الشيعة ليس حجة بما هو هو، و انّما ملاك حجّيته كشفه عن الدليل، حاول أن يطبق نظرية أهل السنّة على نظرية الشيعة. فقال:

و هذا القول في حقيقة الإجماع و حقيقة حجّيته ليس بغريب على أصوليّ السنّة، فهو بعض ما يتضمّنه قولهم: «الإجماع لا بدّ فيه من مستند»، ثم ذكر كلام إمام الحرمين و الشريف التلمساني‏ (2).

و ما استنتجه من التوفيق بين النظريتين عمل مشكور عليه، إلّا أنّنا نشير إلى أنّهما ليستا متحدتين بالشكل الّذي ذكره الأستاذ، و انّما هما متحدتان في شي‏ء و مختلفتان في شي‏ء آخر.

____________

(1). الفصول في علم الأصول للشيخ محمد حسين الحائري.

(2). الصفحة: 91 من المجلة المذكورة.

46

1. تشتركان في أنّ إجماع المجمعين لا بدّ أن يكون على أساس دليل، و لا يصح إفتاؤهم بلا دليل.

2. و تختلفان في أنّ للإجماع- عند أهل السنّة- دورا في إضفاء المشروعية على الحكم المجمع عليه، بحيث يجعله حكما- كسائر الاحكام الواردة في الكتاب و السنّة- سواء أصح المستند الظني في الواقع أم لم يصح، و كأنّ الاتفاق، عملية كيمياوية تقلب النحاس ذهبا. إمّا مطلقا و في عامّة الموارد، أو فيما إذا كان مستند الإجماع، مثل القياس و المصالح و المفاسد العامّة، و هذا ليس شيئا خفيا على من له إلمام بأصول الفقه لدى السنّة، و قد وقفت على كلام الفقيه المعاصر «وهبة الزحيلي» حتى أنّ الكاتب صرح بذلك في مقاله الّذي يقول فيه:

«و قد يكون إجماعهم ناشئا عن قياس ظنّي في أصله، و لكن الإجماع على الحكم أضفى عليه صوابا و يقينا (1) لا يحتمل الشك.

و قد يكون الإجماع منعقدا عن نظر استصلاحي سديد، و من خلال الإجماع عليه تأكّدت موافقته القطعية للشرع و للمصالح الّتي اعتبرها.

هذا الّذي عليه السنّة و أمّا الشيعة فهم عن بكرة أبيهم، لا يقيمون للإجماع دورا سوى الكشف عن الدليل: القطعي أو الظنّي، و ليس له دور في إضفاء الصواب على الدليل و المشروعية على الحكم- لو فرض عدم صحته- فلذلك ليس الإجماع بما هو هو، من مصادر التشريع.

____________

(1). أمّا اليقين فنعم، و أمّا الصواب فلا، فيما إذا كان غير صحيح.

47

نقد الإجماع الدخولي‏

قد عرفت أنّ ملاك حجّية الإجماع هو كشفه عن الدليل بأحد الوجهين التاليين:

أ. كشفه عن دخول الإمام في المجمعين.

ب. كشفه عن وجود الدليل و الحجة.

أمّا القسم الأوّل فقد عرفت اختصاصه بعصر الحضور، لكن بشرط أن تسود الحرية عامّة أهل الفتوى في البلد الّذي يقيم فيه المعصوم، كالمدينة المنورة كما كان ذلك في بعض الأعصار أيّام نشوب الصراع بين الأمويين و العباسيين.

فلو وصل إلينا أنّ كلّ من يؤخذ عنه الفتوى في المدينة أفتوا على حكم من الأحكام و لم يشذّ منهم أحد، نكشف اتّفاق الإمام الباقر و الصادق معهم، لأنّ لسان الإجماع هو كلّ من يؤخذ عنه الفتوى، و هما من أبرز من يؤخذ منهم الفتوى.

و على ضوء ذلك نقف على مدى صحة رأي الأستاذ حول الإجماع الدخولي. قال:

«و لست أدري كيف استساغ علماء الإمامية و أذكياؤهم هذا التناقض الواضح، إذ يعتبرون الإجماع كاشفا عن قول المعصوم، ثم يشترطون دخول هذا المعصوم؟ و إذا دخل المعصوم في الإجماع- بحيث كان قوله معروفا و ثابتا-

48

فأي كشف بقي للإجماع أن يقوم به؟ ثم إذا كان قول المعصوم حجة في ذاته فأي حاجة و أي قيمة للإجماع مع ثبوت قول المعصوم؟ (الصفحة 93).

و يلاحظ عليه: أنّه تصوّر أنّ الإجماع الدخولي عبارة عن معرفتنا بدخول الإمام شخصيا ضمن المجمعين فرتّب عليه ما رتب، حيث قال: «فعند ذلك أي كشف بقي للإجماع أن يقوم به».

و بعبارة أخرى: تصور انّ الإجماع الدخولي عبارة عن رؤية الإمام شخصيا بين المجمعين، أو سماع صوته منهم، أو ثبوت تواجده بين المجمعين بخبر قطعي، فعند ذلك قال: «فأي دور يبقى للإجماع بعد معرفة الإمام».

و لكن خفي عليه واقع هذا القسم من الإجماع، فالمراد به ما إذا ثبت بخبر قطعي، أنّ علماء المدينة و كلّ من يؤخذ عنه الفتوى، اتّفقوا على حكم من الأحكام الشرعية و كان أهل البيت يتمتّعون بالحرية لإظهار رأيهم و إبداء ما عندهم، فعند ذلك نستكشف دخول الإمام المعصوم في المجمعين و تواجده فيهم على نحو لو لا هذا الإجماع و الاتّفاق بالنحو الّذي عرفت لم يكن لدينا طريق لمعرفة قول الإمام، و عندئذ يكون للإجماع دور الكشف عن دخولهم فيهم.

و بذلك تقف على ما هو المقصود للمحقّق حيث قال: «فلو خلت المائة من علمائنا من قوله، لما كان حجّة و لو حصل في اثنين كان قولهما حجة».

إنّ الممعن في كلامه من أوّله إلى آخره يقف على أنّ الغاية من هذا المقال، هو التركيز على أنّ حجّية الإجماع، لأجل وجود الإمام في المجمعين إمّا دخولا، أو كشفا عن دليل وصل إلى يد المجمعين، عنهم (عليهم السلام) فجاء قوله كمثال يبين مقصده.

49

5 خبر الواحد و القياس ظنّيان فلما ذا التفريق بينهما؟

قد عجب الدكتور أحمد الريسوني من تفريق الإماميّة بين خبر الواحد و القياس في الحجيّة قائلا بأنهما ظنّيان، فلما ذا فرّقت الإماميّة بينهما و قالوا بحجية الأوّل دون الثاني؟ و قد أطال الكلام في ذلك و ما ذكرناه لبّ إشكاله، و لإيضاح المقام نقدم أمورا:

الأمر الأوّل: اتّفقت الأمّة الإسلامية على أنّ البدعة أمر محرم كتابا و سنّة و إجماعا و عقلا، و هي عبارة عن إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين، هذا من جانب.

و من جانب آخر أنّ الاعتماد على الظن- الّذي لم يقم على حجّيته دليل قطعي من الشارع- و الإفتاء على وفقه و الالتزام بأنّ مؤدّاه حكم اللّه تعالى في حقّه و حقّ غيره، هو نفس البدعة و من مصاديقها، فبضم الثاني إلى الأوّل يتشكّل قياس منطقي ينتج حرمة العمل بالظن الّذي لم يقم الدليل القطعي على حجّيته، فتكون صورة القياس كالتالي:

50

العمل بالظن الّذي لم يقم على حجّيته دليل شرعي بدعة في الدين.

البدعة في الدين حرام بالاتّفاق.

فتكون النتيجة:

العمل بالظن الّذي لم يقم على حجّيته دليل شرعي حرام بالاتّفاق.

و على ضوء هذا تقول الإمامية بأنّ الضابطة الكلّية في العمل بكلّ ما لم يقم دليل على حجّيته، سواء أ كان مفيدا للظن أو لا، هي المنع لكونه تشريعا قوليا و بدعة فعلية و عملية، و تقوّلا على اللّه بغير علم.

نعم لو قام الدليل القطعي على حجّية ظن مثلا في مورد أو موارد يؤخذ بهذا الظن بحكم الشرع، لأنّه يكون العمل عندئذ بإذن الشارع و أمره فيخرج عن الضابطة الكلية: «العمل بالظن الّذي لم يقم دليل شرعي على حجيته: بدعة».

الأمر الثاني: ذهب جمهور الإمامية إلى خروج عدّة من الظنون عن الضابطة خروجا عن الموضوع لا خروجا عن الحكم، و هي الظنون الّتي قام الدليل على حجّيتها، و لأجل ذلك توصف بالظنون العلمية، أي إنها ظنون و لكن دلّ الدليل العلمي على جواز العمل بها و هي عبارة عن:

1. خبر الواحد إذا أخبر عن حسّ.

2. حجّية الظواهر على القول بأنّها ظنّية الدلالة.

3. الإجماع المنقول- بخبر الواحد- في مقابل الإجماع المحصّل- إذا كشف نقل الإجماع عن وجود دليل معتبر عن المجمعين إلى غير ذلك.

هذا هو رأي جمهور الإمامية، نعم قد خالف في حجية خبر الواحد قليل‏

51

من المتقدّمين كالسيد المرتضى و القاضي ابن البرّاج و أمين الإسلام الطبرسي و ابن إدريس الحلي رضي اللّه عنهم.

ثمّ إنّ القائلين بالحجية ألّفوا في ذلك المجال كتبا و رسائل أجابوا فيها عن شبهات النافين، شأن كلّ مسألة نظرية لا تخلو من مخالف.

هذا إجمال الكلام حول حجّية خبر الواحد الّذي عليه بناء العقلاء، و عليه تدور رحى حياتهم و معاشهم بالشروط المذكورة في محلها.

و أمّا القياس فقد رفضه علماء الإمامية عن بكرة أبيهم إذا كان مستنبط العلّة، لأجل أنّ القياس مفيد للظن، و الضابطة الكلّية في الظن حرمة العمل به ما لم يقم دليل على حجّيته.

ثم إنّهم استثنوا من حرمة العمل بالقياس موارد أبرزها ما يلي:

1. إذا كانت العلة منصوصة من جانب الشرع كأن يقول الخمر حرام لكونه مسكرا، فيحكم بحرمة كلّ مسكر.

قالوا: إنّ ذلك في الحقيقة ليس عملا بالقياس و إنّما هو عمل بالسنّة، أي عموم العلّة كما لا يخفى.

2. القياس الأولويّ، فإذا قال الشارع: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ (1) يفهم منه حرمة الشتم و الضرب بطريق أولى، لحصول القطع و العلم بالحكم.

ثم إنّ رفض الإمامية العمل بالقياس في مجال مستنبط العلة، لأجل أنّ استخراج علّة الحكم بالسبر و التقسيم مظنة للاشتباه، و ذلك بالبيان التالي:

____________

(1). الاسراء: 23.

52

أوّلا: نحتمل أن يكون الحكم في الأصل معللا عند اللّه بعلّة أخرى غير ما ظنّه القائس، مثل كونه صغيرا أو قاصر العقل، في قوله: «لا يزوّج البكر الصغير إلّا وليّها» حيث ألحق بها أصحاب القياس الثّيب الصغيرة، بل المجنونة و المعتوهة، و ذلك بتخريج المناط و انّه هو قصور العقل و ليس للبكارة مدخلية في الحكم، فهل يمكن ادّعاء القطع بذلك، و قد قال سبحانه: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا؟! (1)

إنّ الإنسان لم يزل في عالم الحسّ تنكشف له أخطاؤه، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام و مناطاتها المستورة عن العقل إلّا في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء و البغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ و أمّا ما يرجع إلى العبادات و المعاملات خصوصا فيما يرجع إلى أبواب الحدود و الديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية و إن كان يظن شيئا.

قال ابن حزم: و إن كانت العلّة غير منصوص عليها، فمن أيّ طريق تعرف و لم يوجد من الشارع نصّ يبيّن طريق تعرّفها؟ و ترك هذا من غير دليل يعرّف العلّة، ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا أنّ القياس ليس أصلا معتبرا، و إمّا أنّه أصل عند اللّه معتبر و لكن أصل لا بيان له و ذلك يؤدي إلى التلبيس، و تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، فلم يبق إلّا نفي القياس.

ثانيا: لو افترضنا أنّ القائس أصاب في أصل التعليل، و لكن من أين يعلم‏

____________

(1). الإسراء: 85.

53

أنّها تمام العلّة، و لعلّها جزء العلّة و هناك جزء آخر منضم إليه في الواقع و لم يصل القائس إليه؟

ثالثا: احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئا أجنبيا إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه.

رابعا: احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم و قد غفل عنها القائس.

و لأجل وجود هذه الاحتمالات الّتي لا تنفك عن ذهن القائس، رفضت الإماميّة، العمل بالقياس إذا كان مستنبط العلّة.

التفريق بين الظنّيين لما ذا؟

إنّ الدكتور أحمد الريسوني- حفظه اللّه- قد أخذ على علماء الإمامية بموارد، قائلا: إنّهم يقولون بعدم حجّية الظن و مع ذلك يعملون به في الموارد التالية:

1. الخبر الواحد.

2. الظواهر.

3. المرجّحات الظنية عند التعارض.

4. الأصول العمليّة.

و إليك دراسة هذه الموارد من رؤية الدكتور و ما يمكن القول حولها، و نذكر كلامه ضمن مقاطع قال:

54

1. انّ الإمامية إذ يرفضون الأخذ بالقياس و الاستصلاح باعتبار أنّ إفادتهما ظنّية، فإنّهم يقبلون الظنّيات في كثير من أصولهم و قواعدهم، في مقدّمها أخذهم بأخبار الآحاد فإنّهم يسلّمون بكون أخبار الآحاد لا تسلم من الظنية و الاحتمال، و أذن الشرع استثناء في اعتبارها. و يكون الإجماع لديهم على حجّيتها. (1)

أقول: هذا ملخّص كلامه، و القارئ الكريم- بعد الاطّلاع على ما ذكرنا من الأمور- يقف على الفرق الواضح عندهم بين خبر الواحد العدل، و القياس، فإنّ الأخذ بالأوّل ليس بملاك إفادته الظن، بل لأجل قيام الدليل الشرعي على حجّيته، و لو كان الدليل قائما على حجّية القياس لأخذوا به.

و بعبارة أخرى: انّ خبر الواحد ممّا قام الدليل القطعي على حجّيته فصار ظنا علميا، أي ظنا بالذات و لكن ذو رصيد علمي، بخلاف القياس إذ لم يرد عندهم دليل يثبت حجّيته لو نقل بقيام الدليل على خلافه.

و لأجل أن يقف الأستاذ الكريم على الفوارق بين خبر الواحد و القياس نقترح عليه مراجعة كتابنا المعنون: «أصول الفقه المقارن فيما لا نص فيه».

2. و من المواطن الّتي أخذوا فيها بالظنيات أيضا قولهم بحجية الظواهر، أي أنّهم يعتمدون اعتمادا أساسيا على ما يفهم من ظواهر النصوص، و الظواهر كما هو معلوم لا تكاد تسلم من الظنية و الاحتمال‏ (2).

أقول: إنّ العمل بالظواهر ممّا أطبق العقلاء على العمل به، و لا نجد بينهم‏

____________

(1). الصفحة 94 من المجلة.

(2). الصفحة 95 من المجلة.