نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج3

- العلامة الحلي المزيد...
656 /
0

البحث السادس: في التناسب بين حكم الأصل و الفرع 612

الفصل الثالث: في طرق التعليل 614

البحث الأوّل: في إمكانه 614

البحث الثاني: في النصّ على العلّة 622

البحث الثالث: في الإيماء و التنبيه 626

فهرس المحتويات 641

7

الجزء الثالث‏

(مقدّمة المشرف: آية اللّه جعفر السبحاني‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

إجماع العترة الطاهرة يعدّ كتاب «نهاية الوصول إلى علم الأصول» موسوعة أصولية تتكفّل ببيان القواعد الأصولية الّتي يبتني عليها استنباط الأحكام الشرعية، و قد نهج مؤلفه (رحمه اللّه) في ترصيف هذا الكتاب المنهج المقارن، فلذلك نجده يعرض آراء الأصوليّين من مختلف المذاهب الإسلامية و يذكر أدلّتهم في مسألة واحدة ثم يقضي و يبرم و يخرج بالنتيجة المطلوبة، و قلّما تجد مثيلا لهذا الكتاب بين المؤلّفات الأصولية، إذ يسلك أغلب الأصوليّين منهجا خاصّا يوافق مذهب إمامه و متبنّياته.

و من المسائل الأصولية الهامّة الّتي وردت في هذا الجزء: مسألة الإجماع محصّله و منقوله و ما تبتني عليه حجّية الاتفاق، و قد أغرق المصنّف نزعا في التحقيق فلم يبق في القوس منزعا.

8

و من العناوين الطرّة في هذا الفصل الّتي ألفتت نظري هو إجماع العترة الّذي غفل عنه أكثر الأصوليين، إلّا نجم الدين الطوفي، فقد عدّه من مصادر التشريع الإسلامي في رسالته‏ (1).

و يا للعجب أنّ بعض الأصوليّين يعدّون إجماع أهل المدينة، بل إجماع أهل الكوفة و إجماع الخلفاء من مصادر التشريع، بل ربّما يعدّون ما هو أنزل من ذلك كقول الصحابي، و لكن لا يذكرون شيئا عن إجماع العترة الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا!!

و مع ذلك كلّه فقد اختصر المؤلّف الكلام في هذا البحث، على الرغم من ضرورة التفصيل فيه حتّى يتّضح الحق بأجلى صوره، و لذلك رأينا أن نذكر في تقديمنا هذا شيئا ممّا يرجع إلى حجّية أقوال العترة الطاهرة فضلا عن إجماعهم، و ذلك بالبيان التالي:

إجماع العترة (2)

كلّ من كتب في تاريخ الفقه الإسلامي و تعرض لمنابع الفقه و الأحكام غفل عن ذكر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و حجّية أقوالهم فضلا عن حجّية اتّفاقهم، و ذلك بعين اللّه بخس لحقوقهم، و حيث إنّ المقام يقتضي الاختصار نستعرض المهم من الأدلّة الدالّة على حجّية أقوالهم فضلا عن اتّفاقهم على‏

____________

(1). رسالة الطوفي كما في كتاب: «مصادر التشريع الإسلامي» لعبد الوهاب خلّاف: 109.

(2). و هو نفس تعبير الطوفي في رسالته، و إلّا فالحجّة عندنا قول أحد العترة فضلا عن إجماعهم.

9

حكم من الأحكام، كقوله سبحانه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).

و الاستدلال بالآية على عصمة أهل البيت، و بالتالي حجّية أقوالهم رهن أمور:

الأوّل: الإرادة في الآية إرادة تكوينية لا تشريعية، و الفرق بين الإرادتين واضحة، فإنّ إرادة التطهير بصورة التقنين تعلّقت بعامّة المكلّفين من غير اختصاص بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، كما قال سبحانه: وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ‏ (2).

فلو كانت الإرادة المشار إليها في الآية إرادة تشريعية لما كان للتخصيص و الحصر وجه مع أنّا نجد فيها تخصيصا بوجوه خمسة:

أ. بدأ قوله سبحانه بالأداة إِنَّما المفيدة للحصر.

ب. قدّم الظرف‏ عَنْكُمُ‏ و قال: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏ و لم يقل ليذهب الرجس عنكم، لأجل التخصيص.

ج. بيّن من تعلّقت إرادته بتطهيرهم بصيغة الاختصاص، و قال: أَهْلَ الْبَيْتِ‏ أي أخصّكم.

د. أكّد المطلوب بتكرير الفعل، و قال: وَ يُطَهِّرَكُمْ‏ تأكيدا لقوله:

لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ.

____________

(1). الأحزاب: 33.

(2). المائدة: 6.

10

ه. أرفقه بالمفعول المطلق، و قال: تَطْهِيراً.

كلّ ذلك يؤكد أنّ الإرادة الّتي تعلّقت بتطهير أهل البيت غير الإرادة الّتي تعلّقت بعامّة المكلّفين.

و نرى مثل هذا التخصيص في خطابه لمريم البتول قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى‏ نِساءِ الْعالَمِينَ‏ (1).

الثاني: المراد من الرجس كلّ قذارة باطنية و نفسية، كالشرك، و النفاق، و فقد الإيمان، و مساوئ الأخلاق، و الصفات السيئة، و الأفعال القبيحة الّتي يجمعها الكفر و النفاق و العصيان، فالرجس بهذا المعنى أذهبه اللّه عن أهل البيت، و لا شكّ انّ المنزّه عن الرجس بهذا المعنى يكون معصوما من الذنب بإرادة منه سبحانه، كيف و قد ربّاهم اللّه سبحانه و جعلهم هداة للأمّة كما بعث أنبياءه و رسله لتلك الغاية.

الثالث: المراد من أهل البيت هو: علي و فاطمة و أولادهما، لأنّ أهل البيت و إن كان يطلق على النساء و الزوجات بلا شك، كقوله سبحانه:

أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ‏ (2)، و لكن دلّ الدليل القاطع على أنّ المراد في الآية غير نساء النبي و أزواجه، و ذلك بوجهين:

أ. نجد أنّه سبحانه عند ما يتحدّث عن أزواج النبي يذكرهنّ بصيغة

____________

(1). آل عمران: 42.

(2). هود: 73.

11

جمع المؤنث و لا يذكرهنّ بصيغة الجمع المذكر، فإنّه سبحانه أتى في تلك السورة (الأحزاب) من الآية 28- 34 باثنين و عشرين ضميرا مؤنثا مخاطبا بها نساء النبي، و هي كما يلي:

1. كُنْتُنَّ، 2. تُرِدْنَ، 3. فَتَعالَيْنَ، 4. أُمَتِّعْكُنَّ، 5. أُسَرِّحْكُنَّ. (1)

6. كُنْتُنَّ، 7. تُرِدْنَ، 8. مِنْكُنَّ. (2)

9. مِنْكُنَّ. (3)

10. مِنْكُنَّ. (4)

11. لَسْتُنَّ، 12. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، 13. فَلا تَخْضَعْنَ، 14. قُلْنَ. (5)

15. قَرْنٍ، 16. فِي بُيُوتِكُنَّ، 17. تَبَرَّجْنَ، 18. أَقِمْنَ، 19. آتِينَ، 20.

أَطِعْنَ اللَّهَ. (6)

21. اذْكُرْنَ، 22. فِي بُيُوتِكُنَّ. (7)

و في الوقت نفسه عند ما يذكر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في آخر الآية 33 يأتي بضمائر مذكّرة و يقول: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ، فإنّ هذا العدول دليل على أنّ الذكر الحكيم انتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أي من نساء النبي إلى أهل بيته، فلا بدّ أن يكون المراد منه غير نسائه.

____________

(1). الأحزاب: 28.

(2). الأحزاب: 29.

(3). الأحزاب: 30.

(4). الأحزاب: 31.

(5). الأحزاب: 32.

(6). الأحزاب: 33.

(7). الأحزاب: 34.

12

ب. أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أماط الستر عن وجه الحقيقة، فقد صرّح بأسماء من نزلت الآية بحقّهم حتّى يتعيّن المنظور منه باسمه و رسمه و لم يكتف بذلك، بل أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء و منع من دخول غيرهم.

و لم يقتصر على هذين الأمرين (ذكر الأسماء و جعل الجميع تحت كساء واحد) بل كان كلّما يمرّ ببيت فاطمة (عليها السلام) إلى ثمانية أشهر يقول:

الصلاة، أهل البيت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و قد تضافرت الروايات على ذلك، و لو لا خوف الإطناب لأتينا بكلّ ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لكن نذكر من كلّ طائفة أنموذجا:

أمّا الطائفة الأولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نزلت الآية في خمسة: فيّ و في علي رضى اللّه عنه و حسن رضى اللّه عنه، و حسين رضى اللّه عنه، و فاطمة رضي اللّه عنها، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً الحديث‏ (1).

و أمّا الطائفة الثانية: فقد روى السيوطي و أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و مسلم و ابن جرير و ابن أبي حاتم و الحاكم عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت:

خرج رسول اللّه غداة و عليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن و الحسين رضي اللّه عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال:

____________

(1). و لمن أراد المزيد فليرجع إلى تفسير الطبري و الدر المنثور للسيوطي في تفسير آية التطهير.

13

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و لو لم تذكر فاطمة في هذا الحديث، فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، قال: و اخرج ابن جرير و الحاكم و ابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول اللّه الوحي، فأدخل عليا و فاطمة و ابنيهما تحت ثوبه، قال: «اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي».

و في حديث آخر جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى فاطمة و معه حسن و حسين، و علي حتّى دخل، فأدنى عليا و فاطمة فأجلسهما بين يديه و أجلس حسنا و حسينا كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه، ثمّ تلا هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و أمّا الطائفة الثالثة: فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و الروايات تربو على أربع و ثلاثين رواية، رواها من عيون الصحابة:

أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الأسقع، أبو الحمراء- أعني: هلال بن حارث- و أمهات المؤمنين: عائشة و أمّ سلمة. (1)

____________

(1). و للوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ: صحيح مسلم: 7/ 122- 123؛ تفسير الطبري:

22/ 5- 7؛ الدر المنثور: 5/ 198- 199؛ جامع الأصول لابن الأثير: 10/ 103.

14

و بذلك تبيّنت حجية أقوال كلمات أهل البيت (عليهم السلام) في مجالي العقيدة و الشريعة لاعتصامهم بحبل اللّه تعالى، فإذا كان قول واحد منهم حجة فكيف هو حال إجماعهم؟

فما أصدق قول القائل:

فوال أناسا قولهم و كلامهم‏* * * روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري‏

رزقنا اللّه زيارتهم في الدنيا، و شفاعتهم في الآخرة.

عصمة أولي الأمر

دلت آية التطهير على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) كما عرفت آنفا و في الوقت نفسه دلّت آية الطاعة- بالإضافة إلى وجوب طاعتهم- على عصمة الرسول و أولي الأمر، أعني قوله سبحانه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (1).

و الاستدلال مبني على دعامتين:

1. إنّ اللّه سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر على وجه الإطلاق؛ أي في جميع الأزمنة و الأمكنة، و في جميع الحالات و الخصوصيات، و لم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم و نواهيهم بشي‏ء كما هو مقتضى الآية.

2. إنّ من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر

____________

(1). النساء: 59.

15

و العصيان: وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ (1) من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداء من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناه، أو يقومون به بعد صدور أمر و نهي من أولي الأمر.

فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب إطاعة أولي الأمر على وجه الإطلاق، و حرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتّصف أولوا الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق، بخصوصية ذاتية و عناية إلهية ربّانية، تصدّهم عن الأمر بالمعصية و النهي عن الطاعة. و ليس هذا إلّا عبارة أخرى عن كونهم معصومين، و إلّا فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط. فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة. و ممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره، و يطيب لي أن أذكر نصّه حتّى يمعن فيه أبناء جلدته و أتباع طريقته، قال:

إنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، و من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم و القطع لا بدّ و أن يكون معصوما عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ، و الخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر و النهي في الفعل الواحد بالاعتبار

____________

(1). الزمر: 7.

16

الواحد، و أنّه محال، فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، و ثبت أنّ كلّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعا أنّ أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بدّ و أن يكون معصوما (1).

بيد أنّ الرازي، و بعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه الفكرة الثابتة المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر، و لم يستثمر نتائج أفكاره، لا لسبب إلّا لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة، فأخذ يؤوّل الآية و يحملها على غير ما ابتدأه و عمد إلى إثباته، حيث استدرك قائلا بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليه، عاجزون عن استفادة الدين و العلم منه، فإذا كان الأمر كذلك، فالمراد ليس بعضا من أبعاض الأمّة، بل المراد هو أهل الحلّ و العقد من الأمّة.

إلّا أنّ ادّعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القويّة التي لا خفاء عليها، و في دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه، فإنّه إذا دلّت الآية على عصمة أولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم، و ادّعاء العجز هروب من الحقيقة، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ لا أظنّ أن يقول الرازي بالثاني. فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عصر نزول الآية، و بالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه،

____________

(1). مفاتيح الغيب (للرازي): 10/ 144.

17

حلقة بعد أخرى، و لا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أولي الأمر فإنّه من المنطقي و المعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛ إذ لا معنى أن يأمر اللّه سبحانه بإطاعة المعصوم، و لا يقوم بتعريفه.

إكمال: أهل السنّة و وجه حجّية الإجماع‏

قد حقّق المصنّف في ثنايا بحثه عن حجّية الإجماع، أنّ الإجماع بما هو هو ليس بحجّية شرعية و ليس من أدلّة التشريع، و إنّما هو حجّة لأجل كشفه عن دليل شرعي يعدّ حجّة في المسألة.

و أمّا الإجماع عند أهل السنّة فهو من أدلّة التشريع و يعدّ حجّة في عرض الكتاب و السنّة، و هذا لا يعني تقابله معهما، بل بمعنى أنّ كلّ واحد حجّة في مضمونه و محتواه، و ذلك بالبيان التالي:

إذا اتّفق المجتهدون من أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في عصر من العصور على حكم شرعي، يكون المجمع عليه حكما شرعيا واقعيا عند أهل السنّة و لا تجوز مخالفته، و ليس معنى ذلك أنّ إجماعهم على حكم من تلقاء أنفسهم يجعله حكما شرعيا، بل يجب أن يكون إجماعهم مستندا إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي، كالخبر الواحد و المصالح المرسلة و القياس و الاستحسان.

18

فلو كان المستند دليلا قطعيا من قرآن أو سنّة متواترة يكون الإجماع مؤيدا و معاضدا له؛ و لو كان دليلا ظنّيا كما مثلناه، فيرتقي الحكم حينئذ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع و اليقين.

و مثله ما إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتّفاق على حكم شرعي استنادا إلى ذلك الدليل يجعله حكما شرعيا قطعيا، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس بالصلاة كي لا تفوتهم، حتّى صار الأذان الآخر عملا شرعيا إلهيا و إن لم ينزل به الوحي‏ (1).

فلو صحّ ذلك فقد أعطى سبحانه للإجماع و اتّفاق الأمّة منزلة كبيرة على وجه إذا اتّفقوا على أمر، يصبح المجمع عليه حكما شرعيا قطعيا كالحكم الوارد في القرآن و السنّة النبويّة، و يكون من مصادر التشريع.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان الإجماع بما هو هو من أدلّة التشريع و أنّ الدليل الظني ببركة الإجماع يرتقي إلى مرتبة القطع و اليقين و يكون حجّة في عرض سائر الحجج، فمعنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي لم يختتم بعد رحيل الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنّ هناك نبوة بعد نبوّته، و هو على خلاف ما اتّفق المسلمون عليه من إغلاق باب الوحي و التشريع و اختتام النبوة، فلا محيص عن القول إلّا بالرجوع إلى ما عليه الشيعة الإمامية من أنّ الإجماع كاشف عن الدليل الصادر عن الصادع بالحق (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما أنّ حجّية العقل في‏

____________

(1). الوجيز في أصول الفقه لابن وهبة: 49.

19

مجالات التشريع من هذه المقولة فليس العقل مشرعا و إنّما هو كاشف عن الحكم الإلهي في موارد خاصة.

هذه خلاصة القول في المقام و التفصيل يطلب من موسوعاتنا الأصولية.

خبر مؤسف‏

يعزّ علينا أن نكتب هذا التقديم و نحن نفتقد علما من أعلام التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ألا و هو العلّامة الشيخ إبراهيم البهادري تغمده اللّه برحمته الواسعة الّذي لبّى دعوة ربّه في خامس شهر شعبان المعظم من شهور عام 1426 ه، و قد شيّع جثمانه الطاهر في موكب مهيب و دفن في مدينة قم المقدسة.

و الشيخ البهادري (رحمه اللّه) بكلمة قصيرة كان رجلا زاهدا دءوبا في العمل لا يبتغي إلّا مرضاة اللّه تعالى، فهو من أبرز مصاديق ما قاله العلّامة الكبير السيد هبة الدين الشهرستاني: إن الناشر (و المحقّق) لصحائف العلماء الأمناء، يؤمّن لقومه الحياة الطيبة أكثر ممّن ينوّرون الطرق في الظلماء، و [يمهدون السبيل‏] إلى الماء. (1)

كرّس المغفور له عمره في تحقيق تراث أهل البيت (عليهم السلام) و نشر علومهم، مدة من عمره تناهز ربع قرن.

____________

(1). مجلة المرشد: 1/ 78، ط. بغداد.

20

و قد قام بتحقيق كتب قيّمة نذكر منها: «تحرير الأحكام» للعلّامة الحلّي في ستة أجزاء، و «الاحتجاج» للطبرسي في جزءين، و «معالم الدين في فقه آل ياسين» لابن قطّان الحلّي في جزءين، و «غنية النزوع إلى علمي الأصول و الفروع» لابن زهرة الحلبي في جزءين، و «إصباح الشيعة» للكيدري، و غيرها.

و من أبرز ما حقّقه في أواخر عمره الجزء الأوّل و الثاني و بداية الجزء الثالث من هذه الموسوعة الأصولية.

فسلام اللّه عليه يوم ولد، و يوم مات و يوم يبعث حيّا.

شكر و تقدير

و قد أنيطت مهمة إتمام هذا المشروع إلى لجنة التحقيق في المؤسسة المتمثّلة بالمحقّقين الأفاضل:

1. السيد عبد الكريم الموسوي.

2. الشيخ خضر ذو الفقاري.

3. الحاج محمد عبد الكريم بيت الشيخ.

فقام الأفاضل- وفّقهم اللّه- بتحقيق الكتاب على أكمل وجه و بجميع مراحله من مقابلة النسخ الخطية، و تقويم نص الكتاب و ضبطه، و مراجعة النصوص مع مصادرها الأصلية، و تخريج الأحاديث من كتب الفريقين،

21

و إعراب الآيات و تخريجها، و تصحيح الكتاب بدقّة حتّى ظهر بهذا الشكل اللائق، فشكر اللّه سعيهم و وفّقهم للمزيد من البذل و العطاء و خدمة الإسلام.

و الحمد للّه رب العالمين‏

جعفر السبحاني مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) قم المقدسة- إيران 25 من صفر المظفر 1427 ه

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

[تتمة المقصد الثامن: في النسخ‏]

الفصل الثالث: في المنسوخ‏

و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في النسخ قبل الفعل‏

نسخ الشي‏ء قبل فعله ضربان:

الأوّل: نسخه بعد انقضاء وقته، و لا خلاف في جوازه، لأنّ مثل الفعل يجوز أن يصير مفسدة في المستقبل، و مصلحة في الحال، فيأمر بفعله في الحال، ثمّ ينهى عنه في المستقبل.

و لا فرق بين المطيع و العاصي في حسن توجّه الأمر و النهي معا إليهما، فإنّه قد يحسن أن يأمر بالفعل من يعصيه، كما يحسن أن يأمر من يطيعه.

و إذا كان لو أمره فأطاع، لجاز النسخ إجماعا، فكذا إذا أمره فعصى، لأنّ بالطّاعة و المعصية لا يتغيّر حسن النسخ التابع لتعريف المصالح في المستقبل.

24

و أيضا، فقد بيّنا أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع، فالنسخ قد يتناولهم و إن عصوا بالترك، و إذا جاز ذلك فيهم، جاز في غيرهم.

الثاني: نسخه قبل حضور وقته، أو نقضه، و قد اختلف الناس في ذلك:

فمنعه المعتزلة و بعض أصحاب أبي حنيفة، و أبو بكر الصيرفي من الشافعية.

و ذهب الأشاعرة و أكثر الشافعية إلى جوازه.

و الحق الأوّل لوجوه:

الأوّل: لو جاز ذلك لزم كون الشخص الواحد مأمورا به، منهيّا عنه عن فعل واحد في وقت واحد على وجه واحد، و التالي محال، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ المسألة مفروضة فيه، فإنّه لمّا أمره غدوة بصلاة ركعتين عند الغروب، ثمّ نهاه وقت الظهر عن صلاة ركعتين عند الغروب، فقد تعلّق الأمر و النهي بشي‏ء واحد في وقت واحد من وجه واحد (1) و مكلّف واحد و مكلّف واحد، حتّى لو اختلّ شرط منها لم تكن صورة النزاع.

و لأنّ قوله: صلّ عند الغروب ركعتين، موضوع للأمر بالصلاة في ذلك الوقت لا غير، لغة و شرعا، و قوله: لا تصلّ عند الغروب ركعتين، موضوع للنهي عنها في ذلك الوقت لغة و شرعا.

و لأنّ النّهي لو تعلّق بغير ما تعلّق به الأمر، فإن كان المنهيّ عنه أمرا،

____________

(1). في «ب» و «ج»: من جهة واحدة.

25

يلزم من الانتهاء عنه وقوع الخلل في متعلّق الأمر، فيكون المتأخّر رافعا للمتقدّم استلزاما، فيتوارد الأمر و النهي على شي‏ء واحد في وقت واحد من وجه واحد.

و إن لم يلزم، لم يكن صورة النزاع.

و لأنّا أجمعنا على أنّ الأمر بالشي‏ء يجامع النّهي عن غيره، إذا لم يلزم من الانتهاء عنه الإخلال بالمأمور به.

و بيان بطلان التالي: أنّ متعلّق الأمر إن كان حسنا، استلزم النهي عنه القبيح أو الجهل، أو الحاجة، و إن كان قبيحا، استلزم الأمر به أحدها، و اللوازم ممتنعة في حقّه تعالى.

الثاني: إذا أمر بالفعل في وقت معيّن، ثمّ نهى عنه، فقد بان أنّه لم يرد إيقاعه، و يكون قد أمر بما لم يرده، و لو جاز ذلك، لم يبق لنا وثوق بأقوال الشارع، لجواز أن يكون المراد بذلك القول ضدّ ما هو دالّ على إرادته، و هو محال.

الثالث: أنّه يفضي إلى أن يكون الفعل الواحد مأمورا به منهيّا عنه، و الأمر و النهي عند المجوّزين كلامه تعالى، و كلامه صفة واحدة، فيكون الكلام الواحد أمرا و نهيا بشي‏ء واحد في وقت واحد، و هو محال.

اعترضوا (1) على الأوّل: بأنّه مبنيّ على الحسن و القبح العقليّين، و هو ممنوع.

____________

(1). من المعترضين الآمدي في الإحكام: 3/ 91، و الرازي في محصوله: 1/ 544- 545.

26

لا يقال: إن لم يكن حسنا و لا قبيحا، فإمّا أن يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة، و يلزم الأمر بالمفسدة، و النهي عن المصلحة.

لأنّا نقول: إنّه مبنيّ على رعاية الحكمة، في أفعاله تعالى، و نحن لا نقول به، بل يجوز أن يكون الأمر و النهي لا لمصلحة و لا لمفسدة و إن سلّم عدم خلوّه من المصلحة و المفسدة، لكن لا نسلّم أنّه يلزم منه الأمر بالمفسدة و النهي عن المصلحة، بل جاز أن يقال: إنّه مشتمل على المصلحة حالة الأمر، و مشتمل على المفسدة حالة النّهي، و لا مفسدة حالة الأمر، و لا مصلحة حالة النّهي.

و أيضا لو سلّم الحسن و القبح، لكن كما يحسن الأمر و النهي لحكمة تنشأ من المأمور به و المنهيّ عنه، فقد يحسنان أيضا لحكمة تتولّد من نفس الأمر و النهي، فإنّ السيّد قد يقول لعبده: اذهب إلى القرية غدا راجلا، و غرضه حصول الرّياضة في الحال، و عزمه على أداء ذلك الفعل، و توطين النفس عليه، مع علمه بأنّه يسقط عنه غدا.

و الأمر بالفعل إنّما يحسن إذا كان كلّ من المأمور به، و الأمر منشأ المصلحة، فلو كان المأمور به منشأ المصلحة دون الأمر أو بالعكس، لم يكن الأمر به حسنا، فالآمر لما أمر كان كلّ منهما (1) منشأ المصلحة، فحسن منه الأمر.

____________

(1). الضمير يرجع إلى المأمور به و نفس الأمر.

27

و في الوقت الثاني بقي المأمور به على حالة منشأ المصلحة، و لم يبق الأمر، فحسن النهي عنه.

لا يقال: لمّا بقي الفعل منشأ المصلحة كما كان، فالنهي عنه يكون منعا عن منشأ المصلحة، و هو غير جائز.

لأنّا نقول: يكفي في المنع من الشي‏ء اشتماله على جهة واحدة من جهات المفسدة، و هذا المأمور به و إن بقي منشأ المصلحة، لكنّ الأمر به لمّا صار منشأ المفسدة، كان الأمر به قبيحا، نظرا إلى نفس الأمر، و إن كان حسنا، نظرا إلى المأمور به، و ذلك كاف في قبحه.

و أيضا، نمنع اتّحاد متعلّق الأمر و النهي، فإنّه جائز أن يتناول النهي مثل الفعل الّذي تناوله الأمر الأوّل، أو أنّ الأمر تناول اعتقاد وجوب الفعل أو العزم عليه، و النهي تناول الفعل أو أنّ لهذه الصلاة في هذا الوقت المخصوص وجهين، يقع على كلّ منهما، فإذا وقعت على أحدهما كانت واجبة، و إذا وقعت على الآخر، كانت قبيحة، فالأمر تناولها على وجه الحسن، و النهي تناولها على وجه القبح.

ثمّ اختلفوا في كيفيّة اختلاف الوجهين، فقال قوم: هو مأمور بشرط بقاء الأمر، منهيّ عنه عند زواله، و هما حالتان مختلفتان.

و قال آخرون: إنّه مأمور بالفعل بشرط أن يختاره، و يعزم عليه، و ينهى عنه إذا علم عدم اختياره، و جعلوا حصول ذلك في علم اللّه تعالى بشرط هذا النسخ.

28

و قال آخرون: يأمر بشرط كونه مصلحة، و إنّما يكون مصلحة مع دوام الأمر، أمّا بعد النهي فيخرج عنها.

و قال قوم: إنّما يأمر في وقت يكون الأمر مصلحة، ثمّ يتغيّر الحال، فيصير النهي مصلحة، و إنّما يأمر اللّه تعالى به مع علمه بأنّ الحال ستتغيّر ليعزم المكلّف على فعله إن بقيت المصلحة في الفعل، و الكلّ متقارب.

و على الثاني: بأنّ الأمر ليس من شرطه إرادة المأمور به و عدم الوثوق بأقوال الشارع إن أرادوا به أنّه إذا خاطب بما يحتمل التأويل أنّا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه، فمسلّم، و لكن نمنع امتناعه، فإنّه أوّل المسألة.

و إن أرادوا به أنّه لا يمكن الاعتماد على ظاهره، مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدة، فغير مسلّم، و غير ذلك، ليس بمتصوّر.

و على الثالث: أنّه يلزم كون الفعل الواحد في وقت واحد مأمورا منهيّا معا، أو لا معا، الأوّل ممنوع و الثاني مسلّم.

و نمنع وحدة كلامه [تعالى‏] على مذهب عبد اللّه بن سعيد. و على مذهب أبي الحسن الأشعري نمنع إحالته.

قولهم: يلزم [منه‏] أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا.

قلنا: إنّما تسمّى الصفة الواحدة بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلّقاتها و متعلّقاتها، فإن تعلّقت بالفعل سمّيت أمرا، و إن تعلّقت بالنّهي سمّيت نهيا، و ذلك إنّما يمتنع إذا اتّحد زمان التعلّق بالفعل و الترك، أمّا مع اختلافه فلا،

29

و المأمور و المنهيّ و إن كان زمانه متّحدا، لكنّ زمان تعلّق الأمر به غير زمان تعلّق النهي به، و مع التغاير فلا امتناع.

و الجواب: قد تقدّم إثبات الحسن و القبح العقليّين، و حكمته تعالى قد أثبتناها في كتبنا الكلاميّة، و لو لا هذان المقامان انتفت الشرائع بالكلّية، و بقاء الأمر و انتفاء النهي لا يكونان وجها في قبح الفعل و لا حسنه، و لا يؤثّران في وقوعه على وجه يقتضي مصلحة أو مفسدة، فإنّ الفعل لا يحسن بالأمر و لا يقبح بالنهي، و لا تأثير لهما في الوجوه الّتي يقع عليها.

قوله: قد يكون المأمور به منشأ المصلحة دون الأمر، فيحسن النهي بعد الأمر عند كونهما معا منشأ المصلحة.

قلنا: قد بيّنا أنّ الأمر و النهي لا مدخل لهما في وجوه الأفعال من حسن و قبح، و لا تأثير لهما في الوجوه الّتي يقع عليها.

لا يقال: انّهما و ان لم يقتضيا قبح فعل و لا حسنه، و لم يؤثّرا في وجه يقع الفعل عليه، لكنّهما دليلان على وجهي الحسن و القبح، و إذا دلّا، فلا بدّ من ثبوت وجه يقتضي أحدهما، لأنّ الدلالة إنّما تدلّ على صحّته، فلا استبعاد في أن يأمر اللّه تعالى بالصلاة وقت الغروب، و تكون الصلاة واجبة في ذلك الوقت متى استمرّ حكم الأمر بها، و ان لم يرد نهي عنها، و إن ورد النهي يغيّر حالها، فإذا أمر بالصلاة اعتقد وجوبها عليه، متى لم ينه عنها، فإذا ورد النهي اعتقد قبحها، و يكون الغرض في هذا التكليف مصلحة المكلّف، كأنّا نقدّر أنّه تعالى علم أنّه إن كلّفه على هذا الوجه، كان مصلحة له، في واجب عليه يفعله أو قبيح يجتنبه.

30

لأنّا نقول: هذه الصلاة المأمور بها، إن كان فعلها في هذا الوقت مصلحة في الدين، لم يتغيّر حالها بورود النهي، و يجب قبح النهي المتناول لها، و إن كانت مفسدة في نفسها، لم يتغيّر حالها بتناول الأمر أو استمراره، فيجب قبحها و قبح الأمر المتناول.

قوله: نمنع الاتّحاد لتعلّق النهي بمثل ما تعلّق بالأمر، لا بعينه.

قلنا: إنّه باطل من وجوه:

الأوّل: غير محلّ النزاع، إذ المسألة مفروضة في النسخ الّذي هو رفع، و ليس هنا رفع حينئذ.

الثاني: المكلّف لا يميّز بين فعله المثلين في وقت واحد، فتكليف فعل أحدهما بعينه، و تجنّب الآخر المنهيّ عنه بعينه، مع أنّهما لا يتميّزان، تكليف بما لا يطاق.

الثالث: يمتنع أن يكون أحدهما مصلحة و الآخر مفسدة، لتماثلهما، و اتّحاد وقتهما و متعلّقهما.

قوله: الأمر يتعلّق بالاعتقاد أو العزم.

قلنا: هذا باطل من وجوه:

الأوّل: العزم و الاعتقاد مغايران‏ (1) للصلاة، و لا يعبّر عنهما بها، و الأمر

____________

(1). في «أ»: متغايران.

31

ورد بالصّلاة، فلا يتناولهما لغة و لا شرعا، لا حقيقة و لا مجازا.

الثاني: لو كان اسم الصلاة عبارة عنهما شرعا، لما تأخّر بيانه عن وقت الخطاب، و ذلك يخرج البحث عن مسألة النسخ إلى مسألة تأخير البيان.

الثالث: لا بدّ في الأمر بالاعتقاد أو العزم من فائدة، و لا فائدة مع عدم وجوب الفعل الّذي تعلّقا به.

لا يقال: الفائدة اختبار المكلّف.

لأنّا نقول: حقيقة الاختبار إنّما تجوز على من لا يعرف العاقبة (1) دون من يعلمها. (2)

و فيه نظر، فإنّ العلم تابع.

الرابع: لا يحسن إيجاب العزم و الاعتقاد على الإطلاق، و الفعل غير واجب، لقبح اعتقاد وجوب ما ليس بواجب.

لا يقال: أمر [المكلّف‏] بالعزم على الفعل بشرط كونه واجبا.

لأنّا نقول: لا حاجة إلى هذا التمحّل‏ (3) فإنّه يمكنكم أن تقولوا: «أمر بالفعل بشرط كونه واجبا» و لا تضمروا العزم الّذي ليس بمذكور. (4)

و فيه نظر، للفرق بين: «أمرتك بالعزم بشرط كون الفعل واجبا» و بين:

____________

(1). في «أ»: الغاية.

(2). الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1/ 377.

(3). في «أ»: التحمّل.

(4). الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1/ 377.

32

«أوجبت عليك الفعل بشرط كونه واجبا».

الخامس: ليس القول بأنّه أمر بالعزم على الصلاة بشرط كونها واجبة، و يتوصّل إلى ذلك بظاهر النهي، بأولى من القول بأنّه نهى عن إرادة الفعل المأمور به بشرط كونه قبيحا، لا يتجدّد به أمر آخر، و يجوز ورود أمر آخر و يتوصّل‏ (1) إلى ذلك بظاهر الأمر.

قوله: يجوز أن يكون للفعل وجهان، يؤمر به باعتبار أحدهما، و ينهى عنه باعتبار الآخر.

قلنا: هذا باطل، أمّا أوّلا فلأنّه غير محلّ النزاع، إذ النّزاع في فعل اتّحد الوجه فيه، و الوقت و جميع الأمور المعتبرة فيه.

و أمّا ثانيا، فلأنّه لا نسخ حينئذ، إذ المأمور به و المنهيّ عنه باقيان على حدّ التكليف، لم يرتفع أحدهما، و التمحّلات‏ (2) الّتي ذكروها في وجه التغاير باطلة، فإنّ الشرط ما يتصوّر أن يوجد و أن لا يوجد، و ما لا بدّ منه لا معنى لشرطيّته، و المأمور به لا يقع مأمورا إلّا عند دوام الأمر، و عدم النهي، فكيف يحسن أن يقول: «آمرك بشرط أن لا أنهاك»؟ فكأنّه قال: آمرك بشرط أن آمرك، و بشرط أن يتعلّق الأمر بالمأمور، و بشرط كون الفعل المأمور به حادثا، [أ] و عرضا، و غير ذلك ممّا لا بدّ منه، و هذا لا يصلح للشرطيّة.

و لأنّه تعالى يستحيل أن يأمر بشرط أن لا ينهى عنه، لأنّه تعالى عالم‏

____________

(1). في «أ» و «ج»: و يجوّزوا ورود أمر آخر و يتوصّلوا.

(2). في «أ»: و المحتملات.

33

بأنّ هذا الشرط لا يحصل، فلا يأمر به، و الأمر بشرط إنّما يحصل ممّن لا يعرف العواقب.

قال الغزالي: و العجب من إنكار المعتزلة ثبوت الأمر بالشرط، مع أنّهم جوّزوا الوعيد (1) منه تعالى بشرط، فوعد على الطاعة [ثوابا] بشرط عدم ما يحبطها من الفسق و الردة، و على المعصية العقاب، بشرط خلوّها عمّا يكفّرها من التوبة. (2)

و فيه نظر، للفرق بين «آمرك بشرط أن لا أنهاك» و هو عالم بالعاقبة، و بين: «أثيبك إن أطعت و أعاقبك إن عصيت» لوقوع الثاني خبرا عن فعله، بخلاف الأوّل.

و لأنّ النهي‏ (3) ليس بوجه يقع عليه الفعل.

احتجّ المجوّزون بوجوه:

الأوّل: أنّه تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل، ثمّ نسخه قبل الفعل.

الثاني: قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ‏ (4) دلّ على أنّه يمحو كلّ ما يشاء محوه، على كلّ وجه، فيدخل محو العبادة قبل دخول وقتها.

____________

(1). في المصدر: الوعد.

(2). المستصفى: 1/ 218.

(3). في «ج»: عدم النهي.

(4). الرعد: 39.

34

الثالث: أنّه تعالى أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليلة الإسراء بخمسين صلاة، فأشار عليه موسى (عليه السلام) بالرجوع، و قال له: «أمّتك ضعفاء لا يطيقون ذلك فاستنقص اللّه ينقصك»، فسأل اللّه تعالى في ذلك فنسخ الخمسين على التدريج إلى أن بقي خمس صلوات‏ (1)، و ذلك نسخ قبل الفعل و قبل وقته.

الرابع: يجوز أن يأمر اللّه تعالى زيدا بفعل في الغد، و يمنعه منه بمانع عائق له منه قبل الغد، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع، و إذا جاز الأمر بشرط انتفاء المانع مع تعقّبه بالمنع، جاز الأمر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ مع تعقّبه بالنّسخ.

الخامس: أنّه تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي المناجاة قبل فعلها.

السادس: النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صالح قريشا يوم الحديبية على ردّ من هاجر إليه، (2) ثمّ نسخ ذلك قبل الردّ بقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (3).

السابع: وافقنا الخصم على أنّه تعالى لو أمر بالمواصلة في الصوم سنة، جاز أن ينسخه‏ (4) عنّا بعد شهر منها، و ذلك نسخ للصّوم فيما بقي من السّنة قبل حضور وقته.

____________

(1). صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة برقم 3207؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول اللّه برقم 162؛ جامع الأصول: 5/ 283 برقم 3237؛ بحار الأنوار: 18/ 330.

(2). أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب الصلح مع المشركين برقم 2700.

(3). الممتحنة: 10.

(4). في «أ» و «ج»: و أن ينسخه.

35

الثامن: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أحلّت لي مكّة ساعة من نهار». (1) و مع ذلك منع من القتال فيها، و هو نسخ قبل وقت الفعل.

التاسع: التكليف قبل وقت الفعل ثابت، فوجب جواز رفعه بالنسخ، كما جاز رفعه بالموت، لاشتراكهما في قطع تعلّق التكليف عن المكلّف.

العاشر: لو منع من النسخ قبل وقت الفعل لزم إبطال النسخ بالكلّية، فإنّ كلّ نسخ إنّما هو رفع الحكم قبل وجود وقته، لأنّ الفعل بعد الوقت و معه يمتنع‏ (2) نسخه، و إلّا لزم اجتماع النقيضين، فلم يبق النسخ واردا إلّا على الفعل قبل حضور وقته، و بالجملة فالنسخ إنّما يتحقّق فيما لم يفعل، و ما فعل كيف ينسخ؟

الحادي عشر: الطهارة انّما تجب لوجوب الصلاة، و مع ذلك فقد يمنع المكلّف بالموت عن الصلاة، و إن كان قد توضّأ، فأيّ فرق بين منعه بالموت و منعه بالنهي.

و الجواب عن الأوّل من وجوه: الأوّل: يمنع الأمر بالذبح، بل بمقدّماته، من الإضجاع، و أخذ المدية، مع الظنّ الغالب بالأمر بالذبح، و لهذا قال: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (3).

____________

(1). صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد برقم 1833؛ صحيح مسلم: 4/ 110، كتاب الحجّ برقم 1355؛ سنن النسائي: 5/ 211؛ سنن البيهقي: 5/ 177 و 195؛ مسند أحمد بن حنبل:

1/ 253.

(2). في «ج»: ممتنع.

(3). الصافات: 105.

36

و لو كان قد فعل بعض ما أمر به لقال: «قد صدّقت بعض الرؤيا».

لا يقال: قوله تعالى: إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى‏ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ (1) لا بدّ و أن يعود إلى شي‏ء، و المذكور الذبح، فوجب صرفه إليه، فكان مأمورا به.

و لأنّ قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ‏ (2) إشارة إلى الذبح، لعدم وصف مقدّماته بأنّها بلاء مبين.

و لقوله تعالى: وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ‏ (3)، و لو لا الأمر بالذّبح لما احتاج إلى الفداء.

لأنّا نقول: الرؤيا لا تدلّ على كونه مأمورا بذلك.

و قوله: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ يفيد [الأمر] في المستقبل، فلا ينصرف إلى ما مضى من رؤياه في المنام.

و إضجاع الابن، و أخذ المدية مع غلبة الظنّ بأنّه مأمور بالذبح بلاء عظيم.

و الفداء كان لما يتوقّعه من الذبح.

الثاني: يمنع أنّه نسخ عنه، لما روي أنّه كان كلّما قطع موضعا من الحلق، و تعدّى إلى غيره أوصل اللّه تعالى ما تقدّم قطعه.

____________

(1). الصافات: 102.

(2). الصافات: 106.

(3). الصافات: 107.

37

و يمنع اشتراط بطلان الحياة في حقيقة الذبح، بل هو قطع في مكان مخصوص مطلقا، فإنّه يقال: ذبح هذا الحيوان و لم يمت بعد.

و أيضا، روي أنّ اللّه تعالى جعل على عنقه صفيحة من حديد، فكان إذا أمرّ إبراهيم (عليه السلام) السّكّين لم يقطع شيئا من الحلق.

و لا يتمشّى على قواعد المعتزلة أنّه تكليف ما لا يطاق، إلّا إذا كان مأمورا بالإضجاع و إمرار السكّين على الحلق لا بالذّبح، فهو يرجع إلى الأوّل.

الثالث: قيل: إنّه منام لا أصل له، فلا يثبت به الأمر. (1)

و هو خطأ، فإنّ منام الأنبياء و حي معمول به، و أكثر وحي الأنبياء كان بالمنام، و قد نقل أنّ وحي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان بالمنام ستّة أشهر، و لهذا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«الرؤيا الصالحة جزء من ستّة و أربعين جزءا من النبوّة» (2)، و كانت نسبة ستّة أشهر من ثلاث و عشرين سنة من نبوّته كذلك.

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما احتلم نبيّ قطّ». (3) يعني ما تشكّل له الشيطان في المنام على الوجه الّذي يتشكّل لأهل الاحتلام.

و لأنّه لو كان خيالا لا وحيا، لم يجر لإبراهيم (عليه السلام) العزم على الذبح المحرّم بمجرّد منام لا أصل له، و لما سمّاه بلاء مبينا، و لما احتاج إلى الفداء.

____________

(1). لاحظ الإحكام: 3/ 87.

(2). مجمع الزوائد: 7/ 172، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة؛ مسند أحمد بن حنبل: 2/ 314.

(3). المعجم الكبير للطبراني: 11/ 180 برقم 11564؛ مجمع الزوائد: 1/ 267، باب الاحتلام.

38

الرابع: لا نسلّم أنّه نسخ الذبح قبل التمكّن من الامتثال، بل كان بعده، و الخلاف إنّما هو فيما قبل التمكّن لا بعده، و لا سبيل إلى بيان أنّه نسخ قبل التمكّن من الامتثال إلّا بعد بيان أنّ مطلق الأمر يقتضي الوجوب على الفور، أو أنّ وقت الأمر كان مضيّقا و (1) امتناع الصغائر على الأنبياء. (2)

و اعترض: بأنّ ذلك لا يمنع رفع تعلّق الوجوب بالمستقبل، لأنّ الأمر باق عليه، و هو المانع عندهم، و لأنّه لو كان موسّعا، لقضت العادة بتأخّره، رجاء نسخه، أو موته لكبر سنّه، و عظم هذا الأمر.

و فيه نظر، لأنّ الأنبياء (عليهم السلام) أسرع امتثالا من غيرهم إلى الأوامر، و الأمر و إن كان موسّعا، إلّا أنّ تقديمه أولى، و منزلة النبوّة تمنع من الإخلال بالأولويّة (و يمنع كون المانع تعلّق الأمر مطلقا، و إلّا امتنع النّسخ عند القائلين بالرّفع). (3)

و عن الثاني بوجوه: الأوّل: أنّها تدلّ على محو كلّ ما يشاء، و ليس فيها ما يدلّ على أنّه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها، مع كونه ممتنعا، فإن بيّن إمكان مشيئة ذلك بغير الآية، ففيه ترك الاستدلال بالآية.

الثاني: حقيقة المحو هي محو الكتابة، و المراد به محو ما يكتبه‏

____________

(1). أي مع امتناع الصغائر.

(2). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 88.

(3). ما بين القوسين يوجد في «ج».

39

الملكان من المباحات، و تبقية ما يشاء (1) من الطاعات و المعاصي.

الثالث: قيل: المراد به محو البلايا و النكبات بالصدقة، على معنى أنّه لولاها لنزل ذلك.

الرابع: روي أنّه تعالى يمحو من اللوح المحفوظ ما يشاء، و يثبت ما يشاء، لما يتعلّق بذلك من صلاح الملائكة. (2)

و عن الثالث بوجوه: الأوّل: أنّه خبر واحد فلا يقبل فيما يجب أن يعلم.

الثاني: الخبر يتضمّن ما يدفعه العقل، و فيه من الشّبه و الأباطيل ما يدلّ على فساده، لتضمّنه أنّ المصالح الدّينيّة تتعلّق بمشورة الخلق و إيثارهم.

الثالث: أنّه يقتضي نسخ شي‏ء قبل وقته، و قبل تمكّن المكلّف من العلم به، و علّة المخالف تقتضي منع ذلك، لأنّه يجوّز هذا النسخ على أن يكون الغرض في التعبّد بالمنسوخ العزم على أدائه، و الاعتقاد لوجوبه، و هذا لا يتمّ إلّا مع علم المكلّف بالتعبّد بالمنسوخ.

اعترض على الأوّل‏ (3): بأنّ المسألة اجتهاديّة، فجاز إثباتها بخبر الواحد.

____________

(1). و في النسخ الّتي بأيدينا: «ما أثبتنا» و الصحيح ما أوردناه في المتن.

(2). ذكره المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 440، و لم نعثر عليه في غير هذا الموضع.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 90.

40

و على الثاني و الثالث: بأنّه قد نسخ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد علمه.

سلّمنا أنّه نسخ عن المكلّفين قبل علمهم به، و لكن لم قالوا بامتناعه؟

و فائدة الثواب و العقاب باعتقاد الوجوب و العزم على فعله مبنيّ على رعاية الحكمة في أفعاله.

و فيه نظر، لأنّها و إن كانت اجتهاديّة، لكن قصّة المعراج من الأمور الشهيرة، فكان يجب اشتهار روايته إلى أن يتاخم العلم.

و النسخ على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير مفيد في منع القبح من النسخ عن الأمّة قبل تمكّنهم من العلم بما كلّفوا فيه، فلا معنى لذكره هنا.

و حكمته تعالى ثابتة في علم الكلام.

و عن الرابع: يمنع أن يأمره بفعل ثمّ يمنعه عنه، لأنّه إمّا أن يأمره مطلقا، أو بشرط زوال المنع، فإن كان الأوّل، فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق، و هو محال، و إن كان الثاني فالأمر بالشرط لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الأمور، على ما تقدّم.

و يخالف هذا ما إذا أمر جماعة أن يفعلوا الفعل في غد، فإنّه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل، لكنّا نستدلّ بهذا المنع على أنّ ذلك البعض غير مراد بالخطاب، و لا مكلّف به، و لا يجوز أن يمنع جميعهم.

و عن الخامس: أنّ النسخ بعد حضور وقت الفعل، و لهذا ناجى عليّ (عليه السلام) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد أن قدّم الصّدقة، و لهذا عاتبهم اللّه تعالى بقوله: أَ أَشْفَقْتُمْ‏

41

- إلى أن قال:- لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏ (1)، فعلم أنّ وقت الفعل كان قد حضر سواء ناجاه غيره أو لا.

و عن السادس: بإمكان أنّ قوله: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَ‏ (2) نزل بعد مضيّ وقت، كان يجوز أن يهاجرن إليه، فيردّهن، فيكون النسخ واقعا بعد وقت الفعل و قد روى الواقدي‏ (3): أنّ أبا جندل‏ (4) لمّا ردّه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى قريش انحاز مع جماعة ممّن أسلم من قريش، و كان يمنع من قدوم الميرة على أهل مكّة، فأرسلت قريش إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأرحامها إلّا ردّ أبا جندل‏ (5) و النفر

____________

(1). المجادلة: 13.

(2). الممتحنة: 10.

(3). هو محمد بن عمر بن واقد المتوفّى سنة 207 ه، صاحب المغازي.

(4). الّذي انحاز مع جماعة هو أبو بصير ابن عتبة بن أسيد بن جارية حليف بني زهرة، حيث أسلم بعد قدوم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة، فطلبت قريش ردّه إلى مكّة انطلاقا من التصالح الّذي عقد في أرض الحديبيّة. فرده الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع نفرين بعثتهما قريش للقبض عليه فانطلق أبو بصير معهما فقتل أحد الشخصين في الطريق ثم أتى المدينة مخاطبا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وفت ذمّتك.

ثمّ انّه هو مع قريب من سبعين رجلا، ضيّقوا على قريش عيرهم، فما يظفرون بأحد منهم إلّا قتلوه.

و عند ذلك ضاق الخناق على قريش فكتبوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يسألونه بأرحامهم إلّا تدخل أبا بصير و أصحابه- أي يردّهم إلى المدينة- فلا حاجة لنا بهم. المغازي للواقدي: 2/ 629.

(5). و اما أبو جندل فهو بن سهيل بن عمرو، أسلم في مكّة قبل عقد الصلح في الحديبيّة، فبينما يكتب كتاب الصلح فيها انفلت أبو جندل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقام أبوه و ضرب وجهه و أصرّ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يردّه إليه فقبل خضوعا لكتاب الصلح. و لما صرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أ أردّ إلى المشركين؟ فقال رسول اللّه: يا أبا جندل اصبر فان اللّه جاعل لك فرجا و مخرجا. السيرة النبوية لابن هشام: 3/ 347.

و بذلك ظهر أنّ الصحيح هو «أبو بصير» مكان «أبي جندل» في الموضعين.

42

الّذين معه إليه، و أن لا يردّ عليهم أحدا هاجر إليه، فإذا كان العهد وقع على ردّ المهاجرين إليهم، لأنّهم آثروا ذلك و شرطوه، فمتى كرهوه زال الشرط، فلم يجب ردّهم، و لم يكن ذلك نسخا.

و عن السابع: بأنّ نسخه قبل السّنة يدلّنا على أنّه عنى بالسّنة بعضها، و لم يكن أراد الفعل إلّا في بعض السّنة، فيكون النسخ بيانا للمراد بالخطاب على وجه يكون الأمر تناول غير ما تناوله النهي، و ليس كذلك إذا ورد النسخ قبل حضور كلّ شي‏ء من أوقات الفعل، لأنّه يكون قد نسخ جميع ما تناوله الأمر فيتّحد متعلّق الأمر و النهي.

و عن الثامن: أنّ إباحة القتال في تلك الساعة، لا تقتضي وقوعه فيها، لعدم وجوب إيقاع المباح، فلا يمتنع أن يكون نهي عن القتال بمكّة بعد تلك الساعة.

على أنّ قوله: «أحلّت لي مكّة ساعة» لا يدلّ على إباحة القتال، بل لعلّه أراد بذلك إباحة قتل قوم معيّنين، كابن خطل‏ (1) و غيره، فالنهي عن القتال لا يكون نسخا لإباحة القتال.

و عن التاسع: بمنع تكليف من يعلم موته قبل تمكّنه من الفعل.

و عن العاشر: بمنع الملازمة، و الفرق ظاهر، فإنّ وقوعه بعد الامتثال يشعر بعدم إرادة ما بعده من خطاب التكليف، بخلاف ما لو اتّحد المتعلّق.

____________

(1). هو عبد اللّه بن خطل الّذي أسلم ثم ارتدّ مشركا و أهدر رسول اللّه دمه. لاحظ السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 58، فصل فتح مكّة.

43

و عن الحادي عشر: بأنّ الطهارة لم تجب على الواحد منّا لأجل وجوب الصّلاة عليه، و كيف يكون كذلك، و هو لا يعلم قبل مضيّ وقت الصّلاة وجوبها عليه؟ بل إنّما تجب الطهارة لظنّ وجوب الصلاة عليه، و هو يظنّ وجوبها عليه، و إن جوّز المنع. (1)

و فيه نظر، فإنّ مطلق الظّنّ لا يقتضي وجوب الطهارة بل [الظنّ‏] الصّادق.

و التحقيق: أنّ وجه وجوب الطهارة إن‏ (2) كان هو الصّلاة، منعنا وجوبها و ورود الخطاب بها على من أحرم قبل تمكّنه من الصّلاة، لكن ذلك‏ (3) مظنون، و المعلوم توجّه الأمر بالطّهارة، فلهذا جزمنا بوجوبها و إن لم يعلم بقاء المتطهّر.

المبحث الثاني: في أنّ إثبات البدل ليس شرطا في النسخ‏

اعلم أنّه كما يحسن النّسخ إلى البدل كذا يحسن نسخه إلى غير بدل عند المحقّقين، خلافا لقوم.

و البدل قد ينافي المبدل، كالتوجّه إلى بيت المقدس و الكعبة، و قد لا ينافيه، كصوم عاشوراء و رمضان، لأنّه تعالى نسخ وجوب الصدقة بين يدي‏

____________

(1). الاستدلال للسيد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 442.

(2). في «أ»: و إن.

(3). أي التمكّن من الصلاة إلى آخرها.

44

النّجوى، و وجوب الإمساك بعد الفطر في الليل، و تحريم ادّخار لحوم الأضاحي، من غير بدل في ذلك كلّه.

و لأنّ المقتضي للمنع زائل و مقتضي الجواز ثابت، فثبت الجواز:

أمّا المقدمة الأولى، فلأنّ المقتضي للمنع. (1)

إمّا امتناع تسميته نسخا، و هو باطل، لأنّ النسخ، هو الإزالة، و لا دليل على اشتراط البدل في الاسم، فلا يشترط فيه كغيره.

و لأنّ الأمّة سمّت رفع صدقة المناجاة نسخا، و لا بدل هناك.

و إمّا انتفاء حسنه، و هو باطل، لجواز أن يكون مثل المصلحة مفسدة في وقت آخر، من غير أن يقوم مقامها فعل آخر، كما يجوز ذلك، و إن قام مقامها [فعل‏] آخر، و لا فرق في العقل بينهما، فجاز نسخها إلى غير بدل، كما جاز إلى بدل.

و إمّا لعدم وقوعه في الشرع، و هو باطل لوقوعه في المناجاة و غيرها.

و لأنّ عدم الوقوع لا ينافي الجواز.

و إمّا لورود الشرع بمنع وقوعه، و هو باطل، لأنّ وقوعه في الشرع يدلّ‏

____________

(1). استدلّ القائل بعدم صحّة النسخ بلا بدل بوجوه أربعة أشار المصنّف إلى الوجه الأوّل بقوله:

«إمّا امتناع تسميته نسخا ...» و عطف الثلاثة الباقية إليه بلفظة «إمّا» و الجميع يأتي في كلامه في مقاطع أربعة.

45

على بطلان ذلك، و لم يوجد في الشريعة ما يدلّ على المنع.

احتجّوا بقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (1).

و الجواب: أنّ نسخ الآية يفيد نسخ لفظها، و لهذا قال: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها و ليس لنسخ الحكم ذكر. (2)

و فيه نظر، لأنّ النسخ شرعا هو رفع الحكم، و الأصل حمل اللّفظ الشرعيّ على ما وضعه، لا على العرف اللغويّ.

و الوجه في الجواب أن يقال: يجوز أن يكون نفي ذلك الحكم و إسقاط التعبّد به خيرا من ثبوته في ذلك الوقت.

المبحث الثالث: في جواز النسخ إلى الأثقل‏

ذهب المحقّقون إلى ذلك، خلافا لبعض أهل الظاهر و بعض الشافعية، و منع بعضهم من الوقوع دون الجواز.

لنا: أنّه تعالى في ابتداء الإسلام خيّر بين صوم رمضان و الفدية بالمال، فأوجب الصوم مخيّرا ثمّ حتم الصوم عينا، و لا شكّ في أنّ التعيين أثقل من التخيير.

____________

(1). البقرة: 106.

(2). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 546.

46

و نسخ الحبس في البيوت بالجلد و الرّجم، و هو أشقّ.

و أمر الصحابة بترك القتال، ثمّ أمرهم بالقتال مع التشديد بأن يثبت الواحد لعشرة.

و نسخ جواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها في أثناء القتال.

و نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، و هو أثقل.

و كانت الصّلاة ركعتين عند قوم فصارت أربعا في الحضر.

احتجّوا بوجهين: الأوّل: قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أي أخفّ‏ أَوْ مِثْلِها (1) أي مساو.

الثاني: قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [أي‏] يريد اللّه أن يخفّف عليكم.

و الجواب: لا نسلّم أنّ الأخفّ مطلقا خير، بل الأشقّ خير، لكثرة ثوابه و كونه أصلح في المعاد، و إن كان أثقل في الحال.

و اليسر محمول على اليسر في الآخرة، لئلّا يتطرّق إليه مخصّصات كثيرة، و كذا التخفيف.

____________

(1). البقرة: 106.

47

المبحث الرّابع: في جواز نسخ التلاوة دون الحكم و بالعكس‏

ذهب أكثر العلماء إلى ذلك، و نقل عن شاذّ من المعتزلة المنع.

لنا: العقل و النقل، أمّا العقل فلأنّ التلاوة حكم شرعيّ يثاب المكلّف عليه، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من قرأ القرآن و أعربه، فله بكلّ حرف منه عشر حسنات». (1)

و الحكم أيضا شرعيّ و قد بيّنا إمكان اختلاف الأوقات في نسبة المصلحة لعبادة معيّنة إليها، فتكون العبادة مصلحة في وقت و مفسدة في آخر، و لهذا جوّزنا النسخ، فجاز في هاتين العبادتين أن تكونا مصلحتين في وقت و مفسدتين في آخر، و أن تكون إحداهما مصلحة في وقت و الأخرى مفسدة في بعض الأوقات دون بعض، أو أن تكون إحداهما مصلحة في وقت و الأخرى في آخر، فلا استبعاد حينئذ في نسخهما معا، و نسخ إحداهما كغيرهما من العبادات.

و أمّا النقل فما ورد من نسخ التلاوة خاصّة فيما روي من قوله: الشيخ و الشيخة إن زنيا فارجموهما البتّة نكالا من اللّه. (2)

____________

(1). لم نعثر عليه في الجوامع الحديثيّة بعينه، نعم نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 96؛ و لاحظ كنز العمال: 1/ 532 برقم 2389- 2390.

(2). سنن الترمذي: 4/ 38 برقم 1431؛ و سنن البيهقي: 8/ 211؛ و مسند أحمد بن حنبل:

5/ 132.

أقول: إنّ نسخ التلاوة دون الحكم مردود عند الإماميّة و المصنّف أعرف بمذهبهم، و إنّما ذكره في‏

48

و عن أنس بن مالك في قتلى بئر معونة: «بلّغوا إخواننا أنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا و أرضانا». (1)

و عن أبي بكر: كنّا نقرأ من القرآن «لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم». (2)

____________

المقام مجاراة، و ما ذلك إلّا لأنّ القرآن معجز بلفظه و معناه، متّحد بإناقة لفظه و فخامة معناه، فقد أدهشت فصاحة ألفاظه و جمال عباراته، و بلاغة معانيه و سمّوها، و روعة نظمه و تأليفه و بداعة أسلوبه، عقول البلغاء.

و الآيات الّتي أدعي بقاء حكمها ليست إلّا عبارات لا تداني آيات القرآن في الفصاحة و البلاغة، و الروعة و الجمال. و قد نسج قوله: الشيخ و الشيخة، على منوال قوله سبحانه:

الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ‏.

النور: 2.

و أمّا الآية المزعومة فأين أسلوبها من اسلوب القرآن الخلّاب للعقول، و إنّما هي عبارة متداولة على ألسنة الناس.

أنّ هذا القول هو نفس القول بالتحريف، و من اخترع هذا المصطلح فقد حاول أن يبرّر هذا النوع من التحريف.

و قد نقل البيهقي في سننه، بأنّ الجلد جاء في كتاب اللّه و أمّا الرجم فقد جاءت به السنة، حيث قال:

أتي عليّ (عليه السلام) بشراحة الهمدانية قد فجرت ... ثمّ جلدها و رجمها ثمّ قال: جلدتها بكتاب اللّه و رجمتها بالسنة. السنن الكبرى: 8/ 220.

و من العجب أنّ القوم يجوّزون هذا النوع من النسخ الذي هو عبارة عن نوع من التحريف ثمّ يتّهمون الشيعة بالتحريف.

انظر في الوقوف على رأي الإماميّة في نسخ التلاوة دون الحكم، الذريعة للسيد المرتضى:

1/ 499؛ و معارج الأصول للمحقّق الحليّ: 244.

و ممّن حقّق المقام، من أهل السنة، أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 398.

(1). فتح الباري: 7/ 385.

(2). تفسير القرطبي: 2/ 66؛ و مجمع الزوائد: 1/ 97، باب في من ادّعى غير نسبه أو تولّى غير مواليه.

49

و أمّا العكس، ففي الاعتداد بالحول، (1) و ثبات الواحد للعشرة (2)، و الصدقة قبل المناجاة (3) إلى غير ذلك من الآيات.

و الفائدة فيه حصول العلم بأنّه تعالى أزال مثل هذا الحكم رحمة منه على عباده.

و أمّا نسخهما لما (4) روي أنّ سورة الأحزاب كانت تعدل البقرة. (5)

____________

(1). إشارة إلى الآية 234 و 240 من سورة البقرة.

(2). إشارة إلى الآية 65 و 66 من سورة الأنفال.

(3). إشارة إلى الآية 12 و 13 من سورة المجادلة.

(4). في «ب» و «ج»: فما.

(5). مسند أحمد بن حنبل: 5/ 132، و قال القرطبي في تفسيره: 14/ 113: كانت سورة الأحزاب تعدل البقرة، و كانت فيها آية الرجم: «الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من اللّه و اللّه عزيز عليم».

ثم نقل عن عائشة أنّها قالت: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مائتي آية، فلمّا كتب المصحف لم يقدر منها إلّا على ما هي الآن.

أقول: القول بنسخ التلاوة و الحكم يرجع في الحقيقة إلى القول بتحريف كتاب اللّه العزيز الّذي أجمعت الأمّة- إلّا الحشوية- على بطلانه، كيف و قد أخذ اللّه على نفسه أن يحفظه من كلّ دنس و تحريف و قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (الحجر: 9).

و تفسير هذا النوع من التحريف بنسخ التلاوة و الحكم تلاعب بالألفاظ و تعبير آخر للتحريف، و قد عرفت أنّ القرآن معجز بلفظه و معناه، فما معنى رفع هذا الحجم الهائل من الآيات القرآنية؟ أ كان هناك نقص في لفظه و منطوقه أو نقص في حكمه و معناه؟! نعوذ باللّه من التفوّه بذلك.

ثمّ إنّ هذا النوع من النسخ باطل عند علماء الشيعة الإمامية و ما ربما يرمى به الشيخ الطوسي من أنّه قال بنسخ التلاوة و الحكم فهو افتراء عليه، و إنّما ذكره عن جانب القائلين به حيث قال: و الثالث‏

50

احتجّوا: بأنّ الحكم مع التلاوة ينزّل منزلة العلم مع العالميّة، و المنطوق مع المفهوم، و كما لا يمكن الانفكاك بين العلم و العالميّة، و المنطوق و المفهوم، فكذا هنا.

و لأنّ بقاء التلاوة خاصّة، يوهم بقاء الحكم فيؤدّي إلى اعتقاد الجهل، و هو قبيح من الحكيم.

و لأنّ بقاء التلاوة دون الحكم يستلزم خلوّ القرآن عن الفائدة.

و لأنّ بقاء الحكم خاصّة، يشعر بزواله، لأنّ الآية ذريعة إلى معرفة الحكم، فإذا نسخت، أشعر ذلك بارتفاع الحكم، و هو تعريض المكلّف لاعتقاد الجهل.

و لأنّ هذا النسخ عبث، حيث لم يلزم من ذلك إثبات حكم و لا رفعه.

و الجواب: نمنع التساوي بين العلم و العالميّة، و المفهوم و المنطوق، و بين التلاوة و الحكم، بل التلاوة كالأمارة و العلامة على الحكم في ابتداء ثبوته دون دوامه.

و إنّما يلزم الجهل ببقاء الحكم لو لم ينصب اللّه تعالى على نسخه للحكم دليلا.

____________

ما نسخ لفظه و حكمه، و ذلك نحو ما رواه المخالفون عن عائشة أنّه كان فيما أنزل اللّه «عشر رضعات» التبيان: 1/ 13.

فمن قال بهذا النوع من النسخ فقد غفل عمّا يترتب عليه من المضاعفات.

و لنعم ما قال الشيخ المظفر: إنّ نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف. أصول الفقه:

2/ 49.

51

و نمنع انتفاء الفائدة، و قد سلفت، أو لحكمة خفيّة، أو للثواب على تلاوتها.

و الجهل لازم لو لزم من انتفاء دلالة الحكم انتفاؤه، و هو ممنوع.

و نمنع العبث، و قد سبق.

المبحث الخامس: في نسخ الخبر

منع أكثر الناس من نسخ الأخبار، و اختاره أبو عبد اللّه البصري و قاضي القضاة (1)، و السيّد المرتضى‏ (2)، و أبو الحسين. (3)

و تحرير القول فيه: أنّ النسخ إمّا أن يكون لنفس الخبر أو لمدلوله؛ فان كان الأوّل، فإمّا أن تنسخ تلاوته أو تكليفنا به، بأن نكون قد كلّفنا أن نخبر بشي‏ء فينسخ عنّا التكليف بذلك الإخبار.

و هذان جائزان إجماعا، سواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو مستقبلا، و سواء كان ما نسخ تكليف الإخبار به ممّا لا يتغيّر مدلوله، كالإخبار بوجود اللّه تعالى و حدوث العالم، أو يتغيّر، كالإخبار بكفر زيد و إيمانه، لأنّ ذلك حكم شرعيّ، فجاز اختلاف الأوقات فيه، بأن يكون في بعضها مصلحة

____________

(1). نقله عنه في المعتمد: 1/ 387.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 455.

(3). المعتمد: 1/ 387.

52

و في بعضها مفسدة، و ذلك كما ندب المتطهّر إلى القرآن، و حرم على الجنب بعضه.

و إذا جاز الاختلاف بالمصلحة و المفسدة بالنسبة إلى الأحوال، جاز بالنسبة إلى الأزمان.

و هل يجوز أن ينسخ تكليفنا بالإخبار عمّا لا يتغيّر تكليفا بالإخبار بنقيضه؟

الحقّ، المنع، و عليه العدليّة كافّة، لأنّه كذب فيقبح منه تعالى تكليفا به.

و أطبقت الأشاعرة على جوازه، و جواز أن يكلّفنا بالإخبار بنقيض الحقّ، لانتفاء الحسن و القبح عندهم.

أمّا ما يتغيّر، فإنّه يجوز أن نؤمر بالإخبار بنفي ما أمرنا أن نخبر به، مثل أن نؤمر بالإخبار بكفر زيد، ثمّ نؤمر بالإخبار عن إيمانه. (1)

و في هذا الإطلاق نظر، و الوجه أن يقال: يشترط أن لا يتضمّن الكذب باجتماع شرائط التناقض فيه، و لا فرق في ذلك بين الماضي و المستقبل.

و إن كان لمدلول الخبر فنقول: فائدة الخبر و مدلوله إمّا أن لا تتغيّر كالإخبار عن اللّه تعالى و صفاته، و قبح الظلم، فهذا لا يجوز نسخ الفوائد فيه إجماعا، لأنّ الإخبار عن زوالها كذب.

و إمّا أن تتغيّر، فإن كانت أحكاما، كالإخبار عن وجوب الحجّ أبدا، فإنّه‏

____________

(1). لاحظ المعتمد: 1/ 389- 390.

53

يجوز نسخه في المستقبل، لأنّ المقتضي لنسخ الحكم، إنّما هو جواز تغيره من المصلحة إلى المفسدة قائم هنا، فيثبت مقتضاه.

و إن كانت غير أحكام، فإنّه يجوز نسخها أيضا، سواء كانت ماضية أو مستقبلة، و إن لم يسمّ نسخا.

أمّا المستقبلة، فيجوز أن يخبر اللّه تعالى بأنّه يعذّب العصاة أبدا، فإنّه يجوز أن يدلّنا في المستقبل بأنّه أراد بالتأبيد ألف سنة، إمّا مع الإشعار في ابتداء الخطاب عند أبي الحسين‏ (1) أو مطلقا عند آخرين.

و أمّا الماضي، فيجوز أن يخبر اللّه تعالى بأنّه عمّر زيدا ألف سنة، و يشعرنا بأنّه أراد البعض، ثمّ يدلّنا في المستقبل أنّه عمّره ألف سنة إلّا خمسين.

و منع مشايخ المعتزلة غير أبي الحسين و جماعة من الفقهاء من نسخ الوعد و الوعيد، و بعضهم منع من نسخ مدلول الخبر مطلقا، سواء كان حكما شرعيّا أو لا، و سواء كان ماضيا أو مستقبلا.

و منع آخرون من نسخ الماضي دون المستقبل.

و الوجه، الجواز مطلقا، لأنّ ما دلّ عليه الأخبار، إذا كان متكرّرا، و الخبر عامّ فيه، أمكن أن يكون الناسخ مبيّنا لإخراج بعض ما تناوله اللّفظ، و أنّ المراد بعض ذلك المذكور، كالأمر و النّهي.

____________

(1). لاحظ المعتمد: 1/ 388.

54

احتجّ المانعون: بأنّ نسخ الخبر يوهم الكذب، بخلاف الأمر و النّهي.

و الجواب: إيهام الكذب إنّما يلزم لو اتّحد المدلولان، أمّا مع التغاير فلا، و التغاير هنا ثابت، لأنّ قوله: «لأعذّبن الزاني أبدا» و إن دلّ بظاهره على التأبيد، إلّا أنّ قرينة النسخ دلّت على أنّ المراد بذلك مدّة معيّنة، كالأمر و النهي، فإنّ التعبّد بهما إذا كان مؤبّدا، ثمّ نسخه، لم يلزم البداء.

لا يقال: إنّما لم يلزم البداء لدلالة النهي على أنّ الأمر لم يتناول ما تناوله النهي.

لأنّا نقول: و الدليل الناسخ دلّ على أنّ الخبر المنسوخ لم يتناول ما تناوله الدليل الناسخ، و إذا تغاير المتعلّقان، ارتفع الكذب، كما ارتفع البداء في الأمر و النهي.

احتجّ الفارقون: بأنّ الخبر المتناول للأحكام في معنى الأمر بالفعل، فإنّ معنى «أمرتكم» و «نهيتكم» و «أوجبت عليكم» مساو لمعنى الأمر و النهى، بخلاف غيره.

و الجواب: لا فرق بينهما، فإن كان أحدهما مستلزما للكذب، كان الآخر كذلك.

و قولهم معارض بمثله، فإنّ قولكم: «إنّما دخل النسخ على الخبر، لأنّه في معنى الأمر» معارض بقولنا: «إنّما دخل على الأمر لأنّه في معنى الخبر عن وجوب الفعل» (1).

____________

(1). الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1/ 388.

55

و فيه نظر، فإنّ أحدا لم يقل انّ النسخ دخل الأمر لرجوعه إلى الخبر بخلاف العكس.

و التحقيق أن نقول: الخبر حكاية عن المخبر تابع له، و هيئته مطابقة للمخبر عنه، سواء كان ماضيا أو مستقبلا، فالمخبر عنه إن زال بعد ثبوته، كان نسخا في أصل الخبر، و حكاية عن المخبر بالأصالة، و فيه بالتبعيّة، لكن ذلك لا يسمّى نسخا في الحقيقة.

قال الجبائيّان: لو قال: «أهلك اللّه عادا» ثمّ قال: «ما أهلكهم» كان كذبا.

و الجواب: إهلاكهم غير متكرّر، فإذا قال: «ما أهلك بعضهم» كان تخصيصا للأشخاص، لا نسخا في الأزمان، بخلاف الخبر عن تكرار الفعل.

تذنيب‏

قال قاضي القضاة (1): يبعد أن يبقى وجوب الفعل، و يحرم العزم على أدائه، إلّا أن يجوز كون العزم عليه مفسدة، و يستحيل أن يحرم علينا إرادته المقارنة له، لأنّه لا يكون الفعل واقعا على ما أمرنا أن نوقعه عليه إلّا مع مقارنتها.

____________

(1). نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 390.