نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
476 /
5

الجزء الرابع‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏

التوبة: 122

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة المشرف: التشريع الإسلامي و المسائل المستجدّة

كلّما تكاملت الحضارة الإنسانية و تعددت ألوانها واجه التشريع الإسلامي أحداثا جديدة لا عهد للأزمنة السابقة بها و لم تتعرض لها المصادر فلذلك صارت حاجة المجتمع إلى تأسيس أصول جديدة أمرا قطعيا لا ينكر و ذلك لأنّ نصوص الكتاب و السنّة محدودة و حوادث المجتمع غير محدودة؛ فكيف يمكن أن تفي النصوص المحدودة بالحوادث الطارئة غير المتناهية؟

هذا ما دعا الفقهاء العظام- أنار اللّه برهانهم- إلى سد هذا الفراغ في التشريع الإسلامي بتأسيس أصول و قواعد يستنبط منها أحكام هذه الموضوعات و من أهم هذه الأصول هو القياس.

8

[الكلام في القياس‏]

و هذا الجزء الّذي يزفه الطبع إلى القراء الكرام أخذ على عاتقه البحث عن القياس و قد أغرق في البحث فلم يبق في القوس منزعا.

فناسب أن أقدّم شيئا حول القياس حتّى يقف القارئ الكريم على موقف الفقه الإمامي من هذه القاعدة الّتي هي الركن الركين للفقه السنّي و أشير في هذا التقديم إلى أقسام القياس و أنّ موضع الفقه الإمامي بالنسبة إليه هو القول الوسط فلا يرفضه بتاتا و لا يأخذ به بدون شرط و قيد، و لعلّ القارئ الكريم يلمس ما ذكرنا من قراءة هذه المقدمة المتواضعة.

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أمورا تسلّط الضوء عليه.

1. القياس لغة

القياس لغة يستعمل في معنيين:

1. التقدير: قال في «لسان العرب»: قاس الشي‏ء يقيسه قيسا إذا قدّره على مثاله، و المقياس المقدار. (1)

و من ذلك يقال: قاس الثوب بالذراع إذا قدّره به.

2. المساواة: يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي لا يساوى به.

قال الإمام علي (عليه السلام): «لا يقاس بآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من هذه الأمّة أحد». (2) أي لا يساوى بهم أحد.

____________

(1). لسان العرب: مادة «قاس».

(2). نهج البلاغة: الخطبة 2.

9

و يمكن إرجاع المعنى الثاني إلى المعنى الأوّل، لأنّ الحكم بالمساواة و عدمها يلازم التقدير قبله، فمعنى قول الإمام: أي لا يقدر أحد بآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا يصحّ أن يقال: علم فلان مثل علم الإمام أو جزء منه، و يؤيد ذلك ما ذكره أبو الحسين أحمد بن فارس في «مقاييس اللغة» الّذي ألّفه لتوحيد أصول المعاني قال: قوس، أصل واحد يدلّ على تقدير شي‏ء بشي‏ء ثمّ يصرّف فتقلب واوه ياء، المعنى في جميعه واحد.

فالقوس الذراع، و سمّيت بذلك لأنّه بها يقدر بها المذروع. (1)

و بذلك يعلم أنّ ما ذكروه له من معان أخرى، كالاعتبار و التمثيل و التشبيه و المماثلة كلّها مشتق من معنى واحد.

2. القياس اصطلاحا

قد عرّف القياس بتعاريف مختلفة منذ زمن قديم إلى يومنا هذا، و من هذه التعاريف:

1. حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما. (2)

2. مساواة فرع بأصل في علّة حكمه. و هو خيرة الآمدي في «الإحكام». (3)

____________

(1). مقاييس اللغة: 5/ 40، مادة «قوس».

(2). تقريب الوصول إلى علم الأصول: 122. و قد ذكر محقّق الكتاب في الهامش أنّ هذا التعريف لأبي بكر الباقلاني و وافقه عليه أكثر المالكية.

(3). الإحكام في أصول الأحكام: 3/ 170.

10

3. إثبات حكم مثل المقيس عليه للمقيس. و هو خيرة السيّد المرتضى في «الذريعة» (1) و الشيخ الطوسي في «العدّة». (2)

4. إثبات مثل حكم الأصل في الفرع بعلّة جامعة بينهما. و هو خيرة أبي الحسين البصري في «المعتمد». (3)

5. إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علّة الحكم. و هو خيرة الغزالي في «شفاء الغليل». (4)

و أوضح التعاريف هو أن يقال: استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصّ من حكم واقعة ورد فيها نصّ، لتساويهما في علّة الحكم و مناطه و ملاكه.

و عامّة التعاريف تشير إلى حقيقة واحدة، و لا جدوى في النقض و الإبرام و انّها غير جامعة و لا مانعة.

3. اصطلاح آخر في القياس‏

و هناك اصطلاح آخر للقياس صار مهجورا بين الأصوليّين، و هو:

التماس العلل لغاية تصحيح النصوص و عرضها عليها، و القياس بهذا المعنى كان رائجا في عصر الإمام الصادق (عليه السلام).

و قد استعمل هذا المصطلح في رواية أبان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع امرأة كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون». قلت: قطع ثلاثا؟ قال:

____________

(1). الذريعة: 2/ 669.

(2). العدة: 2/ 647.

(3). المعتمد: 2/ 446.

(4). شفاء الغليل: 18.

11

«ثلاثون». قلت: قطع أربعا؟ قال: «عشرون». قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، و نقول: إنّ الّذي جاء به شيطان.

قال (عليه السلام): «مهلا يا أبان! هذا حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين». (1)

و القياس في هذا الحديث هو بهذا المعنى، أي التماس العلل، ثمّ عرض النصوص على العلل المستنبطة و القضاء فيها بالقبول إن وافق، و الرد إن خالف. و هذا النوع من القياس محظور في الشريعة الإسلامية، و أنّى للعقول هذه المنزلة.

و على هذا الأصل رفض الشيطان السجود لآدم قائلا بأنّه أفضل منه و مخاطبا اللّه سبحانه و تعالى: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ (2)، و لو قيل: إنّ أوّل من قاس هو الشيطان، فالمراد به، هو القياس بهذا المعنى المهجور.

4. إمكان التعبّد بالقياس‏

اختلفت كلمة الفقهاء في شأن العمل بالقياس، و أهمّ المذاهب في ذلك مذهبان:

____________

(1). الوسائل: ج 19، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.

(2). الأعراف: 12.

12

الأوّل: القياس أصل من أصول التشريع و مصدر لاستنباط الأحكام الشرعية يجوز التعبّد به عقلا و شرعا. و هو رأي جمهور أهل السنّة سلفا و خلفا.

الثاني: جواز التعبّد به عقلا، و لكنّه ممنوع في الشريعة. و هو مذهب الإمامية.

قال المرتضى: و الّذي نذهب إليه أنّ القياس محظور في الشريعة استعماله، لأنّ العبادة لم ترد به، و إن كان العقل مجوّزا ورود العبادة باستعماله. (1)

و على هذا درج الإمامية عبر العصور، و نكتفي هنا بما قاله الشيخ الطوسي (385- 460 ه) في هذا المجال، و تبعه فيه السيد ابن زهرة الحلبي (511- 585 ه)، إذ صرّحا بجواز التعبّد به عقلا، و إليك النصّ:

و يجوز من جهة العقل التعبّد بالقياس في الشرعيات، لأنّه يمكن أن يكون طريقا إلى معرفة الأحكام الشرعية و دليلا عليها، أ لا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم النبيذ المسكر مثلا بين أن ينصّ الشارع على تحريم جميع المسكر، و بين أن ينصّ على تحريم الخمر بعينها، و ينص على أنّ العلّة في هذا التحريم الشدّة.

و لا فرق بين أن ينص على العلّة، و بين أن يدلّ بغير النص على أنّ تحريم الخمر لشدّتها، أو ينصب لنا أمارة تغلب في الظن عندها انّ تحريم‏

____________

(1). الذريعة في أصول الشريعة: 2/ 675.

13

الخمر لهذه العلّة مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلّها، لأنّ كلّ طريق منها، يوصل إلى العلم بتحريم النبيذ المسكر، و من منع من جواز ورود العبادة بأحدها كمن صنع من جواز ورودها بالباقي. (1)

هذان المذهبان هما المهمان، و هناك مذاهب أخرى أشار إليها الشيخ الطوسي في «العدّة» فمن أراد التفصيل فليرجع إليها. (2)

و خلاصة الكلام: أنّ القياس دليل ظنّي كسائر الظنون: مثل خبر الواحد، و الإجماع المنقول به، فكما يجوز- عند العقل- أن يأمر الشارع بالعمل بهما، كذلك القياس، و المحاذير المتوهمة في العمل بالقياس، أعني:

المحاذير الملاكية.

و المحاذير المبادئية.

و المحاذير الخطابية. (3)

مشتركة بين عامّة الأدلّة الطبيعية، و قد فرغنا من حلّها في أبحاثنا العليا

____________

(1). غنية النزوع: 386، قسم الأصول، الطبعة الحديثة. قوله: «يوصل إلى العلم» أي إذا كان الدليل الدالّ على هذه التسوية دليلا قطعيّا.

(2). عدة الأصول: 2/ 650- 692؛ و لاحظ الذريعة: 2/ 675- 680.

(3). إذا كان الحكم الواقعي هو وجوب شي‏ء، و دلّ خبر الواحد أو القياس- على القول بحجّيته- على حرمته فتتوهم عندئذ محاذير ثلاثة:

أ. المحذور الملاكي: اجتماع المصلحة باعتبار كون الحكم الواقعي هو الوجوب، و المفسدة باعتبار كون الحكم المستفاد منهما هو الحرمة.

ب. المحذور المبادئيّ: اجتماع الإرادة أو الحب في نفس المشرّع باعتبار كونه واجبا، و الكراهة و البغض باعتبار كونه حراما.

ج. المحذور الخطابي: اجتماع الوجوب و الحرمة و هو بمنزلة اجتماع الضدين في شي‏ء واحد.

14

في مبحث الجمع‏ (1) بين الحكم الواقعي و الظاهري، و في وسع القارئ أن يرجع إلى المصدر أدناه.

و بذلك يعلم عدم صحّة ما ذكره الدكتور عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي مؤلف كتاب «مباحث العلّة في القياس عند الأصوليّين» حيث نسب إلى جمهور الإمامية و الظاهرية، انّ التعبّد بالقياس مستحيل عقلا و شرعا. (2)

أمّا الإماميّة فإنّهم مجمعون على الإمكان العقلي، و لكن ينكرون وقوعه شرعا. و أما الظاهرية، فتقع صحّة النسبة إليهم على عاتق مؤلّف «مباحث العلّة في القياس».

5. أقسام القياس‏

القياس ينقسم إلى منصوص العلّة و مستنبطها.

فالأوّل: عبارة عمّا إذا نصّ الشارع على علّة الحكم و ملاكه على وجه علم، انّه علّة الحكم الّتي يدور الحكم مدارها، لا حكمته الّتي ربّما يتخلّف الحكم عنها.

و الثاني: عبارة عمّا إذا لم يكن هناك تنصيص من الشارع عليها، و إنّما قام الفقيه باستخراج علّة الحكم بفكره و جهده، فيطلق على هذا النوع من القياس، مستنبط العلّة.

____________

(1). إرشاد العقول: 3/ 112- 127.

(2). مباحث العلّة في القياس: 43.

15

و ينقسم مستنبط العلّة إلى قسمين:

تارة يصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استخرجه علّة الحكم و مناطه، و أخرى لا يصل إلّا إلى حدّ الظن بكونه كذلك.

و قلّما يتّفق لأحد أن يقطع بأنّ ما وصل إليه من العلّة هو علّة التشريع و مناطه واقعا، و انّه ليس فيه ضمائم أخرى لها مدخلية في الحكم، وراء ما أدرك.

و سيوافيك أنّ القياس في منصوص العلّة خارج عن محط النزاع، إذ ليس هو من باب ضم الفرع إلى الأصل، أو استخراج حكم الفرع من حكم الأصل بجهة جامعة بينهما، بل هو عمل بالنصّ في كلا الموردين، دون أن يتشكل هناك فرع و أصل.

6. الفرق بين علّة الحكم و حكمته‏

التفريق بين العلّة و الحكمة هو أحد الأمور الّتي يجب على الفقيه أن يميّز بينها. و الفرق بينهما كالتالي:

أ. لو كان الحكم دائرا مدار شي‏ء وجودا و عدما فهو علّة الحكم و مناطه، كالإسكار بالنسبة إلى الخمر، و لذلك لو انقلب الخمر خلا لحلّ شربه.

فإن قلت: اتّفق الفقهاء على أنّ ما يسكر كثيره فقليله أيضا حرام. و على هذا فالقليل من الخمر- كالقطرة- حرام، و لكنّه ليس بمسكر، فصار الحكم أعمّ من العلّة.

16

قلت: قد دلّ الدليل الخارجي على حرمته، و لولاه لما قلنا بحرمته.

و إنّما حرّم الشارع القليل منه، لأنّ الإنسان إذا شرب القليل فسوف تدعوه نفسه إلى شرب أكثر و ربّما ينتهي الأمر إلى شرب ما يسكر.

ب. إذا لم يكن الحكم دائرا مدار ما يتوهم أنّه علّة، بل كان أوسع منها، فهي حكمة الحكم، و هذا كما في المثال التالي:

إنّه سبحانه تبارك و تعالى فرض على المطلّقة تربص ثلاثة قروء بغية استعلام حالها من حيث الحمل و عدمه، و أضاف سبحانه بأنّها لو كانت حاملا فعدتها وضع حملها. قال تعالى:

وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ. (1)

و قال في آية أخرى: وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. (2)

و لكن ليس استعلام حال المطلقة ملاكا للحكم و علّة لوجوب الاعتداد، و إنّما هو من حكم الحكم الّتي تلازمه في أكثر موارده. و لذلك لو علم حال المطلقة و خلوّ رحمها عن الحمل بسبب غيبة زوجها عنها مدّة سنة، أو انكشفت حالها بواسطة الطرق العلمية المفيدة لليقين، فمع ذلك كلّه يجب عليها الاعتداد، و ليس لها ترك الاعتداد بحجة أنّ رحمها خال عن الحمل فلا فائدة في الاعتداد.

____________

(1). البقرة: 228.

(2). الطلاق: 4.

17

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الاستعلام يمثّل حكمة الحكم لا علّته، فليس الحكم دائرا مداره.

قال أبو زهرة: الفارق بين العلّة و الحكمة، هو أنّ الحكمة غير منضبطة، بمعنى أنّها وصف مناسب للحكم يتحقّق في أكثر الأحوال، و أمّا العلّة فهي وصف ظاهر منضبط محدود، أقامه الشارع أمارة على الحكم. (1)

و من ذلك يعلم فساد من حرّم المتعة أو الزواج المؤقّت بتوهّم أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكون الأسرة و إيجاد النسل و هو يختص بالنكاح الدائم دون المنقطع الّذي لا يترتّب عليه سوى الاستجابة للغريزة الجنسية و صبّ الماء و سفحه.

قال الدكتور الدريني: شرّع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة ترجع كلّها إلى تكوين الأسرة الفاضلة الّتي تشكّل النواة الأولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة و الطهر و الولاية و النصرة و التكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: إنّ اللّه إذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الّذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأسرة الّتي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.

و على هذا الأساس فإنّ الاستمتاع مجرّدا عن الإنجاب و بناء الأسرة، يحبط مقصد الشارع من كلّ أصل تشريع النكاح. (2)

____________

(1). أصول الفقه: 223، و لاحظ أيضا ص 233 منه.

(2). الدكتور الدريني في تقديمه لكتاب «الأصل في الأشياء الحلية».

18

أقول: عزب عن الدكتور أنّ الإنجاب و تشكيل الأسرة من فوائد النكاح و مصالحه، و لأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يصحّ الزواج مع القطع بعدم الإنجاب، كما في الصور التالية:

1. زواج العقيم بالمرأة الولود.

2. زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.

3. زواج العقيمين.

4. زواج اليائسة.

5. زواج الصغيرة.

6. نكاح الشاب بالشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

و لأجل انقسام ما يدلل به الأحكام إلى قسمين: علّة و حكمة، اختلف الفقهاء في تفسير الحكمة الواردة في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الهرّة: «إنّها ليست بنجس، إنّها من الطّوافين عليكم و الطّوافات». (1)

فلو كان المفهوم من الرواية أنّ الطواف علّة الحكم و أنّه يدور مداره صحّ إلحاق الحيوانات الأخرى كالفأرة و غيرها بها، و أمّا لو قلنا بأنّه حكمة الحكم لا علّته لتوقف الإلحاق.

____________

(1) سنن الترمذي: 1/ 154، كتاب الطهارة، رقم الحديث 92.

19

7. منصوص العلّة و العمل بالسنّة

إذا نصّ الشارع على علّة الحكم و ملاكه، أي ما يدور الحكم مداره على نحو لا يتخلّف الحكم عنه، كما إذا قال الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق سائر المسكرات به ليس عملا بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة و الضابطة الكلية، و لنذكر مثالا على ذلك:

روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضا (عليه السلام)، أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‏ء، إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتّى يذهب الريح، و يطيب طعمه، لأنّ له مادة». (1)

فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» بما أنّه تعليل لقوله: «لا يفسده شي‏ء» يكون حجّة في غير ماء البئر أيضا، فيشمل التعليل بعمومه، ماء البئر، و ماء الحمام و العيون و صنبور الخزّان الكرّ و غيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة لا بالقياس، فليس هناك أصل و لا فرع و لا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة و الفروع بأجمعها داخلة تحته دفعة واحدة.

و بعبارة أخرى: يكون العمل بالملاك المنصوص، عملا بظاهر السنّة لا بالقياس، و شأن المجتهد و عمله ليس إلّا تطبيق الضابطة الّتي أعطاها الشارع على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل و لا فرع، و لا

____________

(1). وسائل الشيعة 1، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

20

انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة و الفروع بأجمعها داخلة تحتها.

و إن شئت قلت: هناك فرق بين استنباط الحكم عن طريق القياس و بين استنباط الحكم عن طريق تطبيق القاعدة المعطاة على مواردها.

ففي الأوّل- أي استنباط الحكم عن طريق القياس- يتحمّل المجتهد جهدا في تخريج المناط، ثمّ يجعل الموضوع الوارد في الدليل أصلا، و الّذي يريد إلحاقه به فرعا.

و أمّا الثاني فيكفي فيه فهم النصّ لغة بلا حاجة إلى الاجتهاد، و لا إلى تخريج المناط، فيكون النصّ دالا على الحكمين بدلالة واحدة.

يقول سبحانه: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ (1) دلّت الآية على وجوب الاعتزال في المحيض، و علّل بكونه أذى، فلو دلّت الآية على كونه تمام الموضوع للحكم فيتمسّك بها في غير المحيض إذا كان المسّ أذى كالنفاس و ليس ذلك من مقولة العمل بالقياس، بل من باب تطبيق الضابطة على مواردها.

و بذلك يعلم ما في كلام الأستاذ: «محمد أبو زهرة» حيث زعم أنّ نفاة القياس يرفضون النص و قال: إنّ تعليل النصوص هو أساس الخلاف بين مثبتي القياس و نفاته، فنفاته نفوا التعليل فقصروا النصوص على العبارة،

____________

(1). البقرة: 222.

21

و مثبتوه أثبتوا التعليل، فاعتبروا القياس إعمالا للنصوص.

و قال أيضا: و في الحق أنّ نفاة القياس قد أخطئوا إذ تركوا تعليل النصوص، فقد أدّاهم إهمالهم إلى أن قرّروا أحكاما تنفيها بداهة العقول، فقد قرّروا أنّ بول الآدمي نجس للنصّ عليه، و بول الخنزير طاهر لعدم النص، و أنّ لعاب الكلب نجس، و بوله طاهر، و لو اتّجهوا إلى قليل من الفهم لفقه النص ما وقعوا في مناقضة البديهيات على ذلك النحو. (1)

أقول: ما ذكره من أنّ نفاة القياس تركوا تعليل النصوص، كلام مجمل.

فإن أراد الموضع الّذي كان الحكم معلّلا في نفس النصّ و دلّ الدليل أو القرائن المفيدة للعلم، بأنّه علّة تامة للحكم و ليس بحكمة، فيعمل به نفاة القياس، إذ لا يرونه من أقسام القياس، بل عملا بالنص، إذ ليس هناك أصل و لا فرع، بل الجميع داخل تحت التعليل مرة واحدة، فإذا قال: علّة حرمة الخمر هي الإسكار، فالنبيذ و الخمر و غيرهما من المسكرات داخلة تحت التعليل على نسق واحد دون أن يكون هناك أصل و فرع.

و إن أراد الموضع الّذي ورد النص على الحكم و لم يشتمل على التعليل و إنّما توصّل المجتهد بجهده و كدّه إلى العلة و مع ذلك لا يعلم أنّها علّة الحكم أو حكمته، و على فرض أنّها علّة هل هي علة تامة أو علة ناقصة؟ فلو أراد هذا فنفاة القياس ما تركوا النص في مورده، و إنّما تركوه فيما ليس موردا له.

____________

(1). أصول الفقه: 212.

22

و أمّا ما ذكره من أنّ نفاة القياس قرّروا أحكاما تنفيها بداهة العقول كطهارة بول الخنزير و الكلب، فلا أظن أنّ لهؤلاء نصيبا من الفقه، و لو أنّهم رجعوا إلى أئمّة أهل البيت لوقفوا على أنّ الجميع نجس دون أن يكون هناك حاجة إلى القياس.

فهذا هو الإمام الصادق يقول (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه». (1)

8. تقسيم العلّة باعتبار المناسبة إلى أقسام:

ثمّ إنّهم قسّموا العلل باعتبار المناسبة إلى أقسام أربعة:

1. المناسب المؤثر.

2. المناسب الملائم.

3. المناسب الملغى.

4. المناسب المرسل.

و فسّروا الأوّل بما اعتبره الشارع علّة بأتمّ وجوه الاعتبار، و دلّ صراحة و إشارة على ذلك.

يقول عبد الوهاب خلّاف: ما دام الشارع دلّ على أنّ هذا المناسب هو علّة الحكم، فكأنّه دلّ على أنّ الحكم نشأ عنه و أنّه أثر من آثاره، و لهذا سمّاه الأصوليون «المناسب المؤثر»، و هو العلّة المنصوص عليها، و لا خلاف بين‏

____________

(1). وسائل الشيعة: 2، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحديث 2. و لاحظ بقية أحاديث الباب.

23

العلماء في بناء القياس على المناسب المؤثر، و يسمّون القياس بناء عليه قياسا في معنى الأصل. (1)

أقول: لو كان محط النزاع هو هذا القسم فهو ليس من القياس بشي‏ء، فإنّه إذا نصّ الشارع بأنّ الحكم نابع عن هذا الأصل، فلا يبقى هناك شكّ في أنّ الحكم يدور مداره من غير فرق بين الأصل و الفرع بل لا أصل و لا فرع.

و فسّروا الثاني- أي المناسب الملائم- بأنّه هو الّذي لم يعتبره الشارع بعينه علّة لحكمه في المقيس عليه و إن كان قد اعتبره علّة لحكم من جنس هذا الحكم في نص آخر، و مثّلوا له بالحديث القائل: «لا يزوّج البكر الصغيرة إلّا وليّها» ففي رأي أصحاب القياس أنّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منهما صالح للتعليل و هو الصغر و البكارة، و بما أنّه علّل ولاية الولي على الصغيرة في المال في آية: وَ ابْتَلُوا الْيَتامى‏ حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ‏ (2)، و ما دام الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على المال، و الولاية على المال و الولاية على التزويج نوعان من جنس واحد هو الولاية، فيكون الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، و بهذا يقاس على البكر الصغيرة من في حكمها من جهة نقص العقل و هي المجنونة أو المعتوهة، و تقاس عليها أيضا الثيّب الصغيرة.

____________

(1). مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه: 45.

(2). النساء: 6.

24

أقول: و بذلك أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث مع إمكان، أن تكون جزءا من التعليل، كما هو مقتضى جمعها مع الصغر لو أمكن استفادة التعليل من أمثال هذه التعابير. (1)

و فسّروا الثالث بما ألغى الشارع اعتباره مع أنّه مظنّة تحقيق المصلحة، أي بناء الحكم عليه من شأنه أن يحقّق مصلحة، و لكن دلّ دليل شرعي على إلغاء اعتبار هذا المناسب و منع بناء الحكم الشرعي عليه.

و مثّلوا له بفتوى من أفتى أحد الملوك بأنّ كفّارته في إفطار شهر رمضان هو خصوص صيام شهرين متتابعين، لأنّه وجد أنّ المناسب مع تشريع الكفّارات ردع أصحابها عن التهاون في الإفطار العمدي، و مثل هذا الملك لا تهمّه بقية خصال الكفّارة لتوفّر عناصرها لديه، فإلزامه بالصيام أكثر مناسبة لتحقيق مظنّة الحكمة من التشريع. (2)

يلاحظ عليه: بأنّ التعيين يخالف حكم الشارع الذي جعل وجوب الخصال الثلاث من باب التخيير لمطلق المكلّفين، ملوكا كانوا أو رعية؛ فمثل هذا يعدّ نوعا من التقدّم بين يدي اللّه سبحانه قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ. (3)

____________

(1). الأصول العامة للفقه المقارن: 298.

(2). مصادر التشريع الإسلامي لخلاف: 46.

(3). الحجرات: 1.

25

أضف إلى ذلك أنّه من قبيل القياس المهجور، أي التماس العلل و عرض النصوص عليها و التصرف فيها حسب ما يناسب العلل المستنبطة، و هذا المستنبط تخيّل له أنّ الغاية الوحيدة من إيجاب الخصال هو تعذيب المفطر لكي لا يعود إلى الإفطار و هو لا يحصل إلّا بإيجاب صيام شهرين متتابعين، فنفى التخيير و أوجب عليه التعيين، لكنّه تصرّف خاطئ، إذ ليس للعقول التماس العلل و الكشف عن واقعها ثمّ تطبيق النصوص عليها، فكأنّ العقل مشرّع، له ان يقيّد إطلاق النص، دون أن يكون هناك اضطرار أو حرج أو ضرر، بل أقصى ما هناك مصلحة متخيّلة، و قد تكون الغاية أحد هذين الأمرين:

1. ردع المتهاون في الإفطار العمدي.

2. إطعام الفقراء و إشباع بطونهم أو كسوتهم.

و فسّروا الرابع (أي المناسب المرسل) بأنّه هو الّذي يظهر للمجتهد أنّ بناء الحكم عليه لا بدّ أن يحقّق مصلحة ما، مع أنّ الشارع لم يقم على اعتباره أو إلغائه أي دليل.

أقول: إنّ هذا داخل في البحث عن المصالح المرسلة و لا يمتّ إلى القياس بشي‏ء.

فاتّضح من ذلك أنّ القسم الأوّل خارج عن محط النزاع، و هو عمل بالنص في كلا الموردين.

كما أنّ القسم الثاني الذي مثّلوا له بالحديث الآنف الذكر مخدوش‏

26

بعدم العلم بكون الصّغر علّة تامة في كلا الموردين، بل يحتمل أن يكون للبكارة في النكاح مدخلية و إن لم يكن كذلك في مورد المال.

و أمّا القسم الثالث فهو من قبيل التماس العلل لصرف النصوص عليها، و هو محظور عقلا و شرعا.

و أمّا الرابع فهو الوصف الذي لم يرتّب الشارع حكما على وفقه و لم يدلّ دليل شرعي على اعتباره و لا على إلغاء اعتباره فهو مناسب أي يحقّق مصلحة، و لكنّه مرسل أي مطلق عن دليل اعتبار و دليل إلغاء، و هذا هو المسمّى بالمصالح المرسلة (1) الّتي سيوافيك بيانها.

9. قياس الأولوية

إنّ للأصوليّين مصطلحات ثلاثة متقاربة، و هي:

أ. لحن الخطاب.

ب. فحوى الخطاب.

ج. دليل الخطاب.

أمّا الأوّل فهو ما حذف من الكلام شي‏ء و لا يستقل المعنى إلّا به، كقوله سبحانه: فَأَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ. (2)

____________

(1). علم أصول الفقه: 82.

(2). الشعراء: 63.

27

أي ضرب فانفلق.

و أمّا الثاني فهو ما يسمّى أيضا بتنبيه الخطاب و مفهوم الموافقة، و هو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى، و هو نوعان:

1. تنبيه بالأقل على الأكثر كقوله سبحانه: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ. (1)

فإذا حرم التأفيف، حرم الشتم و الضرب بطريق أولى.

و مثله قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ. (2)

فإذا كان الرجل غير مأمون بدينار، فأولى أن يكون كذلك بالنسبة إلى ألف دينار.

2. و تنبيه بالأكثر على الأقل، كقوله تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ. (3)

فمن كان يؤتمن على القنطار، فأولى أن يكون كذلك في الأقلّ منه.

و أمّا الثالث- أعني: دليل الخطاب- فهو مفهوم المخالفة الّذي يبحث عنه في باب المفاهيم.

و الّذي يهمّنا في المقام أنّ فحوى الخطاب أو مفهوم الموافقة أو قياس الأولوية ليس عملا بالقياس بل هو عمل بالحجة، لأنّ المفهوم الموافق مدلول عرفي يقف عليه كلّ من تدبّر في الموضوع.

____________

(1). الإسراء: 23.

(2). آل عمران: 75.

(3). آل عمران: 75.

28

و بذلك يعلم أنّ بعض ما استدلّ به على حجّية القياس، من مقولة القياس الأولوي، كقوله (عليه السلام): «فدين اللّه أحقّ بالقضاء»، كما سيوافيك.

10. تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف و خصوصيات لا يراها العرف دخيلة في الموضوع و يتلقّاها من قبيل المثال، كما إذا ورد في السؤال: رجل شكّ في المسجد بين الثلاث و الأربع فأجيب بأنّه يبني على كذا، فإنّ السائل و إن سأل عن الرجل الّذي شكّ في المسجد، لكنّ العرف يتلقّى تلك القيود، مثالا، لا قيدا للحكم، أي بأنّه يبني على كذا، فيعمّ الرجل و الأنثى، و من شكّ في المسجد و البيت.

إنّ تنقيح المناط إذا كان في حدّ يساعده الفهم العرفي، فممّا لا إشكال فيه، و لا صلة له بالقياس كما في المثال السابق، إذ لا أصل و لا فرع، بل الحكم يعمّ الرّجل و الأنثى، و الشاك في المسجد و البيت، بنفس الدليل مرة واحدة.

و لعلّ من هذا القبيل قصة الأعرابي الذي قال: هلكت يا رسول اللّه، فقال له: «ما صنعت؟» قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، قال: «اعتق». (1)

و العرف يساعد على إلغاء القيدين و عدم مدخليتهما في الحكم.

1. كونه أعرابيا.

____________

(1). صحيح مسلم، كتاب الصيام، الحديث 187. و قد روي بطرق مختلفة و باختلاف يسير في المتن.

29

2. مواقعة الأهل.

فيعمّ البدوي و القروي و مواقعة الأهل و غيرها، فيكون الموضوع من أفطر بالوقاع في صوم رمضان.

إنّ تنقيح المناط من المزالق للفقيه، فربّما يلغي بعض القيود باستحسان، أو غيره مع عدم مساعدة العرف عليه، و من هنا ينبغي الاحتياط التام في تنقيح موضوع الحكم و الاقتصار على ما يساعد عليه فهم العرف على إلغاء القيد، و إن شك في مساعدة العرف على الإلغاء و عدمها، فليس له تعميم الحكم.

و على كلّ حال، فهذه التعميمات، لا صلة لها بالقياس، و إنّما هي استظهار مفاد الدليل و استنطاقه حسب الفهم العرفي.

و هذا ما يعبر عنه في الفقه الإمامي، بإلغاء الخصوصية، أو مناسبة الحكم و الموضوع، مضافا إلى التعبير عنه ب «تنقيح المناط».

و ليعلم أنّ قسما من الأحكام المستنبطة باسم القياس عند أهل السنّة داخل في هذا العنوان، أي إلغاء الخصوصية حسب فهم العرف دون أن يكون هناك أصل و فرع، و قد مرّ أنّ مثل هذا من مقولة المداليل العرفية و إن لم تكن مصرحا بها، و إليك بعض الأمثلة:

1. دلّ قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‏ (1)، على ترك البيع وقت النداء.

____________

(1). الجمعة: 9.

30

و من المعلوم أنّ ذكر البيع من باب المثال الشائع و العلّة هو كونه شاغلا عن الصلاة، فعندئذ فلا فرق بين البيع و الإجارة و الرهن أو أي معاملة من المعاملات وقت النداء، بل كلّ فعل يشغل الإنسان عن الصلاة و إن كان مذاكرة علمية، و ليس هذا من مقولة القياس كما توهّمه الأستاذ عبد الوهاب خلاف. (1)

2. قد ثبت بالنص أنّ قتل الوارث مورّثه لغاية الحصول على الإرث عاجلا يحرمه من الإرث. فلو فرضنا وجود نفس تلك الغاية في قتل الموصى له للموصي يكون محروما من مال الوصية، لأنّ قتله فيه كان لأجل استعجال الشي‏ء قبل أوانه، فيرد عليه قصده و يعاقب بحرمانه. هذا إذا ثبت أنّ القتل كان لتلك الغاية.

3. لو ورد في النصّ أنّ الورقة الموقع عليها بالإمضاء حجّة على الموقّع فيلحق بها الورقة المبصومة بالاصبع، و ذلك لأنّ الميزان في الحجية هو العلم بشخصية الممضي و هو تارة يحصل بإمضائه و أخرى ببصمة إصبعه.

فعلى القائلين بالقياس إخراج هذه الأمثلة- الّتي يساعد العرف على إلغاء الخصوصية فيها- عن مقولة القياس.

____________

(1). علم أصول الفقه: 60.

31

11. التشابه غير التماثل‏

من الأمور الّتي يجب أن يركّز عليها هو الفرق بين تشابه الأمرين و تماثلهما. فالتماثل عبارة عن دخول شيئين تحت نوع واحد و طبيعة واحدة، فالتجربة في عدة من مصاديق طبيعية واحدة يفيد العلم بأنّ النتيجة لطبيعة الشي‏ء لا لأفراد خاصة، و لذلك يقولون: إنّ التجربة تفيد العلم، و ذلك بالبيان التالي:

مثلا: إذا أجرينا تجربة على جزئيات من طبيعة واحدة، كالحديد، تحت ظروف معينة من الضغط الجوي، و الجاذبية، و الارتفاع عن سطح البحر، و غيرها مع اتّحادها جميعا في التركيب، فوجدنا أنّها تتمدد مقدارا معينا، و لنسمّه (س)، عند درجة خاصة من الحرارة و لنسمّها (ح). ثمّ كررنا هذه التجربة على هذه الجزئيات، في مراحل مختلفة، في أمكنة متعددة، و تحت ظروف متغايرة، و وجدنا النتيجة صادقة تماما: تمدد بمقدار (س) عند درجة (ح). فهنا نستكشف أنّ التمدد بهذا المقدار المعين، معلول لتلك الدرجة الخاصة، فقط، دون غيرها من العوامل، و إلّا لزم أن تكون ظاهرة التمدد بمقدار (س) معلولة بلا علّة، و حادثة بلا جهة، لصدق النتيجة في جميع الظروف، و الأمكنة، و هو أمر محال، لأنّ المفروض وحدة الأفراد في جميع الخصوصيات، إلّا الزمان، و المفروض عدم تأثيره في الحكم.

و على هذا يحكم العقل بأنّ الحديد، بجميع جزئياته و تراكيبه، يتمدد بمقدار (س) عند درجة (ح).

32

و أمّا التشابه فهو عبارة عن وقوع فردين مختلفي الطبيعة تحت صفة واحدة توجب التشابه بينهما، و هذا كالخمر و الفقاع فإنّهما نوعان و بينهما تشابه و هو الإسكار.

و أوضح من ذلك مسألة الاستقراء، فإنّ ما نشاهده من الحيوانات البرية و البحرية، أنواع مختلفة. فلو رأينا هذا الحيوان البري و ذلك الحيوان البحري كلّ يحرك فكّه الأسفل عند المضغ نحكم بذلك على سائر الحيوانات من دون أن تكون بينها وحدة نوعية أو تماثل في الحقيقة، و الدافع إلى ذلك التعدّي في الحكم هو التشابه و الاشتراك الموجود بين أنواع الجنس الواحد رغم اختلافها في الفصول و الأشكال، و من هنا لا يمكن الجزم بالحكم و النتيجة على وجهها الكلي لإمكان اختلاف أفراد نوعين مختلفين في الحكم.

و بذلك يعلم أنّ القياس عبارة عن إسراء حكم مشابه إلى مشابه لا حكم مماثل إلى مماثل، و من المعلوم أنّ إسراء الحكم من طبيعة إلى طبيعة أمر مشكل لا يصار إليه إلّا إذا كان هناك مساعدة من جانب العرف لإلغاء الخصوصية، و إلّا يكون الإسراء فعلا بلا دليل، مثلا دلّ الكتاب العزيز على أنّ السارق و السارقة تقطع أيديهما، و الحكم على عنوان السارق، فهل يلحق به النبّاش الّذي ينبش القبر لأخذ الأكفان؟

إنّ التسوية بين العنوانين أمر مشكل، يقول السرخسي:

لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النبّاش بالسارق في حكم‏

33

القطع، لأنّ القطع بالنصّ واجب على السارق، فالكلام في إثبات السرقة حقيقة، و قد قدّمنا البيان في نفس التسوية بين النبّاش و السارق في فعل السرقة (1).

و الحاصل: أنّ هناك فرقا واضحا بين فردين من طبيعة واحدة، فيصحّ إسراء حكم الفرد إلى الفرد الآخر لغاية اشتراكهما في الإنسانية، و أنّ حكم الأمثال في ما يجوز و ما لا يجوز واحد، لكن بشرط أن يثبت أنّ الحكم من لوازم الطبيعة لا الخصوصيات الفردية.

و أمّا المتشابهان فهما فردان من طبيعتين- كالإنسان و الفرس- يجمعهما التشابه و التضاهي في شي‏ء من الأشياء، فهل يصحّ إسراء حكم نوع إلى نوع آخر؟ كلّا، و لا، إلّا إذا دلّ الدّليل على أنّ الوحدة الجنسية سبب الحكم و مناطه و ملاكه التام.

12. تخريج المناط

إذا قضى الشارع بحكم في محل من دون أن ينصّ بمناطه، مثلا: إذا حرّم المعاوضة في البرّ إلّا مثلا بمثل، فهل يصحّ تعميم الحكم إلى الشعير و سائر الحبوب بمناط أنّ الجميع مكيل أو موزون أو لا؟ و هذا هو بيت القصيد في القياس، فلو أمكن للمستنبط استخراج العلّة التامة للحكم فله أن يقيس، لأنّ المعلوم- أي الحكم- لا يتخلّف عن علّته. إنّما الكلام في كون المجتهد متمكّنا من استخراج مناط الحكم من الدليل استخراجا قطعيا لا

____________

(1). أصول السرخسي: 2/ 157.

34

ظنيا، إذ لا عبرة بالظن ما لم تثبت حجّيته، و قد ذكروا لاستخراج المناط طرقا مختلفة، أشهرها السبر و التقسيم.

قال الأستاذ عبد الوهاب خلّاف: السبر معناه الاختبار، و منه المسبار.

و التقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة لأن تكون علّة في الأصل، و ترديد العلّة بينها بأن يقال: العلّة إمّا هذا الوصف أو هذا الوصف، فإذا ورد نصّ بحكم شرعي في واقعة و لم يدلّ نص و لا إجماع على علّة هذا الحكم، سلك المجتهد للتوصل إلى معرفة علّة هذا الحكم مسلك السبر و التقسيم:

بأن يحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم، و تصلح لأن تكون العلّة وصفا منها، و يختبرها وصفا وصفا على ضوء الشروط الواجب توافرها في العلّة، و أنواع الاعتبار الّذي تعتبر به، بواسطة هذا الاختبار يستبعد الأوصاف الّتي لا تصلح أن تكون علّة، و يستبقي ما يصلح أن يكون علّة، و بهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف علّة. (1)

و ما ذكره الأستاذ خلّاف سهل في مقام البيان، و لكنّه شاق في مقام التطبيق، و إليك توضيح ذلك:

أوّلا: يحتمل أن يكون الحكم في الأصل معللا عند اللّه بعلّة أخرى غير ما ظنّه القائس، ففي قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يزوّج البكر الصغيرة إلّا وليّها» جعل الملاك في صغر السنّ أو قصور العقل، و لذا ألحق بها أصحاب القياس الثيب الصغيرة، بل المجنونة و المعتوهة، و ذلك بتخريج المناط و انّه هو

____________

(1). علم أصول الفقه: 84.

35

قصور العقل و ليس للبكارة مدخلية في الحكم، فهل يمكن ادّعاء القطع بذلك، و قد قال سبحانه: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا؟ (1)

إذ الإنسان لم يزل في عالم الحسّ تنكشف له أخطاؤه، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام و مناطاتها المستورة عن العقل إلّا في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء و البغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ و أمّا ما يرجع إلى العبادات و المعاملات خصوصا فيما يرجع إلى أبواب الحدود و الديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية و إن كان يظن شيئا.

قال ابن حزم: و إن كانت العلّة غير منصوص عليها، فمن أيّ طريق تعرف و لم يوجد من الشارع نصّ يبين طريق تعرفها؟ و ترك هذا من غير دليل يعرّف العلّة ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا أنّ القياس ليس أصلا معتبرا، و إمّا أنّه أصل عند اللّه معتبر و لكن أصل لا بيان له و ذلك يؤدي إلى التلبيس، و تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، فلم يبق إلّا نفي القياس.

ثانيا: لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل، و لكن من أين يعلم أنّها تمام العلّة، و لعلّها جزء العلّة و هناك جزء آخر منضم إليه في الواقع و لم يصل القائس إليه؟

ثالثا: احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئا أجنبيا إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه.

____________

(1). الإسراء: 85.

36

رابعا: احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم و قد غفل عنها القائس، و يعلم ذلك بالتدبّر في الأمثلة التالية:

1. قياس الولاية في النكاح بالميراث‏

يقدّم الأخ من الأب و الأمّ على الأخ للأب في الميراث المقيس عليه‏

فيقدّم الأخ من الأب و الأمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح المقيس‏

فإنّ علّة التقديم في الميراث امتزاج الإخوة و هو الجامع‏

2. قياس الجهل في المهر بالبيع‏

إنّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتّفاق المقيس عليه‏

فالجهل بالمهر يفسد النكاح المقيس‏

لوجود المعاوضة و الجهل فيها الجامع‏

3. قياس ضمان السارق بالغاصب‏

إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تحت يده المقيس عليه‏

و السارق أيضا يضمن و إن قطعت يده المقيس‏

تلف المال تحت اليد العادية الجامع‏

فإنّ تخريج المناط في هذه الموارد و عشرات من أمثالها تخريجات ظنية و هي بحاجة إلى قيام الدليل، و إلّا فيمكن أن يكون للميراث‏

37

خصوصية غير موجودة في النكاح أو يكون الجهل بالعوض مفسدا في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين المالين بخلاف النكاح فإنّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، و المهر ليس عوضا.

و بسبب المخاطر الناجمة عن سلوك هذا الطريق، إذ كيف يتأتّى للعقل الفردي الإحاطة بأسرار التشريع و مناطاته حتّى يقف عن طريق السبر و التقسيم على ما هو المناط، نرى أنّ الإمام الشافعي يتشدّد في هذا الأمر قائلا: ليس للحاكم أن يقبل، و لا للوالي أن يدع أحدا، و لا ينبغي للمفتي أن يفتي أحدا إلّا متى ما يجتمع له أن يكون عالما علم الكتاب ...

و عالما بلسان العرب، عاقلا يميز بين المشتبه، و يعقل القياس، فإن عدم بعضا من هذه الخصال لم يحل له أن يكون قياسا.

ثمّ إنّ أبا زهرة بعد أن نقل كلام الشافعي هذا، يقول: و في الحقّ أن تعرّف العلل و استخراجها من النصوص و الأحكام هو عمل الفقيه الحاذق الّذي عالج النصوص و تحرى فهمها فهما عميقا، و تعرّف مقاصد الشريعة في عمومها و في خصوصها. (1)

و الّذي يغرّ القائلين بالقياس في إمكان استخراج المناط هو الاستشهاد بأمثلة يكون المناط فيها واضحا، كما فعل الغزالي حيث قال و هو يتحدث عن تنقيح المناط: مثاله: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب ينوطه به و تقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن‏

____________

(1). أصول الفقه: 230.

38

درجة الاعتبار حتّى يتسع الحكم: مثاله إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع مع أهله فإنّا نلحق به أعرابيا آخر بقوله (عليه السلام): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، أو بالإجماع على أنّ التكليف يعمّ الأشخاص و لكنّا نلحق التركي و العجمي به، لأنّا نعلم أنّ مناط الحكم وقاع مكلّف لا وقاع أعرابي و نلحق به من أفطر في رمضان آخر، لأنّا نعلم أنّ المناط هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك الرمضان، بل نلحق به يوما آخر من ذلك الرمضان؛ و لو وطأ أمته أوجبنا عليه الكفّارة، لأنّا نعلم أنّ كون الموطوءة منكوحة لا مدخل له في هذا الحكم، بل يلحق به الزنا، لأنّه أشدّ في هتك الحرمة، إلّا أنّ هذه إلحاقات معلومة تنبئ على تنقيح مناط الحكم بحذف ما علم بعادة الشرع في موارده و مصادره في أحكامه أنّه لا مدخل له في التأثير. (1)

أقول: ما ذكره من المثال خارج عن محط النزاع لما عرفت من أنّ حذف الخصوصية في حديث الأعرابي إنّما هو من المداليل العرفية.

إنّما الكلام في الموارد الصعبة الّتي يحار العقل في استخراج مناط الحكم فيها، و هل أنّ ما استخرجه هو المناط بعينه أو أنّ المناط غيره؟

و على فرض كونه مناطا فهل هو مناط تام، أو جزء المناط؟ و بذلك يعلم أنّ أكثر من يستدلّ على حجّية القياس بإمكان استخراج مناطه يمثل بالخمر و النبيذ.

____________

(1). المستصفى: 2/ 232، ط مصر.

39

قال الأستاذ خلّاف: و كذا ورد النصّ بتحريم شرب الخمر و لم يدلّ نص على علّة الحكم، فالمجتهد يردّد العلية بين كونه من العنب أو كونه سائلا أو كونه مسكرا، و يستبعد الوصف الأوّل لأنّه قاصر، و الثاني لأنّه طردي غير مناسب، و يستبقي الثالث فيحكم بأنّه علّة. (1)

خاتمة المطاف: في مرتبته في الحجّية

إنّما يحتج بالقياس- على القول بحجّيته- إذا لم يكن هناك دليل نقلي كالكتاب و السنّة، أو إجماع من الفقهاء على حكم الموضوع، لأنّ حجّية القياس محدّدة ب «ما لا نصّ فيه»، و لو افترضنا وجود النص، ينتفي القياس بانتفاء موضوعه.

قال عبد الوهاب خلاف: مذهب جمهور علماء المسلمين أنّ القياس حجّة شرعية على الأحكام العملية، و أنّه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص أو إجماع، و ثبت أنّها تساوي واقعة نصّ على حكمها، في علّة هذا الحكم، فإنّها تقاس بها و يحكم فيها بحكمها، و يكون هذا حكمها شرعا، و يسع المكلّف اتّباعه و العمل به، و هؤلاء يطلق عليهم: مثبتو القياس. (2)

و قال الأستاذ محمد مصطفى شلبي: كان على المجتهد الباحث عن أحكام اللّه إذا لم يجد الحكم في كتاب اللّه أو في سنّة رسول اللّه أو فيما

____________

(1). علم أصول الفقه: 85.

(2). علم أصول الفقه: 61.

40

أجمع عليه في عصر سابق، أن يبحث في الوقائع الّتي ثبت لها حكم بواحد من الأدلّة الثلاثة السابقة، عن واقعة تشبه الّتي يبحث عن حكمها، فإذا وجدها بحث عن المعنى الّذي من أجله شرّع حكمها و هو المسمّى في الاصطلاح بعلّة الحكم، فإذا عرفه و وجد أنّه موجود في الواقعة الجديدة غلب على ظنّه أنّهما متساويان في الحكم بناء على تساويهما في العلّة فيلحقها بها و يثبت لها حكمها.

و هذه العملية هي الّتي تسمّى القياس. و هو دليل نصبه الشارع لمعرفة الأحكام، لكنّه لا يلجأ إليه إلّا إذا لم يجد ما هو أقوى منه، و لذلك كان في المرتبة الرابعة في قائمة الأدلّة. (1)

هناك عدّة ملاحظات:

الأولى: إذا كان القياس دليلا في ما لم يكن هناك دليل شرعي من الكتاب و السنّة و الإجماع، فكيف يخصّص به عموم الكتاب و إطلاقه حيث ذهب الأئمّة الأربعة و الإمام الأشعري و جماعة من المعتزلة كأبي هاشم و أبي الحسين البصري إلى جوازه‏ (2)، مع أنّ موضوعه ما لا نصّ فيه، و الإطلاق و العموم دليل في المسألة.

و توهّم أنّ القياس خاص، و الخاص يقدّم على العام، غير تام، و ذلك لأنّ الخاص إنّما يقدّم على العام فيما إذا ثبتت حجّيته في مقابل الكتاب،

____________

(1). أصول الفقه الإسلامي: 189.

(2). لاحظ الإحكام للآمدي: 2/ 213؛ تيسير التحرير: 1/ 321.

41

كالخبر المتواتر أو المستفيض أو خبر الواحد- على قول- لا ما إذا حدّدت حجّيته بقيد «ما لا نصّ فيه» و المراد من النصّ مطلق الدليل و الإطلاق و العام دليلان، و مع وجودهما لا موضوع للقياس حتّى يكون حجّة فيقدم عليه.

الثانية: إذا كانت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) حجّة بنصّ حديث الثقلين، و ثبت عند الفقيه السنّي صحّة الحديث المروي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) كان عليه الأخذ بالحديث مكان الأخذ بالقياس لعدم الموضوع للقياس بعد صحّة الخبر.

و لا عذر لهم في ترك التحرّي و التحقيق في الأحاديث المروية عن علي و أولاده (عليهم السلام).

الثالثة: انّ الأستاذ مصطفى شلبي صرّح بأنّ الموجود في ذهن المجتهد هو غلبة الظن بأنّهما متساويان في الحكم، و التساوي فيه فرع الظن بالتساوي في العلّة، و إلّا فلو كان هناك علم بالتساوي في العلّة التامة، لحصل العلم بالتساوي في الحكم، كما هو الحال في الحكم بحرمة النبيذ للعلم بتساويه مع الخمر في العلّة، و عندئذ يسأل ما هو الدليل على حجّية هذا الظن الّذي يبنى عليه الفقه الإسلامي في مختلف الأبواب، و سيوافيك دراسة أدلّته.

ما تقدّم يسلّط الضوء على المقصود، و ها نحن نذكر أدلّة نفاة القياس.

ثمّ نذكر أدلّة مثبتيه أيضا، و ذلك ضمن البحثين التاليين:

42

البحث الأوّل: أدلّة نفاة القياس‏

قد نسب إلى نفاة حجّية القياس أدلّة غير تامّة غالبا، فنحن نعرض عنها و نأتي بما هو الصحيح المتقن عندنا في عدم حجّيته:

و قد نقل الشيخ الطوسي أدلّة نفاة القياس و قال: «على جميعها اعتراض»، ثمّ ذكر الاعتراضات، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «عدة الأصول». (1)

الشكّ في الحجّية يساوق القطع بعدمها

إنّ الأثر تارة يترتّب على الوجود الواقعي للشي‏ء كتحريم الخمر المترتّب على الخمر الواقعي، و أخرى يترتّب على واقعه و مشكوكه معا، كالطهارة حيث إنّ الطاهر الواقعي و مشكوك الطهارة كلاهما محكومان بالطهارة واقعا أو ظاهرا.

و ثالثة أخرى يترتّب على الوجود العلمي للشي‏ء بأن يكون معلوما للمكلّف.

____________

(1). عدة الأصول: 2/ 667- 668.

43

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المراد من الحجّة في المقام هو ما يحتجّ به المولى على العبد، و العبد على المولى.

و الغاية من جعل أمر- كالظن- حجّة هو كونه منجزا للواقع إذا كان مصيبا و موافقا للواقع، و معذّرا للمكلّف إذا كان مخالفا له، و هذا ما يعبّر عنه في علم الأصول بأنّ الغاية من الحجية، هو المنجّزية و المعذّرية.

هذا من جانب و من جانب آخر، انّ المنجزية و المعذرية ليستا من آثار الحجّة الواقعية و إن لم يقف عليها المكلّف، إذ في ظرف عدم الوقوف عليها، تكون البراءة الشرعية و العقلية محكّمة لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون»، و حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.

فعلى ضوء هذين الأمرين و في ظرف الشكّ في حجّية ظن من الظنون كخبر الواحد أو القياس يكون الشاك قاطعا بعدم الحجّية، و ينتج الشك في الحجّية، القطع بعدمها، لما عرفت من أنّ الغاية منها هو المنجزية و المعذرية، و هما من آثار معلوم الحجّية لا مشكوكها.

و هنا بيان آخر ربّما يكون أوضح من السابق و هو:

إنّ البدعة أمر محرم إجماعا من غير خلاف؛ و هي عبارة عن إدخال ما يعلم أنّه ليس من الدين أو يشكّ انّه منه، في الدين؛ و الاعتماد على الظن الذي لم يقم دليل على جواز العمل و الإفتاء على وفقه، التزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه و حقّ غيره، و هذا هو نفس البدعة، لأنّه يدخل في الدين ما يشكّ انّه من الدين.

44

و بعبارة أخرى: انّ العمل بالظن عبارة عن صحّة إسناد مؤدّاه إلى الشارع في مقام العمل، و من المعلوم أنّ إسناد المؤدّى إلى الشارع و العمل به إنّما يصحّ في حالة الإذعان بأنّ الشارع جعله حجّة، و إلّا يكون الإسناد تشريعا قوليا و عمليا دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة، و ليس التشريع إلّا إسناد ما لم يعلم أنّه من الدين إلى الدين.

قال سبحانه: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ. (1)

فالآية تدلّ على أنّ الإسناد إلى اللّه يجب أن يكون مقرونا بالإذن منه سبحانه، و في غير هذه الصورة يعدّ افتراء، سواء كان الإذن مشكوك الوجود كما في المقام أو مقطوع العدم، و الآية تعمّ كلا القسمين، و المفروض أنّ العامل بالظن شاك في إذنه سبحانه و مع ذلك ينسبه إليه.

و قال سبحانه: وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. (2)

تجد انّه سبحانه يذم التقوّل بما لا تعلم حدوده من اللّه، سواء أ كان مخالفا للواقع أم لا، و العامل بالظن يتقوّل بلا علم.

و تترتّب على ذلك النتيجة التالية:

إنّ الضابطة الكلية في العمل بالظن هي المنع، لكونه تشريعا قوليا

____________

(1). يونس: 59.

(2). الأعراف: 28.

45

و عمليا محرّما و تقوّلا على اللّه بغير علم، فالأصل في جميع الظنون- أي في باب الحجج- هو عدم الحجّية، إلّا إذا قام الدليل القطعي على حجّيته.

و على ضوء ذلك فنفاة القياس في منتدح عن إقامة الدليل على عدم حجّيته، لأنّ الأصل عدم حجّية الظن إلّا ما قام على حجّيته الدليل، و إنّما يلزم على مثبتي القياس إقامة الدليل القطعي على أنّ الشارع سوّغ العمل بهذا النوع من الظن كما سوغ العمل بخبر الثقة، و لو قام الدليل القطعي على حجّيته، لخرج عن البدعة و صار ممّا أذن اللّه به و ممّا يتعبّد به، و هذا ما نبحثه في البحث الثاني. فإن ثبت الدليل القاطع على حجّية هذا الظن نخرج من الأصل بالدليل، و إلّا كان الأصل هو المرجع.

البحث الثاني: أدلّة مثبتي القياس‏

استدلّ القائلون بالقياس بوجوه من الأدلّة من الكتاب و السنّة و العقل.

فلنقدّم البحث فيما استدلّوا به من الآيات.

[الاستدلال بالقرآن الكريم:]

الآية الأولى: آية الرد إلى اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي‏

46

الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا. (1)

[كيفية الاستدلال:]

لم تزل الآية يستدلّ بها كابر بعد كابر على حجّية القياس، و لبّ الدليل هو: «أنّ العمل بالقياس رد إلى اللّه سبحانه و رسوله» و إليك التفصيل:

إنّه سبحانه أمر المؤمنين إن تنازعوا و اختلفوا في شي‏ء، ليس للّه و لا لرسوله و لا لولي الأمر منهم فيه حكم، أن يردّوه إلى اللّه و الرسول، و ردّه و إرجاعه إلى اللّه و إلى الرسول يشمل كلّ ما يصدق عليه أنّه ردّ إليهما، و لا شكّ أنّ إلحاق ما لا نصّ فيه بما فيه نصّ لتساويهما في علّة حكم النص؛ من رد ما لا نصّ فيه إلى اللّه و الرسول، لأنّ فيه متابعة للّه و لرسوله في حكمه. (2)

و قال أبو زهرة: و ليس الرد إلى اللّه و إلى الرسول إلّا بالتعرّف على الأمارات الدالّة منهما على ما يرميان إليه، و ذلك بتعليل أحكامهما و البناء عليها، و ذلك هو القياس. (3)

و قال محمد مصطفى شلبي: و في هذه الآية يأمر اللّه المؤمنين عند الاختلاف و التنازع في شي‏ء ليس للّه و لا لرسوله حكم صريح فيه أن يردّوه إلى اللّه و رسوله، و معنى الردّ إلى اللّه و الرسول إرجاع المختلف فيه إلى‏

____________

(1). النساء: 59.

(2). علم أصول الفقه: 61.

(3). أصول الفقه: 207.

47

كتاب اللّه و سنّة رسوله، فيلحق النظير بنظيره، و ما تنازعته الأشباه يلحق بأقربها شبها، و لا يتحقّق ذلك إلّا في الاشتراك بالعلّة فيؤول الأمر إلى الأمر بالقياس. (1)

و لا يخفى أنّ القوم كلّهم قد ضربوا بسهم واحد بمعنى انّهم عبّروا عن حقيقة واحدة بألفاظ متقاربة.

و الّذي يجب علينا هو تحديد معنى «الرد إلى اللّه و رسوله»، ليتبين أنّ العمل بالقياس ردّ إلى اللّه و رسوله، أو هو عمل بالظن بأنّه حكم اللّه.

أقول: إنّ الرد إلى اللّه سبحانه و رسوله يتحقّق إمّا بالرجوع إليهم و سؤالهم عن حكم الواقعة، قال سبحانه: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. (2)

أو إرجاعها إلى الضابطة الكلّية الّتي ذكرها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فمثلا إذا شككنا في لزوم شرط ذكره المتعاقدون في العقد و عدمه، فنرجع إلى الضابطة الّتي ذكرها الرسول في باب الشروط و قال: «إنّ المسلمين عند شروطهم، إلّا شرطا حرّم حلالا أو أحلّ حراما».

قال القرطبي في تفسير قوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏ أي ردّوا ذلك الحكم إلى كتاب اللّه، أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر إلى سنّته بعد وفاته. و هذا قول مجاهد و الأعمش و قتادة و هو الصحيح- إلى أن‏

____________

(1). أصول الفقه الإسلامي: 200؛ و لاحظ أصول السرخسي: 2/ 129 و غيره.

(2). الأنبياء: 7.

48

قال-: و قد استنبط عليّ (عليه السلام)- مدّة أقلّ الحمل- و هو ستّة أشهر من قوله تعالى: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (1) و قوله تعالى: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ‏ (2)، فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهرا بقيت ستة أشهر.

و أين هذا (أي الرد إلى كتاب اللّه و سنّة رسوله)، من الرجوع إلى القياس، لأنّ قياس ما لا نصّ فيه على ما نصّ فيه لأجل تساوي الواقعتين في شي‏ء أو في أشياء نحتمل أو نظنّ أن تكون جهة المشاركة هي العلّة لبناء الحكم، ليس ردّا إلى اللّه و رسوله، لأنّ العلّة، ليست منصوصة في كلامه أو كلام نبيّه، بل مستنبطة بطريق من الطرق الّتي لا نذعن بإصابتها بل عملا بالظن بأنّه حكم اللّه.

و بذلك يظهر ضعف تفسير الشيخ أبي زهرة الآنف الذكر، ذلك أنّ الاهتداء بتعليل الأحكام إلى نفسها إنّما يصحّ إذا كانت العلّة مذكورة في كلامه سبحانه أو كلام رسوله، لا ما إذا قام العقل الظنّي باستخراج العلّة بالسبر و التقسيم أو بغيرهما من الطرق.

و حصيلة الكلام أوّلا: أنّه لا مشاحة في الكبرى و هي:

وجوب الرد إلى اللّه و رسوله، و إنّما النزاع في الصغرى و هي: هل العمل بالقياس ردّ إلى اللّه و رسوله، أو عمل بالظن بأنّه حكم اللّه؟ و ذلك‏

____________

(1). الأحقاف: 5.

(2). البقرة: 233.

49

لأنّ العلّة لو كانت منصوصة في كلامه سبحانه أو في كلام نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو ما حصل اليقين بكونه العلّة، يصحّ أنّه ردّ إلى اللّه، لأنّه عمل بالتعليل الشامل للأصل و الفرع.

و أمّا إذا كانت العلّة مظنونة، أي نحتمل انّها العلّة أو أنّها جزء علّة أو أنّ العلّة غيرها، فمع هذه الاحتمالات كيف يصدق عليه أنّه ردّ إلى اللّه و رسوله؟!

و ثانيا: انّ الآية نزلت في مورد التخاصم و التحاكم، كما يدلّ عليه قوله سبحانه في نفس الآية: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ، و قوله سبحانه بعد هذه الآية: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ‏ (1). و من المعلوم أنّ الرجوع إلى القياس الظني لا يفضّ نزاعا و لا يقطع اختلافا، و إنّما يقطع النزاع الرجوع إلى كتاب اللّه و سنّة رسوله اللّذين لا يختلف فيهما اثنان، و لذلك تختلف فتاوى العلماء القائلين بحجيّة القياس في موارد كثيرة حيث إنّ البعض يرى توفر شروط العمل به دون البعض الآخر، و مثله لا يقطع الخصومة.

و ثالثا: انّ مصب الآية هو التنازع فلو دلّت الآية على حجّية القياس في باب التحاكم لاختصت دلالتها به، و تعميمها إلى باب الإفتاء، يحتاج إلى دليل و التمسّك بالقياس في هذا المورد، يستلزم الدور، لأنّ حجّية الآية في‏

____________

(1). النساء: 60.

50

مورد الإفتاء تتوقّف على حجّية القياس، و المفروض، انّ حجيته موقوفة على دلالة الآية.

الآية الثانية: آية الاعتبار

قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. (1)

و الحشر هو الاجتماع، قال سبحانه: وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى‏ (2)، و هو كناية عن اللقاء بين اليهود (بني النضير المقيمين في المدينة) و المسلمين.

كيفية الاستدلال‏

إنّه سبحانه ذكر ما حلّ بهم و نبّه على علّته و سببه ثمّ أمر بالاعتبار و ذلك تحذير من مشاركتهم في السبب، فلو لم تكن المشاركة في السبب تقتضي المشاركة في الحكم، ما كان لهذا القول معنى. (3)

يقول الأستاذ محمد مصطفى شلبي: و هو تحذير لهم و بيان أنّ سنّة

____________

(1). الحشر: 2.

(2). طه: 59.

(3). عدة الأصول: 2/ 673.

51

اللّه في خلقه أنّ ما جرى على الشي‏ء يجري على نظيره و أنّ المسببات مرتبطة بأسبابها، فإذا وجد السبب وجد المسبب، و ما القياس إلّا إلحاق النظير بنظيره في إعطائه حكمه و ربط للحكم بعلته يوجد معهما حيثما وجدت، فتكون الآية أمرا بأمر عام يشمل القياس و غيره، و الأمر يفيد المشروعية بصرف النظر عن كونه للوجوب أو الندب. (1)

و قال عبد الوهاب خلّاف: و هذا يدلّ على أنّ سنّة اللّه في كونه، أنّ نعمه و نقمه و جميع أحكامه هي نتائج لمقدّمات أنتجتها، و مسببات لأسباب ترتّبت عليها، و أنّه حيث وجدت المقدّمات نتجت عنها نتائجها، و حيث وجدت الأسباب ترتّبت عليها مسبباتها، و ما القياس إلّا سير على هذه السنن الإلهي، و ترتيب المسبب على سببه في أيّ محل وجد فيه. (2)

يلاحظ عليه: أوّلا: إنّ المثبت و النافي ركّزا على تفسير قوله سبحانه:

فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ فالمثبت يقول: إنّ لفظ الاعتبار من العبرة، و هو العبور من شي‏ء إلى شي‏ء، فيدلّ على أنّ من وظائف الإنسان هو العبور من شي‏ء إلى مشابهه. فالقياس من تلك المقولة، أي عبور من الأصل إلى الفرع.

و لكن نفاة القياس يركّزون على أنّ المراد هو الاتّعاظ، أي فاتّعظوا بقصة بني النضير، و أين هو من القياس؟!

____________

(1). أصول الفقه الإسلامي: 199.

(2). علم أصول الفقه: 62.

52

أقول: سواء أفسّر الاعتبار بالاتّعاظ أم بالعبور من شي‏ء إلى شي‏ء، فإنّ المرمى في كليهما واحد، لأنّ الاتّعاظ أيضا لا يخلو من العبور، أي العبور ممّا شاهد إلى ما لم يشاهد.

و بذلك يظهر أنّ النزاع في قوله: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ نزاع لا طائل تحته. إنّما الكلام في كون الاعتبار بالمسائل الكونية الّتي هي سنن اللّه سبحانه، هل هي من مقولة القياس أو لا صلة لها به؟

و التحقيق هو الثاني، و ذلك لأنّ من شرائط العمل بالقياس هو أن لا يكون الدليل الدالّ الّذي دلّ على العلّة، متناولا حكم الفرع لا بعمومه و لا بخصوصه، فإذا كان الدليل الدالّ على العلّة شاملا للفرع و الأصل في درجة واحدة غير أنّ أحد المصداقين كان ملموسا و الآخر غير ملموس، فهذا خارج عن كونه قياسا، و المقام من تلك المقولة.

توضيحه: انّ الآية بصدد بيان سنّة اللّه في الظالمين من غير فرق بين بني النضير و غيرهم، و أنّ إجلاء بني النضير من قلاعهم و تخريبهم بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين كان جزاء لأعمالهم الإجرامية و من مصاديق تلك الضابطة الكلّية، حيث إنّه سبحانه و تعالى يعذب الكافر و المنافق و الظالم بألوان العذاب و لا يتركه، فليس هناك أصل متيقّن و لا فرع مشكوك حتّى نستبين حكم الثاني من الأوّل بواسطة المشابهة، بل كلّ ذلك فرض على مدلول الآية.

و كم لها من نظائر في القرآن الكريم، قال سبحانه: فَسِيرُوا فِي‏

53

الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. (1)

و قال سبحانه: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ. (2)

و أدلّ دليل على أنّ الآية ليست بصدد بيان حجّية القياس، هو أنّك لو وضعت كلمة أهل القياس مكان قوله: أُولِي الْأَبْصارِ فقلت: فاعتبروا يا أهل القياس، لعاد الكلام هزلا غير منسجم.

و ثانيا: نفترض أنّ الآية بصدد بيان أنّ حكم النظير، يستكشف من حكم النظير، و لكن مصبّها هو الأمور الكونيّة لا الأمور التشريعية و الأحكام الاعتبارية، فتعميم مدلول الآية من الأولى إلى الثانية يحتاج إلى دليل، و إثبات التعميم بالتمسّك بالقياس مستلزم للدور.

و ثالثا: نفترض أنّها بصدد إضفاء الحجّية على القياس في التشريع أيضا، و أنّ حكم الفرع يعلم من حكم الأصل فيما إذا توفّرت علّة الحكم بينهما بحيث يجعلهما كصنوان على أساس واحد، و لكن ما هو المسلك الكاشف عن توفّر العلّة، فالآية ساكتة عنه، فهل المسلك الكاشف هو:

1. تنصيص الشارع عليها في كلامه؟

____________

(1). آل عمران: 137- 138.

(2). هود: 82- 83.

54

2. أو الإجماع على وحدة العلّة؟

3. أو تنقيح المناط حسب فهم العرف من الكلام؟

4. أو تخريج المناط بالسبر و التقسيم؟

و بما أنّ الآية ساكتة عن هذه الجهة فلا يصحّ الاستدلال بها على حجّية القياس على وجه الإطلاق.

الآية الثالثة: آية النشأة الأولى‏

قال سبحانه: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. (1)

وجه الاستدلال:

أنّ الآية الثانية جواب لما ورد في الآية الأولى، أعني:

قوله: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ‏ فأجيب بقياس إعادة المخلوقات بعد نشأتها، على بدء خلقها و إنشائها أوّل مرة ليقنع الجاهلين بأنّ من يقدر على خلق الشي‏ء، و إنشائه أوّل مرّة، قادر على أن يعيده مرة ثانية.

و هذا الاستدلال بالقياس، إقرار بحجّيته و صحّة الاستدلال به. (2)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ اللّه سبحانه لم يرد الحديث عن القياس، فهو أجلّ من أن يقيس شيئا على شي‏ء، و إنّما أراد الاستدلال و إلقاء البرهان، فأشار إلى سعة قدرته و وجود الملازمة بين القدرة على إنشاء العظام‏

____________

(1). يس: 78- 79.

(2). علم أصول الفقه: 62.