تاريخ المدينة

- محمد بن أحمد النهرواني المزيد...
246 /
5

مقدمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين

و الصلاة و السلام على أفضل خلق اللّه سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين و على آله و أصحابه ...

و بعد:

فإن التراث كنوز الشعوب و الأمم، فهو الخالد الباقى على مر عصور الزمان، و تتمتع الأمة الإسلامية بثراء هذه الكنوز، و المدينة المنورة من المدن التى ذكرت فى كتاب اللّه العزيز و الأحاديث النبوية، فهى معقل من معاقل الدعوة المحمدية الزكية، و قد كتب عدد لا بأس به من المؤرخين و الجغرافيين و المحدثين و المفسرين عن المدينة المنورة و أيضا عن مكة بطريقة دقيقة و منظمة نذكر منهم الأزرقى و ابن ظهيرة و العاقولى و الفاسى و ابن النجار و السيوطى.

فقال الجغرافى ياقوت الحموى عن المدينة (1) «لهذه المدينة تسعة و عشرون اسما و هى: المدينة و طيبة و طابة و المسكينة و العذراء و الجابرة و المحبة و المحببة و المجبورة و يثرب و الناجية و الموفية و أكالة البلدان و المباركة و المحفوفة و المسلمة و المجنة و القدسية و العاجمة و المرزوقة و الشافية و الخيرة و المحبوبة و المرحومة و جابرة و المختارة و المحرمة و القاحمة و طبايا».

قال الزبير بن بكار فى كتابه «أخبار المدينة» بلغنى أن للمدينة فى التوراة أربعين اسما.

و قال عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب: سمى اللّه المدينة «الدار و الإيمان» لقوله تعالى: وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ‏ (2).

____________

(1) معجم البلدان 5/ 83.

(2) 9 م الحشر 59.

6

و عن زيد بن أسلم رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «للمدينة عشرة أسماء فهى: المدينة و هى طيبة و طابة و مسكينة و جابرة و مجبورة و يندد (1) و يثرب و الدار».

و هناك قول آخر أن للمدينة فى التوراة أحد عشر أسما: طيبة و طابة و المسكينة و المجبورة و المرحومة و العذراء و المحبة و المحبوبة و الفاطمة.

كذلك كان العلم ذاخرا بها فى زمن التابعين كالفقهاء السبعة و هم سعيد بن المسيب و عروة بن الزبير و القاسم بن محمد و عبيد اللّه بن عتبة بن مسعود و خارجة بن زيد و سليمان بن يسار و فى السابع ثلاثة أقوال، فقيل سالم بن عبد اللّه بن عمر و قيل أبو سلمة بن عبد الرحمن و قيل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و كذلك من زمن صغار التابعين كزيد بن اسلم و ربيعة الرأى و يحيى بن سعيد و ابى الزناد ..

و غيرهم ثم خرج منها امام الأئمة مالك بن انس ابو المذاهب الفقهية.

شيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مسجده الشريف فى السنة الأولى من هجرته و اتخذ سواريه من النخيل و سقفه من الجريد و لم يرتفع إلا مترين ليتمكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الوقوف على الجذع فى وقت الخطبة و بعد عودة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) من غزوة خيبر عام 7 ه اصبح المسجد ضيقا لا يسع المسلمين فاعتزم النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) على توسيعه فاصبح 100 ذراع فى 100 ذراع.

ثم فى عهد عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه رأى انه من الضرورة توسيع مسجد النبى‏

____________

(1) قال فى وفاء النيل» ذكره كراع هكذا بالمثناة التحية و الدالين، و هو إما من الند- بالنون المشددة المفتوحة- و هو الطيب المعروف، و قيل العنبر، أو من الند و هو التل المرتفع، أو من الناد و هو الرزق، و الذى سرده الشيخ (رحمه اللّه تعالى): لا يبلغ العشرة قال لصاحب «وفاء الوفاء» فيه و حديث للمدينة عشرة اسماء من طريق عبد العزيز بن عمران و سردها فيه ثمانية فقط.

ثم روى من طريقة أيضا عن عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب «سمى اللّه المدينة الدار و الإيمان».

قال: و جاء فى الحديث الأول ثمانية اسماء و جاء فى هذا اسمان، فاللّه أعلم أهما تمام العشرة أم لا.

و رواه ابن زبالة كذلك إلا أنه سرد تسعة فزاد اسما و اسقط العاشر منه.

7

(صلّى اللّه عليه و سلم) و قد حدد ابن عمر مقدار هذه الزيادة فقال «.. جعل طوله 140 ذراعا و عرضه 120 ذراعا فتكون الزيادة فيه 1100 متر مربع» (1).

و فى عهد عثمان بن عفان رضى اللّه عنه و بالتحديد سنة 29 ه جدد عثمان رضى اللّه عنه على نسق ما فعله من عمارة فى المدينة المنورة اى بنى بالحجارة المنحوتة و السوارى الضخمة و جعل سقفه من خالص خشب الساج كما وسع من الجهات الثلاث الجنوبية و الغربية و الشمالية عشرة اذرع و قد قام عثمان رضى اللّه عنه بتتبع سير العمل بنفسه حتى انتهى فى عشرة اشهر.

و فى عهد الوليد بن عبد الملك و بالتحديد سنة 88 ه ادخل حجرات امهات المؤمنين فبلغت الجهة الغربية عشرين ذراعا و الجهة الشرقية ثلاثين ذراعا و هو اول من وشى جدرانه بالمرمر و زخارف الفسيفساء و جلل سقفه بماء الذهب و قد جعله من خالص خشب الساج، و استمر العمل فيه اربع سنوات، و قد انفق فى عمارته خمسة و اربعين الف دينار و كان ذلك فى ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة المنورة و قد أشرف على العمارة بنفسه.

و فى عام 161 ه جدد عمارة المسجد المهدى العباسى، و زاد مائة ذراع فى الجهة الشمالية، و ايضا استمر العمل اربع سنوات من عام 161 الى 165 ه.

و فى عام 655 ه وقع احتراق فى المسجد الشريف بسبب اهمال موقد المصابيح و قد خرب الحريق المسجد، و لم تفلت منه إلا قبة الناصر لدين اللّه التى كانت فى رحبته، و حين بلغ المستعصم العباسى الخبر ارسل الصناع و الآلات فى موسم الحج، و بدأ العمل عام 655 ه و قد حدثت فى هذا العام احداث التتار و حروبهم و لكن عمل البناء لم يتوقف اذ اشترك فيه الملك المظفر ملك اليمن و ملك نور الدين على بن المعز الصالحى و إن كانت العمارة لم تنته إلا فى عهد الملك الظاهر بيبرس.

____________

(1) انظر الملحق الثانى من كتاب شفاء الغرام للفاسى ص 407.

8

و من أشهر الملوك و السلاطين الذين قاموا بالتجديد أو التوسعة أو الاصلاح أو الترميم.

1- الملك الناصر محمد بن قلاون 705 و 706 و 729 هجرية.

2- الملك الأشرف برسباى عام 831 هجرية.

3- الملك الظاهر شقمق عام 853 هجرية.

4- الملك الأشرف قايتباى عام 879 هجرية.

5- السلطان سليمان العثمانى عام 974 هجرية.

و الكتاب الذى بين ايدينا «تاريخ المدينة» للإمام «قطب الدين بن علاء الدين النهروانى» (1) و هو العالم الكبير أحد المدرسين بالحرم الشريف فى الفقه و التفسير و الاصلين و سائر العلوم، و كان يكتب الانشاء لاشراف مكة و له فصاحة عظيمة يعرف ذلك من اطلع على مؤلفه الذى سماه «البرق اليمانى فى الفتح العثمانى» و هو مؤلف «الاعلام فى اخبار بيت اللّه الحرام» و كان عظيم الجاه عند الاتراك لا يحج احد من كبرائهم الا و هو الذى يطوف به و لا يرتضون بغيره، و كانوا يعطونه العطاء الواسع و كان يشترى بما يحصله منهم نفائس الكتب و يبذلها لمن يحتاجها، و اجتمع عنده منها ما لم يجتمع عند غيره، و كان كثير التنزهات فى البساتين و كثيرا ما يخرج الى الطائف و يستصحب معه جماعة من العلماء و الأدباء و يقوم بكفاية الجميع، و مات سنة 988 هجرية- ثمان و ثمانين و تسعمائة- هكذا أرخ موته الضمدى فى ذيل الغربال.

و قال العصامى فى تاريخه انه توفى فى يوم السبت السادس و العشرين من ربيع الثانى سنة 990 ه تسعمائة و تسعين.

قال و أرخ بعضهم موته فقال «قد مات قطب الدين أجل علماء مكة».

ثم قال و هو يزيد على تاريخ موته بواحد.

____________

(1) النهروالى باللام كما ضبطه فى أعلام الإعلام و غيره، نسبة إلى قرية من الهند لا الى النهروان كما يتوهم مما هنا.

9

كانت هذه لمحة سريعة عن المؤلف و حياته.

و قد قمت بتصوير المخطوطة من معهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 965 تاريخ و عدد أوراقها 133 ورقة، و خطها واضح و سهل القراءة.

فلهذا نقدم هذا العمل البسيط خدمة للباحثين و الدارسين و المؤرخين فأرجو من اللّه عز و جل أن ينال هذا العمل رضا اللّه و المسلمين.

و اللّه ولى التوفيق د. محمد زينهم محمد عزب القاهرة 1416 ه- 1995 م‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و به العون و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين ...

الفصل الأول فى أول سكنى المدينة

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

قال أهل التاريخ و السير: كان سكنى العماليق‏ (1) غزة و عسقلان و ساحل بحر الروم، و ما بين مصر و فلسطين، ثم سكنوا مكة و المدينة و الحجاز كله و عتود (2) فبعث اليهم موسى جندا من بنى اسرائيل فقتلوهم.

و عن زيد بن اسلم‏ (3) قال: بلغنى ان ضبعا رعيت و أولادها رابضة فى حجاج عين رجل من العماليق.

قال: و لقد كان يمضى فى ذلك الزمان اربعمائة سنة و ما يسمع بجنازة .. و كان جالوت من العماليق و كان عوج و امه عناق من العماليق الذين كانوا بأريحا.

قال ابن عمر (4): كان طول عوج ثلاثة و عشرين الف ذراع و ثلاثمائة و ثلاثين ذراعا

____________

(1) من شعوب جنوبى فلسطين قديما، حاربهم العبرانيون منذ دخولهم أرض المعاد حتى أيام الملك حزقيا (716- 687 ق م).

(2) بكسر أوله و سكون ثانيه و فتح الواو و آخره دال، قيل: هو اسم موضع بالحجاز.

انظر: معجم البلدان 4/ 83.

(3) هو زيد بن أسلم المدنى الفقيه ابن أسامة، و يقال أبو عبد اللّه مولى عمر بن الخطاب.

روى عن أنس و جابر بن عبد اللّه و سلمة بن الأكوع و ابن عمرو و أبى هريرة و عائشة، و عنه ابنه أسامة و أيوب السختيانى و روح بن القاسم و السفيانان و ابن جريج، و كان له حلقة فى المسجد النبوى.

قال يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه و العلم، عالم بتفسير القرآن.

و كان يقول: ابن آدم اتق اللّه يحبك الناس، و إن كرهوا.

مات سنة 136 ه.

انظر: طبقات المفسرين للداودى 1/ 176، العبر 1/ 183، طبقات القراء لابن الجزرى 1/ 296، خلاصة تذهيب الكمال 108، تذكرة الحفاظ 1/ 132، تهذيب التهذيب 3/ 395، طبقات الحفاظ 53.

(4) هو عبد اللّه بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن العدوى المدنى الفقيه، أحد الأعلام فى العلم و العمل، شهد الخندق، و هو من أهل بيعة الرضوان، و ممن كان يصلح للخلافة فعين لذلك يوم الحكمين مع وجود مثل الإمام على و فاتح العراق سعد و نحوهما رضى اللّه عنهما، و مناقبه جمة اثنى عليه النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و وصفه بالصلاح، توفى سنة 94 ه.

انظر: نكت الهميان 183، النجوم الزاهرة 1/ 192، العبر 1/ 83، طبقات القراء لابن الجزرى 1/ 437، شذرات الذهب 1/ 81، تذكرة الحفاظ 1/ 37، تاريخ بغداد 1/ 171، الإصابة 1/ 338، أسد الغابة 3/ 340.

22

و ثلثى ذراع، بذراع الملك، و عاش ثلاثة آلاف سنة، .... (1) و احدى بنات آدم لصلبه، و هى أول من بغى على وجه الأرض فهلكت كانت كل أصبع من أصابعها ثلاثة أذرع فى ذراعين ولدت حواء على اثرها قابيل ثم هابيل.

قال ابن قتيبة (2) فى تأويل مختلف الحديث و من العجب أن عوجا كان فى زمن (ق 3) موسى (عليه السلام) و له هذا الطول، و كان لفرعون موسى من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب و الفضة و الزبرجد و الياقوت طمس اللّه تعالى عليها فصارت حجارة لقول موسى (عليه السلام) [كما حكى القرآن الكريم‏] رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ‏ (3) و فرعون أول من خضب بالسواد.

ذكر سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق‏

اعلم أن موسى (عليه السلام) لما أهلك فرعون، و طئ الشام و أهلك من فيها، و بعث بعثا من اليهود إلى الحجاز و أمرهم ألا يستبقوا من العماليق أحدا بلغ الحلم فقدموا فقتلوهم‏

____________

(1) كلمة غير واضحة بالأصل.

(2) هو عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينورى النحوى اللغوى الكاتب، نزيل بغداد.

قال الخطيب: كان رأسا فى العربية و اللغة و الأخبار و أيام الناس، ثقة دينا فاضلا، ولى قضاء الدينور و حدث عن إسحاق بن راهويه و أبى حاتم السجستانى و عنه ابنه القاضى أحمد و ابن درستويه.

قال البيهقى: كان كراميا، قال الحاكم: أجمعت الأمة على أنه كذاب، له عدة مصنفات منها «إعراب القرآن» و «معانى القرآن» و «مختلف الحديث» و «جامع النحو» و «الخيل» و «ديوان الكتاب» و «خلق الإنسان» و «دلائل النبوة» و «الأنواء» و «مشكل القرآن».

ولد سنة 213 ه، و مات سنة 271 هجرية.

(3) 88 ك يونس 10.

23

و قتلوا ملكهم، و كان يقال له الأرقم بن أبى الأرقم، و استحيوا ابنا له شابا و قدموا به فقبض موسى (عليه السلام) قبل قدومهم.

فتلقتهم بنو إسرائيل فوجدوا الغلام معهم فقالوا: ان هذه لمعصية منكم لما خالفتم من أمر نبيكم، و اللّه لا تدخلوا علينا بلادنا، و حالوا بينهم و بين الشام فرجعوا فسكنوا الحجاز و كانت الحجاز إذ ذاك شجر (ق 4) بلاد اللّه تعالى و اظهر ماء.

قالوا: و كان هذا اول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق و كان جميعهم بزهرة بعين الحرة و السافلة مما يلى القف، و كانت لهم الأموال بالسافلة و نزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول، سيل بطحان و العقيق‏ (1) و سيل قناة مما يلى زغاية، و خرجت قريظة و أخوتهم بنو هدل معا و هم بنو الخزرج و النضير بن النحام بن الخزرج.

و قيل قريظة و النضير أخوان، و هما ابنا الخزرج بن الصريح، فخرجوا بعد هؤلاء فتتبعوا آثارهم فنزلوا بالعالية على واديين يقال لهما مذينب و مهزوز، فنزلت بنو النضير على مذينب‏ (2) و اتخذوا عليه الأموال، و نزلت قريظة و هذل على مهزور، و اتخذوا عليه الأموال و كانوا أول من احتفر بها الآبار و اغترس الأموال و ابتنى الآطام و المنازل، فكان جميع ما ابتنى اليهود بالمدينة من الآطام تسعة و خمسين أطما و الآطام الحصون واحدها أطم (ق 5).

____________

(1) بفتح أوله و كسر ثانيه و قافين بينهما ياء مثناة من تحت.

قال أبو منصور: و العرب تقول لكل مسيل ماء شقه السيل فى الأرض فأنهره و وسعه عقيق، و قال الأصمعى: الاعقة الأودية.

انظر: معجم البلدان 4/ 138- 139.

(2) بوزن تصغير المذنب و أصله مسيل الماء بحضيض الأرض بين تلعتين.

و قال ابن شميل: المذنب كهيئة الجدول يسيل عن الروضة ماؤها إلى غيرها فتفرق ماءها فيها و التى يسيل عليها الماء مذنب أيضا، و قال ابن الأعرابى: مذنب الوادى، و المذنب الطويل الذنب.

انظر: معجم البلدان 5/ 91.

24

قال الخطابى‏ (1): هو بناء من الحجارة و مثله الآجام و الصياصى.

ثم نزل أحياء من العرب على يهود و ذلك انه كان بالمدينة قرى و أسواق من يهود بنى إسرائيل، و كان قد نزل عليهم أحياء من العرب ابتنوا معهم الآطام و المنازل قبل نزول الأوس و الخزرج و هم بنو أنيف، حى من بلى، و يقال إنهم من بقية العماليق.

و بنو مرثد حى من بلى و بنو معاوية بن الحارث بن بهثة من بنى قيس بن غيلان، و بنو الجذمى حى من اليمن، و كان جميع ما ابتنى العرب من الآطام بالمدينة ثلاثة عشر أطما.

ذكر نزول الأوس و الخزرج المدينة

لم تزل اليهود الغالبة على المدينة حتى جاء سيل العرم، و كان منه ما كان و ما قص اللّه تعالى فى كتابه ان أهل مأرب و هى أرض سبأ كانوا آمنين فى بلادهم تخرج المرأة بمعزلها لا تتزود شيئا تبيت فى قرية و تقيل فى أخرى حتى تأتى الشام، و لم يكن فى ارضهم حية و لا عقرب و لا ما يؤذى، فبعث اللّه تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم (ق 6) و قالوا: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا (2) فسلط اللّه تعالى عليهم سيل العرم، و هو السيل الشديد الذى لا يطاق.

و قيل العرم اسم الوادى و قيل اسم المياه و ذلك ان اللّه تعالى سلط عليهم جرذا يسمى الخلد، و الخلد هو الفأر الأعمى فنقب السد من اسفله حتى دخل السيل عليهم فغرقت‏

____________

(1) هو الإمام الخطابى العلامة المفيد المحدث الرحال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستى صاحب التصانيف، سمع أبا سعيد بن الأعرابى و أبا بكر بن داسة و الأصم، و منه الحاكم، و صنف شرح البخارى و معالم السند و غريب الحديث، و شرح الأسماء الحسنى و العزلة، و غير ذلك، و كان ثقة متثبتا من أوعية العلم، أخذ اللغة عن أبى عمر الزاهد، و الفقه عن القفال و ابن أبى هريرة.

مات سنة 388 هجرية.

(2) 19 ك سبأ 34.

25

ارضهم، و قيل أرسل عليهم ماء أحمر فخرب السد و تمزق من سلم منهم فى البلاد.

و كان السد فرسخا فى فرسخ، بناه لقمان الأكبر العادى للدهر على زعمه، و كان يجتمع إليه مياه اليمن من مسيرة شهر، و تقدم فى الباب قبل هذا قصته طريق الكاهنة، و ما قالت لقومها و انها قالت لهم: من كان منكم يريد الراسيات فى الوحل المطمعات فى المحل فليلحق بيثرب ذات النخل، فلحق بها الأوس و الخزرج فوجدوا الآطام و الأموال و القوة لليهود فعاملوهم زمانا، فصار لهم مال و عدد.

فمكث الاوس و الخزرج معهم ما شاء اللّه، ثم سألوهم ان يعقدوا بينهم الجوار او حلفا (ق 7) يأمن به بعضهم من بعض و يمتنعون به ممن سواهم، فتعاقدوا و تحالفوا و اشتركوا و تعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا حتى قويت الأوس و الخزرج و صار لهم مال و عدد، فلما رأت قريظة و النضير حالهم خافوا أن يغلبوهم على دورهم و أموالهم فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذى كان بينهم و كان النضير أعد و أكثر فأقامت الأوس و الخزرج فى منازلهم و هم خائفون أن تجليهم يهود حتى نجم منهم مالك بن عجلان اخو بنى سالم بن عوف بن الخزرج.

ذكر قتل اليهود و استيلاء الأوس و الخزرج على المدينة

لما نجم مالك بن عجلان سوده الحيان عليهما فبعث هو و جماعة قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم حالهم و يشكون إليهم غلبة اليهود لهم، و كان رسولهم الرمق ابن زيد بن امرئ القيس أحد بنى سالم بن عوف من الخزرج، و كان قبيحا دميما شاعرا بليغا فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان الذين ساروا من يثرب إلى الشام يقال له (ق 8) أبو جبيلة (1) من ولد حفنة بن عمرو بن عامر، و قيل كان أحد بنى‏

____________

(1) و اسمه عبيد بن سالم بن مالك بن سالم.

26

جشم بن الخزرج، و كان قد أصاب ملكا بالشام و شرفا فشكا إليه الرمق حالهم و غلبة اليهود لهم و ما يتخوفون منهم و انهم يخشون أن يخرجوهم.

فأقبل أبو جبيلة فى جمع كثير لنصرة الأوس و الخزرج، و عاهد اللّه تعالى ألا يبرح حتى يخرج من بها من اليهود و يذلهم أو يصيرهم تحت أيدى الأوس و الخزرج فسار و أظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة و هى يومئذ يثرب فلقيهم الأوس و الخزرج و أعلمهم ما جاء به.

فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا فى آطامهم فلم تقدر عليهم و لكن تدعوهم للقائك و تلطفهم حتى يأمنوك و يطمئنوا فتستمكن منهم، فصنع لهم طعاما و أرسل إلى و جهائهم و رؤسائهم فلم يبق من وجهائهم إلا أتاه و جعل الرجل منهم يأتى بحاشيته و حشمة رجاء ان يحبوهم الملك.

و كان قد بنى لهم حيزا و جعل فيه قوما و أمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه حتى أتى على وجهائهم و رؤسائهم (ق 9) فلما فعل ذلك عزت الأوس و الخزرج بالمدينة و اتخذوا الديار و الاموال.

و انصرف أبو جبيلة و تفرقت الأوس و الخزرج فى عالية المدينة و سافلها، و كان منهم من جاء إلى عفاء من الأرض لا ساكن فيه فنزله، و منهم من لجأ إلى قرية من قراها و اتخذوا الأموال و الآطام، و كان ما بنوا من الآطام مائة و سبعة و عشرين أطما، و أقاموا كلمتهم واحدة و أمرهم مجتمع.

ثم دخلت بينهم حروب عظام و كانت لهم أيام و مواطن و أشعار، فلم تزل تلك الحروب بينهم حتى بعث اللّه تعالى رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم) فأكرمهم اللّه تعالى بأتباعه و الأوس و الخزرج حيان ينسبان الى قطحان لأن من قطحان افترقت سبع و عشرون قبيلة منهم الاوس و الخزرج و هما الانصار و هو جمع نصير و سموا انصارا حين آووا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و نصروه.

و عنه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أسلمت الملائكة طوعا و الأوس و الخزرج طوعا و جميع العرب كرها».

27

الفصل الثانى فى ذكر فتح المدينة و هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه إليها

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

ذكر ما جاء فى فتحها

قالت عائشة (1) رضى اللّه عنها: «كل البلاد افتتحت بالسيف، و افتحت المدينة بالقرآن».

قال الحافظ مجد الدين بن النجار فى تاريخه: فالمدينة الشريفة لم تفتح بقتال إنما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يعرض نفسه فى كل موسم على قبائل العرب و يقول: «ألا رجل يحملنى إلى قومه فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى» فيأتونه و يقولون له: قوم الرجل أعلم به، حتى لقى فى بعض السنين عند العقبة نفرا من الأوس و الخزرج، قدموا فى المنافرة التى كانت بينهم فقال لهم: «من أنتم؟» فقالوا: نفر من الخزرج.

قال: «أمن موالى يهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم» قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى اللّه عز و جل و عرض عليهم الإسلام و تلا عليهم القرآن.

و كانوا أهل شرك أصحاب أوثان، و كانوا إذا كان بينهم و بين اليهود الذين معهم بالمدينة شى‏ء قالت اليهود لهم، و كانوا أصحاب كتاب و علم: إن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) (ق 11) مبعوث الآن، و قد أظل زمانه فنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد و إرم، فلما كلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أولئك النفر و دعاهم إلى اللّه تعالى قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون و اللّه أنه النبى الذى توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه فاغتنموه و آمنوا به، فأجابوه فيما دعاهم إليه و صدقوه و قبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام.

و قالوا إنا قد تركنا قومنا و بينهم من العداوة و الشر ما بينهم و عسى أن يجمعهم اللّه‏

____________

(1) هى عائشة أم المؤمنين بنت أبى بكر الصديق، كان فقهاء أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يرجعون إليها، و تفقه بها جماعة، يروى عن أبى موسى قال: ما أشكل علينا أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علم.

ماتت سنة 57 ه.

30

تعالى بك فسنقدم عليهم و ندعوهم إلى أمرك و نعرض عليهم الذى أجبناك اليه من هذا الدين فإن يجمعهم اللّه تعالى عليه فلا رجل أعز منك.

ثم انصرفوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) راجعين الى بلادهم و قد آمنوا و صدقوا و كانوا ستة.

أسعد بن زرارة، و هو أحد النقباء ليلة العقبة الاولى و الثانية، و عوف بن عفراء، و هى أمه، و أبوه الحارث بن رفاعة، و رافع بن مالك بن العجلان، و قطبة بن عامر بن حديدة، و عقبة بن عامر بن نابئ، و جابر بن عبد الله بن (ق 12) رياب.

فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ما جرى لهم و دعوهم إلى الإسلام ففشى فيهم حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيها ذكر.

فلما كان العام المقبل وافى الموسم اثنا عشر رجلا فلقوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالعقبة و هى العقبة الأولى فبايعوه، فلما انصرفوا بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) معهم مصعب بن عمير إلى المدينة و أمره أن يقرئهم القرآن و يعلمهم الإسلام و يفقههم فى الدين، و كان منزله على أسعد بن زرارة.

و لقيه فى الموسم الآخر سبعون رجلا من الأنصار، و منهم امرأتان فبايعوه و أرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أصحابه الى المدينة ثم خرج الى الغار بعد ذلك ثم توجه هو و أبو بكر رضى اللّه عنه الى المدينة.

***

31

ذكر هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه إلى المدينة الشريفة

اعلم أن هجرة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) الى المدينة هى من بعض معرفة دلائل صفات (ق 13) نعوته فى الكتب الإلهية، و قد نطقت الأخبار بأن المدينة دار هجرة بنى الخزرج فى آخر الزمان.

ذكر صاحب الدر المنظم‏ (1) و الشهرستانى‏ (2) فى كتاب (أعلام النبوة) فى قصة ملخصها أن سيف بن ذى اليزن الحميرى لما ظفر بالحبشة و ذلك بعد مولد النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)

____________

(1) للإمام أحمد بن محمد بن على بن حجر الهيتمى السعدى الأنصارى شهاب الدين شيخ الإسلام أبو عباس فقيه باحث مصرى، مولده سنة (909 ه/ 1504 م) فى محلة أبى الهيتم «من إقليم الغربية بمصر» و إليها نسبته.

و السعدى نسبة إلى بنى سعد من عرب الشرقية «بمصر» تلقى العلم فى جامع الأزهر و له تصانيف كثيرة منها «مبلغ الأدب فى فضائل العرب» و «الجوهر المنظم» و «رحلة إلى المدينة» و «الصواعق المحرقة على أهل البدع و الضلال و الزندقة» و «تحفة المحتاج لشرح المنهاج» فى فقه الشافعية و «الخيرات الحسان فى مناقب أبى حنيفة» و «الفتاوى الهيمية» أربع مجلدات و «شرح مشكاة المصابيح للتبريزى» و «شرح الأربعين النووية» و «رد نصيحة الملوك» و «تحرير المقال فى آداب و أحكام يحتاج إليها مؤدبو الأطفال» و «أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل» و غير ذلك.

مات سنة (965 ه/ 1557 م).

(2) هو محمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتوح الشهرستانى من فلاسفة الإسلام، كان إماما فى علم الكلام و أديان الأمم و مذاهب الفلاسفة، يلقب بالأفضل، ولد فى شهرستان «بين نيسابور و خوارزم» سنة (479 ه/ 1086 م) و انتقل إلى بغداد سنة 510 ه فأقام ثلاث سنين و عاد إلى بلده و توفى بها.

قال ياقوت فى وصفه «الفيلسوف المتكلم صاحب التصانيف» كان وافر الفضل، كامل العقل، و لو لا تخبطه فى الاعتقاد و مبالغته فى نصرة مذاهب الفلاسفة و الذب عنهم لكان هو الإمام، من كتبه «الملل و النحل» ثلاثة أجزاء و «نهاية الإقدام فى علم الكلام» و «الإرشاد إلى عقائد العباد» و «تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام» و «مصارعات الفلاسفة» و «تاريخ الحكماء» و «المبدأ و المعاد» و «تفسير سورة يوسف بأسلوب فلسفى». مات سنة (548 ه/ 1153 م).

32

قصدته وفود العرب بالتهنئة و خرج اليه و فد قريش و فيهم عبد المطلب الى صنعاء و هو فى قصرة المعروف بعمدان، فلما دخلوا عليه و أنفق ما أنفق قال سيف لعبد المطلب إنى وجدت فى الكتاب المكنون و العلم المخزون الذى اخترناه لأنفسنا دون غيرنا خبرا جسيما و خطرا عظيما فيه شرف الحياة و فضيلة الوفاة و هو للناس عامة و لرهطك كافة و للخاصة، ثم قال: اذا ولد بتهامة غلام به علامة كانت له الإمامة و لكم به الزعامة إلى يوم القيامة و لو لا أن الموت يجتاحنى قبل مبعثه لسرت بخيلى و رجلى حتى أصير يثرب دار ملكى فإنى أجد فى الكتاب الناطق و العلم السابق أن يثرب استحكام ملكه و أهل نصرته (ق 14) و موضع قبره، و لو لا أنى أقيه الآفات و أحذر عليه العاهات لأوطأته العرب، و لكنه صارف إليك ذلك عن غير يقين من معك، ثم أمر لكل واحد من قومه بجائزة و أجاز عبد المطلب بأضعافها ثم قال: ائتنى بخبره و ما يكون من أمره على رأس الحول، فمات سيف قبل ان يحول عليه الحول.

و قد جاء فى بعض الأحاديث: أخبرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن صفته فى التوراة: «عبدى أحمد المختار مولده بمكة و مهاجره بالمدينة» أو قال طيبة «أمته الحمادون للّه تعالى على كل حال» و قيل معنى قوله تعالى‏ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ (1) اى ضالا عن الهجرة فهداك إليها، و قيل وجدك ضالا بين مكة و المدينة فهداك إلى المدينة.

و قيل فى قوله عز و جل: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ‏ (2) ان السائحين المهاجرون و قيل لم يهاجر (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى طلب الهجرة لقوله تعالى‏ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ‏ (ق 15) نَصِيراً (3) فالداعى محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و القرية مكة و الولى و النصير الأنصار.

____________

(1) 7 ك الضحى 93.

(2) 112 م التوبة 9.

(3) 75 م النساء 4.

33

عن على‏ (1) رضى اللّه تعالى عنه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) «أتانى جبريل (عليه السلام) فقلت له يا جبريل من يهاجر معى؟ قال أبو بكر، و هو يلى أمتك من بعدك لأنه افضل أمتك» (2).

و فى صحيح البخارى‏ (3) من حديث الهجرة ان النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) قال للمسلمين «إنى رأيت أمر هجرتكم ذات نخل بين لابتين و هما الحرتان» (4).

و فى الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى‏ (5) رضى اللّه عنه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه قال «رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة الى أرض بها نخل فذهب و هلى إلى انها اليمامة أو هجر فاذا هى المدينة بيثرب».

فلما ذكر النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) هذا المنام لأصحابه هاجر من هاجر منهم قبل المدينة و رجع عامة

____________

(1) هو أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللّه عنه أبو الحسن الهاشمى قاضى الأمة و فارس الإسلام، جاهد فى اللّه حق جهاده فنهض بأعباء العلم و العمل و استشهد فى رمضان سنة 40 ه، و سنه ستون عاما.

(2) ورد فى صحيح البخارى باب خمس أو مغازى 14، و نفقات 3، و فرائض 3، و اعتصام 5، و سنن أبى داود باب امارة 19، و سنن الترمذى باب السير 44، و المسند للإمام أحمد 1/ 208- 209.

(3) هو أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفى مولاهم، روى عن الإمام أحمد و إبراهيم بن المنذر و ابن المدينى و آدم بن أبى إياس و قتيبة و خلق، و عنه مسلم و الترمذى و إبراهيم الحربى و ابن أبى الدنيا و أبو حاتم و المحامى و الغريرى و منصور بن محمد السفى، و له عدة مصنفات منها الجامع الصحيح، و التاريخ الكبير، و الأدب المفرد و القراءة خلف الإمام.

ولد سنة 194 ه، و مات سنة 256 ه.

(4) كذلك ورد فى سنن النسائى.

(5) هو أبو موسى الأشعرى عبد اللّه بن قيس، استعمله النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) مع معاذ على اليمن، ثم ولى لعمر الكوفة و البصرة، و كان عاملا صالحا تاليا صالحا لكتاب اللّه، إليه المنتهى فى حسن الصوت بالقرآن، حدث عنه طارق بن شهاب و ابن المسيب و خلق، و قال أبو إسحاق: سمعت الأسود يقول: لم أر بالكوفة اعلم من على و أبى موسى.

مات سنة 44 ه.

34

من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، و كان أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن عمرو (1) و قيل عبد اللّه بن عبد الأسد بن هلال‏ (2)، و أول مولود فى «ق 16» الإسلام بأرض الحبشة عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب‏ (3).

و تجهز أبو بكر رضى اللّه عنه قبل المدينة، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): على رسلك فإنى أرجو أن يؤذن لى، فقال أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه و هل ترجو ذلك بأبى أنت و أمى؟

قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ليصحبه و علف راحلتين كانتا عنده الخبط أربعة أشهر.

و قالت عائشة رضى اللّه عنها: بينما نحن يوما جلوس فى بيت أبى بكر رضى اللّه عنه فى حر الظهيرة قال قائل لأبى بكر هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) متقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فدا له أبى و أمى و اللّه ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر. قال: فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فاستأذن فأذن له، فدخل فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأبى بكر أخرج من عندك، فقال أبو بكر رضى اللّه عنه إنما هم أهلك بأبى أنت و أمى. قال: فإنى قد أذن لى فى الخروج (ق 17) فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول اللّه، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبى أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتى هاتين. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالثمن.

قالت عائشة رضى اللّه عنها فجهزناهما أحسن الجهاز و صنعنا لهم سفرة فى جراب،

____________

(1) هو حاطب بن أبى بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب اللخمى حليف بنى أسد بن عبد العزيز، قديم الإسلام، روى عنه على بن أبى طالب رضى اللّه عنه فى اعتذاره عن مكاتبة قريش.

مات سنة 30 ه، و له سبعون عاما.

(2) هو عبد اللّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللّه بن عمر مخزوم المخزومى، أبو سلمة المكى، أمه برة بنت عبد المطلب، و كان أخا النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) من الرضاعة، و هاجر الهجرتين و شهد بدرا.

توفى بالمدينة فى حياة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) مرجعه من بدر فتزوج النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) بزوجته أم سلمة، مات سنة 3 ه.

(3) هو عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب الهاشمى، روى عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و عن أمه أسماء بنت عميس و عمه على بن أبى طالب و عثمان و عمار بن ياسر، كان عبد اللّه بن جعفر بن أبى طالب جوادا ممدحا.

مات سنة 80 ه، و قيل سنة 82 ه، و قيل أيضا سنة 84 ه.

35

و السفرة طعام يتخذه المسافر، و كان أكثر مما يحمل فى جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد كالرواية اسم للبعير، و نقلت الى المزادة قاله الخليل.

قالت عائشة رضى اللّه عنها فقطعت أسماء بنت أبى بكر (1) قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين.

و النطاق أن تأخذ المرأة فتشتمل به ثم تشد وسطها بخيط ثم ترسل الأعلى على الأسفل.

قال: ثم لحق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر رضى اللّه عنه بغار «جبل ثور» فمكثا فيه ثلاثا يبيت عندهما عبد اللّه بن أبى بكر رضى اللّه تعالى عنه و هو غلام شاب لقن فيلجه من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت (ق 18) فلا يسمع أمرا الا و عاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر رضى اللّه عنه منحة من لبن فيريحها حتى يذهبا ساعة من العشاء فيبيتان فى رسل حتى ينعق بهما عامر بغلس ففعل ذلك فى كل ليلة من تلك الليالى الثلاث و استأجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر رجلا من بنى الأيل هاديا ماهرا بالهداية و هو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما و واعداه غار ثور بعد ثلاث براحلتيهما.

و انطلق معهما عامر بن فهيرة، و الدليل فأخذ بهم طريق السواحل و كان اسم دليلهم عبد اللّه بن الأريقط الليثى و لم يعرف له إسلام بعد ذلك.

و كانت هجرته (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الأول و قيل كانت آخر ليلة من صفر، وعمره إذ ذاك ثلاث و خمسون سنة بعد المعراج بسنة و شهرين و يوم واحد.

فكان بين البعث و الهجرة اثنتا عشرة سنة و تسعة (ق 19) أشهر و عشرون يوما، و قيل‏

____________

(1) هى أسماء بنت أبى بكر الصديق زوج الزبير بن العوام، روت عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و عنها ابناها عبد اللّه و عروة ابنا الزبير و أحفادها عباد بن حمزة و عبد اللّه بن الزبير.

ماتت سنة 73 ه.

36

كانت اقامته بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، و مروا على خيمة أم معبد (1) الخزاعية فى قديد (2) و كانت امرأة برزة جلدة تحتبى و تجلس بفناء الخيمة أو القبة ثم تسقى و تطعم فسألوها تمرا و لحما ليشتروه فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك و إذا القوم مرملون مسنتون.

فقالت لو كان عندنا فى بيتى ما أعوزكم القرى، فنظر النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى شاة فى كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال: هل بها من لبن؟ فقالت هى أجهد من ذلك قال (صلّى اللّه عليه و سلم): أفتأذنين لى أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبى أنت و أمى إن رأيت بها حلبا، فدعى النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) بالشاة فمسح ضرعها و ذكر اسم اللّه تعالى و قال اللهم بارك لها فى شاتها فتفاجت و درت و اجترت فدعى النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) بإناء ينهض الرهط فحلب فيها حتى علاه إليها، و يروى الثمال فسقاها فشربت حتى رويت (ق 20) و سقى أصحابه حتى رووا و شرب آخرهم، و قال ساقى القوم آخرهم شربا، فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى رضوا ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء ثم عاده عندها ثم ارتحلوا عنها بعد أن بايعها.

فقل ما لبث ان جاء زوجها أبو معبد (3) اكتم بن أبى الجون يسوق أعنزا عجافا تساوكن هؤلاء و يروى تساؤك هزلا، فلما رأى أبو معبد اللبن و قال من أين لك هذا أم‏

____________

(1) هى أم معبد الأنصارية، روت عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه كان يدعو: «اللهم طهر قلبى من النفاق، و عملى من الرياء و عينى من الخيانة فإنك تعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور». ثقة.

(2) اسم موضع قرب مكة، قال ابن الكلبى: لما رجع تبع من المدينة بعد حربه لأهلها نزل قديدا فهبت ريح قدت خيم أصحابه فسمى قديدا.

انظر معجم البلدان: 4/ 313- 314.

(3) الثابت هو نافذ أبو معبد مولى ابن عباس، حجازى، روى عن مولاه. ثقة.

مات بالمدينة سنة 104 ه.

انظر تهذيب التهذيب.

37

معبد و الشاة عازب حيال و لا حلوب فى البيت قالت: لا و اللّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت و كيت قال صفيه لى يا أم معبد قالت:

رأيت رجلا ظاهر الوضاه أبلج الوجه أو منبلج الوجه لم تعبه ثجلة و لم تزره صقلة أو صعلة و يروى لم تعبه ثجلة، رحيما قسيما فى عينيه دعج فى أشفاره و طف أو غطف و فى صوته صحل و فى عنقه سطع، و فى لحيته كثافة أزج أقرن إذا صمت فعليه الوقار و إن تكلم سما و علاه البهاء أجمل الناس و أبهاه من بعيد و أحسنه (ق 21) و أجمله من قريب حلو المنطق و المنظر فصل لا نزر و لا وهزر.

كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة لا يأمن من طول و لا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو انضر الثلاثة منظرا و أحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس و لا مفند.

قال أبو معبد: هذا و اللّه صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة لقد هممت أن أصحبه و لأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.

و أصبح صوت بمكة عاليا بين السماء و الأرض يسمعونه و لا يرون قائله ينشد بيتا من الشعر

مما نزل بالهدى و اغتديا به‏* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد

ليهنى بنى كعب مكان فتى بهم‏* * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد

(1):

جزى اللّه رب الناس خير جزانه‏* * * رفيقين حلا خيمتى أم معبد

قال: فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخذوا على خيمتى أم معبد حتى لحقوا بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلم) قال ابن اسحاق: (2) بلغنى أنه لما خرج قال أهل السير و لقى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)

____________

(1) ورد هذا البيت فى الكامل فى التاريخ، و تكملة الأبيات‏

مما نزل بالهدى و اغتديا به‏* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد

ليهنى بنى كعب مكان فتى بهم‏* * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد

(2) هو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازى القرشى المطلبى مولاهم أحد الأئمة، روى عن أبيه و ابان ابن عثمان و ابان بن صالح و جعفر الصادق، و الزهرى و عطاء و نافع و محول و خلق، و عنه شعبة و يحيى الأنصارى و شريك و الحمادان و السفيانان و زياد البطائى و آخرون، ثقة حسن الحديث.

مات سنة 150 ه، و قيل سنة 151 ه.

38

الزبير (1) فى ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) (ق 22) و أبا بكر ثيابا بيضا و.

سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى ثنية الوداع ينتظرون قدوم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فحين قدم قال قائلهم شعرا:

طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع‏

وجب الشكر علينا* * * ما دعا للّه داع‏

أنت يا مرسل حقا* * * جئت من أمر مطاع‏

جئتنا تمشى رويدا* * * نحونا يا خير ساع‏

و أضيفت الثنية إلى الوداع لأنها موضع التوديع هو اسم قديم جاهلى و هذه الثنية خارج المدينة.

و أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الى المدينة و كان مردفا لأبى بكر رضى اللّه عنه، و أبو بكر شيخ يعرف و النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) شاب لا يعرف فيلقى الرجل أبا بكر فيقول الرجل يا أبا بكر من هذا الرجل الذى بين يديك فيقول هذا الرجل الذى يهدينى السبيل فيحسب الحاسب أنه يعنى الطريق، و إنما يعنى سبيل (ق 23) الخير.

و قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم فى آل عمرو بن عوف‏ (2) فقام أبو بكر للناس و جلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صامتا و طفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأقبل‏

____________

(1) هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدى القرشى أبو عبد اللّه الصحابى الشجاع، أحد العشرة المبشرين بالجنة و أول من سل سيفه فى الإسلام و هو ابن عمة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) أسلم و له 12 عاما، و شهد بدرا و أحدا و غيرهما، و كان على بعض الكراديس فى اليرموك و شهد الجابية مع عمر بن الخطاب، قتله ابن جرموز غيلة يوم الجمل سنة 36 ه.

(2) هو عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة بن عمرو بن بكر أبو عبد اللّه المزنى، كان قديم الإسلام، روى عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، استعمله النبى (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثقة.

39

أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عند ذلك، و نزل (صلّى اللّه عليه و سلم) على كلثوم بن الهدم، و فى هذه الحرة قطعة تسمى أحجار الزيت سميت به لسواد أحجارها كأنها طليت بالزيت و هو موضع كان يستقر فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و بعضهم يقول أحجار البيت و أحجار الليث و ذلك خطأ.

قال البراء بن عازب‏ (1): أول من قدم علينا المدينة مصعب بن عمير و ابن أم مكتوم و كانا يقرئان الناس ثم قدم عمار بن ياسر و بلال ثم عمر بن الخطاب رضى اللّه عنهم (ق 24) فى عشرين من أصحاب النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم قدم النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشى‏ء فرحهم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى جفل إلا ما يقلن قدم رسول اللّه المدينة و وعك أبو بكر رضى اللّه عنه و بلال قالت: فدخلت عليهما فقلت يا أبت كيف تجدك ... (*)

قالت فكان أبو بكر اذا أخذته الحمى يقول كل امرئ مصبح فى أهله و الموت أدنى من شراك نعله، و ذكر أبو عبيد اللّه المرزبانى‏ (2) ان هذا البيت لحكم بن الحارث بن‏

____________

(1) هو البراء بن عازب بن الحارث الخزرجى، قائد صحابى من أصحاب الفتوح، أسلم صغيرا و غزا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خمس عشرة غزوة أولها غزوة الخندق، و لما ولى عثمان الخلافة جعله أميرا على الرى بفارس سنة 24 ه.

مات سنة (71 ه/ 690 م).

* بياض فى المخطوطة.

(2) هو محمد بن عمران بن موسى المرزبانى أبو عبيد اللّه، اخبارى مؤرخ أديب، أصله من خراسان، و مولده (297 ه/ 910 م) و وفاته ببغداد (384 ه/ 994 م) كان مذهبه الاعتزال، له كتب عجيبة أتى على وصفها ابن النديم منها «المفيد» فى الشعر و الشعراء و مذاهبهم نحو خمسة آلاف ورقة و «شعر حاتم الطائى» و «المواشح» و «أخبار البرامكة» نحو خمسمائة ورقة و «أخبار المعتزلة» كبير و «المستنير» فى أخبار الشعراء المحدثين و «الرياض» فى أخبار العشاق و «الرائق» فى الغناء و المغنين و «أخبار بنى مسلم الخراسانى» و «أخبار شعبة بن الحجاج» و «أخبار ملوك كندة» و «أخبار أبى تمام» و «المرائى» و «تلقيح العقول» و «الشعر» و «أشعار الخلفاء» و «ديوان يزيد ابن معاوية الأموى» و «أشعار النساء».

مات سنة (384 ه/ 994 م).

40

غصيك النهشلى و كان جاهليا قتل يوم الوفيط و هو يوم كان لبنى قيس بن ثعلبة على بنى تميم و كان حكيم ينشده فى ذلك اليوم و هو يقاتل، و كان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته فيقول شعرا:

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة (1)* * * بواد و حولى إذ خرو جليل‏

و هل أردن يوما مياه مجنة* * * و هل يبدونّ لى شامة و طفيل‏

قالت عائشة رضى اللّه عنها فجئت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبرته فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد (ق 25) و صحها و بارك لنا فى صاعها و مدها و انقل حماها و اجعلها بالجحفة» (2).

قال أهل السير: و أقام على بن أبى طالب رضى اللّه عنه بمكة ثلاث ليال و أيامها حتى أدى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الودائع التى كانت عنده للناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول اللّه فنزل معه على كلثوم بن الهدم و لم يبق بمكة من المهاجرين إلا من حبسه أهله أو فتنوه.

عن زيد بن أسلم عن أبيه فى قوله عز و جل‏ وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ‏ (3) قال: جعل اللّه تعالى مدخل صدق المدينة و مخرج صدق مكة و سلطانا نصيرا الأنصار.

و قيل أدخلنى غار ثور مدخل صدق و أخرجنى يعنى منه إلى المدينة مخرج صدق، و قيل غير ذلك، و اللّه أعلم.

***

____________

(1) ورد البيتان فى القرى لقاصد أمر القرى 667.

(2) ورد فى صحيح البخارى باب فضائل المدينة 12، و مناقب الأنصار 46، و مرضى 8 و 22، و دعوات 43، و سنن ابن ماجه باب حج 480، و الموطأ باب المدينة 14، و المسند 5/ 309، 6/ 56، 65، 22، 260.

(3) 80 م الإسراء 17.

41

الفصل الثالث فيما جاء فى حرمة المدينة و غبارها و تمرها و دعائه (صلّى اللّه عليه و سلم) لها بالبركة و ما يئول إليه أمرها و حدود حرمها

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

ذكر حرمة المدينة الشريفة

روى القاضى عياض‏ (1) فى الشفاء أن مالك بن أنس‏ (2) (رحمه اللّه تعالى) كان لا يركب فى المدينة دابة، و كان (ق 26) يقول لى: استحى من اللّه تعالى أن أطأ تربة فيها تربة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بحافر دابتى.

و يرى أنه وهب للشافعى‏ (3) (رحمه اللّه تعالى) كراعا كبيرا كان عنده، فقال له الشافعى: أمسك منها دابة، فأجابه بمثل هذا الجواب، و قد أفتى مالك (رحمه اللّه تعالى) فيمن قال تربة المدينة ردية بضربه ثلاثين درة و أمر بحبسه و كان له قدر، و قال: ما أحوجه الى ضرب عنقه، تربة دفن فيها النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) يزعم انها غير طيبة.

____________

(1) هو القاضى عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض، أبو الفضل اليحصبى السبتى الحافظ، ولد سنة 476 ه، أجاز له أبو على الغسانى، و تفقه و صنف التصانيف التى سارت بها الركبان كالشفاء، و طبقات المالكية، و شرح مسلم و المشارق فى الغريب، و شرح حديث أم زرع، و التاريخ، و غير ذلك.

ولى قضاء سبتة ثم غرناطة، مات سنة 544 ه بمراكش.

(2) هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحى الحميرى أبو عبد اللّه المدنى، روى عن نافع و محمد بن المنكدر، و جعفر الصادق و حميد الطويل، و خلق، و عنه الشافعى ...

قال: ابن المدينى: له نحو ألف حديث، قال البخارى: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، و قال الشافعى: إذا جاد الأثر فمالك النجم.

مات سنة 179 ه.

(3) هو أبو عبد اللّه محمد بن إدريس بن العباس بن عبد مناف القرشى المطلبى المكى، نزيل مصر، ولد بغزة سنة 150 ه و حمل إلى مكة و هو ابن سنتين، روى عن عمه محمد بن على و أبى أسامة و سعيد ابن سالم القداح، و ابن عيينة و مالك و ابن علية و ابن أبى فديك، و خلق.

قال المزنى: حفظت القرآن و أنا ابن سبع سنين، و حفظت الموطأ و أنا ابن عشر، مات سنة 204 ه.

44

و عن الزهرى‏ (1) انه قال: «إذا كان يوم القيامة رفع اللّه تعالى الكعبة البيت الحرام إلى البيت المقدس فتمر بقبر النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمدينة فتقول السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته فيقول عليه الصلاة و السلام: و عليك السلام يا كعبة اللّه ما حال أمتى؟ فتقول يا محمد: أما من وفد إلى من أمتك فأنا القائمة بشأنه، و أما من لم يفد إلى من أمتك فأنت القائم به» رواه سعيد الموصلى‏ (2) فى باب رفع الكعبة المشرفة الى البيت المقدس، فانظر لسر زيارة البيت الحرام للنبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و دخول الكعبة (ق 27) المشرفة مدينة خير الأنام و كفى بهذا الشرف تعظيما.

(ذكر) (3) الشيخ عبد الله المرجانى‏ (4) فى بهجة النفوس و الأسرار فى تاريخ دار الهجرة المختار: لما جرى سابق شرفها فى القدم أخذ من تربتها حين خلق آدم (عليه السلام) فأوجد الموجد وجودها من بعد العدم.

قال أهل السير إن اللّه تعالى لما حمر طينة آدم (عليه السلام) حين أراد خلقه أمر جبريل‏

____________

(1) هو الزهرى أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب المدنى أحد الأعلام، نزل الشام و روى عن سهل بن سعد و ابن عمر و جابر و أنس و غيرهم من الصحابة، و خلق من التابعين، و عنه أبو حنيفة و مالك و عطاء بن أبى رباح، و عمر بن عبد العزيز و ابن عيينة، و الليث و الأوزاعى، و ابن جريج، و خلق.

مات سنة 124 ه.

(2) هو المعافى بن عمران الموصلى الأزدى الفهمى أبو سعيد فقيههم و زاهدهم، روى عن شعبة و الأوزاعى و حماد بن سلمة و مالك و الثورى، و عنه ابنه أحمد و موسى بن أعين و وكيع، و خلق.

قال الخطيب: صنف كتبا فى السنن و الزهد و الأدب، مات سنة 184 ه.

(3) إضافة من عندنا.

(4) هو محمد بن أبى بكر بن على نجم الدين المرجانى الذروى الأصل، المكى، ولد سنة 760 ه، و الوفاة سنة 827 ه نحوى مكة فى عصره، له معرفة بالأدب و النظم و النثر، من كتبه «مساعد بالأدب» فى الكشف عن قواعد الإعراب، قصيدة من نظمه و شرحها و «طبقات فقهاء الشافعية» و منظومة فى «دماء الحج».

45

(عليه السلام) أن يأتيه بالقبضة البيضاء التى هى قلب الأرض و بهاؤها و نورها ليخلق منها محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) فهبط جبريل فى ملائكة الفراديس المقربين و ملائكة الصفيح الأعلى فقبض قبضة من موضع قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هى يومئذ بيضاء نقية فعجنت بماء التسنيم و رعرعت حتى صارت كالدرة البيضاء ثم غمست فى أنهار الجنة كلها و طيف بها فى السموات و الارض و البحار فعرفت الملائكة حينئذ محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) و فضله قبل ان تعرف آدم (عليه السلام) و فضله، ثم عجنت بطينة آدم بعد ذلك و لا يخلق ذلك الجهد إلا (ق 28) من أفضل بقاع الأرض. حكاه الثعلبى‏ (1).

قال أبو عبيد الجرهمى‏ (2) و كان كبير السن عالما بأخبار الأمم: إن تبعا الأصغر و هو تبع بن حبان بن تبع سار إلى يثرب فنزل فى سفح جبل أحد و ذهب إلى اليهود و قتل منهم ثلاثمائة و خمسين رجلا حبرا و أراد خرابها فقام إليه حبر من اليهود فقال له: أيها الملك مثلك لا يقتل على الغضب و لا يقبل قول الزور و أنت لا تستطيع أن تخرب هذه القرية قال: و لم؟ .. قال: لأنها مهاجر نبى من ولد إسماعيل يخرج من هذه المدينة يعنى البيت الحرام فكف تبع و مضى إلى مكة و معه هذا اليهودى و رجل آخر من عالم اليهود فكسا البيت الحرام كسوة و نحر عنده ستة آلاف جزور و أطعم الناس و لم يزل بعد ذلك يحوط المدينة الشريفة.

و يروى ان سليمان (عليه السلام) لما حملته الريح من اصطخر على ممره بوادى النمل سار إلى اليمن فتوغل فى البادية فسلك مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال سليمان (عليه السلام):

____________

(1) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الأستاذ أبو إسحاق الثعلبى، و يقال الثعالبى المقرئ المفسر الواعظ الأديب الثقة الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة، العالم بوجوه الإعراب و القراءات.

مات سنة 427 ه، له التفسير الكبير، و العرائس فى قصص الأنبياء، و سمع منه الواحدى.

(2) هو عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى من ملوك قحطان فى الحجاز فى العصر الجاهلى القديم، تولى مكة بعد خروج أبيه منها، و كان ملكه ضعيفا، و هو تابع لأصحاب اليمن من بنى يعرب بن قحطان، و لم تطل مدته، مات بمكة.

46

هذه دار هجرة نبى فى آخر الزمان طوبى لمن آمن به و اتبعه، فقال له قومه كم بيننا و (ق 29) بين خروجه؟ قال: زهاء ألف عام.

و وادى النمل هو وادى السديرة بأرض الطائف من أرض الحجاز، قاله كعب و قيل هو بالشام.

و عن أنس‏ (1) رضى اللّه عنه أن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) كان اذا قدم من سفر فنظر إلى جدار المدينة أوضع راحلته و إن كان على دابة حركها (2).

و عن أبى هريرة (3) رضى اللّه عنه قال: «توشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة» (4) قال الترمذى‏ (5) حديث حسن.

روى عن سفيان بن عيينة (6) أنه قال هو مالك بن أنس (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) هو أنس بن مالك بن النضر أبو حمزة الأنصارى المدنى، خادم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و له صحبة طويلة و حديث كثير. مات سنة 93 ه.

(2) ورد فى السيرة لابن هشام 2/ 102.

(3) هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسى اليمانى، حفظ عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) الكثير، و عن أبى بكر و عمر و أبى بن كعب، و عنه سعيد بن المسيب و بشير بن نهيك، و خلق كثير، و كان من أوعية العلم و من كبار أئمة الفتوى مع الجلالة و العبادة و التواضع.

قال البخارى: روى عنه ثمانمائة نفس أو أكثر .. و ولى إمارة المدينة، و ناب أيضا عن مروان فى إمرتها.

قال الشافعى: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره، مات سنة 58 ه.

(4) ورد فى الترمذى باب العلم 18.

(5) هو أبو عيسى الترمذى محمد بن عيسى بن سورة بن الضاحك السلمى، صاحب الجامع و العلل، روى عنه محمد بن المنذر شكر و الهيثم بن كليب، و أبو العباس المحبوبى، و خلق، مات سنة 279 ه.

(6) هو سفيان بن عيينة بن أبى عمران ميمون الهلالى أبو محمد الكوفى الأعور.

روى عن عمرو بن دينار و الزهرى، و زياد بن علاقة، و زيد بن أسلم، و محمد بن المنكدر، و عنه الشافعى و ابن المدينى و ابن معين، و ابن راهويه، و الفلاس.

قال ابن المدينى: ما فى أصحاب الزهرى أتقن من ابن عيينة.

و قال الشافعى: لو لا مالك و سفيان لذهب علم الحجاز .. مات سنة 198 ه.

47

و عن عبد الرزاق‏ (1) أن قائله هو العمرى الزاهد.

قال التوربشتى فى شرح المصابيح: و ما ذكره ابن عيينة و عبد الرزاق فهو محمول منهما على غلبة الظن دون القطع به، و قد كان مالك (رحمه اللّه تعالى) حقيقا بمثل هذا الظن فإنه كان إمام دار الهجرة و المرجوع بها إليه فى علم الفتيا و كذلك العمرى الزاهد، و هو عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنهم، و قد كان نسيج وحده و كان من عباد اللّه الصالحين المشائين فى عباده (ق 30) و بلاده بالنصيحة، و لقد كان بلغنا أنه يخرج إلى البادية ليتفقد أحوالها شفقة منه عليهم و إذا ألحق النصيحة فيهم فيأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و كان يقول لعلماء المدينة: شغلكم طلب الجاه و حب الرياسة عن توفية العلم حقه فى إخوانكم من المسلمين، تركتموهم فى البوادى و الفلوات يعمهون فى أودية الجهل و منبهة الضلال، أو كلاما هذا معناه.

قال التوربسى و لو جاز لنا أن نتجاوز الظن فى مثل هذه القضية لكان قولنا إنه عمر أولى من قوله إنه العمرى مع القطع به، فقد لبث بالمدينة أعواما يجتهد فى تمهيد الشرع و تبين الأحكام، و لقد شهد له أعلام الصحابة بالتقوى فى العلم حتى قال ابن مسعود (2) رضى اللّه عنه يوم استشهد عمر رضى اللّه عنه: لقد دفن بموته تسعة اعشار العلم، انتهى.

____________

(1) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميرى مولاهم أبو بكر الصنعانى أحد الأعلام، روى عن أبيه و ابن جريج، و معمر و السفيانين، و الأوزاعى، و مالك، و خلق، و عنه أحمد و إسحاق و ابن المدينى و أبو أسامة و وكيع و خلق، مات سنة 211 ه.

(2) هو أبو عبد الرحمن الهذلى عبد اللّه بن مسعود صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و خادمه، و أحد السابقين الأولين، و من كبار البدريين، و من نبلاء الفقهاء و المقرئين، كان ممن يتحرى فى الأداء و يشدد فى الرواية و يزجر تلاميذه عن التهاون فى ضبط الألفاظ، و كان من أوعية العلم و أئمة الهدى.

مات بالمدينة سنة 32 ه.

48

قال العفيف المرجانى‏ (1): سمعت والدى يقول كنت ذات يوم جالسا فى البستان فإذا بمقدار ثلاثين أو أربعين فارسا لابسين بياضا معممين ملثمين جميعهم قاصدين المدينة فاتبعتهم فى أثرهم فلم أجد لهم خبرا فسألت عنهم فلم أجد (ق 31) من يخبرنى عنهم و لم أجد لهم أثرا فعلمت أنهم من الملائكة أو من مؤمنى الجن أو صالحى الإنس أتوا لزيارة النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) قال و البستان اليوم باق معروف بالمرجانية بالقرب من المصلى ..

قال العفيف: و سمعته يقول من بركة أرض المدينة أنى زرعت بالبستان بطيخا فلما استوى أتانى بعض الفقراء من أصحابى فأشاروا إلى بطيخة انتهت و قالوا هذه لا تتصرف فيها هى لنا إلى اليوم الفلانى، فلما خرجوا أتى من قطعها و لم أعلم فتشوشت من ذلك و نظرت فاذا بنوارة قد طلعت مكان تلك البطيخة فلم يأت يوم وعد الفقراء إلا و هى أكبر من الأولى فأتوا و أكلوها و لم يشكوا أنها الأولى.

قال العفيف فى تاريخه أيضا: سمعت والدى يقول سحرت امرأة من أهل اليمن زوجها و غيرت صورته و اتفق لهم حكاية طويلة ثم شفع فيه بعض الناس فقالت امرأته:

لا بد أن أترك فيه علامة فاطلقته بعد ان نبت له ذنب كذنب الحمار فحج و هو على تلك الحالة فشكى ذلك إلى أبى عبد الله محمد بن يحيى الغرناطى‏ (2) فقيه كان بمكة فأمره بالسفر إلى المدينة (ق 32) فسار فى طريق المدينة إليها قال: فعند وصوله الى قباء سقط منه ذلك الذنب بإذن اللّه تعالى.

____________

(1) سبق التعريف به فى ص 44 حاشية (4).

(2) هو محمد بن يحيى بن أبى عمر العدنانى أبو عبد اللّه الحافظ نزيل مكة، روى عن فضيل بن عياض و أبى معاوية، و خلق، و عنه و هلال بن العلاء و وثقة ابن حبان.

و قال أبو حاتم: صدوق حدث بحديث موضوع عن ابن عينية ....

قال البخارى: مات سنة 243 ه.

49

ما جاء فى غبار المدينة الشريفة

تقدم فى باب الفضائل حديث غبار المدينة الشريفة و شفائه من الجذام.

قال ابن عمر رضى اللّه عنهما إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما دنا من المدينة منصرفه من تبوك خرج إليه يتلقى أهل المدينة من المشايخ و الغلمان ثار من آثارهم غبار فخمر بعض من كان مع رسوله اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنفه من الغبار فمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يده فأماط بها عن وجهه، و قال «أما علمت أن عجوة المدينة شفاء من السم و غبارها شفاء من الجذام».

و عن إبراهيم بن الجهيم‏ (1) ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أتى بنى الحارث فإذا هم و وبى فقال:

«ما لكم يا بنى الحارث و وبى» قالوا: يا رسول اللّه أصابتنا هذه الحمى، قال: «فأين أنتم عن صعيب؟» قالوا: يا رسول اللّه ما نصنع به؟ قال «تأخذون من ترابه فتجعلونه فى ماء ثم يتفل عليه أحدكم و يقول باسم اللّه تراب أرضنا بريق بعضنا شفاء لمريضنا بإذن ربنا» ففعلوا فتركتهم الحمى.

قال أبو القاسم (ق 33) طاهر بن يحيى العلوى‏ (2) صعيب وادى الطعان دون الماجشونية و فيه حفرة يأخذ الناس منها و هى اليوم إذا أصاب و باء إنسان أخذ منها، قال الحافظ محمد محب الدين بن النجار (3): رأيت هذه الحفرة و الناس يأخذون منها و ذكروا أنهم جربوه فوجدوه صحيحا، قال: و أخذت أنا منها أيضا.

____________

(1) الثابت هو إبراهيم بن على بن حسن بن على بن أبى رافع المدنى، مولى النبى (صلّى اللّه عليه و سلم).

روى عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) و عن أبيه و عمه أيوب و كثير بن عبد اللّه و غيرهم، ثقة.

(2) هو الفقيه و المحدث العلوى أبو القاسم طاهر بن يحيى العلوى، ثقة، له ذكر فى بعض المصادر.

روى عنه ابن خلكان فى وفيات الأعيان.

(3) هو محمد بن محمود بن الحسن بن هبة اللّه بن محاسن أبو عبد اللّه محب الدين بن النجار مؤرخ حافظ للحديث، من أهل بغداد، مولده سنة 578 ه، و وفاته سنة 643 ه، رحل إلى الشام و مصر و الحجاز و فارس و غيرها، و استمر فى رحلته 27 سنة، من كتبه «الكمال فى معرفة الرجال» تراجم و «ذيل تاريخ بغداد لابن الخطيب» و «نزهة الورى فى أخبار أم القرى» و «نسبة المحدثين إلى الآباء و البلدان» و «مناقب الشافعى» و «العقد الفائق فى عيون أخبار الدنيا و محاسن الخلائق» و «الأزهار فى أنواع الأشعار» و «الزهر فى محاسن شعراء أهل العصر».

50

و بطحان بضم الباء و سكون الطاء المهملة و سمى بذلك لسعته و انبساطه من البطح و هو البسط، قاله ابو عبيد القاسم بن سلام‏ (1).

و عن أبى سلمة أن رجلا أتى به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و بيده قرحة فرفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) طرف أصبع لحصير ثم وضع أصبعه التى تلى الإبهام على التراب بعد مسها بريقه فقال: «باسم اللّه بريق بعضنا بتربة أرضنا تشفى سقيمنا بإذن ربنا» ثم وضع أصبعه على القرحة فكأنما حل من عقال.

أول من غرس النخل فى الأرض انوشن بحدشيت، و أول من غرس بالمدينة بنو قريظة و بنو النضير، حدث العوفى عن الكلبى فى تاريخ ملوك الأرض أن شربة الخثعمى عمر (ق 34) ثلاثمائة سنة، و أدرك زمن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه فقال و هو بالمدينة: لقد رأيت هذا الوادى الذى أنتم فيه و ما به نخلة و لا شجرة مما ترون، و لقد سمعت أخريات قومى يشهدون بمثل شهادتكم هذه يعنى لا إله إلا اللّه.

و ممن عمر مثل هذا جماعة منهم سلمان الفارسى و المستوغر بن ربيعة

ينش الماء فى الربلات منها* * * نشيش الرضف فى اللبن الوغير

(2) و تقدم فى الفضائل حديث «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره فى ذلك اليوم سم و لا سحر».

____________

(1) هو أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى القاضى أحد الأعلام، روى عن هيثم و إسماعيل بن عياش و ابن عيينة و وكيع و خلق، وثقه أبو داود و ابن معين و أحمد و غير واحد.

و قال ابن راهويه: أبو عبيد أوسعنا علما و أكثرنا أدبا، و أكثرنا جمعا، إنا نحتاج إلى أبى عبيدة، و أبو عبيدة لا يحتاج إلينا، ولى قضاء طرطوس، و فسر غريب الحديث، و صنف كتبا، و مات بمكة سنة 224 ه.

(2) هو عمرو بن ربيعة بن كعب التميمى السعدى أبو بيهس شاعر من المعمرين الفرسان فى الجاهلية، قيل إدرك الإسلام، و أمر بهدم البيت الذى كانت تعظمه ربيعة فى الجاهلية، لقب المستوغر لقوله يصف فرنسا غرقت.

ينش الماء فى الربلات منها* * * نشيش الرضف فى اللبن الوغير

51

و فى صحيح مسلم «من أكل سبع تمرات من بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسى» و اللابة الخرة (و الخرة حجارة سود من الجبلين) فقوله «ما بين لابتيها» أى خربتها.

و عن أبى هريرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يؤتى بأول التمر فيقول: «اللهم بارك لنا فى مدينتنا و ثمارها و فى مدنا و صاعنا بركة مع بركة» (1) ثم يعطيه أصغر من يحضره من الوالدان.

و فى رواية (ابن) السنى‏ (2) عن أبى هريرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا أتى بباكورة وضعها على عينيه ثم على شفتيه ثم يقول: «اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره» ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان.

و عن على رضى اللّه عنه خرجنا (ق 35) مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى إذا كنا بالسقيا التى كانت لسعد بن أبى وقاص، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ائتونى بوضوء» فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال «اللهم إن إبراهيم كان عبدك و خليلك دعاك لأهل مكة بالبركة و أنا محمد عبدك و رسولك أدعوك أن تبارك لهم فى مدهم مثل ما باركت لأهل مكة و مع البركة بركتين» (3).

____________

(1) ورد فى صحيح البخارى باب الفضائل «المدينة 13» و باب الجهاد 71، و مناقب الأنصار 45، و مرضى 8، 33، و باب دعوات 43، و سنن الترمذى باب المناقب 71، و المسند 5/ 185، 220، 6/ 56، 65، 222، 240، 260.

(2) هو الحافظ الإمام الثقة أبو بكر بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن اسباط الدينورى، مولى جعفر بن أبى طالب صاحب «عمل اليوم و الليلة» و راوى سنن النسائى.

كان دينا صدوقا اختصر السنن و سماه «المجتبى»

مات سنة 364 ه.

(3) ورد فى صحيح البخارى فى باب الأطعمة 28، و البيوع 53، و كفارات و دعوات 35، و اعتصام 16، و سنن الترمذى 67، و سنن الدارمى باب البيوع 39.

52

ذكر ما يئول إليه أمر المدينة الشريفة

عن أبى هريرة رضى اللّه عنه قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «لتتركن المدينة على خير ما كانت مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافى- يريد عوافى الطير و السباع- و آخر من يحشر منها راعيين من مزينة يريدان المدينة ينغفا بغنمها فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجهيهما» رواه البخارى.

و عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «لتتركن المدينة على أحسن ما كانت عليه حتى يدخل الكلب أو الذئب فيغذى على بعض سوارى المسجد أو على المنبر» قالوا:

يا رسول اللّه فلمن تكون الثمار فى ذلك الزمن، فقال: «لعوافى الطير و السباع» (ق 36) رواه مالك فى الموطأ.

ما جاء فى تحديد حدود حرم المدينة الشريفة

فى الصحيحين من حديث على رضى اللّه عنه عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه تعالى و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا يوم القيامة» و أراد بالحدث البدعة و ذلك لم تجر به سنة و لم يتقدم به عمل، و بالمحدث المبتدع.

قال التوربشتى: روى بعضهم المحدث بفتح الدال و ليس بشى‏ء لأن الرواية الصحيحة بكسر الدال و فيه من طريق المعنى و هن، و هو أن اللفظين يرجعان حينئذ إلى شى‏ء واحد، فإن إحداث البدعة و إيواءها سواء، و الإيواء قلما يستعمل فى الأحداث و إنما المشهور استعمالها فى الأعيان التى ينضم إلى المأوى. انتهى.

و عن على رضى اللّه عنه قال ما عندنا شى‏ء إلا كتاب اللّه تعالى، و هذه الصحيفة

53

عن النبى (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة حرم ما بين عاير الى كذا، رواه البخارى مطولا و هذا لفظه رواه مسلم فقال: ما بين عيرا إلى ثور و هذا هو حد الحرم فى الطول (ق 37).

و عن أبى هريرة رضى اللّه عنه أنه كان يقول لو رأيت الظبا ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) «ما بين لابتيها حرام» (1) متفق عليه. و هذا حد الحرم فى العرض، و عنه حرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما بين لابتى المدينة، قال أبو هريرة رضى اللّه عنه فلو وجدت الظبا ما بين لابتيها ما ذعرتها و جعل اثنى عشر ميلا حمى، رواه مسلم.

قال المازرى‏ (2): نقل بعض أهل العلم أن ذكر ثور هنا و هم من الراوى، لأن ثورا بمكة، و الصحيح ما بين عير إلى أحد.

و قال أبو عبيد القاسم بن سلام إن عيرا جبل معروف بالمدينة، و إن ثورا لا يعرف بها و إنما يعرف بمكة، قال: فإذن ترى أن أهل الحديث ما بين عيرا إلى أحد [كذا] و كذلك قال غيره.

و قال أبو بكر الحازمى‏ (3): حرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما بين عيرا إلى أحد، قال هذه الرواية الصحيحة و قيل إلى ثور و ليس له معنى. انتهى.

قالوا: و يكون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سمى أحدا ثورا تشبيها بثور مكة لوقوعه فى مقابلة جبل‏

____________

(1) ورد فى صحيح البخارى باب الصوم 30، و سنن ابن ماجه باب الصيام 14.

(2) هو محمد بن على بن عمر التميمى المازرى أبو عبد اللّه محدث من فقهاء المالكية، نسبته إلى مازرة(Mazzara) بجزيرة صقلية، و وفاته بالمهدية سنة 505 ه، له المعلم بفوائد مسلم فى الحديث و التلقين فى الفروع و الكشف و الأنباء فى الرد على الأحياء للغزالى، و إيضاح المحصول فى الأصول، و كتب فى الأدب.

(3) هو محمد بن موسى بن عثمان بن حازم أبو بكر زين الدين المعروف بالحازمى، باحث من رجال الحديث أصله من همذان، ولد سنة 548 ه، و وفاته بغداد سنة 584 ه، له كتاب «ما اتفق لفظه و اختلف مسماه فى الأماكن و البلدان و «المشتبه فى الخط» و الفيصل فى مشتبه النسبة و الاعتبار فى بيان الناسخ و المنسوخ من الآثار فى الحديث، و العجالة فى النسب و شروط الأئمة الخمسة فى مصطلح الحديث، و غير ذلك.

54

يسمى عيرا و قيل اراد بهما ما زمى المدينة، لما ورد فى حديث أبى سعيد (ق 38) حرمت ما بين مازميها و قيل أراد الحرتين شبه احدى الحرتين بعير لنتوء وسطه و نشوزه، و الآخر بثور لا متع تشبيها لثور الوحش.

و قيل إنما بين عير مكة إلى ثورها من المدينة مثله حرام و إنما قيل هذه التأويلات لما لم يعرف بالمدينة جبل يسمى ثورا.

قال المحب الطبرى‏ (1): و قد أخبرنى الثقة الصدق الحافظ العالم المجاور بحرم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبو محمد عبد اللّه البصرى أن حدى أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور و أخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الارض و ما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور فعلمنا بذلك أن ما تضمنه الخبر صحيح و عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته و عدم سؤالهم و بحثهم عنه. انتهى.

قال جمال الدين المطرى‏ (2) و غيره قد قلت بالمدينة الشريفة عن أهلها القدماء الساكنين بالعمرية و الغاية انما يعرفون عن آبائهم و أجدادهم أن وراء أحد جبل يقال له ثور معروف، قال: و شاهدنا الجبل و لم يختلف فى ذلك أحد و عسى (ق 39) أن يكون أشكل على من تقدم لقلة سكناهم المدينة، قال: و هو خلف جبل أحد من شماليه تحته و هو جبل صغير مدور و هو حد الحرم كما نقل و لعل هذا الاسم لم يبلغ أبا عبيد و لا المازرى. انتهى.

____________

(1) هو المحب الطبرى الإمام المحدث فقيه الحرم أبو العباس أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبى بكر المكى الشافعى، مصنف الأحكام الكبرى، و شيخ الشافعية، و محدث الحجاز، ولد سنة 615 ه، و سمع من ابن المقير و ابن الحميزى، و شعيب الزعفرانى، و كان إماما زاهدا صالحا كبير الشأن.

مات سنة 694 ه.

(2) هو محمد بن أحمد بن محمد بن خلف الأنصارى السعدى المدنى أبو عبد اللّه جمال الدين المطرى، فاضل عارف بالحديث و الفقه و التاريخ، نسبته إلى المطرية بمصر و هو من أهل المدينة المنورة، ولى نيابة القضاء فيها و ألف لها تاريخا سماه التعريف بما أنست الهمرة من معالم دار الهجرة،.

مات سنة 741 ه.