تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج3

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
603 /
23

الجزء الثالث‏

سورة آل عمران‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

سورة آل عمران‏ (1)

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2): بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: من قرأ البقرة و آل عمران جاء (3) يوم القيامة يضلّانه‏ (4) على رأسه مثل الغمامتين، أو مثل الغيابتين.

[مدنيّة و آيها مائتان.] (5) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

الم‏ (1): قد مرّ بعض إشاراته في أوّل سورة البقرة.

و في كتاب معاني الأخبار (6): بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن الصادق- (عليه السلام)-، في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: و أمّا «الم» في أوّل آل عمران فمعناه أنا اللّه المجيد.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7) خيثمة الجعفيّ، عن أبي لبيد (8) المخزوميّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا أبا لبيد انّه يملك من ولد عبّاس‏ (9) اثنا عشر (10)، يقتل بعد الثّامن منهم أربعة،

____________

(1) يوجد في أبعد «سورة آل عمران»: مدنية و آيتها مائتان.

(2) ثواب الأعمال/ 130، ح 1.

(3) المصدر: جاءتا.

(4) المصدر: تضلانه.

(5) ليس في أ.

(6) معاني الأخبار/ 22 ضمن ح 1. و في أ: ثواب الأعمال.

(7) تفسير العياشي 2/ 3.

(8) النسخ: «خيثمة الجعفري حدثني أبو لبيد» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(9) المصدر: ولد العباس.

(10) النسخ: «اثنى عشرة.» و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

26

يصيب‏ (1) أحدهم الذّبحة فتذبحه، هم فئة (2) قصيرة أعمارهم قليلة مدّتهم خبيثة سيرتهم [منهم‏] (3) الفويسق الملقّب بالهادي، و النّاطق و الغاوي، يا أبا لبيد إنّ في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنزل‏ الم ذلِكَ الْكِتابُ‏ فقام محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى ظهر نوره و ثبتت كلمته و ولد (4) يوم ولد و قد مضى من الألف السّابع مائة سنة و ثلاث سنين، ثمّ قال: و تبيانه في كتاب اللّه في الحروف المقطّعة، إذا عدّدتها من غير تكرار، و ليس من حروف مقطّعة حرف تنقضي أيّام إلّا و قائم من بني هاشم عند انقضائه، ثمّ قال: الألف واحد، و اللّام ثلاثون، و الميم أربعون، و الصّاد تسعون، فذلك مائة و إحدى و ستّون، ثمّ كان بدء (5) خروج الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- الم اللّه، فلمّا بلغت مدّته قام قائم ولد العبّاس عبد «المص» و يقوم قائمنا عند انقضائها «بالر» فافهم ذلك و عه و اكتمه.

و إنّما فتح الميم في المشهورة، و كان حقّها أن يوقف عليها، لإلقاء حركة الهمزة عليها ليدلّ على أنّها في حكم الثّابت، لأنّها أسقطت للتّخفيف لا للدّرج، فإنّ الميم في حكم الوقف، كقولهم: واحد اثنان، لا لالتقاء السّاكنين، فإنّه غير محذور في باب الوقف، و لذلك لم يحرّك في لام.

و قرئ بكسرها، على توهّم التّحريك لالتقاء السّاكنين. و قرأ أبو بكر بسكونها، و الابتداء بما بعدها على الأصل‏ (6).

اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ (2): (7): قد مرّ تفسيره فلا حاجة إلى تكريره.

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ‏، أي: القرآن منجما، بِالْحَقِ‏: بالعدل، أو بالصّدق في أخباره، أو بالحجج المحقّقة أنّه من عند اللّه. و هو في موضع الحال عن المفعول.

مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ‏: من الكتب.

____________

(1) المصدر: فتصيب.

(2) النسخ: «فتنة». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) يوجد في المصدر.

(4) النسخ: «ولده». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) هكذا في أ. و في الأصل و رو المصدر: بدو.

(6) ر. أنوار التنزيل 1/ 148.

(7) البقرة 255.

27

وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ‏ (3) (1) جملة على موسى و عيسى.

في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن القاسم، عن محمّد بن سليمان، عن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: [سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏، و إنّما أنزل في عشرين سنة بين أوّله و آخره.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:] (3) نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ نزل‏ (4) في طول عشرين سنة، ثمّ قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله):

نزلت‏ (5) صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان، و أنزلت التّوراة لستّ مضين من شهر رمضان، و أنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت‏ (6) من شهر رمضان، و أنزل الزّبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان، [و أنزل القرآن في ثلاث و عشرين من شهر رمضان.

و في الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: أنزلت‏ (8) التّوراة في ستّ مضت من شهر رمضان، و نزل‏ (9) الإنجيل في اثنا عشر (10) ليلة من شهر رمضان، و أنزل‏ (11) الزّبور في ليلة ثمانية عشرة مضت من شهر رمضان‏] (12) و أنزل‏ (13) القرآن في ليلة القدر.

قيل‏ (14): التّوراة مشتقّة من الورى، الّذي هو إخراج النار من الزناد، سمّي بها لإخراج نور العلم منه. و الإنجيل من النّجل، بمعنى: الولد، سمّي به لأنّه يتولّد منه النّجاة.

و وزنهما تفعلة و إفعيل، و هو تعسّف لأنّهما اسمان أعجميّان، يؤيّد ذلك أنّه قرئ الإنجيل بفتح الهمزة، و هو ليس من أبنية العرب.

____________

(1) آل عمران، 3.

(2) الكافي 2/ 628، ح 6.

(3) ما بين المعقوفتين يوجد في المصدر.

(4) النسخ: «نزلت». و ما في المتن موافق المصدر.

(5) هكذا في المصدر. و في النسخ: نزل.

(6) ليس في ر.

(7) نفس المصدر 4/ 157، ح 5.

(8) المصدر: نزلت.

(9) هكذا في النسخ و المصدر. و الظاهر: أنزل.

(10) هكذا في النسخ و المصدر. و الظاهر: اثنتي عشرة.

(11) المصدر: نزل.

(12) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(13) المصدر: نزل.

(14) أنوار التنزيل 1/ 148.

28

مِنْ قَبْلُ‏: تنزيل القرآن.

هُدىً لِلنَّاسِ‏، أي: لكلّ من أنزل عليه‏ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ‏:

قيل‏ (1): يريد به جنس الكتب الإلهيّة، فإنّها فارقة بين الحقّ و الباطل، ذكر ذلك بعد [ذكر] (2) الكتب الثّلاثة ليعمّ ما عداها [كأنّه قال: و أنزل سائر ما يفرّق به بين الحقّ و الباطل، أو الزّبور] (3) أو القرآن. و كرّر ذكره بما هو نعت له مدحا و تعظيما و إظهارا لفضله، من حيث أنّه يشركهما في كونه وحيا منزّلا، و يتميّز بأنّه معجز، يفرّق به بين المحقّ و المبطل أو المعجزات.

و يحتمل أن يكون المراد به محكمات القرآن، أفردها لزيادة شرفها و نفعها.

و في أصول الكافي‏ (4): علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن سنان أو غيره، عمّن ذكره قال‏: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن القرآن و الفرقان أ هما شيئان أو شي‏ء واحد.

فقال- (عليه السلام)-: القرآن جملة الكتاب، و الفرقان المحكم الواجب العمل به.

[و في تفسير العيّاشيّ‏ (5): عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: سألته‏ (6) عن قول اللّه: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ‏.

قال: هو كلّ أمر محكم، و الكتاب هو جملة القرآن الّذي يصدّق فيه من كان‏ (7) قبله [من‏] (8) الأنبياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و روى مثل ما في تفسير العيّاشيّ.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (10): بإسناده إلى أبي عبد اللّه [بن يزيد قال: حدّثني يزيد] (11)

____________

(1) نفس المصدر 1/ 148.

2 و 3- يوجد في المصدر.

(4) الكافي 2/ 630، ح 11.

(5) تفسير العياشي 1/ 162، ح 1.

(6) «قال سألته» ليس في المصدر.

(7) المصدر: «كتاب» بدل «كان».

(8) يوجد في المصدر.

(9) تفسير القمي 1/ 96.

(10) علل الشرائع/ 470، صدر ح 33.

(11) يوجد في المصدر.

29

ابن سلام‏ أنّه سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له: لم سمّي الفرقان فرقانا؟

[قال:] (1) لأنّه متفرّق الآيات و السّور أنزلت في غير الألواح، و غيره من الصّحف‏ (2) و التّوراة و الإنجيل و الزّبور أنزلت‏ (3) كلّها جملة في الألواح و الورق.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في الصّحيفة السّجّاديّة في دعائه- (عليه السلام)- عند ختم القرآن‏ (4): و فرقانا فرقت به بين حلالك و حرامك، و قرآنا أعربت به عن شرائع أحكامك.

] (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ‏: من كتب منزلة كانت أو غيرها، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ: بسبب كفرهم. و لا شك أنّ أمير المؤمنين من أعظم آيات اللّه، و الكافرين به و المنكرين لحقّه لهم عذاب شديد.

وَ اللَّهُ عَزِيزٌ: غالب، لا يمنع من التّعذيب، ذُو انْتِقامٍ‏ (4):

تنكيره للتّعظيم، أي: انتقام لا يقدر مثله أحد و لا يعرف كنهه أحد. و النّقمة، عقوبة المجرم. و الفعل منه، نقم- بالفتح و الكسر- و هو وعيد جي‏ء به بعد تقرير التّوحيد، و إنزال الكتب و الآيات لمن أعرض عنها.

إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ: كلّيّا كان أو جزئيّا، إيمانا أو كفرا، فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (5):

خصّصهما، إذ الحسّ لا يتجاوزهما، و قدّم الأرض ترقّيا من الأدنى إلى الأعلى، و لأنّ المقصود ما اقترف فيها.

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ‏:

و هو ردّ على ما ذهب إليه بعض الحكماء من وجود القوّة المصوّرة.

و قرئ: تصوّركم، أي: صوّركم لنفسه و عبادته‏ (6).

كَيْفَ يَشاءُ: من الصّور المختلفة، مشابها لصورة أبيه أولا.

____________

(1) من المصدر.

(2) الأصل: «غير الصحف» بدل «غيره من الصحف». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) المصدر: نزلت.

(4) الصحيفة السجادية/ 211، الدعاء 42.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(6) أنوار التنزيل 1/ 149.

30

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1): بإسناده إلى جعفر بن بشير، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كلّ صورة بينه و بين أبيه إلى آدم، ثمّ خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولنّ أحد: هذا لا يشبهني و لا يشبه شيئا من آبائي.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن نوح بن شعيب رفعه، عن عبد اللّه بن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: اتى رجل من الأنصار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: هذه ابنة عمّي و امرأتي، لا أعلم منها (3) إلّا خيرا، و قد أتتني بولد شديد السّواد، منتشر المنخرين، جعد، قطط، أفطس الأنف، لا أعرف شبهه في أخوالي و لا في أجدادي.

فقال- (صلّى اللّه عليه و آله)- لامرأته: ما تقولين؟

قالت: لا و الّذي بعثك بالحقّ نبيّا ما أقعدت مقعده منّي‏ (4) منذ ملكني أحدا غيره.

قال: فنكس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [برأسه‏] (5) مليّا، ثمّ رفع بصره إلى السّماء، ثمّ أقبل على الرجل فقال: يا هذا، إنّه ليس من أحد إلّا بينه و بين آدم تسعة و تسعون‏ (6) عرقا كلّها تضرب في النّسب، فإذا وقعت النّطفة في الرّحم اضطربت تلك العروق تسأل الشّبه‏ (7) لها، فهذا من تلك العروق الّتي لم يدركها أجدادك و لا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك.

فقالت المرأة: فرجت عنّي يا رسول اللّه.

محمّد بن يحيى و غيره‏ (8)، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن إسماعيل بن عمرو، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ للرحم أربعة (9) سبل، في أيّ سبيل سلك فيه الماء كان منه الولد واحد و اثنان و ثلاثة و أربعة، (10)

____________

(1) علل الشرائع/ 103، ح 1.

(2) الكافي 5/ 561، ح 23.

(3) ليس في المصدر.

(4) أ: مقعدته أعنى.

(5) يوجد في المصدر.

(6) النسخ: تسعة و تسعين. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) المصدر: تسأل اللّه الشبهة.

(8) الكافي 6/ 17، ح 2.

(9) النسخ: أربع. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(10) النسخ: ثلث أربع. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

31

و لا يكون إلى سبيل أكثر من واحد.

عليّ بن محمّد رفعه‏ (1)، عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق للرّحم أربعة أوعية، فما كان في الأوّل فللأب، و ما كان في الثّاني فللأم، و ما كان في الثّالث‏ (2) فللعمومة، و ما كان في الرّابع‏ (3) فللخئولة. و ذلك التّصوير بعد مكث النّطفة في الرّحم أربعين يوما.

يدلّ عليه‏

ما رواه في كتاب علل الشّرائع‏ (4): بإسناده إلى محمّد بن عبد اللّه بن زرارة، عن عليّ بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال‏:

تعتلج النطفتان في الرّحم فأيّتهما كانت أكثر جاءت تشبهها، فإن كانت نطفة المرأة أكثر جاءت يشبه‏ (5) أخواله، و ان كانت نطفة الرّجل أكثر جاءت يشبه‏ (6) أعمامه.

و قال: تحول النّطفة في الرّحم أربعين يوما، فمن أراد أن يدعو اللّه- عزّ و جلّ- ففي تلك الأربعين قبل أن يخلق‏ (7)، ثمّ يبعث اللّه- عزّ و جلّ- ملك الأرحام، فيأخذها فيصعد بها إلى اللّه- عزّ و جلّ- فيقف منه ما شاء (8) اللّه، فيقول: يا إلهي أ ذكر أم أنثى؟ فيوحي اللّه- عزّ و جلّ- ما يشاء.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: إذ لا يعلم و لا يفعل جملة ما يعلمه، و لا يقدر أن يفعل مثل ما يفعله غيره.

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (6): إشارة إلى كمال قدرته، و تناهي حكمته.

قال البيضاويّ‏ (9): قيل: هذا حجاج‏ (10) على من زعم أنّ عيسى كان ربّا، فإنّ وفد نجران لمّا حاجّوا فيه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نزلت السّورة من أوّلها إلى نيف و ثمانين آية، تقريرا لما احتجّ به عليهم و أجاب عن شبههم.

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ‏: أُحكمت عبارتها، بأن‏

____________

(1) نفس المصدر 6/ 17، ح 2.

(2) النسخ: للثالث. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) النسخ: للرابع. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) علل الشرائع/ 95، ح 4.

5 و 6- المصدر: تشبه.

(7) المصدر: تخلق.

(8) المصدر: «حيث يشاء» بدل «ما شاء».

(9) أنوار التنزيل 1/ 149.

(10) النسخ: احتجاج. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

32

حفظت من الإجمال و الاشتباه.

هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏: أصله، يردّ إليها غيرها. و القياس أمّهات، فأفرد على تأويل واحدة، أو على أنّ الكلّ بمنزلة آية واحدة.

وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏: محتملات، لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر.

و العلّة في ذلك‏

ما رواه في كتاب الاحتجاج‏ (1): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل و فيه يقول‏: ثمّ إنّ اللّه- جلّ ذكره- لسبقة (2) رحمته و رأفته بخلقه، و علمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كلامه، قسّم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسما منه يعرفه‏ (3) العالم و الجاهل، و قسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه و لطف حسّه و صحّ تميّزه ممّن شرح اللّه صدره للإسلام، و قسما لا يعرفه إلّا اللّه و أنبياؤه‏ (4) و الرّاسخون في العلم. و إنّما فعل ذلك، لئلّا يدّعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من علم الكتاب ما لم يجعله‏ (5) اللّه‏ (6) لهم، و ليقودهم الاضطرار إلى الائتمار لمن‏ (7) و لاه أمرهم، فاستكبروا عن طاعته تعزّزا (8) و افتراء على اللّه، و اغترارا بكثرة من ظاهرهم و عاونهم و عاند (9) اللّه- جل اسمه- و رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و اعلم أنّ قسمين ممّا ذكر في الخبر داخل في المحكم المذكور في الآية. و أمّا قوله:

كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ‏، فمعناه: أنّها حفظت من فساد المعنى، و ركاكة اللّفظ. و قوله:

كِتاباً مُتَشابِهاً. فمعناه: يشبه بعضه بعضا في صحّة المعنى، و جزالة اللّفظ. «و أخر» جمع أخرى، و لم ينصرف لأنّه وصف معدول من «الآخر» و لا يلزم معرفته، لأنّ معناه أنّ القياس أن يعرّف، و لم يعرّف لأنّه‏ (10) معرّف في المعنى‏ (11) أو من آخر من بهذا المعنى‏ (12).

في أصول الكافي‏ (13): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قوله‏

____________

(1) الاحتجاج 1/ 376.

(2) المصدر: لسعة.

(3) أ: معرفة.

(4) المصدر: أمناؤه.

(5) المصدر: يجعل.

(6) ليس في أ.

(7) النسخ: بمن و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) النسخ: تفررا. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(9) الأصل: عاندا. و ما أثبتناه في المتن موافق أ.

(10) الأصل: لا أنّه. و ما أثبتناه في المتن موافق ر.

11 و 12- أ: الحق.

(13) الكافي 1/ 414، ح 14.

33

تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ‏، قال: أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الائمّة- (عليهم السلام)- وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ‏، قال: فلان و فلان.

و للحديث تتمّة، أخذت منه موضع الحاجة.

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ‏: ميل عن الحقّ و عدول.

فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ‏: بظاهره، أو بتأويل غير منقول عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الأئمّة- (عليهم السلام)- أو فلان و فلان.

ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ طلب أن يفتنوا أنفسهم و الناس عن دينهم.

و في مجمع البيان‏ (1): قيل: المراد بالفتنة هنا الكفر، و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ‏: طلب أن يأوّلوه‏ (2) على ما يشتهونه.

قيل‏ (3): يحتمل أن يكون الدّاعي إلى الاتّباع مجموع الطّلبتين، أو كل‏ (4) واحدة منهما على التّعاقب، و الأوّل يناسب المعاند و الثّاني يلائم الجاهل.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة (6)، عن وهيب بن حفص‏ (7)،] (8) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول‏: إنّ القرآن زاجر و آمر يأمر بالجنّة (9) و يزجر عن النّار.

و فيه محكم و متشابه. فأمّا المحكم فيؤمن به و يعمل به. و أمّا المتشابه فيؤمن به و لا يعمل به و هو قول اللّه: فَأَمَّا الَّذِينَ‏- و قرأ الى- كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، و قال‏ (10): آل محمّد الرّاسخون في العلم.

وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ‏، أي: الّذي يجب أن يحمل عليه.

____________

(1) مجمع البيان 1/ 410.

(2) الأصل: يألوه. و ما أثبتناه في المتن موافق أ.

(3) أنوار التنزيل 1/ 149.

(4) ر: لكل. (ظ)

(5) تفسير القمي 2/ 451.

(6) الأصل: الحسن بن أحمد بن سماعة. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) الأصل: وهب بن حفص. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(9) أ: بالخير.

(10) ليس في المصدر.

34

إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏، أي: الّذين ثبتوا و تمكّنوا فيه.

و في تتّمة الحديث السّابق‏، أنّ الرّاسخين في العلم أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)(1)-.

و في كتاب معاني الأخبار (2): بإسناده إلى محمّد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يحدّث‏: أنّ حييّا و أبا ياسر أبني أخطب و نفرا من يهود اهل نجران أتوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالوا (3) له: أليس فيما تذكر فيما أنزل اللّه عليك الم؟

قال: بلى.

قالوا: أتاك بها جبرئيل من عند اللّه؟

قال: نعم.

قالوا: لقد بعثت أنبياء قبلك و ما نعلم نبيّا منهم أخبر ما (4) مدّة ملكه و ما أجل أمّته غيرك.

قال: فأقبل حييّ بن أخطب‏ (5) على أصحابه فقال لهم: الألف واحد، و اللّام ثلاثون، و الميم أربعون، فهذه إحدى و سبعون سنة، فعجب ممّن يدخل في دين مدّة ملكه و أجل أمّته إحدى و سبعون سنة.

قال: ثمّ أقبل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له: يا محمّد هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: فهاته‏ (6).

قال: المص.

قال: هذه أثقل و أطول، الألف واحد، و اللّام ثلاثون‏ (7)، و الميم أربعون، و الصّاد تسعون، فهذه مائة و واحد و ستّون سنة (8).

____________

(1) لا يوجد هكذا تتمة في الحديث السابق، كما أنّ الحديث السابق قد نقل هنا بتمامه و لم تبق له تتّمة لم تنقل.

(2) معاني الأخبار/ 23- 24، ح 3.

(3) كذا في المصدر و في النسخ: فقال.

(4) المصدر: أخبرنا.

(5) أ: حيّ بن أخطب.

(6) المصدر: هاته.

(7) يوجد في أبعد هذه العبارة: «و الراء مائتان.» و وجودها خطأ أو زائدة.

(8) النسخ: «فهذه مائة و واحد و أربعون». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

35

ثمّ قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته.

قال: الر.

قال: هذه أثقل و أطول، الألف واحد، و اللّام ثلاثون‏ (1)، و الرّاء مائتان.

[ثمّ قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:] (2) فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته.

قال: المر.

قال: هذه أثقل و أطول، الألف واحد، و اللام ثلاثون و الميم أربعون و الرّاء مائتان.

ثمّ قال له: هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: قد التبس علينا أمرك فما ندري ما أعطيت. ثمّ قاموا عنه، ثمّ قال أبو ياسر لحييّ‏ (3) أخيه: ما يدريك، لعل محمّدا قد جمع له هذا كلّه و أكثر منه.

قال: فذكر أبو جعفر- (عليه السلام)- أنّ هذه الآيات أنزلت فيهم: منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب و أخر متشابهات.

قال: و هي تجري في وجه آخر [على‏] (4) غير تأويل حييّ و أبي ياسر و أصحابهما.

أقول: و هذا الوجه هو ما مرّ، من أنّ المراد بالمحكمات و المتشابهات الأئمّة و أعداؤهم، و بعضهم وقفوا على اللّه و فسّروا المتشابه بما استأثره بعلمه.

يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ‏: استئناف موضح. لحال الرّاسخين، أو حال منهم، أو خبر إن جعلته مبتدأ.

كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، أي: كلّ من المحكم و المتشابه من عنده، و على كون المراد بالمتشابه فلان و فلان كونه من عنده، بمعنى: خلقه له و عدم جبره على الاهتداء، كما هو

____________

(1) يوجد في أبعد هذه العبارة: «و الميم أربعون و الصاد تسعون هذه». و هي زائدة.

(2) يوجد في المصدر.

(3) أ: لحيّ. المصدر: للحيي.

(4) يوجد في المصدر.

36

طريقة الابتلاء و التّكليف.

وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ‏ (7): مدح للرّاسخين، أو لمن يتذكّر أنّ العالم بالمتشابه لا يكون غير الرّاسخين، الّذين هم الأئمّة- (عليهم السلام)-.

[و في شرح الآيات الباهرة (1)] (2) روى محمّد بن يعقوب‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن أيّوب‏ (4) بن الحرّ [و عمران بن عليّ، عن أبي بصير] (5) عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: نحن الرّاسخون في العلم، و نحن نعلم تأويله.

و يؤيّده‏

ما رواه أيضا، عن عليّ بن محمّد (6)، عن عبد اللّه بن عليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.

قال: فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أفضل الرّاسخين في العلم، قد علّمه اللّه- عزّ و جلّ- علم جميع ما أنزل [اللّه‏] (7) عليه من التّنزيل و التّأويل، و ما كان [اللّه‏] (8) لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله، و أوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه [و كيف لا يعلمونه؟! و منهم مبدأ العلم، و إليهم منتهاه، و هم معدنه و قراره و مأواه.

] (9) و بيان ذلك‏

ما رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم‏ (10)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن عبد اللّه بن سليمان، عن حمران بن أعين [عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-] (11) قال‏: إنّ جبرئيل- (عليه السلام)- أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- برمّانتين، فأكل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إحداهما و كسر الأخرى بنصفين،

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة/ 35- 37.

(2) ليس في أ.

(3) الكافي 1/ 213، ح 1.

(4) أ: أبو أيوب.

(5) ليس في النسخ.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

7 و 8- يوجد في الكافي.

(9) يوجد في الكافي بدل ما بين المعقوفتين: و الذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم فأجابهم اللّه بقوله: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا و القرآن خاصّ و عامّ و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ.

فالراسخون في العلم يعلمونه.

(10) الكافي 1/ 263، ح 1.

(11) يوجد في الكافي.

37

فأكل نصفا و أطعم عليّا نصفا.

ثمّ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا أخي هل تدري ما هاتان الرّمّانتان؟

قال: لا.

قال: أمّا الأولى فالنّبوّة ليس لك فيها نصيب، و أمّا الأخرى فالعلم أنت شريكي فيه.

فقلت: أصلحك اللّه كيف يكون‏ (1) شريكه فيه؟

قال: لم يعلّم اللّه محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- [علما] (2) إلّا و أمره أن يعلّمه عليّا- (عليه السلام)-.

و يؤيّده‏

ما رواه أيضا، عن محمّد بن يحيى‏ (3)، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن عبد الحميد، عن منصور بن يونس، عن ابن أذينة، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏: نزل جبرئيل- (عليه السلام)- على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- برمّانتين من الجنّة، فلقيه عليّ- (عليه السلام)- فقال له: ما هاتان الرّمّانتان الّتي في يدك؟

فقال: أمّا هذه فالنّبوّة ليس لك فيها نصيب، و أمّا هذه فالعلم. ثمّ فلقها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نصفين‏ (4) فأعطاه نصفها و أخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نصفها، ثمّ قال: أنت شريكي فيه و أنا شريكك فيه.

قال: فلم يعلّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حرفا ممّا علّمه اللّه- عزّ و جلّ- إلّا و قد علّمه عليّا، ثمّ انتهى العلم إلينا، ثمّ وضع يده على صدره.

و أوضح من هذا بيانا

ما رواه أيضا، عن أحمد بن محمّد (5)، عن عبد اللّه [بن‏] (6) الحجّال، عن أحمد بن عمر الحلبيّ‏ (7)، عن أبي بصير قال‏: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقلت: جعلت فداك إنّي أسألك عن مسألة، فههنا (8) أحد يسمع كلامي؟

____________

(1) الكافي: كان يكون.

(2) يوجد في الكافي.

(3) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

(4) الكافي: بنصفين.

(5) نفس المصدر 1/ 238- 239، ح 1.

(6) يوجد في الكافي.

(7) كذا في الكافي. و في النسخ و شرح الآيات: أحمد بن محمد الحلبي‏

(8) الكافي: هاهنا.

38

قال: فرفع أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- سترا بينه و بين بيت آخر فاطّلع فيه. ثمّ قال: يا أبا محمّد سل عمّا بدا لك.

قال: قلت: جعلت فداك إنّ شيعتك يتحدّثون أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- علّم عليّا بابا، يفتح [له‏] (1) منه ألف باب.

قال: فقال: يا أبا محمّد، علّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّا- (عليه السلام)- ألف باب، يفتح [اللّه‏] (2) كلّ باب ألف باب.

قال: قلت: هذا- و اللّه- العلم.

قال: فنكت‏ (3) ساعة في الأرض، ثمّ قال: إنّه لعلم و ما هو بذاك.

قال: ثمّ قال: يا أبا محمّد انّ عندنا الجامعة و ما يدريهم ما الجامعة.

قال: قلت: جعلت فداك و ما الجامعة؟

قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول اللّه، و (4) إملائه من مل‏ء (5) فيه، و خطّ عليّ بيمينه، فيها كلّ حلال و حرام، و كلّ شي‏ء يحتاج إليه النّاس حتّى الأرش في الخدش، و ضرب بيده إليّ فقال لي: أ تأذن‏ (6) لي يا أبا محمّد.

قال: قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك، فاصنع ما شئت.

قال: فغمزني بيده، قال: حتّى أرش هذا- كأنّه مغضب-.

قال: قلت: هذا- و اللّه- العلم.

قال: إنّه لعلم و ليس‏ (7) بذاك. ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: إنّ‏ (8) عندنا الجفر.

و ما يدريهم ما الجفر.

[قال:] (9) قلت: و ما الجفر؟

قال: وعاء من أدم، فيه علم النّبيّين و الوصيّين و علم العلماء (10) الّذين مضوا من بني‏

____________

(1) يوجد في الكافي.

(2) يوجد في شرح الآيات. و في الكافي: «من» بدل «اللّه».

(3) أو شرح الآيات: فسكت.

(4) النسخ: من.

(5) الكافي: فلق.

(6) الكافي: تأذن.

(7) هكذا في أو الكافي. و في الأصل ور: فليس.

(8) ليس في الأصل ور.

(9) يوجد في الكافي.

(10) النسخ: علماء

39

إسرائيل.

قال: قلت: إنّ هذا هو العلم.

قال: إنّه لعلم‏ (1) و ليس بذاك. ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: و إنّ عندنا لمصحف فاطمة- (عليها السلام)-. و ما يدريهم ما مصحف فاطمة.

قال: قلت: و ما مصحف فاطمة؟

قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا- ثلاث مرّات- و اللّه ما فيه من قرآنكم حرف واحد.

قال: قلت: هذا- و اللّه- هو العلم.

قال: إنّه العلم‏ (2) و ليس بذاك. ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: و إنّ عندنا علم ما كان و علم ما هو كائن إلى أن تقوم السّاعة.

قال: قلت: جعلت فداك هذا- و اللّه- هو العلم.

قال: إنّه لعلم و ليس بذاك.

قال: قلت: جعلت فداك فأيّ شي‏ء العلم؟

قال: ما يحدث باللّيل و النّهار، و الأمر بعد الأمر، و الشي‏ء بعد الشي‏ء إلى يوم القيامة.

و ممّا ورد في غزارة علمهم- (صلوات اللّه عليهم)-

ما رواه أيضا- (رحمه اللّه)- قال‏ (3): روى عدّة من أصحابنا [عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن مغيرة و عدّة من أصحابنا] (4) منهم: عبد الأعلى [و أبو عبيدة] (5) و عبد اللّه بن بشير الخثعميّ‏ (6)، أنّهم سمعوا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول‏: إنّي لأعلم ما في السّموات و ما في الأرض، و أعلم ما في الجنّة، و أعلم ما في النّار، و أعلم ما كان و ما يكون، ثمّ سكت هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه. فقال: علمت ذلك من كتاب اللّه- عزّ و جلّ- [إنّه- عزّ و جلّ-] (7) يقول: فيه‏ (8) فيه تبيان كلّ شي‏ء.

____________

1 و 2- النسخ: العلم. و ما أثبتناه في المتن موافق «الكافي».

(3) الكافي 1/ 261، ح 2.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في ر.

(5) يوجد في الكافي.

(6) الكافي: «عبد اللّه بن بشر الخثعمي». و الظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال 2/ 170. و ما أثبتناه في المتن موافق الأصل.

(7) يوجد في المصدر.

(8) النحل/ 89. و فيها: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ. و هنا إمّا نقل بالمعنى، او كان في قراءتهم- (عليهم السلام)- كما تذكّر بهذين في هامش المصدر.

40

و ممّا ورد في غزارة علمهم- (صلوات اللّه عليهم)-

ما رواه أيضا، عن أحمد بن محمّد و محمّد بن يحيى، (1) عن محمّد بن الحسين، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن سيف التّمّار قال‏: كنّا مع أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و (2) جماعة من الشّيعة في الحجر، فقال: علينا عين، فالتفتنا يمنة و يسرة فلم نر أحدا.

فقلنا ليس علينا عين.

فقال: و ربّ الكعبة و ربّ البيّنة- ثلاث مرّات- لو كنت بين موسى و الخضر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما، و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى و الخضر- (عليهما السلام)- أعطيا علم ما كان و لم يعطيا علم ما يكون و ما هو كائن حتّى تقوم السّاعة، و قد ورثناه من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- وراثة.

و يؤيّد هذا و يطابقه،

ما رواه أصحابنا من رواة الحديث، من كتاب الأربعين، رواية أسعد الأربلىّ‏ (3)، عن عمّار بن خالد، عن إسحاق الأزرق‏ (4)، عن عبد الملك بن‏

____________

(1) الكافي 1/ 260- 261، ح 1.

(2) «واو» ليس في الكافي.

(3) هو أسعد بن إبراهيم بن الحسن بن علي الأربلي وله كتاب الأربعين في الفضائل و المناقب يرويها عن مشايخه من العامّة في مجلس واحد سنة 610، ألّفه في بغداد. توجد من الأربعين هذا نسخ في المكتبة المركزية لجامعة طهران، رقم 1/ 2130، 2/ 2140. و أمّا ما ذكره في فهرس هذه المكتبة أنّه يوجد من الأربعين هذا في مجموعة رقم 3/ 2117 و هم. بل هو أربعين حافظ أبو نعيم الاصبهاني الّذي نقله ابو الحسن على بن عيسى الاربلي في كتابه كشف الغمة في معرفة الائمة، عند ذكر صاحب الأمر- (صلوات اللّه عليه)-. فراجع.

و الحديث الذي نقل في المتن، الحديث الثاني من هذا الأربعين. و أورده العلامة المجلسي- (رحمه اللّه)- في البحار 13/ 312- 313، ح 52، نقلا عن رياض الجنان بعين السند المذكور في «الأربعين». و لكن بين البحار و نسخ الأربعين و تفسير تأويل الآيات (مصدر المتن) إختلاف كثير في الألفاظ و العبارات. و قال- (رحمه اللّه)- في نفس المصدر و الموضع، بعد نقل الحديث: «كنز: ذكر بعض أصحابنا من رواة الحديث في كتاب الأربعين رواية أسعد الاربليّ عن عمّار بن خالد مثله.» و «كنز» المذكور في البحار رمز لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا (على ما قيل في «رموز الكتاب».) و أيضا أورده العلامة- (رحمه اللّه)- في نفس المصدر 40/ 186، ح 71، نقلا عن البرسيّ في مشارق الأنوار، بسند آخر مع تفاوت في المتن.

و في تصحيح الرواية اختصرنا بالنسخ التفسير، إلّا في موارد ما.

(4) الأصل: الأورق. أ: الأورق. و ما أثبتناه في المتن موافق ر، المصدر، الأربعين و البحار (13/ 312)

41

سليمان قال‏: وجد في ذخيرة حواري عيسى رقّ، فيه مكتوب بالقلم السّريانيّ، منقول من التّوراة، و ذلك لمّا تشاجر موسى و الخضر- (عليهما السلام)-. في قصّة السّفينة و الجدار و الغلام، و رجع موسى إلى قومه، فسأله أخوه هارون عمّا استعمله من الخضر و شاهده من عجائب البحر.

فقال موسى- (عليه السلام)-: بينا أنا و الخضر على شاطي البحر، إذ سقط بين أيدينا طائر، فأخذ في منقاره قطرة من ماء البحر و رمى بها نحو المشرق، و أخذ منه ثانية و رمى بها نحو المغرب، ثمّ أخذ ثالثة و رمى بها نحو السّماء، ثمّ أخذ رابعة و رمى بها نحو الأرض، ثمّ أخذ خامسة و ألقاها في البحر، فبهتنا (1) أنا و الخضر من ذلك، و سألته عنه.

فقال: لا أعلم. فبينا نحن كذلك و إذا بصيّاد يصيد في البحر، فنظر إلينا.

فقال: ما لي أراكما في فكرة من أمر الطّائر؟

فقلنا له: هو ذاك.

فقال: أنا رجل صيّاد و قد علمت إشارته، و أنتما نبيّان لا تعلمان! فقلنا: لا نعلم إلّا ما علّمنا اللّه- عزّ و جلّ-.

فقال: هذا طائر في البحر يسمّى مسلما، لأنّه إذا صاح يقول في صياحه: مسلم مسلم، فإشارته برمي الماء من منقاره نحو المشرق و المغرب و السّماء و الأرض و البحر يقول: إنّه يأتي في آخر الزّمان نبيّ، يكون علم أهل المشرق و المغرب و أهل السّماء و الأرض عند علمه، مثل هذه القطرة الملقاة في البحر، و يرث علمه ابن عمّه و وصيّه. فعند ذلك سكن ما كنّا فيه من المشاجرة، و استقلّ كلّ واحد منّا علمه بعد أن كنّا معجبين بأنفسنا، ثمّ غاب عنّا، فعلمنا أنّه ملك، بعثه اللّه إلينا ليعرّفنا نقصنا، حيث ادّعينا الكمال.

و ممّا ذكر في معنى فضلهم- عليهم صلوات اللّه-

ما ذكر الشّيخ أبو جعفر

____________

(1) النسخ و المصدر: فبهتّ. و ما أثبتناه في المتن موافق البحار و النسختين 2130 و 2140 من الأربعين.

42

الطّوسيّ- (رحمه اللّه)- في كتابه مصباح الأنوار، بإسناده إلى رجاله قال: و روي عن جعفر بن محمّد الصّادق، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنا ميزان العلم، و عليّ كفّتاه، و الحسن و الحسين حباله، و فاطمة علاقته، و الأئمّة من بعدهم يزنون المحبّين و المبغضين.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1): روي عن أمير المؤمنين، في حديث طويل يقول فيه‏: و قد جعل اللّه للعلم أهلا، و فرض على العباد طاعتهم بقوله: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏.

و في نهج البلاغة (2): قال- (عليه السلام)-: أين الّذين زعموا أنّهم الرّاسخون في العلم دوننا كذبا و بغيا علينا، أن رفعنا اللّه و وضعهم، و أعطانا و حرمهم، و أدخلنا و أخرجهم.

[و في روضة الكافي‏ (3): ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال‏:

سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ ذكره‏ (4)-: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ.

قال: فقال: يا أبا عبيدة، إنّ لهذا تأويلا، لا يعلمه إلّا اللّه و الرّاسخون في العلم من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن قول اللّه: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏.

قال: يا أبا عبيدة، إنّ لهذا تأويلا، لا يعلمه إلّا اللّه و الرّاسخون في العلم من الأئمّة- (عليهم السلام)-.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت‏ (6) قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة، عن‏

____________

(1) الاحتجاج 1/ 369.

(2) نهج البلاغة/ 201، ضمن خطبة 144.

(3) الكافي 8/ 269، صدر حديث 397.

(4) الروم/ 1- 3.

(5) تفسير القمي 2/ 152.

(6) نفس المصدر 2/ 451.

43

وهيب بن حفص‏ (1)، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: إنّ القرآن زاجر و آمر، يأمر بالجنّة و يزجر عن النّار، و فيه محكم و متشابه، فأمّا المحكم فيؤمن به و يعمل به، و أمّا المتشابه فيؤمن به و لا يعمل به، و هو قول اللّه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا و آل محمّد- (عليهم السلام)- الرّاسخون في العلم.

حدّثني أبي‏ (2)، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أفضل الرّاسخين في العلم، قد علم جميع ما أنزل اللّه عليه من التّنزيل و التّأويل، و ما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله‏ (4)، و أوصياؤه من بعده يعلمونه‏ (5) كلّه قال: قلت: جعلت فداك إنّ أبا الخطّاب كان يقول فيكم قولا عظيما.

قال: و ما كان يقول؟

قلت: قال: إنّكم تعلمون علم الحلال و الحرام و القرآن.

[قال: علم الحلال و الحرام و القرآن‏] (6) يسير (7) في جنب العلم الّذي يحدث في اللّيل و النّهار (8).

و في أصول الكافي‏ (9): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد، عمّن حدّثه، عن ابن شبرمة قال: ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن محمّد

____________

(1) الأصل ور: وهب بن حفص. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(2) نفس المصدر 1/ 96- 97.

(3) المصدر: يزيد بن معاوية. و ما أثبتناه في المتن موافق الأصل ور.

(4) الأصل ور: التأويل. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) الأصل ور: يعلمون. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) يوجد في المصدر.

(7) الأصل ور: لسير. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) الأصل ور: «بالليل» بدل «في الليل النهار».

(9) الكافي 1/ 43، ح 9.

44

- (عليه السلام)- إلّا كان يتصدّع قلبي.

قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [- قال ابن شبرمة: و أقسم باللّه ما كذب أبوه على جدّه و لا جدّه على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1) قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى للنّاس‏ (2) بغير علم- و هو لا يعلم النّاسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه- فقد هلك و أهلك.

بعض أصحابنا (3) رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)-: يا هشام، إنّ اللّه ذكر أولي الألباب بأحسن الذّكر، و حلاهم بأحسن الحلية، و قال‏ (4): [وَ] (5) الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.

أحمد بن محمّد (6)، عن محمّد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: نحن الرّاسخون في العلم.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

عدّة من أصحابنا (7)، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضّر بن سويد، عن أيّوب بن الحرّ و عمران بن عليّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: نحن الرّاسخون في العلم، و نحن نعلم تأويله.

عليّ بن محمّد (8)، عن عبد اللّه بن عليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما- (عليهما السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أفضل الرّاسخين في العلم، و قد علّمه اللّه- عزّ و جلّ- جميع ما أنزل عليه من التّنزيل و التّأويل، و ما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله، و أوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه، و الّذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم فأجابهم اللّه بقوله:

____________

(1) يوجد في المصدر.

(2) المصدر: الناس. (ظ.)

(3) نفس المصدر 1/ 15، ضمن ح 11.

(4) المصدر: فقال و قال.

(5) يوجد في المصدر.

(6) نفس المصدر 1/ 186، ضمن ح 6.

(7) نفس المصدر 1/ 213، ح 1.

(8) نفس المصدر و الموضع، ح 2.

45

يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. و القرآن خاصّ و عامّ و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ، فالرّاسخون في العلم يعلمونه.

الحسين بن محمّد (1)، عن معلّى بن محمّد [عن محمّد] (2) بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال‏:] (3) الرّاسخون في العلم أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده- (عليهم السلام)-.

] (4)

و بإسناده‏ (5) إلى أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: فإن قالوا: من الرّاسخون في العلم؟ فقل: من لا يختلف في علمه، فإن قالوا: فمن هو ذاك؟ فقل: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- صاحب ذلك، فهل بلّغ أولا؟ فإن قالوا: قد بلّغ، فقل: هل مات- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الخليفة من بعده يعلم علما ليس فيه اختلاف؟ فإن قالوا: لا، فقل: إنّ خليفة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مؤيّد، و لا يستخلف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلّا (6) من يحكم‏ (7) بحكمه و إلّا من يكون مثله إلّا النّبوّة، و إن كان‏ (8) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يستخلف في علمه أحدا فقد ضيّع من في أصلاب الرّجال ممّن يكون بعده.

و في كتاب كمال الدّين‏ (9) و تمام النّعمة: بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ قال:

سمعت عليّا- (عليه السلام)- يقول‏: ما نزلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- آية من القرآن إلّا أقرأنيها، و املاها عليّ، و أكتبها (10) بخطّي، و علّمني تأويلها و تفسيرها و ناسخها و منسوخها و محكمها و متشابهها، و دعا اللّه- عزّ و جلّ‏ (11)- أن يعلّمني فهمها و حفظها. فما نسيت آية من كتاب اللّه و لا علما أملاه [عليّ‏] (12) فكتبته. و ما ترك‏ (13) شيئا علّمه اللّه- عزّ و جلّ- من حلال و لا حرام و لا أمر و لا نهي و ما كان و ما يكون من طاعته او

____________

(1) نفس المصدر و الموضع، ح 3.

2 و 3- يوجد في المصدر.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(5) نفس المصدر/ 1/ 245، ضمن ح 1. و في أ: و في أصول الكافي و بإسناده.

(6) ليس في أور.

(7) ر: لم يحكم.

(8) أ: لن كان.

(9) كمال الدين و تمام النعمة/ 284- 285، ح 37.

(10) المصدر: كتبتها.

(11) المصدر: و دعا- عزّ و جلّ- لي.

(12) يوجد في المصدر.

(13) النسخ: و ما ترك اللّه. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

46

معصيته‏ (1) إلّا علّمنيه و حفظته، فلم أنس منه حرفا واحدا.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و اعلم أنّ التّفسير بالرّأي للمتشابه‏ (2) حرام، و من فسّره برأيه كافر، يدلّ عليه‏

ما رواه في كتاب كمال الدّين و تمام النعمة، (3) بإسناده إلى عبد الرّحمن بن سمرة، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: من‏ (4) فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب.

و ما رواه في كتاب التّوحيد (5)، بإسناده إلى الرّيّان بن الصّلت‏ (6)، عن عليّ بن موسى الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: قال اللّه- جلّ جلاله-: ما آمن بى من فسّر برأيه كلامي.

و لا خفاء أنّ المراد تفسير المتشابه، و تأويل المحكم بالرّأي، بغير ما يدلّ عليه ظاهره، و بذلك يظهر عدم إيمان اكثر المفسّرين، ممّن يفسّرون القرآن برأيهم و يأوّلونه على مذاقهم، ممّن نقلنا بعض تأويلاتهم في أوائل التّفسير تقدمة لهذا التّصريح، فإنه لا ربة (7)، لأحد في أنّهم لا يردّون المتشابهات إلى الرّاسخين الّذين هم الأئمّة- (عليهم السلام)- و يفسّرون الرّاسخين أيضا برأيهم، و لا يعنون منه النّبيّ و الأئمّة- (عليهم السلام)-. فتبصّر.

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا: من مقالة الرّاسخين.

و قيل‏ (8): استئناف، و المعنى: لا تزغ قلوبنا عن نهج الحقّ، و هو من الرّاسخين خضوع في مقام العبوديّة.

و قيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا.

بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى الحقّ و «بعد» نصب على الظّرف و «إذ» في محلّ الجرّ

____________

(1) أ: من طاعة أو معصية.

(2) ر: فالمتشابه.

(3) نفس المصدر/ 257، ضمن ح 1.

(4) أو المصدر: و من.

(5) التوحيد/ 68، صدر ح 23.

(6) أ: الريّان بن أبي الصلت.

(7) أ: «فأديته» بدل فانّه لا ربة.

(8) أنوار التنزيل 1/ 150.

47

بإضافته إليه.

و قيل‏ (1): إنّه بمعنى: إن.

وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً: تزلّفنا إليك و نفوز بها عندك، أو توفيقا للثّبات على الحقّ، أو مغفرة للذّنوب أو الأعمّ.

إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏ (8): لكلّ سؤل.

في تفسير العيّاشيّ‏ (2): عن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

أكثروا من أن تقولوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، و لا تأمنوا الزّيغ.

و في تهذيب الأحكام‏ (3): في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق- (عليه السلام)-: ربّنا إنّك أمرتنا بطاعة ولاة أمرك، و أمرتنا أن نكون مع الصّادقين فقلت: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏، و قلت: اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏، فسمعنا و أطعنا، ربّنا فثبّت أقدامنا و توفّنا مسلمين مصدّقين لأوليائك، و لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.

و في هذا الخبر دلالة على أنّ المراد بالدّعاء بعدم الإزاغة، عدم الإزاغة عن الولاية.

رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ‏: لحساب يوم، أو جزائه.

لا رَيْبَ فِيهِ‏ في وقوعه، و وقوع ما أخبر بوقوعه فيه.

إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9): فإنّ الإلهيّة تنافيه، و للإشعار به و تعظيم الموعود به لوّن الخطاب.

قال البيضاويّ‏ (4): و استدلّ به الوعيديّة، و أجيب بأنّ وعيد الفسّاق مشروط بعدم العفو لدلائل منفصلة، كما هو مشروط بعدم التّوبة وفاقا.

و يردّ على هذا الجواب أنّ العفو بالتّوبة موعود بخلاف العفو بدونه، و اشتراط وعيد الفسّاق بعدم العفو لا معنى له، إذ لا يسمّى أضربك إن لم أعف وعيدا، كما يسمّى أعطيك إن جئتني وعدا، فتأمّل يظهر الفرق.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:

الظّاهر أنّه عامّ في الكفرة.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير العيّاشي 1/ 164، ح 9.

(3) تهذيب الأحكام 3/ 147، ضمن ح 317.

(4) أنوار التنزيل 1/ 150.

48

و قيل‏ (1): المراد و فد نجران، أو اليهود، أو مشركو العرب.

لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أي: من رحمته، أو طاعته على معنى البدليّة، أو من عذابه.

وَ أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10): حطبها.

و قرئ بالضّمّ، بمعنى: أهل وقودها.

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ‏: متّصل بما قبله، أي: لن تغني عنهم أموالهم كما لم تغن عن أولئك، أو توقّد بهم كما توقّد بأولئك، أو استئناف مرفوع المحلّ، و تقديره: إنّ دأب هؤلاء كدأبهم في الكفر و العذاب. و هو مصدر دأب في العمل، كدح فيه. فنقل إلى معنى الشّأن.

وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: عطف على آل فرعون، أو استئناف.

كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ‏: حال بتقدير «قد» أو استئناف بتفسير حالهم على التّقدير الأوّل، و خبر على التّقدير الثّاني.

وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ (11): تهويل للمؤاخذة، و زيادة تخويف‏ (2) للكفرة. و في الآية دلالة على أنّ الكفّار طريقتهم واحدة في الكفر و العذاب‏ (3) و الخلود فيه، سواء فيه الّذين كفروا بعد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و الّذين كفروا قبله.

و يظهر منه أنّ المنكرين للولاية (4) المحكوم عليهم بكفرهم دأبهم كدأب آل فرعون في ذلك، لا يجوز إطلاق اسم الإسلام بالمعنى المقصود منه عليهم كما لا يجوز إطلاقه على آل فرعون، و إن جاز إطلاقه عليهم بمعنى آخر كما جاز إطلاقه على فرعون أيضا، بمعنى: أنّه أسلم لإبليس، أو أسلم لهواه، أو غير ذلك.

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى‏ جَهَنَّمَ‏:

في مجمع البيان‏ (5): روى محمّد بن إسحاق بن يسار، عن رجاله قال: لمّا أصاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قريشا ببدر و قدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني‏ (6) قينقاع، فقال: يا معشر اليهود احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش يوم بدر، و أسلموا قبل أن ينزل‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) أ: تخفيف.

(3) ر: العقاب.

(4) «المنكرين للولاية» ليس في أ.

(5) مجمع البيان 1/ 413.

(6) في المصدر ليس «بني»

49

بكم ما أنزل اللّه بهم، فقد عرفتم‏ (1) أنّي نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم.

فقالوا: يا محمّد، لا يغرّنّك أنّك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما (2) و اللّه لو قاتلتنا (3) لعرفت إنّا نحن النّاس. فأنزل اللّه هذه الآية.

و روي أيضا عن عكرمة و سعيد بن جبير (4) عن ابن عبّاس، و رواه أصحابنا أيضا.

و قال البيضاويّ‏ (5)، أي: قل لمشركي مكّة: ستغلبون، يعني: يوم بدر.

و قرأ حمزة و الكسائيّ بالياء فيهما، على أن الأمر للنّبيّ‏ (6) [(صلّى اللّه عليه و آله)‏] بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه‏ (7).

وَ بِئْسَ الْمِهادُ (12): تمام ما يقال لهم، أو استئناف، و تقديره، بئس المهاد جهنم، أو ما مهّدوه لأنفسهم.

قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ:

قيل‏ (8): الخطاب لقريش [أو اليهود] (9) و قيل: للمؤمنين.

فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا: يوم بدر.

في مجمع البيان‏ (10): ان الآية نزلت في قصّة بدر، و كان المسلمون ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا على عدّة أصحاب طالوت الّذين جاوزوا معه النّهر، سبعة و سبعون رجلا من المهاجرين و مائتان و ستّة و ثلاثون من الأنصار. و اختلف في عدد المشركين،

فروي عن عليّ و ابن مسعود: أنّهم كانوا ألفا.

فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏: و هم المؤمنون، وَ أُخْرى‏ كافِرَةٌ: و هم مشركو قريش.

يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ‏، أي: يرى المشركون المؤمنين مثليهم، أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين. و كانوا ثلاثة أمثال لهم، ليثبتوا لهم و يتيقّنوا بالنّصر الّذي وعدهم في قوله:

____________

(1) المصدر: «نزل بهم و قد عرفتم» بدل «أنزل اللّه بهم فقد عرفتم».

(2) المصدر: إنا.

(3) المصدر: قاتلناك.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) أنوار التنزيل 1/ 150.

(6) «للنبي» ليس في المصدر.

(7) نفس المصدر: 1/ 151.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) يوجد في المصدر.

(10) مجمع البيان 1/ 415.

50

إن يكن منكم مائة يغلبوا مأتين.

و (1) يؤيّده قراءة نافع و يعقوب بالتاء، و قرئ بهما بالبناء للمفعول، أي: يريهم اللّه، أو يريكهم ذلك بقدرته. و «فئة» بالجرّ على البدل من فئتين، و النّصب على الاختصاص، أو الحال من فاعل «التقتا.» رَأْيَ الْعَيْنِ‏: رؤية ظاهرة معاينة.

وَ اللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ: كما أيّد أهل بدر.

إِنَّ فِي ذلِكَ‏: أي: في التّقليل و التّكثير، أو غلبة القليل، أو وقوع الأمر على ما أخبر به الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13): لعظة لذوي البصائر.

و قيل‏ (2): لمن أبصرهم.

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ‏، أي: المشهّيات. سمّاها شهوات مبالغة، و إيماء إلى أنّهم انهمكوا في محبّتها حتّى أحبّوا شهوتها، كقوله تعالى‏ (3): أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ.

و ذهب الأشعريّ إلى أنّ المزيّن هو اللّه تعالى لأنّه الخالق للأفعال و الدّواعي كلّها عندهم، و يقولون: زينة ابتلاء، أو لأنّه يكون وسيلة إلى السّعادة الأخرويّة إذا كان على وجه يرتضيه اللّه، أو لأنّه من أسباب التّعيّش و بقاء النّوع.

و المعتزلة إلى أنّه الشّيطان، و الجبّائيّ فرّق بين المباح و المحرّم، و هو الصّواب.

مِنَ النِّساءِ:

و في الكافي‏ (4): عدّة من أصحابنا، عن احمد بن محمّد (5) عن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن الحسن بن أبي قتادة، عن رجل، عن جميل بن درّاج قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

ما تلّذذ (6) النّاس في الدّنيا و الآخرة بلذّة أكثر لهم من لذّة النّساء، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-:

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ‏- إلى آخر الآية- ثمّ قال: و إنّ أهل الجنّة ما يتلذّون بشي‏ء من الجنّة أشهى عندهم من النّكاح، لا طعام و لا شراب.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 151.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) ص/ 32.

(4) الكافي 5/ 321، ح 10.

(5) «محمد عن» ليس في المصدر.

(6) النسخ: يتلذذ. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

51

وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ:

قناطير، جمع قنطار.

و في مجمع البيان‏ (1): اختلف في مقدار القنطار (2) [...] قيل: هو مل‏ء مسك ثور ذهبا [...] و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- (انتهى.)

و اختلف في أنّه فعلال، أو فنعال. و المقنطرة مأخوذة منه للتّأكيد، كقولهم: بدرة مبدّرة.

مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ: صفة للقناطير، و يحتمل التّعلّق بالمقنطرة على تضمين معنى المملوءة.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن محمّد بن يحيى العطّار- رفع الحديث- قال‏ الذّهب و الفضّة حجران ممسوخان‏ (4)، فمن أحبّهما كان معهما.

وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ، أي: المعلّمة، من السّومة و هي العلامة. أو المرعيّة، من أسام الدّابّة و سوّمها. أو المطهّمة التّامّة الخلق، من السّوم في البيع، لأنّها تسأم كثيرا. أو من السّومة كأنّها علم في الحسن.

وَ الْأَنْعامِ‏: الإبل و البقر و الغنم.

وَ الْحَرْثِ‏:

في أصول الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن نوح بن شعيب، عن عبد اللّه الدّهقان، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ أوّل ما عصي اللّه به ستّ: حبّ الدّنيا، و حبّ الرّئاسة، و حبّ الطّعام، و حبّ النّوم، و حبّ الرّاحة، و حبّ النّساء.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: الفتن ثلاث: حبّ النّساء و هو سيف الشّيطان، و شرب الخمر و هو فخّ‏

____________

(1) مجمع البيان 1/ 417.

(2) المصدر: «مقداره» بدل «مقدار القنطار».

(3) الخصال/ 43، ح 38. و فيه: حدّثنا أبي- رضي اللّه عنه- قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران، يرفع الحديث قال: ...

(4) ر: مسوخان.

(5) الكافي 2/ 289، ح 3.

(6) الخصال/ 113، ح 91 و للحديث تتمة.

52

الشّيطان، و حبّ الدّينار و الدّرهم و هو سهم الشّيطان. فمن‏ (1) أحبّ النّساء لم ينتفع بعيشه‏ (2).

و من أحبّ الأشربة حرّمت عليه الجنّة. و من أحبّ الدّينار و الدّرهم فهو عبد الدّنيا.

ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا: إشارة إلى ما ذكر، أي، هو متمتّع في هذه الحياة الدنيا الّتى مدّتها قليلة.

وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ‏ (14): أي: المرجع، و هو تحريض‏ (3) على استبدال ما عنده من اللّذّات الحقيقيّة الأبديّة بالشّهوات النّاقصة الفانية.

قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ‏: تقرير لما عنده.

لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها: استئناف لبيان ما هو عنده.

و قيل‏ (4): يجوز أن يتعلّق اللّام. «بخير» و رفع‏ (5) «جنّات» بتقدير (6): هو جنّات.

و يؤيّده قراءة من جرّها، بدلا من خير.

وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ: ممّا يستقذر من النّساء.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ، قال: لا يحضن و لا يحدثن.

[و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): قوله: وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ، قال: في الجنّة لا يحضن و لا يحدثن.

] (9).

وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ‏: و هو أكبر.

و قرأ عاصم- في رواية أبي بكر- في جميع القرآن بضمّ الرّاء، ما خلا الحرف الثّاني في المائدة، و هو قوله: رضوانه سبل السّلام، و هما لغتان‏ (10).

وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15): فيثيب المحسن، و يعاقب المسي‏ء، و يعلم استعداد المتّقين لما أعدّلهم.

____________

(1) النسخ: و من. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(2) النسخ: بعيشته. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) النسخ: تحريص. (ر. أنوار التنزيل 1/ 151)

(4) أنوار التنزيل 1/ 152.

(5) المصدر: يرتفع.

(6) المصدر: «على» بدل «بتقدير».

(7) تفسير العياشي 1/ 164، ح 11.

(8) تفسير القمي 1/ 98.

(9) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(10) أنوار التنزيل 1/ 152.

53

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (16): صفة للمتّقين، أو للعباد، أو مدح منصوب أو مرفوع، و يحتمل الاستئناف. رتّب المغفرة و الوقاية من النّار على الإيمان بالفاء، إشعارا بأنّه يستلزمهما و هو كذلك، لأنّ المراد به الإيمان باللّه و رسوله و جميع ما جاء به الرسول، الّذي [أعظمه الولاية.] (1) الصَّابِرِينَ‏: في البأساء و الضّرّاء.

وَ الصَّادِقِينَ‏: في الأقوال و الأعمال.

وَ الْقانِتِينَ‏: الخاشعين.

وَ الْمُنْفِقِينَ‏: أموالهم في سبيل اللّه.

وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17)، أي: المصلّين وقت السّحر.

في مجمع البيان‏ (2): رواه الرّضا- (عليه السلام)- عن أبيه عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و روى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّ من استغفر [اللّه‏] (3) سبعين مرّة في‏ (4) وقت السّحر فهو من أهل هذه الآية.

و في كتاب الخصال‏ (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال‏: من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر اللّه [ربّي‏] (6) و أتوب إليه، سبعين مرّة و هو قائم مواظب على ذلك حتّى تمضي‏ (7) له سنة، كتبه اللّه‏ (8) من المستغفرين بالأسحار، و وجبت له المغفرة من اللّه تعالى.

و روى في من لا يحضره الفقيه‏ (9): عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله‏.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (10): عن مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: جعلت فداك تفوتني. صلاة الليل فأصلّي صلاة الفجر، فلي أن أصلّي بعد صلاة الفجر ما فاتني من الصّلاة (11) و أنا في صلاة قبل طلوع الشّمس؟

____________

(1) ليس في أ.

(2) مجمع البيان 1/ 419.

(3) يوجد في المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: من.

(5) الخصال/ 581، ح 3.

(6) يوجد في ر.

(7) المصدر: يمضي.

(8) المصدر: كتبه اللّه عنده.

(9) من لا يحضره الفقيه 1/ 309.

(10) تفسير العياشي 1/ 165، ح 17.

(11) النسخ: صلاة. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

54

فقال: نعم، و لكن لا تعلم به أهلك فتتّخذه‏ (1) سنّة، فيبطل قول اللّه- عزّ و جلّ-:

وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ.

قال البيضاويّ‏ (2) حصر لمقامات‏ (3) السّالك على أحسن ترتيب، فإنّ معاملته مع اللّه تعالى إما توسل و إمّا طلب.

و التّوسّل إمّا بالنّفس، و هو منعها عن الرّذائل و حبسها على الفضائل، و الصّبر يشملهما. و إمّا بالبدن، و هو إمّا قوليّ و هو الصّدق، و إمّا فعليّ و هو القنوت الّذي هو ملازمة الطّاعة، و إمّا بالمال و هو الإنفاق في سبيل الخير.

و أمّا الطّلب و هو الاستغفار (4)، لأنّ المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها. و توسيط الواو بينها للّدلالة على استقلال كلّ واحدة منها و كمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها.

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، أي: بيّن وحدانيّته بنصب الدّلائل الدّالّة عليها، أو شهد به لنفسه.

وَ الْمَلائِكَةُ: بالإقرار، أو شهدوا كما شهد.

وَ أُولُوا الْعِلْمِ‏: و هم الأئمّة (5)- (عليهم السلام)- بالاحتجاج عليه، أو شهدوا كما شهد، و على المعنى الأوّل في «شهد» استعارة تبعيّة، حيث شبّه ذلك في البيان و الكشف بشهادة الشّاهد.

قائِماً بِالْقِسْطِ: مقيما للعدل في حكمه و قضائه، و انتصابه على الحال من «اللّه» و إنّما جاز إفراده بها و لم يجز جاء زيد و عمرو راكبا لعدم اللّبس، أو من «هو» و العامل فيها معنى الجملة، أي: تفرّد قائما أو أحقّه، لأنّها حال مؤكّدة أو على المدح. أو الصّفة للمنفيّ، و فيه ضعف للفصل، و هو داخل في المشهود به إذا جعلته صفة أو حالا عن الضّمير.

و قرئ: القائم بالقسط، على البدل من «هو» أو الخبر المحذوف‏ (6).

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن جابر قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن هذه الآية: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

____________

(1) النسخ: فيتخذه. المصدر: فتتخذونه.

(2) أنوار التنزيل 1/ 152.

(3) النسخ: مقامات. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(4) المصدر: «فبالاستغفار» بدل «فهو الاستغفار».

(5) أ: علماء.

(6) أنوار التنزيل 1/ 152.

(7) تفسير العياشي 1/ 165، ح 18.

55

قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فإنّ اللّه- تبارك و تعالى- يشهد بها لنفسه و هو كما قال، فأمّا قوله: وَ الْمَلائِكَةُ، فإنّه أكرم الملائكة بالتّسليم له بهم و صدّقوا و شهدوا كما شهد لنفسه، و أمّا قوله: وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ، فإنّ أولي العلم الأنبياء و الأوصياء و هم قيام بالقسط، و القسط هو العدل في الظاهر، و العدل في الباطن أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

فعلى هذه الرّواية «قائما» حال عن أولي العلم، و إفراده على تأويل كلّ واحد و الإشعار بأنّ كلّ واحد منهم قائم به، لئلّا يتوهمّ أنّ القسط قائم بمجموعهم من حيث هو مجموع،

و في ذلك التّفسير (1) عن مرزبان القميّ قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن قول اللّه- تعالى- شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ. قال:

هو الإمام.

و في بصائر الدّرجات‏ (2): عن عبد اللّه بن جعفر، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن‏ (3) ابن عليّ الوشّاء، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال‏: قلت: وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ.

قال: الإمام.

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: كرّره للتّأكيد و مزيد الاعتناء، فيبنى عليه قوله:

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ (18): فيعلم أنّه الموصوف بهما، و قدّم العزيز لتقدّم العلم بالقدرة على العلم بحكمته، و رفعهما على البدل من الضّمير أو الصّفة لفاعل «شهد».

و قد ذكر في أوّل الفاتحة ما روي في فضل هذه الآية، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (4)، بإسناده إلى محمّد بن عثمان العمريّ- (قدّس سرّه)- قال‏: لمّا ولد الخلف المهديّ- (صلوات اللّه عليه)- سطع نور من فوق رأسه‏

____________

(1) نفس المصدر 1/ 166، ح 19.

(2) لم نجده في البصائر. و لكن في نور الثقلين 1/ 323، ح 69 مثله تماما. و في البرهان 1/ 273، أورده بنفس السند في ذيل ح 1 نقلا عن البصائر. و الحديث منقول في البرهان موجود في البصائر/ 63، ح 28. إلّا أنّ الذيل المذكور في البرهان غير مذكور في البصائر و يوجد بدلا منه ذيل لمطلب آخر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: الحسين.

(4) كمال الدين و تمام النعمة/ 433، ح 13.

56

إلى عنان‏ (1) السّماء، ثمّ سقط لوجهه ساجدا لربّه- تعالى ذكره- ثمّ رفع رأسه و هو يقول:

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ- الى آخر الآية-.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن محمّد، عن محمّد بن عبد اللّه بن إسحاق العلويّ، عن محمّد بن زيد الزّراميّ، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن‏ (3) أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل يذكر فيه- (عليه السلام)- مواليد الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم)- و فيه يقول- (عليه السلام)-: و إذا وقع من بطن أمّه وقع واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السّماء، فأمّا وضعه يديه على الأرض فإنّه يقبض كلّ علم اللّه‏ (4) أنزله من السّماء إلى الأرض، و أمّا رفعه‏ (5) رأسه إلى السّماء فإنّ مناديا ينادي من بطنان العرش من قبل ربّ العزّة من الأفق الأعلى باسمه و اسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان أثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك‏ (6) أنت صفوتي من خلقي، و موضع سرّي و عيبة علمي، و أميني على وحيي و خليفتي في أرضي، لك و لمن تولّاك أوجبت رحمتي و منحت جناني و أحللت جواري، ثمّ و عزّتي و جلالي لأصلينّ من عاداك أشدّ عذابي و إن وسّعت عليه في دنياي من سعة رزقي، فإذا انقضى الصّوت- صوت المنادي- أجابه و هو واضعا يديه رافعا رأسه إلى السّماء يقول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

[قال:] (7) فإذا قال ذلك أعطاه اللّه العلم الأوّل و العلم الآخر، و استحقّ الرّوح زيادة (8) في ليلة القدر.

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏: جملة مستأنفة مؤكّدة للأولى، أي: لا دين مرضيّ عند اللّه إلّا الإسلام، و هو التّوحيد و التّورّع بالشّرع الّذي جاء به محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- [الّذي لا يتمّ إلّا بالولاية.] (9) يدلّ على ذلك‏

ما رواه الشّيخ الطّوسيّ- (رحمه اللّه)- في أماليه‏ (10) قال: حدّثنا (11)

____________

(1) المصدر: أعنان.

(2) الكافي 1/ 385- 386، ضمن ح 1.

(3) المصدر: «قال حججنا مع» بدل «عن».

(4) المصدر: للّه.

(5) أ: رفع.

(6) النسخ: خلقت. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(7) يوجد في المصدر.

(8) المصدر: «زيارة الروح» بدل «الروح زيادة».

(9) ليس في أ.

(10) أمالي الطوسي 1/ 208.

(11) المصدر: أخبرنا.

57

أبو عبد اللّه محمّد بن [محمّد بن‏] (1) النّعمان- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا الشّيخ‏ (2) أحمد بن محمّد بن الحسن [بن الوليد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمّد بن الحسن‏] (3) الصّفّار- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن المفضّل بن عمر، عن الصّادق [جعفر بن محمد] (4)- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أعطيت تسعا لم يعطها أحد قبلي سوى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لقد فتحت لي السّبل‏ (5)، و علمت المنايا و البلايا، و الأنساب، و فصل الخطاب، و لقد نظرت إلى‏ (6) الملكوت بإذن ربّي، فما غاب عنّي ما كان قبلي و لا ما يأتي بعدي، و إنّ‏ (7) بولايتي أكمل اللّه لهذه الأمّة دينهم و أتمّ عليهم النّعم و رضى لهم الإسلام‏ (8)، إذ يقول يوم الولاية لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا محمّد أخبرهم أنّي أكملت لهم اليوم دينهم و أتممت عليهم النّعم و رضيت إسلامهم، كلّ ذلك منّ من‏ (9) اللّه عليّ‏ (10): فللّه الحمد.

و لا فرق بينه و بين الإيمان في المتعلّق، و إنّما الفرق بأنّه يقال له: الإيمان بعد رسوخه و دخوله في القلب، و قبل ذلك يسمى إسلاما، يدلّ على ذلك‏

ما رواه في أصول الكافي‏ (11): عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عمن ذكره، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: إنّ الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون و يتناكحون، و الإيمان عليه يثابون.

و ما رواه، عن عدّة من أصحابنا (12)، عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: الإسلام لا يشرك الإيمان. و الإيمان يشرك الإسلام.

و هما في القول و الفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد و المسجد ليس في الكعبة.

____________

(1) يوجد في المصدر.

(2) المصدر: «أخبرنا أبو الحسن» بدل «حدثنا الشيخ».

(3) يوجد في المصدر.

(4) يوجد في المصدر.

(5) النسخ: السّد. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) المصدر: في.

(7) النسخ: فانّ. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) المصدر: إسلامهم.

(9) ليس في المصدر.

(10) المصدر: به عليّ. و لا داعي لوجود «به» بعد اختيار «منّ من».

(11) الكافي 1/ 173، ضمن ح 4.

(12) نفس المصدر 2/ 26، ضمن ح 5.

58

و كذلك الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان. و قد قال اللّه- عزّ و جلّ- (1):

قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ.

فقول اللّه- عزّ و جلّ- اصدق القول.

و الحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.

و في الآية دلالة على ذلك، حيث أفادت أن ليس دينا مرضيّا عند اللّه سوى الإسلام، و لو كان الإسلام أعمّ، بمعنى، أنّ الإسلام كان عبارة عن الإقرار بالتّوحيد و النّبوّة، و الإيمان عبارة عنهما. و عن الإقرار بالولاية، لكان الإقراران بدون الولاية دينا مرضيّا عنده، و ليس كذلك بالاتّفاق منّا. لا يقال: الآية دلّت على أنّ الدّين المرضيّ ممّا يصدق عليه الإسلام و لم يدلّ على أنّ كلّ إسلام دين مرضيّ، فلعلّه ذلك باعتبار بعض أفراده.

و أيضا يكفي في كونه مرضيّا كونه ممّا يحقن به الدّم، و ترتّب بعض الأحكام عليه، و لا يلزم كونه ممّا يثاب عليه و يصير سبب نجاة في الآخرة، لأنّا نقول في الجواب عن الأوّل:

إنّ تعريف جزئي الجملة يفيد انحصار كلّ منهما في صاحبه كما حقّق في موضعه، فيفيد أنّ الإسلام لا يكون دينا غير مرضيّ أصلا (2). و عن الثّاني أنّ المتبادر الصّريح من كونه مرضيّا عند اللّه كونه ممّا يثيب عليه في الآخرة، و أمّا كونه مرضيّا بالمعنى الّذي ذكرته فيما لا ينقاد له الذّهن أصلا، فلا يحمل عليه بوجه.

و قرأ الكسائي بالفتح، على أنه بدل «أنّه». و قرئ «إنّه» بالكسر، و «أنّ» بالفتح، على وقوع الفعل على الثّاني و اعتراض ما بينهما، و إجراء «شهد» مجرى «قال» تارة و «علم» أخرى، لتضمّنه معناهما (3).

وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏: في دين الإسلام، فقال قوم: حقّ، و قال قوم:

مخصوص بالعرب، و نفاه آخرون مطلقا.

و في التّوحيد: فثلّث النّصارى. و قالت اليهود: عزير ابن اللّه. و الّذين أوتوا الكتاب، أصحاب الكتب المتقدّمة. و قيل‏ (4): اليهود و النّصارى.

و قيل‏ (5): هم قوم موسى اختلفوا بعده. و قيل: هم النّصارى اختلفوا في أمر عيسى.

____________

(1) الحجرات/ 14.

(2) أ: «أو أصلا أو» بدل «أصلا و».

(3) أنوار التنزيل 1/ 153.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

59

إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ‏، أي: من بعد ما جاءتهم‏ (1) الآيات الموجبة للعلم.

وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ (19): وعيد لمن كفر منهم. و في الآية دلالة على كفر من تمكّن من العلم‏ (2) بدين الحقّ و أنكر و إن لم يحصل له العلم باعتبار تهاونه.

فَإِنْ حَاجُّوكَ‏، في الدّين بعد إقامة الحجج، و جادلوك عنادا، فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ‏: أخلصت له نفسي، لا أشرك فيها أحدا. و عبّر بالوجه عن النّفس، لأنّه أشرف الأعضاء الظّاهرة، و مظهر القوى‏ (3) المدركة.

وَ مَنِ اتَّبَعَنِ‏: عطف على الضّمير المرفوع للفصل‏ (4)، أو مفعول معه‏ (5).

وَ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ‏: الّذين لا كتاب لهم، كمشركي العرب، أَ أَسْلَمْتُمْ‏، كما أسلمت بعد إقامة الحجّة، أم أنتم باقون على كفركم؟ و فيه تعيير لهم بالبلادة و المعاندة.

فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا: فقد انتفعوا بالهداية.

وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ‏: فلم يضرّوك، إذ ما عليك إلّا التّبليغ، و قد بلّغت.

وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20): وعد للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و للمؤمنين، و وعيد للمتولّين.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ (21): هم أهل الكتاب الّذين في عصره قتل أوّلوهم الأنبياء و متابعيهم و رضوا به و قصدوا قتل النّبيّ و المؤمنين و لكن اللّه‏ (6) عصمهم.

و نقل‏ (7): أنّ بني إسرائيل قتلوا ثلاثة و أربعين نبيّا من أوّل النّهار في ساعة واحدة،

____________

(1) النسخ: جاءهم.

(2) ليس في ر.

(3) ر: القول.

(4) ر: للفعل.

(5) ليس في أ.

(6) ليس في أ.

(7) مجمع البيان 1/ 423، نقلا عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مخاطبا لابي عبيدة.

60

فقام مائة و اثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل فأمروا من قتلتهم بالمعروف و نهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النّهار [في ذلك اليوم. و هو الذي ذكره اللّه تعالى‏] (1).

و قرأ حمزة «يقاتلون الّذين» فبشّرهم خبر المبتدأ، و دخول الفاء لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط. و يمنع سيبويه دخول الفاء في خبر إنّ، كليت و لعلّ، و لذلك قيل: الخبر (2).

أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ، كقولك: زيد فافهم رجل صالح، و بينه و بينهما فرق فإنّها لا تغيّر معنى الجملة بخلافهما، و قد دخلت الفاء في خبر إنّ في قوله: إنّ الموت الّذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم.

وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ‏ (22): في الدّنيا يدفع عنهم الخزي و اللّعن، و في الآخرة يدفع عنهم العذاب. و في إيراد الجمع إشعار بأنّ خزيهم و عذابهم عظيم، على تقدير وجود النّاصرين لا يمكن لواحد منهم دفعه.

و في كتاب الخصال‏ (3): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لن يعمل ابن آدم عملا أعظم عند اللّه- تبارك و تعالى- من رجل قتل نبيّا، أو إماما، أو هدم الكعبة الّتي جعلها اللّه تعالى قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حراما.

و فيه‏ (4) فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه‏: احذروا السّفلة، فان السّفلة من لا يخاف اللّه، ففيهم‏ (5) قتلة الأنبياء، و هم‏ (6) أعداؤنا.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن يونس بن ظبيان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: ويل للّذين يجتلبون‏ (8) الدّنيا بالدّين [و] (9) ويل للّذين يقتلون الّذين يأمرون بالقسط من الناس، و ويل للّذين يسير المؤمن فيهم بالتّقيّة. أبي يغترّون أم عليّ يجترءون؟ فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك‏

____________

(1) من المصدر.

(2) ر. أنوار التنزيل 1/ 153.

(3) الخصال/ 120، ح 109.

(4) نفس المصدر/ 635، ضمن حديث الأربعمائة.

5 و 6- المصدر: فيهم.

(7) الكافي 2/ 299، ح 1.

(8) المصدر: «يختلون». و يمكن أن يكون: «يحتلبون». و كلاهما صحيح و صواب أيضا.

(9) من المصدر.

61

الحليم منهم حيرانا (1).

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً، أي: حظّا وافرا. و التّنكير للتّعظيم.

مِنَ الْكِتابِ‏، أي: التّوراة، أو جنس الكتب السّماويّة. و من للتّبعيض، أو التّبيين‏ (2).

يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ‏، أي: يدعوهم محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى القرآن ليحكم بينهم، أو التّوراة لما

نقل‏ (3): انّه- عليه الصّلاة و السّلام- دخل مدارسهم فقال له نعيم بن عمرو و الحارث بن زيد: على أيّ دين أنت؟

فقال: على دين إبراهيم.

فقال له نعيم‏ (4): إنّ إبراهيم كان يهوديّا.

فقال: هلمّوا إلى التّوراة ليحكم‏ (5) بيننا و بينكم، فأبيا.

[فنزلت‏] (6).

و قيل: نزلت في الرّجم. و قد اختلفوا فيه.

و قرئ ليحكم على البناء للمفعول، فيكون الاختلاف فيما بينهم‏ (7).

ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ‏: استبعاد لتولّيهم، مع علمهم بأنّ الرّجوع إليه واجب.

وَ هُمْ مُعْرِضُونَ‏ (23): حال من فريق لتخصيصه بالصّفة، أي: و هم قوم عادتهم الإعراض عن الحقّ، و هو نهاية التّقريع‏ (8).

ذلِكَ‏، أي: الإعراض.

بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ‏: بسبب تسهيلهم امر العذاب، وَ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (24): من قولهم السّابق، أو أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، أو أنّه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذّب أولاده إلّا تحلّة القسم. و تكرير الكذب و الافتراء، يصيّره في صورة الصّدق، عند قائله و مفتريه.

فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ‏: تكذيب لقولهم: لن تمسّنا النّار إلَّا أيّاما، و لغرورهم بما كانوا يفترون.

____________

(1) المصدر: حيران.

(2) أ: للتبيين.

(3) أنوار التنزيل 1/ 154.

(4) المصدر: «فقالا له» بدل «فقال له نعيم».

(5) المصدر: فانّها.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أ: التفريع.

62

وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ‏: جزاء ما كسبت.

قال البيضاويّ‏ (1): و فيه دليل على أنّ العبادة لا تحبط، و أنّ المؤمن لا يخلّد في النّار، لأنّ توفية إيمانه و عمله لا يكون‏ (2) في النّار و لا قبل دخولها، فإذن هي بعد الخلاص [منها.] (3) و يردّ عليه في الأوّل، أنّه على تقدير الإحباط، يصدق على النّفس المحسنة الّتي أحبطت حسنتها (4) بالسّيِّئة الّتي صدرت عنها أنّها وفيت ما كسبت، بمعنى أنّها لحسنتها لم تعاقب بالسّيّئة الّتي صدرت عنها. و في الثّاني، أنّه يمكن توفية (5) إيمانه و عمله في النّار، بأن يخفّف عذابه عن قدر ما ينبغي لسيئته، لإيمانه و عمله.

و التّحقيق أنّ المؤمن، يعني، الموالي للأئمّة- (عليهم السلام)- لا يدخل النّار، و غيره يدخل و لا يخرج. و مناط الإيمان ما جعله اللّه و رسوله إيمانا، لا ما جعله كلّ حزب إيمانا و عدّه عملا صالحا، فكم ممّن يعدّ نفسه مؤمنا و هو مؤمن بنفسه و هواه، و كم ممّن يعد نفسه مواليا فهو ممّن يوالي الشّيطان.

وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (25):

الضّمير لكلّ نفس على المعنى، لأنّه في معنى كلّ إنسان.

قُلِ اللَّهُمَ‏:

الميم عوض عن حرف النّداء، و لذلك لا يجتمعان، و قد وقع في الشّعر ضرورة، و هو من خصائص هذا الاسم كدخولها عليه مع لام التّعريف، و قطع همزته و تاء القسم.

و قيل‏ (6): أصله «يا اللّه آمنّا بخير»، مخفّف بحذف حرف النّداء و متعلّقات الفعل و همزته.

مالِكَ الْمُلْكِ‏: على الحقيقة، و هو صفة للّه. و عند سيبويه، نداء ثان، فإنّ الميم عنده تمنع الوصفيّة.

تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، أي: تعطي منه‏ (7) ما تشاء من تشاء، و تستردّ. فالملك الأوّل عامّ، و الأخيران بعضان منه.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 154.

(2) المصدر: لا تكون.

(3) من المصدر.

(4) أ، ر: حسنته.

(5) أ: توفيته.

(6) أنوار التنزيل 1/ 154.

(7) أ: منها.

63

و قيل‏ (1): المراد بالملك، النّبوّة. و نزعها، نقلها من قوم إلى قوم.

و في روضة الكافي‏ (2): بإسناده إلى عبد الأعلى- مولى آل سام- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، أليس قد أتى اللّه- عزّ و جلّ- بني أميّة الملك؟

قال: ليس حيث تذهب‏ (3)، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أتانا الملك و أخذته بنو أميّة، بمنزلة الرّجل يكون له الثّوب فيأخذه الآخر، فليس هو الذي أخذه.

فالمراد بإيتاء الملك بناء على هذا الخبر جعل الملك لأحد و جعله جائز التّصرّف فيه، لا التسلّط (4) على الملك كما يتوهّم بعض الأوهام و ذهب إليه و هو (5) مولى آل سام‏ (6)، و هو الآن لمن جعل اللّه الملك له و جعله قائما فيه.

وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: في الدّنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، بالنّصر و الإدبار، و التّوفيق و الخذلان.

بِيَدِكَ الْخَيْرُ، أي: ما هو فعلك خير، و الشّرّ ممّا يرجع إلينا، مع كون الشّرّ مقدورا لك أيضا.

إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (26): خيرا كان أو شرّا، لكنّ ما يصدر عن يدك و قدرتك هو الخير، هذا. و قال البيضاويّ‏ (7): ذكر الخير وحده لأنّه المقضى‏ (8) بالذّات، و الشّرّ مقضي‏ (9) بالعرض، إذ لا يوجد شرّ جزئيّ ما لم يتضمّن خيرا كليّا. أو لمراعاة الأدب في الخطاب. أو لأنّ الكلام وقع فيه، إذ

روي‏: أنّه- عليه الصّلاة و السّلام- لمّا خطّ الخندق، و قطع لكلّ عشرة أربعين ذراعا، و أخذوا يحفرون، فظهر فيه صخرة عظيمة لم يعمل فيها (10) المعاول، فوجّهوا سلمان إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يخبره، فجاء- (عليه السلام)- فأخذ المعول منه، فضربها ضربة صدّعتها، و برق منها برق‏ (11) أضاء ما بين‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 8/ 266، ح 389.

(3) المصدر: تذهب إليه.

(4) أ: التسليط.

(5) الأصل ور: هم. و ما أثبتناه في المتن موافق أ.

(6) ر: آل سالم.

(7) أنوار التنزيل 1/ 154- 155.

(8) أ: المقتضي.

(9) أ: مقتضي.

(10) النسخ: فيه. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(11) أ: برقا.

64

لابتيها لكأنّ [بها] (1) مصباحا في جوف بيت مظلم‏ (2)، فكبّر و كبّر معه المسلمون و قال:

أضاءت لي [منها قصور الحيرة كأنّها أنياب الكلاب. ثمّ ضرب الثّانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الرّوم. ثمّ ضرب الثّالثة فقال: أضاءت لي‏] (3) [منها] (4) قصور صنعاء، و أخبرني جبرئيل أنّ أمّتي ظاهرة على كلّها فأبشروا.

فقال المنافقون: ألا تتعجّبون يمنّيكم و يعدكم الباطل، و يخبركم أنّه يبصر من يثرب قصور الحيرة [و مدائن كسرى‏] (5) و أنّها تفتح‏ (6) لكم، و أنتم [إنّما] (7) تحفرون الخندق من الفرق.

فنزلت، و نبّه على أنّ الشّرّ أيضا بيده بقوله: [إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

انتهى كلامه، و هذا بناء على زعمه الكاسد ممّا ذهب إليه الأشعريّة، من أنّ الخير و الشّرّ كليهما من أفعال اللّه- تعالى-.] (8) تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، بل ما يصدر عنه تعالى ممّا ظاهره الشّرّ من التّعذيب و الخزي و الإماتة و التّحريض و غير ذلك، فهو خير في الواقع و حسن بالنّظر إلى مصالحه و حكمه، كيف و الشّرّ قبيح يقبح صدروه عنه تعالى.

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ‏، أي: تزيد في النّهار و تنقص من اللّيل و بالعكس، أو تعقّب أحدهما الآخر. و الولوج، الدّخول في مضيق.

و في كتاب الإهليلجة (9): قال الصّادق- (عليه السلام)، بعد أن ذكر اللّيل و النّهار- يلج أحدهما في الأخر [حتّى‏] (10) ينتهي كلّ واحد منهما إلى غاية معروفة محدودة (11) في الطّول و العرض‏ (12)، على مرتبة و مجرى واحد.

وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏: تنشئ الحيوانات من موادّها و تميتها، أو تخرج الحيوان من النّطفة منه، أو تخرج المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن.

____________

(1) من المصدر.

(2) النسخ: «ليلة» بدل «بيت مظلم».

(3) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) أ: يفتح.

(7) من المصدر.

(8) ما بين المعقوفتين ليس في أ.

(9) بحار الأنوار 3/ 165.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: «محدودة معروفة» بدل «معروفة محدودة»

(12) المصدر: القصر.

65

و في كتاب معاني الأخبار (1): و سئل الحسن بن عليّ بن محمّد- (عليهم السلام)- عن الموت ما هو؟

فقال: هو التّصديق بما لا يكون.

حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الصّادق- (عليه السلام)- قال‏: إنّ المؤمن إذا مات لم يكن ميّتا، فإنّ الميّت هو الكافر، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول‏ (2): يخرج الحيّ من الميّت و يخرج الميّت من الحيّ، [يعني المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن.

و في مجمع البيان‏ (3): تخرج الحّي من الميّت و تخرج الميّت من الحيّ‏] (4) قيل: إنّ معناه يخرج‏ (5) المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن. و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-.

و قرأ ابو عمرو و ابن عامر و أبو بكر «الميت» بالتّخفيف‏ (6).

وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (27):

في مهج الدّعوات‏ (7): عن أسماء بنت زيد قالت: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: اسم اللّه الأعظم الّذي إذا دعي به فأجاب: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ‏- إلى- بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

و قد مرّ في أوّل الفاتحة ما يدلّ على فضل هذه الآية أيضا.

لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ: نهي عن موالاتهم و الاستعانة بهم.

مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ‏: في موضع الصّفة لأولياء، أو الحال إن جوزت عن النّكرة، و المعنى: أنّهم لا يتّخذوهم أولياء بدل المؤمنين، فيكون إشارة إلى أنّ المؤمنين أحقّاء بالموالاة، و في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة، فإنّ اللّه وليّ الذين آمنوا.

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ‏: أي اتّخاذ الكافرين أولياء.

فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ: من الولاية، لأنّه ترك موالاة المؤمنين الّذين وليّهم اللّه و والى عدوّ اللّه.

____________

(1) معاني الأخبار/ 290- 291، ح 10.

(2) الروم/ 18.

(3) مجمع البيان 1/ 428.

(4) ليس في أ.

(5) المصدر: تخرج.

(6) أنوار التنزيل 1/ 155.

(7) مهج الدعوات/ 317.

66

إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً، أي: لا يجوز موالاتهم في شي‏ء من الأحوال إلّا في حالة أن تتّقوا منهم، أي: تخافوا من جهتهم.

و تقاة، مصدر. إمّا بمعنى ما يجب اتقاؤه فيكون مفعولا به، أو بمعناه فيكون مفعولا مطلقا. و الفعل معدّى بمن، لأنّه في معنى تحذروا و تخافوا. و قرأ يعقوب: تقيّة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)- لبعض اليونانيّين: و آمرك أن تستعمل التّقيّة (2) في دينك، فإنّ اللّه يقول: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‏ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [...] و إيّاك ثمّ إيّاك أن تتعرّض للهلاك‏ (3)، و ان تترك التّقيّة الّتي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك و دم‏ (4) إخوانك، معرّض لنعمك و لنعمهم للزّوال‏ (5)، مذلّ لك و لهم‏ (6) في أيدي أعداء اللّه‏ (7) و قد أمرك‏ (8) بإعزازهم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (9): عن الحسين بن زيد بن عليّ، عن جعفر بن محمّد [عن أبيه (عليهما السلام)‏] (10) قال: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول‏: لا إيمان لمن لا تقيّة له، و يقول: فإنّ‏ (11) اللّه يقول‏ (12): إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً.

و في أصول الكافي‏ (13): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أدينة، عن إسماعيل الجعفيّ و معمّر بن يحيى بن سام‏ (14) و محمّد بن مسلم و زرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول‏: التّقيّة في كلّ شي‏ء يضطرّ إليه ابن آدم، فقد أحلّه‏ (15) اللّه له.

عليّ بن إبراهيم‏ (16): عن محمّد بن عيسى، عن يونس‏ (17)، عن ابن مسكان، عن‏

____________

(1) الاحتجاج 1/ 354- 355.

(2) النسخ: تقية. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(3) «أن تتعرّض للهلاك و» ليس في المصدر.

(4) النسخ: دماء. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) المصدر: «لنعمتك و نعمهم على الزوال» بدل «لنعمك و لنعمهم للزوال».

(6) النسخ: «مذلّهم». تفسير نور الثقلين: «مذلّ لهم» بدل «مذلّ لك و لهم».

(7) المصدر: أعداء دين اللّه.

(8) المصدر: و قد أمرك اللّه.

(9) تفسير العياشي 1/ 166، ح 24.

(10) من المصدر.

(11) المصدر: قال.

(12) ليس في المصدر.

(13) الكافي 2/ 220، ح 18.

(14) الأصل: بسام. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(15) النسخ: أحلّ. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(16) نفس المصدر 2/ 220.

(17) «عن يونس» ليس في ر.

67

حريز، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال‏: التّقيّة ترس‏ (1) اللّه بينه و بين خلقه.

وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏ في موالاة الكفّار من غير ضرورة و ترك التّقيّة في حال الضّرورة. و ذكر «النفس» ليعلم أنّ المحذّر منه عقاب منه، و هو تهديد عظيم مشعر بتناهي النّهي عنه في القبح.

وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28): تأكيد للتّهديد، و إتيان الظّاهر موضع الضّمير للمبالغة.

قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ‏: يعلم السّرّ منكم و العلن.

وَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏: فيعلم ما تضمرونه و ما تخفونه.

وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (29): فيقدر على تعذيبكم و خزيكم ان لم تنتهوا عن ما نهيتم عنه.

يَوْمَ‏: منصوب «بتودّ» أو «اذكر» مضاف إلى‏ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، أي: تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير حاضرا.

وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ أي: محضرا، تَوَدُّ: حال، على تقدير تعلّق «يوم» باذكر من الضّمير في «عملت» أو خبر «لما عملت من سوء» و «تجد» مقصور على «ما عملت من خير» و لا تكون «ما» شرطيّة لارتفاع «تودّ».

و قرئ «ودّت» و على هذا يحتمل أن تكون «ما» شرطيّة (2).

لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً: بتأويل المصدر مفعول «تودّ»، أي: تودّ كون الأمد البعيد بينها و بين عملها.

وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ‏: التّكرير للتّوكيد.

وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30): إشارة إلى أنّ النّهي للرّأفة، رعاية لمصالحهم. و أنّه لذو مغفرة و ذو عقاب، فيجب أن يرجى رحمته، و يخشى عقابه.

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي‏:

____________

(1) أ: أترس.

(2) أنوار التنزيل 1/ 156.

68

المحبّة، ميل النّفس إلى الشي‏ء، لكمال أدرك فيه، بحيث يحملها على ما يقرّبه إليه. و محبّة العباد للّه مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره، و رغبتهم‏ (1) فيها، و هي مستلزمة لاتّباع الرّسول في جميع ما جاء به و من جملته، بل العمدة فيه اتّباع الأئمّة- (عليهم السلام)-.

يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏: جواب للأمر، أي: يرضى عنكم و يتجاوز عن ذنوبكم. عبّر عن ذلك بالمحبّة على طريق الاستعارة، أو المقابلة.

و في روضة الكافي‏ (2): بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل يقول فيه- (عليه السلام)-: و من سرّه أن يعلم أنّ اللّه يحبّه فليعمل بطاعة اللّه و ليتّبعنا، أ لم يسمع قول اللّه- عزّ و جلّ- لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله): قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏. و اللّه لا يطيع اللّه عبد أبدا إلّا أدخل اللّه عليه في طاعته اتّباعنا، و لا و اللّه لا يتّبعنا عبد أبدا إلّا أحبّه اللّه [و] (3) لا و اللّه لا يدع‏ (4) أحد اتّباعنا أبدا إلا أبغضنا و لا و اللّه لا يبغضنا أحد أبدا إلّا عصى اللّه، و من مات عاصيا للّه أخزاه [اللّه‏] (5) و أكبّه على وجهه في النّار، و الحمد للّه ربّ العالمين.

و فيها خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و هي خطبة الوسيلة (6)، يقول فيها- (عليه السلام)- بعد أن ذكر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله):-: فقال تبارك و تعالى- في التّحريض على اتّباعه و التّرغيب في تصديقه و القبول لدعوته: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‏، فاتّباعه- (صلّى اللّه عليه و آله)- محبّة اللّه، و رضاه غفران الذّنوب و كمال الفوز و وجوب الجنّة.

عليّ بن إبراهيم‏ (7)، عن أبيه، عن القاسم بن محمدّ [و عليّ بن محمّد، عن القاسم بن محمّد] (8) عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه‏

____________

(1) ر: رغبته.

(2) الكافي 8/ 14، ذيل حديث 1. و هي رسالة أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إلى أصحابه.

(3) من المصدر.

(4) النسخ: و لا يدع. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر 8/ 26، ضمن حديث 4.

(7) نفس المصدر 8/ 128- 129، ح 98. و الحديث طويل. و له تتمة.

(8) من المصدر.

69

- (عليه السلام)- قال‏: قال [...] إنّي لأرجو النّجاة لمن عرف حقّنا من هذه الأمّة إلّا لأحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، و صاحب هوى، و الفاسق المعلن. ثمّ تلا: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏. ثمّ قال: يا حفص الحبّ أفضل من الخوف. ثمّ قال: و اللّه ما أحبّ [اللّه‏] (1) من أحبّ الدّنيا و والى غيرنا، و من عرف حقّنا و أحبّنا فقد أحبّ اللّه- تبارك و تعالى-.

و في كتاب الخصال‏ (2): عن سعيد بن يسار قال: قال [لي‏] (3) أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: هل الدّين إلّا الحبّ، إنّ اللّه تعالى يقول: [قُلْ‏] (4): إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

و عن يونس بن ظبيان قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)-:

إنّ النّاس يعبدون اللّه تعالى على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء و هو الطّمع، و آخرون يعبدونه‏ (5) فرقا من النّار فتلك عبادة العبيد و هي الرّهبة، و لكّني أعبده حبّا له فتلك عبادة الكرام و هو الأمن لقوله تعالى‏ (6): وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ‏ و لقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.

فمن أحبّ اللّه أحبّه اللّه، و من أحبّه اللّه كان من الآمنين.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن زياد، عن أبي عبيدة الحذّاء قال‏: دخلت على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقلت: بأبي أنت و امّي ربّما خلا بي الشّيطان فخبثت نفسي، ثمّ ذكرت حبّي إيّاكم و انقطاعي إليكم فطابت نفسي.

فقال: يا زياد ويحك و ما الدّين إلّا الحبّ أ لا ترى إلى قول- اللّه تعالى- إِنْ‏ (8) كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

و عن بشير الدّهّان‏ (9)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏: [قد] (10) عرفتم فيّ منكرين كثيرا (11) و أحببتم فيّ مبغضين كثيرا، (12) و قد يكون حبّا للّه [و] (13) في اللّه و رسوله،

____________

(1) من المصدر.

(2) الخصال/ 21، ح 74.

(3) من المصدر.

(4) من المصدر.

(5) النسخ: يعبدون. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(6) النمل/ 89.

(7) تفسير العياشي 1/ 167، ح 25.

(8) أ: قل إن.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 26.

(10) من المصدر.

11 و 12- النسخ و المصدر: كثير.

(13) من المصدر.

70

و حبّا في الدّنيا. فما كان في اللّه و رسوله فثوابه على اللّه، و ما كان في الدّنيا فليس [في‏] (1) شي‏ء. ثمّ نفض يده، ثمّ قال: إنّ هذه المرجئة و هذه القدريّة و هذه الخوارج ليس منهم أحد إلّا يرى أنّه على الحقّ، و إنّكم إنّما أحببتمونا في اللّه، ثمّ تلا: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (2) وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (3)، و مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ (4) إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏ (5)

و عن بريد بن معاوية (6) [...] عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: و اللّه لو أحبنا حجر حشره اللّه معنا، و هل الدّين إلّا الحبّ إنّ اللّه يقول: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏، و قال: يحبّون من هاجر إليهم و هل الدّين إلّا الحبّ.

و عن ربعي بن عبد اللّه‏ (7) قال‏: قيل لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): جعلت فداك إنّا نسمّي بأسمائكم و أسماء آبائكم فينفعنا ذلك؟

فقال‏ (8): إي و اللّه و هل الدّين إلّا الحب، قال اللّه تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.

وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (31) لمن تحبّب إليه بطاعته و اتباع رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله) قال البيضاويّ‏ (9): روي أنّها نزلت لمّا قالت اليهود: نحن أبناء اللّه و أحباؤه.

و قيل: نزلت في وفد نجران لمّا قالوا: إنّما نعبد المسيح حبّا للّه.

و قيل: في أقوام زعموا على عهده [(صلّى اللّه عليه و آله)‏] أنّهم يحبّون اللّه فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقا من العمل.

و لنعم ما قال صاحب الكشّاف هنا (10): و إذا رأيت من يذكر محبّة اللّه، و يصفّق بيديه مع ذكرها (11)، و يطرب و ينعر و يصعق، فلا تشكّ في أنّه لا يعرف ما اللّه و لا يدري ما

____________

(1) من المصدر.

(2) النساء/ 59.

(3) الحشر/ 7.

(4) النساء/ 80.

(5) آل عمران/ 31.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 27.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 28.

(8) ر: «قال» بدل «ذلك فقال».

(9) أنوار التنزيل 1/ 156.

(10) تفسير الكشاف 1/ 424.

(11) المصدر: ذكره.

71

محبّة اللّه، و ما تصفيقه و طربه و نعرته و صعقته إلّا لأنّه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسمّاها اللّه بجهله و دعارته، ثمّ صفّق و طرب و نعر و صعق على تصوّرها، و ربّما رأيت المنيّ قد ملأ إزار ذلك المحبّ عند صعقته، و حمقى العامّة حواليه قد ملأوا أردانهم بالدّموع لما رقّقهم من حاله. قال:

أحبّ أبا ثروان من حبّ تمره‏* * * و أعلم أنّ الرّفق بالجار أرفق‏

و و اللّه لو لا تمره ما حببته‏* * * و لا كان أدنى من عبيد و مشرق‏

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا: يحتمل المضيّ و المضارعة، بمعنى، فإن تتولّوا، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ‏ (32): لا يرضى عنهم، و لا يغفر لهم. و وضع المظهر موضع المضمر لقصد العموم، و الدّلالة على أنّ التّولّي كفر، و إنّه ينفي محبّة اللّه و محبّته مخصوصة بالمؤمنين. و في الآية مع ما ذكر من الأخبار في بيانها دلالة صريحة على كفر من تولّى عن الولاية، فتبصّر.

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ‏:

لمّا أوجب طاعة الرّسول و أولاده الأوصياء (1)، و بيّن أنّها الجالبة لمحبّته، عقّب ذلك ببيان مناقب الرّسل و آلهم، الّذين أوصياء الرّسول منهم، تحريضا عليه.

وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ‏: و آله إسماعيل و إسحاق و أولادهما، و دخل فيهم الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أولاده الأوصياء- (عليهم السلام)-.

في مجمع البيان‏ (2): إنّ آل إبراهيم هم آل محمّد الّذين هم أهله، و يجب أن يكون الّذين اصطفاهم اللّه مطهّرين معصومين منزّهين عن القبائح، لأنّه سبحانه لا يختار و لا يصطفي إلّا من كان كذلك، و يكون ظاهره مثل باطنه في الطّهارة و العصمة. ثمّ قال‏ (3):

و هو المرويّ عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و في تفسير العياشي‏ (4): عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ‏

____________

(1) الأصل ور: و الأوصياء. و ما أثبتناه في المتن موافق أ.

(2) مجمع البيان 1/ 433.

(3) نفس المصدر و الموضع. إلا أنه مرتبط بحديث آخر غير هذا الحديث.

(4) أ: «و روى» بدل «و في تفسير العياشي». و فيه 1/ 168، ح 29.

72

. قال: نحن منهم و نحن بقيّة تلك العترة.

[و في شرح الآيات الباهرة (1):] (2) روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ- (رحمه اللّه)- عن روح بن روح‏ (3)، عن رجاله، عن إبراهيم‏ (4) النّخعيّ‏ (5)، عن ابن عبّاس- رضي اللّه عنه- قال‏: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- فقلت: يا أبا الحسن أخبرني بما أوصى اليك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقال: سأخبركم‏ (6)، إنّ اللّه اصطفى لكم الدّين و ارتضاه و أتمّ عليكم نعمته و كنتم أحقّ بها و أهلها، و إنّ اللّه أوحى إلى نبيّه أن يوصي إليّ، فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يا عليّ احفظ وصيّتي و ارع‏ (7) ذمامي و أوف بعهدي و أنجز عداتي و اقض دينى و أحيي‏ (8) سنّتي و قوّمها و ادع إلى ملّتي، لأنّ اللّه تعالى اصطفاني و اختارني، فذكرت دعوة أخي موسى- (عليه السلام)- فقلت: اللّهمّ اجعل لي وزيرا من أهلي كما جعلت هارون من موسى. فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليّ: إنّ‏ (9) عليّا وزيرك و ناصرك و الخليفة من بعدك، ثمّ يا عليّ أنت‏ (10) من أئمّة الهدى و أولادي‏ (11) منك. فأنتم قادة الهدى و التّقى، و الشّجرة الّتي أنا أصلها و أنتم فرعها، فمن تمسّك بها فقد نجا، و من تخلّف عنها فقد هلك و هوى، و أنتم الّذين أوجب اللّه تعالى مودّتكم و ولايتكم، و الّذين ذكرهم اللّه في كتابه‏

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط/ 38.

(2) ليس في أ.

(3) النسخ: «رواح»، و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر و تفسير البرهان 1/ 279.

(4) أ: إسماعيل.

(5) المصدر: إبراهيم بن النخعي.

(6) جاءت بصيغة الجمع و السائل واحد و هو ابن عباس. فإمّا «سأخبرك»، أو يمكن أن يكون ذكره بصيغة الجمع للاحترام، أو الخطاب للناس. و هكذا وردت في تفسير البرهان 1/ 279.

(7) الأصل و تفسير البرهان: «ارفع». أور: «ادفع». و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.

(8) النسخ: «و قوّمها و احيي سنتي»، تفسير البرهان: «و اقض ديني و قوّمها و قوّم سنتي» بدل: «و اقض ديني و احيى سنتي و قوّمها». و هي موافق المصدر.

(9) ر: فانّ.

(10) هكذا في الأصل و المصدر. و في البرهان ور: «أنت يا عليّ» بدل «يا عليّ أنت».

(11) النسخ و البرهان: أولادك. و ما أثبتناه في المتن موافق المصدر.