تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج5

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
582 /
31

الجزء الخامس‏

تفسير سورة الأعراف‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

سورة الأعراف قيل‏ (1): مكّيّة إلّا ثمان آيات من قوله- تعالى-: وَ سْئَلْهُمْ‏ (2) إلى قوله- تعالى-:

وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ‏ (3).

و قيل‏ (4): و كلّها محكم.

و قيل‏ (5): إلّا قوله: وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏ (6).

و آيها مائتان و خمس [أو ست‏] (7) آيات.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (8): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: من قرأ سورة الأعراف في كلّ شهر، كان يوم القيامة من الّذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. فإن قرأها في كلّ جمعة، كان ممّن لا يحاسب يوم القيامة. أما إنّ فيها محكما فلا تدعوا قراءتها، فإنّها تشهد يوم القيامة لمن قرأها.

و في مصباح الكفعميّ‏ (9): عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأها، جعل اللّه بينه و بين إبليس سترا (10). و كان آدم- (عليه السلام)- شفيعا له يوم القيامة.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 341.

(2) الأعراف/ 163.

(3) الأعراف/ 171.

4 و 5- أنوار التنزيل 1/ 341.

(6) الأعراف/ 199.

(7) من المصدر.

(8) ثواب الأعمال/ 132، ح 1.

(9) مصباح الكفعمي/ 439.

(10) ب: سدا.

34

المص‏ (1): قد سبق الكلام في تأويله في أوّل سورة البقرة.

و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في حديث طويل: «و المص» معناه: أنا (2) اللّه المقتدر الصّادق.

و بإسناده‏ (3) إلى سليمان بن الخضيب‏ (4) قال: حدّثني ثقة قال: حدّثني أبو (5) جمعة (6) [رحمة] (7) بن صدقة قال: أتى رجل من بني أميّة- و كان زنديقا- جعفر بن محمّد فقال له:

قول اللّه- عزّ و جلّ- في كتابه: المص‏. أيّ شي‏ء أراد بهذا، و أيّ شي‏ء فيه من الحلال و الحرام، و أيّ شي‏ء فيه ممّا ينتفع به النّاس؟

قال: فاغتاظ (8)- (عليه السلام)- من ذلك فقال: أمسك، ويحك، «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون. كم معك؟

فقال الرّجل: مائة و إحدى و ستّون‏ (9).

فقال- (عليه السلام)-: إذا انقضت سنة إحدى و ستّون‏ (10) و مائة، ينقضي ملك أصحابك.

قال: فنظر، فلمّا انقضت إحدى و ستّون‏ (11) و مائة يوم عاشوراء دخل المسوّدة (12) الكوفة و ذهب ملكهم.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (13). خيثمة الجعفي‏ (14)، عن أبي لبيد (15) المخزوميّ قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا أبا لبيد، إنّه يملك من ولد عبّاس إثنا عشر. و يقتل بعد الثّامن منهم أربعة، فتصيب أحدهم الذّبيحة (16)، هم فئة قصيرة أعمارهم، قليلة مدّتهم، خبيثة

____________

(1) المعاني/ 22، ضمن ح 1.

(2) كذا في المصدر، و في النسخ: أنّ.

(3) نفس المصدر/ 28، ح 5.

(4) المصدر: الخصيب. ب: الخضب.

(5) ب، ر: أبي.

(6) ب: حميدة.

(7) من المصدر.

(8) ب: فاغتلظ.

(9) المصدر: أحد و ثلاثون و مائة.

10 و 11- المصدر: ثلاثين.

(12) المسوّدة، أي: لابسي سواد. و المراد أصحاب الدّعوة العباسيّة. لأنّهم كانوا يلبسون ثيابا سوداء.

(13) تفسير العياشي 2/ 3، ح 3.

(14) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 299. و في النسخ: الجعفريّ.

(15) كذا في المصدر، و في النسخ: «حدثني أبو وليد» بدل «عن أبي لبيد».

(16) المصدر: «الذبحة فتذبحه» بدل «الذبيحة».

35

سيرتهم. منهم الفويسق‏ (1) الملقّب بالهادي و النّاطق و الغاوي‏ (2) و المعادي.

يا أبا لبيد، إنّ لي في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا. إنّ اللّه- تبارك و تعالى- أنزل «الم، ذلك الكتاب» فقام محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. حتّى ظهر نوره و تبتت كلمته و ولد يوم ولد، و قد مضى من الألف السّابع مائة سنة و ثلاث سنين.

ثمّ قال: و تبيانه في كتاب اللّه في الحروف المقطّعة إذا أعددتها (3) من غير تكرار.

و ليس من حروف مقطّعة حرف ينقضي أيّامه، إلّا و قائم من بني هاشم عند انقضائه.

ثمّ قال: «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون. فذلك مائة و إحدى و ستّون. ثمّ كان بدء (4) خروج الحسين- (عليه السلام)- «الم، اللّه». فلمّا بلغت مدّته، قام قائم ولد العبّاس عند «المص». و يقوم قائمنا عند انقضائها [ «بالر»] (5). فافهم ذلك و عه‏ (6) و اكتمه‏ (7).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: أنّ حيّ‏ (9) بن أخطب و أبا ياسر بن أخطب و نفرا من اليهود من أهل نجران أتوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فقالوا له: أ ليس تذكر فيما أنزل إليك «الم»؟

قال: بلى.

قالوا: أتاك‏ (10) بها جبرئيل من عند اللّه؟

قال: نعم.

قالوا: لقد بعث أنبياء قبلك، ما نعلم نبيّا منهم أخبرنا (11) مدّة ملكه و ما أحلّ اللّه‏ (12) غيرك.

____________

(1) كذا في المصدر، و في النسخ: الغويسق.

(2) كذا في المصدر، و في النسخ: المعادي.

(3) المصدر: عدّدتها.

(4) كذا في المصدر، و في ب: عدد. و في سائر النسخ: مدد.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر، و في ب: و اعلم و في سائر النسخ: وعد.

(7) كذا في المصدر و في ر: و التمس. و في سائر النسخ: و اكتم.

(8) تفسير القمّي 1/ 223.

(9) كذا في المصدر، و في النسخ: يحيى.

(10) كذا في المصدر، و في النسخ: أتى.

(11) المصدر: «أخبر ما» بدل «أخبرنا».

(12) المصدر: «ما أكل أمّته» بدل «ما أحلّ اللّه».

36

قال: فأقبل حيّ‏ (1) بن أخطب على أصحابه فقال لهم: «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، فهذه إحدى و سبعون سنة. فعجّب ممّن يدخل في دين مدّة ملكه و أجل‏ (2) أمّته إحدى و سبعون سنة! قال: ثمّ أقبل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال له: يا محمّد، هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته.

قال: «المص».

قال: إنّها أثقل و أطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون، فهذه مائة و إحدى و ستّون سنة.

ثمّ قال لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته.

قال: «الر».

قال: هذا أثقل و أطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الرّاء» مائتان. فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: هاته.

قال: «المر».

قال: هذا أثقل و أطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الرّاء» مائتان.

ثمّ قال: هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قالوا: قد التبس علينا أمرك، فما ندري ما أعطيت. ثمّ قاموا عنه.

____________

(1) كذا في المصدر، و في النسخ: يحيى.

(2) المصدر: أكل.

37

ثمّ قال أبو ياسر لحيّ‏ (1) أخيه: و ما يدريك لعلّ محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد جمع هذا كلّه و أكثر منه.

فقال أبو جعفر- (صلوات اللّه عليه)-: إنّ هذه الآيات أنزلت فيهم «منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب و أخر متشابهات». و هي تجري في وجوه أخر على غير ما تأوّل‏ (2) به حيّ‏ (3) و أبو ياسر و أصحابه.

كِتابٌ‏: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كتاب. أو خبر «المص». و المراد به، السّورة أو القرآن.

أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏: صفة.

فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ‏، أي: شكّ، فإنّ الشّكّ حرج الصّدر. أو ضيق قلب من تبليغه، مخافة أن تكذّب فيه أو تقصّر في القيام بحقّه.

و توجيه النّهي إليه، للمبالغة، كقولهم: لا أرينّك ها هنا.

و «الفاء» تحتمل العطف و الجواب، فكأنّه قيل: إذا أنزل إليك لتنذر به، فلا يحرج صدرك.

و في مجمع البيان‏ (4): و قد روي في الخبر: أنّ اللّه- تعالى- لمّا أنزل القرآن إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّي أخشى أن يكذّبني النّاس و يقطعوا (5) رأسي، فيتركوه كالجزّة (6). فأزال اللّه- تعالى- الخوف عنه.

لِتُنْذِرَ بِهِ‏: متعلّق «بأنزل إليك»، أو ب «لا يكن». لأنّه إذا أيقن أنّه من عند اللّه، جسر على الإنذار. و كذا إذا لم يخف منهم، أو علم أنّه موفّق للقيام بتبليغه.

وَ ذِكْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (2): يحتمل النّصب بإضمار فعلها، أي: لتنذر به و تذكّر ذكرى. فإنّها بمعنى التّذكير.

و الجرّ، عطفا على محلّ «تنذر».

و الرّفع، عطفا على «كتاب»، أو خبرا لمحذوف.

____________

(1) كذا في المصدر، و في النسخ: ليحيى.

(2) من بداية تفسير سورة الأنعام إلى هنا لا يوجد في نسخة «أ».

(3) كذا في المصدر، و في النسخ: يحيى.

(4) مجمع البيان 2/ 395.

(5) المصدر: يثلغوا. ثلغ رأسه: شدخه و كسره.

(6) المصدر: كالخبزة.

38

اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ‏: يعمّ القرآن و السّنّة، لقوله- تعالى-: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏.

وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ: يضلّونكم‏ (1) من الجنّ و الإنس.

و قيل‏ (2): الضّمير في «من دونه» «لما أنزل»، أي: و لا تتّبعوا من دون دين اللّه دين أولياء.

و قرئ‏ (3): «و لا تبتغوا (4)».

قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ‏ (3)، أي: تذكّرا (5) قليلا. أو زمانا قليلا تذكّرون، حيث تتركون دين اللّه و تتّبعون غيره.

و «ما» مزيدة لتأكيد القلّة. و إن جعلت مصدريّة، لم ينتصب «قليلا» «بتذكّرون».

و قرأ (6) حمزة و الكسائيّ و حفص، عن عاصم: «تذكّرون» بحذف التّاء. و ابن عامر «يتذكّرون» بالياء، على أنّ الخطاب بعد مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (7): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبة: قال اللّه: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ‏. ففي اتّباع ما جاءكم من اللّه الفوز العظيم، و في تركه الخطأ المبين.

وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ: و كثيرا من القرى.

أَهْلَكْناها: أردنا إهلاك أهلها. أو أهلكناها بالخذلان.

فَجاءَها: فجاء أهلها.

بَأْسُنا: عذابنا.

بَياتاً: بائتين، كقوم لوط. مصدر وقع موقع الحال.

أَوْ هُمْ قائِلُونَ‏ (4): عطف عليه، أي: قائلين نصف النّهار، كقوم شعيب.

و إنّما حذفت «واو» الحال استثقالا، لاجتماع حرفي عطف. فإنّها «واو»

____________

(1) ب: يضلّوكم.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 341.

(4) كذا في المصدر، و في النسخ: و لا تتبعوا.

(5) ب: تذكّروا.

(6) أنوار التنزيل 1/ 341.

(7) تفسير العيّاشي 2/ 9، ح 4.

39

عطف استعيرت للوصل، لا اكتفاء بالضّمير فإنّه غير فصيح.

و في التّعبيرين مبالغة في غفلتهم و أمنهم عن العذاب، و لذلك خصّ الوقتين.

و لأنّهما وقت دعة و استراحة، فيكون مجي‏ء العذاب فيهما أفظع.

فَما كانَ دَعْواهُمْ‏، أي: دعاؤهم و استغاثتهم. أو ما كانوا يدّعونه من دينهم.

إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ‏ (5): إلّا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه و بطلانه، تحسّرا عليه.

فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ‏: عن قبول الرّسالة و إجابتهم الرّسل.

وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ‏ (6): عن تأدية ما حمّلوا من الرّسالة. و المراد من هذا السّؤال، توبيخ الكفرة و تقريعهم.

و المنفيّ في قوله: وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏ سؤال الاستعلام. أو الأوّل في موقف الحساب، و هذا عند حصولهم على العقوبة.

في كتاب الاحتياج‏ (1) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث: فيقام الرّسل، فيسألون عن تأدية الرّسالات‏ (2) الّتي حملوها إلى أممهم. [فيخبرون أنّهم قد أدّوا ذلك إلى أممهم‏] (3). و تسأل الأمم، فيجحدون‏ (4)، كما قال اللّه: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ‏. (الحديث).

و قد مضى تمامه في سورة النّساء عند تفسير فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ (5).

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ‏: على الرّسل، حين يقولون: لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ‏. أو على الرّسل و المرسل إليهم ما كانوا عليهم.

بِعِلْمٍ‏: عالمين بظاهرهم و بواطنهم. أو بمعلومنا منهم.

وَ ما كُنَّا غائِبِينَ‏ (7): عنهم، فيخفى علينا شي‏ء من أحوالهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ‏

____________

(1) الإحتجاج 1/ 360.

(2) المصدر: الرسالة.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: فتجحد.

(5) النساء/ 41.

(6) تفسير القمي 1/ 224.

40

. قال: الأنبياء عمّا حمّلوا من الرّسالة. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَ ما كُنَّا غائِبِينَ‏. قال: لم نغب عن أفعالهم.

وَ الْوَزْنُ‏، أي: القضاء. أو وزن الأعمال، و هو مقابلتها بالجزاء.

و الجمهور، على أنّ صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان و كفّتان ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، و قطعا للمعذرة، كما هو يسألهم عن أعمالهم فتعترّف بها ألسنتهم و يشهد لها جوارحهم.

و يؤيّده ما روي: أنّ الرّجل يؤتى به إلى الميزان، فينشر عليه تسعة و تسعين سجّلا. كلّ سجّل مدّ البصر. فتخرج له بطاقة فيها كلمتا الشّهادة. فيوضع السّجلات في كفّة و البطاقة في كفّة، فطاشت السّجلّات و ثقلت البطاقة.

و قيل‏ (1): توزن الأشخاص، لما روي عنه- (عليه السلام)- أنّه قال: ليأتي العظيم السّمين يوم القيامة لا يزن عند اللّه جناح بعوضة.

يَوْمَئِذٍ: خبر المبتدأ الّذي هو «الوزن».

الْحَقُ‏: صفة، أو خبر مبتدأ محذوف. و معناه: العدل السّويّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): المجازاة بالأعمال، إن خيرا فخير و إن شرا فشرّ.

قال و هو قوله: «فمن ثقلت» (الآية).

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ‏: حسناته، أو ما يوزن به حسناته. و جمعه، باعتبار اختلاف الموزونات و تعدّد الوزن. فهو جمع موزون، أو ميزان.

فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (8): الفائزون بالنّجاة و الثّواب.

وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ‏: بتضييع الفطرة السّليمة الّتي فطرت عليها، و اقتراف ما عرّضها للعذاب.

بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ‏ (9): فيكذّبون بدل التّصديق.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: بالأئمّة يجحدون.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4): عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل: أو ليس توزن الأعمال؟

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 342.

(2) تفسير القمّي 1/ 224.

(3) تفسير القميّ 1/ 224

(4) الاحتجاج 2/ 98- 99.

41

قال: لا. لأنّ الأعمال ليست أجساما، و إنّما هي صفة ما عملوا. و إنّما يحتاج إلى وزن الشّي‏ء من جهل عدد الأشياء و لا يعرف ثقلها و خفّتها. و إنّ اللّه لا يخفى عليه شي‏ء.

قيل: فما معنى الميزان؟

قال: العدل.

قيل: فما معناه في كتابه‏ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ‏؟

قال: فمن رجح عمله.

قيل‏ (1): و سرّ ذلك، أنّ ميزان كلّ شي‏ء هو المعيار الّذي به يعرف قدر ذلك الشّي‏ء. فميزان النّاس يوم القيامة، ما يوزن به قدر كلّ إنسان و قيمته على حسب عقيدته و خلقه و عمله، لتجزى كلّ نفس بما كسبت. و ليس ذلك إلّا الأنبياء و الأوصياء، إذ بهم و باتّباع شرائعهم و اقتفاء آثارهم و ترك ذلك و بالقرب من سيرتهم و البعد عنها يعرف مقدار النّاس و قدر حسناتهم و سيّئاتهم. فميزان كلّ أمّة، هو (2) نبيّ تلك الأمّة و وصيّ نبيّها و الشّريعة الّتي أتى بها. فمن ثقلت حسناته و كثرت‏ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏.

وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ‏ (3) فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ‏ بظلمهم عليها من جهة تكذيبهم للأنبياء و الأوصياء و عدم اتّباعهم.

و في الكافي‏ (4)، و في معاني الأخبار (5)، عن الصّادق- (عليه السلام)- أنّه سئل عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ.

قال: هم الأنبياء و الأوصياء.

و في رواية أخرى‏ (6): نحن الموازين القسط.

و في مصباح الشّريعة (7): قال الصّادق- (عليه السلام)- في كلام طويل: فإذا أردت أن تعلم أ صادق أنت أم كاذب، فانظر في قصد معناك و غور دعواك و عيّرهما (8) بقسطاس من اللّه- عزّ و جلّ-، كأنّك في القيامة. قال اللّه- تعالى-: وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُ‏. فإذا اعتدل‏

____________

(1) تفسير الصافي 2/ 181.

(2) كذا في المصدر، و في النسخ: هي.

(3) المصدر: «و قلّت» بدل «موازينه».

(4) الكافي 1/ 419، ح 36.

(5) المعاني/ 31- 32، ح 1.

(6) تفسير الصّافي 2/ 182.

(7) مصباح الشريعة/ 410.

(8) كذا في المصدر. و في ب: عيّر. و في سائر النسخ: عيّرهما.

42

معناك بدعواك، ثبت لك الصّدق.

و في كتاب الخصال‏ (1): عن محمّد بن موسى‏ (2) قال: سمعت [أبا عبد اللّه‏ (3)- (عليه السلام)- يقول: إنّ الخير ثقل على أهل الدّنيا على قدر ثقله في موازينهم يوم القيامة، و إنّ الشّرّ خفّ على أهل الدّنيا على قدر خفّته في موازينهم يوم القيامة.

عن أبي مسلم‏ (4) راعي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (5) يقول: خمس ما أثقلهنّ في الميزان: سبحان اللّه، و الحمد للّه، و لا إله إلّا اللّه، و اللّه أكبر، و الولد الصالح يتوفّى لمسلم فيصبر و يحتسب.

وَ لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ‏، أي: مكّنّاكم من سكناها و زرعها و التّصرّف فيها.

وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ‏: أسبابا تعيشون بها. جمع، معيشة.

و عن نافع‏ (6)، أنّه همّزه تشبيها بما «الياء» فيه زائدة، كصحائف.

قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ‏ (10): فيما صنعت إليكم.

وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ‏:

قيل‏ (7): أي: خلقنا أباكم آدم- (عليه السلام)- طينا غير مصوّر، ثمّ صوّرناه. نزّل خلقه و تصويره، منزلة خلق الكلّ و تصويره. أو ابتدأنا خلقكم ثمّ تصويركم، بأن خلقنا آدم- (عليه السلام)- ثمّ صوّرناه.

و الحامل على هذا التّخصيص قوله: «ثمّ قلنا» (الخ). و لا حاجة إليه، إذ يمكن أن يكون كلّمه.

«ثمّ» لتأخير الإخبار.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): خَلَقْناكُمْ‏، أي: في أصلاب الرّجال.

و صَوَّرْناكُمْ‏، أي: في أرحام النّساء.

ثمّ قال: و صوّر ابن مريم في الرّحم دون الصّلب، و إن كان مخلوقا في أصلاب‏

____________

(1) الخصال/ 17، ح 61.

(2) المصدر: محمد بن مسلم.

(3) المصدر: أبا جعفر.

(4) الخصال/ 267، ح 1. و فيه: أبي سالم.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في «ب».

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 342.

(8) تفسير القمّي 1/ 224.

43

الأنبياء، و رفع و عليه مدرعة من صوف.

حدّثنا (1) أحمد بن محمّد عن جعفر بن عبد اللّه المحمّديّ قال: حدّثنا كثير بن عيّاش‏ (2)، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: أمّا خَلَقْناكُمْ‏، فنطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظما ثمّ لحما. و أمّا صَوَّرْناكُمْ‏، فالعين و الأنف و الأذنين و الفم و اليدين و الرّجلين. صوّر هذا و نحوه، ثمّ جعل الدّميم‏ (3) و الوسيم‏ (4) و الجسيم‏ (5) و الطّويل و القصير و أشباه هذا.

ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ‏ (11): ممّن سجد لآدم.

قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ، أي: أن تسجد.

و «لا» صلة مثلها في لئلّا يعلم، مؤكّدة معنى الفعل الّذي دخلت عليه، و منبّهة على أنّ الموبّخ عليه ترك السّجود.

و قيل‏ (6): الممنوع من الشّي‏ء مضطرّ إلى خلافه، فكأنّه قيل: ما اضطرّك إلى أن لا تسجد.

إِذْ أَمَرْتُكَ‏: دليل على أنّ مطلق الأمر للوجوب و الفور.

قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ‏: جواب من حيث المعنى استأنف به، استبعادا لأن يكون مثله مأمور بالسّجدة، كأنّه قال: المانع أنّي خير منه، و لا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول فكيف يحسن أن يؤمر به. فهو الّذي سن القياس أوّلا، و تبعه فيه غيره.

خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏ (12): تعليل لفضله‏ (7) تفضّله عليه. و قد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كلّه باعتبار العنصر، و غفل مّا يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله- تعالى-: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ‏ بغير واسطة. و باعتبار الصّورة، كما نبّه بقوله- تعالى-: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏. و باعتبار

____________

(1) نفس المصدر، و الموضع.

(2) كذا في المصدر، و جامع الرواة 2/ 27. و في النسخ: كثير بن عبّاس.

(3) الدميم: القبيح المنظر، و الوسيم خلافه.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: الدسيم.

(5) ليس في المصدر: و الجسيم.

(6) أنوار التنزيل 1/ 343.

(7) كذا في ب، أ، ر. و في سائر النسخ:

«تفضّله» بدل «لفضله».

44

الغاية، و هو ملاكه. و لذلك أمر الملائكة بسجوده له لما بيّن لهم أنّه أعلم منهم، و أنّ له خواصّ ليست لغيره.

و قيل‏ (1): الآية دليل الكون و الفساد، و أنّ الشّياطين أجسام كائنة. و فيه نظر، لأنّها إنّما تدلّ على الكون و الفساد لو كان حدوث المركّبات بزوال صور البسائط، و ليس كذلك، كما حقّق في موضعه. و لعلّ إضافة خلق الإنسان إلى الطّين و الشّيطان إلى النّار، باعتبار الجزء الغالب.

و في أصول الكافي‏ (2): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن [الحسن بن‏] (3) عليّ بن يقطين، عن الحسين بن ميّاح‏ (4)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ إبليس قاس نفسه بآدم فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏. فلو قاس الجوهر الّذي خلق اللّه منه آدم- (عليه السلام)- بالنّار، كان ذلك أكثر نورا و ضياء من النّار.

و بإسناده‏ (5) إلى داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ الملائكة كانوا يحسبون أنّ إبليس منهم، و كان في علم اللّه أنّه ليس منهم. فاستخرج ما في نفسه من الحميّة فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد بن عمارة (7) القرشيّ رفع الحديث قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

فقال له: يا أبا حنيفة، بلغني أنّك تقيس. قال: نعم، أنا أقيس.

قال: لا تقس، فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏. فقاس ما بين النّار و الطّين. و لو قاس نوريّة آدم- (عليه السلام)- بنوريّة النّار،

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 343.

(2) الكافي 1/ 58، ح 18.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 257.

و في النسخ: «صباح» بدل «مياح». و في «ب»: «الحسن» بدل «الحسين».

قال الأردبيلي في جامع الرواة: الظاهر أنّ الحسن مكبرا سهو لعدم وجوده في كتب الرجال- و اللّه أعلم-.

(5) الكافي 2/ 308، ح 6.

(6) العلل/ 86، ح 1.

(7) المصدر: «عيسى بن عبد اللّه» بدل «جعفر بن محمد بن عمارة».

45

من‏ (1) عرف الفضل ما بين النّورين و صفاء أحدهما على الآخر. و لكن قس لي رأسك‏ (2)، أخبرني عن أذنيك ما لهما مرّتان؟

قال: لا أدري.

قال: فأنت لا تحسن أن تقيس رأسك، [فكيف‏] (3) تقيس الحلال و الحرام.

قال: يا ابن رسول اللّه، أخبرني ما هو؟

قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل الأذنين مرّتين لئلّا يدخلهما شي‏ء إلّا مات، و لو لا ذلك لقتل ابن آدم الهوامّ. و جعل الشّفتين عذبتين‏ (4) ليجد ابن آدم طعم الحلو و المرّ. و جعل العينين مالحتين لأنّهما شحمتان، و لولا ملوحتهما لذابتا. و جعل الأنف باردا سائلا لئلّا يدع في الرّأس داء إلّا أخرجه، و لولا ذلك لثقل الدّماغ و تدوّد.

و بإسناده‏ (5) إلى ابن شبرمة قال: دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- فقال لأبي حنيفة: اتّق اللّه و لا تقس الدّين برأيك، فإنّ أوّل من قاس إبليس.

أمره اللّه- عزّ و جلّ- بالسّجود لآدم، فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (6) إلى ابن أبي ليلى قال: دخلت أنا و النّعمان على جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- فرحّب بنا.

فقال: يا ابن أبي ليلى، من هذا الرّجل؟

قلت: جعلت فداك، هذا رجل من أهل الكوفة له رأي و نظر و نقاد.

قال: فلعلّه الّذي يقيس الأشياء برأيه. ثمّ قال: يا نعمان، إيّاك و القياس. فإنّ أبي حدّثني عن آبائه أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من قاس شيئا في‏ (7) الدّين برأيه، قرنه اللّه مع إبليس في النّار فإنّه أوّل من قاس حين قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) كذا في المصدر، و في النسخ: «ما سألت» بدل «رأسك».

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر، و في النسخ: عند تبيين.

(5) العلل/ 86، صدر ح 2.

(6) نفس المصدر/ 88- 89، ح 4.

(7) المصدر: من.

46

و بإسناده‏ (1) إلى أبي زهير (2) شيب بن أنس‏ (3)، عن بعض أصحاب‏ (4) أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، إذا ورد (5) عليك شي‏ء ليس في كتاب اللّه و لم تأت به الآثار و السّنّة، كيف تصنع؟

قال: أصلحك اللّه، أقيس و أعمل فيه برأيي.

قال: يا أبا حنيفة، إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا- تبارك و تعالى- فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏.

فسكت أبو حنيفة.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده‏ (6) إلى جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول- (عليه السلام)- في آخره: إنّ أمر اللّه- تعالى ذكره- لا يحمل على المقاييس. و من حمل أمر اللّه على المقاييس، هلك و أهلك. إنّ أوّل معصية ظهرت، الأنانيّة من إبليس اللّعين حين أمر اللّه ملائكته بالسّجود لآدم فسجدوا و أبي [إبليس‏] (7) اللّعين أن يسجد. فقال اللّه- عزّ و جلّ-: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏. فكان أوّل كفره قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ‏ ثم قياسه بقوله:

خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏.] (8). فطرده اللّه- عزّ و جلّ- عن جواره و لعنه و سمّاه رجيما. و أقسم بعزّته لا يقيس أحد في دينه، إلّا قرنه مع عدوّه إبليس في أسفل درك من النّار.

أبي‏ (9)- (رحمه اللّه)- قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميريّ، [عن أحمد بن محمد] (10) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ القبضة الّتي قبضها اللّه من الطّين الّذي خلق منه آدم- (عليه السلام)- أرسل إليها جبرئيل- (عليه السلام)- أن يقبضها.

____________

(1) العلل/ 90، ضمن ح 5.

(2) ب: ابن أبي زهير.

(3) المصدر: أبي زهير بن شبيب بن أنس.

(4) المصدر: عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه‏

(5) ب: أورد.

(6) العلل/ 62، ضمن ح 1.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر، و في النسخ: «الآية» بدل ما بين المعقوفتين.

(9) العلل/ 579، ح 9.

(10) من المصدر.

47

فقالت الأرض: أعوذ باللّه أن تأخذ منّي شيئا.

فرجع إلى ربّه، فقال: يا ربّ، تعوّذت بك منّي.

فأرسل إليها إسرافيل، فقالت له مثل ذلك.

فأرسل إليها ميكائيل، فقالت له مثل ذلك.

فأرسل إليها ملك‏ (1) الموت، فتعوّذت باللّه منه أن يسبي‏ (2) منها شيئا.

فقال ملك الموت: و أنا أعوذ باللّه أن أرجع إليه حتّى أقبض منك.

قال: و إنّما سمّي آدم: آدم، لأنّه خلق من أديم الأرض.

و بإسناده‏ (3) إلى [عبد اللّه بن‏] (4) يزيد بن سلام‏، أنّه سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: آدم خلق من الطّين كلّه أو من طين واحد؟

فقال: بل من الطين كلّه. و لو خلق من طين واحد، لما عرف النّاس بعضهم بعضا و كانوا على صورة واحدة.

قال: فلهم في الدّنيا مثل؟

قال‏ (5): التّراب فيه أبيض، و فيه أخضر، و فيه أشقر، و فيه أغبر، و فيه أحمر، و فيه أزرق، و فيه عذب، و فيه ملح، و فيه خشن، و فيه ليّن، و فيه أصهب. فلذلك صار النّاس فيهم ليّن، و فيهم خشن، و فيهم أبيض، و فيهم أصفر و أحمر و أصهب و أسود على ألوان التّراب.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسن بن زيد (7)، عن الحسن‏ (8) بن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- لمّا أراد أن يخلق آدم- (عليه السلام)- بعث جبرئيل- (عليه السلام)- في أوّل ساعة من يوم الجمعة. فقبض بيمينه قبضة [بلغت قبضته‏] (9) من السّماء السّابعة إلى‏

____________

(1) كذا في أ، ب، ر، المصدر. و في غيرها ملكوت.

(2) المصدر: يأخذ.

(3) العلل/ 471، ضمن ح 33.

(4) ليس في المصدر.

(5) كذا في المصدر، و في النسخ: «ألوان» بدل «قال».

(6) الكافي 2/ 5، صدر ح 7.

(7) بعض نسخ المصدر: الحسن بن يزيد. قال الأردبيلي في جامع الرواة 1/ 201: الظاهر أنّ ابن يزيد فيه اشتباه لعدم وجوده في كتب الرجال.

(8) كذا في أ، ب، ر، المصدر، و جامع الرواة 1/ 208. و في غيرها: الحسين.

(9) من المصدر.

48

السّماء الدّنيا و أخذ من كلّ سماء تربة، و قبض قبضة أخرى من الأرض السّابعة العليا إلى الأرض السّابعة القصوى.

فأمر اللّه- عزّ و جلّ- كلمته‏ (1)، فأمسك القبضة الأولى بيمينه و القبضة الأخرى بشماله. ففلق الطّين فلقتين، فذرا من الأرض ذروا (2) و من السّموات ذروا. فقال للّذي بيمينه: منك الرّسل و الأنبياء و الأوصياء و الصّدّيقون و المؤمنون و السّعداء و من أريد كرامته، فوجب لهم ما قال كما قال. و قال للّذي بشماله: منك الجبّارون و المشركون و الكافرون و الطّواغيت و من أريد هوانه و شقوته، فوجب لهم ما قال كما قال. ثمّ أنّ الطّينتين خلطتا جميعا.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3)، عنه- (عليه السلام)-: كذب إبليس [لعنه اللّه يا إسحاق‏] (4) ما خلقه اللّه [إلّا] (5) من طين. قال اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً (6) قد خلقه اللّه من تلك النّار، و [النار] (7) من تلك الشّجرة، و الشّجرة أصلها من طين.

قالَ فَاهْبِطْ مِنْها: من السّماء، أو الجنّة، أو من المنزلة الّتي أنت عليها.

فَما يَكُونُ لَكَ‏: فما يصحّ.

أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها: و تعصي، فإنّها مكان الخاشع المطيع. و فيه تنبيه على أنّ التّكبّر لا يليق بأهل الجنّة، و أنّه- تعالى- إنّما طرده و أهبطه لتكبّره لا لمجرّد عصيانه.

فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ‏ (13): ممن أهانه اللّه- تعالى- لتكبّره.

قال‏ (8) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من تواضع للّه، رفعه اللّه، و من تكبّر، وضعه اللّه.

قالَ أَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏ (14): أمهلني إلى يوم القيامة. فلا تمتني، و لا تعجّل عقوبتي.

قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ‏ (15): يقتضي الإجابة إلى ما سأله ظاهرا، لكنّه‏

____________

(1) أ، ر: كلمة.

(2) الذرو: الاذهاب و التفريق.

(3) تفسير القمّي 2/ 244- 245.

4 و 5- من المصدر.

(6) يس/ 80.

(7) من المصدر.

(8) أنوار التنزيل 1/ 343.

49

محمول على ما جاء مقيّدا بقوله- تعالى-: إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ و هو النّفخة الأولى.

و يوم البعث و القيامة، هو النّفخة الثّانية.

في كتاب العلل‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-: يموت إبليس ما بين النّفخة الأولى و الثّانية.

و في- تفسير العيّاشي‏ (2): عنه- (عليه السلام)-: أنظره‏ (3) إلى يوم يبعث فيه قائمنا.

و في إسعافه إليه، ابتلاء للعباد و تعريضهم للثّواب بمخالفته.

قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي‏، أي: بعد أن أمهلتني لأجهدن‏ (4) في اغوائهم بأي طريق يمكنني بسبب اغوائك إيّاي بواسطتهم، تسمية أو حملا على المعنى أو تكليفا بما غويت لأجله.

و «الباء» متعلّقة بفعل القسم المحذوف لا «بأقعدنّ»، فإن «اللّام» تصدّ عنه.

و قيل‏ (5): «الباء» للقسم.

لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ‏: ترصّدا بهم، كما يقعد القطّاع للسّابلة.

صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ‏ (16):

قيل‏ (6): طريق الإسلام. و نصبه على الظّرف، كقوله:

كما عسل الطّريق الثّعلب‏

و قيل‏ (7): تقديره: على صراطك، كقولهم: ضرب زيد الظّهر و البطن.

و في تفسير العيّاشي‏ (8): عن الصّادق- (عليه السلام)-: الصّراط هنا (9) عليّ- (عليه السلام)-.

و في الكافي‏ (10): عن الباقر- (عليه السلام)-: يا زرارة، إنّما عمد (11) لك و لأصحابك.

فأمّا الآخرون، فقد فرغ منهم.

____________

(1) العلل/ 402، ضمن ح 2.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 242، ضمن ح 14.

(3) كذا في المصدر، و في النسخ: النظرة.

(4) ب، ر: لأجتهدنّ.

(5) أنوار التنزيل 1/ 343.

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 343.

(8) تفسير العيّاشي 2/ 9، ح 6.

(9) المصدر: هو.

(10) الكافي 8/ 145، ح 118.

(11) المصدر: صمد.

50

و في رواية العيّاشيّ‏ (1): إنّما صمد (2).

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏، أي:

من جميع الجهات، مثل قصده إيّاهم بالتّسويل و الإضلال من أيّ وجه يمكنه بإتيان العدوّ من الجهات الأربع. و لذلك لم يقل: من فوقهم و من تحت أرجلهم.

و قيل‏ (3): لم يقل: من فوقهم، لأنّ الرّحمة تنزل‏ (4) منه. و لم يقل: من تحتهم، لأن الإتيان‏ (5) منه يوحش [الناس‏] (6).

و عن ابن عبّاس‏ (7) مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏ من قبل الآخرة. وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ من قبل الدّنيا. وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏ من جميع جهة حسناتهم و سيّئاتهم.

و قيل‏ (8): يحتمل أن يقال: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏ من حيث يعلمون و يقدرون على التّحرّز عنه. وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ من حيث لا يعلمون و لا يقدرون. وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏ من حيث يتيسّر (9) لهم أن يعلموا و يتحرّزوا، و لكن لم يفعلوا لعدم تيقّظهم و احتياطهم.

و إنّما عديّ الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء، لأنّه منهما متوجّه إليهم. و إلى الأخيرين بحرف المجاوزة، فإنّ الآتي منهما كالمنحرف عنهم المارّ على عرضهم. و نظيره قولهم: جلست عن يمينه.

و في مجمع البيان‏ (10): عن الباقر- (عليه السلام)-: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‏.

معناه: أهوّن عليهم أمر الآخرة. وَ مِنْ خَلْفِهِمْ‏ آمرهم بجمع الأموال و البخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم. وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ‏ أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضّلالة و تحسين الشّبهة. وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‏ بتحبيب اللّذّات إليهم، و تغليب‏ (11) الشّهوات على قلوبهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (12)، ما يقرب منه ببيان أبسط.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 9، ح 7.

(2) بعض نسخ المصدر: عمد.

(3) أنوار التنزيل 1/ 343.

(4) المصدر: تنزيل.

(5) ب: الإيمان.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر، و الموضع.

(8) أنوار التنزيل 1/ 343- 344.

(9) ب: يتسنّى.

(10) مجمع البيان 2/ 404.

(11) أ: تغلب.

(12) تفسير القمّي 1/ 224.

51

و في نهج البلاغة (1)، من كتاب له- (عليه السلام)- إلى زياد بن أبيه و قد بلغه أنّ معاوية قد كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه: و قد عرفت أنّ معاوية كتب إليك يستزلّ‏ (2) لبّك و يستفلّ غربك‏ (3) فاحذره، فإنّما هو الشّيطان يأتي المرء من‏ (4) بين يديه و من خلفه و عن‏ (5) يمينه و عن‏ (6) شماله ليقتحم غفلته و يستلب غرّته.

وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ‏ (17): مطيعين. و إنّما قاله ظنّا لقوله- تعالى-:

وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏ لمّا رأى فيهم‏ (7) مبدأ الشّرّ متعدّدا، و مبدأ الخير واحدا.

و قيل‏ (8): سمعه من الملائكة.

قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً: مذموما. من ذأمه: إذا ذمّه.

و قرئ‏ (9): «مذوما» (10)، كمسول، في مسؤول. أو كمكول‏ (11)، في مكيل. من ذامه يذيمه‏ (12) ذيما.

مَدْحُوراً: مطرودا.

لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ‏:

«اللّام» فيه لتوطئة القسم. و جوابه‏ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ‏ (18).

و هو سادّ مسدّ جواب الشّرط.

و قرئ‏ (13): «لمن» بكسر اللّام، على أنّه خبر «لأملأنّ» على معنى: لمن تبعك هذا الوعيد. أو علّة «لأخرج»، و «لأملأنّ» جواب قسم محذوف. و معنى «منكم»:

منك و منهم، فغلّب المخاطب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (14): عن الصّادق- (عليه السلام)‏- في قوله- تعالى-:

فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى‏ يَوْمِ الدِّينِ‏.

____________

(1) نهج البلاغة/ 415- 416، صدر كتاب 44

(2) ب، ر: يتنزّل.

(3) ب: غيرتك. و الغرب: الحدّة و النشاط.

(4) كذا في المصدر. و في أ، ر، ب: المؤمن من. و في غيرها: المؤمنين.

5 و 6- أ: من.

(7) أنوار التنزيل 1/ 344: لمّا رأوا فيه.

8 و 9- أنوار التنزيل 1/ 344.

(10) المصدر: مذموما.

(11) المصدر: ككول.

(12) المصدر: يمذيمه.

(13) نفس المصدر، و الموضع.

(14) تفسير القمّي 1/ 42.

52

فقال إبليس: يا ربّ، فكيف و أنت العدل الّذي لا تجور، فثواب عملي‏ (1) بطل؟

قال: لا، و لكن سلني من أمر الدّنيا ما شئت ثوابا لعملك أعطك.

فأوّل ما سأل البقاء إلى يوم الدّين.

فقال اللّه: قد أعطيتك.

قال: سلّطني على ولد آدم.

قال: سلّطتك.

قال: أجرني فيهم مجرى الدّم في العروق.

قال: قد أجريتك.

قال: لا يولد (2) لهم واحد إلّا ولد (3) لي اثنان، و أراهم و لا يروني، و أتصوّر لهم في كلّ صورة شئت.

قال: قد أعطيتك.

قال: يا ربّ، زدني.

قال: قد جعلت لك [و لذريّتك‏] (4) صدورهم أوطانا.

قال: ربّ، حسبي. قال إبليس عند ذلك: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ (5). ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ‏- إلى قوله-: شاكِرِينَ‏.

قال‏ (6):

و حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أعطى اللّه- تعالى- إبليس ما أعطاه من القوّة، قال آدم- (عليه السلام)-: يا ربّ، سلّطت إبليس على ولدي و أجريته فيهم مجرى الدّم في العروق و أعطيته ما أعطيته، فما لي و لولدي؟

فقال: لك و لولدك السّيّئة بواحدة، و الحسنة بعشر أمثالها.

قال: يا ربّ، زدني.

قال: التّوبة مبسوطة إلى أن تبلغ النّفس الحلقوم.

فقال: يا ربّ، زدني.

____________

(1) ب: عبادتي.

(2) المصدر: و لا يلد.

(3) المصدر: و يلد.

(4) ليس في المصدر.

(5) ص/ 82.

(6) تفسير القمّي 1/ 42.

53

قال: أغفر و لا أبالي.

قال: حسبي.

قال: قلت له: جعلت فداك، بماذا استوجب إبليس من اللّه أن أعطاه ما أعطاه؟

فقال: بشي‏ء (1) كان منه شكره اللّه عليه.

قلت: و ما كان منه، جعلت فداك.

قال: ركعتين ركعهما في السّماء في أربعة آلاف سنة.

وَ يا آدَمُ‏، أي: و قلنا: يا آدم.

اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ.

و قرئ‏ (2): «هذي» (3). و هو الأصل، لتصغيره على «ذيا». و «الهاء» بدل من الياء.

فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ (19): فتصيرا من الّذين ظلموا أنفسهم.

«فتكونا» يحتمل الجزم، على العطف. و النّصب، على الجواب.

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ‏، أي: فعل الوسوسة لأجلهما. و هي في الأصل:

الصّوت الخفيّ، كالهينمة (4) و الخشخشة (5). و منه: وسوس الحليّ وسوسة. و قد سبق في البقرة كيفيّة وسوسته.

و الفرق بين وسوسه و وسوس له، أنّ الأوّل بمعنى: ألقى إلى قلبه المعنى و بصوت خفيّ. و الثّاني، أنّه أوهمه النّصيحة له بذلك.

لِيُبْدِيَ لَهُما: ليظهر لهما.

و «اللّام» للعاقبة. أو للغرض على أنّه أراد- أيضا- بوسوسته أن يسوأهما بانكشاف عورتيهما، و لذلك عبّر عنهما بالسّوءة. و فيه دليل على أنّ كشف العورة في الخلوة و عند الزّوج من غير حاجة، قبيح مستهجن في الطّباع.

ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما: ما غطّي عنهما من عوراتهما. و كانا لا

____________

(1) ب، أ: لشي‏ء.

(2) أنوار التنزيل 1/ 344.

(3) المصدر: هذه.

(4) كذا في أنوار التنزيل 1/ 344. و في ب:

كالهنيمة، و في سائر النسخ: كالهيمنة.

(5) ب: الحشحشة.

54

يريانها من أنفسهما، و لا أحدهما من الآخر. و إنّما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور، كما قلبت الواو في «أو يصل» تصغير «واصل» لأنّ الثّانية مدّة.

و قرئ‏ (1): «سوآتهما» بحذف الهمزة، و إلقاء حركتها على الواو، و بقلبها واوا، و إدغام الواو السّاكنة فيها.

وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا: إلّا كراهة أن تكونا.

مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ‏ (20): الّذين لا يموتون، أو يخلدون في الجنّة.

و استدلّ به على فضل الملائكة على الأنبياء- (عليهم السلام)-.

و جوابه: أنّه كان من المعلوم أنّ الحقائق لا تنقلب، و إنّما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما- أيضا- ما للملائكة من الكمالات الفطريّة و الاستغناء عن الأطعمة و الأشربة. و ذلك لا يدلّ على فضلهم مطلقا.

وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏ (21)، أي: أقسم لهما على ذلك.

و أخرجه على زنة المفاعلة، للمبالغة.

و قيل‏ (2): أقسما له بالقبول.

و قيل‏ (3): أقسما عليه باللّه أنّه لمن النّاصحين، فأقسم لهما. فجعل ذلك مقاسمة.

فَدَلَّاهُما: فنزّلهما إلى الأكل من الشّجرة. نبه به على أنّه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة. فإنّ التّدلية و الإدلاء: إرسال الشّي‏ء من أعلى إلى أسفل.

بِغُرُورٍ: بما غرّهما به من القسم، فإنّهما ظنّا أنّ أحدا لا يحلف باللّه كاذبا. أو ملتبسين بغرور.

و في عيون الأخبار (4)، في ذكر مجلس الرّضا- (عليه السلام)- عند المأمون في قصّة الأنبياء- (عليهم السلام)-: حدّثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشيّ قال: حدّثني أبي، عن حمدان بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرّضا- (عليه السلام)-.

قال: فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 344.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 344.

(4) العيون 1/ 195- 196، صدر ح 1.

55

قال: بلى.

قال: فما معنى قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ (1)؟

فقال- (عليه السلام)-: إنّ اللّه- تعالى- قال لآدم- (عليه السلام)-: اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ. و أشار لهما إلى شجرة الحنطة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏ (2). و لم يقل: و لا تأكلا من هذه الشّجرة و لا ممّا كان من جنسها. فلم يقربا تلك الشّجرة [و لم يأكلا منها] (3). و إنّما أكلا من غيرها لمّا أن وسوس الشّيطان إليهما، و قال: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ و إنّما نهاكما أن تقربا غيرها، [و لم ينهكما] (4) عن الأكل منها إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ، وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏.

و لم يكن آدم و حوّاء شاهدا قبل ذلك من يحلف باللّه كاذبا. فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فأكلا منها ثقة بيمينه باللّه. و كان ذلك من آدم قبل النّبوّة. و لم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النّار، و إنّما كان من الصّغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. فلمّا اجتباه اللّه- تعالى- و جعله نبيّا كان معصوما لا يذنب صغيرة و لا كبيرة. قال اللّه- تعالى-: وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ (5).

و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ‏ (6).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و روي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: لمّا أخرج اللّه آدم من الجنّة، نزل عليه جبرئيل- (عليه السلام)- فقال: يا آدم، أليس اللّه خلقك بيده و نفخ فيك من روحه و أسجد لك ملائكته و زوّجك أمته حوّاء و أسكنك الجنّة و أباحها لك و نهاك مشافهة أن تأكل‏ (8) من هذه الشّجرة، فأكلت منها و عصيت اللّه؟

فقال آدم- (عليه السلام)-: يا جبرئيل، إنّ إبليس حلف باللّه أنّه لي ناصح، فما ظننت أنّ أحدا من الخلق يحلف باللّه كاذبا.

____________

(1) طه/ 121.

(2) البقرة/ 35.

3 و 4- من المصدر.

(5) طه/ 121- 122.

(6) آل عمران/ 34.

(7) تفسير القمّي 1/ 225.

(8) المصدر: ألّا تأكل.

56

و في تفسير العياشيّ‏ (1): عن جميل بن درّاج‏ (2)، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته: كيف أخذ اللّه آدم بالنّسيان؟

فقال: إنّه لم ينس، و كيف ينسى و هو يذكّره و يقول له إبليس: ما نهاكما عن تلكما الشّجرة إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ‏.

عن مسعدة بن صدقة (3)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- رفعه إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنّ موسى- (عليه السلام)- سأل ربّه أن يجمع بينه و بين آدم حيث عرج إلى السّماء في أمر الصّلاة، ففعل.

فقال له موسى- (عليه السلام)-: [يا آدم‏] (4) أنت الّذي خلقك اللّه بيده، و نفخ فيك من روحه، و أسجد لك ملائكته، و أباح لك جنّته، و أسكنك جواره، و كلّمك قبلا.

ثمّ نهاك عن شجرة واحدة، فلم تصبر عنها حتّى أهبطت إلى الأرض بسببها. فلم تستطع أن تضبط نفسك عنها حتّى أغراك‏ (5) إبليس، فأطعته. فأنت الّذي أخرجتنا من الجنّة بمعصيتك.

فقال له آدم: ارفق بأبيك، أي بنيّ، محنة ما لقي في أمر هذه الشّجرة. يا بنيّ، إنّ عدوّي أتاني من وجه المكر و الخديعة، فحلف لي باللّه أنّ مشورته عليّ «لمن النّاصحين». و ذلك أنّه قال مستنصحا (6): إنّي لشأنك، يا آدم، لمغموم.

قلت: و كيف؟

قال: قد كنت أنست بك و بقربك منّي، و أنت تخرج ممّا أنت فيه إلى ما ستكرهه‏ (7).

فقلت: و ما الحيلة؟

فقال: إنّ الحيلة هو ذا معك، قال‏ (8) أفلا أدلّك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى؟

فكلا منها أنت و زوجك فتصيرا معي في الجنّة أبدا «من الخالدين».

____________

(1) تفسير العيّاشي 2/ 9- 10، ح 9.

(2) كذا في المصدر. و في ب: أحمد بن حميد بن درّاج. و في سائر النسخ: حميد بن درّاج.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 10، ح 10.

(4) من المصدر.

(5) ب: أغواك.

(6) ب، ر: منتصحا. أ: منتضجا.

(7) كذا في المصدر، و في النسخ: ما استكرهه.

(8) ليس في المصدر.

57

و حلف باللّه كاذبا أنّه «لمن النّاصحين». و لم أظنّ، يا موسى، أنّ أحدا يحلف باللّه كاذبا. فوثقت بيمينه. فهذا عذري. فأخبرني، يا بنيّ، هل تجد فيما أنزل اللّه إليك أنّ خطيئتي كائنة من قبل أن أخلق.

قال له موسى: بدهر طويل‏ (1).

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فحجّ آدم موسى- (عليه السلام)-. قال ذلك ثلاثا.

عن عبد اللّه بن سنان‏ (2) قال: سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- و أنا حاضر: كم لبث آدم و زوجته في الجنّة حتّى أخرجهما منها بخطيئتهما؟

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- لمّا (3) نفخ في آدم من روحه بعد زوال الشّمس من يوم الجمعة، برأ (4) زوجته من أسفل أضلاعه. ثمّ أسجد له ملائكته، و اسكنه جنّته من يومه ذلك. فو اللّه، ما استقرّ فيها إلّا ستّ ساعات في يومه ذلك حتّى عصى اللّه، فأخرجهما اللّه منها بعد غروب الشّمس. و ما باتا فيها و صيّرا بفناء الجنّة حتّى أصبحا فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ. فاستحى آدم من ربّه و خضع، و قال: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا و اعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا. قال اللّه لهما: اهبطا من سمواتي إلى الأرض، فإنّه لا يجاورني في جنّتي عاص و لا في سمواتي.

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ آدم لمّا أكل من الشّجرة ذكر ما نهاه اللّه عنها، فندم. فذهب ليتنحّى‏ (5) من الشّجرة، فأخذت الشّجرة برأسه فجرّته إليها و قالت له: أفلا كان فراقي‏ (6) من قبل أن تأكل منّي.

فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، أي: فلمّا وجدا طعمها آخذين في الأكل منها، أخذتهما العقوبة فتهافت عنهما لباسهما فظهرت لهما عوراتهما.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7)، و العيّاشيّ‏ (8)، عن الصّادق- (عليه السلام)-: كانت‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في ب، ر: بمدّة طويلة.

(2) تفسير العياشي 2/ 10- 11، ح 11.

(3) ليس في المصدر.

(4) المصدر: ثمّ برأ.

(5) ج: يتنحى. أ: ليضحي. ب: لتضحى.

(6) المصدر: فرارك.

(7) تفسير القمّي 1/ 225.

(8) تفسير العيّاشي 1/ 11، ح 12.

58

سوءاتهما لا تبدو لهما فبدت‏ (1)، يعني: كانت من داخل.

و اختلف في أنّ الشّجرة كانت السّنبلة أو الكرم أو غيرهما، و قد مرّ في سورة البقرة توجيهه، و أنّ اللّباس كان نورا أو حلّة أو ظفرا.

وَ طَفِقا يَخْصِفانِ‏: أخذا يرقعان و يلزقان ورقة فوق ورقة.

عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ: يغطّيان سوءاتهما به.

قيل‏ (2): كان ورق التّين.

و قرئ‏ (3): «يخصفان» من أخصف، أي: يخصفان أنفسهما. و «يخصفان» من خصّف. و «يخصفان» أصله: يختصفان.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثني أبي- (رحمه اللّه)- رفعه قال: سئل الصّادق- (عليه السلام)- عن جنّة آدم: أمن جنان الدّنيا كانت أم من جنان الآخرة؟

فقال: كانت من جنان الدّنيا تطلع فيها الشّمس و القمر. و لو كانت من جنان الآخرة، ما اخرج‏ (5) منها أبدا لمّا أسكنه اللّه الجنّة و أباحها له إلّا الشّجرة لأنّه خلق خلقه لا يبقى إلّا بالأمر و النّهي و الغذاء و اللّباس و الأكنان‏ (6) و التّناكح. و لا يدرك ما ينفعه ممّا يضرّه إلّا بالتّوقيف. فجاءه إبليس فقال له إن أكلتما من هذه الشّجرة الّتي نهاكما اللّه عنها، صرتما ملكين و بقيتما (7) في الجنّة أبدا. و إن لم تأكلا منها، أخرجكما من الجنّة. و حلف لهما، أنّه لهما ناصح. فقبل آدم قوله، فأكلا من الشّجرة. و كان، كما حكى اللّه‏ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما. و سقط عنهما ما ألبسهما اللّه من لباس الجنّة، و أقبلا يستتران من ورق الجنّة.

وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ‏ (22): عتاب على مخالفة النّهي، و توبيخ على الاغترار بقول العدوّ.

قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا: أضررناها بالمخالفة، و التّعريض للإخراج عن الجنّة.

وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (23): إنّما قالا ذلك،

____________

(1) ليس في تفسير القمّي.

2 و 3- أنوار التنزيل 1/ 345.

(4) تفسير القمّي 1/ 43 باختلاف في بعض الألفاظ.

(5) كذا في المصدر، و في النسخ: خرج.

(6) الأكنان- جمع الكنّ-: البيت.

(7) كذا في المصدر، و في النسخ: تقيما.

59

على عادة المقرّبين في استعظام الصّغير من العثرات، و استحقار العظيم من الحسنات.

و في كتاب معاني الأخبار (1)، بإسناده إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه قال- (عليه السلام)-: فلمّا أسكن اللّه- عزّ و جلّ- آدم و زوجته الجنّة قال لهما: كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، يعني: شجرة الحنطة (2). فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏. فنظرا (3) إلى منزلة محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة بعدهم- (عليهم السلام)- فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة.

فقالا: ربّنا، لمن هذه المنزلة؟

فقال اللّه- جلّ جلاله-: ارفعا رأسكما (4) إلى ساق العرش‏ (5).

فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة [بعدهم‏] (6)- (عليهم السلام)- مكتوبة على ساق العرش بنور من نور اللّه الجبّار- جلّ جلاله-. [فقالا: يا ربنا، ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، و ما أحبّهم إليك، و ما أشرفهم لديك؟ فقال اللّه- جلّ جلاله-:] (7) لولاهم ما خلقتكما. هؤلاء خزنة علمي و أمنائي على سرّي. إيّاكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد و تتمنّيا (8) منزلتهم عندي و محلّهم من كرامتي، فتدخلا (9) بذلك في نهيي و عصياني‏ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ‏.

قالا: ربّنا، و من الظّالمون؟

قال: المدّعون لمنزلتهم بغير حقّ.

قالا: ربّنا، فأرنا منزلة ظالميهم في نارك حتّى نراها، كما رأينا منزلتهم في جنّتك.

فأمر اللّه- تبارك و تعالى- النّار، فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النّكال و العذاب.

و قال- عزّ و جلّ-: مكان الظّالمين لهم المدّعين لمنزلتهم في أسفل درك منها

____________

(1) المعاني/ 109- 110، ضمن ح 1.

(2) ب: الحنة.

(3) كذا في المصدر، و في النسخ: فنظر.

(4) المصدر: رءوسكما.

(5) المصدر: ساق عرشي.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر، و في النسخ: تمنى.

(9) كذا في المصدر، و في النسخ: فتدخلان.

60

كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها و كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ‏ بدّلناها (1) سواها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ‏ الأليم. يا آدم و يا حوّاء، لا (2) تنظرا إلى أنواري و حججي بعين الحسد فأهبطكما عن جواري و أحلّ بكما هواني.

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَ قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ، وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ، و حملهما على تمنّي منزلتهم. فنظرا إليهم بعين الحسد، فخذلا حتّى أكلا من شجرة الحنطة. فعاد مكان ما أكلا شعيرا. فأصل الحنطة كلّها ممّا لم يأكلاه. و أصل الشّعير كلّه ممّا عاد مكان ما أكلاه.

فلمّا أكلا من الشّجرة طار الحلي و الحلل عن أجسادهما، و بقيا عريانين‏ وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ ناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ. قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏.

قال: اهبطا من جواري، فلا يجاورني في جنّتي من يعصيني. فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش.

قالَ اهْبِطُوا: الخطاب لآدم و حوّاء و ذرّيّتهما، أو لهما و لإبليس. كرّر الأمر له تبعا، ليعلم أنّهم قرناء أبدا. و أخبر عمّا قال لهم متفرّقا.

بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ: في موضع الحال، أي: متعادين.

وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ: استقرارا، أو موضع استقرار.

وَ مَتاعٌ‏: و تمتّع.

إِلى‏ حِينٍ‏ (24): إلى أن تنقضي آجالكم.

قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَ فِيها تَمُوتُونَ وَ مِنْها تُخْرَجُونَ‏ (25): للجزاء.

و قرأ (3) حمزة و الكسائيّ و ابن ذكوان: «و منها تخرجون». و في الزّخرف «كذلك تخرجون» (4) بفتح التّاء و ضمّ الرّاء.

يا بَنِي آدَمَ‏

____________

(1) المصدر: «بدّلوا» بدل «بدّلناها».

(2) أ: ألا تنظرا.

(3) أنوار التنزيل 1/ 345.

(4) الزخرف/ 11.

61

في تفسير العياشيّ‏ (1)، عنهما- (عليهما السلام)- قالا: هي عامّة.

قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً، أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماويّة و أسباب نازلة. و نظيره قوله- تعالى-: وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ‏. و قوله: وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ.

يُوارِي سَوْآتِكُمْ‏: الّتي قصد الشّيطان إبداءها، و يغنيكم عن خصف الورق.

قيل‏ (2): روي أنّ العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، و يقولون: لا نطوف في ثياب عصينا اللّه فيها. فنزلت. و لعلّه ذكر قصّة آدم تقدمة لذلك، حتّى يعلم أنّ انكشاف العورة أوّل سوء أصاب الإنسان من الشّيطان، و أنّه أغواهم في ذلك، كما أغوى أبويهم.

وَ رِيشاً: و لباسا تتجمّلون به.

و «الرّيش» الجمال.

و قيل‏ (3): مالا. و منه، ترّيش الرّجل: إذا تموّل.

و قرئ‏ (4): «رياشا». و هو جمع، ريش، كشعب و شعاب.

وَ لِباسُ التَّقْوى‏: خشية اللّه.

و قيل‏ (5): الإيمان. الحسن‏ (6).

و قيل‏ (7): السّمت الحسن.

و قيل‏ (8): لباس الحرب.

و رفعه بالابتداء، و خبره‏ ذلِكَ خَيْرٌ. أو «خير»، و «ذلك» صفته، كأنّه قيل: وَ لِباسُ التَّقْوى‏ المشار إليه «خير».

و قرأ (9) نافع و ابن عامر و الكسائيّ: وَ لِباسُ التَّقْوى‏ بالنّصب، عطفا على «ريشا» (10).

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): قال: لِباسُ التَّقْوى‏ الثّياب البيض.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 11، ح 13.

(2) أنوار التنزيل 1/ 345.

3 و 4- نفس المصدر، و الموضع.

(5) نفس المصدر، و الموضع.

(6) ليس في المصدر: الحسن.

7 و 8- نفس المصدر، و الموضع.

(9) أنوار التنزيل 1/ 345.

(10) المصدر: لباسا.

(11) تفسير القمّي 1/ 225.

62

و عن الباقر- (عليه السلام)- (1): فأمّا اللّباس، فالثّياب الّتي تلبسون. و أمّا الرّياش، فالمتاع و المال. و أمّا «لباس التّقوى»، فالعفاف. لأنّ العفيف لا تبدو له عورة و إن كان عاريا من الثّياب، و الفاجر بادي العورة و إن كان لابسا (2) من الثّياب. «ذلك خير» يقول: العفاف‏ (3) خير.

و في كتاب الخصال‏ (4)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب: البسوا ثياب القطن، فإنّها لباس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و هو لباسنا] (5). و لم نكن نلبس‏ (6) الشّعر و الصّوف إلّا من علّة.

و قال: إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال، و يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده.

عن أمّ الدّرداء قالت‏ (7): قال‏ (8) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أصبح معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا. يا ابن آدم‏ (9)، يكفيك من الدّنيا ما سدّ جوعتك و وارى عورتك. فإن لكن لك بيت يكنّك، فذاك. و إن يكن لك دابّة تركبها، فبخ. بخ و الخير و ما الخير (10) و ما بعد ذلك حساب عليك و عذاب.

عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي‏ (11)، بإسناده يرفعه إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: [يكره السواد إلّا في ثلاثة: العمامة و الخفّ و الكساء.

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- (12) قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:] (13) خمس لا أدعهنّ حتّى‏

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 226.

(2) المصدر: كاسيا.

(3) كذا في المصدر، و في النسخ: العقاب.

(4) الخصال/ 413.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر، و في النسخ: لم يكن يلبس.

(7) الخصال/ 161- 162، ح 211.

(8) المصدر: عن امّ الدرداء عن أبي الدرداء قال.

(9) المصدر: يا ابن خثعم. و قد أشير في هامشه إلى أن الصواب: يا ابن آدم جفينة.

(10) المصدر: فبخ فلق الخبز و ماء الجرّ. و قد أشير في هامشه إلى أنّه في النسخ المطبوعة «بخ و الخير و ماء الخير» و لكنّه تصحيف من النساخ انتهى.

(11) الخصال/ 148، ح 179.

(12) نفس المصدر/ 271، ح 12.

(13) من المصدر.

63

الممات: الأكل على الحضيض‏ (1) مع العبيد، و ركوب الحمار مردفا (2)، و حلب العنز بيدي، و لبس الصوف، و التسليم على الصّبيان لتكون سنّة [من‏] (3) بعدي.

و في الكافي‏ (4): أحمد بن محمّد بن سعيد، عن جعفر بن عبد اللّه العلويّ و أحمد بن محمّد الكوفيّ، عن عليّ بن العبّاس، عن إسماعيل بن إسحاق جميعا، عن أبي روح فرج بن قرّة، عن مسعدة (5) بن صدقة قال: حدّثني ابن أبي ليلى، عن عبد الرّحمن السّلميّ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أمّا بعد، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه، و منحهم‏ (6) كرامة منه لهم و نعمة ذخرها. و الجهاد لباس التّقوى، و درع اللّه الحصينة، و جنّته الواقية

(7). و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (8)، نحوه من غير حذف مغيّر للمعنى.

ذلِكَ‏، أي: إنزال اللّباس.

مِنْ آياتِ اللَّهِ‏: الدّالّة على فضله و رحمته.

لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‏ (26): فيعرفون نعمته. أو يتّعظون، فيتورّعون عن القبائح.

يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ‏: لا يمحننّكم، بأن يمنعكم من دخول الجنّة بإغوائكم.

كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، كما محن أبويكم، بأن أخرجهما منها.

و النّهي في اللّفظ للشّيطان. و المعنى: نهاهم عن اتّباعه و الافتتان به.

يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما: حال من «أبويكم». أو من فاعل «أخرج». و إسناد النّزع إليه، للتّسبّب.

إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ‏: تعليل للنّهي، و تأكيد للتّحذير من فتنته.

«و قبيله» جنوده.

____________

(1) الحضيض: القرار من الأرض.

(2) المصدر: مؤكفا.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 5/ 4، صدر ح 6.

(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 2/ 228. و في النسخ: سعد بن صدقة.

(6) المصدر: سوغهم.

(7) المصدر: جنّته الوثيقة.

(8) نهج البلاغة/ 69، صدر خطبة 27.

64

و رؤيتهم إيّانا من حيث لا نراهم في الجملة، لا تقتضي امتناع رؤيتهم و تمثّلهم لنا.

و في الحديث‏ (1): إنّ الشّيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدّم منه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): عن العالم- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه ذكر طلب إبليس من اللّه و إجابته. و من جملة الطّلب قال: قال: و أراهم و لا يروني، و أتصوّر لهم في كلّ صورة شئت.

فقال: قد أعطيتك.

إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏ (27): بما أوجدنا بينهم من التّناسب. أو بإرسالهم عليهم، و تمكينهم من خذلانهم، و حملهم على ما سوّلوا لهم.

و الآية مقصود القصّة، و فذلكة الحكاية.

وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً: فعلة متناهية في القبح، كعبادة الأصنام، و الائتمام بإمامة الجور، و كشف العورة في الطّواف.

قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها: اعتذروا و احتجّوا بأمرين: تقليد الآباء، و الافتراء على اللّه. فأعرض عن الأوّل، لظهور فساده. و ردّ الثّاني بقوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ: لأنّ عادته جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، و الحثّ على مكارم الخصال.

قيل‏ (3): و لا دلالة فيه على أنّ قبح الفعل، بمعنى ترتّب الذّمّ عليه [عاجلا و العقاب‏] (4) آجلا، عقليّ. فإنّ المراد بالفاحشة، ما ينفر عنه الطّبع السّليم و يستنقصه‏ (5) العقل المستقيم.

و فيه: أنّه يدلّ على أنّ قبح الفعل، بمعنى أنّ فيه شيئا يقتضي النّهي عنه و ترتّب الذّمّ آجلا، عقليّ. و هو المدعى.

و قيل‏ (6): هما جوابا سؤالين مترتّبين، كأنّه قيل لهم لمّا فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا:

وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا. فقيل: و من أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا: اللَّهُ أَمَرَنا بِها. و على‏

____________

(1) تفسير الصافي 2/ 187.

(2) تفسير القمّي 1/ 42.

(3) أنوار التنزيل 1/ 346.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر، و في النسخ: و سيتبغضه.

(6) نفس المصدر، و الموضع.

65

الوجهين يمنع التّقليد مطلقا إلّا ما دلّ دليل على جوازه.

و في الكافيّ‏ (1) مضمرا، و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن عبد صالح قال: هل رأيت أحدا زعم، أنّ اللّه أمر بالزّنا و شرب الخمر و شي‏ء من هذه المحارم؟

فقيل: لا.

قال: ما هذه الفاحشة الّتي يدّعون أنّ اللّه أمرهم بها؟

قيل: اللّه أعلم و وليّه.

فقال: فإنّ هذا في أئمّة الجور، ادّعوا أنّ اللّه أمرهم بالائتمام [بقوم لم يأمرهم اللّه بالائتمام‏] (3) بهم. فردّ اللّه ذلك عليهم. فأخبر أنّهم قد قالوا عليه الكذب، و يسمّى ذلك منهم فاحشة.

و في أصول الكافي: (4) الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسين بن عليّ الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من زعم أنّ اللّه أمر بالفحشاء، فقد كذب على اللّه. و من زعم أنّ الخير و الشّرّ إليه، فقد كذب على اللّه.

أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (28): إنكار يتضمّن النّهي عن الافتراء.

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ: بالعدل. و هو الوسط من كلّ أمر، للتّجافي عن طرفي الإفراط و التّفريط.

وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ‏: و توجّهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها. أو أقيموها نحو القبلة.

عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ: في كلّ وقت سجود. أو مكانه، و هو الصلاة. أو في أيّ مسجد حضرتكم الصلاة. و لا تؤخّروها حتّى تعودوا إلى مساجدكم.

و في كتاب تهذيب الأحكام‏ (5): علي بن الحسن‏ (6) الطاطريّ، عن [ابن‏] (7)

____________

(1) الكافي 1/ 373، ح 9.

(2) تفسير العياشي 2/ 12، ح 15 ببعض الاختلاف.

(3) من الكافي.

(4) الكافي 1/ 156- 157، ح 2.

(5) التهذيب 2/ 43، ح 134.

(6) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 568. و في النسخ: علي بن الحسين. قال الأردبيلي: الظاهر ان علي بن الحسين مصغرا سهو.

(7) من المصدر.

66

أبي حمزة، عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: هذه في‏ (1) القبلة.

و عنه‏ (2)- (عليه السلام)-: مساجد محدثة، فأمروا أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام.

و في تفسير العياشي‏ (3) مثل الحديثين و زاد في الاوّل: ليس فيها عبادة الأوثان خالصا مخلصا.

و عنه‏ (4)- (عليه السلام)-: «كلّ مسجد»، يعني: الأئمّة- (عليهم السلام)-.

وَ ادْعُوهُ‏: و اعبدوه.

مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏، أي: الطّاعة. فإنّ إليه مصيركم.

كَما بَدَأَكُمْ‏، كما أنشأكم ابتداء.

تَعُودُونَ‏ (29): بإعادته، فيجازيكم على أعمالكم. و إنّما شبّه الإعادة بالإبداء (5). تقريرا لإمكانها و القدرة عليها.

و قيل‏ (6): كَما بَدَأَكُمْ‏ من التّراب. «تعودون» إليه.

و قيل‏ (7): كَما بَدَأَكُمْ‏ حفاة عراة غرلا (8). «تعودون».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (9): عن الباقر- (عليه السلام)- في هذه الآية: خلقهم من طينتهم‏ (10) مؤمنا و كافرا و شقيّا و سعيدا. و كذلك يعودون يوم القيامة مهتد و ضالّ.

فَرِيقاً هَدى‏: بأن وفّقهم للإيمان.

وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، أي: الخذلان، إذ لم يقبل الهدى. و انتصابه بفعل يفسّره ما بعده، أي: و خذل فريقا.

إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: تعليل لخذلانهم، أو تحقيق‏

____________

(1) ليس في المصدر: في.

(2) التهذيب 2/ 43، ح 136.

(3) تفسير العياشي 2/ 12، ح 19 و 20.

(4) نفس المصدر و المجلّد/ 13، ح 22.

(5) ب: بالابتداء.

6 و 7- أنوار التنزيل 1/ 346.

(8) كذا في المصدر، و في النسخ: عزلا. و العزل جمل الأغرل-: و هو الأقلف.

(9) تفسير القمّي 1/ 226.

(10) المصدر: «حين خلقهم» بدل «من طينتهم»

67

لضلالتهم.

وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ‏ (30): يدلّ على أنّ الكافر المخطئ و المعاند سواء في استحقاق الذّمّ. و للفارق أن يحمله على المقصّر في النّظر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و هم القدريّة، الّذين يقولون: لا قدر. و يزعمون أنّهم قادرون‏ (2) على الهدى و الضّلال. و ذلك إليهم إن شاءوا اهتدوا، و إن شاءوا ضلّوا.

و هم مجوس هذه الأمّة. و كذب أعداء اللّه، المشيئة و القدرة للّه كما بدأهم يعودون من خلقه اللّه شقيّا يوم خلقه، كذلك يعود إليه [شقيّا] (3) و من خلقه سعيدا يوم خلقه، كذلك يعود إليه سعيدا.

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: الشّقيّ، من شقي في بطن أمّه. و السّعيد، من سعد في بطن أمّه.

و

في العلل‏ (4)، عنه- (عليه السلام)-: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏، يعني: أئمّة [الجور] (5) دون أئمّة الحقّ.

يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ‏: ثيابكم لمواراة عوراتكم.

عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ: لصلاة أو طواف.

قيل‏ (6): كانوا يطوفون عراة بالبيت، الرّجال بالنّهار و النّساء باللّيل، فأمرهم اللّه بلبس الثّياب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قال: في العيدين و الجمعة يغتسل و يلبس ثيابا بيضا (8).

و روي‏ (9)- أيضا-: المشط عند كلّ صلاة.

و في الكافي‏ (10): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 226- 227.

(2) كذا في المصدر، و في النسخ: قاصرون.

(3) من المصدر.

(4) علل الشرائع/ 60، ذيل ح 81.

(5) من المصدر.

(6) تفسير القمّي 1/ 229.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر، و في النسخ: بياضا.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) الكافي 3/ 424، ح 8.

68

سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.

قال: في العيدين و الجمعة.

و في مجمع البيان‏ (1): عن الباقر- (عليه السلام)-: أي: خذوا ثيابكم الّتي تتزيّنون بها للصّلاة في الجمعات و الأعياد.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن محمّد بن الفضل‏ (3)، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: الثّياب.

و عن الصّادق- (عليه السلام)- (4): هي الأردية في العيدين و الجمعة.

و في الجوامع‏ (5) و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): كان الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- إذا قام إلى الصّلاة، لبس أجود ثيابه.

فقيل له في ذلك.

فقال: إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال، فأتجمّل لربّي. و قرأ الآية.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (7)، عن الرّضا- (عليه السلام)-: من ذلك التّمشّط عند كلّ صلاة.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (8)، عن الصّادق- (عليه السلام)- مثله.

و في كتاب الخصال‏ (9)، عنه- (عليه السلام)- في هذه الآية: تمشّط، فإنّ التّمشّط يجلب الرّزق و يحسن الشّعر و ينجز الحاجة و يزيد في ماء الصّلب و يقطع البلغم. و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يسرح لحيته أربعين مرّة و يمرّ (10) فوقها سبع مرّات، و يقول:

إنّه يزيد في الذّهن و يقطع البلغم.

____________

(1) المجمع 2/ 412.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 12، ح 21.

(3) المصدر: محمد بن الفضيل.

(4) نفس المصدر و المجلد/ 13، ح 27.

(5) جوامع الجامع/ 144.

(6) تفسير العياشي 2/ 14، ح 29 ببعض الاختلاف.

(7) الفقيه 1/ 75، ح 319.

(8) تفسير العيّاشي 2/ 13، ح 25.

(9) الخصال/ 268، ح 3.

(10) المصدر: «من» بدل «يمرّ».

69

و في تهذيب الأحكام‏ (1)، عنه- (عليه السلام)- في هذه الآية قال: الغسل عند لقاء كلّ إمام.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2)، عنه- (عليه السلام)-: يعني: الأئمّة.

و في أصول الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: وصل‏ (4) اللّه طاعة وليّ أمره بطاعة رسوله، و [طاعة رسوله‏] (5) بطاعته.

فمن ترك طاعة ولاة الأمر، لم يطع اللّه و لا رسوله. و هو الإقرار بما أنزل من عند اللّه- عزّ و جلّ-: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ. و التمسوا (6) البيوت الّتي‏ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ‏ (7). فإنّه أخبركم أنّهم‏ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ، يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا: ما طاب لكم.

نقل‏ (8): أنّ بني عامر في أيّام حجّهم كانوا لا يأكلون الطّعام إلّا قوتا، و لا يأكلون دسما. يعظّمون بذلك حجّهم، فهم المسلمون به. فنزلت.

وَ لا تُسْرِفُوا: بالإفراط و الإتلاف و التّعدّي إلى الحرام، و بتحريم الحلال و غير ذلك.

قال عليّ بن الحسين بن واقد (9): قد جمع اللّه- تعالى- الطّبّ في نصف آية، فقال:

كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا.

إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏ (31)، أي: لا يرضى فعلهم.

و في تفسير العيّاشي‏ (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: أ ترى اللّه أعطى من‏

____________

(1) التهذيب 6/ 110، ح 197.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 13، ح 22.

(3) الكافي 2/ 47- 48، ضمن ح 1.

(4) كذا في المصدر، و في النسخ: وسل.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر، و في النسخ: و التمس.

(7) النور/ 36.

(8) أنوار التنزيل 1/ 347. و فيه «روى» بدل «نقل».

(9) أنوار التنزيل 1/ 347.

(10) تفسير العيّاشي 1/ 13، ح 23.

70

أعطى من كرامته‏ (1) عليه، و منع من منع من هوان به عليه؟ لا، و لكنّ المال مال اللّه يضعه عند الرّجل ودائع. و جوّز لهم أن يأكلوا قصدا، و يشربوا قصدا، و يلبسوا قصدا، و ينكحوا قصدا، و يركبوا قصدا، و يعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين و يلمّوا به شعثهم. فمن فعل ذلك، كان ما يأكل حلالا و يشرب حلالا و يركب [حلالا] (2) و ينكح حلالا. و من عدا ذلك كان عليه حراما. ثمّ قال: وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏. أ ترى اللّه ائتمن رجلا على ما (3) خوّل له أن يشتري فرسا بعشرة آلاف درهم و يجزئه فرس بعشرين درهما، و يشتري جاريته‏ (4) بألف دينار و يجزئه [جارية] (5) بعشرين دينارا؟ و قال: وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏.

و في عيون أخبار الرّضا (6)- (عليه السلام)- بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليس شي‏ء أبغض على اللّه من بطن ملآن‏ (7).

و بإسناده‏ (8) قال: قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: أتى أبو جحيفة النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو يتجشّأ.

فقال: اكفف جشأك، فإنّ أكثر النّاس في الدّنيا شبعا أكثرهم يوم القيامة جوعا.

قال: فما ملأ أبو حنيفة بطنه من طعام حتّى لحق باللّه- تعالى-.

و في كتاب الخصال‏ (9)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- قال: أبعد ما يكون العبد من اللّه إذا كان همّه فرجه و بطنه.

عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)(10)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: المؤمن يأكل في معاء واحد، و الكافر يأكل في سبعة أمعاء.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (11)، بإسناده إلى عمر بن عليّ، عن أبيه، عن‏ (12) عليّ بن‏

____________

(1) كذا في المصدر، و في النسخ: كرامة.

(2) من المصدر.

(3) المصدر: «مال» بدل «ما».

(4) المصدر: جارية.

(5) من المصدر.

(6) العيون 2/ 36، ح 89.

(7) كذا في المصدر، و في النسخ: فلان.

(8) نفس المصدر و المجلّد/ 38- 39، ح 113.

(9) نور الثقلين 2/ 20، ح 73 عن الخصال.

(10) الخصال/ 351، ح 29.

(11) العلل/ 497، ح 1.

(12) ليس في المصدر.

71

أبي طالب- (عليه السلام)-: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: مرّ أخي عيسى‏ (1)- (عليه السلام)- بمدينة فيها رجل و امرأة يتصايحان‏ (2).

فقال: ما شأنكما؟

فقال: يا نبيّ اللّه، هذه امرأتي و ليس بها بأس صالحة، و لكنّي أحبّ فراقها.

قال: فأخبرني على كلّ حال، ما شأنها؟

قال: هي خلقة الوجه من غير كبر.

قال لها: يا امرأة، أ تحبّين أن يعود ماء وجهك طريّا؟

قالت: نعم.

قال لها: إذا أكلت، فإيّاك أن تشبعي‏ (3). لأنّ الطّعام إذا تكاثر على الصّدر فزاد في القدر، ذهب ماء الوجه.

ففعلت ذلك، فعاد وجهها طريّا.

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ‏: من الثّياب، و سائر ما يتجمّل به.

الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ‏: من الأرض، كالقطن و الكتّان و الأبريسم و الصّوف و المعادن و الجواهر.

وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏: المستلذّات من المآكل و المشارب. و فيه دلالة على أنّ الأصل في المطاعم و الملابس و أنواع التّجمّلات، الإباحة، لأنّ الاستفهام في «من» للإنكار. و كذا في قوله- تعالى-: كُلُوا وَ اشْرَبُوا، دلالة على أنّ الأصل في كلّ المأكولات و المشروبات الإباحة إلّا ما أخرجه الدّليل.

و في الكافي‏ (4): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد عن‏ (5) عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: بعث أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عبد اللّه بن عبّاس إلى ابن الكوّاء و أصحابه و عليه قميص رقيق و حلّة. فلمّا نظروا إليه، قالوا: يا ابن عبّاس، أنت خيرنا في أنفسنا و أنت تلبس هذا

____________

(1) كذا في ب و المصدر. و في سائر النسخ:

موسى.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يتصاحبان.

(3) المصدر: أن تشبعين.

(4) الكافي 6/ 441- 442، ح 6.

(5) كذا في المصدر، و في النسخ: «عن» بدل «بن».

72

اللّباس! فقال: و هذا أوّل ما أخاصمكم فيه‏ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ (1). و قال اللّه: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.

و في تفسير العيّاشي‏ (2)، عنه- (عليه السلام)- ما في معناه.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن عليّ [رفعه‏] (4) قال: مرّ سفيان الثّوريّ في المسجد الحرام، فرأى أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- و عليه ثياب كثيرة القيمة حسان.

فقال: و اللّه، لآتينّه و لأوبّخنّه.

فدنا منه فقال: يا ابن [رسول اللّه، ما لبس‏] (5) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مثل هذا اللّباس و لا عليّ و لا أحد من آبائك.

فقال- (عليه السلام)-: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في زمان قتر مقتر، و كان يأخذ لقتره و إقتاره‏ (6). و أنّ الدّنيا بعد ذلك أرخت عزاليها (7)، فأحقّ أهلها بها أبرارها. ثمّ تلا: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي‏ (الآية) فنحن أحقّ من أخذ منها ما أعطاه اللّه. غير أنّي، يا ثوريّ، ما ترى عليّ من ثوب إنّما لبسته للنّاس.

ثمّ اجتذب‏ (8) يد سفيان، فجرّها إليه. ثمّ رفع الثّوب الأعلى، و أخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظا فقال: هذا لبسته لنفسي، و ما رأيته للنّاس.

ثمّ اجتذب ثوبا على سفيان أعلاه غليظ خشن و داخل ذلك ثوب ليّن، فقال:

لبست هذا الأعلى للنّاس، و لبست هذا لنفسك تسرّها.

عدّة من أصحابنا (9)، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح قال: كان أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- متّكئا على بعض أصحابه، فلقيه عبّاد بن‏

____________

(1) الأعراف/ 31.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 15، ذيل ح 32.

(3) الكافي 6/ 442- 443، ح 8.

(4) من المصدر.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: اقتداره.

(7) كذا في المصدر. و في ب: غزالتها. و في سائر النسخ: غزاليها.

يقال: أرخت الدّنيا عزاليها: كثرت نعيمها.

(8) ب: أجذب.

(9) الكافي 6/ 443، ح 13.

73

كثير و عليه ثياب مزيّنة (1) حسان.

فقال: يا أبا عبد اللّه، إنّك من أهل بيت النبوّة و كان أبوك و كان. فما لهذه الثياب المزيّنة (2) عليك؟ فلو لبست دون هذه الثّياب.

فقال له- (عليه السلام)-: ويلك، يا عبّاد، مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏. إنّ اللّه- عزّ و جلّ- إذا أنعم على عبد نعمة، أحبّ أن يراها عليه ليس بها بأس. ويلك، يا عبّاد، إنّما أنا بضعة من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فلا تؤذني‏ (3).

و كان عباد يلبس ثوبين من قطن‏ (4).

و عنه- (عليه السلام)(5)- أنّه قيل له: أصلحك اللّه، ذكرت أنّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك، و نرى عليك اللّباس الجيّد.

فقال له- (عليه السلام)-: إنّ عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر. و لو لبس مثل ذلك اليوم، لشهّر به. فخير لباس كلّ زمان لباس أهله. غير أنّ قائمنا- (عليه السلام)- إذا قام، لبس لباس عليّ و سار بسيرته.

سهل بن زياد (6)، عن محمّد بن عيسى، عن العبّاس بن هلال الشّامي مولى أبي الحسن- (عليه السلام)-، عنه قال: قلت: جعلت فداك، ما أعجب إلى النّاس من يأكل الجشب و يلبس الخشن و يتخشّع.

فقال: أما علمت أنّ يوسف النّبيّ- (عليه السلام)- [نبي ابن نبي‏] (7) كان يلبس أقبية الدّيباج مزرورة (8) بالذّهب، و يجلس في مجالس آل فرعون و يحكم. فلم يحتج النّاس إلى لباسه، و إنّما احتاجوا إلى قسطه. و إنّما يحتاج من الإمام إلى أن إذا قال صدق، و إذا وعد أنجز، و إذا حكم عدل. إنّ اللّه لم يحرّم طعاما و لا شرابا من حلال، و إنّما

____________

(1) المصدر: مرويّة. يعني المنسوب إلى مرو.

(2) المصدر: المرويّة.

(3) كذا في المصدر: و في النسخ: فلا تؤذوني.

(4) المصدر: «قطريّين» بدل «من قطن».

(5) الكافي 6/ 444، ح 15 باختصار سنده.

(6) الكافي 6/ 453- 454، ح 5. و في بعض نسخ المصدر: حميد بن زياد.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مزورة.

74

حرّم الحرام قلّ أو كثر. و قد قال- عزّ و جلّ-: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): عن الحكم بن عيينة قال: رأيت أبا جعفر- (عليه السلام)- و عليه إزار أحمر. قال: فأحددت‏ (2) النّظر إليه.

فقال: يا أبا محمّد، إنّ هذا ليس به بأس. ثمّ تلا: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏.

عن الوشّاء (3)، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يلبس الجبّة و المطرف و الخزّ و القلنسوة، و يبيع المطرف و يتصدّق بثمنه و يقول:

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏.

عن يوسف بن إبراهيم‏ (4) قال: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و عليّ جبّة خزّ و طيلسان خزّ، فنظر إليّ.

فقلت: جعلت فداك، عليّ جبّة خزّ و طيلسان خزّ، ما تقول فيه؟

قال: و لا بأس بالخزّ.

قلت: و سداه أبريسم.

فقال: [لا بأس به، فقد] (5) أصيب الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- و عليه جبّة خزّ.

عن أحمد بن محمّد (6)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: كان عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- يلبس الثّوب بخمسمائة [دينار] (7) و المطرف بخمسين دينارا يشتو (8) فيه. فإذا ذهب الشّتاء، باعه و تصدّق بثمنه.

و في خبر (9) عمر بن عليّ‏ (10)، عن أبيه، عليّ بن الحسين‏ (11) أنّه كان يشتري الكساء

____________

(1) بل في تفسير العيّاشي 2/ 14، ح 30.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فأجدت.

(3) تفسير العيّاشي 2/ 14، ح 31.

(4) نفس المصدر و المجلّد/ 15، صدر ح 32.

(5) من المصدر.

(6) نفس المصدر و المجلّد/ 16، ح 34.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يشتي.

(9) نفس المصدر و الصفحة، ح 35.

(10) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 636. و في النسخ: عمير بن عليّ.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: «عن الحسين»

75

الحسن بخمسين دينارا، فإذا صاف تصدّق به. و لا يرى بذلك بأسا و يقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏.

قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: بالأصالة. و الكفرة و إن شاركوهم، فتبع.

خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ: لا يشاركهم فيها غيرهم. و انتصابها، على الحال.

و قرأ (1) نافع، بالرّفع، على أنّها خبر بعد خبر.

و في أمالي الصّدوق‏ (2)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في حديث: و اعلموا، يا عباد اللّه، إنّ المتّقين حازوا عاجل الخير و آجله. شاركوا أهل الدّنيا في دنياهم، و لم يشاركهم أهل الدّنيا في آخرتهم. أباحهم اللّه في الدّنيا ما كفاهم به و أغناهم. قال اللّه- عزّ و جلّ-:

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ‏ (إلى آخر الآية). سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت، و أكلوها (3) بأفضل ما أكلت. شاركوا أهل الدّنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيّبات ما يأكلون، و شربوا من طيّبات ما يشربون، و لبسوا من أفضل ما يلبسون، و سكنوا من أفضل ما يسكنون، و تزوّجوا من أفضل ما يتزوّجون، و ركبوا من أفضل ما يركبون. و أصابوا لذّة الدّنيا مع أهل الدّنيا، و هم غدا جيران اللّه، يتمنّون عليه فيعطيهم ما يتمنّون، لا تردّ لهم دعوة و لا ينقص لهم نصيب من اللّذّة. فإلى هذا، يا عباد اللّه، يشتاق إليه من كان له عقل.

كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ (32)، أي: كتفصيلنا هذا الحكم نفصّل سائر الأحكام لهم.

قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ‏: [ما تزايد قبحه.

و قيل‏ (4): ما يتعلّق بالفروج.] (5) ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏: [جهرها و سرّها.

____________

بدل «علي بن الحسين».

(1) أنوار التنزيل 1/ 347.

(2) بل في أمالي الطوسي 1/ 25- 26.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: أكلوه.

(4) أنوار التنزيل 1/ 347.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

76

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏.] (2) قال: من ذلك أئمّة الجور.

وَ الْإِثْمَ‏: و ما يوجب الإثم. تعميم بعد تخصيص.

و قيل‏ (3): شرب الخمر.

وَ الْبَغْيَ‏: الظّلم، أو الكبر. أفرده بالذّكر، للمبالغة.

بِغَيْرِ الْحَقِ‏: متعلّق «بالبغي» مؤكّد له معنى.

وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً: تهكّم بالمشركين، و تنبيه على حرمة اتّباع ما لا يدلّ عليه برهان.

وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (33): بالإلحاد في صفاته و الافتراء عليه، كقولهم: وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها.

و في الكافي‏ (4): أبو عليّ الأشعريّ، عن بعض أصحابنا و عليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن عليّ بن يقطين قال: سأل المهديّ أبا الحسن- (عليه السلام)- عن الخمر: هل محرّمة في كتاب اللّه- جلّ اسمه-؟

فقال: نعم، يا أمير المؤمنين.

فقال له: في أيّ موضع محرّمة في كتاب اللّه- جلّ اسمه- يا أبا الحسن؟

فقال: قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ‏. و أمّا قوله: ما ظهر منها، يعني: الزّنا المعلن، و نصب الرّايات الّتي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهليّة. و أمّا قوله- عزّ و جلّ-: «و ما بطن»، يعني: ما نكح من أزواج الآباء. لأنّ النّاس كانوا قبل أن يبعث النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا كان للرّجل زوجة و مات عنها، تزوّجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمّه، فحرّم اللّه- عزّ و جلّ- ذلك. و أمّا «الإثم» فإنّها الخمر بعينها و قد قال اللّه- عزّ و جلّ- في‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 230.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

(3) أنوار التنزيل 1/ 347.

(4) الكافي 6/ 406، ح 1. لخصّ المؤلف صدر الخبر و له تتمّة.

77

موضع آخر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ‏ (1). فأمّا «الإثم» في كتاب اللّه، فهي الخمر و الميسر.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (2)، مثله سواء.

إلّا أنّه بعد قوله: «و الميسر» أخيرا: فهي النّرد فقال: [و الشطرنج‏] (3) و إثمهما كبير [كما قال اللّه‏] (4) و أمّا قوله: «و البغي»، فهو الزّنا سرا.

و في الكافي‏ (5): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي وهب، عن محمّد بن منصور قال: سألت [أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-] (6) عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏.

قال: فقال: إنّ القرآن له ظهر و بطن. فجميع ما حرّم اللّه في القرآن هو الظّاهر، و الباطن من ذلك أئمّة الجور. و جميع ما أحلّ اللّه في الكتاب هو الظّاهر، و الباطن من ذلك أئمّة الحقّ.

[وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ أي تتقوّلوا و تفتروا فيه‏] (7).

و في كتاب الخصال‏ (8)، عن مفضّل بن يزيد (9) قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرّجال: أن تدين اللّه بالباطل، و تفتي النّاس بما لا تعلم.

عن عبد الرّحمن بن الحجّاج‏ (10) قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إيّاك و خصلتين فيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي النّاس برأيك، و تدين بما لا تعلم.

و في كتاب التّوحيد (11)، بإسناده إلى جعفر بن [محمّد: عن‏] (12) سماعة، عن غير واحد، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)-: ما حجّة اللّه على العباد؟

____________

(1) البقرة/ 216.

(2) تفسير العيّاشي 2/ 17، ح 38.

(3) من المصدر. و يوجد المعقوفتان فيه أيضا.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 1/ 374، ح 10.

(6) المصدر: «عبدا صالحا» بدل ما بين المعقوفتين.

(7) الظاهر أنّ ما بين المعقوفتين زائد لأنّ الآية مرّت آنفا. و يوجد هذه الفقرة في تفسير الصافي ذيل الحديث السابق.

(8) الخصال/ 52، ح 65.

(9) المصدر: المفضّل بن مزيد.

(10) نفس المصدر و الصفحة، ح 66.

(11) التوحيد/ 459، ح 27.

(12) ليس في المصدر.

78

فقال: أن يقولوا ما يعلمون، و يقفوا عند ما لا يعلمون.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (1)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- في وصيّته لابنه محمّد ابن الحنفيّة: يا بنيّ، لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم.

و في عيون الأخبار (2)، بإسناده، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أفتى النّاس بغير علم، لعنته ملائكة السّموات و الأرض.

و في نهج البلاغة (3): و قال- (عليه السلام)‏- علامة الإيمان أن تؤثر الصّدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، و أن لا يكون في حديثك فضل عن علمك‏ (4)، و أن تتّقي اللّه في حديث غيرك.

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‏: مدّة، أو وقت لنزول العذاب بهم.

قيل‏ (5): و هو وعيد لأهل مكّة.

فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ‏: انقرضت مدّتهم، أو حان وقتهم.

لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ (34)، أي: لا يتأخّرون و لا يتقدّمون أقصر وقت. أو لا يطلبون التّأخّر و التّقدّم، لشدّة الهول.

و في تفسير العيّاشيّ‏ (6): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- قوله:

ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏.

قال: الأجل الّذي غير مسمّى موقوف، يقدّم منه ما شاء و يؤخّر ما شاء. و أمّا الأجل المسمّى، فهو الّذي ينزل ممّا يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل.

فذلك قول اللّه: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏.

عن حمران‏ (7)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه: ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏.

قال: المسمّى، ما يسمّى لملك الموت في تلك اللّيلة. و هو الّذي قال اللّه:

____________

(1) نور الثقلين 2/ 26، ح 92 عنه.

(2) العيون 2/ 46، ح 173.

(3) نهج البلاغة/ 556 حكمة 458.

(4) بعض نسخ المصدر: عن عملك.

(5) أنوار التنزيل 1/ 347.

(6) تفسير العياشي 1/ 354، ح 5.

(7) تفسير العياشي 1/ 354، ح 6. و له تتمة.

79

فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏. و هو الّذي سمّي لملك الموت في ليلة القدر.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن محمّد الأزديّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ‏ إلى قوله:

«تعملون» (2). قال: تعد (3) السّنين، ثمّ تعد (4) الشّهور، ثمّ تعد الأيّام، ثمّ تعد النّفس‏ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏.

و في كتاب التّوحيد (5): حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدّثنا عليّ بن زياد قال:

حدّثنا مروان بن معاوية، عن الأعمش، عن أبي حسّان‏ (6) التّيميّ، عن أبيه‏، و كان مع عليّ- (عليه السلام)- يوم صفّين، و فيما بعد ذلك قال: بينما عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- يعبّأ الكتائب يوم صفّين و معاوية مستقبله على فرس له يتأكّل له‏ (7) تحته تأكّلا و عليّ- (عليه السلام)- على فرس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المرتجز و بيده حربة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو متقلّد سيفه ذا الفقار، فقال رجل من أصحابه:

احترس، يا أمير المؤمنين. فإنّا نخشى أن يغتالك هذا الملعون.

فقال- (عليه السلام)-: لئن قلت ذلك إنّه غير مأمون على دينه، و أنّه لأشقى‏ (8) القاسطين و ألعن الخارجين على الأئمّة المهتدين، و لكن كفى بالأجل حارسا. إنّه ليس أحد من النّاس إلّا و معه ملائكة حفظة، يحفظونه من أن يتردّى في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء. فإذا جاء (9) أجله، خلّوا بينه و بين ما يصيبه. و كذا إذا حان أجلي، انبعث أشقاها فخضّب هذه من هذا- و أشار إلى لحيته و رأسه- عهدا معهودا و وعدا غير مكذوب.

و بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة (10) قال: إنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر.

____________

(1) الكافي 3/ 262، ح 44.

(2) الجمعة/ 8.

3 و 4- كذا في المصدر. و في النسخ: بعد.

(5) التوحيد/ 367- 368، ح 5.

(6) المصدر: أبي حيّان.

(7) ليس في المصدر: له.

(8) كذا في المصدر: و في ب: لأتقى. و في سائر النسخ: لا يتقى.

(9) المصدر: حان.

(10) التوحيد/ 369، ح 8.

80

فقيل له: يا أمير المؤمنين، أ تفرّ من قضاء اللّه.

قال: [أفرّ من قضاء اللّه‏] (1) إلى قدر اللّه- عزّ و جلّ-.

و بإسناده إلى عمرو بن جميع‏ (2)، عن جعفر بن محمّد قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه- (عليهما السلام)- قال: دخل الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- على معاوية.

فقال له: ما حمل أباك على أن قتل أهل البصرة ثمّ دار عشيا (3) في طرقهم في ثوبين؟

فقال- (عليه السلام)-: حمله على ذلك علمه أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، و أنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

قال: صدقت.

قال: و قيل لأمير المؤمنين لمّا أراد قتال الخوارج: لو احترزت يا أمير المؤمنين.

فقال- (عليه السلام)-:

أيّ يوميّ من الموت أفرّ* * * يوم لم يقدر أو يوم قدر

يوم لم يقدر لا أخشى الرّدى‏* * * و إذا قدّر لم يغن الحذر

و بإسناده‏ (4) إلى يحيى بن [أبي‏] (5) كثير قال: قيل لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ألا نحرسك؟

قال: كلّ‏ (6) حرس كلّ امرئ أجله.

و بإسناده إلى سعيد بن وهب‏ (7) قال: كنّا مع سعيد بن قيس بصفّين ليلا، و الصّفان ينظر كلّ واحد منهما إلى صاحبه حتّى جاء أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فنزلنا على فنائه‏ (8).

فقال له سعيد بن قيس: أ في هذه السّاعة، يا أمير المؤمنين، أما خفت شيئا؟

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

(2) التوحيد/ 374- 375، ح 19.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: عيشا.

(4) التوحيد/ 379، ح 25.

(5) من المصدر.

(6) ليس في المصدر: كلّ.

(7) نفس المصدر و الصفحة، ح 26.

(8) كذا في المصدر. و في ب: فناه. و في سائر النسخ: قفاه.