تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج6

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
485 /
23

الجزء السادس‏

تفسير سورة يونس‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

سورة يونس مكّيّة. و هي مائة و تسع آيات.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: من قرأ سورة يونس في كلّ شهرين أو ثلاثة، لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين. و كان يوم القيامة من المقرّبين.

و في مجمع البيان‏ (2): ابيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال‏: من قرأها، اعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بيونس و كذّب به، و بعدد من غرق مع فرعون.

الر:

فخّمها (3) ابن كثير و نافع و حفص. و أمالها الباقون، إجراء لألف الرّاء مجرى المنقلبة من الياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): هو حرف من حروف الاسم الأعظم المنقطع في القرآن. فإذا ألفّه الرّسول أو الإمام فدعا به، أجيب.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل‏، مضى بتمامه‏

____________

(1) ثواب الاعمال/ 132، ح 1.

(2) المجمع 3/ 87.

(3) أنوار التنزيل 1/ 438.

(4) تفسير القمي 1/ 308.

(5) تفسير العياشي 2/ 3، ح 3.

26

في أوّل آل عمران و أوّل الأعراف. و في آخره: و ليس من حروف مقطّعة حرف ينقضي أيّامه، إلّا و قد قام قائم من بني هاشم عند انقضائه.

- إلى قوله-: ثمّ كان بدو خروج الحسين بن عليّ- (عليهما السلام)- «الم [، اللَّه». فلمّا] (1) بلغت مدّته‏ (2) مقدمته، قام قائم ولد العبّاس عند «المص». و يقوم قائمنا عند انقضائها ب «المر» (3).

فافهم ذلك، و عه، و اكتمه.

و في كتاب معاني الأخبار (4)، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه الصّادق- (عليه السلام)-: و «الر» معناه: أنا اللَّه الرّؤوف الرّحيم.

تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ‏ (1): إشارة إلى ما تضمّنته السّورة، أو القرآن من الآي. و المراد من «الكتاب»: أحدهما. و وصفه بالحكيم، لإشتماله على الحكم، أو لأنّه كلام حكيم، أو محكم آياته لم ينسخ منها.

أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً: استفهام إنكار، للتّعجّب.

و «عجبا» خبر كان، و اسمه‏ أَنْ أَوْحَيْنا.

و قرئ‏ (5)، [بالرفع على أن الأمر] (6) بالعكس. أو على أن «كان» تامّة، و «أن أوحينا» بدل من عجب و «اللّام» للدّلالة على أنّهم جعلوه أعجوبة لهم يوجّهون نحوه إنكارهم و استهزاءهم.

إِلى‏ رَجُلٍ مِنْهُمْ‏: من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم.

قيل‏ (7): كانوا يقولون: العجب أنّ اللَّه لم يجد رسولا يرسله إلى النّاس إلّا يتيم أبي طالب. و هو من فرط حماقتهم و قصور نظرهم على الأمور العاجلة، و جهلهم بحقيقة الوحي و النّبوّة. هذا و إنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه، إلّا في المال و خفّة الحال أعون شي‏ء في هذا الباب‏ (8). و لذلك كان أكثر الأنبياء- عليهم‏

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: «مقدمته» بدل «مدّته».

(3) المصدر: الرا.

(4) المعاني/ 22، ح 1.

(5) أنوار التنزيل 1/ 438.

(6) من المصدر.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) كذا في المصدر. و في أ: البال، و في سائر

27

السّلام- قبله كذلك.

و قيل‏ (1): تعجّبوا من أنّه بعث بشرا رسولا، كما سبق ذكره في سورة الأنعام.

أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ‏.

«أن» هي المفسّرة. أو المخفّفة من الثّقيلة، فتكون في موضع مفعول «أوحينا».

وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا: عمّم الإنذار، إذ قلّما أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه. و خصّص البشارة بالمؤمنين، إذ ليس للكفّار ما يصحّ أن يبشّروا به.

أَنَّ لَهُمْ‏: بأنّ لهم.

قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏: سابقة و منزلة رفيعة. سمّيت: قدما، لأنّ السّبق بها، كما سمّيت النّعمة: يدا، لأنّها تعطى باليد. و إضافتها إلى الصّدق، لتحقّقها و التّنبيه على أنّهم إنّما ينالونها بصدق القول و النّيّة.

و في أصول الكافي‏ (2): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن يونس قال: أخبرني من رفعه إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- تعالى-: وَ بَشِّرِ الَّذِينَ‏- إلى قوله- عِنْدَ رَبِّهِمْ‏.

قال: ولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏.

قال: هو رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- مثله سواء.

و في مجمع البيان‏ (5): أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏. قيل: إنّ معنى‏ قَدَمَ صِدْقٍ‏: شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و هو المرويّ عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-.

و قيل‏ (6): هو تقديم اللَّه إيّاهم في البعث يوم القيامة.

____________

النسخ: المال.

(1) أنوار التنزيل 1/ 439.

(2) الكافي 1/ 422، ح 50.

(3) تفسير القميّ 1/ 308.

(4) الكافي 8/ 364، ح 554.

(5) المجمع 3/ 89.

(6) نفس المصدر و الموضع.

28

أقول: ما روي من أنّها ولاية أمير المؤمنين، أو هو رسول اللَّه، أو شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، أو قيل: هو تقديم اللَّه إيّاهم في البعث يوم القيامّة، مرجعه إلى شي‏ء واحد. فإنّ شفاعة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمن له الولاية، و من له الولاية هو الّذي يقدّمه اللَّه في البعث.

قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا، يعنون: الكتاب و ما جاء به رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

لَساحِرٌ مُبِينٌ‏ (2).

و قرأ (1) ابن كثير و الكوفيّون: «لساحر»، على أنّ الإشارة إلى الرّسول. و فيه اعتراف بأنّهم صادفوا من الرّسول أمورا خارقة للعادة، معجزة إيّاهم عن المعارضة.

و قرئ‏ (2): «ما هذا إلّا سحر مبين».

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏: الّتي هي أصول الممكنات.

فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: يقدّر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته و سبقت به كلمته، و يهيّ‏ء بتحريكه أسبابها و ينزلها منه.

و «التّدبير» النّظر في أدبار الأمور، لتجي‏ء محمودة العاقبة.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن الصّباح بن سيابة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏:

إنّ اللَّه خلق السّنة اثني عشر شهرا، و هو ثلاثمائة و ستّون يوما، فحجز (4) منها ستّة أيّام خلق فيها السّموات و الأرض. في ستّة أيّام‏ (5) فمن ثمّ تقاصرت الشّهور.

عن أبي جعفر (6)، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏ إنّ اللَّه خلق السّموات و الأرض في ستّة أيّام، فالسّنة تنقص ستّة أيّام.

عن جابر (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (صلوات اللّه و سلامه عليه)-: إنّ اللَّه- جلّ ذكره و تقدّست أسماؤه- خلق الأرض قبل السّماء، ثمّ استوى على العرش لتدبير الأمور.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 439.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير العياشي 2/ 120، ح 7.

(4) المصدر: فخرج.

(5) ليس في ب: في ستة أيام.

(6) نفس المصدر و الموضع، ح 6.

(7) نفس المصدر و الموضع، ح 8.

29

و في كتاب التّوحيد (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل.

و فيه قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏.

يقول: على الملك احتوى.

و فيه‏ (2)، خطبة- أيضا- للرّضا- (عليه السلام)-. و فيها: مدبّر لا بحركة.

و بإسناده‏ (3) إلى أنس: عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-، عن جبرئيل- (عليه السلام)-، عن اللَّه- تعالى- حديث طويل. و فيه: و أنّ من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه، لئلّا يدخله العجب فيفسده ذلك. و أنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالفقر، و لو أغنيته لأفسده‏ (4). و أنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالغنى، و لو أفقرته لأفسده ذلك. و أنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه [إلّا بالسّقم، و لو صححت جسمه لأفسده ذلك. و أنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه‏] (5) إلا بالصّحّة، و لو أسقمته لأفسده ذلك. إنّي أدبّر من عبادي لعلمي بقلوبهم، فإنّي عليم خبير.

ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ‏: تقرير لعظمته و عزّ جلاله، و ردّ على من زعم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند اللَّه. و فيه إثبات الشّفاعة لمن إذنه له.

ذلِكُمُ اللَّهُ‏، أي: الموصوف بتلك الصّفات المقتضية للألوهيّة و الرّبوبيّة.

رَبَّكُمُ‏: لا غير. إذ لا يشاركه أحد في شي‏ء من ذلك.

فَاعْبُدُوهُ‏: وحّدوه بالعبادة.

أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ (3): تتفكّرون أدنى تفكّر، فينبّهكم على أنّه المستحقّ للرّبوبيّة و العبادة، لا ما تعبدونه.

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً: بالموت أو النّشور، لا إلى غيره، فاستعدّوا للقائه.

وَعْدَ اللَّهِ‏: مصدر مؤكّد لنفسه. لأنّ قوله: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ» وعد من اللَّه.

حَقًّا: مصدر آخر مؤكّد لغيره، و هو ما دلّ عليه «وعد اللَّه».

إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: بعد بدئه و إهلاكه.

____________

(1) التوحيد/ 321، ح 1.

(2) نفس المصدر/ 37.

(3) نفس المصدر/ 398، ح 1.

(4) ليس في أ، ب، ر: لأفسده.

(5) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

30

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ، أي، بعدله.

أو بعدالتهم، و قيامهم على العدل في أمورهم.

أو بإيمانهم، لأنّه العدل القويم، كما أنّ الشّرك ظلم عظيم. و هو الأوجه، لمقابلة قوله: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ‏ (4): فإنّ معناه: ليجزي الّذين كفروا بشراب من حميم و عذاب أليم بسبب كفرهم. لكنّه غير النّظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب، و التّنبيه على أنّ المقصود بالذّات من الإبداء و الإعادة هو الإثابة، و العقاب واقع بالعرض. و أنّه- تعالى- يتولّى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه و كرمه و لذلك لم يعيّنه، و أمّا عقاب الكفره فكأنّه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم و شؤم أفعالهم.

و الآية كالتّعليل لقوله: «مرجعكم جميعا». فإنّه لمّا كان المقصود من الإعادة مجازاة اللَّه المكلّفين على أعمالهم، كان مرجع الجميع إليه لا محالة. و يؤيّده قراءة من قرأ:

«أنّه يبدأ» بالفتح، أي: لأنّه. و يجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا بما نصب «وعد اللَّه» حقّاً».

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، أي: ذات ضياء. و هو مصدر، كقيام. أو جمع ضوء، كسياط و سوط. و الياء فيه منقلبة عن الواو.

و عن ابن كثير (1) برواية قنبل: «ضئاءا» بهمزتين في كلّ القرآن، على القلب بتقديم اللّام على العين.

وَ الْقَمَرَ نُوراً، أي: ذات نور. و سمّي «نورا» للمبالغة. و هو أعمّ من الضّوء، كما عرفت.

و قيل‏ (2): ما بالذّات ضوء (3)، و ما بالعرض نور.

و قد نبّه- سبحانه- بذلك على أنّه خلق الشّمس نيّرة بذاتها و القمر نيّرا بعرض، مقابلة الشّمس و الاكتساب منها.

و في روضة الكافي‏ (4): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: فضرب [اللَّه‏] (5) مثل‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 440.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: منورة.

(4) الكافي 8/ 379، ح 574.

(5) من المصدر.

31

محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- الشّمس، و مثل الوصي القمر. و هو قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (1): حدّثنا محمّد [بن‏] (2) موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللَّه الكوفيّ، عن موسى بن عمران النّخعيّ، عن عمّه، الحسين بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم قال: حدّثنا أبو نعيم البلخيّ، عن مقاتل بن حيان‏ (3)، عن عبد الرّحمن بن ذرّ (4)، عن أبي ذرّ الغفاريّ- (رحمه اللّه)- قال‏: كنت آخذا بيد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نحن نتماشى جميعا، فما زلنا (5) ننظر إلى الشّمس حتّى غابت.

فقلت: يا رسول اللَّه، أين تغيب؟

قال: في السّماء. ثمّ ترفع من السّماء السّابعة (6) حتّى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها. ثمّ تقول: يا ربّ، من أين تأمرين أن أطلع، أمن مغربي أم من مطلعي؟ فذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏، يعني بذلك: صنع الرّبّ العزيز في ملكه [العليم‏] (7) بخلقه.

قال: فيأتيها جبرئيل- (عليه السلام)- بحلّة ضوء من نور العرش على مقادير ساعات النّهار في طوله في الصّيف و في قصره في الشّتاء، أو ما بين ذلك في الخريف و الرّبيع.

قال: فتلبس تلك الحلّة، كما يلبس أحدكم ثيابه، ثمّ تنطلق بها في جوّ السّماء حتّى تطلع من مطلعها.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فكأنّي بها قد حبست مقدار ثلاث ليال ثمّ لا تكسى ضوءا، و تؤمر أن تطلع من مغربها (8). فذلك قوله- عزّ و جلّ-: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ‏. و القمر كذلك مطلعه و مجراه في أفق السّماء و مغربه‏

____________

(1) التوحيد/ 280، ح 7.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: مقاتل بن جنان.

(4) المصدر: عبد الرحمن بن أبي ذرّ.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: فجاز لنا.

(6) المصدر: «ثم ترفع من سماء إلى سماء حتّى ترفع إلى السماء السابعة العليا» بدل «ثمّ ترفع من السماء السابعة».

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في المتن: مطلعها.

32

و ارتفاعه إلى السّماء السّابعة، و يسجد تحت العرش. ثمّ يأتيه جبرئيل- (عليه السلام)- بالحلّة من نور الكرسيّ، فذلك قوله- عزّ و جلّ-: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً.

وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ‏:

الضّمير لكلّ واحد، أي: قدّر مسير كلّ واحد منهما منازل، أو قدّره ذا منازل، أو للقمر.

و تخصيصه بالذّكر لسرعة سيره و معاينة منازله و إناطة أحكام الشّرع به، و لذلك علّله بقوله: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ‏: حساب الأوقات من الأشهر و الأيّام‏ (1) في معاملاتكم و تصرّفاتكم.

ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ‏: إلا ملتبسا بالحقّ، مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة.

يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ (5): فإنّهم المنتفعون بالتّأمّل فيها.

و قرأ (2) ابن كثير و البصريّان و حفص: «يفصّل» بالياء.

إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: من أنواع الكائنات.

لَآياتٍ‏: على وجود الصّانع و وحدته و كمال علمه و قدرته.

لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ‏ (6): العواقب. فإنّه يحملهم على التّدبّر و التّفكر.

إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا: لا يتوقّعونه، لإنكارهم بالبعث و ذهولهم بالمحسوسات عمّا وراءها.

وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا: من الآخرة، لغفلتهم عنها.

وَ اطْمَأَنُّوا بِها: و سكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها و زخارفها، أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها.

وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ‏ (7): لا يتفكّرون فيها، لانهماكهم فيما يضادّها.

و العطف، إمّا لتغاير الوصفين و التّنبيه على أنّ الوعيد على الجمع بين الذّهول عن الآيات رأسا و الانهماك في الشّهوات، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلا. و إمّا لتغاير

____________

(1) ب: من الأشهر و الأيام و الليالي.

(2) أنوار التنزيل 1/ 440.

33

الفريقين.

و المراد بالأوّلين: من أنكر البعث، و لم ير إلّا الحياة الدّنيا. و بالآخرين: من ألهاه حبّ العاجل عن التّأمّل في الآجل و الإعداد له.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال: «الآيات» أمير المؤمنين و الأئمّة- (عليهم السلام)-. و الدّليل على ذلك‏

قول أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: ما للّه آية أكبر منّي.

أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ (8): بما واطبوا عليه و تمرّنوا به من المعاصي.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ‏: بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدّي إلى الجنّة. أو لإدراك الحقائق، كما

قال- (عليه السلام)-: من عمل بما علم، ورثه اللَّه علم ما لم يعلم. أو لما يريدونه في الجنّة.

و مفهوم التّرتيب و إن دلّ على أنّ سبب الهداية هو الإيمان و العمل الصّالح، لكن دلّ منطوق قوله: «بإيمانهم» على استقلال الإيمان بالسّببيّة، و أنّ العمل، كالتّتمّة و الرّديف له.

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ: استئناف. أو خبر ثان. أو حال من الضّمير المنصوب على المعنى الأخير. و قوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏ (9): خبر. أو حال أخرى منه، أو من «الأنهار». أو متعلّق «بتجري»، أو «بيهدي».

و في كتاب التّوحيد (2): حدّثني عليّ بن عبد اللَّه الورّاق و محمد بن أحمد السّنانيّ‏ (3) و عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق- رضي اللَّه عنه- قالوا: حدّثنا أبو العبّاس، أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبد اللَّه بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه [عن‏] (4)، جعفر بن سليمان البصريّ‏ (5)، عن عبد اللَّه بن الفضل الهاشميّ قال‏: سألت أبا عبد اللَّه، جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 309.

(2) التوحيد/ 241، ح 1.

(3) كذا في المصدر و تنقيح المقال 2/ 71. و في النسخ: محمد بن علي السناني.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 152. و في النسخ: جعفر بن سليمان النضريّ.

34

فقال: إنّ اللَّه- تبارك و تعالى- يضلّ الظّالمين يوم القيامة عن دار كرامته، و يهدي أهل الإيمان و العمل الصّالح إلى جنّته، كما قال: وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ. و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله- فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏.

دَعْواهُمْ فِيها، أي: دعاؤهم.

سُبْحانَكَ اللَّهُمَ‏: الَّلهمّ، إنّا نسبّحك تسبيحا.

وَ تَحِيَّتُهُمْ‏: ما يحيّي بعضهم بعضا. أو تحية الملائكة إيّاهم.

فِيها سَلامٌ وَ آخِرُ دَعْواهُمْ‏: و آخر دعائهم.

أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (10): أي أن يقولوا ذلك.

و لعلّ المعنى: أنّهم إذا دخلوا الجنّة و عاينوا عظمة اللَّه و كبرياءه، مجّدوه و نعتوه بنعوت الجلال. ثمّ حيّاهم الملائكة بالسّلامة عن الآفات و الفوز بأصناف الكرامات، أو اللَّه- تعالى- فحمدوه و أثنوا عليه بصفات الكرام.

و «أن» هي المخفّفة من الثّقيلة. و قد قرئ بها، و بنصب الحمد.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (1)، بإسناده إلى الحسن بن عبد اللَّه: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، عن النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل في تفسير: سبحان اللَّه، و الحمد للّه، و لا إله إلّا اللَّه، و اللَّه أكبر.

و في آخره قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و إذا قال: الحمد للّه، أنعم اللَّه عليه نعم الدّنيا موصولا بنعم الآخرة. و هو الكلمة الّتي يقولها أهل الجنّة إذا دخلوها. و ينقطع الكلام الّذي يقولونه في الدّنيا ما خلا «الحمد [للّه‏] (2) و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-:

دَعْواهُمْ‏- إلى قوله- أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

سألته عن التّسبيح.

فقال: هو اسم من أسماء اللَّه، و دعوى أهل الجنّة.

و في روضة الكافي‏ (4)، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر الشّيعة و قربهم من اللَّه‏

____________

(1) العلل/ 251، ذيل ح 8.

(2) من المصدر.

(3) تفسير العياشي 2/ 120، ح 9.

(4) الكافي 8/ 366، ح 556.

35

- عزّ و جلّ-: أنتم أهل تحيّة اللَّه بسلامه.

عليّ بن إبراهيم‏ (1)، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: سئل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و نقل عنه حديثا طويلا. يقول فيه حاكيا حال أهل الجنّة: و إذا أراد المؤمن‏ (2) شيئا [أو اشتهى‏] (3)، إنّما دعواه فيها إذا أراد، أن يقول: سُبْحانَكَ اللَّهُمَ‏. فإذا قالها، تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به. و ذلك قول اللَّه- عزّ و جلّ-: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ‏، يعني: الخدّام.

قال: وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏، يعني بذلك: عند ما يقضون من لذّاتهم من الجماع و الطّعام و الشّراب، يحمدون اللَّه- عزّ و جلّ- عند فراغهم.

و فيها (4) خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- مسندة. و في آخرها: و الجنّة لأهلها مأوى، دعواهم فيها أحسن الدّعاء سُبْحانَكَ اللَّهُمَ‏ دعاؤهم‏ (5) المولى على ما آتاهم.

وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

و في مصباح الشّريعة (6): و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ أطيب شي‏ء في الجنّة و ألذّه حبّ اللَّه و الحبّ في اللَّه و الحمد للّه. قال اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏. و ذلك أنّهم إذا عاينوا لما في الجنّة من النّعيم، هاجت المحبّة في قلوبهم. فينادون عند ذلك: الحمد للّه ربّ العالمين.

و في مجمع البيان‏ (7): و قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ اللَّه- تعالى- منّ عليّ بفاتحة الكتاب- إلى قوله-: و الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ دعوى أهل الجنّة حين شكروا منه‏ (8) حسن الثّواب.

وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ: و لو يسرع إليهم.

اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ.

قيل‏ (9): وضع موضع تعجيلهم لهم بالخير، إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير، حتّى‏

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 100، ح 69.

(2) المصدر: المؤمنون.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 8/ 173، ح 193.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: دعائم.

(6) مصباح الشريعة/ 195.

(7) المجمع 1/ 31.

(8) المصدر: «للّه» بدل «منه».

(9) أنوار التنزيل 1/ 441.

36

كأنّ استعجالهم به تعجيله لهم. أو بأنّ المراد: شر استعجلوه، كقولهم: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. و تقدير الكلام: و لو يعجّل اللَّه للنّاس الشّرّ تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالا، كاستعجالهم بالخير. فحذف منه ما حذف، لدلالة الباقي عليه.

لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏: لأميتوا و اهلكوا.

و قرأ (1) ابن عامر و يعقوب: «لقضي» على البناء للفاعل، و هو اللَّه- تعالى-.

و قرئ‏ (2): «لقضينا».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قال: لو عجّل اللَّه الشّرّ، كما يستعجلون الخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏، أي: فرغ من أجلهم.

فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏ (11): عطف على فعل محذوف دلّت عليه الشّرطيّة، كأنّه قيل: و لكن لا نعجّل و لا نقضي، فنذرهم إمهالا لهم و استدراجا.

وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا: لإزالته مخلصا فيه.

لِجَنْبِهِ‏: ملقى لجنبه، أي: مضطجعا.

أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً.

و فائدة التّرديد تعميم الدّعاء لجميع الأحوال، أو الأصناف المضارّ.

فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ: مضى على طريقه و استمرّ على كفره. أو مرّ عن موقف الدّعاء لا يرجع إليه.

كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا»، كأنّه لم يدعنا. فخفّف و حذف ضمير الشّأن، كما قال:

و نحر مشرق اللّون كانّ ثدياه حقّان.

إِلى‏ ضُرٍّ مَسَّهُ‏: إلى كشف ضرّ.

كَذلِكَ‏، أي: مثل ذلك التّزيين.

زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ (12): من الانهماك في الشّهوات و الإعراض عن العبادات.

وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏: يا أهل مكّة.

____________

1 و 2- نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 1/ 309.

37

لَمَّا ظَلَمُوا: حين ظلموا بالتّكذيب.

وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ‏: بالحجج الدّالة على صدقهم. و هو حال من الواو بإضمار «قد»، أو عطف على «ظلموا».

وَ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا: و ما استقام لهم أن يؤمنوا، لفساد استعدادهم و خذلان اللَّه لهم و علمه بأنّهم يموتون على كفرهم.

و «اللّام» لتأكيد النّفي.

كَذلِكَ‏، مثل ذلك الجزاء. و هو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرّسل و إصرارهم عليه، بحيث تحقّق أنّه لا فائدة في إمهالهم.

نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ‏ (13): كلّ مجرم، أو مجزيكم. فوضع المظهر موضع المضمر، للدّلالة على كمال جرمهم و أنّهم أعلام فيه.

ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ‏: استخلفناكم فيها بعد القرون الّتي أهلكناها استخلاف من يختبر.

لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‏ (14): أ تعملون خيرا أو شرّا، فنعاملكم على مقتضى أعمالكم.

و «كيف» معمول «تعملون» فإنّ معنى الاستفهام يحجب أن يعمل فيه ما قبله. و فائدته الدّلالة على أنّ المعتبر في الجزاء جهات الأفعال و كيفيّاتها، لا هي من حديث ذاتها، و لذلك يحسن الفعل تارة و يقبح أخرى. و فيه دلالة على أنّ للفعل جهة محسّنة و جهة مقبّحة يؤمر به أو ينهى عنه لها.

وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا، يعني:

المشركين.

ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا: بكتاب آخر ليس فيه ما نستبعده من البعث و الثّواب و العقاب بعد الموت، أو ما نكرهه من معايب آلهتنا.

أَوْ بَدِّلْهُ‏: بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى. و لعلّهم سألوا ذلك، كي يسعفهم إليه فيلزموه.

قُلْ ما يَكُونُ لِي‏: ما يصحّ لي.

أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي‏: من قبل نفسي. و هو مصدر استعمل ظرفا. و إنّما اكتفى بالجواب عن التّبديل، لإستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر.

38

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قول اللَّه: وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ‏- إلى قوله- مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي‏: قالوا: بدّل مكان عليّ- (عليه السلام)- أبو بكر أو عمر، اتّبعناه.

و في أصول الكافيّ‏ (2): عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن الحسين، عن عمر بن يزيد، عن محمّد بن جمهور، عن محمّد بن سنان، عن مفضّل بن عمر قال‏:

سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- تعالى-: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ‏.

قال: قالوا: أو بدّل عليّا.

إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي السّفاتج، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله اللَّه- عزّ و جلّ-: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ‏، يعني: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (صلوات اللّه عليه)-.

و قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ‏ تعليل لما يكون، فإنّ المتّبع لغيره في أمر لا يستبدّ بالتّصرّف فيه بوجه، و جواب للنّقض بنسخ بعض الآيات ببعض، و ردّ لما عرّضوا له بهذا السّؤال من أنّ القرآن كلامه و اختراعه. و لذلك قيّد التّبديل في الجواب و سمّاه عصيانا، فقال: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي‏، أي: بالتّبديل.

عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (15): و فيه إيماء بأنّهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

ما ترك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)(5)-: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ حتّى نزلت سورة الفتح، فلم يعد إلى ذلك الكلام.

قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ‏: غير ذلك.

ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ‏: و لا أعلمكم به على لساني.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 120، ح 10.

(2) الكافي 1/ 419، ح 317.

(3) تفسير القمّي 1/ 310.

(4) تفسير العياشي 2/ 120، ح 12.

(5) المصدر: «لم يزل رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- يقول» بدل «ما ترك رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

39

و عن ابن كثير (1): «و لأدراكم» بلام التّأكيد، أي: لو شاء اللَّه ما تلوته عليكم، و لأعلمكم به على لسان غيري. و المعنى: أنّه الحقّ الّذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به لأرسل به غيري.

و قرئ‏ (2): «و لا أدرأتكم» بالهمزة فيهما، على لغة من يقلب المبدّلة من الياء همزة. أو على أنّه من الدّرء، بمعنى: الدّفع، أي: و لا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال. و المعنى: أنّ الأمر بمشيئة اللَّه لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو ما تشتهونه. ثمّ قرّر ذلك بقوله: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً: مقدار عمر أربعين سنة.

مِنْ قَبْلِهِ‏: من قبل القرآن، لا أتلوه و لا أعلمه. فإنّه إشارة إلى أنّ القرآن معجز خارق للعادة. فإنّ من عاش بين أظهرهم أربعين سنة، و لم يمارس فيها علما و لم يشاهد عالما و لم ينشئ قريضا و لا خطبة، ثمّ قرأ عليهم كتابا بزّت‏ (3) فصاحته كلّ منطيق و علا كلّ منثور و منظوم و احتوى على قواعد علمي الأصول و الفروع و أعرب عن أقاصيص الأوّلين و أحاديث الآخرين على ما هي عليه، علم أنّه معلّم من اللَّه.

أَ فَلا تَعْقِلُونَ‏ (16)»، أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتّدبّر و التّفكّر، لتعلموا أنّه ليس إلّا من اللَّه.

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً: تفاد ممّا أضافوه إليه كناية أو تظليم للمشركين بافترائهم على اللَّه في قولهم: إنّه لذو شريك و ذو ولد.

أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ‏: فكفر بها.

إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ‏ (17) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ‏: لأنّه جماد لا يقدر على نفع و لا ضرّ. و المعبود ينبغي أن يكون مثيبا و معاقبا، حتّى يعود عليه بجلب نفع أو دفع ضرر.

وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ: الأوثان.

شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ‏: تشفع لنا فيما يهمّنا من أمر الدّنيا أو في الآخرة إن يكن بعث، و كأنّهم كانوا شاكّين فيه.

و هذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضّار النّافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنّه لا يضرّ و لا ينفع، على توهّم أنّه ربّما يشفع لهم عنده.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 442.

(3) بزّ: غلب.

40

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏- إلى قوله- عِنْدَ اللَّهِ‏.

قال: كانت قريش يعبدون الأصنام، و يقولون: إنّما نعبدهم ليقرّبونا إلى اللَّه زلفى، فإنّا لا نقدر على عبادة اللَّه.

فردّ اللَّه عليهم، فقال: قل لهم، يا محمّد: أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ‏، أي:

ليس. فوضع حرفا مكان حرف، أي: ليس له شريك يعبد.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن الزّهريّ قال‏: أتى رجل أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- فسأله عن شي‏ء، فلم يجبه.

فقال له الرّجل: فإن كنت ابن أبيك، فأنت من أبناء عبدة الأصنام.

فقال له: كذبت. إنّ اللَّه أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكّة، ففعل. فقال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ. (3) فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنما قطّ، لكنّ العرب عبدة الأصنام. و قالت بنو إسماعيل: «هؤلاء شفعاؤنا [عند اللَّه‏] (4)» و كفرت و لم تعبد الأصنام.

قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ‏: أ تخبرونه.

بِما لا يَعْلَمُ‏: و هو أنّ له شريكا، و فيه تقريع و تهكّم بهم. أو هؤلاء شفعاؤنا عنده. و ما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات، لا يكون له تحقّق ما.

فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ‏: حال من العائد المحذوف، مؤكّدة للنّفي، منبّهه على أنّ ما يعبدونه من اللَّه إمّا سماويّ أو أرضيّ. و لا شي‏ء من الموجودات فيهما إلّا و هو حادث مقهور مثلهم، لا يليق أن يشرك به.

سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (18): عن إشراكهم، أو عن الشّركاء الّذين يشركونهم به.

و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ هنا و في الموضعين في أوّل النّحل و الرّوم، بالتاء.

وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً، يعني: قبل بعث نوح- (عليه السلام)- كانوا

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 310.

(2) تفسير العياشي 2/ 230، ح 31.

(3) ابراهيم/ 35.

(4) من المصدر.

(5) أنوار التنزيل 1/ 443.

41

على الفطرة لا مهتدين و لا ضلّالا، كما مضي بيانه.

فَاخْتَلَفُوا: باتّباع الهوى و الأباطيل أو ببعثة الرّسل، فتبعتهم طائفة و أصرّت أخرى.

وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ‏: بتأخير الحكم بينهم. أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة، فإنّه يوم الفصل و الجزاء.

لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏: عاجلا.

فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏ (19): بإهلاك المبطل و إبقاء المحقّ. و لكنّ الحكمة أوجبت أن تكون هذه الدّار للتّكليف و الاجتناب، و تلك للثّواب و العقاب.

وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ‏: أي: من الآيات الّتي اقترحوها.

فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ‏: هو المختصّ بعلمه. فلعلّه يعلم في إنزال الآيات المقترحة مفاسد تصرف عن إنزالها.

فَانْتَظِرُوا: لنزول ما اقترحتموه.

إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (20): لما يفعل اللَّه بكم، بجحودكم ما نزل من الآيات العظام و اقتراحكم غيره.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل: عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: سألته عن شي‏ء من الفرج.

قال: أليس انتظار الفرج من الفرج‏ (2). إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- قال‏ (3): فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏.

و بإسناده‏ (4) إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال الرّضا- (عليه السلام)-:

ما أحسن الصّبر و انتظار الفرج. أما سمعت قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ‏. و قوله- عزّ و جلّ-: فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏. فعليكم بالصّبر، فإنّه إنّما يجي‏ء الفرج على اليأس. فقد كان الّذي من قبلكم أصبر منكم.

وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً: صحّة و سعة.

____________

(1) كمال الدين 645، ح 4.

(2) ليس في المصدر: أليس انتظار الفرج من الفرج.

(3) المصدر: يقول.

(4) نفس المصدر و الصفحة، ح 5.

42

مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ‏»، كقحط و مرض.

إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا: بالطّعن فيها و الاحتيال في دفعها.

قيل‏ (1): قحط أهل مكّة سبع سنين، حتّى كادوا يهلكون. ثمّ رحمهم بالمطّر، فطفقوا يقدحون في آيات اللَّه و يكيدون رسوله.

قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً: منكم، قد دبّر عقابكم قبل أن تدبّروا كيدكم. و إنّما دلّ على سرعتهم المفضّل عليها كلمة المفاجأة الواقعة جوابا «لإذا» الشّرطيّة.

فالمكر إخفاء الكيد. و هو من اللَّه إمّا الاستدراج، أو الجزاء على المكر.

إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ‏ (21): تحقيق للانتقام، و تنبيه على أنّ ما دبّروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلا عن أن يخفى على اللَّه.

و عن يعقوب‏ (2): «يمكرون» بالياء، ليوافق ما قبله.

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ‏: يحملكم على السّير، و يمكّنكم منه.

فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ‏: في السّفن.

وَ جَرَيْنَ بِهِمْ‏: بمن فيها.

عدل عن الخطاب إلى الغيبة، للمبالغة، كأنّه تذكرة لغيرهم ليتعجبّ من حالهم و ينكر عليهم.

بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ: لينة الهبوب.

وَ فَرِحُوا بِها: بتلك الرّيح.

جاءَتْها: جواب «إذا». و الضّمير «للفلك» أو «للرّيح الطّيّبة»، بمعنى:

تلقّتها.

رِيحٌ عاصِفٌ‏: شديدة الهبوب.

وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏: يجي‏ء الموج منه.

وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ‏: اهلكوا و سدّت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط به العدوّ.

دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏: من غير إشراك، لتراجع الفطرة و زوال المعارض من شدّة الخوف. و هو بدل من «ظنّوا» بدل اشتمال، لأنّ دعاءهم من لوازم‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 443.

(2) أنوار التنزيل 1/ 444.

43

ظنّهم.

لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏ (22): على إرادة القول. أو مفعول «دعوا» لأنّه من جملة القول.

فَلَمَّا أَنْجاهُمْ‏: إجابة لدعائهم.

إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ‏: فاجئوا الفساد فيها و سارعوا إلى ما كانوا عليه.

بِغَيْرِ الْحَقِ‏: مبطلين فيه. و هو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة و إحراق زروعهم و قلع أشجارهم، فإنّها إفساد بحقّ.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أسباط و محمّد بن أحمد، عن موسى بن القاسم البجليّ [عن علي بن أسباط] (2)، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: فإن اضطرب بك البحر، فاتّكِ على جانبك الأيمن و قل: بسم اللَّه، اسكن بسكينة اللَّه، و قرّ بوقار اللَّه، و اهدأ بإذن اللَّه، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏: فإنّ وباله عليكم. أو إنّه على أمثالكم و أبناء جنسكم.

مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا: لا تبقى، و يبقى عقابها.

و رفعه، على أنّه خبر «بغيكم»، و «على أنفسكم» صلته. أو خبر محذوف، تقديره: ذلك متاع الحياة الدّنيا، و «على أنفسكم» خبر «بغيكم».

و نصبه‏ (3) حفص، على أنّه مصدر مؤكّد، أي: تتمتّعون متاع الحياة الدّنيا. أو مفعول البغي، لأنّه بمعنى الطّلب، فيكون الجارّ من صلته، و الخبر محذوف، تقديره:

بغيكم متاع الحياة الدّنيا محذور أو ضلال. أو مفعول فعل دلّ عليه البغي، و «على أنفسكم» خبره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في كتابه الّذي كتبه إلى شيعته، و يذكر خروج عائشة [إلى البصرة و عظّم خطأ طلحة و الزبير فقال: و أيّ خطيئة أعظم ممّا أتيا، أخرجا زوجة رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (5) من بيتها: و كشفا

____________

(1) الكافي 3/ 471، ح 5.

(2) من المصدر.

(3) أنوار التنزيل 1/ 444.

(4) تفسير القمّي 2/ 210.

(5) من المصدر.

44

عنها حجابا ستره اللَّه عليها، و صانا حلائلهما في بيوتهما. ما أنصفا لا للّه و لا لرسوله من أنفسهما ثلاث خصال، مرجعها على النّاس في كتاب اللَّه: البغي و المكر و النّكث. قال اللَّه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏. و قال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ‏. و قال: وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏. و قد بغيا علينا، و نكثا بيعتي، و مكرا بي.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن منصور بن يونس، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏:

ثلاث يرجعن على صاحبهنّ: النّكث و البغي و المكر. قال اللَّه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ‏.

ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ‏: في القيامة.

فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (23): بالجزاء عليه.

إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا: حالها العجيبة في سرعة تقضّيها و ذهاب نعيمها، بعد إقبالها و اغترار النّاس بها.

كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ‏: فاشتبك بسببه، حتّى خالط بعضها بعضا.

مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ‏: من الزّروع و البقول و الحشيش.

حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ‏: بأصناف النّبات و أشكالها و ألوانها المختلفة، كعروس أخذت من ألوان الثّياب و التّزيّن، فتزيّنت بها.

و «ازّيّنت» أصله: تزيّنت، فأدغم.

و قد قرئ‏ (2) على الأصل: «و ازينت». على «أفعلت» من غير إعلال، كأغيلت. و المعنى: صارت ذات زينة. و «ازيانت»، كابياضت.

وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها: متمكّنون من حصدها و دفع غلّتها.

أَتاها أَمْرُنا: ضرب زرعها ما يجتاحه.

لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها: زرعها.

حَصِيداً: شبيها بما حصد من أصله.

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 121، ح 13.

(2) أنوار التنزيل 1/ 444.

45

كَأَنْ لَمْ تَغْنَ‏: كأن لم يغن زرعها، أي: لم يلبث. فالمضاف محذوف في الموضعين، للمبالغة.

و قرئ‏ (1)، بالياء، على الأصل.

بِالْأَمْسِ‏: فيما قبله. و هو مثل في الوقت القريب. و الممثّل به مضمون الحكاية، و هو زوال خضرة النّبات فجأة و ذهابه حطاما بعد ما كان غضّا و التفّ و زيّن الأرض حتّى طمع فيه أهله و ظنّوا أنّه قد سلم من الجوائح لا الماء، و إن وليه حرف التّشبيه. لأنّه من التّشبيه المركّب.

كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (24): فإنّهم المنتفعون به.

و في روضة الكافي‏ (2)، كلام لعليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- في الوعظ و الزّهد في الدّنيا. يقول فيه- (عليه السلام)-: فازهدوا فيما زهّدكم- عزّ و جلّ- فيه من عاجل الدّنيا.

فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول و قوله الحقّ: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا (إلى آخر الآية). فكونوا عباد اللَّه من القوم الّذين يتفكّرون.

و فيها (3) خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. و فيها: فاجعلوا عبادة اللَّه‏ (4) اجتهادكم في هذه‏ (5)، التّزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطّويل، فإنّها دار عمل و الآخرة دار القرار و الجزاء. فتجافوا عنها، فإنّ المغترّ من اغترّ بها. لن تعدو الدّنيا إذا تناهت إليه أمنية أهل الرّغبة فيها، المحبّين لها، المطمئنّين إليها، المفتونين بها أن تكون، كما قال اللَّه- عزّ و جلّ-: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبيه، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: جعلت فداك، بلغنا أنّ لآل جعفر راية و لآل العبّاس رايتين. فهل انتهى إليك من علم ذلك شي‏ء؟

قال: أمّا آل جعفر، فليس بشي‏ء و لا إلى شي‏ء. و أمّا آل العبّاس، فإنّ لهم ملكا مبطئا، يقرّبون فيه البعيد و يبعّدون فيه القريب، و سلطانهم عسر ليس فيه‏ (7) يسر، حتّى‏

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 445.

(2) الكافي 8/ 75، ح 29.

(3) نفس المصدر و المجلّد/ 174، ح 194.

(4) المصدر: عباد اللَّه.

(5) المصدر: في هذه الدنيا.

(6) تفسير القمّي 1/ 310.

(7) ليس في المصدر.

46

إذا أمنوا مكر اللَّه و أمنوا عقابه صيح فيهم صيحة لا يبقى لهم منال يجمعهم و لا آذان تسمعهم. و هو قول اللَّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ‏ (الآية).

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (2): حدّثنا أبو الحسن، عليّ بن موسى بن إبراهيم بن محمّد بن عبد اللَّه [بن موسى‏] (3) بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- (عليهم السلام)- قال‏: وجدت في كتاب أبي- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن الطّوّال، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ الطّبرسي، عن أبي جعفر، محمّد [بن الحسن‏] (4) بن عليّ بن إبراهيم بن مهزيار قال: سمعت أبي يقول: سمعت جدّي عليّ بن إبراهيم [بن مهزيار] (5) يقول: قال لي صاحب الزّمان- (صلوات اللّه عليه)-: يا بن مهزيار، كيف خلّفت إخوانك في العراق؟

قلت: في ضنك عيش و هناة (6) و قد تواترت عليهم سيوف بني الشيصبان‏ (7).

فقال: قاتلهم اللَّه، أنّى يؤفكون، كأنّي بالقوم قد قتلوا في ديارهم، و أخذهم أمر ربّهم ليلا و نهارا.

قلت: متّى يكون ذلك، يا بن رسول اللَّه؟

قال: إذا حيل بينكم و بين سبل الكعبة بأقوام لا خلاق لهم، و اللَّه و رسوله منهم براء، و ظهرت الحمرة في السّماء فيها أعمدة، كأعمدة اللّجين تتلألأ نورا (8)، و يخرج الشروسي‏ (9) من إرمنية و آذربيجان يريدون الجبل الأسود المتلاحم بالجبل الأحمر لزيق جبال طالقان. فيكون بينه و بين المروزيّ وقعة صيلمانية (10)، يشبّ فيها الصّغير و يهرم منها الكبير، و يظهر القتل بينهما، فعندها توقّعوا خروجه إلى الزّوراء. فلا يلبث فيها، حتّى‏

____________

(1) المصدر: «و لا (رجال تمنعهم ك) و هو قول اللَّه» بدل «و لا اذان تسمعهم و هو قول اللَّه».

(2) كمال الدين/ 465- 470، ح 23.

(3) من المصدر.

4 و 5- من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: هذا. و الهناة:

الداهية.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: «بني الشيطان» بدل «سيوف بني الشيصبان» و هو كناية عن بني العبّاس.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يتلألأ الألوان.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «و يسير» بدل «الشروسي».

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: صلبانية.

و الصيلم: الأمر الشديد. وقعة صيلمة: مستأصلة.

47

يوافي باهات‏ (1). ثمّ يوافي واسط العراق فيقيم بها سنة أو دونها. ثمّ يخرج إلى كوفان، فتكون بينهم [وقعة من النجف إلى الحيرة إلى الغرىّ‏] (2) وقعة شديدة تذهل منها العقول، فعندها يكون‏ (3) بوار الفئتين‏ (4) و على اللَّه حصاد الباقين. ثمّ تلا: «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ‏.

فقلت: سيّدي يا ابن رسول اللَّه، فما الأمر؟

قال: نحن أمر اللَّه- عزّ و جلّ- و جنوده.

قلت: سيّدي يا ابن رسول اللَّه، حان‏ (5) الوقت؟

قال: و اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ‏ قيل‏ (6): أي: دار السّلامة من التّقضّي و الآفة. أو دار يسلّم اللَّه و الملائكة على من يدخلها.

و في كتاب معاني الأخبار (7)، بإسناده إلى العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- في هذه الآية يقول: إنّ السّلام هو اللَّه- عزّ و جلّ-. و داره الّتي خلق لعباده و لأولياءه‏ (8)، الجنّة.

و بإسناده‏ (9) إلى عبد اللَّه بن الفضل‏ (10) الهاشميّ، عن أبي عبد اللَّه حديث طويل.

يقول فيه- (عليه السلام)-: اسم من أسماء اللَّه- عزّ و جلّ-.

وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: بالتّوفيق.

إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (25): الّذي هو طريقها.

و في شرح الآيات الباهرة (11): روى الحسين بن جبير في كتابه، نخب المناقب،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: بأهاب. و في نور الثقلين 2/ 300، ح 41 «ماهان» بدل «باهات».

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: يوكون.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: بوار الفشي.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: حال.

(6) المجمع 3/ 130، و أنوار التنزيل 1/ 445.

(7) المعاني/ 176، ح 1.

(8) المصدر: و داره الّتي خلقها لأولياءه.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) أ، ب: عبد اللَّه بن الفضيل.

(11) تأويل الآيات الظاهرة 1/ 214.

48

بإسناده حدّثنا، يرفعه إلى عبد اللَّه بن العبّاس و زيد بن عليّ‏ في قوله: وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ‏، يعني به: الجنّة. وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ قال: يعني: ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: فأخبر اللَّه- تبارك و تعالى- أوّل من دعا إلى نفسه و دعا إلى طاعته و اتّباع أمره، فبدأ بنفسه فقال: وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏.

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏: المثوبة الحسنى.

وَ زِيادَةٌ: و ما يزيد على المثوبة تفضّلا، لقوله: وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏.

و قيل‏ (2): «الحسنى» الجنّة، مثل حسناتهم و الزّيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف و أكثر.

و قيل‏ (3): «الزّيادة» مغفرة من اللَّه و رضوان.

و قيل‏ (4): «الحسنى» الجنّة. و «الزّيادة» هو اللّقاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ.

قال: النّظر إلى رحمة اللَّه- تعالى-.

و في رواية أبي الجارود (6)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ.

قال: أمّا الحسنى، فالجنّة. و أمّا الزّيادة، فالدّنيا. ما أعطاهم اللَّه في الدّنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، و يجمع لهم ثواب الدّنيا و الآخرة.

و في مجمع البيان‏ (7): لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ ذكر في ذلك وجوه.

إلى قوله: و ثالثها، أنّ الزّيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب. عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

____________

(1) الكافي 5/ 13، ح 1.

2 و 3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 445.

5 و 6- تفسير القمّي 1/ 311.

(7) المجمع 3/ 104.

49

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)- (قدّس سرّه)-، بإسناده إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. يقول فيه- (عليه السلام)-: قال اللَّه- تعالى-: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ [و «الحسنى»] (2) هي الجنّة. و «الزّيادة» هي الدّنيا.

وَ لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ‏: لا يغشاها.

قَتَرٌ: غبرة فيها سواد.

وَ لا ذِلَّةٌ: هوان.

و المعنى: لا يرهقهم ما يرهق أهل النّار، و لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن و سوء حال.

و في أصول الكافي‏ (3): الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن ميمون القدّاح قال: قال لي أبو جعفر- (عليه السلام)-: اقرأ.

قلت: من أيّ شي‏ء أقرأ؟

قال: من السّورة التّاسعة (4).

قال: قلت: فجعلت ألتمسها.

فقال: اقرأ من سورة يونس.

قال: فقرأت: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَ زِيادَةٌ وَ لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لا ذِلَّةٌ.

قال: حسبك.

قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّي لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن.

عليّ بن إبراهيم‏ (5)، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن [منصور بن‏] (6) يونس، عن محمّد بن مروان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: ما من شي‏ء إلّا و له كيل و وزن إلّا الدّموع، فإنّ القطرة تطفئ بحارا من نار. فإذا اغرورقت العين بمائها، لم يرهق وجها قتر و لا ذلّة. فإذا فاضت، حرّمه اللَّه على النّار. و لو أنّ باكيا [بكى‏] (7) في أمّة، لرحموا.

____________

(1) أمالي الطوسي 1/ 25.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 2/ 632، ح 19.

(4) في القرآن هي العاشرة.

(5) الكافي 2/ 481، ح 1.

(6) من المصدر.

(7) من المصدر.

50

عدّة من أصحابنا (1)، عن سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة و منصور بن يونس، عن محمّد بن مروان، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال في حديث طويل: و لا فاضت عين على خدّه فرهق ذلك الوجه قتر و لا ذلّة.

و في مجمع البيان‏ (2): و روى الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر الباقر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ما من عين ترقرقت‏ (3) بمائها، إلّا حرّم اللَّه ذلك الجسد على النّار، فإن فاضت من خشية اللَّه، لم يلحق‏ (4) ذلك الوجه قتر و لا ذلّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (5)، مثله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)-: «القتر» الجوع و الفقر. و «الذلّة» الخوف.

أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (26): دائمون لا زوال فيها و لا انقراض لنعيمها، بخلاف الدّنيا و زخارفها.

وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها: عطف على قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏، على مذهب من يجوّز: في الدّار زيد و الحجرة عمرو. أو الّذين مبتدأ و الخبر جَزاءُ سَيِّئَةٍ، على تقدير: و جزاء الّذين كسبوا السيّئات جزاء سيّئة بمثلها، أيّ: أن تجازى سيئة بسيّئة مثلها لا يزاد عليها.

و فيه تنبيه على أنّ الزّيادة هي الفضل، أو التّضعيف. أو كأنّما أغشيت وجوههم. أو «أولئك أصحاب النّار»، و ما بينهما اعتراض. «فجزاء سيّئة» مبتدأ، خبره محذوف، أي: جزاء سيّئة بمثلها واقع. أو بمثلها واقع. أو بمثلها، على زيادة الباء. أو تقديره: مقدّر بمثلها.

وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ.

و قرئ‏ (7)، بالياء.

____________

(1) نفس المصدر و المجلّد/ 482، ح 2.

(2) المجمع 3/ 104.

(3) في تفسير العياشي: ما من عبد اغرورقت بمائها.

(4) المصدر و تفسير العياشي: لم يرهق.

(5) تفسير العياشي 2/ 121، ح 15.

(6) تفسير القمّي 1/ 311.

(7) أنوار التنزيل 1/ 445.

51

ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ‏: ما من أحد يعصمهم من سخط اللَّه. أو من جهة اللَّه. أو من عنده، كما يكون للمؤمنين.

كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً: لفرط سوادها و ظلمتها.

و «مظلما» حال من «اللّيل»، و العامل فيه «أغشيت» لأنّه العامل في «قطعا». و هو موصوف بالجارّ و المجرور. فالعامل في الموصوف عامل في الصّفة، أو معنى الفعل في «من اللّيل».

و قرأ (1) ابن كثير و الكسائيّ و يعقوب: «قطعا» بالسّكون. و على هذا يصحّ أن يكون «مظلما» صفة له، أو حالا منه.

أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (27).

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: هؤلاء أهل البدع و الشّبهات و الشّهوات يسود وجوههم، ثمّ يلقونه. يقول اللَّه- تبارك و تعالى-: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [يسوّد اللَّه وجوههم يوم القيامة] (3) و يلبسهم الذّلّة و الصّغار. و يقول اللَّه- عزّ و جلّ-: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏.

و في روضة الكافي‏ (4): يحيى الحلبي، عن المثنّى، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً. أما ترى البيت إذ كان اللّيل، كان أشدّ سوادا من خارج؟ فكذلك هم يزدادون سوادا.

وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً، يعني: الفريقين.

ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ‏: الزموا مكانكم حتّى تنظروا ما يفعل بكم.

أَنْتُمْ‏: تأكيد للضّمير المنتقل إليه من عامله.

وَ شُرَكاؤُكُمْ‏: عطف عليه.

و قرئ‏ (5)، بالنّصب، على المفعول معه.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 1/ 311.

(3) من المصدر.

(4) الكافي 8/ 252، ح 355.

(5) أنوار التنزيل 1/ 446.

52

فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ‏: و قطعنا الوصل الّتي بينهم، و فرّقنا بينهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): يبعث اللَّه نارا تزيّل بين الكفّار و المؤمنين.

وَ قالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ‏ (28): مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم. فإنّهم إنّما عبدوا في الحقيقة أهواءهم، لأنّها الآمرة بالإشراك لا ما أشركوا به.

و قيل‏ (2): ينطق اللَّه الأصنام، فتشافههم بذلك مكان الشّفاعة الّتي توقّعوا منها.

و قيل‏ (3): المراد بالشّركاء: الملائكة المسيح.

و قيل‏ (4): الشّياطين.

فَكَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ‏: فإنّه العالم بكنه الحال.

إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ‏ (29):

«إن» هي المخفّفة عن الثّقيلة. و «اللّام» هي الفارقة.

هُنالِكَ‏: في ذلك المقام.

تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ‏: تختبر ما قدّمت من عمل، فتعاين نفعه و ضرّه.

و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ: «تتلوا» من التّلاوة، أي: تقرأ ذكر ما قدّمت. أو من التّلو، أي: تتبّع عمله، فيقوده إلى الجنّة أو إلى النّار.

و قرئ‏ (6): «نبلوا» بالنّون، و نصب «كلّ»، و إبدال «ما» منه. و المعنى:

نختبرها، أي: نفعل بها فعل المختبر لحالها، المعترّف لسعادتها و شقاوتها بتعرّف ما أسلفت من أعمالها.

و يجوز أن يراد: نصيب بالبلاء، أي: بالعذاب كلّ نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشّرّ. فتكون «ما» منصوبة بنزع الخافض.

وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ‏: إلى جزائه إيّاهم بما أسلفوا.

مَوْلاهُمُ الْحَقِ‏: ربّهم و متولّي أمرهم على الحقيقة، لا ما اتّخذوه مولى.

و قرئ‏ (7): «الحقّ» بالنّصب، على المدح أو المصدر المؤكّد.

وَ ضَلَّ عَنْهُمْ‏: و ضاع عنهم.

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 312.

(2) أنوار التنزيل 1/ 446.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) أنوار التنزيل 1/ 446.

53

ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (30): من أنّ آلهتهم تشفع لهم. أو ما كانوا يدّعون أنّها آلهة.

[و في نهج البلاغة (1): فكيف لو تناهت بكم الأمور و بعثرت القبور هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ، وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ، وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏] (2).

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏: منهما جميعا، فإنّ الأرزاق تحصل بأسباب سماويّة و موادّ أرضيّ. أو من كلّ واحد منهما، توسعة عليكم.

و قيل‏ (3) «من» لبيان «من» على حذف المضاف، أي: من أهل السّماء و الأرض.

أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ: أمّن يستطيع خلقهما و تسويتهما. أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتهما و سرعة انفعالهما من أدنى شي‏ء.

وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ‏: من يحيي و يميت.

أو من ينشئ الحيوان من النّطفة، و النّطفة منه.

وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: و من يلي تدبير أمر العالم. و هو تعميم بعد تخصيص.

فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ‏: إذ لا يقدرون على المكابرة و العناد في ذلك، لفرط وضوحه.

فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ‏ (31): أنفسكم عقابه، بإشراككم إيّاه ما لا يشاركه في شي‏ء من ذلك.

فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُ‏: المتولّي لهذه الأمور، المستحقّ للعبادة. هو ربّكم الثّابت ربوبيّته، لأنّه الّذي أنشأكم و أحياكم و رزقكم و دبّر أموركم.

فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ‏: استفهام إنكار، أي: ليس بعد الحقّ إلّا الضّلال. فمن تخطّى الحقّ الّذي هو عبادة اللَّه، وقع في الضّلال.

فَأَنَّى تُصْرَفُونَ‏ (32)»: عن الحقّ إلى الضّلال.

كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ‏»، أي: كما حقّت الرّبوبيّة للّه. أو أنّ الحقّ بعد الضّلال. أو أنّهم مصروفون عن الحقّ حقّت كلمة اللَّه و حكمه.

و قرأ (4) نافع و ابن عامر: «كلمات» هنا و في آخر السّورة، و في غافر.

____________

(1) نهج البلاغة/ 349، خطبة 226.

(2) ما بين المعقوفتين ليس في ب.

(3) أنوار التنزيل 1/ 446.

(4) المجمع 3/ 106.

54

عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا: تمرّدوا في كفرهم، و خرجوا عن حدّ الاستصلاح.

أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ (33): بدل من «الكلمة». أو تعليل لحقّيّتها، و المراد بها:

العدة بالعذاب.

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏: جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها، لظهور برهانها و إن لم يساعدوا عليها. و لذلك أمر الرّسول بأن ينوب عنهم في الجواب، فقال: قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏. لأنّ لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها.

فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ‏ (34): تصرفون عن قصد السّبيل.

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏: بنصب الحجج، و إرسال الرّسل، و التّوفيق للنّظر و التّدبّر.

و «هدى»، كما يعدّى «بإلى» لتضمّنه معنى الانتهاء، يعدّى باللّام، للدّلالة على أنّ المنتهى غاية الهداية، و لأنّها لم تتوجّه نحوه على سبيل الاتّفاق، و لذلك عدّي بها ما أسند إلى اللَّه.

قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي‏:

أم الّذي لا يهتدي. إِلَّا أَنْ يُهْدى‏. من قولهم: هدي بنفسه: إذا اهتدى. أو لا يهدي غيره إلّا أن يهديه اللَّه. و هذا حال أشراف شركائهم، كالملائكة و المسيح و عزير.

و قرأ (1) ابن كثير، و ورش عن نافع، و ابن عامر: «يهدّي» بفتح الهاء و تشديد الدّال. و يعقوب و حفص، بالكسر و التّشديد. و الأصل: يهتدي، فأدغم و فتحت الهاء بحركة التّاء، أو كسرت لالتقاء السّاكنين.

و روى‏ (2) أبو بكر «يهدّي» باتّباع الياء الهاء.

و قرأ (3) أبو عمرو، بالإدغام المجرّد، و لم يبال بالتقاء السّاكنين. لأنّ المدغم في حكم المتحرّك.

و عن نافع‏ (4) برواية قالون، مثله.

و قرئ‏ (5): «أن يهدى» على المبالغة.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 447.

2 و 3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) نفس المصدر و الموضع.

55

فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (35): بما يقتضي صريح العقل بطلانه.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال و الحجّال جميعا، عن ثعلبة، عن عبد الرّحمن بن مسلمة الجريريّ‏ (2) قال‏: قلت لأبي عبد اللَّه- (عليه السلام)-: يوبّخونا و يكذّبونا إنّا نقول: إنّ صيحتين تكونان. يقولون: من أين تعرف المحقّة من المبطلة إذا كانتا؟

قال: فما ذا تردّون عليهم؟

قلت: ما نردّ عليهم شيئا.

قال: قولوا: يصدّق بها إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: أَ فَمَنْ يَهْدِي‏- إلى قوله- كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏.

عنه‏ (3)، عن محمّد [عن‏] (4) ابن فضّال و الحجّال، عن داود بن فرقد قال‏: سمع رجل من العجليّة (5) هذا الحديث، قوله: ينادي مناد: ألا إنّ فلان بن فلان و شيعته هم الفائزون أوّل النّهار. و ينادي آخر النّهار: ألّا إن عثمان و شيعته هم الفائزون.

قال: و ينادي أوّل النّهار منادي آخر النّهار.

فقال الرّجل: فما يدرينا أيّما الصّادق من الكاذب؟

فقال: يصدّق عليها من كان يؤمن بها قبل أن ينادي. إنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول:

أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏ (الآية).

و في كشف المحجّة (6) لابن طاوس- (رحمه اللّه)-، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه يقول- (عليه السلام)-: اسمعوا قولي يهدكم اللَّه إذا قلت، و أطيعوا أمري إذا أمرت. فو اللَّه لئن أطعتموني، لا تغووا. و إن عصيتموني، لا ترشدوا. قال اللَّه- تعالى-: أَ فَمَنْ يَهْدِي‏ (الآية).

و في عيون الأخبار (7)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- في وصف الإمامة

____________

(1) بل الكافي 8/ 208، ح 252.

(2) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 454. و في النسخ: الجزيريّ.

(3) الكافي 8/ 209، ح 253.

(4) من المصدر.

(5) العجلية: قبيلة من ربيعة، و هو عجل بن لجيم بن صعب.

(6) كشف المحجة/ 187.

(7) العيون 1/ 174، ح 1.

56

و الإمام، و ذكر فضل الإمام و رتبته حديث طويل. يقول فيه الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ الأنبياء و الأئمّة يوفّقهم اللَّه و يؤتيهم من مخزون علمه و حكمه ما لا يؤتيه غيرهم. فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم في قوله- عزّ و جلّ-: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏ (الآية).

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏ (الآية): فأمّا من يهدي إلى الحقّ، فهم محمّد و آل محمّد من بعده. و أمّا من لا يهدي إلّا أن يهدى، فهو من خالف من قريش و غيرهم أهل بيته من بعده.

و في الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن عمرو بن عثمان‏ (3)، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: لقد قضى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- بقضيّة ما قضى بها أحد كان قبله. و كانت أوّل قضيّة قضى بها بعد رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذلك أنّه لمّا قبض رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أفضى الأمر إلى أبي بكر، أتي برجل قد شرب الخمر.

فقال له أبو بكر: أشربت الخمر؟

فقال الرّجل: نعم.

فقال: و لم شربتها و هي محرّمة؟

فقال: إنّي أسلمت و منزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر و يستحلّونها و لو أعلم أنّها حرام، اجتنبتها.

قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال: ما تقول، يا أبا حفص، في أمر هذا الرّجل؟

فقال: معظلة، و أبو الحسن لها.

فقال أبو بكر: يا غلام، ادع لنا عليّا.

فقال عمر: بل يؤتي الحكم في منزله.

فأتوه و معهم سلمان الفارسيّ- رضي اللَّه عنه-. فأخبروه بقضيّة الرّجل، فاقتصّ‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 312.

(2) الكافي 7/ 249، ح 4.

(3) كذا في المصدر و جامع الرواة 1/ 626، و في النسخ: عمر بن عثمان.

57

عليه قصّته.

فقال عليّ- (عليه السلام)- لأبي بكر: ابعث‏ (1) من يدور به على مجالس المهاجرين و الأنصار. فمن كان تلا عليه آية التّحريم، فليشهد عليه.

ففعل أبو بكر ما قال عليّ- (عليه السلام)-. فلم يشهد عليه أحد، فخلّي‏ (2) سبيله.

فقال سلمان لعليّ- (عليه السلام)- (3): لقد أرشدتهم.

فقال عليّ- (عليه السلام)-: إنّما أردت أن أجدّد تأكيد هذه الآية فيّ و فيهم‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي‏ (الآية).

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن عمرو بن القاسم قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- و ذكر أصحاب النّبي- (صلّى اللّه عليه و آله)-. ثمّ قرأ: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ‏- إلى قوله- تَحْكُمُونَ‏.

فقلنا: من هو، أصلحكم اللَّه؟

فقال: بلغنا أنّ ذلك عليّ- (عليه السلام)-.

وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ‏: فيما يعتقدون.

إِلَّا ظَنًّا: مستند إلى خيالات فارغة و أقيسة فاسدة، كقياس الغائب على الشّاهد، و الخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة. و المراد بالأكثر: الجميع. أو من ينتمي إلى تمييز و نظر، و لا يرضى بالتّقليد.

إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ‏: من العلم و الاعتقاد الحقّ.

شَيْئاً: من الإغناء. و يجوز أن يكون مفعولا به و «من الحقّ» حالا منه.

قيل‏ (5): و فيه دليل على أنّ تحصيل العلم في الأصول واجب، و الاكتفاء بالتّقليد و الظّنّ غير جائز.

و أقول: في الآية دلالة على النّهي عن اتّباع الظّنّ مطلقا، و ذّمّ تقليد من لا يحصل بقوله غير الظّنّ.

____________

(1) المصدر: ابعث معه.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فتخلي.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: «فقال عليّ- (عليه السلام)-» بدل «فقال سلمان لعليّ- (عليه السلام)-».

(4) تفسير العياشي 2/ 122، ح 18.

(5) أنوار التنزيل 1/ 447.

58

إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ‏ (36): وعيد على اتّباعهم للظّنّ و إعراضهم عن البرهان.

وَ ما كانَ‏: ما صحّ و استقام.

هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: افتراء من الخلق.

وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ‏: مطابق لما تقدّمه من الكتب الإلهيّة، المشهود على صدقها. و لا يكون كذبا، كيف و هو لكونه معجزا دونها عيار عليها شاهد على صحّتها.

و نصبه بأنّه خبر «لكان» مقدّرا. أو علّة لفعل محذوف، تقديره: لكن أنزله اللَّه تصديقا للّذي.

و قرئ‏ (1)، بالرّفع، على تقدير: و لكن هو تصديق.

وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ‏: و تفصيل ما حقّق و أثبت من العقائد و الشّرائع.

لا رَيْبَ فِيهِ‏: منتفيا عنه الرّيب.

و هو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك. و يجوز أن يكون حالا من «الكتاب» فإنّه مفعول في المعنى، و أن يكون استئنافا.

مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (37): خبر آخر، تقديره: كائنا من ربّ العالمين. أو متعلّق «بتصديق»، أو «بتفصيل» و «لا ريب فيه» اعتراض، أو بالفعل المعلّل بهما.

و يجوز أن يكون حالا من «الكتاب» أو الضّمير في «فيه». و مساق الآية، بعد المنع عن اتّباع الظّنّ، لبيان ما يجب اتّباعه و البرهان عليه.

أَمْ يَقُولُونَ‏: بل يقولون.

افْتَراهُ‏: محمّد. و معنى الهمزة فيه، للإنكار.

قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ‏: في البلاغة و حسن النّظم و قوّة المعنى على وجه الافتراء. فإنّكم مثلي في العربيّة و الفصاحة، و أشدّ تمرّنا في النّظم و العبارة.

وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ‏: و مع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به.

مِنْ دُونِ اللَّهِ‏: سوى اللَّه- تعالى-. فإنّه وحده قادر على ذلك.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (38): أنّه اختلقه.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 447.

59

بَلْ كَذَّبُوا: بل سارعوا إلى التّكذيب.

بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ‏: بالقرآن أوّل ما سمعوه قبل أن يتدبّروا آياته و يحيطوا بالعلم بشأنه. أو بما جهلوه و لم يحيطوا به علما، من ذكر البعث و الجزاء و سائر ما يخالف دينهم.

وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏: و لم يعثروا بعد على تأويله، و لم تبلغ أذهانهم معانيه. أو و لم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الأخبار بالغيوب، حتى يتبيّن لهم أنّه صدق أم كذب.

و المعنى أنّ القرآن معجز من جهة اللّفظ.

و المعنى: ثمّ أنّهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبّروا نظمه و يتفحّصوا معناه.

و معنى التّوقّع في «لمّا»: أنّه ظهر لهم بالآخرة إعجازه، لما كرّر عليهم التّحدّي.

فرازوا (1) قواهم في معارضته، فتضاءلت دونها. أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقا لإخباره مرارا، فلم يقلعوا عن‏ (2) التّكذيب تمرّدا و عنادا.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- أنّه سئل عن الأمور العظام الّتي تكون ممّا لم تكن.

فقال: لم يأن أوان كشفها بعد. و ذلك قوله: بَلْ كَذَّبُوا (الآية).

عن حمران‏ (4) قال‏: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الأمور العظام من الرّجعة و غيرها.

فقال: إنّ هذا الّذي تسألوني عنه لم يأت أوانه. قال اللَّه: بَلْ كَذَّبُوا (الآية).

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي، عمير عن يونس، عن أبي يعقوب، إسحاق بن عبد اللَّه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: إنّ اللَّه خصّ عباده بآيتين من كتاب اللَّه، أن لا يقولوا حتّى يعلموا، و لا يردّوا ما لم يعلموا. و قال- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ‏. و قال:

بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏. [قال كذب الّذين من قبلهم قال‏

____________

(1) فرازوا: فجرّبوا و اختبروا.

(2) أ، ب: فلم يقدموا على.

(3) تفسير العياشي 2/ 122، ح 19.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 20.

(5) الكافي 1/ 43، ح 8.

60

نزلت في الرّجعة كذّبوا بها أي أنّها لا تكون‏] (1).

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سمعت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- يقول: خصّ اللَّه هذه الأمّة بآيتين من كتابه، ألّا يقولوا ما لا يعلمون [و ألّا يردّوا ما لا يعلمون‏] (3) ثمّ قرأ: أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ‏ (الآية). و قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏ (الآية).

كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏: أنبياءهم.

فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏ (39): فيه وعيد لهم، بمثل ما عوقب به من قبلهم.

وَ مِنْهُمْ‏: و من المكذّبين.

مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ‏: من يصدّق به في نفسه و يعلم أنّه حقّ، و لكن يعاند. أو من سيؤمن به و يتوب عن كفره.

وَ مِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ‏.

قيل‏ (4): في نفسه لفرط غباوته و قلّة تدبّره، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: هم أعداء محمّد و آل محمّد- (عليهم السلام)- من بعده.

وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ‏ (40): بالمعاندين، أو بالمصرّين.

وَ إِنْ كَذَّبُوكَ‏: فإن أصرّوا على تكذيبك بعد إلزام الحجّة.

فَقُلْ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ‏: فتبرّأ منهم، فقد أعذرت.

و المعنى: لي جزاء عملي و لكم جزاء عملكم، حقّا كان أو باطلا.

أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَ أَنَا بَرِي‏ءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ‏ (41): لا تؤاخذون بعملي، و لا أؤاخذ بعملكم. و لما فيه من إيهام الإعراض عنهم و تخلية سبيلهم.

قيل‏ (6): إنّه منسوخ بآية السّيف.

____________

(1) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.

(2) تفسير العياشي 2/ 123، ح 122.

(3) من المصدر.

(4) تفسير الصافي 2/ 403، و أنوار التنزيل 1/ 448.

(5) تفسير القمّي 1/ 312.

(6) تفسير الصافي 2/ 403، و أنوار التنزيل 1/ 448.

61

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ‏: إذا قرأت القرآن و علّمت الشّرائع و لكن لا يقبلون، كالأصمّ الّذي لا يسمع أصلا.

أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ‏: تقدر على إسماعهم.

وَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ‏ (42): و لو انضمّ إلى صممهم عدم تعقّلهم.

و فيه تنبيه، على أنّ حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه. و لذلك لا يوصف به البهائم. و هو لا يتأتّى، إلّا باستعمال العقل السّليم في تدبّره. و عقولهم لمّا كانت مؤوفة بمعارضة الوهم و مشايعة الإلف و التّقليد، تعذّر إفهامهم الحكم و المعاني الدّقيقة. فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام النّاعق.

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ‏: يعاينون دلائل نبوّتك و لكن لا يصدّقونك.

أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ‏: تقدر على هدايتهم.

وَ لَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ‏ (43): و إن انضمّ إلى عدم البصر عدم البصيرة. فإنّ المقصود من الإبصار: هو الاعتبار و الاستبصار. و العمدة في ذلك البصيرة، و لذلك يحدس الأعمى المستبصر يتفطّن ما لا يدركه البصير الأحمق. و الآية، كالتّعليل للأمر بالتّبرّي و الإعراض عنهم.

إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً: بسلب حواسّهم و عقولهم.

وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ (44): بإفسادها و تفويت منافعها عليهم.

و فيه دليل، على أنّ للعبد فعلا، و أنّه ليس مسلوب الاختيار بالكلّيّة، كما زعمت الأشاعرة.

و يجوز أن يكون وعيدا لهم، بمعنى: أنّ ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من اللَّه لا يظلمهم به، و لكنّهم ظلموا به أنفسهم باقتراف أسبابه.

و قرأ حمزة و الكسائيّ، بالتخفيف و رفع «النّاس».

و في الكافي‏ (1): عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: إنّ اللَّه الحليم‏ (2) العليم إنّما غضبه على من لم يقبل منه رضاه، و إنّما يمنع من لم يقبل منه عطاءه، و إنّما يضلّ من لم يقبل منه هداه. (الحديث).

وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ: يستقصرون مدّة لبثهم في‏

____________

(1) تفسير الصافي 2/ 404.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الحكيم.

62

الدّنيا أو القبور، لهول ما يرون.

و الجملة التّشبيهيّة في موقع الحال، أي: يحشرهم مشبّهين بمن لم يلبث إلّا ساعة.

أو صفة «ليوم» و العائد محذوف، تقديره: كأن لم يلبثوا قبله. أو لمصدر محذوف، أي:

حشرا كأن لم يلبثوا قبله.

يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ‏: يعرف بعضهم بعضا، كأنّهم لم يتفارقوا إلّا قليلا. فهذا أوّل ما نشروا، ثمّ ينقطع التّعارف لشدّة الأمر عليهم.

و هو حال أخرى مقدّرة. أو بيان لقوله: «كأن لم يلبثوا». أو متعلّق الظّرف، و التّقدير: يتعارفون يوم يحشرهم.

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ‏: استئناف، للشّهادة على خسرانهم و التّعجب منه. و يجوز أن يكون حالا من الضّمير في «يتعارفون»، على إرادة القول.

وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ‏ (45): لطرق استعمال ما منحوا من المعاون في تحصيل المعارف، فاستكسبوا بها جهالات أدّت بهم إلى الرّدى و العذاب الدّائم.

وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ‏: نبصّرنّك.

بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ‏: من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر.

أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ‏: قبل أن نريك.

فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ‏: فنريكه في الآخرة. و هو جواب «نتوفّينّك». و جواب «نرينّك» محذوف، مثل فذاك.

ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ ما يَفْعَلُونَ‏ (46): مجاز عليه ذكر الشّهادة و أراد نتيجتها و مقتضاها، و لذل رتّبها على الرّجوع «بثُمّ». أو مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة.

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ: من الأمم الماضية.

رَسُولٌ‏: يبعث إليهم ليدعوهم إلى الحقّ.

فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ‏: بالبيّنات، فكذّبوه.

قُضِيَ بَيْنَهُمْ‏: بين الرّسول و مكذّبيه.

بِالْقِسْطِ: بالعدل. فانجي الرّسول، و أهلك المكذّبون‏ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (47).

و قيل‏ (1): معناه: لكلّ أمّة يوم القيامة رسول تُنسب إليه. فإذا جاء رسولهم الموقف‏

____________

(1) المجمع 3/ 114 بتفاوت يسير و أنوار التنزيل 1/ 449.

63

ليشهد عليهم بالكفر و الإيمان، قضي بينهم بإنجاء المؤمن و عقاب الكافر لقوله: وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ‏.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: تفسيرها بالباطن: أنّ لكلّ قرن من هذه الأمّة رسولا من آل محمّد يخرج إلى القرن الّذي هو إليهم رسول، و هم الأولياء و هم الرّسل. و أمّا قوله: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ قال: معناه: أنّ رسل اللَّه يقضون بالقسط وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏، كما قال اللَّه.

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ: استبعادا له، و استهزاء به.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (48): خطاب منهم للنّبيّ و المؤمنين.

قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً: فكيف أملك لكم، فاستعجل في جلب العذاب إليكم.

إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ‏: أن أملكه. أو و لكن ما شاء اللَّه من ذلك كائن.

لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‏: مضروب لهلاكهم.

إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ (49): لا يتأخّرون و لا يتقدّمون. فلا تستعجلوا، فيجي‏ء وقتكم و ينجز وعدكم.

و قوله: «لا يستقدمون» معطوف على الشّرطيّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن حمران قال‏: سألت أبا عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن قول اللَّه- عزّ و جلّ-: إِذا جاءَ (الآية).

قال: هو الّذي سمّي لملك الموت ليلة القدر.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ‏: الّذي تستعجلون به.

بَياتاً: وقت بيات و اشتغال بالنّوم.

أَوْ نَهاراً: حين كنتم منشغلين بطلب معاشكم.

ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ‏ (50): أيّ شي‏ء من العذاب يستعجلونه و كلّه مكروه لا يلائم الاستعجال؟! و هو متعلّق «ب أ رأيتم»، لأنّه بمعنى: أخبروني. و «المجرمون» وضع موضع‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 123، ح 23.

(2) تفسير العياشي 2/ 123، ح 24.

64

الضّمير، للدّلالة على أنّهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجي‏ء الوعيد لا لأن يستعجلوه.

و جواب الشّرط محذوف، و هو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا خطأه.

و يجوز أن يكون الجواب «ما ذا»، كقولك: إن أتيتك ما ذا تعطيني؟ و تكون الجملة متعلّقة «ب أ رأيتم»، أو بقوله: أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ‏. بمعنى: إن أتاكم عذابه، آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان.

و على التّقدير الآخر «ما ذا يستعجل» اعتراض، و دخول حرف الاستفهام على «ثمّ» لإنكار التّأخير.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ‏- إلى قوله- مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ‏: فهذا عذاب ينزل في آخر الزّمان على فسقة أهل القبلة، و هم يجحدون نزول العذاب عليهم.

و في مجمع البيان‏ (2): عنه- (عليه السلام)- مثله.

آلْآنَ‏: على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم به.

و عن نافع‏ (3) «الآن» بحذف الهمزة، و إلقاء حركتها على اللّام.

وَ قَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ‏ (51): تكذيبا و استهزاء.

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: عطف على «قيل» المقدّر.

ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ: المؤلم على الدّوام.

هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ‏ (52): من الكفر و المعاصي.

وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ‏: و يستخبرونك.

أَ حَقٌّ هُوَ.

قيل‏ (4): أحقّ ما تقول من الوعد أو ادّعاء النّبوّة، تقوله بجدّ أم باطل تهزل به.

قيل‏ (5): قاله حيّ بن أخطب لما قدم مكّة.

و الأظهر، أنّ الاستفهام فيه على أصله، لقوله: «و يستنبئونك».

و قيل‏ (6): إنّه للإنكار. و يؤيّده أنّه قرئ: «الحقّ هو»، فإنّ فيه تعريضا بأنّه‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 312.

(2) المجمع 3/ 115 بتفاوت.

(3) أنوار التنزيل 1/ 450.

(4) نفس المصدر و الموضع.

5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

65

باطل. و «أحقّ» مبتدأ، و الضّمير مرتفع به سادّ مسدّ الخبر. أو خبر مقدّم، و الجملة في موضع النّصب ب «يستنبئونك».

قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ‏: أنّ العذاب لكائن. أو ما ادّعيته لثابت.

و قيل‏ (1): كلا الضّميرين للقرآن.

و «إي» بمعنى: نعم. و هو من لوازم القسم. و لذلك يوصل بواوه في التّصديق، فيقال: إي و اللَّه. و لا يقال: إي، وحده.

و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم [عن أبيه‏] (3)، عن القسم بن محمّد الجوهريّ، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- في قوله: وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ: ما تقول في‏ (4) عليّ- (عليه السلام)-. قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏.

و في أمالي الصّدوق‏ (5): حدّثنا محمّد بن الحسن- رضي اللَّه عنه- قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن عليّ بن محمّد القاسانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبد اللَّه الصّادق- (عليه السلام)-، عن أبيه- (عليه السلام)- في قول اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ‏- إلى قوله- لَحَقٌ‏.

قال: يستنبئك، يا محمّد، أهل مكّة عن عليّ بن أبي طالب إمام هو؟ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6)، مثله.

و في شرح الآيات الباهرة (7): روى أبو عبد اللَّه الحسين بن جبير- (رحمه اللّه)- في نخب المناقب، حدّثنا مسندا عن الباقر- (عليه السلام)- في قوله: وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏.

قال: يسألونك، يا محمّد: أعليّ- (عليه السلام)- وصيّك؟ قل: إي و ربّي، إنّه‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) الكافي 1/ 430، ح 87.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: «ما يقول محمد في» بدل «ما تقول في».

(5) أمالي الصدوق/ 535، ح 7.

(6) تفسير القمّي 1/ 313.

(7) تأويل الآيات الباهرة 1/ 214.

66

لوصيّي.

وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏ (53): بفائتين العذاب.

وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ‏ قيل‏ (1): بالشّرك، أو التّعدّي على الغير.

ما فِي الْأَرْضِ‏: من خزائنها و أموالها.

لَافْتَدَتْ بِهِ‏: لجعلته فدية من العذاب. من قولهم: افتدى به، بمعنى: فداه.

وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ‏.

قيل‏ (2): لأنّهم بهتوا بما عاينوا ممّا لم يحتسبوه من فظاعة الأمر و هو له، فلم يقدروا أن ينطقوا.

و قيل‏ (3): أَسَرُّوا النَّدامَةَ أخلصوها. لأنّ إخفاءها إخلاصها. أو لأنّه يقال: سرّ الشّي‏ء، لخالصته. من حيث أنّها تخفى و يضنّ‏ (4) بها.

و قيل‏ (5): أظهروها. من قولهم: أسرّ الشّي‏ء و أشره: إذا أظهره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): ثمّ قال: وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ‏ آل محمّد- (صلوات اللّه عليهم)- حقّهم. ما فِي الْأَرْضِ‏ جميعا لَافْتَدَتْ بِهِ‏ ذلك الوقت، يعني:

الرّجعة.

و حدّثني محمّد بن جعفر (7) قال: حدّثني محمّد بن أحمد، عن أحمد بن الحسين، عن صالح بن أبي حمار (8)، عن أبي‏ (9) الحسن بن موسى الخشّاب، عن رجل، عن حمّاد بن عيسى، عمّن رواه، عن أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: سئل عن قوله: وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ‏. قال: قيل له: ما ينفعهم إسرار النّدامة و هم في العذاب؟

قال: كرهوا شماتة الأعداء.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 450.

(2) نفس المصدر و الموضع، و تفسير الصافي 2/ 406.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ضنّ به عليه: بخل.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمّي 1/ 313.

(7) تفسير القمّي 1/ 313.

(8) المصدر: صالح بن أبي عمّار. و جامع الرواة 1/ 405: صالح بن أبي حمّاد.

(9) ليس في المصدر: أبي.

67

و في روضة الكافي‏ (1)، بإسناده إلى أبي عبد اللَّه- (عليه السلام)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و شرّ النّدامة ندامة يوم القيامة.

وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‏ (54): ليس تكريرا. لأنّ الأوّل قضاء بين الأنبياء و مكذّبيهم، و الثّاني مجازاة المشركين على الشّرك أو الحكومة بين الظّالمين و المظلومين. و الضّمير إنّما يتناولهم، لدلالة الظّلم عليهم.

أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: تقرير لقدرته- تعالى- على الإثابة و العقاب.

أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ‏: ما وعده من الثّواب و العقاب كائن لا خلف فيه.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (55): لأنّهم لا يعلمون، لقصور عقلهم، إلّا ظاهرا من الحياة الدّنيا.

هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ‏: في الدّنيا، فهو يقدر عليها في العقبى. لأنّ القادر لذاته لا تزول قدرته. و المادّة القابلة بالذّات، الحياة و الموت، قابلة لهما أبدا.

وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (56): بالموت و النّشور.

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (57)، أي: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العمليّة الكاشفة عن محاسن الأعمال و مقابحها و المرغّبة في المحاسن و الزّاجرة عن المقابح، و الحكمة النّظريّة الّتي هي شفاء لما في الصّدور من الشّكوك و سوء الإعتقاد، و هدى إلى الحقّ و اليقين، و رحمة للمؤمنين حيث أنزلت عليهم فنجوا بها من ظلمات الضّلال إلى نور الإيمان و تبدّلت مقاعدهم من طبقات النّيران بمصاعد من درجات الجنان.

و التّنكير فيها، للتّعظيم.

و في كتاب الإهليلجة (2): قال الصّادق- (عليه السلام)-: و أنزل عليكم‏ (3) كتابا فيه شفاء لما في الصّدور من أمر (4) الخواطر و مشبهات‏ (5) الأمور.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي‏

____________

(1) الكافي 8/ 82، ضمن ح 39.

(2) البحار 3/ 152.

(3) المصدر: انزاله عليهم.

(4) المصدر: أمراض.

(5) المصدر: مشتبهات.

(6) الكافي 2/ 600، ح 7.

68

عبد اللَّه- (عليه السلام)- قال‏: شكا رجل إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وجعا في صدره.

قال: استشف بالقرآن. فإنّ اللَّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ.

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ بن عيسى، رفعه قال‏: إنّ موسى- (عليه السلام)- ناجاه اللَّه- تبارك و تعالى-. فقال في مناجاته: يا موسى، لا يطول في الدّنيا املك. و ذكر حديثا قدسيّا طويلا. يقول فيه- عزّ من قائل- و قد ذكر محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و لأنزلنّ عليه قرآنا فرقانا شفاء لما في الصّدور من نفث‏ (2) الشّيطان.

و في نهج البلاغة (3): قال- (عليه السلام)-: و تعلّموا القرآن، فإنّه ربيع القلوب.

و استشفوا بنوره، فإنّه شفاء لما في الصّدور.

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ‏ «الباء» متعلّقة بفعل يفسّره قوله: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. فإنّ اسم الإشارة بمنزلة الضّمير، تقديره: بفضل اللَّه و برحمته فليعتنوا، أو فليفرحوا فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. و فائدة ذلك التّكرير، التأكيد و البيان بعد الإجمال و إيجاب اختصاص الفضل و الرّحمة بالفرح.

أو بفعل دلّ عليه «قد جاءتكم». و ذلك إشارة إلى مصدره، أي: فبمجيئها فليفرحوا.

و «الفاء» بمعنى الشرط، كأنّه قيل: إن يفرحوا بشي‏ء فيهما، فليفرحوا. أو للرّبط بما قبلها. و الدّلالة على أنّ مجي‏ء الكتاب الجامع بين هذه الصّفات موجب للفرح و تكريرها للتّأكيد، كقوله:

لا تجزعي ان منفسا بأهلكة* * * و إذا هلكت فعند ذلك فاجزعي‏ (4)

و عن يعقوب‏ (5): «فلتفرحوا» بالتاء، على الأصل المرفوض.

و قد روي، مرفوعا. و يؤيّده أنّه قرئ: «فافرحوا».

هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏ (58): من حطام الدّنيا، فإنّها إلى الزّوال. و هو ضمير

____________

(1) الكافي 8/ 42، ح 8.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: نفس.

(3) نهج البلاغة/ 164 خطبة 110.

(4) صدر البيت ليس في أنوار التنزيل 1/ 451.

(5) نفس المصدر و الموضع.

69

«ذلك».

و قرأ (1) ابن عامر: «تجمعون» على معنى: فبذلك فليفرح المؤمنون، فهو خير ممّا تجمعونه أيّها المخاطبون.

و

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: ثمّ قال- جلّ ذكره-: يا أَيُّهَا النَّاسُ‏- إلى قوله- وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏.

قال رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و القرآن.

ثمّ قال: قل لهم، يا محمّد: بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏.

قال: «الفضل» رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و «رحمته» أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا قال: [فليفرح‏] (3) شيعتنا، هو خير ممّا أعطوا أعداءنا من الذّهب و الفضّة.

و في مجمع البيان‏ (4): روي، عن أنس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال‏:

من هداه اللَّه للإسلام و علّمه القرآن ثمّ شكا بالفاقة، كتب اللَّه الفاقة بين عينيه إلى يوم القيامة. ثمّ تلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ‏ (الآية).

و قال أبو جعفر (5)- (عليه السلام)-: «فضل اللَّه» رسوله. و «رحمته» عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

و في أصول الكافي‏ (6): عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمّد بن الفضيل، عن الرّضا- (عليه السلام)- قال‏: قلت له: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏.

قال: بولاية محمّد و آل محمّد- (عليهم السلام)- هو خير ممّا يجمع هؤلاء من دنياهم.

و في أمالي الصّدوق‏ (7)- (رحمه اللّه)-، بإسناده إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل. و فيه يقول- (صلّى اللّه عليه و آله)- لعليّ- (عليه السلام)-: و الّذي بعث محمّدا بالحقّ‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير القمّي 1/ 313.

(3) من المصدر.

(4) المجمع 3/ 117.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) الكافي 1/ 423، ح 55.

(7) أمالي الصدوق/ 400، ح 13.

70

نبيّا، ما آمن بي من أنكرك، و لا أقرّ بي من جحدك، و لا آمن باللّه من كفر بك.

و أنّ فضلك لمن فضلي، و أنّ فضلي لفضل اللَّه- عزّ و جلّ-. و هو قول ربّي- عزّ و جلّ-: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (1) هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏. «ففضل اللَّه» نبوة نبيّكم. و «رحمته» ولاية عليّ بن أبي طالب. «فبذلك» قال: بالنّبوة و الولاية.

«فليفرحوا»، يعني: الشّيعة. هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏، يعني: مخالفيهم من الأهل و المال و الولد في دار الدّنيا.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في قول اللَّه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا.

قال: فليفرح‏ (3) شيعتنا. «هو خير ممّا» أعطي عدوّنا من الذّهب و الفضّة.

عن أبي حمزة (4)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏ قلت: بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ‏. قال: الإقرار بنبوّة محمّد- عليه و آله السّلام-.

و الائتمام‏ (5) بأمير المؤمنين- (عليه السلام)-. هو خير ممّن يجمع هؤلاء في دنياهم.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ‏: جعل الرّزق منزّلا، لأنّه مقدّر في السّماء محصّل بأسباب منها.

و «ما» في موضع النّصب «بأنزل»، أو ب «أرأيتم» فإنّه بمعنى: أخبر و في.

و «لكم» دلّ على أنّ المراد منه: ما حلّ.

فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا، مثل‏ هذِهِ أَنْعامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ (6) ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَ مُحَرَّمٌ عَلى‏ أَزْواجِنا (7).

قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ‏: في التّحريم و التّحليل، فتقولون ذلك بحكمه.

أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ (59): في نسبة ذلك إليه.

و يجوز أن تكون المنفصلة متّصلة «ب أ رأيتهم». و «قل» مكرّر للتّأكيد. و المعنى:

أخبروني آللَّه إذن لكم في التّحليل و التّحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على‏

____________

(1) أ، ب، ر: فليفرحوا يعني الشيعة.

(2) تفسير العياشي 2/ 124، ح 28.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: فليفرحوا.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 29.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: الائتمار.

(6) الأنعام/ 138.

(7) الأنعام/ 139.

71

اللَّه في نسبة ذلك إليه.

و يجوز أن يكون الاستفهام للإنكار، و «أم» منقطعة. و معنى الهمزة فيها التّقرير، لافترائهم على اللَّه.

وَ ما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ‏: أيّ شي‏ء ظنّهم؟

يَوْمَ الْقِيامَةِ: أ يحسبون أن لا يجازوا عليه.

و هو منصوب بالظّنّ. و يدلّ عليه أنّه قرئ بلفظ الماضي، لأنّه كائن. و في إبهام الوعيد تهديد عظيم.

إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ‏: حيث أنعم عليهم بالعقل، و هداهم بإرسال الرّسل و إنزال الكتب.

وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ‏ (60): هذه النّعمة.

وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ‏: و لا تكون في أمر.

و أصله الهمز، من شأنت شأنه: إذا قصدت قصده. و الضّمير في‏ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ‏ له. لأنّ تلاوة القرآن معظّم شأن الرّسول، أو لأنّ القراءة تكون لشأن. فيكون التّقدير:

من أجله. و مفعول تتلو مِنْ قُرْآنٍ‏. على أنّ «من» تبعيضيّة، أو مزيدة لتأكيد النّفي، أو للقرآن. و إضماره قبل الذّكر ثمّ بيانه، تفخيم له أو للّه.

وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ‏: تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم. و لذلك ذكر حيث خصّ ما فيه فخامة، و ذكر حيث عمّ ما يتناول الجليل و الحقير.

إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً: رقباء مطّلعين عليه.

إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ‏: تخوضون فيه و تندفعون.

و في مجمع البيان‏ (1): عن الصّادق- (عليه السلام)-. و في تفسير عليّ بن إبراهيم:

قال‏: كان رسول اللَّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا قرأ هذه الآية، بكى بكاء شديدا.

وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ‏: و لا يبعد عنه، و لا يغيب عن علمه.

و قرأ (2) الكسّائيّ، بكسر الزّاء.

مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ: موازن نملة صغيرة، أو هباء.

____________

(1) المجمع 3/ 119، و تفسير القمّي 1/ 313- 314.

(2) أنوار التنزيل 1/ 452.

72

فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ، أي: في الوجود و الإمكان. فإنّ العامّة لا تعرف ممكنا غيرهما ليس فيهما و لا متعلّقا بهما. و تقديم «الأرض» لأنّ الكلام في حال أهلها.

و المقصود منه: هو البرهان على إحاطة علمه بها.

و في كتاب التّوحيد (1): عن عليّ- (عليه السلام)-. يقول فيه‏، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: و أمّا قوله: وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ كذلك ربّنا لا يعزب عنه شي‏ء. و كيف يكون من خلق الأشياء لا يعلم ما خلق و هو الخلّاق العليم.

وَ لا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ (61): كلام برأسه مقرّر لما قبله.

و «لا» نافية للجنس. و «أصغر» أسمها. و «في كتاب» خبرها.

و قرأ (2) حمزة و يعقوب، بالرّفع، على الابتداء و الخبر. و من عطف على لفظ «مثقال ذرّة» و جعل الفتح بدل الكسر، لامتناع الصّرف، أو على محلّه مع الجارّ، جعل الاستثناء منقطعا.

و قيل‏ (3): المراد بالكتاب: اللّوح المحفوظ.

أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ‏: الّذين يتولّونه بالطّاعة، و يتولّاهم بالكرامة.

لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏: من لحوق مكروه.

وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ (62): لفوات مأمول.

و الآية، كمجمل فسّره قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ‏ (63): بيان لتولّيهم إيّاه.

و محلّ «الّذين آمنوا» النّصب. أو الرّفع على المدح، أو على وصف الأولياء، أو على الابتداء، و خبره «لهم البشرى».

و في تفسير العيّاشي‏ (4): عن عبد الرّحمن بن سالم الأشلّ، عن بعض الفقهاء قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ‏- إلى قوله- وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏.

ثمّ قال: أ تدرون من أولياء اللَّه؟

____________

(1) التوحيد/ 265.

(2) أنوار التنزيل 1/ 452.

(3) المجمع 3/ 119، و أنوار التنزيل 1/ 452.

(4) تفسير العياشي 2/ 124، ح 30.