تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج7

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
544 /
25

الجزء السابع‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سورة إبراهيم‏

مكّيّة، إلّا آيتين نزلتا في قتلى بدر من المشركين: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً- إلى قوله- فَبِئْسَ الْقَرارُ. قاله ابن عبّاس و قتادة و الحسن‏ (1).

و هي إحدى و خمسون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة إبراهيم و الحجر في ركعتين جميعا، في كلّ جمعة، لم يصبه فقر أبدا و لا جنون و لا بلوى.

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: من قرأ سورة إبراهيم، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من يعبد (4) الأصنام و بعدد من لم يعبدها.

الر كِتابٌ‏، أي: هو كتاب.

أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ‏: بدعائك إيّاهم إلى ما تضمّنه‏ (5).

مِنَ الظُّلُماتِ‏: من أنواع الضّلال.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 524.

(2) ثواب الأعمال/ 133، ح 1.

(3) المجمع 3/ 301.

(4) المصدر: عبد.

(5) أي: إلى ما تضمّنه الكتاب.

26

إِلَى النُّورِ: إلى الهدى و الإيمان.

بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏: بتوفيقه و تسهيله. مستعار من الإذن، الّذي هو تسهيل الحجّاب‏ (1).

و هو صلة «لتخرج». أو حال من فاعله، أو مفعوله‏ (2).

إِلى‏ صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1): بدل من قوله: «إلى النّور» بتكرير العامل. أو استئناف‏ (3)، على أنّه جواب لمن يسأل عنه.

و إضافة الصّراط إلى اللّه، إمّا لأنّه مقصده، أو المظهر له.

و تخصيص الوصفين‏ (4)، للتّنبيه على أنّه لا يذلّ سالكه و لا يخيب سائله.

اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ‏ على قراءة نافع و ابن عامر مبتدأ و خبر، أو «اللّه» خبر مبتدأ محذوف‏ (5) و «الّذي» صفته.

و على قراءة الباقين عطف بيان «للعزيز»، لأنّه كالعلم لاختصاصه بالمعبود بالحقّ‏ (6).

وَ وَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2): وعيد لمن كفر بالكتاب، و لم يخرج به من الظّلمات إلى النّور.

و «الويل» الهلاك، نقيض «الوأل» و هو النّجاة. و أصله النّصب، لأنّه مصدر إلّا أنّه لم يشتقّ منه لكنّه رفع لإفادة الثّبات.

____________

(1) أي: تسهيل ما تعذّر. و فيه: أنّ اللّازم ممّا ذكر استعمال المقيد الّذي هو الإذن بمعنى تسهيل الحجاب في المطلق، فيكون مجازا مرسلا لا استعارة.

(2) فعلى الأوّل يكون التقدير: ليخرج النّاس ملتبسا بإذن ربّهم و على الثاني: ملتبسين به.

(3) كأنّ سائلا قال: إلى أيّ نور الإخراج؟

فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.

(4) إمّا عدم إذلال السّالك فلأنّ العزّة و الغلبة تناسب إعزاز من قصد السّلوك في سبيله، و إمّا عدم التّخييب فلأنّ الحميد بمعنى: المحمود، و المحمود من أوصل النّعمة إلى الغير حتّى يستحقّ أن يحمد، إذ الحميد من كان كاملا في حدّ ذاته مستحقا للحمد و هو يناسب عدم تخييب السّائل.

(5) فيكون التّقدير: هو اللّه الذي. و مرجع الضّمير الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

(6) هذا يدلّ على أنّ عطف البيان يجب أن يكون علما أو في حكمه في الإختصاص.

27

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ: يختارونها عليها، فإنّ المختار للشّي‏ء يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها من غيره‏ (1).

وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏: بتعويق النّاس عن الإيمان.

و قرئ‏ (2): «و يصدّون»، من أصدّه، و هو منقول صدّ صدودا، إذا تنكّب‏ (3).

و ليس فصيحا (4)، لأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التّعدية [بالهمزة] (5).

وَ يَبْغُونَها عِوَجاً: و يبغون لها زيغا و نكوبا عن الحقّ، ليقدحوا فيه. فحذف الجارّ، و أوصل الفعل إلى الضّمير.

و الموصول بصلته يحتمل الجرّ صفة «للكافرين»، و النّصب على الذّم، و الرّفع عليه‏ (6). أو على أنّه مبتدأ خبره‏ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3)، أي: ضلّوا عن الحقّ و وقعوا عنه بمراحل.

و «البعد» في الحقيقة للضّالّ، فوصف به فعله للمبالغة. أو للأمر الّذي به الضّلال، فوصف به لملابسته.

وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏: الّذي هو منهم و بعث فيهم.

لِيُبَيِّنَ لَهُمْ‏: ما أمروا به، فيفقهوه عنه بيسر و سرعة.

و قرئ‏ (7): «بلسن» و هو لغة فيه، كريش و رياش. و «لسن» بضمّتين، و ضمة و سكون، على الجمع، كعمد و عمد.

و في كتاب الخصّال‏ (8): عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- في حديث: و منّ عليّ ربّي، و قال: يا محمّد، قد أرسلت كلّ رسول إلى أمّته‏ (9) بلسانها، و أرسلتك إلى كلّ أحمر

____________

(1) فيكون «يستحبّون» مجازا مرسلا من باب إطلاق اسم اللازم على ملزومه.

(2) أنوار التنزيل 1/ 524.

(3) تنكّب، أي: مال عن الحقّ.

(4) لأنّ الفعل المتعدّي إذا وجد لا حاجة إلى تعدية اللّازم، لأنّه تكلّف. و تبع في هذا صاحب الكشّاف، و فيه: أنّ القراءات تؤخذ من الرّواية لا من الدّراية، فلا وجه للقول بأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التّعدية.

(5) من المصدر.

(6) فعلى الأوّل: أذمّ الذين يستحبّون الحياة الدنيا. و على الثاني: بئس الّذين يستحبّون.

(7) أنوار التنزيل 1/ 524.

(8) الخصال 1/ 425، ح 1.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: امّة.

28

و أسود من خلقي.

و قيل‏ (1): الضّمير في «قومه» لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و [أنّ اللّه تعالى‏] (2) أنزل‏ (3) الكتب كلّها بالعربيّة ثمّ [تر] (4) جمعها جبرئيل- (عليه السلام)-. أو كل نبيّ بلغة المنزل عليهم.

و يؤيّده ما رواه في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى مسلم بن خالد المكّيّ:

عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: ما أنزل اللّه- تبارك و تعالى- كتابا و لا وحيا إلّا بالعربيّة، [فكان يقع في مسامع الأنبياء- (عليهم السلام)- بألسنة قومهم، و كان يقع في مسامع نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالعربيّة، فإذا كلّم به قومه‏ (6) كلّمهم‏] (7) بالعربيّة فيقع في مسامعهم بلسانهم. و كان احد (8) لا يخاطب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بأيّ لسان خاطبه إلّا وقع في مسامعه بالعربيّة، و كلّ ذلك يترجم جبرئيل- (عليه السلام)- عنه تشريفا من اللّه- عزّ و جلّ- له- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ: فيخذله عن الإيمان.

وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: بالتّوفيق له.

وَ هُوَ الْعَزِيزُ: فلا يغلب على مشيئته.

الْحَكِيمُ‏ (4): الّذي لا يفعل ما يفعل إلّا بحكمة.

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى‏ بِآياتِنا، يعني: اليد و العصا و سائر معجزاته.

أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، بمعنى: أي: أخرج، لأنّ في الإرسال معنى القول. أو بأن أخرج، فإنّ صيغ الأفعال سواء في الدّلالة على المصدر، فيصحّ أن يوصل بها «أن» النّاصبة.

وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏.

قيل‏ (9): بوقائعه الّتي وقعت على الأمم الدّارجة. و أيّام العرب: حروبها.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 525.

(2) من المصدر.

(3) أ، ب: و إنزال.

(4) من المصدر.

(5) العلل 1/ 126، ح 8.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: قومهم.

(7) ليس في ب.

(8) المصدر: أحدنا.

(9) أنوار التنزيل 1/ 525.

29

و قيل‏ (1): بنعمائه و بلائه.

و في تفسير العيّاشي‏ (2): عن إبراهيم عن عمر (3)، عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏ قال: بآلاء اللّه، يعني: بنعمه.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن مثنّى الخيّاط (5) قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: أيام الله يوم يقوم القائم، و يوم الكرّة، و يوم القيامة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): أيام الله ثلاثة: أيام‏ (7) يوم يقوم‏ (8) القائم، و يوم الموت، و يوم القيامة.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5): يصبر على بلائه و يشكر لنعمائه، فإنّه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء و أفيض عليهم من النّعماء، اعتبر و تنبّه لما يجب عليه من الصّبر و الشّكر.

وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ‏، أي: اذكروا نعمته وقت إنجائه إيّاكم.

و يجوز أن ينتصب «بعليكم» إن جعلت مستقرّة، غير صلة «للنّعمة» (9) و ذلك إذا اريدت بها العطيّة دون الإنعام. و يجوز أن يكون بدلا من «نعمة اللّه» بدل الاشتمال.

يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ‏: أحوال من «آل فرعون»، أو من ضمير المخاطبين.

و المراد بالعذاب- هاهنا- غير المراد في سورة البقرة و الأعراف، لأنّه مفسّر بالتّذبيح‏

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تفسير العياشي 2/ 222، ح 2.

(3) كذا في المصدر، و جامع الرواة 1/ 29. و في النسخ: عمرو.

(4) الخصال 1/ 108، ح 75.

(5) كذا في المصدر، و رجال النجاشي/ 1106.

و في النسخ: الخيّاط.

(6) تفسير القمّي 1/ 367.

(7) ليس في المصدر.

(8) يوجد في ب.

(9) أي: يجوز نصب «إذ أنجاكم» ب «عليكم» إذا جعلت «عليكم» ظرفا مستقرّا، لأنّه حينئذ مقدّر بالفعل فيصلح أن يكون عاملا، أمّا إذا كان صلة «للنّعمة» فلا يصلح أن يكون عاملا إذ ليس مقدّرا بالفعل و حينئذ تكون «النّعمة» بمعنى:

العطيّة، لا بمعنى الإنعام، إذ لو كان بمعنى الإنعام لكان «عليكم» صلة له.

30

و القتل ثمّة (1)، و معطوف عليه التّذبيح- هاهنا-. و هو إمّا جنس العذاب‏ (2)، أو استعبادهم و استعمالهم بالأعمال الشّاقّة.

وَ فِي ذلِكُمْ‏: من حيث أنّه بإقدار اللّه إيّاهم و إمهالهم فيه.

بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ‏ (6): ابتلاء منه.

و يجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء، و المراد بالبلاء: النّعمة.

وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ‏: أيضا من كلام موسى- (عليه السلام)-.

و «تأذّن» بمعنى: آذن، كتوعّد و أوعد، غير أنّه أبلغ لما في التّفعّل من معنى التّكلّف و المبالغة، أي: أعلم ربّكم.

لَئِنْ شَكَرْتُمْ‏: يا بني إسرائيل، ما أنعمت عليكم من الإنجاء و غيره بالإيمان و العمل الصّالح.

لَأَزِيدَنَّكُمْ‏: نعمة إلى نعمة.

وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7): فلعلّي أعذبكم على الكفران عذابا شديدا. و من عادة أكرم الأكرمين أن يصرّح بالوعد، و يعرّض بالوعيد (3).

و الجملة مفعول قول مقدّر (4). أو مفعول «تأذن» على أنّه يجري مجرى «قال»، لأنّه ضرب منه.

في كتاب الخصّال‏ (5): عن معاوية بن وهب‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: يا معاوية، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة: من أعطي الدّعاء أعطي الإجابة و من اعطي الشكر اعطي الزيادة، و من اعطي التّوكل اعطي الكفاية. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول في كتابه: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‏. و يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ و يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏.

____________

(1) ثمّة: هناك.

(2) و على هذا فعطف «يذبّحون» عليه عطف الخاصّ على العام.

(3) فإنّه- تعالى- صرح بالوعد فقال:

لَأَزِيدَنَّكُمْ‏، و عرض بالوعيد فقال: إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ من جهة أنّه لم يقل: و إن كفرتم عذّبتكم.

(4) فيكون التقدير: و إذ تأذّن ربّكم قائلا: لَئِنْ شَكَرْتُمْ ... الخ.

(5) الخصال 1/ 101، ح 56.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: مسعود بن عمّار.

31

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أيّما عبد أنعم اللّه عليه بنعمة، فعرفها بقلبه و حمد اللّه عليها بلسانه، لم ينفد (2) كلامه حتّى يأمر اللّه له بالزّيادة، و هو قوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، [و عليّ بن محمد، عن القاسم بن محمّد] (4)، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ من عرف نعمة اللّه بقلبه، استوجب المزيد من اللّه- عزّ و جلّ- قبل أن يظهر شكرها على لسانه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

سهل‏ (5) عن عبيد اللّه، عن أحمد بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنا و حسين بن‏ (6) ثوير بن أبي فاختة فقلت له: جعلت فداك، إنّا كنّا في سعة من الرّزق و غضارة من العيش، فتغيّرت الحال بعض التّغييّر، فادع لنا (7) اللّه- عزّ و جلّ- أن يردّ ذلك إلينا.

فقال: أي شي‏ء تريدون، تكونون ملوكا، أ يسرّك أن تكون مثل‏ (8) طاهر (9) و هرثمة و أنّك على خلاف ما أنت عليه؟

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 368.

(2) المصدر: لم تنفد.

(3) الكافي: 8/ 128، ح 98.

(4) من المصدر.

(5) الكافي 8/ 346، ح 546.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(7) ليس في المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: مثله.

(9) الطاهر هو أبو الطيّب، أو أبو طلحة، طاهر بن الحسين المعروف ب «ذو اليمينين» والي خراسان، كان من أكبر قوّاد المأمون و المجاهدين في تثبيت دولته، و هو الّذي سيّره المأمون من خراسان إلى محاربة أخيه الأمين، محمد بن زبيدة.

و كان طاهر من أصحاب الرضا- (عليه السلام)- و كان متشيّعا، و ينسب التشيع إلى آل طاهر- أيضا- و كان طاهر هو الّذي أسّس دولة آل طاهر في خراسان و ما والاها سنة 205- 259، و له عهد إلى ابنه و هو من أحسن الرسائل.

و أمّا هرثمة، فهو هرثمة بن أعين الذي يروي عن الرّضا- (عليه السلام)- كثيرا و هو- أيضا- من قوّاد المأمون و في خدمته، و كان مشهورا بالتشيّع و محبّا لأهل البيت- (عليهم السلام)- و هو من أصحاب الرّضا- (عليه السلام)- بل من خواصّه و أصحاب سرّه، كما يظهر من كتاب العيون.

32

قلت: لا، و اللّه، ما يسرّني أنّ لي الدّنيا بما فيها ذهبا و فضّة و أنّي على خلاف ما أنا عليه.

قال: فقال: فمن أيسر منكم فليشكر اللّه، إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي عمرو (2) المدائنيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: أيّما عبد أنعم اللّه عليه بنعمة فعرفها بقلبه- و في رواية أخرى- فأقرّ بها بقلبه و حمد اللّه عليها بلسانه، لم ينفد كلامه حتّى يأمر اللّه له بالزّيادة.

و في رواية أبي إسحاق المدائنيّ‏ (3): حتّى يأذن اللّه له بالزّيادة، و هو قوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و عن أبي ولّاد (4)، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أ رأيت هذه النّعمة الظّاهرة علينا (5) من اللّه، أليس إن شكرناه عليها و حمدناه‏ (6) زادنا، كما قال اللّه في كتابه:

لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏؟

فقال: نعم، من حمد اللّه على نعمته و شكره و علم أنّ ذلك منه لا من غيره [زاد اللّه نعمه‏] (7).

و في أمالي شيخ الطّائفة (8)- (قدّس سرّه)- بإسناده إلى أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: تلقّوا النّعم، يا سدير، بحسن مجاورتها، و اشكروا من أنعم عليكم و أنعموا على من شكركم، فإنّكم إذا كنتم كذلك استوجبتم من اللّه الزّيادة و من إخوانكم المناصحة. ثمّ تلا: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و في أصول الكافي‏ (9): أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن رجلين [من أصحابنا] (10) سمعاه، عن أبي عبد اللّه- عليه‏

____________

(1) تفسير العياشي 2/ 222، ح 3.

(2) كذا في جامع الرواة 2/ 407 و في المصدر:

أبي عمر.

(3) تفسير العياشي 2/ 222، ح 4.

(4) نفس المصدر و الموضع، ح 5.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: إلينا.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: عليه و حمدته.

(7) من المصدر مع المعقوفتين.

(8) أمالي الطوسي 1/ 309.

(9) الكافي 2/ 95، ح 9.

(10) من المصدر.

33

السّلام‏- قال: ما أنعم اللّه على عبد من نعمة، فعرفها بقلبه و حمد اللّه ظاهرا بلسانه فتمّ كلامه، حتّى يؤمر له بالمزيد.

عدّة من أصحابنا (1)، عن أحمد بن [محمد بن‏] (2) خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف عن عميرة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: هل للشّكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا؟

قال: نعم.

قلت: و ما هو؟

قال: يحمد اللّه على كلّ نعمة عليه في أهل و مال، و إن كان فيما أنعم [عليه‏] (3) في ماله حقّ أدّاه.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد قال: سمعت أبا الحسن- (عليه السلام)- يقول: من حمد اللّه على النّعمة فقد شكره، و كان الحمد أفضل من تلك النّعمة.

محمّد [بن يحيى‏ (5)] (6)، عن أحمد، عن عليّ بن الحكم، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال لي: ما أنعم اللّه على عبد بنعمة صغرت أو كبرت، فقال: الحمد للّه، إلّا أدّى شكرها.

أبو عليّ الاشعريّ‏ (7)، عن عيسى بن أيّوب، عن عليّ بن مهزيار، عن القاسم بن محمّد، عن إسماعيل بن أبي الحسن‏ (8)، عن رجل، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: [من أنعم اللّه عليه بنعمة فعرفها بقلبه، فقد أدّى شكرها]

(9)

[عدة من أصحابنا (10)، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن هشام، عن ميسر، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال‏] (11) شكر النعمة اجتناب المحارم، و تمام الشّكر قول الرّجل: الحمد للّه ربّ العالمين.

____________

(1) الكافي 2/ 95- 96، ح 12.

2 و 3- من المصدر.

(4) الكافي 2/ 96، ح 13.

(5) نفس المصدر و الموضع، ح 14.

(6) من المصدر.

(7) الكافي 2/ 96، ح 15.

(8) ب: إسماعيل بن محمد.

(9) من المصدر.

(10) الكافي 2/ 95، ح 10.

(11) من المصدر.

34

و في كتاب الخصّال‏ (1): عن سعيد (2) بن علاقة قال: سمعت أمير المؤمنين- (عليه السلام)- يقول: شكر المنعم‏ (3) يزيد في الرّزق.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- (4) بإسناده إلى مالك بن أعين الجهنيّ قال: أوصى عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- بعض ولده فقال: يا بنيّ اشكر من أنعم عليك و أنعم على من شكرك، فإنّه لا زوال للنّعمة إذا شكرت و لا بقاء لها إذا كفرت، و الشاكر بشكره أسعد منه بالنّعمة الّتي وجب عليه الشّكر لها. و تلا، يعني: عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- [قول اللّه- تعالى-] (5) إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (6)، بإسناده إلى عليّ بن الحسين‏ (7) بن عليّ بن فضّال، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- قال: السّجدة بعد الفريضة شكر اللّه- تعالى- ذكره على ما وفّق العبد من أداء فرائضه‏ (8)، و أدنى ما يجزي فيها من القول أن يقال: شكرا للّه شكرا للّه، ثلاث مرّات.

قلت: فما معنى قوله: شكرا للّه؟

قال: يقول: هذه السّجدة منّي شكرا للّه على ما وفّقني له من خدمته و أداء فرضه. و الشّكر موجب للزّيادة، فإن كان في الصّلاة تقصير تمّ بهذه السّجدة.

و في مجمع البيان‏ (9): قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إذا أقبلت عليكم أطراف النّعم، فلا تنفروا و أقصاها (10) بقلّة الشّكر.

و في أصول الكافي‏ (11): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال في تفسير وجوه الكفر: الوجه الثّالث من الكفر كفر النّعم، قال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

____________

(1) الخصال 2/ 505، ح 2.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: سعد.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: النعم.

(4) أمالي الطوسي 2/ 115.

(5) ليس في أ، ب.

(6) العلل/ 360، ح 1.

(7) كذا في المصدر، و رجال النجاشي/ 72. و في النسخ: الحسن‏

(8) المصدر: فرضه.

(9) نور الثقلين 2/ 529، ح 28.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: اقتضاها.

(11) الكافي 2/ 390، ح 1.

35

وَ قالَ مُوسى‏ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً: من الثّقلين.

فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌ‏: عن شكركم.

حَمِيدٌ (8): مستحقّ للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة و ينطق بنعمته ذرّات المخلوقات، فما ضررتم بالكفران إلّا أنفسكم حين حرمتموها مزيد الإنعام و عرّضتموها للعذاب الشّديد.

أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ: من كلام موسى- (عليه السلام)-. أو كلام مبتدأ من اللّه- تعالى- وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ‏: جملة وقعت اعتراضا (1). وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ‏ عطف على ما قبله، و لا يَعْلَمُهُمْ‏ اعتراض.

و المعنى: أنّهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلّا اللّه. و لذلك قال ابن مسعود- رضي اللّه عنه-: كذب النّسّابون‏ (2).

جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ‏.

قيل‏ (3): فعضّوها غيظا ممّا جاءت به الرّسل، كقوله: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ. أو وضعوها عليها [تعجّبا منه، أو] (4) استهزاء عليه، كمن غلبه الضّحك‏ (5). أو إسكاتا للأنبياء، و أمرا لهم بإطباق الأفواه. أو أشاروا بها إلى ألسنتهم و ما نطقت به، من قولهم: إِنَّا كَفَرْنا تنبيها على أنّ لا جواب لهم سواه. أو ردّوها في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التّكلّم، و على هذا يحتمل أن يكون تمثيلا (6).

و قيل‏ (7): الأيدي بمعنى: الأيادي، أي: ردّوا أيادي الأنبياء الّتي هي مواعظهم و ما أوحي إليهم من الحكم و الشّرائع في أفواههم، لأنّهم إذ كذّبوها و لم يقبلوها فكأنّهم‏

____________

(1) لأنّ مجموع هذا الكلام لا يصحّ أن يجعل معطوفا على ما قبله.

(2) المراد من النّسّابين: الّذين يدّعون العلم بالآباء الموجودين في تلك الأزمنة المتقدّمة، و إنّما كذّبهم لأنّ اللّه- تعالى- نفى علم الآباء المذكورة عنهم، أي: عن النّسّابين.

(3) أنوار التنزيل 1/ 526.

(4) ليس في ب.

(5) ب: زيادة «أو تعجبا منه».

(6) أي: يحتمل أن يكون استعارة بأن يكون المراد من ردّ الأيدي في الأفواه منعهم عن التكلّم من غير اعتبار المعنى الحقيقي لليد.

(7) أنوار التنزيل 1/ 526.

36

ردّوها إلى حيث جاءت منه.

وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ‏: على زعمكم.

وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ‏: من الإيمان.

و قرئ‏ (1): «تدعونا» بالإدغام.

مُرِيبٍ‏ (9): موقع في الرّيبة. أو ذي ريبة، و هي قلق النّفس و أن لا تطمئنّ إلى شي‏ء.

قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌ‏ ادخلت همزة الإنكار على الظّرف، لأنّ الكلام في المشكوك فيه لا في الشّكّ‏ (2)، أي: إنّما ندعوكم إلى اللّه، و هو لا يحتمل الشّكّ لكثرة الأدّلة و ظهور دلالتها عليه. و أشار إلى ذلك بقوله: فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏: و هو صفة. أو بدل، و «شكّ» مرتفع بالظّرف.

يَدْعُوكُمْ‏: إلى الإيمان ببعثه إيّاناً (3) لِيَغْفِرَ لَكُمْ‏. أو يدعوكم إلى المغفرة، كقولك: دعوته لينصرني. على إقامة المفعول له مقام [المفعول‏] (4) به‏ (5).

مِنْ ذُنُوبِكُمْ‏.

قيل‏ (6): أي: بعض ذنوبكم، و هو ما بينكم و بينه- تعالى-. فإنّ الإسلام يجبّه دون المظالم.

و قيل‏ (7): جي‏ء «بمن» في خطاب الكفّار دون المؤمنين في جميع القرآن، تفرقة بين الخطابين. و لعلّ المعنى فيه: أنّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفّار مرتّبة على الإيمان، و حيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطّاعة و التّجنّب عن المعاصي و نحو ذلك، فتتناول الخروج عن المظالم‏ (8).

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 526.

(2) لأنّ القاعدة أن يلي الهمزة ما يتعلّق به الغرض و هو اللّه تعالى.

(3) كذا في أنوار التنزيل 1/ 526. و في النسخ:

«ببعثه إلى الإيمان» بدل «إلى الايمان ببعثه إيّانا».

(4) من المصدر.

(5) فتكون «اللّام» بمعنى «إلى» و الفعل بمعنى المصدر.

(6) أنوار التنزيل 1/ 526.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) أي: تتناول خطاب المؤمنين الخروج عن‏

37

وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى‏: إلى وقت سمّاه اللّه و جعله آخر أعماركم.

قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا: لا فضل لكم علينا، فلم تخصّون بالنّبوّة دوننا، و لو شاء اللّه أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل.

تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا: بهذه الدّعوة.

فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ‏ (10): يدلّ على فضلكم و استحقاقكم لهذه المزيّة. أو على صحّة ادّعائكم النّبوّة، كأنّهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البيّنات و الحجج، و اقترحوا عليهم آية أخرى تعنّتا و لجاجا.

قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏: سلّموا مشاركتهم في الجنس، و جعلوا الموجب لاختصاصهم بالنّبوّة فضل اللّه و منّه عليهم بخصائص فيهم ليست في أبناء جنسهم.

وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏، أي: ليس إلينا الإتيان بالآيات و لا تستبدّ به استطاعتنا حتّى نأتي بما اقترحتموه، و إنّما هو أمر يتعلّق بمشيئة اللّه فيخصّ كلّ نبيّ بنوع من الآيات.

وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏ (11): فلنتوكّل عليه في الصّبر على معاندتكم [و معاداتكم‏] (1).

عمّموا الأمر للإشعار بما يوجب التّوكّل عليه‏ (2)، و هو الإيمان، و قصدوا به أنفسهم قصدا أوّليّا. ألا ترى قوله: وَ ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ‏، أي: أيّ عذر لنا في أن لا نتوكّل عليه‏ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا: الّتي بها نعرفه، و نعلم أنّ الأمور كلّها بيده.

وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ ما آذَيْتُمُونا: جواب قسم محذوف، أكّدوا به توكّلهم و عدم مبالاتهم بما يجري من الكفّار عليهم.

وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏ (12): فليثبت المتوكّلون على ما استحدثوه‏

____________

المظالم فلم يبق عليهم سوى ما يتعلّق بحقّ اللّه- تعالى- فإذا تابوا يغفر اللّه جميع ذنوبهم، و أمّا الإيمان فلا يحصل منه الخروج من المظالم، فيغفر ما سواها، و لذا دخل «من» على مغفرة ذنوبهم ليدلّ على التبعيض.

(1) من أنوار التنزيل 1/ 527.

(2) أي: عممّوا الحكم بأنّ على جميع المؤمنين التوكّل على اللّه لكنّ المقصود بالذّات الرسل، فكأنّما قالوا: إنّ عليهم التوكّل.

38

من توكّلهم المسبّب عن إيمانهم.

و في مجمع البيان‏ (1): و روى الواقديّ، بإسناده، [عن أبي مريم‏] (2) عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: إذا آذاك البراغيث، فخذ قدحا من ماء، فاقرأ عليه سبع مرّات: وَ ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ‏ (الآية) [و قل:] (3) فإن كنتم آمنتم باللّه فكفّوا شرّكم و أذاكم عنّا. ثمّ ترشّ الماء حول فراشك، فإنّك تبيت تلك اللّيلة آمنا من شرّها.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4): و سئل- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏.

قال: الزّارعون.

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن الحسن بن ظريف، عن محمّد بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا:

حلفوا على أن يكون أحد الأمرين، إمّا إخراجهم للرّسل، أو عودهم إلى ملّتهم. و هو بمعنى الصّيرورة، لأنّهم لم يكونوا على ملّتهم قطّ.

و يجوز أن يكون الخطاب لكلّ رسول و لمن آمن معه، فغلّبوا الجماعة على الواحد.

فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ‏، أي: إلى الرّسل.

لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ‏ (13): على إضمار القول. أو إجراء الإيحاء مجراه، لأنّه نوع منه.

وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ‏، أي: أرضهم و ديارهم‏ مِنْ بَعْدِهِمْ‏.

و قرئ‏ (6): «ليهلكنّ»، و «ليسكننّكم» بالياء اعتبارا لأوحى، كقولك: أقسم زيد ليخرجنّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): حدّثني أبي، رفعه، إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه اللّه داره، و هو قوله:

____________

(1) المجمع 3/ 307.

2 و 3- من المصدر.

(4) الفقيه 3/ 160، ح 703.

(5) تفسير العياشي 2/ 222، ح 6.

(6) أنوار التنزيل 1/ 527.

(7) تفسير القمي 1/ 368.

39

وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا- إلى قوله- فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ‏.

و في مجمع البيان‏ (1): جاء في الحديث: من آذى جاره ورثه اللّه داره.

ذلِكَ‏: إشارة إلى الموحى به، و هو إهلاك الظّالمين و إسكان المؤمنين.

لِمَنْ خافَ مَقامِي‏: موقفي، و هو الموقف الّذي يقيم فيه العباد للحكومة يوم القيامة. أو قيامي عليه و حفظي لأعماله.

و قيل‏ (2): المقام مقحم.

وَ خافَ وَعِيدِ (14): أي: وعيدي بالعذاب. أو عذابي الموعود للكفّار.

و في كتاب جعفر بن محمّد الدّوريسي‏ (3): عن ابن مسعود قال: لمّا نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ تلاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- على أصحابه فخرّ فتى مغشيّا عليه، فوضع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يده على فؤاده فوجده يكاد يخرج من مكانه.

فقال: يا فتى، قل: لا إله إلّا اللّه. فتحرّك الفتى، فقالها، فبشّره النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالجنّة.

فقال القوم: يا رسول اللّه، من بيننا؟

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أما سمعتم اللّه يقول: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَ خافَ وَعِيدِ.

وَ اسْتَفْتَحُوا: سألوا من اللّه الفتح على أعدائهم. أو القضاء بينهم و بين أعدائهم، من الفتاحة بمعنى: الحكومة، كقوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ‏.

و هو معطوف على «فأوحى» و الضّمير للأنبياء.

و قيل‏ (4): للفريقين.

و قيل‏ (5): للكفرة، فإنّ كلّهم سألوه أن ينصر المحقّ و يهلك المبطل.

و قرئ‏ (6)، بلفظ الأمر، عطفا على «لنهلكنّ».

وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)، أي: ففتح لهم فأفلح المؤمنون، و خاب كلّ‏

____________

(1) المجمع 3/ 308.

(2) أنوار التنزيل 1/ 527.

(3) نور الثقلين 2/ 530، ح 35.

4 و 5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 527.

40

عات متكبّر على اللّه معاند للحقّ فلم يفلح. و معنى الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلين كان أوقع‏ (1).

و في روضة الكافي‏ (2): عدّة من أصحابنا، سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال: بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم، و لولا أن يقول فيك طوائف من أمّتي، ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا لا تمرّ بملإ من النّاس إلّا أخذوا التّراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة.

قال: فغضب الأعرابيّان و المغيرة بن شعبة و عدّة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمّه مثلا إلّا عيسى بن مريم.

فأنزل اللّه على نبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ‏، يعني: من بني هاشم‏ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ‏.

قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهريّ، فقال: اللَّهُمَّ، إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ‏ أنّ بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل‏ (3) فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏.

فأنزل اللّه عليه مقالة الحارث، و نزلت هذه الآية وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏. ثمّ قال له: يا [ابن‏] (4) عمرو، إمّا تبت و إمّا رحلت.

فقال: يا محمّد، تجعل لسائر قريش ممّا في يدك‏ (5) فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب و العجم.

____________

(1) لأنّ تحصيل نقيض ما ادّعوه أشدّ في الخيبة و الخسران.

(2) الكافي 8/ 57- 58، ح 18.

(3) هرقل: اسم ملك الروم أراد أنّ بني هاشم يتوارثون ملكا بعد ملك.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: يديك.

41

فقال له النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ليس ذلك إليّ، ذلك إلى اللّه تبارك و تعالى.

فقال: يا محمّد، قلبي ما يتابعني على التّوبة، و لكن أرحل عنك. فدعا براحلته فركبها، فلمّا صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضّت هامته‏ (1).

ثمّ أتى الوحي إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين بولاية علي ليس له دافع، من الله ذي المعارج.

قال: قلت: جعلت فداك، إنّا لا نقرأها هكذا.

فقال: هكذا، و اللّه، نزل بها جبرئيل على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هكذا هو، و اللّه، مثبت في مصحف فاطمة- (عليها السلام)-.

فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به، قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى الحسن بن الصّباح قال: حدّثني أنس، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ من أبى أن يقول: لا إله إلّا اللّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3). في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال‏: العنيد المعرض عن الحقّ.

مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ‏: أي: بين يدي هذا الجبّار نار جهنّم، فانّه مرصد بها واقف على شفيرها (4) في الدّنيا، مبعوث إليها في الآخرة.

و قيل‏ (5): من وراء حياته، و حقيقته ما توارى عنك.

وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ: عطف على محذوف، تقديره: من ورائه جهنّم يلقي فيها [ما يلقى‏] (6) و يسقى من ماء.

صَدِيدٍ (16): عطف بيان «لماء».

____________

(1) الجندلة- واحدة الجندل-: الصّخر العظيم.

و رضّ الشي‏ء: دقّه و جرشه و الهامة: الرّأس.

(2) التوحيد/ 20- 21، ح 9.

(3) تفسير القمّي 1/ 368.

(4) أي: واقف على شفير جهنّم في الدّنيا باعتبار القرب و استعداده لحصوله فيها.

(5) أنوار التنزيل 1/ 527.

(6) من المصدر.

42

قيل‏ (1): هو ما يسيل من جلود أهل النّار.

في مجمع البيان‏ (2): وَ يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، أي: و يسقى ممّا يسيل من الدّم و القيح من فروج الزّواني في النّار. عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-.

و روى أبو أمامة (3)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يقرّب إليه فيكرهه.

فإذا ادني منه شوى وجهه‏ (4) و وقعت‏ (5) فروة رأسه، فإذا شرب قطّع أمعاءه حتّى يخرج من دبره، يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ‏ و يقول: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ‏.

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين يوما، فإن مات و في بطنه شي‏ء من ذلك كان حقّا على اللّه- عزّ و جلّ- أن يسقيه من طينة خبال، و هو صديد أهل النّار و ما يخرج من فروج الزّناة، فيجتمع ذلك في قدور جهنّم، فيشربه أهل النّار فيصهر به ما في بطونهم و الجلود. رواه شعيب‏ (6) بن واقد، عن الحسين بن يزيد، عن الصّادق، عن آبائه- (عليهم السلام)-، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): قال يقرّب إليه فيكرهه، و إذا ادني منه شوى وجهه و وقعت فروة رأسه، فإذا شرب تقطّعت أمعاؤه و فرقت‏ (8) تحت قدميه، و أنّه يخرج من أحدهم مثل الوادي صديدا و قيحا.

ثمّ قال: و إنّهم ليبكون حتّى تسيل من دموعهم [فوق‏] (9) وجوههم جداول، ثمّ تنقطع الدّموع فتسيل الدّماء، حتّى لو أنّ السّفن لو أجريت فيها لجرت، و هو قوله:

وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ‏.

يَتَجَرَّعُهُ‏: يتكلّف جرعه‏ (10).

و هو صفة «الماء»، أو حال من الضّمير في «يسقى».

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) المجمع 3/ 308.

(3) المجمع 3/ 308.

(4) ليس في أ، ب، ر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: وقع.

(6) كذا في المصدر و تنقيح المقال 2/ 88. و في النسخ: شبيب.

(7) تفسير القمّي 1/ 368.

(8) المصدر: «مزّقت إلى». و الأظهر: مرقت، أي: خرجت، أو: ذهبت.

(9) من المصدر.

(10) كذا في أ، ب. و في سائر النسخ: جرعته.

43

وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ‏: و لا يقارب أن يسيغه، فكيف يسيغه بل يغصّ به فيطول عذاب.

و «السّوغ» جواز الشّراب على الحلق بسهولة.

وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ‏، أي: أسبابه من الشّدائد، فتحيط به من جميع الجهات.

و قيل‏ (1): من كل مكان [من جسده، حتّى‏] (2) من أصول شعره و إبهام رجله.

وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ‏: فيستريح.

وَ مِنْ وَرائِهِ‏: و من بين يديه.

عَذابٌ غَلِيظٌ (17): أي: يستقبل في كلّ وقت [عذابا أشدّ ممّا هو] (3) عليه.

و قيل‏ (4): هو الخلود في النّار.

و قيل‏ (5): حبس الأنفاس.

و قيل‏ (6): الآية منقطعة عن قصّة الرّسل، نازلة في أهل مكّة، طلبوا الفتح الّذي هو المطّر في سنيهم الّتي أرسل اللّه- تعالى- عليهم بدعوة رسله، فخيّب رجاءهم فلم يسقهم، و وعد لهم أن يسقيهم في جهنّم بدل سقياهم صديد أهل النّار.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّ أهل النّار لمّا غلى الزّقوم و الضّريع في بطونهم، كغلي الحميم، سألوا الشّراب، فاتوا بشراب غسّاق‏ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ و حميم تغلي به جهنّم منذ خلقت‏ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً.

مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ‏: مبتدأ خبره محذوف، أي: فيما يتلى عليكم صفتهم الّتي هي مثل في الغرابة. أو قوله: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ. و هو على الأوّل جملة مستأنفة لبيان مثلهم.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 527.

(2) ليس في أ، ب، ر.

(3) ليس في أ، ب، ر.

4 و 5 و 6- أنوار التنزيل 1/ 528.

(7) تفسير العياشي 2/ 223، ح 7.

44

و قيل‏ (1): «أعمالهم» بدل من «المثل» و الخبر «كرماد».

اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ‏: حملته و أسرعت الذّهاب به.

و قرأ (2) نافع: «الريّاح».

فِي يَوْمٍ عاصِفٍ‏.

«العصوف» اشتداد الرّيح، وصف به زمانه للمبالغة، كقولهم: نهاره صائم و ليله قائم.

شبّه صنائعهم، من الصّدقة، و صلة الرّحم، و إغاثة الملهوف، و عتق الرّقاب، و نحو ذلك من مكارمهم في حبوطها و ذهابها لبنائها على غير أساس من معرفة اللّه- تعالى- و التّوجّه بها إليه، أو أعمالهم للأصنام، كرماد طيّرته الرّيح العاصفة.

و في أصول الكافي‏ (3): محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن علا بن رزين، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر- (عليه السلام)‏-: اعلم، يا محمّد، أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون‏ (4) عن دين اللّه، قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم الّتي يعملونها كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى‏ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قال: من لم يقرّ بولاية أمير المؤمنين- (صلوات اللّه عليه)- بطل عمله، مثله مثل الرّماد الّذي تجي‏ء الرّيح فتحمله.

لا يَقْدِرُونَ‏: يوم القيامة.

مِمَّا كَسَبُوا: من أعمالهم.

عَلى‏ شَيْ‏ءٍ: لحبوطه، فلا يرون له أثرا من الثّواب. و هو فذلكة (6) التّمثيل.

ذلِكَ‏: إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنّهم محسنون.

هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (18): فإنّه الغاية في البعد عن طريق الحقّ.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ‏: خطاب للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المراد به: أمّته.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 1/ 528.

(3) الكافي 1/ 375، ح 2.

(4) كذا في ب، ر، المصدر. و في سائر النسخ:

لمعزلون.

(5) تفسير القمّي 1/ 368.

(6) الفذلكة: مجمل ما فصّل و خلاصته.

45

و قيل‏ (1): لكلّ واحد من الكفرة على التّلوين‏ (2).

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِ‏: بالحكمة و الوجه الّذي يحقّ أن تخلق عليه، و لم يخلقها عبثا باطلا.

و قرأ (3) حمزة و الكسائي: «خالق السماوات».

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19): يعدمكم و يخلق خلقا آخر مكانكم.

رتّب ذلك على كونه خالقا للسّماوات و الأرض استدلالا به عليه، فإنّ من خلق أصولهم و ما يتوقف عليه تخليقهم، ثمّ كوّنهم بتبديل الصّور و تغيير الطّبائع، قدر أن يبدلهم بخلق آخر و لم يمتنع عليه ذلك، كما قال: وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20): بمتعذّر أو متعسّر، فإنّه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، و من هذا شأنه كان حقيقا بأن يعبد و يؤمن به رجاء لثوابه و خوفا من عقابه يوم الجزاء.

وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً، أي: يبرزون من قبورهم يوم القيامة لأمر اللّه و محاسبته.

أو للّه على ظنّهم‏ (4)، فإنّهم يخفون ارتكاب الفواحش و يظنّون أنّها تخفى على اللّه، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا للّه عند أنفسهم‏ (5).

و إنّما ذكر بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه.

فَقالَ الضُّعَفاءُ: الأتباع. جمع ضعيف، يريد به: ضعفاء الرّأي.

و إنّما كتبت بالواو، على لفظ من يفخّم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو.

لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: لرؤسائهم الّذين استتبعوهم و استغووهم.

و في كتاب مصباح المتهجّد (6) لشيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)- خطبة لأمير المؤمنين- عليه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 528.

(2) أي: تغيير الكلام من طور إلى طور آخر، و هو هاهنا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.

(3) أنوار التنزيل 1/ 528.

(4) فيه: أنّه لزم أن يكون المعنى: برزوا يوم القيامة للّه على ظنهم، يكون البروز للّه مظنونا لهم يوم القيامة، لكنّ البروز المذكور معلوم لهم لا مظنون إلّا أن يقال الظّنّ بمعنى: العلم.

و الاولى أن يقال: برزوا للّه على علمهم، أو برزوا على خلاف ظنّهم في الدنيا.

(5) أي: يتيقنوا في تلك الحالة أنّهم مكشوفون للّه- تعالى-.

(6) مصباح المتهجّد/ 701.

46

السّلام- خطب بها يوم الغدير، و فيها يقوم- (عليه السلام)-: و تقرّبوا إلى اللّه بتوحيده و طاعته من أمركم أن تطيعوه، و لا تمسكوا بعصم الكوافر، و لا يخلج بكم البغي فتضلّوا عن سبيل الرّشاد باتّباع أولئك الّذين ضلّوا و أضلّوا، قال اللّه- عزّ من قائل- في طائفة ذكرهم بالذّمّ في كتابه: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا.

... إلى قوله- (عليه السلام)-: و قال- تعالى-: وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا (1) مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ‏ (2) أ فتدرون الاستكبار ما هو؟ هو ترك الطّاعة لمن أمروا بطاعته، و التّرفع على من ندبوا إلى متابعته، و القرآن ينطق من هذا عن كثير، إن تدبّره متدبّر زجره و وعظه.

إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً: في تكذيب الرّسل و الإعراض عن نصائحهم.

و هو جمع تابع، كغائب و غيب. أو مصدر نعت به للمبالغة، أو على إضمار المضاف.

فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا: دافعون عنّا.

مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ.

«من» الأولى للبيان، واقعة موقع الحال. و الثّانية للتّبعيض، واقعة موقع المفعول، أي: بعض الشّي‏ء الّذي هو عذاب اللّه- تعالى-.

و يجوز أن يكونا للتّبعيض، أي: بعض شي‏ء هو بعض عذاب اللّه- تعالى-.

و الإعراب ما سبق‏ (3).

و يحتمل أن تكون الأولى مفعولا. و الثّانية مصدرا، أي: فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإغناء.

قالُوا، أي: الّذين استكبروا، جوابا عن معاتبة الأتباع و الاعتذار عمّا فعلوا بهم.

لَوْ هَدانَا اللَّهُ‏: للإيمان و وفّقنا له‏ لَهَدَيْناكُمْ‏، و لكن ضللنا فأضللناكم، أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا. أو لو هدانا اللّه طريق النّجاة من العذاب لهديناكم‏

____________

(1) المؤمن/ 47.

(2) إبراهيم/ 21.

(3) بأن يكون «من عذاب» حالا، و «من شي‏ء» مفعولا.

47

و أغنيناه عنكم، كما عرّضناكم له، لكن سدّدوننا طريق الخلاص.

سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا: مستويان علينا الجزع و الصّبر.

ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ‏ (21): منجى و مهرب من العذاب. من الحيص، و هو العدول على جهة الفرار.

و هو يحتمل أن يكون مكانا، كالمبيت. أو مصدرا، كالمغيب.

وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ قيل‏ (1): احكم و فرغ منه، و ادخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النّار النّار، خطيبا في الأشقياء من الثّقلين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): أي: لمّا فرغ من أمر الدّنيا من أوليائه.

و فيه، و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن حريز، عمّن ذكره، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏-: كلّما في القرآن‏ وَ قالَ الشَّيْطانُ‏ يريد به: الثّاني.

إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ‏: وعدا من حقّه أن ينجز. أو وعدا أنجزه، و هو وعد البعث و الجزاء، فوفى لكم بما وعدكم‏ (4).

وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ‏: جعل تبيين خلف وعده، كالإخلاف منه.

وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏: تسلّط، فالجئكم إلى الكفر و المعاصي.

إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ: إلّا دعائي إياكم إليهما (5) بتسويلي و وسوستي. و هو ليس من جنس السّلطان، و لكنّه على طريقة قولهم:

تحيّة بينهم ضرب وجيع‏ (6)

و يجوز أن يكون الاستثناء منقطعا.

فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏: أسرعتم إجابتي.

فَلا تَلُومُونِي‏: بوسوستي، فإنّ من صرّح العداوة (7) لا يلام بأمثال ذلك.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 529.

(2) تفسير القمّي 1/ 368.

(3) تفسير العياشي 2/ 223، ح 8. و لم نعثر عليه في تفسير القمّي.

(4) فالأوّل باعتبار استحقاقه للإنجاز و الثاني باتّصافه بالإنجاز بالفعل.

(5) أي: الكفر و المعاصي.

(6) فتكون الدعوة سلطنة تقديرا، كما يقدّر الضرب تحيّة.

(7) أ، ب: بالعداوة.

48

وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ‏: حيث اغتررتم بي و أطعتموني إذ دعوتكم، و لم تطيعوا ربّكم لمّا دعاكم.

و في نهج البلاغة (1): قال- (عليه السلام)‏-: دعاهم ربّهم فنفروا (2) و ولّوا، و دعاهم الشّيطان فاستجابوا و أقبلوا.

ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ‏: بمغيثكم من العذاب.

وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ‏: بمغيثيّ.

و قرأ (3) حمزة، بكسر الياء.

قيل‏ (4): إمّا على الأصل في التقاء السّاكنين، و هو أصل مرفوض في مثله، لما فيه.

من اجتماع ياءين و ثلاث كسرات مع أنّ حركة ياء الإضافة الفتح، فإذا لم تكسر و قبلها ألف فبالحريّ أن لا تكسر و قبلها ياء (5). أو على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة، إجراء لها مجرى الهاء و الكاف‏ (6) في «ضربته، و أعطيتكه» و حذف الياء اكتفاء بالكسرة.

إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏.

قيل‏ (7): «ما» إمّا مصدريّة و «من» متعلّقة «بأشركتموني»، أي: أنّي كفرت اليوم بإشراككم إيّاي‏ (8) من قبل هذا اليوم، أي: في الدّنيا، بمعنى: تبرّأت منه و استنكرته، كقوله: وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ‏.

أو موصولة، بمعنى: من نحو ما في قولهم: سبحانه ما سخركنّ لنا، و «من» متعلّقة «بكفرت»، أي: كفرت بالّذي أشركتمونيه، و هو اللّه- تعالى- بطاعتكم إيّاي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام و غيرها «من قبل» إشراككم حين رددت أمره بالسّجود لآدم.

____________

(1) نهج البلاغة/ 202 الخطبة 144.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: فتفرّقوا.

3 و 4- أنوار التنزيل 1/ 529.

(5) أي: إذا لم تكسر ياء الإضافة و قبلها ألف في مثل: غلاماي، فبطريق الأولى أن لا تكسر و قبلها ياء لزيادة الثقل.

(6) فكما أنّه يزاد الواو و الياء بعد الهاء و الكاف تمّ حذف الياء و اكتفي بالكسر، كذلك حذف الهاء هاهنا و اكتفي بالكسر.

(7) أنوار التنزيل 1/ 529.

(8) إشراكهم الشّيطان باعتبار أنّ عبادة الأصنام في الحقيقة عبادة الشيطان لأنّه أوقعهم في عبادتها.

49

و «أشرك» منقول من: شركت زيدا، للتّعدية إلى مفعول ثان.

و في الخبر ما يؤيّد الأوّل،

ففي أصول الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: و الوجه الخامس من الكفر كفر البراءة.

قال: قال: يذكر إبليس و تبرّيه من أوليائه من الإنس يوم القيامة إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏.

و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

و في كتاب التّوحيد (2): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)- و قد ذكر قوله- تعالى-: يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً:

و الكفر في هذه الآية البراءة، يقول: فيبرأ بعضهم من بعض. و نظيرها في سورة إبراهيم قول الشّيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏. و قول إبراهيم خليل الرّحمن:

كَفَرْنا بِكُمْ‏، يعني: تبرّأنا منكم.

إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (22): تتمّة كلامه، أو ابتداء كلام من اللّه- تعالى-. و في حكاية أمثال ذلك لطف للسّامعين، و إيقاظ لهم، حتّى يحاسبوا أنفسهم و يتدبّروا عواقبهم.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: أنّه إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلّا و سبعين كبلا (4)، فينظر الأوّل إلى زفر في عشرين و مائة كبل و عشرين و مائة غلّ، فينظر إبليس فيقول: من هذا (5) الّذي أضعف‏ (6) اللّه له العذاب، و أنا أغويت هذا الخلق جميعا؟

فيقال: هذا زفر.

فيقول: بما حدّد (7) له هذا العذاب؟

فيقال‏ (8): ببغيه على عليّ- (عليه السلام)-.

فيقول له إبليس: ويل لك و ثبور لك، أما علمت أنّ اللّه أمرني بالسّجود لآدم‏

____________

(1) الكافي 2/ 390، ح 1.

(2) التوحيد/ 260، ح 5.

(3) تفسير العياشي 2/ 223، ح 9.

(4) الكبل: القيد.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: هو.

(6) المصدر: أضعفه.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: جدّد.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: فيقول.

50

فعصيته، و سألته أن يجعل بالسّجود لآدم فعصيته، و سألته أن يجعل لي سلطانا على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أهل بيته و شيعته فلم يجبني إلى ذلك و قال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ‏ و ما عرفتهم حين استثناهم‏ (1) وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ‏؟ فمنّتك به نفسك غرورا.

فيوقف بين يدي الخلائق، فيقال‏ (2) له: ما الّذي كان منك إلى عليّ، و إلى الخلق الّذي اتّبعوك على الخلاف؟

فيقول الشّيطان، و هو زفر، لإبليس: أنت أمرتني بذلك.

فيقول له إبليس: فلم عصيت ربّك و أطعتني؟

فيردّ زفر عليه ما قال اللّه: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏ (الآية).

وَ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ‏: بإذن اللّه و أمره. و المدخلون الملائكة.

و قرئ‏ (3). «ادخل» على التّكلّم، فيكون قوله: «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» متعلّقا بقوله:

تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ‏ (23)، أي: تحيّيهم الملائكة بالسّلام بإذن ربّهم.

أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا: كيف اعتمده و وضعه.

كَلِمَةً طَيِّبَةً: قولا حقّا، و دعاء إلى صلاح.

كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ: يطيب ثمرها، كالنّخلة، أي: جعل كلمة طيّبة، كشجرة طيّبة. و هو تفسير لقوله‏: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا.

و يجوز أن تكون «كلمة» بدلا من «مثلا» و «كشجرة» صفتها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي كشجرة. و أن تكون أوّل مفعولي «ضرب» إجراء لها مجرى «جعل».

و قد قرئت‏ (4)، بالرّفع، على الابتداء.

و في مجمع البيان‏ (5): كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ روى أنس، عن النّبيّ- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: من استثناءهم.

(2) المصدر: فقال.

(3) أنوار التنزيل 1/ 530.

(4) أنوار التنزيل 1/ 530.

(5) المجمع 3/ 312.

51

و آله‏-: أنّ هذه الشّجرة الطّيّبة [هي‏] (1) النّخلة.

أَصْلُها ثابِتٌ‏: في الأرض، ضارب بعروقه فيها.

وَ فَرْعُها: و أعلاها فِي السَّماءِ (24).

قيل‏ (2): يجوز أن يريد: و فروعها، أي: أفنانها، على الاكتفاء بلفظ الجنس لاكتسابه الاستغراق من الإضافة.

تُؤْتِي أُكُلَها: تعطي ثمرها.

كُلَّ حِينٍ‏: وقّته اللّه لأثمارها.

بِإِذْنِ رَبِّها: بإرادة خالقها و تكوينه.

وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (25): لأنّ في ضربها زيادة إفهام و تذكير، فإنّه تصوير للمعاني و إدناء لها من الحسّ.

و في أصول الكافي‏ (3). عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن سيف، عن أبيه، عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه:

كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ.

قال: فقال: رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أصلها، و أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فرعها، و الأئمّة من ذرّيّتهما أغصانها، و علم الأئمّة ثمرها، و شيعتهم المؤمنون ورقها، [هل فيها فضل؟

قال: قلت: لا، و اللّه‏] (4).

قال: و اللّه، إنّ المؤمن ليولد فتورق ورقة، [فيها] (5)، و أنّ المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها.

و في كتاب الخصال‏ (6): عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خلق النّاس من شجر (7) شتّى، و خلقت أنا و ابن أبي طالب من شجرة واحدة، أصلي عليّ و فرعي جعفر.

____________

(1) من المصدر.

(2) أنوار التنزيل 1/ 530.

(3) الكافي 1/ 428، ح 80.

4 و 5- من المصدر.

(6) الخصال 1/ 21، ح 72.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: شجرة.

52

و في كتاب كمال الدّين و تمام النّعمة (1)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن حمّاد: عن عمر بن سالم صاحب السّابريّ‏ (2) قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن هذه الآية أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ.

قال: أصلها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و فرعها أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، و الحسن و الحسين ثمرها، و تسعة من ولد الحسين أغصانها، و الشّيعة ورقها. و اللّه، إنّ الرّجل منهم ليموت فتسقط ورقة من تلك الشّجرة.

قلت: قوله: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

قال: ما يخرج من علم الإمام إليكم في كلّ سنة من حجّ و عمرة (3).

و في الخرائج و الجرائح‏ (4): و روي عن الحلبيّ، عن الصّادق- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا، و في آخره: يقول الباقر- (عليه السلام)-: و أخبركم عمّا أردتم أن تسألوا عنه في قوله- تعالى-: شجرة أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ نحن نعطي شيعتنا ما نشاء من العلم.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (5)، بإسناده إلى السّكونيّ: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه- (عليهما السلام)-: أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال‏ في رجل نذر أن يصوم زمانا، قال: الزّمان خمسة أشهر، و الحين ستّة أشهر، لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

و في الكافي‏ (6)، مثله سواء.

و في كتاب معاني الأخبار (7): حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق قال: حدّثنا [محمّد بن‏] (8) عبد العزيز بن يحيى قال: حدّثني عبد اللّه بن محمّد الضّبيّ‏ (9) قال: حدّثنا

____________

(1) كمال الدين/ 345، ح 30.

(2) كذا في المصدر و تنقيح المقال 2/ 344. و في النسخ: عمر بن صالح السابريّ.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: من كلّ فجّ عميق.

(4) الخرائج 2/ 597، ح 8.

(5) العلل/ 387، ح 1.

(6) الكافي 4/ 142، ح 5.

(7) المعاني/ 400، ح 61.

(8) ليس في المصدر.

(9) ب: زيادة قال: حدثني عبد اللّه بن هلال.

53

محمد (1) بن هلال قال: حدّثنا نائل‏ (2) بن نجيج قال: حدّثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفيّ قال: سألت أبا جعفر، محمّد بن عليّ الباقر عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

قال: [أمّا] (3) الشّجرة فرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و فرعها عليّ- (عليه السلام)-، و غصن الشّجرة فاطمة بنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و ثمرها أولادها- عليهم صلوات اللّه-، و ورقها شيعتنا.

ثمّ قال: إنّ المؤمن من شيعتنا ليموت فتسقط من الشّجرة ورقة، و أنّ المولود من شيعتنا ليولد فتورق‏ (4) الشّجرة ورقة.

و في مجمع البيان‏ (5): و روي عن ابن عبّاس قال: قال جبرئيل للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: أنت الشّجرة، و عليّ غصنها، و فاطمة ورقها، و الحسن و الحسين ثمارها.

[تُؤْتِي أُكُلَها، أي: تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها] (6).

كُلَّ حِينٍ‏، أي: في كلّ ستّة أشهر. عن أبي جعفر- (عليه السلام)

-.

و في الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- أنّه سئل عن رجل قال: للّه عليّ أن أصوم حينا، و ذلك في شك‏ (8) شكر.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: قد اتي عليّ- (عليه السلام)- في مثل هذا، فقال:

صم ستّة أشهر، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها، يعني:

ستّة أشهر.

محمّد بن يحيى‏ (9)، رفعه، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: تقول إذا غرست أو زرعت: مثل كلمة طيبة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عبد.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: قابل.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فتوقع.

(5) المجمع 3/ 312.

(6) من المصدر.

(7) الكافي 4/ 142، ح 6.

(8) ليس في المصدر.

(9) الكافي 5/ 263، ح 6.

54

و في كتاب الاحتجاج‏ (1) للطّبرسيّ- رضي اللّه عنه-: عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: و جعل أهل الكتاب المقيمين به و العالمين‏ (2) بظاهره و باطنه من شجرة أصلها ثابت و فرعها في السّماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، أي: يظهر مثل هذا العلم المحتملة في الوقت [بعد الوقت‏] (3)، و لو علم المنافقون- لعنهم اللّه- ما عليهم من ترك هذه الآيات الّتي بيّنت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا [منه.]

(4)

و في تفسير العيّاشي‏ (5): عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً (الآية): هذا مثل ضربه اللّه لأهل بيت نبيّه و لمن عاداهم.

وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ: قول باطل، و دعاء إلى ضلال و فساد.

كَشَجَرَةٍ: كمثل شجرة.

خَبِيثَةٍ: لا يطيب ثمرها، كالحنظل مثلا.

اجْتُثَّتْ‏: استؤصلت و أخذت جثّتها بالكلّيّة.

مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ‏: لأنّ عروقها قريبة منها.

ما لَها مِنْ قَرارٍ (26): استقرار.

و في مجمع البيان‏ (6): عن الباقر- (عليه السلام)‏-: أنّ هذا مثل بني أميّة.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن زرارة و حمران، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله اللّه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ قال: يعني: النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و الائمّة من بعده هم‏] (8) الأصل الثّابت، و الفرع و الولاية لمن دخل فيها.

عن عبد الرّحمن بن سالم الأشلّ‏ (9)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ (الآيتين) قال: هذا مثل ضربه اللّه لأهل بيت نبيّه، و لمن عاداهم هو مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ (الآية).

____________

(1) الاحتجاج 1/ 252- 253.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: القائمين به و العاملين.

3 و 4- من المصدر.

(5) تفسير العياشي 2/ 225، ح 15.

(6) المجمع 3/ 313.

(7) تفسير العياشي 2/ 224، ح 10.

(8) من المصدر.

(9) تفسير العياشي 2/ 225، ح 15.

55

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): حدثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- تعالى-: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً (2) (الآية).

قال: الشّجرة السّلام‏ (3) رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (4) و نسبه ثابت في بني هاشم، و فرع الشّجرة عليّ بن أبي طالب، و غصن الشّجرة فاطمة- (عليهما السلام)-، و ثمرها (5) الأئمّة من ولد عليّ و فاطمة- (عليهما السلام)-، [و الأئمة من أولادها أغصانها] (6) و شيعتهم‏ (7) ورقها. و إنّ المؤمن من شيعتنا ليموت فتسقط من الشّجرة ورقة، و أنّ المؤمن ليولد فتورق الشّجرة.

قلت: أ رأيت قوله: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

قال: يعني بذلك: ما يفتون به الأئمّة شيعتهم في كلّ حجّ و عمرة من الحلال و الحرام، ثمّ ضرب اللّه لأعداء آل‏ (8) محمّد [مثلا] (9) فقال: وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ.

و في رواية أبي الجارود (10)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السّماء، و بنو أميّة لا يذكرون اللّه في مسجد و لا في مجلس و لا تصعد أعمالهم إلى السّماء إلّا قليل منهم.

و في مصباح الكفعميّ‏ (11): عن عليّ- (عليه السلام)‏-: من به الثّؤلول‏ (12) فليقرأ عليها هذه الآيات سبعا في نقصان الشّهر وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا.

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ‏: الّذي ثبت بالحجّة عندهم، و تمكنّ‏

____________

(1) تفسير القمّي 1/ 369.

(2) أ، ب، ر: خبيثة.

(3) ليس في المصدر. و في ب: «الإسلام» بدل «السلام».

(4) المصدر: «أصلها» بدل «و».

(5) المصدر: ثمرتها.

(6) ليس في المصدر.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: شيعتها.

(8) ليس في المصدر.

(9) من المصدر.

(10) تفسير القمّي 1/ 369.

(11) مصباح الكفعميّ/ 158.

(12) الثؤلول: خراج يكون بجسد الإنسان ناتئ صلب مستدير.

56

في قلوبهم، و اطمأنّت إليه أنفسهم.

فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: فلا يضلّون إذا افتتنوا في دينهم.

وَ فِي الْآخِرَةِ: فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في الموقف، و لا تدهشهم أهوال القيامة.

وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ‏: الّذين ظلموا أنفسهم بالجحود و الاقتصار على التّقليد، فلا يهتدون إلى الحقّ، و لا يثبتون في موافق الفتن.

وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27): من تثبيت المؤمنين، و خذلان الكافرين.

و في الكافي‏ (1): علي بن إبراهيم [عن أبيه‏] (2)، عن عمرو (3) بن عثمان. و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن [محمد بن‏] (4) أبي نصر و الحسن بن عليّ، جميعا، عن أبي جميلة، مفضّل بن صالح، عن جابر، عن عبد الأعلى، و عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن إبراهيم عن‏ (5) عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة قال:

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدّنيا و أوّل يوم من أيّام الآخرة مثّل له ماله و ولده و عمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: و اللّه، إنّي كنت عليك لحريصا شحيحا، فما لي عندك؟

فيقول: خذ منّي كفنك.

قال: فيلتفت إلى ولده فيقول: و اللّه، إنّي كنت لكم لمحبّا و إنّي كنت عليكم لمحاميا، فما (6) لي عندكم؟

فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك‏ (7) و نواريك فيها.

قال: فيلتفت إلى عمله فيقول‏ (8): إنّي كنت فيك لزاهدا (9) و أنّك‏ (10) كنت عليّ لثقيلا، فما لي‏ (11) عندك؟

____________

(1) الكافي 3/ 231- 233، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) كذا في المصدر و تنقيح المقال 2/ 335. و في النسخ: عمر.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بن.

(6) المصدر: زيادة ذا.

(7) ليس في المصدر.

(8) المصدر: زيادة «و اللّه».

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: لزاهد.

(10) المصدر: و إن.

(11) المصدر: فما ذا.

57

فيقول: أنا قرينك في قبرك و يوم نشرك، حتّى اعرض أنا و أنت على ربّك.

قال: فإن كان للّه وليا (1) أتاه أطيب خلق اللّه‏ (2) ريحا و أحسنهم منظرا و أحسنهم رياشا، فيقول‏ (3): أبشر بروح و ريحان و جنّة نعيم، و مقدمك خير مقدم.

فيقول له: من أنت؟

فيقول: أنا عملك الصّالح ارتحل من الدّنيا إلى الجنّة.

و إنّه ليعرف غاسله، و يناشد حامله أن يعجّله. فإذا ادخل قبره أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما و يخدّان الأرض بأقدامهما (4)، و أصواتهما كالرّعد القاصف، و أبصارهما كالبرق الخاطف فيقولان له: من ربّك، و ما دينك، و من نبيّك، [و من إمامك؟] (5).

فيقول: اللّه ربّي، و الإسلام ديني، و نبيّي محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- [و إمامي عليّ‏] (6).

فيقولان له: ثبّتك اللّه فيما يحبّ و يرضى‏ (7).

و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.

ثمّ يفسحان له في قبره مدّ بصره، ثمّ يفتحان له بابا إلى الجنّة، ثمّ يقولان له: نم قرير العين نوم الشّابّ النّاعم، فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا.

قال: و إذا كان للّه عدوّا (8) [فإنّه‏] (9) يأتيه أقبح [من‏] (10) خلق اللّه [زيّا و رؤيا] (11) و أنتنه‏ (12) ريحا، فيقول له: أبشر بنزل من حميم و تصلية جحيم.

و إنّه ليعرف غاسله، و يناشد حملته أن يحبسوه. فإذا ادخل قبره‏ (13) و (14) أتاه ملكا

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: وليّ.

(2) المصدر: خلق النّاس.

(3) المصدر: فقال.

4 و 5 و 6- ليس في المصدر.

(7) المصدر: تحبّ و ترضى.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: عدوّ.

9 و 10- من المصدر.

(11) من المصدر. و في النسخ: «ريشا» بدل «زيّا و رؤيا».

(12) المصدر: أنته.

(13) المصدر: القبر.

(14) ليس في المصدر.

58

القبر (1) فألقيا أكفانه، ثمّ يقولان له: من ربّك، و ما دينك، و من نبيّك، [و من إمامك؟] (2).

فيقول: لا أدري.

فيقولان له‏ (3): لا دريت و لا هديت. و يضربان يا فوخه بمرزبة (4) معهما ضربة ما خلق اللّه من دابّة إلّا و تذعر (5) لها ما خلا الثقلين‏ (6)، ثمّ يفتحان له بابا إلى النّار، ثمّ يقولان له: نم‏ (7) بسوء حال فيه. و يكون‏ (8) فيه من الضّيق مثل ما فيه القنا (9) من الزّجّ‏ (10)، حتّى أنّ دماغه ليخرج من بين ظفره و لحمه، و يسلّط اللّه عليه حيّات الأرض و عقاربها و هو امّها فتنهشه حتّى يبعثه اللّه من قبره، و [أنّه‏] (11) يتمنّى قيام السّامة ممّا (12) هو فيه من الشّرّ، نعوذ باللّه من عذاب القبر.

محمّد بن يحيى‏ (13)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ المؤمن إذا اخرج‏ (14) من بيته شيّعته الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه، حتّى إذا انتهي به إلى قبره قالت له الأرض: مرحبا بك و أهلا، أما و اللّه لقد كنت أحبّ أن يمشي عليّ مثلك، لترينّ ما أصنع بك‏ (15). فتوسع له مدّ بصره، و يدخل عليه في قبره ملكا القبر، و هما قعيدا القبر، منكر و نكير، فيلقيان فيه الرّوح إلى حقويه‏ (16)، فيقعدانه و يسألانه، فيقولان له: من ربّك؟

____________

(1) المصدر: ممتحنا القبر.

2 و 3- ليس في المصدر.

(4) المرزبة: عصاة كبيرة من حديد تتخذ لتكسير المدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: «ترعد» بدل «و تذعر».

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الثقلان.

(7) ليس في أ، ب.

(8) ليس في المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: «من القناة».

(10) كذا في المصدر. و في أ، ب، ر: البرج. و في سائر النسخ: البرخ. و الزّجّ: الحديدة في طرف الرّمح.

(11) من المصدر.

(12) المصدر: فيما.

(13) الكافي 3/ 239- 240، ح 12.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: خرج.

(15) كذا في المصدر. و في النسخ: به.

(16) الحقو: الخصر.

59

فيقول: اللّه.

فيقولان: ما دينك؟

فيقول: الإسلام.

فيقولان: و من نبيّك؟

فيقول: محمّد.

فيقولان: و من إمامك؟

فيقول: فلان.

قال: فينادي مناد من السّماء: صدق عبدي، افرشوا له في قبره من الجنّة، و افتحوا له [في قبره‏] (1) بابا إلى الجنّة، و ألبسوه من ثياب الجنّة حتّى يأتينا و ما عندنا خير له.

ثمّ يقال له: نم نومة [عروس، نم نومة] (2) لا حلم فيها.

قال: و إن كان كافرا خرجت الملائكة تشيّعه إلى قبره يلعنونه، حتّى إذا انتهى‏ (3) إلى قبره قالت له الأرض: لا مرحبا بك و لا أهلا، أما و اللّه لقد كنت أبغض أن يمشي عليّ مثلك، لا جرم لترينّ ما أصنع بك اليوم. فتضيق عليه حتّى تلتقي جوانحه‏ (4).

قال: ثمّ يدخل عليه ملكا القبر، و هما قعيدا القبر، منكر و نكير.

قال أبو بصير: قلت‏ (5): جعلت فداك، يدخلان على المؤمن و الكافر في صورة واحدة؟

قال: لا.

قال: فيقعدانه و يلقيان فيه الرّوح إلى حقويه، فيقولان له: من ربّك؟

فيتلجلج‏ (6)، و يقول: قد سمعت النّاس يقولون‏ (7).

فيقولان له: لا دريت‏ (8). و يقولان له: ما دينك؟

فيتلجلج.

فيقولان له: لا دريت. و يقولان له: من نبيّك؟

____________

1 و 2- من المصدر.

(3) المصدر: زيادة «به».

(4) الجوانح: الأضلاع الّتي تحت الترائب، و هي ممّا يلي الصّدر، كالضّلوع مما يلي الظهر.

(5) ليس في المصدر.

(6) التلجلج: التردّد في الكلام.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: لادريته.

60

فيقول: قد سمعت النّاس [يقولون‏] (1).

فيقولان له: لا دريت. و يسأل‏ (2) عن إمام زمانه.

قال: فينادي مناد من السّماء: كذب عبدي، افرشوا له في قبره من النّار، و ألبسوه من ثياب النّار، و افتحوا له بابا إلى النّار حتّى يأتينا و ما عندنا شرّ له. فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات، ليس منها ضربة إلّا يتطاير قبره نارا، لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة (3) لكانت رميما.

و قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و يسلّط اللّه عليه في قبره الحيّات تنهشه نهشا، و الشّيطان يغمّه غمّا.

قال: و يسمع عذابه من خلق اللّه إلّا الجنّ و الأنس‏ (4)، و أنّه ليسمع خفق نعالهم و نفض‏ (5) أيديهم، و هو قول اللّه- عزّ و جلّ-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (6): و قال الصّادق- (عليه السلام)-: إنّ الشّيطان ليأتي الرّجل من أوليائنا عند موته عن يمينه و عن شماله ليضلّه عمّا هو عليه، فيأبى اللّه- عزّ و جلّ- له ذلك، و ذلك قول اللّه- عزّ و جلّ-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قالا: إذا وضع الرّجل في قبره أتاه ملكان: ملك عن يمينه و ملك عن يساره، و أقيم الشّيطان بين يديه عيناه من نحاس.

فيقال: ما تقول في هذا الرّجل الّذي خرج‏ (8) بين ظهرانيكم، يزعم أنّه رسول اللّه؟

فيفزع لذلك فزعة، و يقول إن كان مؤمنا: محمّد رسول اللّه.

فيقال له عند ذلك: نم نومة لا حلم فيها.

____________

(1) من المصدر.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يسألان.

(3) تهامة: من أسماء مكّة المكرّمة.

(4) المصدر: زيادة «قال».

(5) المصدر: و نقض.

(6) الفقيه 1/ 80- 81، ح 363.

(7) تفسير العياشي 2/ 225، ح 17.

(8) المصدر: زيادة «من».

61

و يفسح‏ (1) له في قبره تسعة أذرع، و يرى مقعده من الجنّة، و هو قول اللّه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ.

و إن كان كافرا، قالوا: من‏ (2) هذا الرّجل الّذي كان بين ظهرانيكم، يقول: إنّه رسول اللّه؟

فيقول: ما أدري. فيخلّى بينه و بين الشّيطان.

عن محمّد بن مسلم‏ (3)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا وضع‏ (4) الرّجل في قبره أتاه ملكان: ملك عن يمينه و ملك عن شماله، و أقيم الشّيطان بين يديه‏ (5) عيناه من نحاس.

فيقال له: كيف تقول في هذا الرّجل الّذي خرج بين ظهرانيكم؟

قال: فيفزع لذلك، فيقول إن كان مؤمنا: عن محمّد تسألان؟

فيقولان له عند ذلك: نم نومة لا حلم فيها. و يفسح‏ (6) له في قبره سبعة (7) أذرع، و يرى مقعده من الجنّة.

و إن كان كافرا قيل له: ما تقول: في هذا الرّجل الّذي [خرج‏] (8) بين ظهرانيكم؟

فيقول: ما أدري. و يخلّى بينه و بين الشّيطان، و يضرب بمرزبة من حديد (9) يسمع صوته كلّ شي‏ء، و هو قول اللّه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.

و في عيون الأخبار (10): عن محمّد بن سنان قال: دخلت على أبي الحسن- (عليه السلام)- قبل أن يحمل إلى العراق بسنة، و عليّ، ابنه- (عليه السلام)- بين يديه.

فقال لي‏ (11): يا محمّد.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: و يفتح.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: ما.

(3) تفسير العياشي 2/ 227، ح 19.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: وقع.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: يده.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: يفتح.

(7) بعض نسخ المصدر: خمسة.

(8) من المصدر.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: خدّيه.

(10) العيون 1/ 26- 27، ح 29.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: «فيقال» بدل «فقال لي».

62

قلت: لبّيك.

قال: إنّه سيكون في هذه السّنة حركة فلا تجزع منها. ثمّ أطرق و نكت بيده بالأرض‏ (1)، و رفع رأسه إليّ و هو يقول: وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.

قلت: و ما ذاك، جعلت فداك؟

قال: من ظلم ابني هذا حقّه و جحد إمامته من بعدي كان، كمن ظلم عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- حقّه و جحد إمامته من [بعد] (2) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و بإسناده إلى الرّيّان بن الصّلت‏ (3) قال سمعت الرّضا- (عليه السلام)- يقول: ما بعث اللّه- عزّ و جلّ- نبيّا إلّا بتحريم الخمر، و أن يقرّ له بإنّ اللّه يفعل ما يشاء، و أن يكون من تراثه الكندر (4).

و في كتاب التّوحيد (5)، بإسناده إلى عبد اللّه بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبد اللّه، جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً.

فقال: إنّ اللّه- تبارك و تعالى- يضلّ اللّه‏ (6) الظّالمين يوم القيامة عن دار كرامته، و يهدي أهل الإيمان و العمل الصّالح إلى جنّته، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، و قال- عزّ و جلّ-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً، أي: شكر نعمته كفرا، بأن وضعوه مكانه. أو بدّلوا نفس النّعمة كفرا، فإنّهم لمّا كفروها سلبت منهم، فصاروا تاريكن لها محصّلين للكفر بدلها.

وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ‏: الّذين تابعوهم في الكفر.

دارَ الْبَوارِ (28): دار الهلاك بحملهم على الكفر.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: إلى الأرض.

(2) من المصدر.

(3) العيون 2/ 14، ح 33.

(4) الكندر: اللّبان، و هو نبات من الفصيلة البخوريّة يفرز صمغا.

(5) التوحيد/ 241، ح 1، و نور الثقلين 2/ 542، ح 78.

(6) ليس في نور الثقلين.

63

جَهَنَّمَ‏: عطف بيان لها.

يَصْلَوْنَها: حال منها. أو من القوم، أي: داخلين فيها مقاسين لحرّها. أو مفسّر لفعل مقدّر ناصب لجهنّم.

وَ بِئْسَ الْقَرارُ (29)، أي: و بئس المقرّ جهنّم.

و في أصول الكافي‏ (1): الحسين بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن بسطام بن مرّة، عن إسحاق بن حسّان، عن الهيثم بن واقد، عن عليّ بن الحسين العبديّ، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-: ما بال أقوام غيّروا سنّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و عدلوا عن وصيّه، لا يتخوّفون أن ينزل بهم العذاب.

ثمّ تلا هذه الآية [أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ‏] (2) ثمّ قال: نحن النّعمة التي أنعم اللّه بها على عباده، و بنا يفوز من فاز يوم القيامة.

الحسين بن محمّد (3)، عن معلّى بن محمّد [محمد] (4) بن أورمة، عن علي بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ‏ (الآية).

قال: عنى بها: قريشا قاطبة، الّذين عادوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نصبوا له الحرب، و جحدوا وصيّه‏ (5).

و في روضة الكافي‏ (6): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن الحرث النّصريّ قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً.

قال: ما يقولون‏ (7) في ذلك؟

قلت: يقولون‏ (8): هم الأفجران من قريش، بنو أميّة، و بنو المغيرة.

قال: ثمّ قال: هي، و اللّه، قريش قاطبة، إنّ اللّه- تبارك و تعالى- خاطب نبيّه‏

____________

(1) الكافي 1/ 217، ح 1.

(2) من المصدر.

(3) الكافي 1/ 217، ح 4.

(4) من المصدر.

(5) المصدر: و جحدوا وصيّة وصيّه.

(6) الكافي 8/ 103، ح 77.

(7) المصدر: تقولون.

(8) المصدر: نقول.

64

- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: إنّي فضّلت قريشا على العرب، و أتممت عليهم نعمتي، و بعثت إليهم رسولا (1) «فبدلوا نعمتي كفرا و أحلّوا قومهم دار البوار».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن هذه الآية.

قال: نزلت في الأفجرين من قريش‏ (3)، بني أميّة، و بني المغيرة. فأمّا بنو المغيرة فقطع اللّه دابرهم يوم بدر، و أمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين.

ثمّ قال: و نحن، و اللّه، نعمة اللّه الّتي أنعم بها على عباده، و بنا يفوز من فاز.

حدّثني أبي‏ (4)، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن ظريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الشّجر لم يزل حصيدا كلّه حتّى دعي للرّحمن ولد، [عزّ الرحمن و] (5) جلّ أن يكون له ولد فكادت السّموات يتفطّرن منه و تنشقّ الأرض و تخرّ الجبال هدّا، فعند ذلك اقشعرّ الشّجر و صار له شوك حذار أن ينزل به العذاب، فما بال أقوام‏ (6) غيّروا سنّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-. و ذكر إلى آخر ما نقلت عن أصول الكافي سواء.

و في تفسير العيّاشي‏ (7): عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏- في هذه الآية: نحن نعمة اللّه الّتي أنعم اللّه‏ (8) بها على العباد.

و في رواية زيد الشّحّام‏ (9)، عنه- (عليه السلام)- قال: قلت له: بلغني أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- سئل عنها، فقال: عني بذلك: الأفجران من قريش، أميّة و مخزوم. أمّا مخزوم فقتلها اللّه يوم بدر، و أمّا أميّة فمتّعوا إلى حين.

فقال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: عنى اللّه، و اللّه، بها: قريشا قاطبة، الّذين عادوا اللّه و نصبوا له الحرب.

عن ذريح‏ (10)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: جاء ابن الكوّاء

____________

(1) المصدر: رسولي.

(2) تفسير القمّي 1/ 371.

(3) المصدر: زيادة «و من».

(4) تفسير القمّي 1/ 85- 86.

(5) من المصدر.

(6) المصدر: قوم.

(7) تفسير العياشي 2/ 229، ح 24.

(8) يوجد في أ، ب.

(9) نفس المصدر و الموضع، ح 23.

(10) تفسير العياشي 2/ 229، ح 25.

65

إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فسأله عن قول اللّه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ‏.

قال: تلك‏ (1) قريش بدّلوا نعمة اللّه كفرا، و كذّبوا نبيّهم يوم بدر.

عن محمّد بن سابق بن طلحة الأنصاري‏ (2) قال‏ (3): ممّا قال هارون لأبي الحسن، موسى- (عليه السلام)- حين ادخل عليه: ما هذه الدّار، و دار من هي؟

قال: لشيعتنا فترة، و لغيرهم فتنة.

قال: فما بال صاحب‏ (4) الدّار لا يأخذها؟

قال: أخذت منه عامرة، و لا يأخذها إلّا معمورة.

فقال: أين شيعتك؟

فقرأ له أبو الحسن- (عليه السلام)-: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ.

قال له: فنحن كفّار؟

قال: [لا] (5) و لكن كما قال اللّه: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ. فغضب عند ذلك و غلظ عليه.

عن مسلم‏ (6) المشوب‏ (7)، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)‏- في قوله: وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ قال: هما الأفجران من قريش، بنو أميّة و بنو المغيرة.

و في مجمع البيان‏ (8): و اختلف في المعنى بالآية، فعن أمير المؤمنين- (عليه السلام)‏-:

[أنّهم كفّار قريش، كذّبوا نبيّهم و نصبوا له الحرب و العداوة.

و سأل رجل أمير المؤمنين- (عليه السلام)-] (9) عن هذه، فقال: هما الأفجران من قريش، بنو أميّة و بنو المغيرة. فأمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين، و أمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر.

____________

(1) أ، ب، ر: ذاك.

(2) تفسير العياشي 2/ 230، ح 26.

(3) المصدر: كان.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فما لصاحب.

(5) من المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 230، ح 28.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: المشوف.

(8) المجمع 3/ 314.

(9) من المصدر.

66

و روي‏ (1) من طريق العامّة: أنّهما الأفجران من قريش، بنو المغيرة و بنو أميّة. فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، و أمّا بنو أميّة فمتّعوا حتّى حين.

فما ورد في أخبارنا موافقا لذلك محمول على وروده على موافقتهم، مع أنّه بيان، فإنّ بين إرادة جميع قريش و تخصيص الأفجرين في بعض الأخبار لاختصاصهم بالتّفضيل.

وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ‏: الّذي هو التّوحيد.

و قرأ (2) ابن كثير و أبو عمرو و رويس، عن يعقوب، بفتح الياء.

و ليس الضّلال و لا الإضلال غرضهم في اتّخاذ الأنداد، لكن لمّا كان نتيجته جعل ذلك كالغرض.

قُلْ تَمَتَّعُوا: بشهواتكم. أو بعبادة الأوثان، فإنّها من قبيل الشّهوات الّتي يتمتّع بها.

و في التّهديد بصيغة الأمر إيذان بأنّ المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به، و أنّ الأمرين كائنان لا محالة، و لذلك علّله بقوله: فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30): و أنّ المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من آمر مطاع.

قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا: خصّهم بالإضافة تنويها لهم، و تنبيها على أنّهم المقيمون لحقوق العبوديّة.

و مفعول «قل» محذوف يدلّ عليه جوابه، أي: قل لعبادي الّذين آمنوا أقيموا الصّلاة و أنفقوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ‏، فيكون إيذانا بأنّهم لفرط مطاوعتهم الرّسول بحيث لا ينفكّ فعلهم عن أمره، و أنّه كالسّبب الموجب له.

و يجوز أن يقدّر بلام الأمر، ليصحّ تعلّق القول بهما (3). و إنّما حسن ذلك هاهنا و لم يحسن في قوله:

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 531.

(2) أنوار التنزيل 1/ 531.

(3) المراد من «تعلّق القول بهما» أن يكونا مقول القول، فيكونا مثل قوله- تعالى-: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ‏ بقراءة الياء على الغيبة فيكون المعنى على أن يحكي أمر اللّه لهم بإقامة الصّلاة.

و عبارة الكشّاف: و جوّزوا أن يكون‏ يُقِيمُوا ...

وَ يُنْفِقُوا بمعنى: ليقيموا ... فيكون هذا هو المقول. و إنّما جاز حذف اللّام لأنّ الأمر الذي هو «قل» عوض عنه.

67

محمّد تفد نفسك كلّ نفس‏* * * إذا ما خفت من أمر تبالا

لدلالة «قل» عليه.

و قيل‏ (1): هما جوابا أقيموا، و أنفقوا مقامين مقامهما. و هو ضعيف‏ (2)، لأنّه لا بدّ من مخالفة ما بين الشّرط و جوابه، و لأنّ أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدا.

سِرًّا وَ عَلانِيَةً: منتصبان على المصدر، أي: إنفاق سرّ و علانية. أو على الحال، أي: ذوي سرّ و علانية. أو على الظّرف، أي: وقتي سرّ و علانية.

و في تفسير العيّاشي‏ (3): عن زرعة، عن سماعة قال: إنّ اللّه فرض للفقراء في مال الأغنياء فريضة لا يحمدون بأدائها و هي الزّكاة، بها (4) حقنوا دماءهم و بها سمّوا مسلمين، و لكنّ اللّه فرض في الأموال [حقوقا] (5) غير الزّكاة، و قد قال اللّه- تبارك و تعالى-: وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً.

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ‏: فيبتاع المقصّر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه.

وَ لا خِلالٌ‏ (31): و لا مخالّة، فيشفع لك خليل.

قيل‏ (6): أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة و لا مخالّة (7)، و إنّما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه اللّه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): أي: لا صداقة.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 531.

(2) إذ لو كانا جوابي «أقيموا» و «أنفقوا» لكان المعنى: أقيموا الصّلاة ان تقيموا الصّلاة يقيموا و ينفقوا، فلزم الأمران المذكوران، أحدهما اتّحاد الشّرط و الجزاء، و الثاني أن يكون الشرط بصيغة الغيبة. فعلم ممّا ذكر أن يقيموا الصلاة ...

الخ جواب «لقل»، أي: قل لهم: أقيموا، أو لتقل لهم: أقيموا يقيموا.

(3) تفسير العياشي 2/ 230، ح 29.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منها.

(5) من المصدر.

(6) أنوار التنزيل 1/ 531.

(7) أي: كما في المبايعة و المخالّة الواقعين في الدنيا.

(8) تفسير القمّي 1/ 371.

68

و قرا (1) ابن كثير و ابو عمرو و يعقوب، بالفتح، فيهما على النّفي العام.

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏: مبتدأ و خبره.

وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ‏: تعيشون به، و هو يشمل المطعوم و الملبوس، مفعول «لأخرج» و «من الثّمرات» بيان له و حال منه قدّم عليه لتنكيره، و يحتمل عكس ذلك‏ (2).

و يجوز أن يراد به المصدر، فينتصب بالعلّة، قيل‏ (3): أو المصدر (4)، لأنّ «أخرج» في معنى: رزق.

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ‏: بمشيئته إلى حيث توجّهتم.

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32): فجعلها معدّة لانتفاعكم و تصرّفكم.

و قيل‏ (5): تسخير هذه الأشياء تعليم كيفيّة اتّخاذها.

و الحمل على العموم أولى.

وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ‏: يد أبان في سيرهما و إنارتهما، و إصلاح ما يصلحانه من المكوّنات.

و في نهج البلاغة (6): قال- (عليه السلام)‏-: و الشّمس و القمر دائبان‏ (7) في مرضاته، يبليان كلّ جديد و يقرّبان كلّ بعيد (8).

وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ (33): يتعاقبان لسباتكم و معاشكم.

وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‏ قيل‏ (9): أي: بعض جميع ما سألتموه، يعني: من كلّ شي‏ء سألتموه شيئا، فإنّ الموجود من كلّ صنف بعض ما في قدرة اللّه.

و لعلّ المراد «بما سألتموه»: ما كان حقيقا بأن يسأل، لاحتياج النّاس إليه، سئل أو لم يسأل.

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 531.

(2) بأن يكون «من الثمرات» بمعنى: بعض الثمرات مفعولة، و «رزقا» حالا.

(3) أنوار التنزيل 1/ 532.

(4) أي: فينتصب بالعلّة أو المصدر.

(5) أنوار التنزيل 1/ 532.

(6) النهج/ 123، الخطبة 90.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: دائبين.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: بعد.

(9) أنوار التنزيل 1/ 532.

69

و «ما» يحتمل أن تكون موصولة و موصوفة، و مصدريّة و يكون المصدر بمعنى المفعول‏ (1).

و يجوز أن تكون «ما» نافية في موقع الحال، أي: و آتاكم من كلّ شي‏ء غير سائليه.

و يؤيّده‏ (2) ما رواه العيّاشي‏ (3): عن حسين بن هارون، شيخ من أصحاب أبي جعفر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقرأ هذه الآية وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ.

قال: ثمّ قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: الثّوب و (4) الشّي‏ء لم تسأله إيّاه أعطاك.

و في مجمع البيان‏ (5): قرأ محمّد بن عليّ الباقر و جعفر بن محمّد الصّادق- (عليهما السلام)‏-: مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‏ بالتّنوين.

وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها: لا تحصروها و لا تطيقوا عدّ أنواعها، فضلا عن أفرادها، فإنّها غير متناهية.

و قيل‏ (6): فيه دليل على أنّ المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة (7).

و فيه نظر، لجواز استفادة الاستغراق من قرينة الجواب، لا من نفس الإضافة.

و في روضة الكافي‏ (8): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، رفعه قال: كان عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- إذا قرأ هذه الآية [وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها] (9) يقول:

سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلّا المعرفة بالتّقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا يدركه، شكر- جلّ و عزّ- معرفة

____________

(1) فعلى الأوّل: و آتاكم من كلّ الذي سألتموه.

و على الثاني المعنى: آتاكم من كلّ سؤلكم، أي:

مسؤولكم.

(2) أي: و يؤيّد جواز أن يكون «ما» نافية ...

الخ.

(3) تفسير العياشي 2/ 230، ح 30.

(4) المصدر: «هو» بدل «و».

(5) المجمع 3/ 315.

(6) أنوار التنزيل 1/ 532.

(7) فيه نظر، لأنّ هذا يفهم بسبب الحكم بعدم الإحصاء، فهيهنا شي‏ء يدلّ على عمومه معنى لا أنّه يحصل من مجرّد الإضافة.

(8) الكافي 8/ 394، ح 592.

(9) من المصدر.

70

العارفين بالتّقصير عن معرفة (1) شكره، فجعل معرفتهم بالتّقصير شكرا، كما علم علم العالمين أنّهم لا يدركونه فجعله إيمانا، علما منه أنّه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك، فإن شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته، و كيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له و لا كيف؟! تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.

و في تهذيب الأحكام‏ (2): سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي إسماعيل القمّاط، عن بشّار، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من كان معسرا، فلم يتهيّأ له حجّة الإسلام، فليأت قبر أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فليعرّف‏ (3) عنده، فذلك يجزئه عن حجّة الإسلام. [أما إنّي لا أقول يجزئ ذلك عن حجّة الإسلام‏] (4) إلّا المعسر، فأمّا الموسر إذا كان قد حجّ حجّة الإسلام، فأراد أن يتنفّل بالحجّ و العمرة فمنعه من ذلك شغل دنياه أو عائق فأتى الحسين بن عليّ- (عليه السلام)- في يوم عرفة، أجزأه ذلك عن أداء حجّته و عمرته، و ضاعف اللّه له بذلك أضعافا مضاعفة.

قلت: كم تعدل حجّة، و كم تعدل عمرة؟

قال: لا يحصى ذلك.

قلت: مائة؟

قال: و من يحصي ذلك؟

قلت: ألف؟

قال: و أكثر.

ثمّ قال: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها.

إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ‏: يظلم النّعمة بإغفال شكرها. أو بظلم نفسه، بأن يعرّضها للحرمان.

كَفَّارٌ (34): شديد الكفران.

و قيل‏ (5): ظلوم في الشّدّة يشكو و يجزع، كفّار في النّعمة يجمع و يمنع.

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ: بلد مكّة.

____________

(1) ليس في أ، ر.

(2) التهذيب 6/ 50، ح 114.

(3) من عرّف الحجّاج: إذا وقفوا بعرفات.

(4) ليس في ب.

(5) أنوار التنزيل 1/ 532.

71

آمِناً: ذا أمن لمن فيها.

قيل‏ (1): و الفرق بينه و بين قوله: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً أنّ المسئول في الأوّل إزالة الخوف عنه و تصييره آمنا، و في الثّاني جعله من البلاد الآمنة (2).

وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَ‏: بعّدني و إيّاهم‏ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ (35)، و اجعلنا منها في جانب.

و قرئ‏ (3): «و أجنبني» و هما على لغة نجد. و أمّا أهل الحجاز فيقولون: جنّبني شرّه.

قال البيضاويّ: و هو بظاهره لا يتناول أحفاده و جميع ذرّيّته، و زعم ابن عينية أنّ أولاد إسماعيل- (عليه السلام)- لم يعبدوا الصّنم محتجّا به، و إنّما كانت لهم حجارة يدورون بها و يسمّونها: الدّوّار، و يقولون: البيت حجر، فحيث ما نصبنا حجرا فهو بمنزلته.

و يؤيّد قول ابن عينية ما رواه العيّاشي‏ (4)، عن الزّهري قال: أتى رجل أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- فسأله عن شي‏ء، فلم يجبه.

فقال له الرّجل: فإن كنت ابن أبيك فإنّك من أبناء (5) عبدة الأصنام.

فقال له: كذبت، إنّ اللّه أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكّة، ففعل، فقال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنما، و لكنّ العرب عبدة الأصنام، و قالت بنو إسماعيل: هؤلاء شفاؤنا [عند اللّه‏] (6). فكفرت، و لم تعبد الأصنام.

و ما رواه الطّبرسيّ في كتاب الاحتجاج‏ (7): عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- من حديث طويل، و فيه يقول- (عليه السلام)-: قد حظر على من مسّه‏ (8) الكفر تقلّد ما فوضّه إلى‏

____________

(1) أنوار التنزيل 1/ 532.

(2) أي: قوله- تعالى-: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً يدلّ على أنّه سأل جعله بلدا ذا أمن، لأنّ البلد مفعول «يجعل» و قوله- تعالى-: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً يدلّ على أنّه سأل جعله ذا أمن لا جعله بلدا.

(3) أنوار التنزيل 1/ 532.

(4) تفسير العياشي 2/ 230، ح 31.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ابن.

(6) من المصدر.

(7) الإحتجاج 1/ 251.

(8) المصدر: ماسّه.

72

أنبيائه و أوليائه، بقوله‏ (1) لإبراهيم: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏، أي: المشركين. لأنّه سمّى الشّرك ظلما بقوله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏. فلمّا علم إبراهيم- (عليه السلام)- أنّ عهد اللّه- تبارك و تعالى- بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام قال: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ.

و ما يتراءى من الحديث الأوّل «من أنّ بني إسماعيل كفرت بقولهم: هؤلاء شفعاؤنا. من المنافاة لما هو مشهور، و المجمع عليه من أنّ آباء الأنبياء كانوا مؤمنين» فمدفوع بأنّ قول بني إسماعيل ذلك لا يستلزم أن يكون كلّ أحد منهم قائلا، و هو محمول على أنّ القائل غير أب النّبيّ، فلا منافاة.

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(2)- بإسناده إلى عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏-: أنا دعوة أبي إبراهيم.

قلنا: يا رسول اللّه، و كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟

قال: أوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى إبراهيم: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فاستخفّ إبراهيم الفرح.

فقال: يا ربّ، وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ أئمّة مثلي؟

فأوحى اللّه- عزّ و جلّ-: أن يا إبراهيم، إنّي لا أعطيك عهدا لا أوفي لك به.

قال: يا ربّ، ما العهد الّذي لا تفي لي به؟

قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك.

قال: يا ربّ، و من الظّالم من ولدي الّذي لا ينال عهدك؟

قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماما أبدا، و لا يصحّ أن يكون إماما.

قال إبراهيم: وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ‏.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: فانتهت الدّعوة إليّ و إلى أخي، لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ، فاتّخذني اللّه نبيّا و عليّا وصيّا.

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ‏: صرن سببا لإضلالهم، كقوله: وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يقول.

(2) أمالي الشيخ 1/ 388.

73

فَمَنْ تَبِعَنِي‏: على ديني.

فَإِنَّهُ مِنِّي‏، أي: بعضي، لا ينفكّ عنّي في أمر الدّين.

وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ (36): تقدر أن تغفر له و ترحمه.

و في روضة الكافي‏ (1): ابن محبوب، عن عبد اللّه بن غالب، عن أبيه، عن سعيد (2) بن المسيّب قال: سمعت عليّ بن الحسين- (عليهما السلام)- يقول: إنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال: أخبرني، إن كنت عالما، عن النّاس و عن أشباه النّاس و عن النّسناس.

فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: يا حسين، أجب الرّجل.

فقال الحسين- (عليه السلام)-: أمّا قولك: «أشباه النّاس» فهم شيعتنا و هم موالينا و هم منّا، و لذلك قال إبراهيم- (عليه السلام)-: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏.

و الحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)(3)-: خطبة لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- و فيها: قال اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُ‏. و قال- عزّ و جلّ-: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ فنحن أولى النّاس بإبراهيم، و نحن ورثناه، و نحن أولوا الأرحام الّذين ورثنا الكعبة، و نحن آل إبراهيم، أ فترغبون عن ملّة إبراهيم و قد قال اللّه- تعالى-: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏؟

و في أمالي شيخ الطّائفة- (قدّس سرّه)(4)- بإسناده إلى عمر بن يزيد [قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)‏-: يا ابن يزيد] (5): أنت، و اللّه، منّا أهل البيت.

قلت: جعلت فداك، من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)

قال: إي، و اللّه، من أنفسهم.

قلت: من أنفسهم، جعلت فداك‏ (6)؟

قال: إي، و اللّه، من أنفسهم. يا عمر، أما تقرأ كتاب اللّه- عزّ و جلّ-:

____________

(1) الكافي 8/ 244، ح 339.

(2) أ، ب، ر: سعد.

(3) الإحتجاج 1/ 160.

(4) أمالي الشيخ 1/ 44. و نور الثقلين 2/ 547، ح 101.

(5) من نور الثقلين.

(6) ليس في المتن، ر. و الظاهر أنه زائد.

هنا زيادة في النسخ. و هي: من آل محمد.

74

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏ او ما تقرأ قول اللّه- عزّ اسمه-: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏؟

و في تفسير العيّاشي‏ (1): عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من أحبّنا فهو منّا، أهل البيت.

قلت: جعلت فداك، منكم؟

قال: منّا، و اللّه. أما سمعت قول إبراهيم- (عليه السلام)-: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏؟

عن محمّد الحلبّي‏ (2)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من اتّقى اللّه منكم و أصلح فهو منّا، من‏ (3) أهل البيت.

قال: منكم، أهل البيت؟

قال: منّا، أهل البيت. قال فيها إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏.

قال عمر بن يزيد: قلت له: من آل محمّد؟

قال: إي و اللّه من آل محمّد، و (4) إي و اللّه [من آل محمّد] (5) من أنفسهم. أما تسمع اللّه يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ‏. و قول إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏.

عن أبي عمير الزّبيريّ‏ (6)، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: من تولّى اللّه محمّد و قدّمهم على جميع النّاس بما قدّمهم من قرابة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فهو من آل محمد بمنزلة (7) آل محمّد، لا أنّه من القوم بأعيناهم. و إنّما هو منهم بتولّيه إليهم و اتّباعه إيّاهم، و كذلك حكم اللّه في كتابه: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏ (8). و قول إبراهيم:

فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏.

رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏، أي: بعض ذرّيّتي. أو ذرّيّة من ذرّيّتي،

____________

قال: أي و اللّه من أنفسهم- جعلت فداك-.

(1) تفسير العياشي 2/ 231، ح 32.

(2) نفس المصدر و الموضع، ح 33.

(3) ليس في المصدر.

4 و 5- ليس في المصدر.

(6) تفسير العياشي 2/ 231، ح 34.

(7) المصدر: «لتوليه» بدل «بمنزلة».

(8) المائدة/ 51.