تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج11

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
546 /
45

الجزء الحادي عشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و به نستعين، و عليه توكّلي‏

الحمد للّه ربّ العالمين. و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله أجمعين.

أمّا بعد؛ فيقول الفقير إلى اللّه الغنّي، ميرزا محمّد بن محمّد رضا بن إسماعيل بن جمال الدّين القمّي: قد شرعت في تحرير رابع مجلّدات «كنز الدّقائق و بحر الغرائب» بعد الفراغ من ثالثها. و أسأل اللّه أن يوفّقني للإتمام، بالنّبيّ و آله الكرام.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

تفسير سورة يس‏

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

سورة يس و تدعى «المعمّة» تعمّ صاحبها خير الدّارين، و «الدّافعة» تدفع عنه كلّ سوء، و «القاضية» تقضي له كلّ حاجة.

و هي مكّيّة عند الجميع.

قال ابن عبّاس‏ (1): إلّا آية منها: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏ (الآية) نزلت بالمدينة.

و ايها ثلاث أو اثنتان و ثمانون.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ لكلّ شي‏ء قلبا. و إنّ قلب القرآن يس. من قرأها قبل أن ينام، أو في نهاره قبل أن يمسي، كان في نهاره من المحفوظين و المرزوقين حتّى يمسي. و من قرأها في ليله، قبل أن ينام، وكّل اللّه به ألف ملك يحفظونه من شرّ كلّ شيطان رجيم، و من كلّ آفة. و إنّ مات في يومه، أدخله اللّه الجنّة. و حضر غسله ثلاثون ألف ملك، كلّهم يستغفرون له، و يشيّعونه إلى قبره بالاستغفار. فإذا أدخل في لحده، كانوا في جوف قبره يعبدون اللّه، و ثواب عبادتهم له.

و فسح له في قبره مدّ بصره. و أومن من ضغطة القبر. و لم يزل له في قبره نور ساطع إلى عنان السّماء، إلى أن يخرجه اللّه من قبره. فإذا أخرجه، لم يزل ملائكة اللّه يشيّعونه،

____________

(1) مجمع البيان 4/ 413.

(2) ثواب الاعمال/ 138، ح.

50

و يحدّثونه، و يضحكون في وجهه، و يبشّرونه بكلّ خير؛ حتّى يجوزوا به الصّراط (1) و الميزان، و يوفقوه‏ (2) من اللّه موقفا لا يكون عند اللّه خلق‏ (3) أقرب منه إلّا ملائكة اللّه المقرّبون و أنبياؤه المرسلون، و هو مع النّبيّين واقف بين يدي اللّه، لا يحزن مع من يحزن، و لا يهتمّ‏ (4) مع من يهتمّ‏ (5)، و لا يجزع مع من يجزع. ثمّ يقول له الرّبّ- تبارك و تعالى-: اشفع عبدي، أشفّعك في جميع ما تشفع. و سلني، أعطك- عبدي- جميع ما تسأل. فيسأل، فيعطى.

و يشفع، فيشفّع. فلا يحاسب فيمن يحاسب. و لا يوقف مع من يوقف. و لا يذلّ مع من يذلّ. و لا يكتب‏ (6) بخطيئة و لا بشي‏ء من سوء عمله. و يعطى كتابه‏ (7) منشورا، حتّى يهبط من عند اللّه فيقول النّاس بأجمعهم: سبحان اللّه! ما كان لهذا العبد من خطيئة واحدة! و يكون من رفقاء محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله).

و بإسناده‏ (8) عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ سورة يس في عمره مرّة واحدة، كتب اللّه له بكلّ خلق في الدّنيا، و بكلّ خلق في الآخرة و في السّماء، بكلّ واحد ألفي ألف حسنة. و محا عنه مثل ذلك. و لم يصبه فقر، و لا غرم‏ (9)، و لا هدم، و لا نصب، [و لا جنون،] (10) و لا جزام‏ (11)، و لا وسواس، و لا داء يضرّه. و خفّف اللّه عنه سكرات الموت و أهواله. و ولي قبض روحه. و كان ممّن يضمن اللّه له السّعة في معيشته، و الفرح عند لقائه، و الرّضا بالثّواب في آخرته. و قال اللّه لملائكته أجمعين من في السّموات و من في الأرض: قد رضيت عن فلان، فاستغفروا له.

و في مجمع البيان‏ (12): أبيّ بن كعب [عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (13) قال: من قرأ سورة يس، يريد بها اللّه- عزّ و جلّ- غفر اللّه له. و أعطي من الأجر كأنّما قرأ القرآن اثنتي عشرة (14) مرّة. و أيّما مريض قرئت‏ (15) عنده سورة يس، نزل عليه بعدد كلّ حرف منها

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: يجوّزونه على الصراط.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يوقفونه.

(3) المصدر: خلقا.

(4) ن، المصدر: لا يهمّ.

(5) ن، المصدر: يهمّ.

(6) المصدر: لا ينكب.

(7) المصدر: كتابا.

(8) ثواب الأعمال/ 138، ح 2.

(9) الغرم: الدّين.

(10) من المصدر.

(11) كذا في المصدر. و في النسخ: و لا جرام.

(12) المجمع 4/ 413.

(13) ليس في المصدر.

(14) كذا في المصدر. و في النسخ: عشر.

(15) كذا في المصدر: و في النسخ: قرئ.

51

عشرة أملاك، يقومون بين يديه صفوفا، و يستغفرون له، و يشهدون قبضه، و يشيّعون‏ (1) جنازته، و يصلّون عليه، و يشهدون دفنه. و أيّما مريض قرأها، [و هو] (2) في سكرات الموت، أو قرئت عنده، جاءه رضوان خازن الجنان بشربة من شراب الجنّة، فسقاه إيّاها و هو على فراشه. فيشرب، فيموت ريّان، و يبعث ريّان، و لا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء؛ حتّى يدخل الجنّة و هو ريّان.

أبو بكر (3)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: سورة يس تدعى في التّوراة المعمّة.

قيل: و ما المعمّة؟

قال: تعمّ صاحبها خير الدّنيا و الآخرة. و تكابد (4) عنه بلوى الدّنيا. و تدفع عنه أهاويل الآخرة. و تدعى الدّافعة (5) القاضية. تدفع عن صاحبها كلّ شرّ. و تقضي له كلّ حاجة. و من قرأها، عدلت له عشرين حجّة. و من سمعها، عدلت له ألف دينار في سبيل اللّه. و من كتبها، ثمّ شربها، أدخلت جوفه ألف دواء، و ألف نور، و ألف يقين، و ألف بركة، و ألف رحمة. و نزعت منه كلّ داء (6).

و عن أنس بن مالك‏ (7)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: إنّ لكلّ شي‏ء قلبا. و قلب القرآن يس.

و عنه‏ (8)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: من دخل المقابر، فقرأ سورة يس، خفّف اللّه عنهم يومئذ. و كان له بعدد من فيها حسنات.

و في أصول الكافي‏ (9): محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه‏ (10) بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي‏ (11) الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه قال: و الّذي بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالحقّ، و أكرم أهل بيته، ما من شي‏ء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق، أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها، أو ضالّة أو

____________

(1) ن، ت، م، ى، ر، المصدر: يتبعون.

(2) من المصدر.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) كابد الأمر: قاساه و تحمّل المشاق في فعل‏

(5) المصدر: المدافعة.

(6) في المصدر زيادة: و علّة.

7 و 8- نفس المصدر و الموضع.

(9) الكافي 2/ 624، ح 21.

(10) المصدر: عبد الرّحمن.

(11) ليس في ق، ش.

52

آبق؛ إلّا و هو في القرآن. فمن أراد ذلك، فليسألني عنه.

قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أخبرني عنه الضّالّة.

فقال: اقرأ يس‏ (1) في ركعتين، و قل: يا هادي الضّالّة، ردّ عليّ ضالّتي.

ففعل‏ (2). فردّ اللّه عليه ضالّته.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

أبو عليّ الأشعريّ و غيره‏ (3)، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد بن يسار، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: سليم مولاك ذكر أنّه ليس معه من القرآن إلّا سورة يس. فيقوم من اللّيل، فينفذ ما معه من القرآن. أ يعيد ما قرأ؟

قال: نعم. لا بأس.

يس‏ (1):

يس‏ ك الم‏ في المعنى و الإعراب.

و قيل‏ (4): معناه: يا إنسان، بلغة طي‏ء؛ على أنّ أصله: يا أنيسين، فاقتصر على شطره، لكثرة النّداء به. كما قيل «من اللّه» في «أيمن اللّه».

و قرئ‏ (5) بالكسر- كجير- و بالفتح على البناء كأين، أو الإعراب على: اتل يس، أو بإضمار حرف القسم [و الفتحة] (6) لمنع الصّرف، و بالضّمّ بناء- كحيث- أو إعرابا على: هذه يس: و أمال الياء حمزة و الكسائيّ و يعقوب و أبو بكر و روح.

و في كتاب الخصال‏ (7)، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عشر أسماء. خمسة منها في القرآن. و خمسة ليست في القرآن. فأمّا الّتي في القرآن؛ فمحمّد، و أحمد، و عبد اللّه، و يس، و ن.

و في مجمع البيان‏ (8): و روى محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- اثنى عشر اسما. خمسة منها في القرآن: محمّد، و احمد،

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و صلّ.

(2) ليس في ق، ش، ت، م، ر.

(3) نفس المصدر/ 632، ح 22.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 276.

(6) ليس في ق، ت، ن.

(7) الخصال 2/ 426، ح 2.

(8) المجمع 4/ 414.

53

و عبد اللّه، و يس، و ن.

و في أمالي الصّدوق‏ (1)، بإسناده إلى عليّ- (عليه السلام)‏- في قوله‏ (2)- عزّ و جلّ-:

سلام على آل ياسين قال: ياسين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نحن آل محمّد.

و في الكافي‏ (3): عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن [محمّد بن خالد، عن‏] (4) محمّد بن عيسى، عن صفوان، رفعه إلى أبي جعفر أو أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- قال: هذا محمّد، أذن لهم في التّسمية به. فمن أذن لهم في يس- يعني التّسمية- و هو اسم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)

و أدغم‏ (5) النّون في واو وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ‏ (2) ابن عامر و الكسائيّ و يعقوب و أبو بكر و ورش. و هي واو القسم، أو العطف، إن جعل «يس» مقسما به.

و في كتاب كمال الدّين و تمام النعمة (6): حدّثنا المظفّر بن حمزة العلويّ‏ (7)- رضي اللّه عنه- قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه قال: حدّثنا أبو القاسم قال: كتبت من كتاب أحمد الدّهّان‏ (8)، عن القاسم بن حمزة، عن محمد بن أبي عمير قال: أخبرني أبو إسماعيل السّرّاج، عن خيثمة الجعفيّ قال: حدّثني أبو لبيد المخزوميّ قال: ذكر أبو جعفر- (عليه السلام)- أسماء الخلفاء الاثني عشر الرّاشدين- (صلوات اللّه عليهم). فلمّا بلغ آخرهم، قال: الثّاني عشر الّذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه عند سنة يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ‏.

إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (3) لمن الّذين أرسلوا.

و في كتاب الاحتجاج‏ (9) للطّبرسيّ، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل.

و فيه: فأمّا ما علمه الجاهل و العالم من فضل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- [من كتاب اللّه‏] (10) فهو قول اللّه- سبحانه‏ (11)-:

____________

(1) أمالي الصدوق/ 381.

(2) الصافات/ 130.

(3) الكافي 6/ 20، ح 13.

(4) ليس في ق، ش.

(5) أنوار التنزيل 2/ 276.

(6) كمال الدين/ 331- 332، ح 17.

(7) المصدر: المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي.

(8) ن، ت، م: الدهقان.

(9) الاحتجاج/ 253.

(10) يوجد في ى، ر. و في المصدر: في كتاب الله.

(11) الأحزاب/ 56.

54

إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً. و لهذه الآية ظاهر و باطن. فالظّاهر قوله: صَلُّوا عَلَيْهِ‏. و الباطن قوله: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً؛ أي: سَلِّمُوا لمن وصّاه، و استخلفه، و فضّله عليكم‏ (1)، و ما عهده به إليه‏ تَسْلِيماً. و هذا ممّا أخبرتك أنّه لا يعلم تأويله إلّا من لطف حسّه، و صفا ذهنه، و صحّ تمييزه.

و كذلك قوله‏ (2): سلام على آل ياسين. لأنّ اللّه سمّى‏ (3) النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- [بهذه الاسم‏] (4)؛ حيث قال: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ لعلمه أنّهم يسقطون [قول اللّه‏] (5) «سلام على آل محمّد» كما أسقطوا غيره.

عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ (4):

متعلّق ب «المرسلين»؛ أي: من الّذين أرسلوا على صراط مستقيم؛ و هو التّوحيد و الاستقامة في الأمور.

و يجوز أن يكون‏ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ خبرا ثانيا، أو حالا من المستكنّ في الجارّ و المجرور. و فائدته وصف الشّرع بالاستقامة صريحا، و إن دلّ عليه‏ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ التزاما.

و في عيون الأخبار (6)، في باب ذكر مجلس الرّضاء- (عليه السلام)- مع المأمون، في الفرق بين العترة و الأمّة حديث طويل. و فيه‏ كلام له- (عليه السلام)- سبق في الأحزاب عند قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ (الآية):

و في أثناء ذلك قال المأمون: فهل عندك في الآل شي‏ء أوضح من هذا في القرآن؟

قال أبو الحسن- (عليه السلام)- نعم. أخبروني عن قول اللّه- تعالى-: يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏. فمن عنى بقوله: يس‏؟

قالت العلماء: يس‏ (7) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله). لم يشكّ فيه أحد.

قال أبو الحسن- (عليه السلام)- قال: فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- أعطى محمدا و آل محمّد من ذلك. فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه؛ إلّا من عقله. و ذلك أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يسلّم على أحد إلّا على الأنبياء- (صلوات اللّه عليهم). فقال‏ (8)- تبارك و تعالى-:

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: عليكم فضله.

(2) الصافات/ 130.

(3) في المصدر زيادة: به.

(4) ليس في المصدر.

(5) من المصدر.

(6) العيون 1/ 185، ح 1.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) الصّافّات/ 79.

55

سَلامٌ عَلى‏ نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ‏. و قال‏ (1): سَلامٌ عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏. و قال‏ (2): سَلامٌ عَلى‏ مُوسى‏ وَ هارُونَ‏.

و لم يقل: سلام على آل نوح. و لم يقل: سلام على آل ابراهيم. و لم يقل: سلام على آل موسى و هرون. و قال‏ (3): سلام على آل ياسين؛ يعني: آل محمّد.

فقال المأمون: قد علمت أنّ في معدن النّبوّة شرح هذا و بيانه.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ‏. قال الصّادق- (عليه السلام)-: يس‏ اسم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله). و الدّليل على ذلك‏ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏. قال: على الطّريق الواضح.

تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ‏ (5):

خبر محذوف. و المصدر بمعنى المفعول. و قرأ (5) ابن عامر و حمزة و الكسائي و حفص بالنّصب، بإضمار أعني أو فعله، على أنّه على أصله. و قرئ بالجرّ على البدل من «القرآن».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ‏. قال: القرآن.

لِتُنْذِرَ قَوْماً:

متعلّق ب تَنْزِيلَ‏ أو بمعنى‏ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏.

ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ‏: قوما غير منذر آباؤهم؛ يعني: آباءهم الأقربين، لتطاول مدّة الفترة؛ فيكون صفة مبيّنة لشدّة حاجتهم إلى إرساله. أو: الّذي أنذر به، أو شيئا أنذر به آباؤهم الأبعدون؛ فيكون مفعولا ثانيا ل «تنذر». أو: إنذار آبائهم، على المصدر.

فَهُمْ غافِلُونَ‏ (6):

متعلّق بالنّفي، على الاوّل؛ أي: لم ينذروا، فبقوا غافلين. أو بقوله: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ على الوجوه الأخرى؛ أي: أرسلتك إليهم لتنذرهم، فإنّهم غافلون.

لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى‏ أَكْثَرِهِمْ‏:

يعني قوله‏ (7): لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏.

فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ (7)؛ لأنّهم ممّن علم اللّه أنّهم لا يؤمنون.

____________

(1) الصّافّات/ 109.

(2) الصّافّات/ 120.

(3) الصّافّات/ 130.

(4) تفسير القمّي 2/ 211.

(5) أنوار التنزيل 2/ 276.

(6) تفسير القمّي 2/ 211.

(7) هود/ 119.

56

إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا:

تقرير لتصميمهم على الكفر و الطّبع على قلوبهم- بحيث لا تغني عنهم الآيات و النّذر- بتمثيلهم بالّذين غلّت أعناقهم.

و قيل‏ (1): معناه: كأنّ هذا القرآن أغلال في أعناقهم تمنعهم عن الخضوع لاستماعه و تدبّره، لثقله عليهم.

و قيل‏ (2): إنّ المعنى بذلك ناس من قريش همّوا بقتل النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- فجعل أيديهم إلى أعناقهم، فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يدا.

و قيل‏ (3): إنّ المراد به وصف حالهم يوم القيامة. فهو مثل قوله‏ (4): إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ‏. و إنّما ذكره بلفظ الماضي للتّحقيق.

فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ‏: فالأغلال واصلة إلى أذقانهم، فلا تخلّيهم يطأطئون.

فَهُمْ مُقْمَحُونَ‏ (8): رافعون رؤوسهم، غاضّون أبصارهم، في أنّهم لا يلتفتون لفت الحقّ، و لا يعطفون أعناقهم نحوه، و لا يطأطئون رؤوسهم له.

و المقمح: الغاضّ بصره بعد رفع رأسه.

وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏ (9):

تمثيل آخر لهم، بمن أحاط بهم سدّان، فغطّى أبصارهم، بحيث لا يبصرون قدّامهم و وراءهم، في أنّهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النّظر في الآيات و الدّلائل.

و قرأ (5) حمزة و الكسائيّ و حفص: «سدّا» بالفتح. و هو لغة فيه. و قيل: ما كان بفعل النّاس فبالفتح. و ما كان بخلق اللّه، فبالضّمّ.

و قرئ‏ (6): «فأغشيناهم» من العشيّ.

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- [قال: سألته‏] (8) عن قول اللّه: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ‏.

____________

1 و 2 و 3- مجمع البيان 4/ 416- 417.

(4) غافر/ 71.

5 و 6- أنوار التنزيل 2/ 277.

(7) الكافي 1/ 431، ح 90.

(8) ليس في ق، ش.

57

قال: لتنذر القوم الّذين‏ (1) أنت فيهم؛ كما أنذر آباؤهم. فَهُمْ غافِلُونَ‏ عن اللّه و عن رسوله و عن وعيده. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى‏ أَكْثَرِهِمْ‏ ممّن لا يقرّون بولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأئمّة من بعده، فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ بإمامة أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و الأوصياء من بعده. فلمّا لم يقرّوا، كانت عقوبتهم ما ذكر [اللّه‏] (2): إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ‏ في نار جهنّم. ثمّ قال: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏، عقوبة منه لهم، حيث أنكروا ولاية أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده. هذا في الدنيا، و في الآخرة في نار جهنّم مقمحون.

و في عيون الأخبار (3)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من خبر الشّاميّ، و ما سأل عنه أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في جامع الكوفة، حديث طويل. و فيه: و سأله: كم حجّ آدم- (عليه السلام)- من حجّة؟

فقال له: سبعين حجّة [على قدمه‏] (4). و أوّل حجّة حجّها، كان معه الصّرد، يدلّه على مواضع الماء. و خرج معه من الجنّة. و قد نهي عن أكل الصّرد و الخطّاف.

و سأله: ما باله لا يمشي؟

قال: لأنّه ناح على بيت المقدس، فطاف حوله أربعين عاما يبكي عليه. و لم يزل يبكي مع آدم- (عليه السلام). فمن هناك سكن البيوت. و معه تسع آيات من كتاب اللّه- تعالى- ممّا كان آدم يقرأها في الجنّة. و هي معه إلى يوم القيامة: ثلاث آيات من أوّل الكهف؛ و ثلاث آيات من‏ (5) سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏، و هي: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ‏ (6)؛ و ثلاث آيات من يس، [و هي:] (7) وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا- إلى قوله تعالى- فَهُمْ مُقْمَحُونَ‏. قال: قد رفعوا رؤوسهم.

و في رواية أبي الجارود (9) [عن أبي جعفر- (عليه السلام)-] (10) في قوله- تبارك‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: الّذي.

(2) من المصدر.

(3) العيون 1/ 191، ح 1.

(4) ليس في ن، ت، م، ش، ى، ر. و في المصدر:

ماشيا على قدميه.

(5) في ق، م زيادة: أوّل.

(6) الإسراء/ 45.

(7) من المصدر.

(8) تفسير القمّي 2/ 212.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) من المصدر.

58

و تعالى-: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ‏ يقول:

فأعميناهم، فهم لا يبصرون الهدى. أخذ اللّه سمعهم و أبصارهم و قلوبهم، فأعماهم عن الهدى. نزلت في أبي جهل بن هشام و نفر من أهل بيته. و ذلك أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قام يصلّى، و قد حلف أبو جهل- لعنه اللّه- لئن رآه يصلّى، ليدمغه‏ (1).

فجاءه و معه حجر، و النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قائم يصلّي. فجعل كلّما رفع الحجر ليرميه، أثبت اللّه- عزّ و جلّ- يده إلى عنقه، و لا يدور الحجر بيده. فلمّا رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده. ثمّ قام رجل آخر- و هو من رهطه أيضا- فقال: أنا أقلته.

فلمّا دنا منه، فجعل يسمع‏ (2) فأرعب، فرجع إلى أصحابه فقال: حال بيني و بينه كهيئة الفحل‏ (3) يخطر بذنبه. فخفت أن أتقدّم.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطبرسيّ- (رحمه اللّه)-: روي عن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ- (عليهم السلام)- قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام و أحبارهم قال لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: فإنّ ابراهيم حجب عن نمرود بحجب ثلاث.

قال عليّ- (عليه السلام)-: لقد كان كذلك. و محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- حجب عمّن أراد قتله بحجب خمس. ثلاثة بثلاثة، و اثنان فضل. فإنّ اللّه- عزّ و جلّ- و هو يصف محمدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا فهذا الحجاب الأوّل، وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فهذا الحجاب الثّاني، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏، فهذا الحجاب الثّالث. ثمّ قال: وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً. فهذا الحجاب الرّابع. ثمّ قال: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ‏. فهذه خمس حجب.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5) كلام طويل في بيان خروج النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- من بيته إلى الغار و غيره ذلك. و فيه: و أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أن يفرش له. ففرش له. فقال لعليّ بن أبي‏

____________

(1) المصدر: ليدمغنّه.

و دمغه: شجّه حتّى بلغت الشّجّة دماغه.

(2) ق، ش: قراءته.

(3) ق: العجل.

(4) الإحتجاج 1/ 213.

(5) تفسير القمّي 1/ 275- 276.

59

طالب- (عليه السلام)- افدني بنفسك.

قال: نعم، يا رسول اللّه.

قال: يا عليّ، نم على فراشي. و التحف ببردتي.

فنام عليّ- (صلوات اللّه عليه)- [على فراش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-] (1) و التحف ببردته. و قد جاء جبرئيل- (عليه السلام)- و أخذ بيد رسول اللّه، فأخرجه على قريش و هو نيام، و هو يقرأ: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏.

وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ (10):

سبق في البقرة تفسيره.

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)، متّصلا بآخر ما نقلنا عنه- أعنى قوله: فخفت أن أتقدم-: و قوله- عزّ و جلّ-: وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏. فلم يؤمن من أولئك الرّهط من بني مخزوم أحد. و هو يعني: ابن المغيرة.

إِنَّما تُنْذِرُ إنذارا يترقّب عليه البغية المرومة.

مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ؛ أي: القرآن، بالتّأمّل فيه و العمل به.

وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ‏: و خاف عقابه، قبل حلوله و معاينة أهواله- أو في سريرته- و لا يغترّ برحمته. فإنّه كما هو رحمن منتقم قهّار.

فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ‏ (11):

و في أصول الكافي‏ (3)، متّصلا بآخر ما نقلناه عنه سابقا- أعني قوله (عليه السلام): في نار جهنّم مقمحون- ثمّ قال يا محمّد وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ باللّه و بولاية عليّ و من بعده. ثم قال: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، يعني أمير المؤمنين- (عليه السلام)- وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ‏.

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى‏: الأموات بالبعث، أو الجهّال بالهداية.

وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا: ما أسلفوا من الأعمال الصّالحة و الطّالحة، وَ آثارَهُمْ‏ الحسنة- كعلم علّموه و حبس وقفوه- و السّيّئة؛ كإشاعة باطل و تأسيس ظلم.

____________

(1) ليس في، ق، ت، ن.

(2) تفسير القمّي 2/ 212.

(3) الكافي 1/ 432، ح 90.

60

و قيل‏ (1): ما قدّموه من عمل ليس له أثر، وَ آثارَهُمْ‏؛ أي: ما يكون له أثر.

وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ (12):

قيل‏ (2): يعنى: اللّوح المحفوظ.

و قيل‏ (3): أراد به صحائف أعمالهم.

و في أصول الكافي‏ (4): الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن الحارث بن جعفر، عن عليّ بن إسماعيل بن يقطين، عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضّرير قال: حدّثني موسى بن جعفر- (عليهما السلام)- قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام): أليس كان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كاتب الوصيّة، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- المملي عليه، و جبرئيل و الملائكة المقرّبون شهود؟! قال: فأطرق طويلا. ثمّ قال: يا أبا الحسن، قد كان ما قلت؛ و لكن حين نزل برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- الأمر، نزلت الوصيّة من عند اللّه كتابا مسجّلا نزل به‏ (5) جبرئيل مع أمناء اللّه- تبارك و تعالى- من الملائكة.

فقلت لأبي الحسن: بأبي أنت و أمّي! ألا تذكر ما كان [في الوصيّة] (6)؟

فقال: سنن اللّه، و سنن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله).

فقلت: أ كان في الوصيّة توثّبهم‏ (7) و خلافهم على أمير المؤمنين- (عليه السلام)؟ فقال:

نعم- و اللّه!- شيئا شيئا، و حرفا حرفا. أما سمعت قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى‏ وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

الحسين بن محمّد (8)، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: اتّقوا المحقّرات من الذّنوب! فإنّ لها طالبا. يقول أحدكم: أذنب و أستغفر! إنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول:

____________

1 و 2 و 3- مجمع البيان 4/ 418. 7- ن، ت، م، ى، ر: نوبتهم.

(4) الكافي 1/ 281، ح 4. و التوثب: الاستيلاء على الشي‏ء ظلما.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: نزله.

(6) من المصدر.

(7) ن، ت، م، ى، ر: نوبتهم.

و التوثب: الاستيلاء على الشي‏ء ظلما.

(8) الكافي 2/ 270، ح 10.

61

س نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏. و قال‏ (1)- عزّ و جلّ-: إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.

أبو عليّ الأشعريّ‏ (2)، عن محمّد بن عبد الجبار، عن ابن فضّال و الحجّال، جميعا عن ثعلبة، عن زياد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- نزل بأرض قرعاء (3)، فقال لأصحابه: ائتوا بحطب.

فقالوا: يا رسول اللّه، نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب! قال: فليأت كلّ إنسان بما قدر عليه.

فجاءوها به، حتّى رموا بين يديه بعضه على بعض. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: هكذا تجتمع الذّنوب.

ثمّ قال: إيّاكم و المحقّرات من الذّنوب! فإنّ لكلّ شي‏ء طالبا. ألا و إنّ طالبها يكتب‏ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏.

و في مجمع البيان‏ (4): قيل: معناه: نكتب خطاهم إلى المساجد. و سبب ذلك ما رواه أبو سعيد الخدريّ: أنّ بني سلمة كانوا في ناحية من المدينة. فشكوا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد منازلهم من المسجد و الصّلاة معه. فنزلت الآية.

و في كتاب معاني الأخبار (5)، بإسناده إلى أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّه- (عليهم السلام)- قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏، قام أبو بكر و عمر من مجلسها، و قالا: يا رسول اللّه، هو التّوراة؟

قال: لا.

قالا: فهو الإنجيل؟ قال: لا.

قالا: فهو القرآن؟ قال: لا.

____________

(1) لقمان/ 16.

(2) نفس المصدر/ 288، ح 3.

(3) أرض قرعاء: لا نبات فيها.

(4) المجمع 4/ 418.

(5) المعاني/ 95، ح 1.

62

[قال:] (1) فأقبل أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- هو هذا! إنّه الإمام الّذي أحصى اللّه فيه- تبارك و تعالى- علم كلّ شي‏ء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏، [أى: في كتاب مبين‏] (3). و هو محكم.

و ذكر ابن عبّاس عن أمير المؤمنين أنّه قال: أنا- و اللّه!- الإمام المبين. أبيّن الحقّ من الباطل. و ورثته من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)(4).

و في كتاب الاحتجاج‏ (5) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديث طويل، يقول فيه: معاشر النّاس! ما من علم إلّا [علّمنيه ربّي، و أنا علّمته عليّا- (عليه السلام)‏] (6). و قد أحصاه اللّه فيّ. و كلّ علم علّمت، فقد أحصيته في إمام المتّقين.

و ما من علم إلّا علّمته عليّا. [و هو الإمام المبين.] (7)

و في شرح الآيات الباهرة (8): قال محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)-: حدّثنا عبد اللّه بن أبي العلا، عن محمّد بن الحسن بن شمّون‏ (9)، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن الأصمّ، عن عبد اللّه بن القاسم، عن صالح بن سهل قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقرأ: (10) وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ قال: في أمير المؤمنين.

قال‏ (11): و يؤيّد هذا التّأويل، ما

رواه الشّيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطّوسيّ- (رحمه اللّه)- في كتاب مصباح الأنوار، بإسناده إلى رجاله، مرفوعا إلى المفضّل بن عمر قال: دخلت على الصّادق- (عليه السلام)- ذات يوم، فقال لي: يا مفضّل، هل عرفت محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين- (عليهم السلام)- كنه معرفتهم؟

قلت: يا سيّدي، و ما كنه معرفتهم؟

قال: يا مفضّل، تعلم أنّهم في طير عن‏ (12) الخلائق، بحيث يسكنون بجنب‏ (13) الروضة

____________

(1) من المصدر.

(2) تفسير القمّي 2/ 212.

(3) ليس في ق.

(4) في المصدر زيادة: و هو محكم.

(5) الإحتجاج 1/ 60.

(6) ليس في المصدر.

(7) من المصدر.

(8) تأويل الآيات 2/ 487.

(9) كذا في المصدر و النّجاشي/ 899. و في النسخ:

شمعون.

(10) ق، ش: يقول.

(11) تأويل الآيات 2/ 488.

(12) كذا في المصدر. و في ت: طور عن. و في ق: في جملة. و في غيرها: طبر عن.

(13) كذا في المصدر: و في م، ى، ر: جنة. و ليس في غيرها.

63

الخضرة. فمن عرفهم كنه معرفتهم، كان مؤمنا (1) في السّنام الأعلى.

قال: قلت: عرّفني ذلك يا سيّدي.

قال: يا مفضّل، تعلم أنّهم علموا ما خلق اللّه- عزّ و جلّ- و ذرأه و برأه. و أنّهم كلمة التّقوى و خزّان‏ (2) السّموات و الأرضين و الجبال و الرّمال و البحار. و عرفوا كم في السّماء نجم و ملك، و وزن الجبال وكيل ماء البحار و أنهارها و عيونها. و ما تسقط من ورقة، إلّا علموها؛ وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏؛ و هو في علمهم، و قد علموا ذلك.

[و قال- (عليه السلام)-: يا مفضّل، إنّ العالم منّا يعلم حتّى تقلّب جناح الطّير في الهواء. و من أنكر ذلك، فقط كفر باللّه من فوق عرشه.] (3) فقلت: يا سيّدي، قد علمت ذلك، و أقررت به، و آمنت.

قال: نعم يا مفضّل! نعم يا مكرّم! نعم يا محبور! نعم يا طيّب! طبت، و طابت لك الجنّة، و لكلّ مؤمن بها.

و روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسي- (رحمه اللّه)(4)- في كتاب مصباح الأنوار قال: و من عجائب آياته و معجزاته، ما رواه أبو ذرّ الغفاري؛ قال:

كنت سائرا في أغراض [مع‏] (5) أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إذ مررنا بواد و نمله‏ (6) كالسّيل السّاري‏ (7) فذهلت ممّا رأيت فقلت: اللّه أكبر! جلّ محصيه! فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا تقل ذلك- يا أبا ذر- و لكن قل: جلّ بارئه. فو الّذي صوّرك، إنّى أحصي عددهم، و أعلم الذّكر منهم و الأنثى، بإذن اللّه- عزّ و جلّ.

وَ اضْرِبْ لَهُمْ‏: و مثّل لهم من قولهم هذه الأشياء على ضرب واحد؛ أي: مثال واحد. و هو يتعدّى إلى مفعولين- لتضمّنه معنى الجعل- و هما: مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ، على حذف مضاف. أي: اجعل لهم مثل أصحاب القرية مثلا. و يجوز أن‏

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) ن، ت، م، ى، ر: خزناء.

(3) من ق.

(4) تأويل الآيات 2/ 490، ح 8.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في م، ى، ر: نملة. و في غيرها: النملة.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: سار.

64

يقتصر على واحد، و يجعل المقدّر بدلا من الملفوظ، أو بيانا له.

و «القرية» أنطاكية.

إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ‏ (13):

بدل من «أصحاب القرية».

و «المرسلون» رسل عيسى- (عليه السلام)- إلى أهلها. و إضافته إلى نفسه في قوله:

إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ‏، لأنّه فعل رسوله و خليفته. و هما يحيى و يونس- و الثّالث شمعون- و قيل غيرهما.

و قيل‏ (1): الرّسولان من اللّه؛ فقيل: هما شمعون و يوحنّا، و الثّالث يونس؛ و قيل:

صادق و صدق، و الثّالث سلوم.

فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا: فقوّينا.

و قرأ (2) أبو بكر مخفّفا. من: عزّه: إذا غلبه.

و حذف المفعول لدلالة ما قبله عليه، و لأنّ المقصود ذكر المعزّز به.

بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ‏ (14):

في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن تفسير هذه الآية.

فقال: بعث اللّه- (عليه السلام)- رجلين إلى أهل مدينة أنطاكية. فجاءاهم بما لا يعرفون. فغلظوا عليهما. فأخذوهما، و حبسوهما في بيت الأصنام. فبعث اللّه الثّالث، فدخل المدينة فقال: أرشدوني إلى باب الملك.

قال: فلمّا وقف على باب الملك، قال: أنا رجل كنت أتعبّد في فلاة من الأرض، و قد أحببت أن أعبد إله الملك. فأبلغوا كلامه الملك فقال: أدخلوه إلى بيت الآلهة.

فأدخلوه. فمكث سنة مع صاحبيه فقال لهما: بهذا ينقل قوم من دين إلى دين بالخرق‏ (4). أ فلا رفقتما؟ ثمّ قال لهما: لا تقرّان بمعرفتي.

ثمّ أدخل على الملك، فقال له الملك: بلغني أنّك كنت تعبد إلهي. فلم أزل و أنت أخي. فسلني حاجتك. فقال: مالي حاجة- أيّها الملك- و لكن رأيت رجلين في بيت‏

____________

(1) مجمع البيان 4/ 418.

(2) أنوار التنزيل 2/ 277.

(3) تفسير القمّي 2/ 212- 214.

(4) في المصدر كذا: بالحذق (بالحرف ط)

65

الآلهة فما بالهما؟ قال الملك: هذان رجلان أتيا يضلّانى عن دينى‏ (1)، و يدعواني إلى إله سماويّ. فقال: أيّها الملك مناظرة جميلة؛ فإن يكن الحقّ لهما، اتّبعناهما؛ و إن يكن الحقّ لنا، دخلا معنا في ديننا. و كان لهما ما لنا، و عليهما (2) [ما علينا] (3).

قال: فبعث الملك إليهما. فلمّا دخلا إليه، قال لهما صاحبهما: ما الّذي جئتما به؟ قالا:

جئنا ندعوه إلى عبادة الّذي خلق السّموات و الأرض. و يخلق في الأرحام ما يشاء. و يصوّر كيف يشاء. و أنبت الأشجار و الثّمار. و أنزل القطر من السّماء.

قال: فقال لهما: أ إلهكما هذا الّذي تدعوان إليه و إلى عبادته، إن جئنا بأعمى، يقدر أن يردّه صحيحا؟ قالا: إذا سألناه أن يفعل، فعل إن شاء (4). قال: أيّها الملك عليّ بأعمى لم يبصر شيئا (5) قطّ.

قال: فأتي به. فقال لهما: ادعوا إلهكما أن يردّ. بصر هذا. فقاما، و صلّيا ركعتين. فإذا عيناه مفتوحتان، و هو ينظر إلى السّماء. فقال: أيّها الملك، عليّ بأعمى آخر. فأتي به.

قال: فسجد سجدة. ثمّ رفع رأسه. فإذا الأعمى بصير. فقال: أيّها الملك، حجّة بحجّة. عليّ بمقعد. فأتى به. فقال لهما مثل ذلك. فصلّيا و دعوا اللّه. فإذا المقعد قد أطلقت رجلاه، و قام يمشي. فقال: أيّها الملك، عليّ بمقعد آخر. فأتي به. فصنع به، كما صنع أوّل مرّة. فانطلق المقعد. فقال: أيّها الملك قد أتيا (6) بحجّتين، و أتينا بمثلهما (7). و لكن بقي شي‏ء واحد؛ فإن فعلاه‏ (8)، دخلت معهما في دينهما. ثمّ قال: أيّها الملك، بلغني أنّه كان للملك ابن واحد و مات. فإن أحياه لهما، دخلت معهما في دينهما. فقال له الملك: و أنا أيضا معك. ثمّ قال لهما: قد بقيت هذه الخصلة الواحدة. قد مات ابن الملك، فادعوا إلهكما أن يحييه.

قال: فخرّا ساجدين للّه- عزّ و جلّ- و أطالا السّجود. ثمّ رفعا رؤوسهما و قالا للملك: ابعث إلى قبر ابنك تجده قد قام من قبره، إن شاء اللّه- تعالى.

قال: فخرج النّاس ينظرون، فوجدوه قد خرج من قبره ينفض رأسه من التّراب.

قال: فأتي به إلى الملك، فعرف أنّه ابنه. فقال له: ما حالك يا بنيّ؟ قال: لكنت‏

____________

(1) المصدر: أتياني ببطلان دينى.

(2) المصدر: ما عليهما.

(3) ليس في ق.

(4) في ق، ش، ت، ن: إن شاء اللّه.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: أوتينا.

(7) المصدر: بمثله.

(8) المصدر: إن هما فعلاه.

66

ميّتا، فرأيت رجلين من بين يدي ربّي السّاعة ساجدين، يسألانه أن يحييني. فأحياني.

قال: يا بنيّ تعرفها إذا رأيتهما؟ فقال: نعم. قال: فأخرج النّاس جملة إلى الصّحراء. فكان يمرّ عليه رجل رجل، فيقول له أبو: انظر. فيقول: لا، [لا] (1). ثمّ مرّوا عليه بأحدهما بعد جمع كثير، فقال: أحدهما. و أشار بيده إليه. ثمّ مرّوا أيضا بقوم كثيرين، حتّى رأى صاحبه الآخر فقال: و هذا الآخر.

قال: فقال النّبيّ صاحب الرّجلين: أمّا أنا، فقد آمنت بإلهكما، و علمت أنّ ما جئتما به هو الحقّ.

قال: فقال الملك: و أنا أيضا. و آمن أهل مملكته كلّهم.

و

في مجمع البيان‏ (2): قال وهب بن منبّه: بعث عيسى هذين الرّسولين الى أنطاكية.

فأتياها، و لم يصلا إلى ملكها، و طالت مدّة مقامهما. فخرج الملك ذات يوم. فكبّرا، و ذكرا اللّه. فغضب [الملك‏] (3)، و أمر بحبسهما. و جلد كلّ واحد منهما مائة جلدة. فلمّا كذّب الرّسولان، و ضربا، بعث عيسى شمعون الصّفا رأس الحواريّيّن على أثرهما، لينصرهما.

فدخل شمعون البلدة متنكّرا (4). فجعل يعاشر حاشية الملك، حتّى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك. فدعاه، و رضى عشرته، و أنس به، و أكرمه. ثمّ قال له ذات يوم: [أيّها الملك،] (5) بلغني أنّك حبست رجلين في السّجن، و ضربتهما حين دعواك إلى غير دينك.

فهل سمعت قولهما؟ قال الملك: حال الغضب بيني و بين ذلك. قال: فإن رأى الملك، دعاهما حتّى نطّلع‏ (6) ما عندهما.

فدعاهما الملك. فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: اللّه الّذي خلق كلّ شي‏ء، لا شريك له. قال: و ما آيتكما؟ قالا: ما تتمنّاه. فأمر الملك حتّى جاؤوا بغلام مطموس العينين، و موضع عينيه كالجبهة. فما ذا لا يدعوان اللّه، حتّى انشقّ موضع البصر.

فأخذا بندقتين‏ (7) من الطّين، فوضعاهما في حدقتيه. فصارتا مقلتيه، يبصر بهما.

فتعجّب الملك. فقال شمعون للملك: أ رأيت لو سألت إلهك حتّى يصنع صنيعا مثل‏

____________

(1) من المصدر.

(2) المجمع 4/ 419- 420.

(3) من المصدر.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منكرا.

(5) ليس في ق.

(6) ق، ت: تطّلع.

(7) البندقة: كلّ ما يرمى به من رصاص كرويّ و غيره.

67

هذا، فيكون لك و لإلهك شرفا. فقال الملك: ليس لي عنك سرّ. إنّ إلهنا الّذي نعبده لا يضرّ و لا ينفع.

ثمّ قال الملك للرّسولين: إن قدر إلهكما على إحياء ميّت، آمنّا به و بكما. قالا: إلهنا قادرا على كلّ شي‏ء. قال الملك: إنّ هاهنا ميّتا مات منذ سبعة أيّام لم ندفنه، حتّى يرجع أبوه، و كان غائبا. فجاءوا بالميّت، و قد تغيّر و أروح‏ (1).

فجعلا يدعوان ربّهما علانية. و جعل شمعون يدعو ربّه سرّا. فقام الميّت و قال لهم إنّي قد متّ منذ سبعة أيّام، و أدخلت في سبعة أو دية من النّار. و أنا أحذّركم ما أنتم فيه! فآمنوا باللّه! فتعجّب الملك. فلمّا علم شمعون أنّ قوله أثّر في الملك، دعاه إلى اللّه. فآمن، و آمن من أهل مملكته قوم، و كفر آخرون.

و قد روى‏ (2) مثل ذلك العيّاشيّ بإسناده عن الثّماليّ و غيره، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)- إلّا أنّ في بعض الرّوايات: بعث اللّه الرّسولين إلى أهل انطاكية.

ثمّ بعث الثّالث. و في بعضها: أنّ عيسى روح اللّه أوحى اللّه اليه أن يبعثهما. ثمّ بعث وصيّه شمعون ليخلّصهما. و أن الميّت الّذي أحياه بدعائه، كان ابن الملك. و أنّه قد خرج من قبره ينفض التّراب من رأسه. فقال له: يا بنيّ، ما حالك؟ قال: كنت ميّتا، فرأيت رجلين ساجدين يسألان اللّه أن يحييني. قال: يا بنيّ، أ تعرفهما إذا رأيتهما؟ قال: نعم.

فأخرج النّاس إلى الصّحراء. فكان يمرّ عليه رجل بعد رجل. فمرّ أحدهما بعد جمع كثير، فقال: هذا أحدهما. ثمّ مرّ الآخر. فعرفهما، و أشار بيده إليهما. فآمن الملك و أهل مملكته.

قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا: لا مزيّة لكم علينا يقتضي اختصاصكم بما تدعون.

و رفع بشر لانتقاض النّفي المقتضي إعمال ما ب «إلّا».

وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْ‏ءٍ: وحي و رسالة.

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ‏ (15): في دعوى رسالته.

قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ‏ (16):

استشهدوا بعلم اللّه. و هو يجرى مجرى القسم. و زادوا اللّام المؤكّدة، لأنّه جواب عن إنكارهم.

____________

(1) أروح الماء: تغيّر ريحه و أنتن.

(2) مجمع البيان 4/ 419- 420.

68

وَ ما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ‏ (17): الظّاهر البيّن بالآيات الشّاهدة لصحّته. و هو المحسّن للاستشهاد؛ فإنّه لا يحسن إلّا ببيّنة.

قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ‏: تشاء منا بكم.

و ذلك لاستغرابهم ما ادّعوه، و استقباحهم له، و تنفّرهم عنه.

و في كتاب الخصال‏ (1)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: في كلّ أمر واحدة من ثلث: الكبر، و الطّيرة، و الّمنّي. فإذا تطيّر أحدكم، فليمض علي طيرته، و ليذكر اللّه- عزّ و جلّ. و إذا خشي اكبر، فليأكل مع عبده و خادمه، و ليحلب الشّاة. و إذا تمنّى، فليسأل اللّه- عزّ و جلّ- و ليبتهل إليه، و لا تنازعه نفسه إلى الإثم.

و في روضة الكافي‏ (2): عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد اللّه بن‏ (3) المغيرة، عن عمرو بن حريث‏ (4)، قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: الطّيرة على ما تجعلها. إن هوّنتها، تهوّنت‏ (5). و إن شدّدتها، تشدّدت. و إن لم تجعلها شيئا، لم تكن شيئا.

عليّ بن إبراهيم‏ (6)، عن أبيه، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كفّارة الطيرة التّوكّل.

محمّد بن يحيى‏ (7)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب قال: أخبرنا النّضر بن قرواش الجمّال قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- قال رسول اللّه: لا عدوى. و لا طيرة. و لا شؤم.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في لا يحضره الفقيه‏ (8): و روى سليمان‏ (9) بن جعفر الجعفريّ، عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: الشّؤم للمسافر في طريقه في ستّة (10): الغراب، النّاعق عن يمينه، و الكلب النّاشر لذنبه، و الذّئب العاوي الّذي يعوي في وجه الرّجل- و هو مقع‏

____________

(1) الخصال 2/ 624.

(2) الكافي 8/ 197، ح 235.

(3) ليس في ق.

(4) كما في جامع الرواة 2/ 619. و في ق، ش:

حرث.

(5) كذا في المصدر: و في م، ى، ر: تهوهنت. و في غيرها: هوّنت.

(6) الكافي 8/ 198، ح 236.

(7) نفس المصدر/ 196، ح 234.

(8) الفقيه 2/ 175، ح 780.

(9) كذا في ن، المصدر، جامع الرواة 1/ 375. و في غيرها: سليم.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: خمسة. و لا يخفى أنّ المعدود في المتن سبعة.

69

على ذنبه؛ يعوي، ثمّ يرتفع، ثمّ ينخفض؛ ثلاثا- و الظّبي السّانح‏ (1) عن يمين إلى شمال، و البومة الصّارخة، و المرأة الشّمطاء (2) تلقى فرجها، و الأتان العضباء (3)- يعني: الجذعاء (4).

فمن أوجس‏ (5) في نفسه منهنّ شيئا، فليقل: اعتصمت بك- يا ربّ- من شرّ ما أجد في نفسي. فاعصمني من ذلك. قال: فيعصم من ذلك.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (6): و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ‏ قال:

بأسمائكم.

لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عن مقالتكم هذه، لَنَرْجُمَنَّكُمْ‏ بالحجارة. أو:

نشتمنّكم.

وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (18):

قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ‏: سبب شؤمكم معكم، و هو سوء عقيدتكم و أعمالكم.

و قيل‏ (7): حظّكم و نصيبكم.

و قرئ‏ (8): «طيركم».

أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ‏: وعظتم به.

و جواب الشّرط محذوف مثل: تطيّرتم، أو توعّدتم بالوجم و التّعذيب.

و قد قرئ‏ (9) بألف بين الهمزتين، و بفتح «إن»- بمعنى: أ تطيّرتم لأن ذكّرتم و «إن» [و «أن»] (10) بغير استفهام، و «أين ذكّرتم» بمعنى: طائركم معكم حيث جرى ذكركم؛ و هو أبلغ.

بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ‏ (19): قوم عادتكم الإسراف في العصيان- فمن ثمّ جاءكم الشّؤم- أو في الضّلال، و لذلك توعّدتم و تشاءمتم بمن يجب أن يكرم و يتبرّك به.

وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏:

____________

(1) ن: السائح.

(2) الشمطاء: الّتي خالط بياض رأسها سواد.

(3) كذا في المصدر. و في النسخ: العضى.

(4) المصدر: الجذّاء. و الجذعاء: المقطوعة الأذن.

(5) ن: أوجد.

(6) تفسير القمّي 2/ 214.

(7) مجمع البيان 4/ 419.

(8) أنوار التنزيل 2/ 278.

(9) أنوار التنزيل 2/ 278.

(10) ليس في ى.

70

هو حبيب النّجّار. و كان ينحت أصنامهم. و هو ممّن آمن بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بينهما ستّمائة سنة.

و قيل‏ (1): كان في غار يعبد اللّه. فلمّا بلغه خبر الرّسل، أتاهم، و أظهر دينه.

و قيل‏ (2): و قد كان آمن بالرّسل عند ورودهم القرية. و كان منزله‏ (3) عند أقصى باب من باب المدينة. فلمّا بلغه أنّ قومه قد كذّبوا، و همّوا بقتلهم، جاء يعدو و يشتدّ. و إنّما علم نبوّتهم، لأنّهم لمّا دعوه قال: أ تأخذون على ذلك أجرا؟ قالوا: لا.

و قيل‏ (4): إنّه كان به زمانة أو جذام، فأبرؤوه، فآمن بهم.

و قيل‏ (5) كان له ولد مريض. فمسحاه، فبرأ؛ فآمن.

قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ‏ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً على النّصح و تبليغ الرّسالة.

و في كتاب الخصال‏ (6)، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين: مؤمن آل يس، و عليّ بن أبي طالب، و آسية امرأة فرعون.

و في جوامع الجامع‏ (7)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا [باللّه‏] (8) طرفة عين: عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و صاحب يس، و مؤمن آل فرعون. فهم الصّدّيقون. و عليّ أفضلهم.

و في أصول الكافي‏ (9): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن مالك بن عطيّة، عن يونس بن عمّار (10) قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)- جعلت فداك؛ هذا الّذي قد ظهر بوجهي‏ (11)، يزعم النّاس أنّ اللّه- عزّ و جلّ- لم يبتل به عبدا له فيه حاجة.

فقال لي: [لا!] (12) لقد كان مؤمن آل فرعون مكنّع‏ (13) الأصابع؛ فكان يقول هكذا،

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) مجمع البيان 4/ 419.

(3) ليس في ق.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) الخصال 1/ 174، ح 230.

(7) الجوامع/ 391.

(8) ليس في ق، ش.

(9) الكافي 2/ 565، ح 4.

(10) كما في جامع الرواة 2/ 360. و في ق، ش، م:

عمارة.

(11) الآثار الّتي ظهرت بوجهه كان برصا و يحتمل الجذام كمال قال المجلسي.

(12) من المصدر.

(13) م، ى، ر: مكتع. و كنع الشّي‏ء: تقبّض و تداخل يبسا. و المكنّع: هو الّذي وقعت أصابعه.

71

و يمدّ يده‏ (1)، و يقول: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ‏.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‏ (21) إلى طريق الحقّ سالكون سبيله.

و في أمالي الصّدوق‏ (2)، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن أبي ليلى رفعه قال: قال [أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:] (3) الصّدّيقون ثلاثة: حبيب النّجّار، مؤمن آل يس الّذي يقول: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‏؛ و حزقيل، مؤمن آل فرعون؛ و عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام). و هو أفضلهم.

و في مجمع البيان‏ (4): فلمّا قال هذا، أخذوه فرفعوه إلى الملك. فقال له الملك: أ فأنت تتّبعهم؟ فقال:

وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي‏:

تلطّف بالإرشاد بإيراده في معرض المناصحة لنفسه، و إمحاض النّصح؛ حيث أراد لهم ما أراد لها.

و المراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره. و لذلك قال: وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏ (22)، مبالغة في التّهديد.

ثمّ عاد إلى المساق الأوّل فقال:

أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً. لا تنفعني شفاعتهم، وَ لا يُنْقِذُونِ‏ (23) بالنّصر و المظاهرة. إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (24).

فإنّ إيثار ما لا ينفع و لا يدفع ضرّا بوجه ما، على الخالق المقتدر على النّفع و الضّرّ، و إشراكه به، ضلال بيّن لا يخفى على عاقل.

إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ‏ الّذي خلقكم. فَاسْمَعُونِ‏ (25): فاسمعوا إيماني.

و قيل‏ (5): الخطاب للرّسل. فإنّه لمّا نصح قومه، أخذوا يرجمونه. فأسرع نحوهم قبل أن‏

____________

(1) كذا في المصدر. و في م، ى، ر: بيده. و في غيرها: يديه.

(2) أمالي الصدوق/ 385، ح 18.

(3) م، ش، ى، ر، المصدر: رسول اللّه.

(4) المجمع 4/ 421.

(5) أنوار التنزيل 2/ 279.

72

يقتلوه، و قال هذا، يشهدهم على إيمانه.

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ:

قيل له ذلك لمّا قتلوه، بشرى‏ (1) بأنّه من أهل الجنّة، أو إكراما و إذنا في دخولها كسائر الشّهداء. أو: لمّا همّوا بقتله، رفعه اللّه- تعالى- إلى الجنّة؛ على ما قاله الحسن‏ (2).

و إنّما لم يقل: «له»، لأنّ الغرض بيان المقول دون المقول له؛ فإنّه معلوم.

و الكلام استئناف في حيّز الجواب عن السّؤال عن حاله عند لقاء ربّه، بعد تصلّبه في نصر دينه. و لذلك‏ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ‏ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ‏ (27). فإنّه جواب عن السّؤال عن قوله عند ذلك القول له.

و إنّما تمنّى علم قومه بحاله، ليحملهم على اكتساب مثلها بالتّوبة عن الكفر و الدّخول في الإيمان و الطّاعة، على دأب الأولياء في كظم الغيظ و التّرحّم على الأعداء. أو ليعلموا أنّهم كانوا على خطأ عظيم في أمره و أنّه كان على حقّ.

و قرئ‏ (3): «المكرّمين».

و «ما» خبريّة، أو مصدريّة. و الباء صلة «يعلمون». أو استفهاميّة جاءت على الأصل، و الباء صلة «غفر». أي: بأيّ شي‏ء غفر لي. يريد به المهاجرة عن دينهم، و المصابرة على أذيّتهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله- عزّ و جلّ-: وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏ قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ‏ قال: نزلت في حبيب النّجّار.

و في جوامع الجامع‏ (5): قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ‏.

ورد في حديث مرفوع‏ أنّه نصح قومه حيّا و ميّتا.

وَ ما أَنْزَلْنا عَلى‏ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ‏: من بعد إهلاكه أو رفعه‏ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ لإهلاكهم، كما أرسلنا يوم بدر و الخندق؛ بل كفينا أمرهم بصيحة ملك.

و فيه استحقار لإهلاكهم، و إيماء بتعظيم الرّسول* * * (صلّى اللّه عليه و آله).

وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ‏ (28): و ما صحّ في حكمتنا أن ننزل جندا لإهلاك قومه؛ إذ

____________

(1) ق، ش: بشرا.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمّي 2/ 214.

(5) الجوامع/ 392.

73

قدّرنا لكلّ شي‏ء سببا، و جعلنا ذلك سببا لانتصارك من قومك.

و قيل‏ (1): «ما» موصولة معطوفة على «جند». أي: و ممّا كنّا منزلين على من قبلهم من حجارة و ريح و أمطار شديدة.

و قيل‏ (2): معناه: و ما أنزلنا على قومه من بعده رسالة من السّماء. فطبع اللّه عليهم الرّسالة، حيث قتلوا رسولهم.

إِنْ كانَتْ‏: ما كانت الأخذة، أو العقوبة، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاح بها جبرئيل.

و قرئت‏ (3) بالرّفع، على كان التّامّة.

فَإِذا هُمْ خامِدُونَ‏ (29): ميّتون.

شبّهوا بالنّار، رمزا إلى أن الحيّ كالنّار السّاطعة، و الميّت كرمادها؛ كمال قال لبيد:

و ما المرء إلّا كالشّهاب وضوئه‏* * * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع‏

يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ تعالي. و هذه من الأحوال الّتي من حقّها أن تحضري فيها.

و هي ما دلّ عليها: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (30). فإنّ المستهزئين بالنّاصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدّارين، أحقّاء بأن يتحسّروا و يتحسّر عليهم. و قد تلهّف على حالهم الملائكة و المؤمنون من الثّقلين.

و يجوز أن يكون تحسّرا من اللّه عليهم، على سبيل الاستعارة، لتعظيم ما جنوه على أنفسهم. و يؤيّده قراءة (4): «يا حسرتا».

و نصبها لطولها بالجارّ المتعلّق بها. و قيل‏ (5): بإضمار فعلها و المنادى محذوف.

و في جوامع الجامع‏ (6): و روي عن عليّ بن الحسين زين العابدين- (عليه السلام)-: «يا حسرة العباد» على الإضافة إليهم، لاختصاصها بهم، من حيث أنّها موجّهة (7) إليهم.

و «يا حسرة على العباد» بإجراء الوصل مجرى الوقف.

أَ لَمْ يَرَوْا: ألم يعلموا. و هو معلّق عن قوله: كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ‏. لأنّ «كم» لا يعمل فيها ما قبلها، و إن كانت خبريّة؛ لأنّ أصلها الاستفهام.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 279.

(2) مجمع البيان 4/ 422.

(3) أنوار التنزيل 2/ 279.

4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 280.

(6) الجوامع/ 392.

(7) ق، ش، ن، ت: متوجّهة.

74

أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ‏ (31):

بدل من «كم» على المعنى. أي: ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

و قرئ‏ (1) بالكسر، على الاستئناف. وَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ‏ (32) يوم القيامة للجزاء.

و «إن» مخفّفة من المثقّلة. و اللّام هي الفارقة. و «ما» مزيدة للتّأكيد.

و قرأ (2) ابن عامر و عاصم و حمزة: «لمّا» بالتّشديد، بمعنى إلّا. فيكون «إن» نافية.

و «جميع» فعيل بمعنى مفعول. و «لدينا» ظرف له أو ل «محضرون».

وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ و قرأ نافع بالتّشديد.

أَحْيَيْناها:

خبر «للأرض». و الجملة خبر «آية» أو صفة لها؛ إذ لم يرد بها معيّنة. و هي الخبر أو المبتدأ. و الآية خبرها، أو استئناف لبيان كونها آية.

وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا: جنس الحبّ. فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ‏ (33):

قدّم الصّلة للدّلالة على أنّ الحبّ معظم ما يؤكل و يعاش به.

وَ جَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ‏: من أنواع النّخل و العنب. و لذلك جمعهما دون الحبّ؛ فإنّ الدّالّ على الجنس مشعر بالاختلاف، و لا كذلك الدّالّ على الأنواع.

و ذكر النّخيل دون التّمور ليطابق الحبّ و الأعناب، لاختصاص شجرها. بمزيد النّفع و آثار الصّنع.

وَ فَجَّرْنا فِيها:

و قرئ‏ (3) بالتّخفيف. و الفجر و التّفجير كالفتح و التّفتيح، لفظا و معنى.

مِنَ الْعُيُونِ‏ (34)؛ أي: شيئا من العيون. فحذف الموصوف، و أقيمت الصّفة مقامه. أو: العيون، و «من» مزيدة، عند الأخفش.

لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ‏: ثمر ما ذكر، و هو الجنّات.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 280.

(3) أنوار التنزيل 2/ 280.

75

و قيل‏ (1): الضّمير للّه، على طريقة الالتفات، و الإضافة إليه. لأنّ الثّمر بخلقه.

و قرأ (2) حمزة و الكسائي بضمّتين. و هو لغة فيه، أو جمع ثمار. و قرئ‏ (3) بضمّة و سكون.

وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ‏:

عطف على الثّمر. و المراد ما يتّخذ منه؛ كالعصير و الدّبس و نحوهما.

و قيل‏ (4): «ما» نافية. و المراد أنّ الثّمر بخلق اللّه، لا بفعلهم. و يؤيّد الأوّل قراءة (5) الكوفيّين- غير حفص- بلا هاء. فإنّ حذفه من الصّلة، أحسن من غيرها.

أَ فَلا يَشْكُرُونَ‏ (35):

أمر بالشّكر من حيث إنّه إنكار لتركه.

سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها: الأنواع و الأصناف، مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ‏: من النّبات و الشّجر، وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏: الذّكر و الأنثى، وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ‏ (36): و أزواجا ممّا لم يطلعهم اللّه عليه، و لم يجعل لهم طريقا إلى معرفته، ممّا خلقه في بطون الأودية و قعر البحار، فلم يشاهدوه، و لم يتّصل خبره بهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6) في هذه الآية قال: فإنّه حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ النّطفة تقع من السّماء إلى الأرض على النّبات و الثّمر و الشّجر، فيأكل النّاس منه و البهائم، فتجري فيهم.

وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ: نزيله و نكشف عن مكانه. مستعار من سلخ الجلد. و الكلام في إعرابه ما سبق.

فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ‏ (37): داخلون في الظّلام.

و في روضة الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: فضرب اللّه مثل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- الشّمس، و مثل الوصيّ القمر. و هو قول اللّه‏ (8)- عزّ و جلّ-:

جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً. و قوله: و آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ‏. و قوله‏ (9)- عزّ و جلّ-: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ‏؛

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 280.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمّي 2/ 215.

(7) الكافي 8/ 380، ح 574.

(8) يونس/ 5.

(9) البقرة/ 17.

76

يعني: قبض محمّد، و ظهرت الظّلمة، فلم يبصروا فضل أهل بيته.

و الحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

و في الكافي‏ (1): عليّ بن محمّد و محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي ولّاد قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّ اللّه خلق حجابا من ظلمة ممّا يلي المشرق، و وكّل به ملكا. فإذا غابت الشّمس، اعترف ذلك الملك غرفة بيده. ثمّ استقبل بها المغرب، يتبع الشّفق، و يخرج من بين يديه قليلا قليلا. و يمضي، فيوافي المغرب عند سقوط الشّمس‏ (2)، فيسرّح [في‏] (3) الظّلمة. ثمّ يعود إلى المشرق. فإذا طلع الفجر، نشر جناحيه، فاستاق الظّلمة من المشرق إلى المغرب؛ حتّى يوافي بها المغرب عند طلوع الشّمس.

وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها: لحدّ معيّن ينتهي إليه دورها؛ فشبّه بمستقرّ المسافر إذا قطع مسيره. أو: لكبد السّماء؛ فإنّ حركتها فيه يوجد إبطاء بحيث يظنّ أنّ لها هناك وقفة. أو: لاستقرار لها على نهج مخصوص. أو: لمنتهى مقدّر لكلّ يوم من المشارق و المغارب، فإنّ لها في دورها ثلاثمائة و ستّين مشرقا و مغربا، تطلع كلّ يوم من مطلع، و تغرب من مغرب، ثمّ لا يعود إليهما إلى العام القابل. أو: لمنقطع جريها عند خراب العالم.

و قرئ‏ (4): «لا مستقرّ لها»؛ أي: لا سكون؛ فإنّها متحرّكة دائما. و «لا مستقرّ»، على أنّ «لا» بمعنى ليس.

و في مجمع البيان‏ (5): روي عن عليّ بن الحسين و أبي جعفر الباقر و جعفر الصّادق- (عليهم السلام)-: «لا مستقرّ لها» بنصب الرّاء.

ذلِكَ‏ الجري على هذا التّقدير المتضمّن للحكم الّتي تكلّ الفطن عن إحصائها، تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ: الغالب بقدرته على كلّ مقدور الْعَلِيمِ‏ (38) المحيط علمه بكلّ معلوم.

و في كتاب التّوحيد (6)، م بإسناده إلى أبى ذرّ الغفاريّ- (رحمه اللّه)- قال: كنت آخذا بيد النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و نحن نتماشى جميعا، فما زلنا ننظر (7) إلى الشّمس حتّى غابت.

____________

(1) الكافي 3/ 279، ح 3.

(2) المصدر: الشفق.

(3) من المصدر مع المعقوفتين.

(4) أنوار التنزيل 2/ 281.

(5) المجمع 4/ 423.

(6) التوحيد/ 280، ح 7.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: فأن لنا النظر.

77

فقلت: يا رسول اللّه أين تغيب؟

قال: في السّماء. ثمّ ترفع من سماء إلى سماء؛ حتّى ترفع إلى السّماء السابعة (1) العليا، حتّى تكون تحت العرش. فتخرّ ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها. ثمّ تقول:

يا ربّ، من أين تأمرني أن أطلع؟ من مغربي، أم من مطلعي؟ فذك قوله- عزّ و جلّ-:

وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏. يعني بذلك صنع الربّ العزيز في ملكه، [العليم‏] (2) بخلقه.

قال: فيأتيها جبرئيل بحلّة ضوء من نور العرش، على مقادير ساعات النّهار في طوله في الصّيف، و في قصره في الشّتاء، أو ما بين ذلك في الخريف و الرّبيع.

قال: فتلبس تلك الحلّة، كما يلبس أحدكم ثيابه. ثمّ تنطلق بها في جوّ السّماء، حتّى تطلع من مطلعها.

قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: كأنّي بها، و قد حبست مقدار ثلاث ليال. ثمّ لا تكسى ضوءا، و تؤمر أن تطلع من مغربها. فذلك قوله‏ (3)- عزّ و جلّ-: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ‏. و القمر كذلك من مطلعه و مجراه في أفق السّماء، و مغربه و ارتفاعه إلى السّماء السّابعة، و يسجد تحت العرش. ثمّ يأتيه جبرئيل بالحلّة من نور الكرسيّ. فذلك قوله‏ (4)- عزّ و جلّ-: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً.

و في أصول الكافي‏ (5): الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد قال: سئل العالم- (عليه السلام)- كيف علم اللّه؟

قال: علم، و شاء، و أراد، و قدّر، و قضى، و أمضى. فأمضى ما قضى. و قضى ما قدّر. و قدّر ما أراد. فبعلمه كانت المشيئة. و بمشيئته كانت الإرادة. و بإرادته كان التّقدير. و بتقديره كان القضاء. و بقضائه كان الإمضاء. و العلم متقدّم [على‏] (6) المشيئة، و المشيئة ثانية، و الإرادة ثالثة. و التّقدير واقع على القضاء بالإمضاء. فللّه- تبارك و تعالى- البداء فيما علم، متى شاء، و فيما أراد لتقدير الأشياء. فإذا وقع القضاء بالإمضاء، فلا بداء.

____________

(1) ليس في ق، ش.

(2) من المصدر.

(3) التكوير/ 1- 2.

(4) يونس ره.

(5) الكافي 1/ 148، ح 16.

(6) من المصدر.

78

فالعلم في المعلوم قبل كونه. و المشيئة في المشاء (1) قبل عينه. و الإرادة في المراد قبل قيامه. و التّقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا. و القضاء بالإمضاء، هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ من ذوي لون و ريح و وزن وكيل، و ما دبّ و درج من إنس و جنّ و طير و سباع، و غير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ. فللّه- تبارك و تعالى- فيه البداء ممّا لا عين له. فإذا وقع العين المفهوم المدرك، فلا بداء.

و اللّه يفعل ما يشاء.

فبالعلم علم الأشياء قبل كونها. و بالمشيئة عرف صفاتها و حدودها، و أنشأها قبل إظهارها. و بالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها و صفاتها. و بالتّقدير قدّر أقواتها، و عرف أوّلها و آخرها. و بالقضاء أبان للنّاس أماكنها، و دلّهم عليها. و بالإمضاء شرح عللها، و أبان أمرها. ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏.

وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ‏: قدّرنا مسيره‏ مَنازِلَ‏. أو: سيره في منازل. و هي ثمانية و عشرون: الشرطان‏ (2)، البطين، الثريّا، الدّبران، الهقعة الهنعة، الذّراع، النّثرة، الطّرف، الجبهة، الزّبرة، الصّرفة، العوّاء، السّماك، الغفر، الزّبانا، الإكليل، القلب، الشّولة، النّعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السّعود، سعد الأخبية، فرغ الدّلو المقدّم، فرغ الدّلو المؤخّر، الرّشا، و هو بطن الحوت. ينزل كلّ ليلة في واحدة منها، لا يتخطّاه، و لا يتقاصر عنه. فإذا كان في آخر منازله- و هو الّذي يكون فيه قبيل الاجتماع- دقّ و استقوس.

و قرأ (3) الكوفيّون و ابن عامر: وَ الْقَمَرَ بنصب الرّاء.

حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ‏: كالشّمراخ المعوّج. فعلون من الانعراج، و هو:

الاعوجاج.

و قرئ‏ (4): كَالْعُرْجُونِ‏. و هما لغتان؛ كالبزيون و البزيون.

الْقَدِيمِ‏ (39): العتيق.

و قيل‏ (5): ما مرّ عليه حول فصاعدا.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (6): حدّثني أبي، عن داود بن محمّد النّهديّ‏ (7) قال:

____________

(1) ن، ت: المنشئ. و في م، ش، ى، ر، المصدر:

المنشأ.

(2) النسخ و المصدر: الشرطين.

3 و 4 و 5- أنوار التنزيل 2/ 281.

(6) تفسير القمّي 2/ 215.

(7) كما في جامع الرواة 1/ 309. و في المصدر:

الفهدي.

79

دخل أبو سعيد المكاريّ [و كان واقفيّا] (1) على أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- فقال له: أبلغ من قدرك أن تدّعي ما ادّعاه‏ (2) أبوك؟! فقال له الرّضا- (عليه السلام)-: مالك؟! أطفأ اللّه نورك! و أدخل الفقر بيتك! أمّا علمت أنّ اللّه- عزّ و جلّ- أوحى إلى عمران أنّي واهب لك ذكرا، فوهب له مريم، و وهب لمريم عيسى- (عليه السلام)؟! فعيسى من مريم. و مريم من عيسى. و مريم و عيسى [شي‏ء] (3) واحد. و أنا من أبي. و أبي منّي. و أنا و أبي شي‏ء واحد.

فقال له أبو سعيد: فأسألك عن مسألة.

قال: سل، و لا أخالك تقبل منّي، و ليست من غنمي؛ و لكن هاتها.

فقال له: ما تقول في رجل قال عند موته: كلّ مملوك لي‏ (4) قديم، فهو حرّ لوجه اللّه؟

قال: نعم ما كان له ستّة (5) أشهر، فهو قديم [و هو] (6) حرّ. لأنّ اللّه- عزّ و جلّ- يقول: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ‏. فما كان لستّة أشهر، فهو قديم [حرّ.

قال: فخرج‏] (7) من عنده، و افتقر، و ذهب بصره. ثمّ مات- لعنه اللّه- و ليس عنده مبيت ليلة.

و في إرشاد المفيد (8)- (رحمه اللّه)-: و قضى عليّ- (عليه السلام)- في رجل وصّى فقال: أعتقوا عنّي كلّ عبد قديم في ملكي. فلمّا مات، لم يعرف الوصيّ ما يصنع. فسأله عن ذلك، فقال: يعتق عنه كلّ عبد له في ملكه ستّة أشهر. و تلا قوله: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ‏.

لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها: يصحّ لها و يتسهّل‏ أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ في سرعة سيره. فإنّ ذلك يخلّ بتكوّن النّبات و تعيّش الحيوان. أو: في آثاره و منافعه. أو: مكانه، بالنّزول إلى محلّه. أو: سلطانه، فتطمس نوده.

____________

(1) ليس في المصدر.

(2) المصدر ما ادّعى.

(3) من المصدر.

(4) المصدر: له.

(5) كذا في المصدر: و في النسخ: «لستّة» مكان «له ستّة».

(6) من المصدر.

(7) ليس في ق.

(8) الإرشاد/ 107.

80

و إيلاء حرف النّفي الشّمس، للدّلالة على أنّها مسخّرة لا يتيسّر لها إلّا ما أريد منها.

وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ، فيفوته؛ و لكن يعاقبه. و قيل‏ (1): المراد بهما آيتاهما، و هما النّيّران. و بالسّبق، سبق القمر إلى سلطان الشّمس. فيكون عكسا للأوّل. و تبديل الإدراك بالسّبق، لأنّه الملائم لسرعة سيره.

وَ كُلٌ‏: و كلّهم.

و التّنوين عوض عن المضاف إليه. و الضّمير للشّموس و الأقمار- فإنّ اختلاف الأحوال يوجب تعدّدا ما في الذّات- أو إلى الكواكب؛ فإنّ ذكرهما مشعر بهما.

فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏ (40): يسيرون فيه بانبساط.

و إنّما قال: يَسْبَحُونَ‏ بالواو و النّون، لمّا أضاف إليها ما هو من فعل الآدميّين؛ كما قال‏ (2): ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ‏.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله- عزّ و جلّ-: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏ يقول: الشّمس سلطان النّهار. و القمر سلطان اللّيل. لا ينبغي للشّمس أن تكون مع ضوء القمر [باللّيل‏] (4) و لا يسبق اللّيل النّهار. يقول: لا يذهب اللّيل حتى يدركه النّهار. وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏. يقول: يجي‏ء (5) وراء الفلك على ظاهر الاستدارة.

و في مجمع البيان‏ (6): و روى العيّاشيّ في تفسير بالاستناد عن الأشعث بن حاتم قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرّضا و الفضل بن سهل و المأمون في الإيوان‏ (7) بمرو. فوضعت المائدة.

فقال الرّضا- (عليه السلام)-: إنّ رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال: النّهار خلق قبل أم اللّيل؟ فما عندكم؟

قال: و أداروا الكلام. فلم يكن عندهم في ذلك شي‏ء. فقال الفضل للرّضا

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 281.

(2) الصّافّات/ 92.

(3) تفسير القمّي 2/ 214.

(4) من المصدر.

(5) في المصدر زيادة: (يجري- ط)

(6) المجمع 4/ 425.

(7) المصدر: إيوان الحبري.

81

- (عليه السلام)-: أخبرنا بها- أصلحك اللّه.

قال: نعم. من القرآن، أم من الحساب؟

قال له الفضل: من جهة الحساب.

فقال: قد علمت- يا فضل- أنّ طالع الدّنيا السّرطان و الكواكب في موضع شرفها. فزحل في الميزان. و المشتري في السّرطان. و الشّمس في الحمل. و القمر في الثّور.

فذلك يدلّ على كينونة الشّمس [في الحمل‏] (1) في العاشر من الطّالع في وسط السّماء (2).

فالنّهار خلق قبل اللّيل. و في قوله- تعالى-: الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ. أي قد سبقه النّهار.

و في روضة الكافي‏ (3): ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خلق الشّمس قبل القمر. و خلق النّور قبل الظّلمة.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه‏ قال السّائل: فخلق النّهار قبل اللّيل؟ قال: نعم‏ (5). خلق النّهار قبل اللّيل، و الشّمس قبل القمر، و الأرض قبل السّماء.

وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ‏:

قيل‏ (6): أولادهم الّذين يبعثونهم إلى تجاراتهم. أو: صبيانهم و نساءهم الذين يستصحبونهم. فإنّ الذّرّيّة تقع عليهنّ، لانّهنّ مزارعها. و تخصيصهم، لأنّ استقرارهم في السّفن أشقّ، و تماسكهم‏ (7) فيها أعجب.

و قرأ (8) نافع و ابن عامر: «ذرّيّاتهم».

فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ‏ (41): المملوء.

و قيل‏ (9): المراد فلك نوح. و حمل اللّه ذرّيّاتهم فيها أنّه حمل فيها آباءهم الأقدمين و في‏

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: الدّنيا.

(3) الكافي 8/ 145، ح 116.

(4) الإحتجاج/ 352.

(5) ليس في المصدر.

(6) أنوار التنزيل 2/ 281.

(7) ن: تماثلهم.

(8) نفس المصدر و المجلّد/ 282.

(9) نفس المصدر و الموضع.

82

أصلابهم ذرّيّاتهم. و تخصيص الذّرّيّة، لأنّه أبلغ في أبلغ في الامتنان و أدخل في التّعجّب مع الإيجاز.

و في كتاب الخصال‏ (1)، عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل. و فيه: قال: فما التّسعون؟ قال: الفلك المشحون. اتّخذ نوح- (عليه السلام)- فيه تسعين بيتا للبهائم.

وَ خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ‏: من مثل الفلك، أو سفينة نوح‏ ما يَرْكَبُونَ‏ (42):

قيل‏ (2): من الإبل؛ فإنّها سفائن البرّ.

و قيل‏ (3): مثل السّفينة من الدّوابّ؛ كالإبل و البقر و الحمير، أو من السّفن و الزّوارق.

وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ‏: فلا مغيث لهم يحرسهم عن الغرق. أو: فلا إغاثة؛ كقولهم: أتاهم الصّريخ.

وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ‏ (43): ينجون من الموت به؛ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَ مَتاعاً: إلّا لرحمة و لتمتيع بالحياة إِلى‏ حِينٍ‏ (44): زمان قدّر لآجالهم.

وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ‏؛ أي: المشركين:

اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ‏:

قيل‏ (4): الوقائع الّتي خلت، و العذاب المعدّ في الآخرة. أو: نوازل السّماء، و نوائب الأرض؛ كقوله‏ (5): أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏. أو:

عذاب الدّنيا، و عذاب الآخرة؛ أو عكسه. أو: ما تقدّم من الذّنوب، و ما تأخّر.

و في مجمع البيان‏ (6): ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَ ما خَلْفَكُمْ‏. و

روى الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: معناه: اتّقوا ما بين أيديكم من الذّنوب، و ما خلفكم من العقوبة.

لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ (45): لتكونوا راجعين رحمة اللّه.

و جواب «إذا» محذوف، دلّ عليه قوله: وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ‏ (46). كأنّه قال: و إذا قيل لهم: اتّقوا العذاب، أعرضوا؛ لأنّهم اعتادوه، و تمرّنوا عليه.

و «من» الأولى هي الّتي تزاد في النّفي للاستغراق. و «من» الثّانية للتّبعيض.

____________

(1) الخصال 2/ 598، ح 1.

(2) أنوار التنزيل 2/ 282.

(3) مجمع البيان 4/ 426.

(4) أنوار التنزيل 2/ 282.

(5) سبأر 9.

(6) مجمع البيان 4/ 427.

83

وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏ على محاويجكم، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالصّانع‏ (1)- يعني: الزّنادقة- لِلَّذِينَ آمَنُوا، تهكّما بهم من إقرارهم به، و تعليقهم الأمور بمشيئته: أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ‏ على زعمكم؟! و قيل‏ (2): قاله مشركو قريش، حين استطعمهم فقراء المؤمنين، إيهاما بأنّ اللّه لمّا كان قادرا أن يطعمهم، و لم يطعمهم، فنحن أحقّ بذلك. و هذا من فرط جهالتهم. فإنّ اللّه يطعم بأسباب منها حثّ الأغنياء على إطعام الفقراء، و توفيقهم له.

و قيل‏ (3): هم اليهود؛ حين أمروا بإطعام الفقراء.

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (47)؛ حيث أمرتمونا ما يخالف مشيئة اللّه، أو أمرتم بالإنفاق على من منعه اللّه.

و يجوز أن يكون جوابا من اللّه لهم، أو حكاية لجواب المؤمنين لهم.

وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏ (48):

يعنون وعد البعث، أو وعد نزول العذاب. و هذا استهزاء منهم بخبر النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و خبر المؤمنين. فقال- تعالى- في جوابهم:

ما يَنْظُرُونَ‏: ما ينتظرون‏ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً- هي النّفخة الأولى- تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ‏ (49): يتخاصمون في متاجرهم و معاملاتهم، لا يخطر ببالهم أمرها. كقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ (4) بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏.

في مجمع البيان‏ (5): و في الحديث: تقوم السّاعة، و الرّجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان؛ فما يطويانه حتّى تقوم. و الرّجل يرفع أكلته إلى فيه؛ فما تصل إلى فيه، حتّى تقوم. و الرّجل يليط حوضه‏ (6)، ليسقي ماشيته؛ فما يسقيها حتّى تقوم.

و قيل‏ (7): و هم يختصمون هل ينزل بهم العذاب أم لا. و أصله: يختصمون. فسكّنت التاء، و أدغمت. ثمّ كسرت الخاء، لالتقاء السّاكنين.

____________

(1) ليس في ق.

2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 282.

(4) في أنوار التنزيل 2/ 282: السّاعة. و على أيّ حال لا يوجد في المصحف هكذا آية. و لعلّ المقصود: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (الزخرف/ 66). أو: ... أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‏ (يوسف/ 107)

(5) المجمع 4/ 427.

(6) لاط الحوض بالطّين: طلاه و ملّسه به، لئلّا ينشف الماء.

(7) نفس المصدر و الموضع.

84

و قرأ (1) أبو بكر بكسر الياء، للإتباع. و قرأ ابن كثير و ورش و هشام بفتح الخاء، على إلقاء حركة التّاء إليه. و أبو عمرو و قالون به، مع الاختلاس. و عن نافع الفتح فيه و الإسكان و التّشديد. و كأنّه جوّز الجمع بين السّاكنين، إذا كان الثّاني مدغما. و قرأ حمزة: «يخصمون». من خصمه: إذا جادله.

فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً في شي‏ء من أمورهم.

وَ لا إِلى‏ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ‏ (50)، فيروا حالهم؛ بل يموتون حيث تبغتهم الصّيحة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قال: ذلك في آخر الزّمان. يصاح فيهم صيحة، و هم في أسواقهم يتخاصمون. فيموتون كلّهم في مكانهم، لا يرجع أحد منهم إلى منزله، و لا يوصي بوصيّة. و ذلك قوله- عزّ و جلّ-: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى‏ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ‏.

وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ؛ أي: مرّة ثانية، فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ‏: من القبور. جمع جدث.

و قرئ‏ (3) بالفاء. و الجدث- محرّكة-: القبر.

إِلى‏ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ‏ (51): يسرعون‏ (4).

و قرئ‏ (5) بالضّمّ.

قالُوا يا وَيْلَنا و قرئ‏ (6): «يا ويلتا».

مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا.

و قرئ‏ (7): «من هبّنا» بمعنى: أهبّنا. من: هبّ من نومه: إذا انتبه. و فيه ترشيح و رمز و إشعار بأنّهم، لاختلاط عقولهم، يظنّون أنّهم كانوا نياما. و «من بعثنا» و «من هبّنا»، على من الجارّة و المصدر. و سكت حفص وحده سكتة لطيفة. و الوقف عليها في سائر القراءات حسن.

و في جوامع الجامع‏ (8): و روي عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قرأ: «من بعثنا» على من الجارّة و المصدر.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 282.

(2) تفسير القمّي 2/ 215- 216.

(3) أنوار التنزيل 2/ 283.

(4) ليس في ق، ن، ت.

5 و 6 و 7- نفس المصدر و الموضع.

(8) الجوامع/ 394.

85

هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ‏ (52):

مبتدأ و خبر. و «ما» مصدريّة، أو موصولة محذوفة الرّاجع. أو «هذا» صفة ل «مرقدنا» و «ما وعد» خبر محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: ما وعد الرّحمن و صدق المرسلون حقّ.

قيل‏ (1): و هو من كلامهم.

و قيل‏ (2): جواب الملائكة أو المؤمنين، عن سؤالهم، معدول عن سننه؛ تذكيرا لكفرهم، و تقريعا لهم عليه، و تنبيها بأنّ الّذي يهمّهم هو السؤال عن البعث دون الباعث.

كأنّهم قالوا: بعثكم الرّحمن الّذي وعدكم البعث، و أرسل إليكم الرّسل، فصدقوكم.

و ليس الأمر كما تظنّونه؛ فإنّه ليس ببعث النّائم، فيهمّكم السّؤال عن الباعث، و إنّما هو البعث الأكبر ذو الأهوال.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في قوله: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا: قالت الملائكة: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ‏.

و في روضة الكافي‏ (4): الحسين بن محمّد و محمّد بن يحيى، [جميعا] (5) عن محمّد بن سالم بن أبي مسلمة، عن الحسن بن شاذان الواسطيّ قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أشكوا جفاء أهل واسط، و حملهم عليّ. و كانت عصابة من العثمانيّة تؤذيني.

فوقّع بخطّه: إنّ اللّه- جلّ ذكره- أخذ ميثاق أوليائنا على الصّبر في دولة الباطل.

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ‏ (6). فلو قد قام سيّد الخلق، لقالوا: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ‏.

و في أصول الكافي‏ (7)، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: كان أبو ذرّ- (رحمه اللّه)- يقول في خطبته: و ما بين الموت و البعث إلّا كنومة نمتها، ثمّ استيقظت منها.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

____________

1 و 2- أنوار التنزيل 2/ 283.

(3) تفسير القمّي 2/ 216.

(4) الكافي 8/ 247، ح 246.

(5) من المصدر مع المعقوفتين.

(6) القلم/ 48.

(7) نفس المصدر 2/ 134، ح 18.

86

إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً:

هي النّفخة الأخيرة. و قرئت‏ (1) بالرّفع على كان التّامّة.

فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ‏ (53) بمجرّد تلك الصّيحة.

و في كلّ ذلك تهوين أمر البعث و الحشر، و استغناؤهما عن الأسباب الّتي ينوطان بها فيما يشهدونه‏ (2).

فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ لا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏ (54):

حكاية لما يقال لهم حينئذ، تصويرا للموعود، و تمكينا له في النّفوس. و كذا قوله:

إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ‏ (55): متلذّذون في النّعمة. من الفكاهة.

و في تنكير «شغل» و إبهامه، تعظيم لما هم فيه من البهجة و التّلذّذ، و تنبيه على أنّه أعلى ما يحيط به الإفهام، و يعرب عن كنهه الكلام.

و قرأ (3) ابن كثير و نافع و ابن عمرو: «في شغل» بالسّكون. و يعقوب في رواية:

«فكهون» للمبالغة.

و هما خبران ل «إنّ». و يجوز أن يكون «في شغل» صلة ل «فاكهون».

و قرئ‏ (4): «فكهون» بالضّمّ- و هو لغة؛ كنطس و نطس- و «فاكهين» و «فكهين» على الحال من المستكنّ في الظّرف، و «شغل» بفتحتين، و فتحة و سكون.

و الكلّ لغات.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن زيد النّرسيّ‏ (6)، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: إذا أمات اللّه أهل الأرض، لبث كمثل ما خلق اللّه [الخلق‏] (7)، و مثل ما أماتهم و أضعاف ذلك. ثمّ أمات أهل السّماء الدّنيا. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق‏ (8)، و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل سماء (9) الدّنيا و أضعاف ذلك. ثمّ أمات أهل السّماء الثّانية ثمّ‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 283.

(2) ن، ت، ى، ر: يشاهدونه.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) تفسير القمّي 2/ 256- 257.

(6) المصدر: البرسيّ.

(7) من المصدر.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: خلق اللّه الخلق.

(9) المصدر: السماء.

87

لبث مثل ما خلق الخلق‏ (1)، و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل سماء (2) الدّنيا و السّماء الثّانية [و أضعاف ذلك‏] (3). [ثمّ أمات أهل السّماء] (4) الثّالثة. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق‏ (5)، و مثل ما أمات أهل الأرض و أهل السّماء الدّنيا و السّماء الثّانية و السّماء الثّالثة و أضعاف ذلك في كلّ سماء مثل ذلك و أضعاف ذلك.

ثمّ أمات ميكائيل. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق‏ (6) و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.

ثمّ أمات جبرئيل- (عليه السلام). ثم لبث مثل ما خلق الخلق‏ (7) و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك. ثمّ أمات إسرافيل. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق‏ (8)، و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.

ثمّ أمات ملك الموت. ثمّ لبث مثل ما خلق الخلق‏ (9) و مثل ذلك كلّه و أضعاف ذلك.

ثمّ يقول اللّه‏ (10)- عزّ و جلّ-: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ‏. فيردّ على نفسه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (11). أين الجبّارون؟! و أين المتكبّرون؟! و أين الّذين ادّعوا معي إلها آخر و نحوهم.

ثمّ يبعث الخلق.

قال عبيد بن زرارة: فقلت: إنّ هذا الأمر كائن طولت ذلك. فقال: أ رأيت ما كان، هل علمت به؟ فقال: لا. قال: فكذلك هذا.

و قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ‏ قال‏ (12): في افتضاض العذارى فاكهون. قال: يفاكهون النّساء، و يلاعبونهنّ.

و في مجمع البيان‏ (13): فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ‏. و قيل: شغلوا بافتضاض العذارى.

عن ابن عبّاس و ابن مسعود. و هو المرويّ عن الصّادق- (عليه السلام)- قال‏ (14): و حواجبهنّ كالأهلّة. و أشفار أعينهنّ كقوادم النّسور.

هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ‏: جمع ظلّ؛ كشعاب، أو ظلّة؛ كقباب. و يؤيّده قراءة (15) حمزة و الكسائيّ: «في ظلل».

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: خلق اللّه الخلق.

(2) في المصدر: «السماء» بدل «أهل سماء».

(3) ليس في ق، ش.

(4) ليس في ش.

5 و 6 و 7 و 8- كذا في المصدر. و في النسخ: خلق اللّه الخلق.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: خلق اللّه الخلق.

(10) غافر/ 16.

(11) المصدر: اللّه القهّار.

(12) نفس المصدر/ 216.

(13) المجمع 4/ 429.

(14) ليس في ق.

(15) أنوار التنزيل 2/ 283.

88

عَلَى الْأَرائِكِ‏: على السّرر المزيّنة مُتَّكِؤُنَ‏ (56).

و «هم» مبتدأ خبره «في ظلال». و «على الأرائك» جملة مستأنفة، أو خبر ثان. أو «متّكئون» و الجارّان صلتان له. أو تأكيد للضّمير في «في شغل» أو في «فاكهون» و عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ‏ خبر آخر ل «إنّ». و «أزواجهم» عطف على «هم» للمشاركة في الأحكام الثّلاثة. و «في ظلال» حال من المعطوف و المعطوف عليه.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (1): و في رواية أبي الجارود، عن أبي- (عليه السلام)‏- في قوله- عزّ و جلّ-: فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ‏: الأرائك السّرر عليها الحجال.

حدّثني أبي‏ (2)، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و ذكر حديثا طويلا يذكر فيه حال المؤمن إذا دخل الجنّة: فإذا جلس المؤمن على سريره، اهتزّ سريره فرحا. فإذا استقرّت بولىّ اللّه في الجنّة، استاذن عليه الملك الموكّل‏ (3) بجنانه ليهنّئه بكرامة اللّه إيّاه.

فيقول خدّام المؤمن و وصفاؤه: مكانك! فإنّ وليّ اللّه قد اتّكأ على أرائكه، و زوجته الحوراء العيناء قد هيّئت. فاصبر لوليّ اللّه، حتّى يفرغ من شغله.

قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمتها، تمشي مقبلة، و حولها و صفاؤها يحجبنها (4) عليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت و اللّؤلؤ و الزّبرجد، صبغن بمسك و عنبر. و على رأسها تاج الكرامة. و في رجليها (5) نعلان من ذهب مكلّلان بالياقوت و اللّؤلؤ، شراكهما (6) ياقوت أحمر. فإذا دنت‏ (7) من وليّ اللّه، و هم [أن‏] (8) يقوم إليها شوقا، تقول له: يا وليّ اللّه، ليس هذا يوم تعب و لا نصب. و لا تقم؛ أنا لك؛ و أنت لي. فيعتنقان قدر خمسمائة عام من أعوام الدّنيا لا يملّها و لا تملّه.

قال: فينظر إلى عنقها. فإذا عليها قلادة من قضيب‏ (9) ياقوت أحمر. وسطها لوح مكتوب: أنت يا وليّ اللّه حبيبي. و أنا الحوراء حبيبتك. إليك تتأهّب‏ (10) نفسي. و إلىّ‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 216.

(2) نفس المصدر و المجلّد/ 246- 247.

(3) ق، ن، ت: الموكّل عليه.

(4) المصدر: تحينها.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: رجلها.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: شراكها.

(7) المصدر: أدنيت.

(8) من المصدر.

(9) ق، ش: قصب.

(10) ق، ش، ت، م، ر: تناهت. و في المصدر:

تباهت.

89

تتأهّب‏ (1) نفسك. ثمّ يبعث اللّه ألف ملك يهنّئونه [بالجنّة] (2)، و يزوّجونه بالحوراء.

و في روضة الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر قال: سئل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نقل عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)- حديثا طويلا (4) يقول فيه- حاكيا حال أهل الجنّة-: و المؤمن ساعة مع الحوراء، و ساعة مع الآدميّة، و ساعة يخلو بنفسه على الأرائك متّكئا ينظر بعض المؤمنين‏ (5) إلى بعض.

لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ‏ (57): ما يدّعون به لأنفسهم. يفتعلون من الدّعاء؛ كاشتوى و اجتمل‏ (6): إذا شوى و جمل‏ (7) لنفسه. أو: ما يتداعونه؛ كقولك‏ (8): ارتموه؛ بمعنى: تراموه. أو: يتمنّون. من قولهم: ادّع عليّ ما شئت، بمعنى: تمنّه عليّ. أو: ما يدّعونه في الدّنيا من الجنّة و درجاتها.

و «ما» موصولة، أو موصوفة مرتفعة بالابتداء. و «لهم» خبرها. و قوله: سَلامٌ‏ بدل منها، أو صفة أخرى. و يجوز أن يكون خبرها، أو خبر محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر (9). أي: و لهم سلام.

و قرئ‏ (10) بالنّصب، على المصدر أو الحال. أي: لهم مرادهم خالصا.

قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‏ (58)؛ أي: يقول اللّه، أو يقال لهم قولا كائنا من جهته.

و المعنى: أنّ اللّه يسلّم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، تعظيما لهم. و ذلك مطلوبهم و متمنّاهم. و يحتمل نصبه على الاختصاص.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)- في قوله- عزّ و جلّ- سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‏ قال: السّلام منه هو الأمان.

وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ‏ (59)، و انفردوا عن المؤمنين. و ذلك حين‏

____________

(1) ق، ش، ت، م، ر: تناهت. و في المصدر:

تباهت.

(2) ليس في ن.

(3) الكافي 8/ 99، ح 69.

(4) ليس في ق، ش.

(5) المصدر: بعضهم.

(6) ن، ت، م، ى، ر: احتمل.

(7) ن، ت، م، ى، ر: حمل.

(8) كذا في أنوار التنزيل 2/ 284. و في النسخ:

كقوله.

(9) ليس في ق، ن، ت.

(10) أنوار التنزيل 2/ 284.

(11) تفسير القمّي 2/ 216.

90

يسار (1) بهم إلى الجنّة. كقوله‏ (2): وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ‏.

و قيل‏ (3): اعتزلوا من كلّ خير. أو: تفرّقوا في النّار. فإنّ لكلّ كافر بيتا يتفرّد به لا يرى و لا يرى.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (4): و قوله: وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ‏ قال: إذا جمع اللّه الخلق يوم القيامة، بقوا قياما على أقدامهم. حتّى يلجمهم العرق، فينادون: يا ربّ! حاسبنا، و لو إلى النّار! فيبعث اللّه- عزّ و جلّ- رياحا، فتضرب بينهم. و ينادي مناد:

وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ‏. فيميّز بينهم. فصار المجرمون إلى‏ (5) النّار. و من كان في قلبه إيمان‏ (6) صار إلى الجنّة.

أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ‏:

من جملة ما يقال لهم، تقريعا و إلزاما للحجّة. و عهده إليهم، ما نصب لهم من الحجج العقليّة و السّمعيّة الآمرة بعبادته، الزّاجرة عن عبادة غيره. و جعلها عبادة الشّيطان، لأنّه الآمر بها، و المزيّن لها.

و قرئ‏ (7): «اعهد» بكسر حرف المضارعة و أحهد و أحد على لغة تميم.

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏ (60):

تعليل للمنع عن عبادته بالطّاعة فيما يحملهم عليه.

و في اعتقادات الإماميّة (8) للصّدوق- (رحمه اللّه)- قال- (عليه السلام)-: من أصغى إلى ناطق، فقد عبده. فإن كان النّاطق عن اللّه، فقد عبد اللّه. و إن كان النّاطق عن إبليس، فقد عبد إبليس.

وَ أَنِ اعْبُدُونِي‏:

عطف على‏ أَنْ لا تَعْبُدُوا.

هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ‏ (61):

إشارة إلى ما عهد إليهم، أو إلى عبادته. فالجملة استئناف لبيان المقتضى للعهد

____________

(1) ن، ت، ى، ر: يشار.

(2) الروم/ 14.

(3) أنوار التنزيل 2/ 284.

(4) تفسير القمّي 2/ 216.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: في.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: الإيمان.

(7) أنوار التنزيل 2/ 284.

(8) اعتقادات الصّدوق/ 105.

91

بشقّيّه، أو بالشّقّ الآخر. و التّنكير للمبالغة و التعظيم، أو للتّبعيض. فإنّ التّوحيد سلوك بعض الطّريق المستقيم.

وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ‏ (62):

رجوع إلى بيان معاداة الشّيطان، مع ظهور عداوته و وضوح إضلاله، لمن له أدنى عقل و رأي.

و الجبلّ: الخلق و الجماعة و الجمع الّذين جبلوا على خليقة (1). و أصل الجبلّ: الطّبع و منه: الجبل؛ لأنّه مطبوع على الثّبات. و قيل‏ (2): أصله الغلظة و الشدّة.

و قرأ (3) يعقوب بضمّتين. و ابن كثير و حمزة و الكسائيّ بهما مع تخفيف اللّام. و ابن عامر و أبو عمرو بضمّة و سكون، مع التّخفيف. و الكلّ لغات. و قرئ‏ (4): «جبلا» جمع جبلة كخلقة و خلق. و «جيلا» واحد الأجيال.

هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏ (63).

اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ‏ (64): ذوقوا حرّها اليوم، بكفركم في الدّنيا. و أصله: اللّزوم.

و قيل‏ (5): معناه: صيروا صلاها؛ أي: وقودها.

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ‏، لمنعها من الكلام.

وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ (65):

قيل‏ (6): ذلك بظهور آثار المعاصي عليها، و دلالتها على أفعالها.

و قيل‏ (7): يجعل اللّه- تعالى- فيها كلاما. و إنّما نسب الكلام إليها، لأنّه لا يظهر أثر الكلام إلّا من جهتها.

و قيل‏ (8): بإنطاق اللّه إيّاها.

و في أصول الكافي‏ (9): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثني أبو عمرو الزّبيرىّ، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و ذكر حديثا طويلا

____________

(1) ق، ش: خليقته.

(2) مجمع البيان 4/ 430.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 284.

(5) مجمع البيان 4/ 430.

6 و 7 و 8- نفس المصدر و الموضع. و أنوار التنزيل 2/ 284.

(9) الكافي 2/ 33- 36، ح 1.

92

يقول فيه‏- بعد أن قال: [إنّ اللّه‏] (1)- تبارك و تعالى- فرض الإيمان على جوارح ابن آدم، و قسّمه عليها، و فرّقه فيها-: شهدت الأيدي و الأرجل على أنفسهما، و على أربابهما، من تضييعهما لما أمر اللّه- عزّ و جلّ- و فرضه عليهما. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏. فهذا أيضا ممّا فرض اللّه على اليدين، و على الرّجلين. و هو عملهما، و هو من الإيمان.

عليّ بن محمّد (2)، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر- و ذكر حديثا طويلا يقول فيه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: و ليست تشهد الجوارح على مؤمن. إنّما تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب. فأمّا المؤمن، فيعطى كتابه بيمينه. قال اللّه‏ (3)- عزّ و جلّ-: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.

و في من لا يحضره الفقيه‏ (4):

قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في وصيّته لابنه محمّد بن الحنفيّة- رضي اللّه عنه-: و قال اللّه- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏. فأخبر عنها أنّها تشهد على صاحبها يوم القيامة.

و في تفسير العيّاشي‏ (5)، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد- (عليه السلام)- عن جدّه قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في خطبته يصف هول يوم‏ (6) القيامة: ختم على الأفواه، فلا تكلّم. و تكلّمت الأيدي، و [شهدت‏] (7) الأرجل، و نطقت الجلود بما عملوا؛ فلا يكتمون اللّه حديثا.

و في تفسير علي بن إبراهيم‏ (8): و قوله- عزّ و جلّ-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ‏- إلى قوله:- بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ قال: إذا جمع اللّه- عزّ و جلّ- الخلق يوم القيامة، دفع‏ (9) إلى كلّ إنسان كتابه. فينظرون فيه، فينكرون أنّهم عملوا من ذلك شيئا. فتشهد عليهم الملائكة، فيقولون: يا ربّ، ملائكتك يشهدون لك! ثمّ يحلفون أنّهم لم يعلموا من ذلك‏

____________

(1) ليس في ق، ت، ن.

(2) نفس المصدر و المجلّد/ 32، ح 1.

(3) الإسراء/ 71.

(4) الوصيّة في الفقيه 4/ 275، ح 830 و لم أر فيها هذا الشطر.

(5) تفسير العياشي 1/ 242، ح 133.

(6) ليس في ق، ش.

(7) من المصدر.

(8) تفسير القمّي 2/ 216.

(9) ق، ن، ت: رفع.

93

شيئا. و هو قول اللّه‏ (1)- عزّ و جلّ-: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ‏. فإذا فعلوا (2) ذلك، ختم اللّه على ألسنتهم و تنطق جوارحهم‏ (3) بما كانوا يكسبون.

و في كتاب الاحتجاج‏ (4) للطّبرسيّ- (رحمه اللّه)- عن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- حديث طويل، يقول فيه- (عليه السلام)-: و قوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏، فإنّ ذلك في مواطن غير واحد، من مواطن ذلك اليوم الّذي كان مقداره خمسين ألف سنة، يكفر أهل المعاصي بعضهم ببعض، و يلعن بعضهم بعضا. و الكفر في هذه الآية البراءة. يقول: فيبرأ بعضهم من بعض. و نظيرها في سورة إبراهيم‏ (5) قول الشّيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ‏ و قول إبراهيم خليل الرّحمن: كَفَرْنا بِكُمْ‏ (6)، يعني: تبرّأنا منكم.

ثمّ يجتمعون في مواطن أخر، فيستنطقون فيه. فيقولون: وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ‏ (7). و هؤلاء خاصّة هم المقرّون في دار الدّنيا بالتّوحيد، فلا ينفعهم إيمانهم مع مخالفتهم رسله، و شكّهم فيما أتوا به عن ربّهم، و نقضهم عهوده في أوصيائه‏ (8)، و استبدالهم الّذي هو أدنى بالّذي هو خير. فكذّبهم اللّه فيما انتحلوه من الإيمان بقوله‏ (9): انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏. فيختم اللّه على أفواههم، و يستنطق الأيدي و الأرجل و الجلود، فتشهد بكلّ معصية كانت منهم. ثمّ يرتفع‏ (10) عن ألسنتهم الختم، فيقولون لجلودهم: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ (11).

وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى‏ أَعْيُنِهِمْ‏: لمسحنا أعينهم حتّى تصير ممسوحة.

و الطّمس: محو الشّي‏ء حتّى يذهب أثره.

فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فاستبقوا إلى الطّريق الّذي اعتادوا سلوكه.

و انتصابه بنزع الخافض، أو بتضمين الاستباق معنى الابتدار، أو جعل المسبوق إليه‏

____________

(1) المجادلة/ 18.

(2) في ق زيادة: فاحشة.

(3) في ق، ش: تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ‏ بدل و تنطق جوارحهم.

(4) الإحتجاج/ 242.

(5) إبراهيم/ 22.

(6) الممتحنة/ 4.

(7) الأنعام/ 23.

(8) المصدر: عهودهم في أوصيائهم.

(9) الأنعام/ 24.

(10) المصدر: يرفع.

(11) فصّلت/ 21.

94

مسبوقا، على الاتّساع، أو بالظّرف.

فَأَنَّى يُبْصِرُونَ‏ (66): الطّريق وجهة السّلوك، فضلا عن غيره.

و «أنّى» في محل النّصب، على الحال من «يبصرون»، أو على أنّه في معنى مصدره.

وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ‏ بتغيير صورهم و إبطال قواهم‏ عَلى‏ مَكانَتِهِمْ‏:

مكانهم، بحيث يجمدون فيه.

و قرأ (1) أبو بكر: «على مكاناتهم». فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا: ذهابا، وَ لا يَرْجِعُونَ‏ (67) و لا رجوعا. فوضع الفعل موضعه للفواصل.

و قيل‏ (2): و لا يرجعون عن تكذيبهم.

و قرئ‏ (3): «مضيّا» بإتباع الميم الضّاد المكسورة، لقلب الواو ياء، كالعتيّ و العتيّ.

و «مضيّا» كالصّبيّ.

و المعنى: أنّهم بكفرهم و نقضهم بما عهد إليهم أحقّاء بأن يفعل بهم ذلك، لكنّا لم نفعل لشمول الرّحمة لهم، و اقتضاء الحكمة إمهالهم.

وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ‏: نطل عمره، نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ‏ نقلبه فيه. فلا يزال يتزايد ضعفه و انتقاض بنيته و قواه، عكس ما كان عليه بدء أمره.

و قرأ (4) عاصم و حمزة: «ننكّسه» من التّنكيس. و هو أبلغ. و النّكس أشهر. أَ فَلا يَعْقِلُونَ‏ (68) أنّ من قدر على ذلك، قدر على الطّمس و المسخ؛ فإنّه مشتمل عليهما و زيادة، غير أنّه تدرّج.

و قرأ (5) نافع و ابن عامر و يعقوب بالتّاء، لجري الخطاب قبله.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و قوله- عزّ و جلّ: وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ‏. فإنه ردّ على الزّنادقة الّذين يبطلون التّوحيد، و يقولون: إنّ الرّجل إذا نكح المرأة، و صارت النّطفة في رحمها، تلقّته الأشكال من الغذاء، و دار عليه الفلك، و مرّ عليه اللّيل و النّهار. فيولد الإنسان بالطّبائع من الغذاء و مرور اللّيل و النّهار. فنقض اللّه- عزّ و جلّ- عليهم قولهم في حرف واحد، فقال- جلّ ذكره-: وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ‏. قال: لو كان هذا كما يقولون، لكان ينبغي أن يزيد الإنسان أبدا،

____________

1 و 2 و 3- أنوار التنزيل 2/ 285.

4 و 5- نفس المصدر و الموضع.

(6) تفسير القمّي 2/ 217.