تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب‏ - ج14

- محمد بن محمد رضا القمي المشهدي المزيد...
402 /
11

الجزء الرابع عشر

سورة المدّثّر

مكّيّة.

و آيها ستّ أو خمس و خمسون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده إلى الباقر- (عليه السلام)- قال: من قرأ في الفريضة سورة المدّثر، كان حقّا على اللّه أن يجعله مع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- في درجته، و لا يدركه في الحياة الدّنيا شقاء أبدا [إن شاء اللّه‏] (2).

و في مجمع البيان‏ (3): أبيّ بن كعب، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة المدّثّر، اعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدّق بمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و كذّب به‏ (4).

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)، أي: المتدثّر، و هو لابس الدّثار.

قيل‏ (5): أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: كنت بحراء فنوديت، فنظرت عن يميني و شمالي فلم أر شيئا (6)، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش‏ (7) بين السّماء و الأرض، يعني:

____________

(1) ثواب الأعمال/ 148، ح 1.

(2) ليس في ق، ش، م.

(3) المجمع 5/ 383.

(4) في المصدر زيادة: بمكّة.

(5) أنوار التنزيل 2/ 516.

(6) ليس في ق.

(7) المصدر: العرش.

12

الملك الّذي ناداه، فرعبت و رجعت إلى خديجة- رضي اللّه عنها- فقلت: دثّروني. فنزل جبرئيل و قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ و لذلك قيل‏ (1): هي أوّل سورة نزلت.

و قيل‏ (2): تأذّى من قريش فتغطّى بثوبه متفكّرا، أو كان نائما متدثّرا، فنزلت.

و قيل‏ (3): المراد بالمدّثّر: المتدثّر بالنّبوّة و الكمالات النّفسانيّة، أو المختفي فإنّه كان بحراء كالمختفي فيه على سبيل الاستعارة.

و قرئ‏ (4): «المدثّر»، أي: الّذي دثّر هذا الأمر و عصّب به.

و في مجمع البيان‏ (5): قال الأوزاعيّ: سمعت يحيى بن كثير (6) يقول: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أنزل قبل؟

قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.

فقلت‏ (7): أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏؟

فقال: سألت جابر بن عبد اللّه: أيّ القرآن انزل قبل؟

قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.

فقلت: أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏؟

فقال جابر: أحدّثكم ما حدّثنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال:

جاورت بحراء شهرا، فلمّا قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي‏ (8)، فنوديت، فنظرت أمامي و خلفي و عن يميني و شمالي فلم أر أحدا، ثمّ نوديت، فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء، يعني: جبرئيل. فقلت: دثّروني دثّروني‏ (9). فصبّوا عليّ ماء، فأنزل اللّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.

قُمْ‏: من مضجعك. أو قم قيام عزم و جدّ.

فَأَنْذِرْ (2): مطلق للتّعميم. أو مقدّر بمفعول دلّ عليه قوله‏ (10): وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ أو قوله‏ (11): وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً.

____________

(1) ليس في ي.

2 و 3- نفس المصدر و الموضع.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) المجمع 5/ 384.

(6) المصدر: أبي كثير.

(7) ليس في ق، ش.

(8) المصدر: الواد.

(9) ليس في ق، ش.

(10) الشعراء/ 214.

(11) سبأ/ 28.

13

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قُمْ فَأَنْذِرْ. قال: هو قيامه في الرّجعة ينذر فيها.

وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (3): و خصّص ربّك بالتكبير، و هو وصفه بالكبرياء عقدا (2) و قولا.

و روي من طريق العامّة (3): أنّه لمّا نزل كبّر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أيقن أنّه الوحي، و ذلك لأنّ الشّيطان لا يأمر بذلك.

و الفاء فيه و فيما بعده لإفادة معنى الشّرط، و كأنّه قال: و ما يكن من شي‏ء فكبّر ربّك. أو الدّلالة على أنّ المقصود الأوّل من الأمر بالقيام أن يكبّر ربّه عن الشّرك و التّشبيه، فإنّ أوّل ما يجب معرفة الصّانع، و أوّل ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه، و القوم كانوا مقرّين به.

وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4): من النّجاسات، فإنّ التّطهير واجب في الصّلاة محبوب في غيرها، و ذلك بغسلها و بحفظها عن النّجاسة بتقصيرها مخافة جرّ الذّيول فيها.

و قيل‏ (4): هو وّل ما أمر به من رفض العادات المذمومة.

و قيل‏ (5): طهر نفسك من الأخلاق الذّميمة و الأفعال الدّنيئة، فيكون أمرا باستكمال القوّة العلميّة (6) بعد أمره باستكمال القوّة النّظريّة و الدّعاء إليه.

و قيل‏ (7): فطهّر دثار النّبوّة عمّا يدنّسه من الحقد و الضّجر و قلّة الصّبر (8).

و في كتاب الخصال‏ (9)، فيما علّم أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أصحابه من الأربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه و دنياه: تشمير الثّياب طهور لها، قال- تعالى-: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ، يعني: فشمّر.

و في الكافي‏ (10): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في قول اللّه- تبارك و تعالى-: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال:

فشمّر.

الحسين بن محمّد (11)، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أحمد بن‏

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 393.

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 516. و في النسخ: عقلا.

(3) أنوار التنزيل 2/ 516.

4 و 5- نفس المصدر/ 517.

(6) ن، المصدر: العلميّة.

(7) نفس المصدر و الموضع.

(8) ق، ش، م: من الحقد و الحسد و غيرهما.

(9) الخصال/ 622- 623.

(10) الكافي 6/ 455، ح 1.

(11) نفس المصدر/ 455- 456، ح 2.

14

عائد، عن أبي خديجة، عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ عليّا- (عليه السلام)- كان عندكم، فأتى بني ديوان فاشترى ثلاثة أثواب بدينار، القميص إلى فوق الكعب، و الإزار إلى نصف السّاق، و الرّداء من بين يديه و من خلفه إلى أليتيه‏ (1).

ثمّ رفع يده إلى السّماء، فلم يزل يحمد اللّه على ما كساه حتّى دخل منزله.

ثمّ قال: هذا اللّباس الّذي ينبغي‏ (2) للمسلمين أن يلبسوه.

قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: و لكن لا تقدرون أن تلبسوا هذا اليوم، و لو فعلناه لقالوا: مجنون، و لقالوا: مراء، و اللّه يقول: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال: و ثيابك ارفعها لا تجرّها. فإذا قام قائمنا، كان هذا اللّباس.

محمد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الرّحمن بن عثمان، عن رجل من أهل اليمامة كان مع أبي الحسن- (عليه السلام)- أيّام حبس ببغداد قال: قال لي أبو الحسن- (عليه السلام)-: إنّ اللّه قال لنبيّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ [و كانت ثيابه طاهرة] (4) و إنّما أمره بالتّشمير.

عدّة من أصحابنا (5)، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عليّ، عن رجل، عن سلمة بيّاع القلانس قال: كنت عند أبي جعفر- (عليه السلام)- إذ دخل عليه أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال أبو جعفر- (عليه السلام)-: يا بنيّ، ألا تطهّر قميصك؟ فذهب، فظننّا أنّ ثوبه قد أصابه شي‏ء فرجع، فقال: إنّه‏ (6) هكذا.

فقلنا: جعلنا فداك، ما لقميصه؟

فقال: كان قميصه طويلا فأمرته أن يقصّره‏ (7)، إنّ اللّه يقول: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ.

و في مجمع البيان‏ (8): و روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: غسل الثّياب يذهب الحزن و الهمّ و هو طهور للصلاة (9) طهر، و تشمير الثياب طهورها (10)، و قد قال اللّه- سبحانه-: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ، أي: فشمّر.

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: ألييه.

(2) ليس في ق.

(3) نفس المصدر/ 456، ح 4.

(4) ليس في ق.

(5) نفس المصدر/ 457- 458، ح 10.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: إنهن.

(7) المصدر: يقصّر.

(8) المجمع 5/ 358.

(9) ليس في ق.

(10) المصدر: طهور لها.

15

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ» قال: التّطهير هنا:

تشميرها.

و قال‏ (2): شيعتنا يطهّرون.

وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) قيل‏ (3): و اهجر العذاب بالثبات، على هجر ما يؤدّي إليه من الشّرك و غيره من القبائح.

و قرأ (4) يعقوب و حفص: «و الرّجز» بالضّمّ، و هو لغة، كالذّكر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ. الرّجز الخبيث‏ (6).

وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6): و لا تعط مستكثرا أو لا تمنن على اللّه بعبادتك مستكثرا إيّاها، أو على النّاس بالتّبليغ مستكثرا به الأجر منهم، أو مستكثرا إيّاه.

و قرئ‏ (7): «تستكثر» بالسّكون، للوقف أو الإبدال، من «تمنن»، على أنّه من:

منّ بكذا. أو «تستكثر» بمعنى: تجده كثيرا.

و بالنّصب على إضمار «أن» و قد قرئ‏ (8) بها، و على هذا يجوز أن يكون الرّفع بحذفها و إبطال عملها، كما روي: «أحضر الوغى» (9) بالرّفع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10): قوله: وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ

و في رواية أبي الجارود يقول: لا تعط (11) العطيّة تلتمس أكثر منها.

و في أصول الكافي‏ (12): عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من أعطي لسانا ذاكرا فقد اعطي خير الدّنيا و الآخرة.

و قال في قوله: وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ قال: لا تستكثر ما عملت من خير للّه.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 393.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: يقال.

3 و 4- أنوار التنزيل 2/ 517.

(5) تفسير القمّي 2/ 393.

(6) ق، ش، م: الخبث.

7 و 8- أنوار التنزيل 2/ 517.

(9) هذه جملة من بيت شعر لطرفة بن العبد، و البيت هكذا:

الا ايّها الزاجريّ أحضر الوغى‏* * * و أن أشهد اللذّات هل أنت مخلدي‏

(10) تفسير القمّي 2/ 393.

(11) المصدر: لا تعطي.

(12) الكافي 2/ 499، ح 1.

16

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في نهج البلاغة (1): و إيّاك و المنّ على رعيّتك بإحسانك أو التّزيّد في ما كان من فعلك، فإنّ المنّ يبطل الإحسان، و التّزيّد يذهب بنور الحقّ.

وَ لِرَبِّكَ‏: و لوجهه، أو أمره.

فَاصْبِرْ (7): فاستعمل الصّبر. أو فاصبر على مشاقّ التّكاليف و أذى المشركين.

فَإِذا نُقِرَ: نفخ.

فِي النَّاقُورِ (8): في الصّور، فاعول، من النّقر، بمعنى: التّصويت.

و أصله: القرع الّذي هو سبب الصّوت.

و «الفاء» للسّببيّة، كأنّه قال: اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبه صبرك و أعداؤك عاقبة ضرّهم.

و «إذا» ظرف لما دلّ عليه قوله: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكافِرِينَ‏: لأنّ معناه: عسر الأمر على الكافرين.

و «ذلك» إشارة إلى وقت النّقر، و هو مبتدأ خبره «يوم عسير»، و «يومئذ» بدله أو ظرف لخبره، إذ التّقدير: فذلك الوقت [وقت‏] (2) وقوع يوم عسير.

غَيْرُ يَسِيرٍ (10): تأكيد يمنع أن يكون عسيرا عليهم من وجه دون وجه، و يشعر بتيسيره على المؤمنين.

و في كتاب الغيبة (3) لشيخ الطّائفة: و أخبرني جماعة، عن أبي المفضّل [عن محمّد ابن عبد اللّه بن جعفر الحميريّ، عن أبيه، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن المفضل‏] (4) بن عمر قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن تفسير جابر.

فقال: لا تحدّث به السفلة فيذيعوه‏ (5)، أما تقرأ كتاب اللّه: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ.

إنّ منّا إماما مستترا، فإذا أراد [اللّه‏] (6) إظهار أمره، نكت في قلبه نكتة فيظهر (7)، فقام بأمر

____________

(1) النّهج/ 444، الكتاب 53.

(2) من أنوار التنزيل 2/ 517.

(3) الغيبة/ 103.

(4) ليس في ق، ش.

(5) المصدر: فيذيعونه.

(6) من المصدر.

(7) المصدر: فظهر.

17

اللّه.

و في شرح الآيات الباهرة (1): روى عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: قوله: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ.

قال: «النّاقور» هو النّداء من السّماء: ألا إنّ وليّكم فلان بن فلان القائم بالحقّ. ينادي به جبرئيل في ثلاث ساعات من ذلك اليوم. فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ (2) يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ، يعني بالكافرين: المرجئة الّذين كفروا بنعمة اللّه و بولاية عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-.

ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11): نزلت في الوليد بن المغيرة.

و «وحيدا» حال من الياء، أي: ذرني وحدي معه فإنّي أكفيكه. أو من التّاء، أي: و من خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد. أو من العائد المحذوف، أي: و من خلقته فريدا لا مال له و لا ولد.

أو ذمّ، فإنّه كان ملقّبا به، فسمّاه اللّه به تهكّما. أو أراد أنّه وحيد، و لكن في الشّرارة. أو عن أبيه، لأنّه كان زنيما.

و في مجمع البيان‏ (3): و روى العيّاشي، بإسناده‏ (4) عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أنّ الوحيد الوليد (5) ولد الزّنا.

قال زرارة: ذكر لأبي جعفر- (عليه السلام)- عن أحد بني هشام أنّه قال في خطبته: أنا الوليد (6) الوحيد.

فقال: ويله، لو علم ما الوحيد (7) ما فخر بها.

فقلنا: و ما هو؟

قال: من لا يعرف له أب.

____________

(1) تأويل الآيات الباهرة 2/ 732، ح 3.

(2) ليس في المصدر.

(3) المجمع 5/ 387.

(4) ليس في ق، ش.

(5) ليس في المصدر.

(6) المصدر: ابن.

(7) كذا في المصدر. و في ق: لوليد. و في غيرها:

الوليد.

18

وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (12): مالا مبسوطا كثيرا. أو ممدودا بالنّماء، و كان له الزّرع و الضّرع و التّجارة.

وَ بَنِينَ شُهُوداً (13): حضورا معه بمكّة يتمتّع بلقائهم، لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بنعمته، و لا يحتاج إلى أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه. أو في المحافل و الأندية، لوجاهتهم و اعتبارهم.

قيل‏ (1): كان له عشرة بنين أو أكثر، كلّهم رجال، فأسلم منهم ثلاثة: خالد، و عمّار، و هشام.

وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14): و بسطت له الرّئاسة و الجاه العريض حتّى لقّب ريحانة قريش و الوحيد، أي باستحقاق الرّئاسة و التّقدّم.

ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15): على ما أوتيه. و هو استبعاد لطمعه له، لأنّه لا مزيد على ما أوتي، أو لأنّه لا يناسب ما هو عليه من كفران النّعم و معاندة المنعم و لذلك قال: كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (16): فإنّه ردع له عن الطّمع، و تعليل للرّدع على سبيل الاستئناف بمعاندة آيات المنعم المناسبة لإزالة النّعمة المانعة عن الزّيادة.

قيل‏ (2): ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله‏ (3) حتّى هلك.

و في شرح الآيات الباهرة (4): جاء في تفسير أهل البيت- (عليهم السلام)- رواه الرّجال، عن [عمرو بن‏] (5) شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى-: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً قال: يعني بهذه الآية: إبليس اللّعين خلقه وحيدا من غير أب و لا أمّ. و قوله: وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً، يعني: هذه الدّولة إلى يوم‏ (6) الوقت المعلوم، يوم يقوم القائم.

وَ بَنِينَ شُهُوداً وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يقول‏ (7): معاندا للأئمّة، يدعو إلى غير سبيلها و يصدّ النّاس عنها، و هي آيات اللّه.

سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17): سأغشيه عقبة (8) شاقّة المصعد. و هو مثل لما يلقى من‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 518.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) المصدر: حاله.

(4) تأويل الآيات الباهرة 2/ 734، ح 5.

(5) ليس في ق، ش.

6 و 7- ليس في ق، ش، م.

(8) ليس في ق.

19

الشّدائد.

و في مجمع البيان‏ (1): و قيل: «صعود» جبل في جهنّم من نار يؤخذ (2) بارتقائه، فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت، و كذلك رجله ... في خبر مرفوع.

و في روضة الواعظين‏ (3). للمفيد- (رحمه اللّه)-: قال الباقر- (عليه السلام)-: إنّ في جهنّم جبلا (4) يقال له: صعود، و إنّ في صعود لواديا يقال له: سقر (5)، و إنّ في سقر (6) لجبّا يقال له: هبهب، كلّما كشف غطاء ذلك الجبّ، ضجّ أهل النّار من حرّه، و ذلك منازل الجبّارين.

و في شرح الآيات الباهرة (7): قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: «صعود» جبل في النّار من نحاس يعمل‏ (8) عليه حبتر (9) ليصعده كارها، فإذا ضرب رجليه‏ (10) على الجبل ذابتا حتى تلحق بالرّكبتين، فإذا رفعهما عادتا، فلا يزال هكذا ما شاء اللّه.

إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ (18): تعليل للوعيد، أو بيان للعناد، و المعنى: فكّر فيما تخيّل طعنا (11) في القرآن، و قدّر في نفسه ما يقول فيه.

فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19): تعجّب من تقديره استهزاء به. أو لأنّه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه، من قولهم: قتله اللّه ما أشجعه، أي: بلغ في الشّجاعة مبلغا يحقّ أن يحسد، و يدعو عليه حاسده بذلك.

و في جوامع الجامع‏ (12): و روي أنّ الوليد قال لبني مخزوم: و اللّه، لقد سمعت من محمّد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجنّ، إنّ له حلاوة، و إنّ عليه لطلاوة (13)، و إنّ أعلاه لمثمر، و إنّ أسفله لمغدق، و إنّه يعلو و لا يعلى عليه.

فقال قريش: صبا، و اللّه، الوليد. و اللّه، ليصبأنّ قريش.

فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه.

____________

(1) المجمع 5/ 388.

(2) ش: يؤمر.

(3) روضة الواعظين/ 382.

(4) ليس في ق، م.

5 و 6- المصدر: سعر.

(7) تأويل الآيات الباهرة 2/ 734، ح 6.

(8) كذا في المصدر. و في النسخ: يعمل.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: حبّه.

(10) كذا في المصدر. و في النسخ: «بيديه إلى» بدل «رجليه على».

(11) كذا في أنوار التنزيل 2/ 518. و في النسخ:

لمعنى.

(12) الجوامع/ 517- 518.

(13) الطّلاوة: الحسن و البهجة و القبول و الذّوق.

20

فقعد إليه حزينا و كلّمه بما أحماه.

فقام و أتاهم، فقال: تزعمون [أنّ محمّدا مجنون، فهل رأيتموه يخنّق؟ و تقولون:

إنّه كاهن، فهل رأيتموه يتحدّث‏ (1) بما يتحدّث به الكهنة؟ و تزعمون‏] (2) أنّه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قطّ؟ و تزعمون أنّه كذّاب، فهل جرّبتم عليه شيئا [من الكذب‏] (3)؟

فقالوا في كلّ ذلك: اللّهمّ، لا.

قالوا له: فما هو؟

ففكّر، فقال: ما هو إلّا ساحر، أما رأيتموه يفرّق بين الرّجل و أهله [و ولده‏] (4) و مواليه؟ و ما يقوله‏ (5) سحر يؤثر عن أهل بابل، فتفرّقوا معجبين‏ (6) منه.

ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20): تكرير للمبالغة.

و «ثمّ» للدّلالة على أنّ الثّانية أبلغ من الأولى، و فيما بعد على أصلها.

ثُمَّ نَظَرَ (21)، أي: في أمر القرآن مرّة بعد أخرى.

ثُمَّ عَبَسَ‏: قطّب وجهه لمّا لم يجد فيه طعنا و لم يدر ما يقول. أو نظر إلى رسول اللّه و قطّب في وجهه.

وَ بَسَرَ (22): إتباع «لعبس».

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): و قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه اللّه)‏- في النّاقور- إلى قوله-: وحيدا» فإنّها نزلت في الوليد بن المغيرة (8)، و كان شيخا كبيرا مجرّبا من دهاة العرب، و كان من المستهزئين برسول اللّه، و كان رسول اللّه يقعد في الحجرة و يقرأ القرآن، فاجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة فقالوا: يا [أبا] (9) عبد شمس، ما هذا الّذي يقول محمّد، أشعر هو أم كهانة أم خطب؟

فقال: دعوني أسمع كلامه. فدنا من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فقال: يا محمّد، أنشدني من شعرك.

____________

(1) ي، ر، المصدر: يحدّث.

(2) ليس في ن.

(3) يوجد في ي، المصدر.

(4) من المصدر.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: بقوله.

(6) المصدر: متعجّبين.

(7) تفسير القمّي 2/ 393- 394.

(8) في ق زيادة: فقالوا: يا عبد شمس ما هذا الّذي.

(9) من المصدر.

21

قال: ما هو شعر، و لكنّه كلام اللّه الّذي ارتضاه لملائكته و أنبيائه و رسله.

فقال: اتل عليّ منه شيئا.

فقرأ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: حم السّجدة. فلمّا بلغ قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا يا محمّد، أعني‏ (1) قريشا فَقُلْ‏ لهم‏ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ.

قال: فاقشعرّ الوليد، و قامت كلّ شعرة في رأسه و لحيته، و مرّ إلى بيته و لم يرجع إلى قريش من ذلك، فمشوا إلى أبي جهل، فقالوا: يا أبا الحكم، إنّ أبا عبد شمس صبا إلى دين محمّد، أما تراه لم يرجع إلينا.

فغدا أبو جهل [إلى الوليد] (2)، فقال له: يا عمّ، نكّست رؤوسنا و فضحتنا و أشمتّ بنا عدوّنا و صبوت إلى دين محمّد.

فقال: ما صبوت إلى دينه، و لكنّي سمعت كلاما صعبا تقشعرّ منه الجلود.

فقال له أبو جهل: أخطب هو؟

قال: لا، إنّ الخطب كلام‏ (3) متّصل و هذا كلام منثور (4) و لا يشبه بعضه بعضا.

قال: أ فشعر هو؟

قال: لا، أما إنّي لقد سمعت أشعار العرب بسيطها و مديدها و رملها و رجزها (5) و ما هو بشعر.

قال: فما هو؟

قال: دعني أفكّر فيه.

فلمّا كان من الغد قالوا: يا أبا عبد شمس، ما تقول فيما قلناه؟

قال: قولوا: هو سحر، فإنّه أخذ بقلوب النّاس.

فأنزل اللّه على رسوله في ذلك: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. و إنّما سمّي:

وحيدا، لأنّه قال لقريش: أنا أتوحّد بكسوة البيت سنة و عليكم في جماعتكم سنة. و كان له مال كثير و حدائق، و كان له عشر بنين بمكّة، و كان له عشرة عبيد، عند كلّ عبد ألف دينار يتّجر بها، و تلك القنطار في ذلك الزّمان، و يقال: إنّ القنطار جلد ثور مملوء ذهبا.

____________

(1) كذا في النسخ و المصدر. و الأظهر: عنى.

(2) ليس في المصدر.

(3) ليس في ق.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: منشور.

(5) في المصدر زيادة: قال.

22

فانزل اللّه: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً- إلى قوله-: صَعُوداً قال: جبل يسمّى صعودا إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني: خلقه اللّه كيف سوّاه و عدله‏ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ قال‏ (1): عبس وجهه‏ وَ بَسَرَ قال: ألقى شدقه.

ثُمَّ أَدْبَرَ: عن الحقّ. أو الرّسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

وَ اسْتَكْبَرَ (23): عن اتّباعه.

فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24): يروى و يتعلّم.

و «الفاء» للدّلالة على أنّه لمّا خطرت هذه الكلمة بباله، تفوّه بها من غير تلبّث و تفكّر.

و قوله: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) كالتأكيد (2) للجملة الأولى، و ذلك لم يعطف عليها.

و في شرح الآيات الباهرة (3)، في الحديث السّابق: قال: يعني: تدبيره و نظره و فكرته، و استكباره في نفسه، و ادّعاءه الحقّ لنفسه دون أهله.

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26): بدل من‏ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): حدّثنا أبو العبّاس، قال: حدّثنا يحيى بن زكريا، عن عليّ بن حسّان، عن عمّه، عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قوله: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً قال: «الوحيد» ولد الزّنا، و هو عمر (5).

وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً قال: أجلا إلى مدّة.

وَ بَنِينَ شُهُوداً قال: أصحابه الّذين شهودا أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يورث.

وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ملّكته الّذي ملك‏ (6).

ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً قال: لولاية أمير المؤمنين- (عليه السلام)- جاحدا، و معاندا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيها.

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) ليس في ق.

(3) تأويل الآيات الباهرة 2/ 734، ح 6.

(4) تفسير القمّي 2/ 395.

(5) المصدر: زفر.

(6) المصدر: «ملكه الّذي ملكه مهّده له» بدل العبارة الأخيرة. و في ي، ر، زيادة: مهّدت له.

23

سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً، إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فكّر فيما امر به من الولاية، و قدّر، أي: إن مضى رسول ألّا يسلّم لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- البيعة الّتي بايعه بها على عهد رسول اللّه.

فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ قال: عذاب بعد عذاب يعذّبه القائم- (عليه السلام)-.

ثُمَّ نَظَرَ إلى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين ف عَبَسَ وَ بَسَرَ ممّا امر به.

ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ، فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ قال عمر (1): إنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- سحر النّاس بعليّ‏ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، أي: ليس هو وحيا من اللّه- عزّ و جلّ- سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (إلى آخر الآية) ففيه نزلت.

وَ ما أَدْراكَ ما سَقَرُ (27): تفخيم لشأنها، و قوله: لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ (28): بيان لذلك. أو حال من «سقر» و العامل فيها معنى التّعظيم، و المعنى: و لا تبقي على شي‏ء يلقى فيها، و لا تدعه حتّى تهلكه.

[و في أصول الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: إنّ في جهنّم لواديا (للمتكبّرين) (3) يقال له:

سقر. شكا إلى اللّه- عزّ و جلّ- شدّة حرّه و سأله أن يأذن له أن يتنفّس. فتنفّس فأحرق جهنّم‏] (4).

لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29): مسوّدة لأعالي الجلد. أو لائحة للنّاس.

و قرئت‏ (5) بالنّصب، على الاختصاص.

و في شرح الآيات الباهرة (6)، في الحديث السّابق: قال: يراه أهل الشّرق كما يراه أهل الغرب، إنّه إذا كان في سقر يراه أهل الشّرق و الغرب و يتبيّن حاله، و المعني في هذه الآيات جميعا: حبتر (7).

____________

(1) المصدر: زفر.

(2) الكافي 2/ 310، ح 10.

(3) من المصدر.

(4) من ي.

(5) أنوار التنزيل 2/ 518- 519.

(6) تأويل الآيات الباهرة 2/ 734، ح 6.

(7) كذا في المصدر. و في النسخ: حسية.

24

عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (30): ملكا، أو صنفا من الملائكة يلون‏ (1) أمرها.

قيل‏ (2): المخصّص لهذا العدد، أنّ اختلال النّفوس البشريّة في النّظر و العمل بسبب القوى الحيوانيّة الاثني عشرة (3) و الطبيعيّة السّبع‏ (4).

أو أنّ لجهنّم سبع دركات، ست منها لأصناف الكفّار و كلّ صنف يعذّب بترك الاعتقاد و الإقرار و العمل أنواعا [من العذاب‏] (5) يناسبها و على كلّ نوع ملك أو صنف يتولّاه، و واحدة لعصاة الأمّة يعذّبون فيها بترك العمل نوعا يناسبه و يتولّاه ملك أو صنف.

أو أنّ السّاعات أربع‏ (6) و عشرون، خمسة (7) منها مصروفة في الصّلاة، فيبقى تسعة عشر (8) قد تصرّف فيما يؤاخذ به بأنواع من العذاب يتولّاها الزّبانية.

و قرئ‏ (9): «تسعة عشر» (10) بسكون العين، كراهة توالي حركات فيما هو كاسم واحد. و «تسعة أعشر» جمع عشير، كيمين و أيمن، أي: تسعة كلّ عشير جمع، يعني نقيبهم، أو جمع عشر (11) فتكون تسعين.

وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً: ليخالفوا جنس المعذّبين فلا يرقّون‏ (12) لهم، و لأنّه أقوى الخلق بأسا و أشدّهم غضبا للّه.

نقل‏ (13) أنّ أبا جهل لمّا سمع «عليها تسعة عشر» قال لقريش: أ يعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فنزلت‏ (14).

____________

(1) كذا في أنوار التنزيل 2/ 519. و في النسخ:

يكون.

(2) أنوار التنزيل 2/ 519.

(3) أي: الحواسّ العشر، و القوّتان الشهويّة و الغضبيّة.

(4) أي: الجاذبة، و الماسكة، و الهاضمة، و الغاذية، و الدافعة، و النافية، و المولّدة.

(5) من المصدر.

(6) كذا في المصدر. و في النسخ: أربعة.

(7) كذا في النسخ و المصدر. و الظاهر الصحيح:

خمس.

(8) كذا في النسخ و المصدر. و الظاهر الصحيح:

تسع عشرة.

(9) نفس المصدر و الموضع.

(10) في ي زيادة: ليكون.

(11) ليس في ق، م.

(12) كذا في أنوار التنزيل 2/ 519. و في النسخ:

فلا يرقّوا.

(13) نفس المصدر و الموضع.

(14) يعني: نزلت الآية لإفادة أنّ أصحاب النّار ملائكة.

25

وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا: و ما جعلنا عددهم إلّا العدد الّذي اقتضى فتنتهم، و هو التّسعة عشر، فعبّر بالأثر عن المؤثّر تنبيها على أنّه لا ينفكّ منه‏ (1).

و افتتانهم به استقلالهم له و استهزاؤهم [به و استبعادهم‏] (2) أن يتولّى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثّقلين.

و لعلّ المراد الجعل‏ (3) بالقول ليحسن‏ (4) تعليله بقوله: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏، أي: ليكتسبوا اليقين بنبوّة محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و صدق القرآن لمّا رأوا ذلك موافقا لما في كتابهم.

وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً: بالإيمان‏ (5) به أو بتصديق أهل الكتاب له.

وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏، أي: في ذلك. و هو تأكيد للاستيقان، و زيادة الإيمان، و نفي لما يعرض المتيقّن‏ (6) حيثما عراه شبهة.

وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏: شكّ أو نفاق، فيكون إخبارا بمكّة عمّا سيكون‏ (7) في المدينة بعد الهجرة.

وَ الْكافِرُونَ‏: الجازمون في التّكذيب.

ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، أيّ شي‏ء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل.

و قيل‏ (8): لمّا استبعدوه حسبوا أنّه مثل مضروب.

كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ: مثل ذلك المذكور من الإضلال و الخذلان و الهدى و التّوفيق يضلّ الكافرين و يهدي المؤمنين.

وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ‏: جموع خلقه على ما هم عليه‏ إِلَّا هُوَ إذ لا سبيل‏

____________

(1) أي: لا ينفكّ المؤثر من أصحاب النّار الّتي هي الملائكة عن الأثر الّذي هو الفتنة.

(2) من نفس المصدر و الموضع.

(3) من ش.

(4) كذا في نفس المصدر و الموضع. و في النسخ:

يحسن.

(5) ليس في ق، ش.

(6) ق، ش: المتّقين.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 519. و في النسخ:

يكون.

(8) نفس المصدر و الموضع.

26

لأحد إلى حصر الممكنات، و الاطّلاع على حقائقها و صفاتها و ما يوجب اختصاص‏ (1) كلّ منها بما يخصّه من كمّ و كيف و اعتبار و نسبة.

وَ ما هِيَ‏: و ما سقر، أو عدّة الخزنة، أو السّورة.

إِلَّا ذِكْرى‏ لِلْبَشَرِ (31): إلّا تذكره لهم.

كَلَّا: ردع لمن أنكرها، و إنكار لأن يتذكّروا بها.

وَ الْقَمَرِ (32) و الليل إذا أدبر (33)، أي: أدبر، كقبل بمعنى: أقبل.

و قرأ (2) نافع و حمزة و يعقوب و حفص: «إِذْ أَدْبَرَ» (3) على المضي‏ (4).

وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ: أضاء.

إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35): لإحدى البلايا (5) الكبر، أي: البلايا الكبر كثيرة و سقر واحدة منها.

و إنّما جمع «كبرى» على «كبر» إلحاقا لها بفعلة، تنزيلا للألف منزلة التّاء، كما ألحقت قاصعاء بقاصعة فجمعت على قواصع.

و الجملة جواب القسم. أو تعليل «لكلّا» و القسم معترض للتّأكيد.

و في أصول الكافي‏ (6): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل‏ (7)، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏.

قال: يستيقنون أن اللّه و رسوله و وصيّه حقّ.

قلت: وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً.

قال: يزدادون بولاية الوصي إيمانا.

قلت: وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏.

قال: بولاية عليّ.

قلت: ما هذا الارتياب؟

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) نفس المصدر/ 520.

(3) المصدر: «إذا دبر».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: المعنى.

(5) ليس في ق، م.

(6) الكافي 1/ 434، ح 91.

(7) ي: الفضل.

27

قال: يعني بذلك: أهل الكتاب و المؤمنين الّذين ذكر اللّه، فقال: و لا يرتابون في الولاية.

قلت: وَ ما هِيَ إِلَّا ذِكْرى‏ لِلْبَشَرِ.

قال: نعم، ولاية عليّ- (عليه السلام)-.

قلت: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ.

قال: الولاية.

نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36): تمييز، أي: لإحدى الكبر إنذارا. أو حال عمّا دلّت عليه الجملة، أي: كبرت منذرة.

و قرئ‏ (1)، بالرّفع خبرا ثانيا، أو خبرا لمحذوف.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2)، بإسناده إلى أبي حمزة: عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ قال: يعني: فاطمة- (عليها السلام)-.

لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37): بدل من «للبشر»، أي:

نذيرا للمتمكّنين من السّبق إلى الخير و التّخلّف عنه. أو «لمن شاء» خبر ل «أن يتقدّم» فيكون في معنى قوله‏ (3): فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.

و في أصول الكافي‏ (4)، متّصلا بآخر ما نقلناه قريبا، أعني: قوله: قال: الولاية.

قلت: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ.

قال: من تقدّم إلى ولايتنا أخّر عن سقر، و من تأخّر عنّا تقدّم إلى سقر.

كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38): مرهونة عند اللّه. مصدر، كالشّتيمة، أطلقت للمفعول، كالرّهن، و لو كانت صفة لقيل: رهين‏ (5).

و في أصول الكافي‏ (6): عنه، رفعه قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: أقصر نفسك عمّا يضرّها من قبل أن تفارقك، و اسع في فكاكها كما تسعى في طلب معيشتك، فإنّ نفسك رهينة بعملك.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 520.

(2) تفسير القمّي 2/ 396.

(3) الكهف/ 29.

(4) الكافي 1/ 434، ح 91.

(5) لأنّ الفعيل بمعنى المفعول يستوي فيه المذكّر و المؤنّث.

(6) الكافي 2/ 455، ح 8.

28

إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (39): فإنّهم فكّوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم.

و قيل‏ (1): هم الملائكة، أو الأطفال.

و في أصول الكافي‏ (2)، متّصل بآخر ما نقلناه عنه من حديث محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)-، أعني: قوله: تقدّم إلى سقر. إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ‏ قال: هم، و اللّه، شيعتنا.

فِي جَنَّاتٍ‏: لا يكتنه وصفها. و هي حال من‏ أَصْحابَ الْيَمِينِ‏، أو ضميرهم في قوله: يَتَساءَلُونَ‏ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41)، أي: يسأل بعضهم بعضا. أو يسألون غيرهم عن حالهم، كقولك، تداعيناه، أي: دعوناه. و قوله: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) بجوابه حكاية لما جرى بين المسئولين و المجرمين أجابوا بها.

قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) قيل‏ (3): الصّلاة الواجبة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): قال عليّ بن إبراهيم في قوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ‏ قال: «اليمين» أمير المؤمنين، و أصحابه شيعته، فيقولون لأعداء آل محمّد: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ فيقولون: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏، أي:

لم نكن من أتباع الأئمّة.

و في أصول الكافي‏ (5): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏.

قال: إنّا لم نتولّ وصي محمّد و الأوصياء من بعده، و لا يصلّون عليهم.

عليّ بن محمّد (6)، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن القمّيّ، عن إدريس بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن تفسير هذه الآية: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 520.

(2) الكافي 1/ 434، ح 91.

(3) أنوار التنزيل 2/ 520.

(4) تفسير القمّي 2/ 395.

(5) الكافي 1/ 434، ح 91.

(6) نفس المصدر/ 419، ح 38.

29

قال: عنى به: لم نك من أتباع الأئمّة الّذين قال اللّه‏ (1) فيهم: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏. أما ترى النّاس يسمّون الّذي يلي السّابق في الحلبة:

مصلّيا (2)، فذلك الّذي عنى حيث قال: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏. لم نك من أتباع السّابقين.

و في الكافي‏ (3): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ، أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كان إذا حضر الحرب يوصي المسلمين‏ (4) بكلمات، يقول: تعاهدوا الصّلاة و حافظوا عليها و استكثروا منها و تقرّبوا بها، فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، و قد علم ذلك الكفّار حين سئلوا: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏. و قد عرف حقّها من طرقها (5). (الحديث)

و في نهج البلاغة (6): تعاهدوا أمر الصّلاة و حافظوا عليها و استكثروا منها و تقرّبوا بها، فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حين سئلوا: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏.

وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44): ما يجب إعطاؤه‏ (7). و فيه دليل على أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع.

وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45): نشرع في الباطل مع الشّارعين فيه.

وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46): أخّره لتعظيمه‏ (8)، أي: و كنّا بعد ذلك كلّه مكذّبين بالقيامة (9).

حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47): الموت و مقدّماته.

فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (48): لو شفعوا لهم جميعا.

____________

(1) الواقعة/ 10- 11.

(2) المصدر: مصلى.

(3) نفس المصدر 5/ 36- 37، ح 1.

(4) المصدر: للمسلمين.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: طرفها.

و طرقها، أي: أتى بها ليلا. و قيل: أي: جعلها دأبه و صنعه.

(6) النهج/ 316، الخطبة 199.

(7) كذا في أنوار التنزيل 2/ 520. و في النسخ:

إعطائهم.

(8) أي: أخّره عن قوله: وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ‏.

(9) ليس في ق.

30

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ‏ قال: حقوق آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الخمس لذوي القربى و اليتامى [و المساكين‏] (2) و ابن السّبيل، و هم آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و قوله: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ‏. قال: لو أنّ كلّ نبيّ مرسل و كلّ ملك مقرّب شفعوا في ناصب آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما شفعوا فيه.

و في مجمع البيان‏ (3): فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ‏، أي: شفاعة الملائكة و النبيّين، كما نفعت الموحّدين ... عن ابن عبّاس.

قال الحسن‏ (4): لم تنفعهم شفاعة ملك و لا شهيد و لا مؤمن، و يعضد هذا الإجماع، على أنّ عقاب الكفّار لا يسقط بالشّفاعة.

و عن الحسن‏ (5)، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: يقول الرّجل من أهل الجنّة يوم القيامة: أي ربّ، عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدّنيا فشفّعني فيه.

فيقول: اذهب فأخرجه من النّار. فيذهب فيتجسّس في النّار حتّى يخرجه منها.

و قال- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إنّ من أمّتي من سيدخل اللّه الجنّة بشفاعته أكثر من مضر.

فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)، أي: معرضين عن التّذكير.

قيل‏ (6): يعني: القرآن أو ما يعمّه.

و «معرضين» حال.

و في أصول الكافي‏ (7): عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ‏.

قال: عن الولاية معرضين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (8): ثمّ قال: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ‏ قال:

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 395.

(2) ليس في ق، ش، م.

3 و 4- المجمع 5/ 392.

(5) نفس المصدر و الموضع.

(6) أنوار التنزيل 2/ 520.

(7) الكافي 1/ 434، ح 91.

(8) تفسير القمّي 2/ 395- 396.

31

عمّا يذكر لهم من موالاة أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50): شبّههم في إعراضهم و نفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة.

فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)، أي: أسد. فعولة، من القسر، و هو القهر.

و قرأ (1) نافع و ابن عامر، بفتح الفاء (2).

و في إرشاد المفيد (3)- (رحمه اللّه)-: من كلام أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أيّها النّاس، إنّي استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم فلم تنفروا، و أسمعتكم فلم تجيبوا، و نصحت لكم فلم تقبلوا، شهودا كالغيّب، أتلو (4) عليكم الحكمة فتعرضون عنها، و أعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ.

بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى‏ صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52): قراطيس تنشر و تقرأ.

و قيل‏ (5): و ذلك أنّهم قالوا للنّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لن نتّبعك حتّى تأتي كلامنا بكتاب من السّماء، فيه: من اللّه إلى فلان اتّبع محمّدا.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: بَلْ يُرِيدُ (الآية) و ذلك أنّهم قالوا: يا محمّد، قد بلغنا أنّ الرّجل من بني إسرائيل كان يذنب الذّنب فيصبح و ذنبه مكتوب عند رأسه و كفّارته.

فنزل جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قال: يسألك قومك سنّة بني إسرائيل [في الذنوب، فإن شاءوا فعلنا بهم و أخذناهم بما كنّا نأخذ به بني إسرائيل‏] (7). فزعموا أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كره ذلك لقومه.

كَلَّا: ردع عن اقتراحهم الآيات.

بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53): فلذلك أعرضوا عن التّذكرة، لا لامتناع إيتاء الصّحف.

____________

(1) مجمع البيان 5/ 389.

(2) أي الفاء في «مستنفرة».

(3) الإرشاد/ 132- 133.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: أتل.

(5) أنوار التنزيل 2/ 520- 521.

(6) تفسير القمّي 2/ 396.

(7) من المصدر.

32

كَلَّا: ردع عن إعراضهم‏ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54): و أيّ تذكرة.

أقول: و في رواية محمّد بن الفضيل‏ (1)، عن أبي الحسن الماضي- (عليه السلام)‏- قلت: كَلَّا إِنَّهُ‏ (2) تَذْكِرَةٌ قال: الولاية.

فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (55): فمن شاء أن يذكره.

وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏: ذكرهم، أو مشيئتهم، كقوله: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏. و هو تصريح بأنّ فعل العبد بمشيئة اللّه.

و قرأ (3) نافع: «تذكرون» بالتّاء.

و قرئ‏ (4) بهما (5) مشدّدا.

هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏: حقيق بأن يتّقى عقابه.

وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56): حقيق بأن يغفر لعباده، سيما المتّقين منهم.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): قوله: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قال: هو أهل أن يتّقى، و أهل أن يغفر.

و في كتاب التّوحيد (7)، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- تعالى: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قال اللّه- تبارك و تعالى-: أنا أهل أنّ أتّقى و لا يشرك بي عبدي شيئا، و أنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن ادخله الجنّة.

و قال- (عليه السلام)-: إنّ اللّه أقسم بعزّته و جلاله ألّا يعذّب أهل توحيده بالنّار (8).

____________

(1) الكافي 1/ 434، ح 91.

(2) ي، ر، المصدر: إنّها.

(3) أنوار التنزيل 2/ 521.

(4) نفس المصدر و الموضع.

(5) أي: بالياء و التّاء.

(6) تفسير القمّي 2/ 396.

(7) التوحيد/ 20، ح 6.

(8) في المصدر زيادة: أبدا.

33

سورة القيامة

مكّيّة.

و آيها تسع و ثلاثون أو أربعون آية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في كتاب ثواب الأعمال‏ (1)، بإسناده: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من أدمن قراءة لا أُقْسِمُ‏ و كان يعمل بها، بعثه اللّه مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من قبره في أحسن صورة، و يبشّره و يضحك في وجهه حتّى يجوز على الصّراط و الميزان.

و في مجمع البيان‏ (2): أبيّ بن كعب قال: قال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: من قرأ سورة القيامة، شهدت أنّا و جبرئيل له يوم القيامة أنّه كان مؤمنا بيوم القيامة، و جاء و وجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة.

لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) إدخال «لا» النّافية على فعل القسم للتّأكيد شائع في كلامهم، كما قال امرؤ القيس:

لا و أبيك ابنة العامريّ‏* * * لا يدّعي القوم أنّي أفرّ

____________

(1) ثواب الأعمال/ 148، ح 1.

(2) المجمع 5/ 393.

34

و قد مرّ الكلام فيه في قوله‏ (1): فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ‏.

و قرأ (2) قنبل: «لا أقسم» بغير ألف بعد اللّام، و كذا روي عن البزّيّ.

وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) قيل: (3) بالنّفس المتّقية الّتي تلوم النّفوس المقصّرة في التّقوى يوم القيامة على تقصيرها.

أو الّتي تلوم نفسها أبدا و إن اجتهدت في الطّاعة.

أو النّفس المطمئنّة اللّائمة للنّفس الأمّارة.

أو بالجنس لما

روي أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ليس‏ (4) من نفس برّة و لا فاجرة إلّا و تلوم نفسها يوم القيامة، إن عملت خيرا قالت: كيف لم أزدد، و إن عملت شرا قالت: يا ليتني كنت قصّرت.

أو نفس [آدم- (عليه السلام)-] (5) فإنّها لم تزل تتلوّم على ما خرجت به من الجنّة.

فإنّها لم تزل تتلوّم على ما خرجت به من الجنّة.

و ضمّها إلى يوم القيامة لأنّ المقصود من إقامتها مجازاتها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، يعني: أقسم [بيوم القيامة] (7) و أقسم‏ (8) بالنّفس اللّوّامة، قال: نفس آدم الّتي عصت فلامها اللّه.

أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ‏ قيل‏ (9): يعني: الجنس، و إسناد الفعل إليه لأنّ فيهم من يحسب. أو الّذي نزل فيه،

و هو عديّ بن ربيعة (10) سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن أمر القيامة، فأخبره به، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدّقك، أو يجمع اللّه هذه العظام؟!

أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (3): بعد تفرّقها.

و قرئ‏ (11): أن لن تجمع على البناء للمفعول.

____________

(1) الواقعة/ 75.

(2) أنوار التنزيل 2/ 521.

(3) أنوار التنزيل 2/ 521.

(4) ليس في ق.

(5) ليس في ق، م.

(6) تفسير القمّي 2/ 396.

(7) من المصدر.

(8) المصدر: لا أقسم.

(9) أنوار التنزيل 2/ 521.

(10) المصدر: أبي ربيعة.

(11) أنوار التنزيل 2/ 521.

35

«بَلى‏» نجمعها.

قادِرِينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (4): بجمع سلاميّاته و بضمّ بعضها إلى بعض، كما كانت مع صغرها و لطافتها، فكيف بكبار العظام. أو على أن نسوّي بنانه الّذي هو أطرافه، فكيف بغيرها.

و هو حال من فاعل الفعل المقدّر بعد «بلى».

و قرئ‏ (1)، بالرّفع، أي: نحن قادرون.

بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ‏: عطف على «أ يحسب» فيجوز أن يكون استفهاما، و أن يكون إيجابا لجواز أن يكون الإضراب عن المستفهم و عن الاستفهام.

لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (5): ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزّمان.

و في شرح الآيات الباهرة (2): عن محمّد البرقيّ، عن خلف بن حمّاد، عن الحلبيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقرأ: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ‏، أي:

يكذّبه.

و قال بعض أصحابنا (3)، عنهم- (عليهم السلام)‏-: إنّ قوله: بَلْ يُرِيدُ (الآية) قال: يريد (4) الإنسان أن يفجر أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، يعني: يكيده.

يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (6): متى يكون، استبعادا و استهزاء.

فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7): تحيّر فزعا. من برق الرّجل: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره.

و قرأ نافع، بالفتح، و هو لغة.

أو من البريق، بمعنى: لمع من شدّة شخوصه.

و قرئ: «بلق» من بلق الباب، أي: انفتح.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): قوله: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ‏ قال: يقدم الذّنب و يؤخّر التّوبة، و يقول: سوف أتوب.

فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ قال: يبرق البصر فلا يقدر أن يطرف.

____________

(1) نفس المصدر و الموضع.

(2) تأويل الآيات الباهرة 2/ 739، ح 1.

(3) نفس المصدر، ح 2.

(4) أنوار التنزيل 2/ 522.

(5) تفسير القمّي 2/ 396.

36

وَ خَسَفَ الْقَمَرُ (8): و ذهب ضوؤه.

و قرئ‏ (1) على بناء المفعول.

وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ (9): في ذهاب الضّوء، أو الطلوع من المغرب.

و لا ينافيه الخسوف، فإنّه مستعار للمحاق. و لمن حمل حمل ذلك على أمارات الموت أن يفسّر الخسوف بذهاب ضوء البصر، و الجمع باستتباع الرّوح الحاسّة في الذّهاب.

و في كتاب الغيبة (2) لشيخ الطّائفة، بإسناده إلى عليّ بن مهزيار، حديث طويل‏ يذكر فيه دخوله على القائم و سؤاله إيّاه، و فيه: فقلت: يا سيّدي، متّى يكون هذا الأمر (3)؟

فقال: إذا حيل بينكم و بين سبيل الكعبة، و اجتمع‏ (4) الشّمس و القمر و استدار بهما الكواكب و النجوم.

فقلت: متى يا بن رسول اللّه؟

فقال لي: سنة كذا و كذا تخرج دابّة الأرض بين الصفا و المروة، معه عصا موسى و خاتم سليمان، يسوق النّاس إلى المحشر.

يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)، أي: الفرار، يقوله قول الآيس من وجدانه المتمنّي.

و قرئ‏ (5) بالكسر، و هو المكان.

كَلَّا: ردع عن طلب المفرّ.

لا وَزَرَ (11): لا ملجأ. مستعار من الجبل، و اشتقاقه من الوزر، و هو الثّقل.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (6): كَلَّا لا وَزَرَ، أي: لا ملجأ.

إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12): إليه وحده استقرار العباد. أو إلى حكمة استقرار أمرهم. أو إلى مشيئة موضع قرارهم، يدخل من يشاء الجنّة، و من يشاء النّار.

يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ (13): بما قدّم من عمل عمله، و بما

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 522.

(2) الغيبة/ 161.

(3) ليس في ق، ش، م.

(4) ق، ش، م: جمع بين.

(5) أنوار التنزيل 2/ 522.

(6) تفسير القمّي 2/ 396.

37

أخّر [منه لم يعمله. أو بما قدّم من عمل عمله،] (1) و بما أخّر عن سيّئة عمل بها بعده. أو بما قدّم من مال تصدّق به، و بما أخّر فخلّفه. أو بأوّل عمله و آخره.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): قوله: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ قال:

يخبر بما قدّم و أخّر.

بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14): حجّة بيّنة على أعمالها، لأنّه شاهد بها، وصفها بالبصارة على المجاز. أو عين بصيرة بها، فلا يحتاج إلى الإنباء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ [وَ أَخَّرَ بما قدّم‏] (4) من خير و شرّ، و ما أخّر ممّا سنّ من سنّة ليستنّ بها من بعده، فإن كان شرّا كان عليه مثل وزرهم و لا ينقص من وزرهم شي‏ء (5)، و إن كان خيرا كان له مثل أجورهم و لا ينقص من أجورهم شي‏ء (6).

و في من لا يحضره الفقيه‏ (7): روى ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)-: ما حدّ المرض الّذي يفطر فيه الرّجل و يدع الصّلاة من قيام؟

فقال: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ و هو أعلم بما يطيقه.

وي أصول الكافي‏ (8): أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن فضل‏ (9) أبي العبّاس، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا و يسرّ سيّئا، أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أنّ ذلك ليس كذلك، و اللّه يقول: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. إنّ السّريرة إذا صحّت، قويت العلانية.

وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ (15): و لو جاء بكلّ ما يمكن أن يعتذر به. جمع معذار و هو العذر. أو جمع معذرة على غير قياس، كالمناكير في المنكر، فإنّ قياسه معاذر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (10)- (رحمه اللّه)-: وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ‏ قال: يعلم ما صنع و إن اعتذر.

____________

(1) ليس في ن.

(2) تفسير القمّي 2/ 396.

(3) تفسير القمّي 2/ 397- 398.

(4) ليس في ق، ش، م.

5 و 6- كذا في المصدر. و في النسخ: شيئا.

(7) الفقيه 2/ 83، ح 369.

(8) الكافي 1/ 295، ح 11.

(9) في ق، ش، زيادة: بن.

(10) تفسير القمّي 2/ 396- 397.

38

و في أصول الكافي‏ (1): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عمر (2) ابن يزيد قال: إنّي لأتعشّى عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ تلا هذه الآية:

بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ‏.

يا أبا حفص، ما يصنع الإنسان أن يتقرّب إلى اللّه بخلاف ما يعلم اللّه، إنّ رسول اللّه كان يقول: من أسرّ سريرة، ردّاه اللّه رداءها، إن خيرا فخير، و إن شرا فشرّ.

محمّد بن يحيى‏ (3)، عن أحمد بن محمّد، [عن عليّ بن الحكم،] (4) عن عمر بن يزيد قال: إنّي لأتعشّى عند أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- إذ تلا هذه الآية: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ‏.

يا أبا حفص، ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى النّاس بخلاف ما يعلم اللّه منه، إنّ رسول اللّه كان يقول: من أسرّ سريرة ألبسه اللّه رداءها، إن خيرا فخير، و إن شرّا فشرّ.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى العيّاشي، بإسناده، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا و يسرّ سيّئا، أليس إذا رجع يعلم أنّه ليس كذلك؟ و اللّه يقول: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ إنّ السّريرة إذا صلحت، قويت العلانية.

لا تُحَرِّكْ‏: يا محمّد. بِهِ‏: بالقرآن‏ لِسانَكَ‏ قبل أن يتمّ الوحي به.

لِتَعْجَلَ بِهِ (16): لتأخذه على عجلة، مخافة أن ينفلت عنك.

و في مجمع البيان‏ (6): قال ابن عبّاس: كان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه، لحبّه إيّاه و حرصه على أخذه و ضبطه مخافة أن ينساه، فنهاه اللّه عن ذلك.

و في رواية سعيد بن جبير (7)، عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)‏- أنّه كان يعالج من التّنزيل شدّة، و كان يشتدّ عليه حفظه، فكان يحرّك لسانه و شفتيه قبل فراغ جبرئيل من قراءة الوحي، فقال- تعالى-: لا تُحَرِّكْ بِهِ‏، أي: بالوحي، أو بالقرآن‏ لِسانَكَ‏ يعني:

بالقراءة.

____________

(1) الكافي 2/ 294، ح 6.

(2) ليس في ق، ش.

(3) نفس المصدر/ 296، ح 15.

(4) من المصدر.

(5) المجمع 5/ 396.

6 و 7- المجمع 5/ 397.

39

إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏: في صدرك‏ وَ قُرْآنَهُ (17): و إثبات قراءته في لسانك.

و هو تعليل للنّهي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): في قوله: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى‏ فإنّه كان سبب نزولها، أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا إلى بيعة عليّ- (عليه السلام)- يوم غدير خمّ.

فلمّا بلّغ النّاس و أخبرهم في عليّ- (عليه السلام)- ما أراد اللّه أن يخبرهم‏ (2) به رجعوا (3) النّاس، فاتّكأ معاوية على المغيرة بن شعبة و أبي موسى الأشعريّ، ثمّ أقبل يتمطّى نحو أهله و يقول: ما نقرّ لعليّ- (عليه السلام)- بالولاية (4) أبدا، و لا نصدّق محمّدا مقالته فيه. فأنزل اللّه‏ فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ وعيد (5) الفاسق.

فصعد رسول اللّه المنبر، و هو يريد البراءة منه، فأنزل اللّه: لا تُحَرِّكْ‏ (الآية).

فسكت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و لم يسمّه.

قوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ‏ قال: على آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- جمع القرآن و قراءته‏ (6).

و في أصول الكافي‏ (7): محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدّام، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر- (عليه السلام)- يقول: ما ادّعى أحد من النّاس أنّه جمع القرآن كلّه، كما انزل، إلّا كذّاب. و ما جمعه و حفظه، كما نزّله اللّه، إلّا عليّ بن أبي طالب و الأئمّة من بعده.

فَإِذا قَرَأْناهُ‏: بلسان جبرئيل عليك‏ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18): قراءته، و تكرّر فيه حتّى يرسخ في ذهنك.

و في مجمع البيان‏ (8): فَإِذا قَرَأْناهُ‏، أي: قرأ جبرئيل عليك بأمرنا فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏ ... عن ابن عبّاس. و المعنى: اقراه إذا فرغ جبرئيل من قراءته.

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 397. و فيه وردت الفقرة الثانية قبل هذه الفقرة.

(2) من المصدر: «أن يخبر» مكان «أن يخبرهم به».

(3) كذا في النسخ و المصدر. و الصحيح: رجع.

(4) في المصدر زيادة: (بالخلافة- خ. ل)

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ثمّ ند.

(6) المصدر: قرآنه.

(7) الكافي 1/ 228، ح 1.

(8) المجمع 5/ 397.

40

قال: فكان النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد هذا إذا نزل عليه جبرئيل أطرق، فإذا ذهب قرأ.

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19): بيان ما أشكل عليك من معانيه.

و هو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، و هو اعتراض بما يؤكّد التّوبيخ على حبّ العجلة، لأنّها إذا كانت مذمومة فيما هو أهمّ الأمور و أصل الدّين فكيف بها في غيره، أو بذكر ما اتّفق في أثناء نزول هذه الآيات.

و قيل‏ (1): الخطاب مع الإنسان المذكور و المعنى: أنّه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفا، فيقال له: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ‏ فإنّ علينا بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك و قراءته‏ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏ بالإقرار، أو بالتّأمّل فيه‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بيان أمره بالجزاء عليه.

كَلَّا: ردع للرّسول عن عادة العجلة، أو للإنسان عن الاغترار بالعاجل.

بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) تعميم للخطاب، إشعارا بأنّ بني آدم مطبوعون على الاستعجال.

و إن كان الخطاب للإنسان و المراد: الجنس، فجمع الضّمير باعتبار المعنى.

و يؤيّده قراءة (2) ابن كثير و ابن عامر و البصريّين، بالياء فيهما.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22): بهيئة متهلّلة.

إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ (23): من نظر العين. أو الانتظار، أي: هي ناظرة إلى نعيم الجنّة حالا بعد حال، فيزداد بذلك سرورها. أو منتظرة متشوّقة إلى ثواب ربّها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ قال: الدّنيا الحاضرة.

وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ قال: تدعون.

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، أي: مشرقة.

إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ قال: ينظرون إلى وجه اللّه، أي: رحمة اللّه و نعمته.

و في عيون الأخبار (4)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار في التّوحيد، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود قال: قال عليّ بن موسى الرّضا- عليه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 523.

(2) نفس المصدر و الموضع.

(3) تفسير القمّي 2/ 397.

(4) العيون 1/ 93، ح 2.

41

السّلام‏- في قوله- تعالى-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ: يعني: مشرقة تنتظر ثواب ربّها.

و في كتاب التّوحيد (1)، حديث طويل: عن عليّ- (عليه السلام)- يقول فيه‏، و قد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: فأمّا قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ فإنّ ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء اللّه، بعد ما يفرغ من الحساب، إلى نهر يسمّى:

الحيوان، فيغتسلون فيه و يشربون منه، فتنضر وجوههم إشراقا فيذهب عنهم كلّ قذى و وعث، ثمّ يؤمرون بدخول الجنّة. فمن هذا المقام ينظرون إلى ربّهم كيف يثيبهم و منه يدخلون الجنّة، فذلك قوله‏ (2)- عزّ و جلّ- في‏ (3) تسليم الملائكة عليهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ‏. فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنّة و النّظر إلى ما وعدهم [ربّهم‏] (4)، فذلك قوله: إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ. و إنّما يعني بالنّظر إليه النظر (5) إلى ثوابه- تبارك و تعالى-.

و في كتاب الاحتجاج‏ (6) للطّبرسي- (رحمه اللّه)- مثله.

إلى قوله: إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ دون: و إنّما يعني- إلى آخره.

و فيه بعد قوله: «ناظرة»: و «النّاظرة» في بعض اللّغة هي المنتظرة ألم تسمع إلى قوله‏ (7): فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ‏، أي: منتظرة بم يرجع المرسلون.

و في مجمع البيان‏ (8): و أمّا من حمل النّظر في الآية على الانتظار، فإنّهم اختلفوا في معناه على أقوال: أحدها،

أنّ المعنى: منتظرة لثواب ربّها ... عن مجاهد و الحسن و سعيد بن جبير و الضّحّاك، و هو المرويّ عن عليّ- (عليه السلام)-.

و في شرح الآيات الباهرة (9): محمّد بن العبّاس- (رحمه اللّه)- عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد اللّه بن حمّاد، عن هاشم الصّيداويّ قال: قال لي أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا هاشم، حدّثني أبي و هو خير منّي [عن جدّي‏] (10)، عن رسول‏

____________

(1) التوحيد/ 262، ح 5.

(2) الزمر/ 73.

(3) المصدر: من.

(4) من المصدر.

(5) يوجد في ي، المصدر.

(6) الاحتجاج/ 243.

(7) النمل/ 35.

(8) المجمع 5/ 398.

(9) تأويل الآيات الباهرة 2/ 739- 740، ح 4.

(10) من المصدر.

42

اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنّه قال: ما من رجل من فقراء شيعتنا إلّا و ليس‏ (1) عليه تبعة (2).

قلت: جعلت فداك، و ما التبعة (3)؟

قال: من الإحدى و الخمسين ركعة، و من صوم ثلاثة أيّام من الشّهر، فإذا كان يوم القيامة خرجوا من قبورهم و وجوههم مثل القمر ليلة البدر، فيقال للرّجل منهم: سل تعط. فيقول: أسأل ربّي النّظر إلى وجه محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: فيأذن اللّه لأهل الجنّة أن يزوروا محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

قال: فينصب‏ (4) لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- منبر [من نور] (5) على درنوك من درانيك الجنّة، له ألف مرقاة، بين المرقاة إلى المرقاة ركضة الفرس، فيصعد محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-.

[قال:] (6) فيحفّ ذلك المنبر شيعة آل محمّد- (عليهم السلام)-. فينظر اللّه إليهم، و هو قوله- تعالى-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ.

قال: فيلقى عليهم من النّور حتّى أنّ أحدهم إذا رجع لم تقدر الحوراء تملأ بصرها منه.

ثمّ قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: يا هاشم، لمثل هذا فليعمل العاملون.

وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24): شديدة العبوس. و الباسل أبلغ من الباسر، لكنّه غلب في الشجاع إذا اشتدّ كلوحه.

تَظُنُ‏: تتوقّع أربابها.

أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25): داهية تكسر القفار] (7).

كَلَّا: ردع عن إيثار الدّنيا على الآخرة.

إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ‏ (26): إذا بلغت النّفس أعالي الصّدر. و إضمارها من غير ذكر لدلالة الكلام عليها.

____________

(1) كذا في المصدر. و في ن، ش: «إلّا و لنا» بدل «إلّا و ليس». و في سائر النسخ:

«الأولين».

2 و 3- كذا في المصدر. و في النسخ: بيعة.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: فنصب.

(5) من المصدر.

(6) من المصدر.

(7) لا توجد هذه الفقرات في النسخ و إنّما أوردناها من أنوار التنزيل 2/ 523 طبقا لمسلك المؤلّف- (رحمه اللّه). و نظرنا إلى نور الثقلين و مجمع البيان و الصافي فلم ترد حولها رواية و لذلك لم يكن إشكال غير تدوينها في المتن.

43

وَ قِيلَ مَنْ راقٍ‏ (27): و قال حاضر و صاحبها: من يرقيه ممّا به؟ من الرّقية.

أو قال ملائكة الموت: أيّكم يرقي بروحه، ملائكة الرّحمة أو ملائكة العذاب؟

من الرّقيّ.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (1): قوله: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ‏ قال: يعني:

النّفس إذا بلغت التّرقوة.

وَ قِيلَ مَنْ راقٍ‏ قال: يقال له: من يرقيك.

وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ‏ (28): و ظنّ المحتضر أنّ الّذي نزل‏ (2) به فراق الدّنيا و محابّها.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): قوله: وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ‏، أي: علم.

و في مجمع البيان‏ (4): و جاء في الحديث: أنّ العبد ليعالج كرب الموت و سكراته، و مفاصله يسلّم بعضها على بعض، يقول: عليك السّلام، تفارقني و أفارقك إلى يوم القيامة.

وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ‏ (29): و التوت ساقه بساقه فلا يقدر تحريكهما.

أو شدّة فراق الدّنيا بشدّة خوف الآخرة.

إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ‏ (30): سوقه إلى اللّه.

و في الكافي‏ (5)، بإسناده إلى جابر: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ قِيلَ مَنْ راقٍ، وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ‏.

قال: فإنّ ذلك ابن آدم إذا حلّ به الموت، قال: هل من طبيب أنّه الفراق.

و أيقن بمفارقة الأحبّة.

قال: [وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ‏.

قال‏ (6):] التفّت الدّنيا بالآخرة.

ثمّ‏ إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ‏. قال: المصير إلى ربّ العالمين.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (7): وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ‏ قال: التفّت الدّنيا

____________

(1) تفسير القمّي 2/ 397.

(2) ليس في ق، ش.

(3) تفسير القمّي 2/ 397.

(4) المجمع 5/ 401.

(5) الكافي 3/ 259، ح 32.

(6) ليس في ن، ت، ي.

(7) تفسير القمي 2/ 397.

44

بالآخرة.

إِلى‏ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ‏ قال: يساقون إلى اللّه.

فَلا صَدَّقَ‏ قيل‏ (1): ما يجب تصديقه. أو فلان صدّق ماله، أي: فلا زكّاه.

وَ لا صَلَّى‏ (31): ما فرض عليه. و الضّمير فيهما للإنسان المذكور في‏ أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ‏.

وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى‏ (32): عن الطّاعة.

ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏ (33): يتبختر افتخارا بذلك. من المطّ (2)، فإنّ المتبختر يمدّ خطاه، فيكون أصله: يتمطّط. أو من المطا، و هو الظّهر، فإنّه يلويه.

أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (34): ويل لك. من الولي، و أصله: أولاك اللّه ما تكرهه، و «اللّام» مزيدة، كما في: رَدِفَ لَكُمْ‏. أو أولى لك الهلاك.

و قيل‏ (3): أفعل، من الويل، بعد القلب، كأدنى، من أدون. أو فعلى، من آل يؤول، بمعنى: عقباك النّار.

ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ (35)، أي: يتكرّر ذلك عليك مرّة بعد أخرى.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): و قوله: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى‏ فإنّه كان سبب نزولها أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- دعا إلى بيعة عليّ يوم غدير خمّ- و قد مرّ هذا الحديث عند قوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ‏.

و في عيون الأخبار (5)، في باب ما جاء عن الرّضا- (عليه السلام)- من الأخبار المجموعة، و بهذا الإسناد: عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال: سألت محمّد بن عليّ الرّضا- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏ ثُمَّ أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏.

قال: يقول اللّه: بعدا لك من خير الدّنيا، و بعدا لك من خير الآخرة.

و

في مجمع البيان‏ (6): و جاءت الرّواية: أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أخذ بيد أبي جهل ثمّ قال له: أَوْلى‏ لَكَ‏ (الآية).

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 523.

(2) كذا في نفس المصدر. و في النسخ: المطلوب.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) تفسير القمّي 2/ 397.

(5) العيون 2/ 54- 55، ح 205.

(6) المجمع 5/ 401.

45

فقال أبو جهل: بأيّ شي‏ء تهدّدني؟ لا تستطيع أنت و لا ربّك أن تفعل بي شيئا، و إنّي لأعزّ أهل هذا الوادي.

فأنزل اللّه كما قال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- (1).

أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً‏ (36): مهملا لا يكلّف و لا يجازى.

و هو يتضمّن تكرير إنكاره للحشر، و الدّلالة (2) عليه من حيث إنّ الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن و النّهي عن القبائح، و التّكليف لا يتحقّق إلّا بالمجازاة، و هي قد لا تكون في الدّنيا فتكون في الآخرة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): و في قوله: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً‏.

قال: لا يحاسب، و لا يعذّب، و لا يسأل عن شي‏ء.

و في كتاب علل الشّرائع‏ (4)، بإسناده إلى جعفر بن محمّد بن عمارة: عن أبيه قال: سألت الصّادق- (عليه السلام)- فقلت: لم خلق اللّه الخلق؟

فقال: إنّ اللّه لم يخلق خلقه عبثا و لم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته و ليكلّفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، و ما خلقهم ليجلب منهم منفعة و لا ليدفع بهم مضرّة، بل خلقهم لينفعهم و يوصلهم إلى نعيمه‏ (5).

و بإسناده‏ (6) إلى مسعدة بن زياد قال: قال رجل للصّادق- (عليه السلام)-: يا أبا عبد اللّه، إنّا خلقنا للعجب.

قال: و ما ذلك، للّه أنت؟

قال: خلقنا للفناء.

____________

(1) في هامش ت:

و في كتاب سليم عن عليّ- (عليه السلام)- في حديثه قال: و هو صاحب يوم غدير خمّ قال: هو و صاحبه حيث نصبّني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بولايتي فقال: ما يزال يرفع بضبع ابن عمّه و قال لصاحبه: إنّ هذا لهو الكرامة فقطّب وجهه و قال و اللّه لا سمع و لا طاعة له أبدا ثم اتّكأ عليه و تمطّى و انصرفا فأنزل اللّه فيه فلا صدّق و لا صلّى الى قوله تعالى ثم أولى لك فأولى وعيدا من اللّه له و انتهارا الى آخره‏ (كتاب سليم/ 108 باختلاف في بعض الألفاظ).

(2) كذا في أنوار التنزيل 2/ 524 و في النسخ:

للدلالة.

(3) تفسير القمّي 2/ 397.

(4) العلل/ 9، ح 2.

(5) المصدر: نعيم الأبد.

(6) نفس المصدر/ 11، ح 5.

46

قال: مه، خلقنا للبقاء، و كيف [تفنى‏] (1) جنّة لا تبيد و نار لا تخمد، و لكن قل:

إنّما نتحوّل من دار إلى دار.

ا لم يك نطفة من مني تمنى (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى‏ (38):

فقدّره فعدله.

و قرأ (2) حفص: «يُمْنى‏» بالياء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): ثمّ قال: أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ قال: إذا نكح أمناه.

فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ‏: الصّنفين‏ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (39).

و هو استدلال آخر بالإبداء على الإعادة، على ما مرّ تقديره‏ (4) مرارا (5)، و لذلك رتّب عليه قوله: أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ (40).

و في مجمع البيان‏ (6): و في الحديث، عن البراء بن عازب قال: لمّا نزلت هذه الآية: أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏ قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-:

سبحانك، اللّهمّ، و بلى. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه- (عليهما السلام)-.

و في عيون الأخبار (7)، في باب ذكر أخلاق الرّضا- (عليه السلام)- و وصف عبادته: و كان إذا قرأ: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال عند الفراغ منها (8): سبحانك، اللّهمّ، و بلى.

____________

(1) من المصدر.

(2) أنوار التنزيل 2/ 524.

(3) تفسير القمّي 2/ 397.

(4) كذا في أنوار التنزيل 2/ 524. و في النسخ:

تقديره.

(5) ليس في ق.

(6) المجمع 5/ 402.

(7) العيون 2/ 181، ح 5.

(8) في ن، ش، زيادة: قال.

47

سورة الإنسان‏

و في مجمع البيان‏ (1): [و تسمّى سورة الدهر] (2). و تسمّى سورة الأبرار. و منهم من يسمّيها بفاتحتها.

و اختلفوا فيها:

فقيل‏ (3): مكّيّة كلّها.

و قيل‏ (4): مدنيّة كلّها.

و قيل‏ (5): إنّها مدنيّة، إلّا قوله: وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً فإنّه مكّيّ.

و قيل‏ (6): إنّ قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (إلى آخر السورة) مكّيّ، و الباقي مدنيّ.

و فيه‏ (7): حدّثنا السّيّد أبو الحمد، مهديّ بن بزاز (8) الحسيني‏ (9).

... إلى قوله: بإسناده عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- أنّه قال: سألت النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السّماء، فأوّل ما نزل عليه بمكّة فاتحة الكتاب ثمّ اقرأ باسم ربّك، ثمّ ...

إلى أن قال: و أوّل ما نزل بالمدينة سورة البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران ثمّ‏

____________

(1) المجمع 5/ 402.

(2) ليس في ق، ش.

3 و 4 و 5 و 6- نفس المصدر و الموضع.

(7) نفس المصدر/ 405- 406.

(8) المصدر: نزار.

(9) ق، ش: الحسني.

48

الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمّ سورة محمّد، ثمّ الرعد، ثمّ الرحمن، ثم هل أتى- إلى قوله-: فهذا ما أنزل بالمدينة.

و في كتاب سعد السّعود (1) لابن طاوس: سورة الإنسان مكّيّة، في قول ابن عبّاس و الضّحّاك. و قال قوم: هي مدنيّة، و هي إحدى و ثلاثون آية بلا خلاف.

يقول عليّ بن موسى بن طاوس: و من العجب العجيب أنّهم رووا من طريق الفريقين أنّ المراد بنزول سورة هل أتى: مولانا عليّ- (عليه السلام)- و فاطمة- (عليها السلام)- و الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- و قد ذكرنا في كتابنا هذا بعض رواياتهم لذلك، و من المعلوم أنّ الحسن و الحسين كانت ولادتهما بالمدينة، و مع هذا فكأنّهم نسوا ما رووه على اليقين و أقدموا على القول: بأنّ هذه السّورة مكّيّة، و هو غلط عند العارفين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

في كتاب ثواب الأعمال‏ (2)، بإسناده: عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: من قرأ هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏ في كلّ غداة خميس، زوّجه اللّه من الحور العين ثمانمائة عذراء و أربعة آلاف ثيّب و حوراء من الحور العين، و كان مع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

و في مجمع البيان‏ (3): و قال أبو جعفر- (عليه السلام)-: من قرأ سورة هل أتى في كلّ غداة خميس، زوّجه اللّه من الحور العين مائة عذراء و أربعة آلاف ثيّب، و كان مع محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-.

أبيّ بن كعب‏ (4)، عن النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: و من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على اللّه جنّة و حريرا.

و في أمالي شيخ الطائفة (5)، بإسناده إلى عليّ بن عمر (6) العطّار قال: دخلت على [أبي الحسن‏] (7) العسكريّ- (عليه السلام)- يوم الثّلاثاء- فقال: لم أرك أمس؟

قلت‏ (8): كرهت الحركة في يوم الاثنين.

____________

(1) سعد السعود/ 291.

(2) ثواب الأعمال/ 148- 149، ح 1.

3 و 4- المجمع 5/ 402.

(5) أمالي الطوسي 1/ 228.

(6) ق، ش: عمير.

(7) ليس في ق، ش، م.

(8) ن، ت، ي، ر، المصدر: قال.

49

قال: يا عليّ، من أحبّ أن يقيه اللّه شرّ يوم الاثنين فليقرأ في أوّل ركعة من صلاة الغداة هل أتى.

ثمّ قرأ [أبو الحسن‏] (1)- (عليه السلام)-: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً.

هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ‏: [استفهام تقرير و تقريب، و لذلك فسّر «بقد»، و أصله: أهل، كقوله:

أهل رأونا بفسح القاع ذي الأكم‏] (2) حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ: طائفة محدودة من الزّمان الممتدّ الغير المحدود.

لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1): بل كان شيئا منسيّا غير مذكور بالإنسانيّة، كالعنصر و النّطفة.

و الجملة حال من «الإنسان». أو وصف «لحين» بحذف الرّاجع.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (3): هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً قال: لم يكن في العلم، و لا في الذّكر.

و في حديث آخر (4): كان في العلم، و لم يكن في الذّكر.

و في مجمع البيان‏ (5): و روى العيّاشي، بإسناده، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً.

قال‏ (6): في الخلق‏ (7).

و عن عبد الأعلى‏ (8)، مولى آل سام، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- مثله.

و عن حمران‏ (9) بن أعين‏ (10) قال: سألته.

فقال: كان شيئا مقدّرا، و لم يكن مكوّنا.

و في محاسن البرقيّ‏ (11)، بإسناده إلى حمران قال: سألت أبا عبد اللّه‏ (12)- (عليه السلام)-

____________

(1) ليس في ق، ش، م.

(2) ليس في ت.

3 و 4- تفسير القمّي 2/ 398.

(5) المجمع 5/ 406.

(6) ليس في ن، ت، ي، ر.

(7) المصدر: قال: كان شيئا و لم يكن مذكورا.

(8) نفس المصدر و الموضع.

(9) كذا في المصدر. و في النسخ: عمران.

(10) نفس المصدر و الموضع.

(11) المحاسن/ 243، ح 234.

(12) المصدر: أبا جعفر.

50

عن قوله: هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً.

قال: كان شيئا، و لم يكن مذكورا.

و في أمالي شيخ الطّائفة (1)، بإسناده إلى الباقر- (عليه السلام)- حديث طويل، و فيه: أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال لعليّ- (عليه السلام)-: قل ما أوّل نعمة أبلاك اللّه بها و أنعم عليك بها؟

قال: إذ خلقني- جلّ ثناؤه-، و لم أك شيئا مذكورا.

قال: صدقت.

و المراد بالإنسان: الجنس، لقوله: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ. أو آدم، بيّن أوّلا خلقه ثمّ بنيه.

أَمْشاجٍ‏: أخلاط. جمع مشج، أو مشيج. من مشجت الشّي‏ء: إذا خلطته، وصفت النّطفة به، لأنّ المراد بها: مجموع منّي الرّجل و المرأة، و كلّ منهما مختلف الأجزاء في الرّقّة و القوام و الخواصّ، و لذلك يصير كلّ جزء منهما مادّة عضو.

و قيل‏ (2): مفرد، كأعشار، و أكياش.

و قيل‏ (3): ألوان، فإنّ ماء (4) الرّجل أبيض و ماء المرأة أصفر، فإذا خلطا اخضرّا. أو أطوار، فإنّ النّطفة تصير علقة ثمّ مضغة إلى تمام الخلقة.

نَبْتَلِيهِ‏: في موضع الحال، أي: مبتلين له، بمعنى: مريدين اختباره. أو ناقلين له من حال إلى حال، فاستعار له الابتلاء.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (5): في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر- (عليه السلام)‏- في قوله: أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ‏ قال: ماء الرّجل و المرأة اختلطا جميعا.

و في نهج البلاغة (6): عالم الغيب‏ (7)، من ضمائر المضمرين.

... إلى أن قال- (عليه السلام)-: و محطّ الأمشاج من مسارب الأصلاب‏ (8).

____________

(1) أمالي الطّوسي 2/ 106.

(2) أنوار التنزيل 2/ 524.

(3) نفس المصدر و الموضع.

(4) ليس في ق.

(5) تفسير القمّي 2/ 398.

(6) النّهج/ 134، الخطبة 91.

(7) المصدر: السرّ.

(8) مسارب الأصلاب- جمع مسرب-: و هي ما يتسرّب المنيّ فيها عند نزوله أو عند تكوّنه.

51

فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2): ليتمكّن من مشاهدة الدّلائل و استماع الآيات.

فهو كالمسبّب من الابتلاء، و لذلك عطف «بالفاء» على الفعل المقيّد به و رتّب عليه قوله:

إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ‏، أي: بنصب الدّلائل و إنزال الآيات.

إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً (3): حالان من «الهاء» و «إمّا» للتّفصيل أو التّقسيم، أي: هديناه في حالتيه جميعا، أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء و الأخذ فيه، و بعضهم كفور بالإعراض عنه. أو من «السّبيل» و وصفه بالشّكر و الكفر مجاز.

و قرئ‏ (1): «أمّا» بالفتح، على حذف الجواب.

و لعلّه لم يقل: «كافرا» ليطابق قسيمه، محافظة على الفواصل، و إشعارا بأنّ الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا، و إنّما المأخوذ به التّوغّل فيه.

و في كتاب التّوحيد (2)، بإسناده إلى حمزة بن الطّيّار: عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)‏- في قول اللّه- عزّ و جلّ-: إِنَّا هَدَيْناهُ‏ (الآية) قال: عرّفناه، إمّا آخذا و إمّا تاركا.

و في أصول الكافي‏ (3): بإسناده إلى حمران بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قوله- عزّ و جلّ-: إِنَّا هَدَيْناهُ‏ (الآية) قال: إمّا آخذ فهو شاكر، و إمّا تارك فهو كافر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (4): أخبرنا أحمد بن إدريس، قال: حدّثنا عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن قول اللّه- عزّ و جلّ-:

إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً.

قال: إمّا آخذ فشاكر، و إمّا تارك فكافر.

إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ‏: بها يقادون‏ وَ أَغْلالًا: بها يقيّدون.

وَ سَعِيراً (4): بها يحرّقون.

و تقديم وعيدهم و قد تأخّر ذكرهم لأنّ الانذار أهمّ و أنفع، و تصدير الكلام و ختمه بذكر المؤمنين أحسن.

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 525.

(2) التوحيد/ 411، ح 4.

(3) الكافي 2/ 384، ح 4.

(4) تفسير القمّي 2/ 398.

52

و قرأ (1) نافع و الكسائي و أبو بكر (2): «سلاسلا» للمناسبة.

إِنَّ الْأَبْرارَ: جمع برّ، أو بارّ، كأشهاد.

يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ‏: من خمر. و هي في الأصل: القدح تكون فيه.

كانَ مِزاجُها: ما يمزج بها. كافُوراً (5): لبرده و عذوبته و طيب عرفه.

و قيل‏ (3): اسم ماء في الجنّة يشبه الكافور في رائحته و بياضه.

و قيل‏ (4): يخلق فيها كيفيّات الكافور فتكون‏ (5) كالممزوجة به.

عَيْناً: بدل من «كافورا» إن جعل اسم ماء، أو من محلّ «من كأس» على تقدير مضاف، أي: ماء عين، أو خمرها. أو نصب على الاختصاص، أو بفعل يفسّره ما بعدها.

يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ‏، أي: ملتذّا بها أو ممزوجا بها.

و قيل‏ (6): «الباء» مزيدة، أو بمعنى: «من» لأنّ الشّرب مبتدأ منها كما هو.

يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6): يجرونها حيث شاءوا إجراء سهلا.

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ: استئناف ببيان ما رزقوه لأجله، كأنّه سئل عنه، فأجيب بذلك. و هو أبلغ في وصفهم بالتّوفّي على أداء الواجبات، لأنّ من وفى بما أوجبه على نفسه للّه- تعالى- كان أوفى بما أوجبه اللّه عليه.

و في كتاب المناقب‏ (7) لابن شهرآشوب: و روى أبو صالح و مجاهد و الضّحّاك و الحسن و عطاء و قتادة و مقاتل و اللّيث و ابن عبّاس و ابن مسعود و ابن جبير و عمرو بن شعيب و الحسن بن مهران و النّقاش و القشيريّ و الثّعلبيّ و الواحديّ في تفاسيرهم، و صاحب أسباب النّزول، و الخطيب المكّيّ في الأربعين، و أبو بكر الشّيرازيّ في نزول القرآن في أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، و الأشنهي‏ (8) في اعتقاد أهل السّنّة، و أبو بكر، محمّد بن أحمد بن الفضل النّحوي في العروس في الزّهد، و روى‏ (9) عن الأصبغ بن نباتة و غيرهم‏ (10) عن الباقر

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 525.

(2) ق، ش، م: أبو عمرو.

3 و 4- نفس المصدر و الموضع.

(5) ليس في ق، م.

(6) نفس المصدر و الموضع.

(7) المناقب 3/ 373- 375.

(8) كذا في المصدر. و في ق: الاستهني. و في م، ش: الاستهي. و في سائر النسخ: الاشهى.

(9) في المصدر زيادة: أهل البيت- (عليهم السلام)-.

(10) المصدر: غيره.

53

- (عليه السلام)‏- و اللّفظ له- في قوله-: هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أنّه‏ (1) مرض الحسن و الحسين فعادهما رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في جميع أصحابه.

و قال: يا أبا الحسن، لو نذرت في ابنيك نذرا عافاهما اللّه.

فقال: أصوم ثلاثة أيّام. و كذلك قالت فاطمة- (عليها السلام)- و الحسن و الحسين و جاريتهما فضّة، فبرءا فأصبحوا صياما و ليس عندهم طعام.

فانطلق عليّ- (عليه السلام)- إلى يهوديّ يقال له: فنحاص‏ (2) بن الحلا (3)- و في رواية: شمعون بن حاريا (4) يستقرضه و كان يعالج الصّوف، فأعطاه جزّة من صوف و ثلاثة أصوع من شعير و قال: تغزلها ابنة محمّد.

فجاء بذلك فغزلت فاطمة (5) ثلث الصّوف، ثمّ طحنت صاعا من الشّعير و عجنته و خبزت منه خمسة أقراص، فلمّا جلسوا خمستهم فأوّل لقمة كسرها عليّ- (عليه السلام)- إذا مسكين على الباب يقول: السّلام عليكم، يا أهل بيت محمّد، أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم اللّه عل موائد الجنّة.

فوضع اللّقمة من يده و قال:

فاطم ذات المجد و اليقين‏* * * يا بنت خير النّاس أجمعين‏

أما ترين البائس المسكين‏* * * قد قام بالباب له حنين‏

يشكو إلينا جائع حزين‏* * * كلّ امرئ بكسبه رهين‏

فقالت فاطمة:

أمرك سمع يا ابن عمّ و (6) طاعة* * * ما فيّ من لؤم و لا وضاعة

____________

(1) كذا في المصدر. و في النسخ: أي.

(2) ت، ي، ر: فنحاص.

(3) ن، ت: الحرا. و في المصدر: الحارا.

(4) ن: حازيا.

(5) ليس في ق، ش، المصدر.

(6) ليس في المصدر.

54

أطعمه و لا أبالي السّاعة* * * أرجو إذا أشبعت ذا مجاعة

أن ألحق الأخيار [و الجماعة] (1)* * * و أدخل الخلد ولي شفاعة

و دفعت ما كان على الخوان إليه، و باتوا جياعا و أصبحوا صياما، و لم يذوقوا إلّا الماء القراح.

فلمّا أصبحوا غزلت [الثلث‏] (2) الثّاني، و طحنت صاعا من الشّعير و عجنته و خبرت منه خمسة أقراص، فلمّا جلسوا خمستهم و كسر عليّ- (عليه السلام)- لقمة إذا يتيم على الباب يقول: السّلام عليكم، يا أهل بيت‏ (3) محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم اللّه من موائد الجنّة. فوضع اللّقمة من يده و قال:

فاطم بنت السيّد الكريم‏* * * بنت نبيّ ليس بالذّميم‏

قد جاءنا اللّه بذا (4) اليتيم‏* * * من يرحم اليوم فهو رحيم‏

موعده في جنّة النّعيم‏* * * حرّمها اللّه على اللّئيم‏

فقالت فاطمة:

إنّي أعطيه و لا أبالي‏* * * و أؤثر اللّه على عيالي‏

أمسوا جياعا و هم أشبالي‏

ثمّ دفعت ما كان على الخوان إليه، و باتوا جياعا لا يذوقون إلّا الماء القراح.

فلمّا أصبحوا غزلت الثلث‏ (5) الباقي، و طحنت الصّاع الباقي و عجنته و خبزت منه‏

____________

(1) ليس في ق، م.

(2) من المصدر.

(3) ليس في ق.

(4) أي: بهذا.

(5) ليس في ق، ش.

55

خمسة أقراص.

فلمّا جلسوا خمستهم، فأوّل لقمة كسرها عليّ- (عليه السلام)- إذا أسير من أسراء المشركين على الباب يقول: السّلام عليكم، يا أهل بيت محمّد، تأسروننا و تشدّوننا و لا تطعموننا. فوضع عليّ- (عليه السلام)- اللّقمة من يده و قال:

فاطم يا بنت النّبيّ أحمد* * * بنت نبيّ سيّد مسدّد (1)

هذا أسير للنّبيّ المهتدي‏* * * مكبّل‏ (2) في غلّه مقيّد

يشكو إلينا الجوع قد تقدّد* * * من يطعم اليوم يجده في غد

عند العليّ الواحد الممجّد

فقالت فاطمة:

لم يبق ممّا كان غير صاع‏* * * قد دميت‏ (3) كفّي مع الذراع‏

و ما على رأسي من قناع‏* * * إلّا عباء نسجه‏ (4) بصاع‏

ابناي و اللّه من الجياع‏* * * يا ربّ لا تتركهما ضياع‏

أبوهما للخير ذو اصطناع‏* * * عبل الذّراعين شديد الباع‏ (5)

و أعطته ما كان على الخوان، و باتوا جياعا و أصبحوا مفطرين و ليس عندهم شي‏ء. فرآهم النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- جياعا، فنزل جبرئيل و معه صحفة (6) من الذّهب‏

____________

(1) المصدر: مسوّد.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: مكبد.

(3) كذا في المصدر. و في ق، ش: وصيت. و في سائر النسخ: رميت.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: نسجته.

(5) يقال: رجل عبل الذراعين، أي:

ضخمهما. و الباع: قدر مدّ اليدين. و ربما عبّر بالباع عن الشرف و الفضل و القدرة.

(6) الصّحفة: إناء من آنية الطّعام.

56

مرصّعة بالدّرّ و الياقوت، مملوءة من الثريد و عراقا (1) تفوح منه رائحة المسك و الكافور، فجلسوا و أكلوا حتّى شبعوا و لم ينقص منها لقمة (2) واحدة.

و خرج الحسين و معه قطعة عراق، فنادته امرأة يهوديّة (3): يا أهل بيت الجوع، من أين لكم هذا، أطعمنيها؟ فمدّ يده الحسين ليطعمها، فهبط جبرئيل و أخذها من يده، و رفع الصّحفة إلى السّماء.

فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: لو لا ما أراد الحسين من إطعام الجارية تلك القطعة، لتركت‏ (4) تلك الصّحفة في أهل بيتي يأكلون منها إلى يوم القيامة [لا تنقص لقمة] (5). و نزل: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ و كانت الصّدقة في ليلة خمس و عشرين من ذي الحجّة، و نزلت: هَلْ أَتى‏ في اليوم الخامس و العشرين منه.

و في أصول الكافي‏ (6): أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد (7)، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن- (عليه السلام)‏- [في قول اللّه- عزّ و جلّ-: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ الّذي أخذ عليهم من ولايتنا.

عليّ بن محمّد (8)، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن‏] (9) الماضي- (عليه السلام)- قال: قلت: قوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ؟

[قال: يوفون للّه بالنذر] (10) الّذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا.

وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ‏: شدائده.

مُسْتَطِيراً (7): فاشيا منتشرا غاية الانتشار. من استطار الحريق و الفجر، و هو أبلغ من طار.

و فيه إشعار بحسن عقيدتهم، و اجتنابهم عن المعاصي.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (11): و قوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ- إلى قوله-: شَرُّهُ مُسْتَطِيراً

____________

(1) العراق: جمع العرق: العظم الّذي أخذ عنه اللّحم و بقيت عليه لحوم رقيقة طيّبة.

(2) كذا في المصدر. و في النسخ: نعمة.

(3) كذا في المصدر. و في ق: «عامرة اليهود» بدل «امرأة يهوديّة». و في سائر النسخ: «ما مرة اليهود».

(4) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و إلّا.

(5) من المصدر.

(6) الكافي 1/ 413، ح 5.

(7) في ي زيادة: بن محمّد.

(8) نفس المصدر/ 434، ح 91.

(9) ليس في ق، ش.

(10) من المصدر.

(11) تفسير القمّي 2/ 398.

57

قال: المستطير العظيم.

و في أمالي الصّدوق‏ (1)- (رحمه اللّه)-: و قال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حتّى دخل منزل فاطمة فرأى ما بهم، فجمعهم ثمّ انكبّ عليهم يبكي و يقول: أنتم منذ ثلاث فيما أرى و أنا غافل عنكم. فهبط جبرئيل بهذه الآيات:

إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ‏- إلى قوله-: تَفْجِيراً.

قال: هي عين في دار النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- تفجر إلى دور الأنبياء و المؤمنين. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، يعني: عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين و جاريتهم‏ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً يقول‏ (2): عابسا كلوحا.

و في كتاب الخصال‏ (3)، في احتجاج عليّ- (عليه السلام)- على أبي بكر قال: أنشدك باللّه، أنا صاحب الآية «يوفون» (الآية) أم أنت؟

قال: بل أنت.

وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ‏: حبّ اللّه، أو الطّعام [أو الإطعام‏] (4).

و في مجمع البيان‏ (5): أي: على حبّ الطّعام.

و في الحديث‏ (6)، عن أبي سعيد الخدري أنّ النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- قال: ما من مسلم أطعم مسلما على جوع، إلّا أطعمه اللّه من ثمار الجنّة. (الحديث)

و فيه‏ (7): و قال أهل التّحقيق: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف.

... إلى قوله: و أن يتصدّق و هو يحبّ المال و يرجو الحياة،

لقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا سئل عن [الصّدقة] (8): أفضل الصّدقة أن تعطيه و أنت صحيح شحيح تأمل العيش و تخشى الفقر، و لا تمهل حتّى إذا بلغت النّفس التّراقي قلت: لفلان كذا و لفلان كذا.

مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (8).

و «الأسير» يتناول أسارى الكفّار و الأسير (9) المؤمن، و يدخل فيه المملوك و المسجون.

____________

(1) أمالي الصّدوق/ 215، ح 11.

(2) المصدر: يقولون.

(3) الخصال/ 550، ح 30.

(4) ليس في ق، ش، م.

5 و 6- المجمع 5/ 407- 408.

(7) نفس المصدر/ 335.

(8) من المصدر.

(9) ليس في ق، ش، م.

58

و في الحديث‏ (1): غريمك أسيرك، فأحسن إلى أسيرك.

و في الكافي‏ (2): عليّ بن إبراهيم [عن أبيه‏] (3)، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة ابن أيّوب، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قلت:

قوله: وَ يُطْعِمُونَ‏ (الآية).

قال: ليس من الزّكاة. (الحديث)

محمّد بن يحيى‏ (4)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: ينبغي للرّجل أن يوسّع على عياله لئلّا يتمنّوا موته. و تلا هذه الآية: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً قال: الأسير عيال الرّجل، [ينبغي للرّجل‏] (5) إذا زيد في النّعمة أن يزيد أسراءه في السّعة عليهم.

ثمّ قال: إنّ فلانا أنعم اللّه عليه بنعمة فمنعها أسراءه و جعلها عند فلان، فذهب [اللّه‏] (6) بها.

قال معمّر: و كان فلان حاضرا.

و في كتاب الخصال‏ (7): عن [ابن‏] (8) المنكدر، بإسناده قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خيركم من أطعم الطّعام، [و أفشى السلام، و صلّى و الناس نيام‏] (9).

إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ‏: على إرادة القول بلسان الحال أو المقال، إزاحة لتوهّم المنّ و توقّع المكافأة المنقصة للأجر.

لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً (9)، أي: شكرا.

و في كتاب الخصال‏ (10): عن أحمد بن عمران‏ (11) الحلبيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: أي الخصال بالمرء أجمل؟

قال: وقار بلا مهابة، و سماح بلا طلب مكافأة، و تشاغل بغير متاع الدّنيا.

و في الكافي‏ (12): عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبي الحسن،

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 525.

(2) الكافي 3/ 499، ح 9.

(3) ليس في ق، ش.

(4) نفس المصدر 4/ 11، ح 3.

(5) ليس في ق.

(6) من المصدر.

(7) الخصال/ 91، ح 32.

(8) من المصدر.

(9) ليس في ق.

(10) الخصال/ 92- 93، ح 36.

(11) ق، ش: مهران. و في المصدر: عمر.

(12) الكافي 4/ 40، ح 8.

59

عليّ بن يحيى، عن أيّوب بن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال:

قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له: احتجّ.

فيقول: يا ربّ، خلقتني و هديتني، فأوسعت عليّ، فلم أزل أوسع على خلقك و أيسر عليهم لكي تنشر عليّ هذا اليوم رحمتك و تيسّره.

فيقول الرّبّ: صدق عبدي، أدخلوه الجنّة.

و في روضة الكافي‏ (1): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ ابن عيسى، رفعه قال: إنّ موسى ناجاه اللّه، فقال له في مناجاته:

يا موسى، لا تطوّل‏ (2) في الدّنيا أملك. و ذكر حديثا قدسيّا طويلا، و فيه يقول- تعالى-: فاعمل كأنّك ترى ثواب عملك، لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة.

و في نهج البلاغة (3): هذا ما أمر به عبد اللّه، عليّ بن‏ (4) أبي طالب أمير المؤمنين في ماله ابتغاء وجه اللّه، ليولجه‏ (5) به الجنّة، و يعطيه به الأمنة.

إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا: فلذلك نحسن إليكم، و لا نطلب المكافاة منكم.

يَوْماً: عذاب اليوم.

عَبُوساً: تعبس فيه الوجوه. أو يشبه الأسد العبوس في ضراوته.

قَمْطَرِيراً (10): شديد العبوس، كالذي يجمع ما بين عينيه. من اقمطرّت النّاقة: إذا رفعت ذنبها و جمعت قطريها. مشتقّ من القطر، و «الميم» مزيدة.

فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ‏: بسبب خوفهم و تحفّظهم عنه.

وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً (11): بدل عبوس الفجّار و حزنهم.

وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا: بصبرهم على أداء الواجبات، و اجتناب المحرّمات، و إيثار الأموال.

جَنَّةً: بستانا يأكلون منه‏ وَ حَرِيراً (12): يلبسونه.

مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ‏: حال من «هم» في «جزاهم»، أو صفة «لجنّة».

____________

(1) الكافي 8/ 46، ح 8.

(2) ر، المصدر: لا يطول.

(3) النهج/ 379، الكتاب 24.

(4) كذا في المصدر. و في النسخ: تكرّر «عليّ ابن».

(5) كذا في المصدر. و في النسخ: ليولجني.

60

لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً (13): يحتملهما، و أن يكون حالا من المستكنّ في «متّكئين» و المعنى: أنّه يمرّ عليهم فيها هواء معتدل لا حارّ محميّ، و لا بارد مؤذ.

و قيل‏ (1): «الزّمهرير» القمر في لغة طي‏ء، و المعنى: أنّ هواءها مضي‏ء بذاته لا يحتاج إلى شمس و لا قمر.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم‏ (2): و ليس في جنان الخلد و نيرانها شمس و لا قمر.

حدّثني‏ (3) أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا- (عليه السلام)- أنّه قال: إنّ الشّمس و القمر آيتان من آيات اللّه تجريان بأمره مطيعان له، ضوؤهما من نور عرشه، و حرّهما من جهنّم، فإذا كانت يوم القيامة عاد إلى العرش نورهما و عاد إلى النّار حرّهما فلا يكون شمس و لا قمر.

و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

و في كتاب الخصال‏ (4): عن أبي الحسن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: في الشّمس‏ (5) أربع خصال: تغيّر اللّون، و نتن الرّيح، و تخلق الثياب، و تورث الدّاء.

وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها: حال. أو صفة أخرى معطوفة على ما قبلها. أو عطف على «جنّة»، أي: و جنّة أخرى دانية، على أنّهم و عدوا جنّتين لقوله: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ‏.

و قرئت‏ (6) بالرّفع، على أنّها خبر «ظلالها». و الجملة حال، أو صفة.

وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (14): معطوف على ما قبله. أو حال من «دانية».

و تذليل القطوف، أن تجعل سهلة التّناول و لا تمتنع على قطّافها كيف شاءوا.

و في روضة الكافي‏ (7): عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، [عن محمّد ابن‏] (8) إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر- (عليه السلام)- [قال: إنّ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه‏

____________

(1) أنوار التنزيل 2/ 526.

(2) تفسير القمّي 2/ 258.

(3) نفس المصدر/ 343.

(4) الخصال/ 248- 249، ح 111.

(5) كذا في المصدر. و في النسخ زيادة: و القمر.

(6) أنوار التنزيل 2/ 526.

(7) الكافي 8/ 99، ح 69.

(8) ليس في ق، ش.