نهاية الوصول إلى كفاية الأصول‏

- السيد مصطفى الموسوي الحائري المزيد...
483 /
3

[خطبه الشارح‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه، و السلام على سيدنا الاكرم، و نبينا الاعظم، محمد، و على آله الائمة الامناء، و لعنة اللّه على اعدائهم الالداء، ما دامت الارض و السماء

و بعد، فقد اتاح لي التوفيق، حين اشتغالي بدراسة كتاب «كفاية الاصول» تأليف علم العلم، و منار الفضل، سماحة الحجة المحقق، الآية الفذ، «الشيخ محمد الكاظم الخراساني»- (قدس اللّه تربته الزكية) ، و افاض على ضريحه شأبيب الغفران- فرصة ضئيلة، فاهتبلتها كي اشرح الكتاب المذكور شرحا وجيزا لا يخل بالمهم، و لا يهتم بما قيل او يقال من الكلم، و قد ساقني الى ذلك غموض مطالب الكتاب فقد افرغت في قوالب ضيقة، و طوت على مباحث معضلة، لا غنى للمبتدي عن شرحها، و لا مندوحة للمدرس و المباحث عن توضيحها و بسطها، كل ذلك و لم ائبه بمطارح الانظار، و لا بمواقع الاشكال، الا ما طغى القلم، و قد تحريت ان اخرج الشرح في حلة قشيبة، مزجا مع المتن، في بيان حجة، او اقامة برهان، او رد نقد، او توضيح معضل، و مع هذا (ما ابرء نفسي) عن مزالق السهو، و زحالف الخطاء، و اللّه العاصم، و هو المستعان.

- الشارح- مصطفى المحسن الموسوي (آل اعتماد)

4

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين، و بعد فقد رتبته على مقدمة و مقاصد و خاتمة. اما المقدمة، ففي بيان امور: الاول ان موضوع كل علم- و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.

____________

قال المصنف (قدس سره) »، بعد التسمية، و الحمد، و الصلاة:

[المقدمة فى بيان ثلاثة عشر امر:]

(و بعد فقد رتبته على مقدمة) تشتمل على ما لا بد من معرفتها، و ما ينبغي ان يكون الباحث على خبرة منها (و) على (مقاصد) تتضمن ما هو المهم من المباحث، و هي ثمانية (و خاتمة) في مبحث الاجتهاد و التقليد.

(اما المقدمة، ففي بيان امور) و هي ثلاثة عشر امرا:-

[الامر (الاول) في الموضوع، و المسائل و التمايز]

الامر (الاول) في ذكر الموضوع، و ما يلحقه من بيان ما به تمايز العلوم، و من تعريف العلم، المشتمل على ما يتضح به غايته و قبل ان يتعرض المصنف (قدس سره) لبيان موضوع «علم الاصول» تصدى لبيان موضوعات العلوم على وجه كلي ليسهل على الباحث تمييز موضوع اي علم شاء عن غيره فقال:

[فى الموضوع‏]

(ان موضوع كل علم و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية) و التعبير بالعوارض اسد مما عبر به التفتازاني في تهذيبه بقوله: «موضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن اعراضه الذاتية» اذ لا يكون البحث دائما في العلوم عما هو عرض و داخل في احدى المقولات التسع، بل قد يبحث فيها عن المحمولات التي ليست هي من المقولات اصلا، كما هو كذلك في علم الفقه، حيث يبحث فيه عن الاحكام التكليفية و الوضعية المترتبة على موضوعاتها، فان الوجوب و الحرمة و الصحة و الفساد و نحو ذلك، من الامور الاعتبارية، و كذلك يبحث في الفلسفة العالية عن الوجوب، و الامكان، و الامتناع، و لا يصدق حد العرض على شي‏ء من ذلك، و اما اذا عبر بالعوارض فهو يشمل جميع المحمولات، سواء أ كانت‏

5

اي بلا واسطة في العروض-

____________

عرضا ام لا، و لعل التفتازاني اراد بالعرض معناه اللغوي لا معناه المصطلح عليه، و هو اللاحق للشي‏ء و الطاري‏ء عليه، فيتحد حينئذ مع العارض في المعنى. ثم ان الذاتي قد يطلق، و يراد به الذاتي في كتاب «ايساغوجى- الكليات الخمس» و هو ما يتألف منه الذات، من الجنس و الفصل، و قد يطلق و يراد به الذاتي في كتاب «البرهان» اعنى به ما ينتزع عن مقام الذات، بحيث كان وضع الذات كافيا في انتزاعه، كالزوجية للاربعة، و الامكان للانسان مثلا، و ليس المراد به هنا الاول، لعدم صحة اتصاف العارض به، و لا الثاني ضرورة ان المحمولات في العلوم لا تكون كذلك غالبا، فالمراد به هو ما يقابل الغريب بان يكون عارضا على الموضوع نفسه (اي بلا واسطة في العروض) و السر في تقييد الواسطة بكونها في العروض، هو ان الواسطة في الثبوت او الاثبات لا تضر بذاتية العروض فان كثيرا من المحمولات يتوقف ثبوتها لموضوعاتها على علة و هي الواسطة في الثبوت، كما ان جميعها يتوقف العلم بها على برهان و دليل، و هو الوسط في الاثبات، فالعبرة في كون العارض ذاتيا انما هي بعدم الواسطة في العروض، بان لا يكون العارض من عوارض الواسطة حقيقة فينسب الى ذي الواسطة بالعرض و المجاز.

«ان قلت»: اذا كان العارض الذاتي ما لا واسطة له في العروض فاغلب محمولات المسائل عوارض غريبة لموضوع العلم، حيث انها عارضة له بواسطة موضوع المسألة او موضوع الباب فلا يتم ما ذكر من توصيف موضوع العلم بانه الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية؟

«قلت»: المراد من العارض الذاتي في المقام و شبهه: ما يعرض‏

6

هو نفس موضوعات مسائله عينا، و ما يتحد معها خارجا، و ان كان يغايرها مفهوما، تغاير الكلي و مصاديقه، و الطبيعي و افراده. و المسائل:

عبارة عن جملة من قضايا متشتتة جمعها

____________

الشى‏ء لذاته من دون ان يكون هناك امر وجودي يكون معروضا له ابتداء و يكون عروضه لغيره ثانيا و بالعرض، و الغريب: ما كان بخلافه و كان العروض فيه بمعنى الاسناد اليه بالعرض و المجاز، لاجل بعض المناسبات كما يقال لجالس السفينة: انه متحرك، لمناسبة الاتحاد الوضعي، و جملة القول:

كلما لا يتوسط بين وجوده و وجود معروضه أمر وجودي آخر فهو عارض ذاتي، و ان كان في رتبة المفهوم و بحسب التحليل هناك وسائط فالمراد من نفي الواسطة في العروض: هو نفي ذلك الامر الوجودي المتوسط في البين لا الاعم و الاخص بحسب مقام التحليل.

ثم ان موضوع العلم الذي تكون المحمولات عوارضه الذاتية (هو نفس موضوعات مسائله) اي مسائل العلم (عينا و ما يتحد معها خارجا) اي في الوجود الخارجي، فانه هو الجامع لشتاتها، و المحيط بمتفرقاتها (و ان كان يغايرها مفهوما) نحو (تغاير الكلي و مصاديقه) فيما اذا كان منتزعا من موضوعات المسائل كالعناوين الاشتقاقية، بالنسبة الى معنوناتها كالضارب، و الناصر، و القائم، فانها ليس لها وجود قبال المعنونات بل هي امور انتزاعية من الذوات المتلبسة بالمبدأ (و الطبيعي و افراده) فيما اذا كان كليا طبيعيا، و تلك افراده الحقيقية، فاتضح ان العطف ليس تفسيريا كما قيل.

[فى المسائل‏]

(و المسائل: عبارة عن جملة من قضايا متشتتة) مختلفة في ذواتها متغايرة، اما موضوعا و محمولا، او موضوعا فقط، او محمولا فقط (جمعها)

7

اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لاجله دون هذا العلم، فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل مما كان له دخل في مهمين لاجل كل منهما دون علم على حدة فيصير من مسائل العلمين. لا يقال: على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما فيما كان هناك مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا لا يمكن انفكاكهما

____________

اشتراكها) برمتها (في) امر واحد و هو (الدخل في الغرض الذي لاجله دون هذا العلم) الذي تصدى لتأليفه مؤلفه، مثلا هناك قضايا يجمعها انها يوجب حفظ اللسان عن الخطاء في المقال، فجمعت و دونت في مؤلف و سميت باسم النحو، و كذلك هناك قضايا تشترك في خاصة انها تصون الفكر فجمعت في مؤلف و سمي بالمنطق، و هكذا سائر العلوم، ثم انه لما كانت اضافة المسائل الى كل علم بلحاظ دخلها في غرضه (فلذا قد يتداخل بعض العلوم) مع بعض (في بعض المسائل) حيث يمكن ترتب فائدتين و غرضين على تلك المسائل كمسألة الاجزاء، و هكذا اجتماع الامر و النهي، و قد يشترك علمان او ازيد في مسألة او مسائل (مما كان له دخل في مهمين) و غرضين (لاجل كل منهما دون علم على حدة فيصير) تلك المسألة أو المسائل (من مسائل العلمين) او اكثر (لا يقال: على هذا) اي بناء على أن الجامع بين القضايا المتشتتة هو دخلها في الغرض، و انه يمكن ترتب غرضين على بعض المسائل (يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما) و ذلك (فيما كان هناك مهمان) و غرضان (متلازمان في الترتب على جملة من القضايا) و لاجل ذلك (لا) يكاد (يمكن انفكاكهما) فلا بد حينئذ من تدوين تلك المسائل مرتين فتجعل مرة مسائل لعلم، و اخرى لعلم آخر، مع ان هذا واضح البطلان،

8

فانه يقال- مضافا الى بعد ذلك بل امتناعه عادة-: لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين، و تسميتهما باسمين. بل تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمين، و اخرى لاحدهما، و هذا بخلاف التداخل في بعض المسائل، فان حسن تدوين علمين كانا مشتركين في مسألة او ازيد في جملة مسائلهما المختلفة لاجل مهمين مما لا يخفى. و قد انقدح بما ذكرناه ان تمايز العلوم‏

____________

و يترتب على ذلك ان تمايز مسائل علم عن مسائل علم آخر ليس بالغرض بل لامر آخر (فانه يقال- مضافا الى بعد ذلك) و عدم تحققه في الخارج (بل امتناعه عادة) لان العلوم محصورة، و الاغراض منها متبائنة في الجملة-: انه على تقدير تسليم امكانه و وقوعه (لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين، و تسميتهما باسمين) لان المسائل اذا جمعت و دونت لغرض و لفائدة فلا تدون لغرض آخر فانه من اللغو الظاهر (بل) يجب حينئذ (تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمين) فيما كان الباحث يتعلق غرضه بهما معا (و) يبحث فيه تارة (اخرى لاحدهما) فيما لا يهم الباحث الا واحد منهما (و هذا بخلاف التداخل) اي تداخل العلمين (في بعض المسائل) مع عدم تداخلهما في جل مسائلهما (فان حسن تدوين علمين) مستقلين حينئذ و تسميتهما باسمين مختلفين و ان (كانا مشتركين في مسألة أو ازيد) مبحوث عنها (في) ضمن (جملة مسائلهما المختلفة) المدونة (لاجل مهمين مما لا يخفى) فانه حينئذ يتغاير العلمان في جملة من مسائلهما، و ان كانا يشتركان في بعض المسائل (و قد انقدح بما ذكرناه) من أن موضوع العلم هو موضوعات مسائله، و الجامع بين المسائل هو الدخل في الغرض الذي لاجله دون العلم‏

[تمايز العلوم‏]

(ان تمايز العلوم)

9

انما هو باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين، لا الموضوعات، و لا المحمولات و الا كان كل باب، بل كل مسألة من كل علم علما على حده، كما هو واضح لمن كان له ادنى تأمل فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع او المحمول موجبا للتعدد، كما لا يكون وحدتهما سببا لان يكون من الواحد

____________

بحسب التدوين (انما هو باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين) فانه لما كان العلم عبارة عما يبحث فيه عن عوارض موضوعه، و الموضوع لا يعرف الا بالمسائل، و هي لا تعرف الا بالغرض الداعي الى التدوين، فلا محيد الا ان يكون تمايز العلوم، بسبب الأغراض الداعية الى التدوين (لا) بسبب اختلاف (الموضوعات و لا) اختلاف (المحمولات و الا) اى و ان لم يكن التمايز بالاغراض بل بالموضوعات او المحمولات (كان كل باب) من ابواب العلم (بل كل مسألة من) مسائل (كل علم علما على حده) مستقلا برأسه لاختلاف البابين او المسألتين في الموضوع او المحمول (كما هو واضح لمن كان له ادنى تأمل) و تدبر (فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع) و لو مع الاتحاد في المحمول (او) الاختلاف في (المحمول موجبا للتعدد) مع وحدة الغرض (كما لا يكون وحدتهما) مع تعدد الغرض (سببا لان يكون من) العلم (الواحد) و لا يخفى ان كلامه (قدس سره) تعريض على ما ذهب اليه المشهور من ان تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها او محمولاتها و قد خالفهم في ذلك و برهن عليه بما ذكره و لكن التحقيق ان ما اراده المشهور من التمايز غير ما اراده المصنف (قدس سره) بيان ذلك: ان التمايز تارة يكون في مقام التدوين و إفراد بعض العلوم عن بعض، و اخرى في مقام التمييز للجاهل، اما الاول فلا يكون الا بالغرض، فان كل مدون يلاحظ غرضه فيدون علما، و اما الثاني‏

10

ثم انه ربما لا يكون لموضوع العلم- و هو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل- عنوان خاص و اسم مخصوص فيصح ان يعبر عنه بكل ما دل عليه بداهة عدم دخل ذلك،

____________

فيكون اما بالموضوع او المحمول او بالغاية، مثلا اذا أردنا تمييز علم النحو، و علم الطب، و علم الفقه، للجاهل، ليكون على بصيرة من امره فيقال: علم الطب: علم يبحث فيه عن بدن الانسان من حيث الصحة و المرض. و علم الفقه: علم يبحث فيه عن الاحكام الشرعية الفرعية.

و علم النحو: علم يحفظ به اللسان عن الخطاء في المقال، فقد حصل التمييز للجاهل ببيان موضوع علم الطب، و ببيان المحمولات في علم الفقه و ببيان الغاية في علم النحو، فالتمييز بكل ذلك امر ممكن في نفسه، لكن بما ان مرتبة الغرض و الغاية متأخرة عن مرتبة المسائل، لان الغاية مترتبة عليها، و مرتبة المحمول في المسائل متأخرة عن مرتبة الموضوع لأن المحمول من عوارض الموضوع و لواحقه، فجعلوا التمايز بالموضوعات و على ذلك يقع التصالح بين ما ذكره المصنف (قدس سره) و ما هو المشهور من ان تمايز العلوم بالموضوعات.

(ثم انه ربما لا يكون لموضوع العلم) الذي يقع البحث عن عوارضه الذاتية (و هو الكلى المتحد مع موضوعات المسائل) بنحو اتحاد الطبيعي و افراده، او الكلي و مصاديقه (عنوان خاص) يعرف به (و إسم مخصوص) يذكر به (فيصح) حينئذ (ان يعبر عنه) في مقام الاشارة اليه (بكل ما دل عليه) و لو كان بنحو الاشارة إليه بوجه، مثلا في علم النحو يقال: ان موضوعه ما يكون عوارضه- بعد المعرفة بها- دخيلة في صيانة اللسان عن الخطاء في المقال (بداهة عدم دخل ذلك) اي‏

11

في موضوعيته اصلا، و قد انقدح بذلك: ان موضوع علم الاصول هو «الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة» لا خصوص الادلة الاربعة بما هى ادلة، بل و لا

____________

تسميته باسم مخصوص (في موضوعيته اصلا) فان موضوعية الموضوع امر ذاتي له و رتبة التسمية متأخرة عنه، و لا يعقل حينئذ ان يكون لها الدخل في موضوعيته. هذا و لكنك عرفت ان ذكر الموضوع انما هو لاجل ان يكون الطالب على بصيرة، فإذا لم يكن له عنوان خاص و اسم مخصوص لم يمكن تمييز العلم به فينحصر التمييز حينئذ بالمحمولات او بالغرض (و قد انقدح بذلك) اى بما ذكر من ان موضوع كل علم هو عين موضوع مسائله او ما يتحد معه‏

[موضوع علم الاصول‏]

(ان موضوع علم الاصول) الذي يبحث فيه عن عوارضه (هو الكلي المنطبق) في الخارج (على موضوعات مسائله المتشتتة) المجتمعة في دخلها في الغرض (لا خصوص الادلة الاربعة) يعني الكتاب و السنة و العقل و الاجماع (بما هي ادلة) يعني بوصف الدليلية كما عليه المشهور و الا كان البحث عن الحجية في كثير من المسائل بحثا عن المبادى‏ء فانه يرجع الى البحث عن دليلية الدليل، و هو بحث عن ثبوت الموضوع، لا عن عوارضه، فيكون خارجا عن المسائل، و من هنا إلتزم صاحب الفصول (قدس سره) بان الموضوع ذوات الادلة. و حينئذ يكون البحث عن الحجية و الدليلية بحثا عن العارض، فيدخل في المسائل لكن هذا لا يستقيم. فانه و ان كان سليما عن الاشكال المزبور، الا ان الالتزام به يشترك مع الالتزام بان الموضوع لعلم الاصول هي الادلة الاربعة بما هي ادلة، مع محذور آخر على ما ستعرف قريبا انشاء اللّه.

و عليه فلا وجه للالتزام بان الموضوع هي الأدلة بما هي ادلة (بل و لا)

12

بما هي هي، ضرورة ان البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها، و هو واضح لو كان المراد بالسنة منها هو نفس قول المعصوم او فعله او تقريره. كما هو المصطلح فيها، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة كعمدة مباحث التعادل، و التراجيح، بل و مسألة حجية الخبر الواحد، لا عنها و لا عن سائر الادلة، و رجوع البحث فيهما في الحقيقة الى البحث عن ثبوت السنة،

____________

وجه للالتزام بانه ذوات الادلة (بما هي هي) لا بما هي ادلة (ضرورة ان البحث) في علم الاصول (في غير واحد من مسائله المهمة) غير القابلة لان تكون استطرادية (ليس من عوارضها) اي عوارض الادلة الاربعة لا بما هي ادلة و لا بما هي هي (و هو واضح لو كان المراد بالسنة منها هو نفس قول المعصوم) (عليه السلام) (او فعله او تقريره) المستكشف عن عدم ردعه (كما هو المصطلح فيها) المفسر بها في كلماتهم (لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة) اي المباحث التي تعد من مباحث السنة (كعمدة مباحث التعادل و التراجيح) و هي التي يبحث فيها عن معارضة الخبرين الظنيين، دون القطعيين، و دون الكتاب العزيز (بل و مسألة حجية الخبر الواحد) التي هي من اهم المباحث (لا عنها) اي لا عن السنة (و لا عن سائر الادلة) حيث إن البحث عن حكم معارضة الخبرين و عن حجية قول الثقة لا يكون بحثا عن احوال السنة، و لا عن احوال غيرها من الكتاب و العقل و الاجماع بل البحث فيها عن عوارض الخبر و ليس هو احد الادلة الاربعة (و رجوع البحث فيهما) اي مباحث التعادل و التراجيح و خبر الواحد (في الحقيقة الى البحث عن ثبوت السنة) اي قول المعصوم‏

13

بخبر الواحد، في مسألة حجية الخبر، كما افيد، و باي الخبرين في باب التعارض، فانه ايضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال، غير مفيد، فان البحث عن ثبوت الموضوع و ما هو مفاد كان التامة ليس بحثا عن عوارضه، فانها مفاد كان الناقصة لا يقال هذا في الثبوت الواقعي، و اما الثبوت التعبدي،

____________

او فعله او تقريره (بخبر الواحد في مسألة حجية الخبر كما افيد) في كتاب «الرسائل» للشيخ الاعظم المرتضى الانصاري (قدس سره) في مسألة «حجية خبر الواحد» حيث افاد ما حاصله: «ان المراد من البحث عن حجية الخبر هو البحث عن قول المعصوم (عليه السلام) هل يثبت بالخبر ام لا» و حينئذ يكون موضوع البحث هو السنة، و ما يحمل عليه هو ثبوته بالخبر (و) كذلك رجوع البحث في حكم المتعارضين الى البحث عن ثبوت السنة (باي الخبرين في باب التعارض فانه) اي البحث في باب التعارض (ايضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال) اي في حال المعارضة و هو يرجع الى البحث عن ثبوت السنة بالخبر و كل ذلك (غير مفيد) لادراج هذه المباحث في علم الاصول بناء على ان موضوعه الادلة الاربعة (فان البحث عن) ثبوت السنة بالخبر بحث عن (ثبوت الموضوع) و تحققه (و ما هو مفاد كان التامة) و البحث عن ثبوت الموضوع (ليس بحثا عن عوارضه) و لواحقه المبحوث عنها في العلوم (فانها) لا محيص عن كونها (مفاد كان الناقصة) الذي هو عبارة عن ثبوت شي‏ء لشي‏ء فلا وجه حينئذ لجعل مسألة حجية الخبر على ما اوله الشيخ (قدس سره) من المسائل، بل اللازم ادراجها في المبادى‏ء (لا يقال: هذا في الثبوت الواقعي) اي ثبوته في حد ذاته و في نفس الامر (و اما الثبوت التعبدي)

14

كما هو المهم في هذه المباحث، فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة فانه يقال: نعم لكنه مما لا يعرض السنة بل الخبر الحاكي لها، فان الثبوت التعبدي يرجع الى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به، و هذا من عوارضه لا عوارضها، كما لا يخفى، و بالجملة الثبوت الواقعى ليس من العوارض، و التعبدي- و ان كان منها- الا انه ليس للسنة بل للخبر،

____________

اي التعبد بثبوته في ظرف الشك فيه (كما هو المهم في هذه المباحث) فان الذي هو محل للنظر. و محط للاشكال، هو هذا النحو من الثبوت و اما الثبوت النفس الامري فهو مفروغ عنه، و لا اشكال فيه (فهو) اي البحث عن الثبوت التعبدي (في الحقيقة يكون) بحثا عن (مفاد كان الناقصة) ضرورة ان هذا الثبوت انما يتصور عروضه بعد فرض الثبوت النفس الامرى، فلا محالة يكون حينئذ من العوارض (فانه يقال: نعم) هو كذلك (لكنه مما لا يعرض السنة) ليكون البحث بحثا عن عوارضها (بل) يعرض (الخبر الحاكي لها) اي للسنة (فان الثبوت التعبدي) المبحوث عنه (يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخير) و ان لم يعلم بصدوره فهو بعد التعبد (كالسنة المحكية به) التي يجب العمل بها بالضرورة (و هذا) اي وجوب العمل (من عوارضه لا عوارضها كما لا يخفى) بداهة ان وجوب العمل بالسنة مما لا خلاف فيه، و لا يبحث عنه الاصولي في هذا العلم و انما همه اثبات أن الخبر كالسنة في وجوب العمل به فالبحث حينئذ بحث عن عوارض الخبر، دون السنة (و بالجملة الثبوت الواقعي) و هو ثبوت الشي‏ء في نفسه (ليس من العوارض و) الثبوت (التعبدي و ان كان منها) فانه حكم شرعي يطرء على موضوعه. فهو امر عارض (الا انه ليس) بعارض (للسنة بل للخبر) فانه الذي نزل منزلة العلم‏

15

فتأمل جيدا او اما اذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها، فلان البحث في تلك المباحث- و ان كان عن احوال السنة بهذا المعنى- الا ان البحث في غير واحد من مسائلها كمباحث الالفاظ و جملة من غيرها، لا يخص الادلة

____________

او نزل مؤداه منزلة الواقع، فوجب العمل به بناء على القول بحجيته (فتأمل جيدا) هذا كله على تقدير ان يكون المراد من السنة معناها المصطلح (و اما اذا كان المراد من السنة) التي هي احدى الادلة الاربعة (ما يعم حكايتها) بان يراد من السنة مطلق ثبوتها، اعم من الثبوت النفس الامري، و من الثبوت في مرتبة الحكاية، فان كل محكي، له نحو من الثبوت في مرتبة الحاكي، فذلك- و ان كان امرا معقولا يرتفع به الاشكال المتقدم لكنه- تكلف بعيد، و مع ذلك لا يرتفع الاشكال من جهة اخرى اما الاول فلوضوحه، حيث ان ارادة المعنى الاعم من لفظ السنة خلاف ما هو المتفاهم منه، و اما الثاني (فلان البحث في تلك المباحث) اي مسائل حجية الخبر و التعادل و الترجيح (و ان كان عن احوال السنة بهذا المعنى) حيث ان موضوع البحث فيها هو الخبر المفروض ارادة ما يعمه من لفظ السنة (الا ان البحث في غير واحد من مسائلها) اي مسائل صناعة علم الاصول (كمباحث الالفاظ و جملة من غيرها) كالبحث عن الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، و غيرها من مباحث الملازمات (لا يخص الادلة) ضرورة ان البحث عن ظهور الأمر في الوجوب و النهي في الحرمة، او دلالة النهي على الفساد، و جواز اجتماع الامر و النهي، او امتناعه، لا يخص الامر و النهي الواردين في الكتاب و السنة و كذلك البحث عن ظهور القضية الشرطية، و المغياة بالغاية و غيرهما في المفهوم لا يخص ما كان واردا في الادلة و كذالك البحث عن مقدمة الواجب و العام‏

16

بل يعم غيرها، و ان كان المهم معرفة احوال خصوصها كما لا يخفى، و يؤيد ذلك تعريف الاصول بانه العلم بالقواعد الممهدة للاستنباط الاحكام الشرعية و ان كان الاولى تعريفه بأنه: صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن ان تقع في طريق استنباط الاحكام،

____________

و الخاص، و المطلق و المقيد، و غير ذلك، فان هذه الابحاث ابحاث كلية لا تختص بما ورد في واحد من الادلة (بل) يبحث عنها على كليتها و (يعم) البحث الادلة الاربعة و (غيرها و ان كان المهم) في هذه المباحث (معرفة احوال خصوصها) اي خصوص الادلة (كما لا يخفى) فظهر مما ذكرنا: ان موضوع علم الاصول ليس هو خصوص الادلة الاربعة بل هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله، (و يؤيد ذلك) اي كونه كليا كذلك‏

[تعريف علم الاصول‏]

(تعريف) علم (الاصول بانه العلم بالقواعد) الكلية (الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية) وجه التأييد هو: أن المستفاد من التعريف ان كل قاعدة لها دخل في استنباط الحكم الشرعي فهي من المسائل الاصولية سواء أ كان البحث فيها عن عوارض الادلة ام لم يكن (و ان كان الاولى تعريفه بانه: صناعة) نظرية (يعرف بها القواعد) الكلية (التي يمكن ان تقع في طريق استنباط الاحكام) الكلية، و استخراجها عن ادلتها، إما جزما كمباحث الملازمات العقلية، و اما بالتعبد كمباحث الالفاظ، و مباحث حجية الامارات، و النكتة في التعبير بالامكان هو انه لا يلزم فعلية وقوعها في طريق الاستنباط، بل لها هذا الشأن بالاعداد، و اما الاصول العملية فحيث انها لا نظر لها الى الواقع، و انما هي وظائف للجاهل بالحكم، فلا تقع في طريق الاستنباط، و كذلك مسالة حجية الظن على الحكومة، فان نتيجة هذه المسألة حكم العقل بكفاية الامتثال الظني في تحصيل الامن من العقاب‏

17

أو التي ينتهي اليها في مقام العمل بناء على انّ مسألة حجية الظن على الحكومة، و مسائل الاصول العملية في الشبهات الحكمية، من الاصول كما هو كذلك ضرورة انه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمات.

____________

على مخالفة الاحكام الواقعية، المعلومة بالاجمال، و هذا مما لا يمكن ان يقع في طريق الاستنباط، فلذا تمس الحاجة في تعريف الاصول إلى ضميمة جملة: (أو التي ينتهي اليها) المجتهد الفقيه (في مقام العمل) بعد الفحص و اليأس عن الدليل، لتدخل مسائل الاصول العملية و مبحث حجية الظن- على الحكومة- في التعريف (بناء على ان مسألة حجية الظن) المطلق (على الحكومة) أي حكم العقل بعد تمامية مقدمات الانسداد بان الظن حجة في مقام الامتثال للاحكام المعلومة بالاجمال (و) كذلك (مسائل الاصول العملية) من الاستصحاب، و البرائة، و الاشتغال، و التخيير، (في الشبهات الحكمية من) مباحث علم (الاصول كما هو كذلك) و لا وجه للمصير إلى غير ذلك، و بما شرحناه ظهر وجه أولوية هذا التعريف مما ذكره المشهور فانه عليه يلزم خروج مباحث الاصول العمليه، و حجية الظن على الحكومة عن هذا العلم، و لا وجه لذلك (ضرورة انه لا وجه لالتزام الاستطراد في) البحث عن (مثل هذه المهمات) نعم مسألة حجية الظن على الكشف يمكن ان تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي، فان الظن حينئذ كسائر الامارات و الظنون الخاصة، يثبت بها الحكم تعبّدا، و انما قيدت الشبهات بالحكمية، لان اجراء الاصول في الشبهات الموضوعية لا يترتب عليه إلا حكم جزئي، و لا يختص اجراؤه بالفقيه، بل يعم المقلد، فهي ليست من مسائل الاصول، و انما هي من المسائل الفقهية.

و ههنا اشكال و هو: ان غرض الاستنباط ان كان مغايرا لغرض‏

18

الامر الثاني: الوضع هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى، و ارتباط خاص بينهما ناش من تخصيصه به تارة، و من كثرة استعماله فيه اخرى و بهذا المعنى‏

____________

الانتهاء في مقام العمل كما هو ظاهر عبارة المصنف (قدس سره) فلا بد ان يكون علم الاصول علمين لما تقدم منه (قدس سره) من ان غرض التدوين متى كان متعددا تعدد العلم في المورد القابل للتعدد و لذا جعل تمايز العلوم بتمايز الاغراض، و ان لم يكن مغايرا له بل كانا داخلين تحت جامع واحد، فالاولى تعريف الاصول بذلك الجامع، مثل القول بان علم الاصول هو العلم بالقواعد التي تقع في طريق اقامة الحجة على الحكم الشرعي، و هذا يعمّ المباحث التي يترتب عليها الاستنباط، و التي لا يترتب عليها الا التنجيز أو التعذير، بل لهذا التعريف جهة أولوية اخرى، و هي ان لفظ الاستنباط انما أتي به لادراج مباحث الامارات، مع انها بناء على ان حجيتها بمعنى المنجزية، كما ذهب اليه المصنف (قدس سره) لا يستنبط بها حكم اصلا، لا واقعيا و لا ظاهريا، و انما تكون الامارة حجة على الحكم الشرعي، بمعنى أنها يترتب عليها التنجيز أو الإعذار فقط.

[الأمر الثاني: فى الوضع)]

(الأمر الثاني): ان (الوضع) قد اختلف في تعريفه، و الذي ترجح لدى المصنف (قدس سره) »

[تعريف الوضع‏]

(هو) انه (نحو اختصاص اللفظ بالمعنى.

و ارتباط خاص بينهما) فعرّف (قدس سره) الوضع بمعناه «الاسم المصدري» و حيث إنه امر حادث لا بد له من منشأ و سبب، و اشار إلى ذلك بقوله:

(ناش) هذا الربط الخاص (من تخصيصه به) يعني من قبل من ينفذ جعله و تقريره (تارة، و من كثرة استعماله فيه اخرى) فانه بتكثر استعمال اللفظ في المعنى يحصل بينهما ذلك الربط الخاص (و بهذا المعنى) الاسم المصدري‏

19

صح تقسيمه إلى التعيني و التعيّني كما لا يخفى.

ثم ان الملحوظ حال الوضع إما ان يكون معنى عاما فيوضع اللفظ له تارة و لافراده و مصاديقه اخرى و اما يكون معنى خاصا

____________

الذي ذكرناه‏

[اقسام الوضع‏]

(صح تقسيمه إلى‏

[الوضع التعييني‏]

التعييني) و هو ما إذا نشاء عن التخصيص (و) إلى‏

[الوضع التعيّني‏]

(التعيّني) و هو ما نشاء عن كثرة الاستعمال، و الحاصل ان الوضع بالمعني الذي ذكره يكون جامعا بين القسمين، بخلاف ما لو فسّر الوضع بانه تخصيص اللفظ بالمعنى، أو جعل الملازمة بينهما، و نحو ذلك من التعاريف، فانها لا تشمل التعيني (كما لا يخفى).

(ثم ان) الواضع حيث لا يعقل ان يضع لفظا لمعنى إلا بعد ان يلاحظهما فلا بد له من لحاظ المعنى حال الوضع، ليضع اللفظ بازائه، و المعنى (الملحوظ حال الوضع إما ان يكون معنى عاما) قابلا للصدق على كثيرين، (فيوضع اللفظ له) أي لنفس ذلك العام (تارة) فيكون الوضع و الموضوع له عامين (و) قد يوضع اللفظ لا لنفس المعنى العام، بل (لافراده و مصاديقه اخرى) فالوضع عام، و الموضوع له خاص، من غير فرق بين ان يكون ذلك المعنى كليا طبيعيا أو انتزاعيا (و اما) ان (يكون) المعنى الملحوظ حال الوضع (معنى خاصا) المراد. من المعنى الخاص، هو المفهوم غير القابل للصدق على كثيرين، و لا يراد به «الشخص الموجود» فان هذا لا يكون موضوعا له ابدا، فان الوضع كان لاجل استعمال اللفظ في المعنى، اي انتقال الذهن من سماع اللفظ إلى المعنى، و معنى ذلك: ان الذهن يتصور اللفظ اولا، ثم يتصور بسببه المعنى ثانيا. و هذه العلامة أوجدها الوضع، اذن لا بد من حضور المعنى في الذهن عند سماع اللفظ الموضوع لذلك المعنى، و الشخص الخارجي اعنى «الموجود بما انه موجود» لا يعقل ان يحضر في الذهن، لأن الحضور الذهني سنخ من الوجود، و يستحيل ان الوجود على يعرض‏

20

لا يكاد يصح إلا وضع اللفظ له، دون العام حينئذ فتكون الأقسام ثلاثة، و ذلك لان العام تصلح لان يكون آلة للحاظ افراده و مصاديقه بما هو كذلك فانه من وجوهها، و معرفة وجه الشي‏ء معرفته، بخلاف الخاص فانه بما هو خاص لا يكون وجها للعام و لا لسائر الافراد، فلا يكون معرفته و تصوره معرفة له و لا لها اصلا و لو بوجه. نعم ربما بوجب تصوره تصور العام بنفسه‏

____________

الموجود، بوصف انه موجود. فالموضوع له حين ما كان الوضع خاصا هو نفس المفهوم الجزئي القسيم للكلي، فان مقسمهما المفهوم، فانه هو الذي يمتنع صدقه على الكثيرين، او لا يمتنع، دون الموجود الخارجي، ثم ان الواضع إذا لاحظ المعنى الخاص (لا يكاد يصح إلا وضع اللفظ له دون العام فحينئذ) يكون الوضع و الموضوع له خاصين و عليه (فتكون الأقسام ثلاثة، و ذلك) اي ان الملحوظ إذا كان معنى عاما يصح وضع اللفظ لنفسه، و لمصاديقه، و ان كان معنى خاصا لا يصح وضع اللفظ إلا لنفسه، دون العام المنطبق عليه و على غيره (لان العام يصلح لان يكون) عنوانا و حاكيا و (آلة للحاظ افراده و مصاديقه بما هو كذلك) أي بما هو عام بداهة ان الجامع يمكن ان يكون مرآة لمصاديقه، بحيث يمكن معرفة المصاديق به، و هو احد طرق معرفتها (فانه من وجوهها و معرفة وجه الشى‏ء) و عنوانه (معرفته بوجه) من الوجوه و نحو من الانحاء (بخلاف الخاص فانه بما هو خاص لا يكون وجها) و عنوانا (للعام و لا لسائر الافراد) فان الخاص بما هو خاص يباين غيره من الافراد، فلا يكون وجها لها، و لا لما هو الجامع بينه و بينها (فلا يكون معرفته) أي الخاص (و تصوره معرفة له) أي للعام (و لا لها) أي لسائر الافراد (اصلا و لو بوجه) و نحو من الانحاء (نعم ربما يوجب تصوره) أي تصور الخاص (تصور العام بنفسه) و ذلك فيما إذا كان تصور الخاص سببا للانتقال إلى العام و حينئذ يكون العام بنفسه ملحوظا

21

فيوضع له اللفظ، فيكون الوضع عاما كما كان الموضوع له عاما، و هذا بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاص، فان الموضوع له- و هي الافراد- لا تكون متصورة إلا بوجهه و عنوانه و هو العام. و فرق واضح بين تصور الشي‏ء بوجهه و بين تصوره بنفسه و لو كان بسبب تصور امر آخر. و لعل خفاء ذلك على بعض الاعلام و عدم تمييزه بينهما كان موجبا لتوهم امكان ثبوت قسم رابع و هو ان يكون الوضع خاصا مع كون الموضوع له عاما، مع انه‏

____________

(فيوضع له) أي للعام (اللفظ فيكون الوضع عاما كما كان الموضوع له عاما) و يصير من القسم الاول، (و هذا بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاص) الذي هو القسم الثاني (فان الموضوع له و هي الافراد لا تكون متصورة) بخصوصياتها الفردية فلا يكون ملحوظا (إلا بوجهه و عنوانه) الاجمالي و لا يعقل تصورها بجميع ما لها من الخصوصيات في انفسها مفصلا لعدم تناهيها، حيث لا تحيط القوة المدركة المتناهية بغير المتناهي، فلا محيص من تصورها اجمالا بواسطة امر جامع (و هو العام) و الكلي المنطبق على الافراد جميعا، (و فرق واضح بين تصور الشي‏ء بوجهه) و بعنوانه (و بين تصوره بنفسه و لو كان) تصوره (بسبب تصور امر آخر) كما فيما ذكرنا من ايجاب تصور الخاص الانتقال إلى تصور العام، (و لعل خفاء ذلك) الفرق (على بعض الاعلام)، و لعله العلامة المحقق الشيخ حبيب اللّه الرشتى (قدس سره) (و عدم تمييزه بينهما) أي بين تصور الشي‏ء بوجهه و تصوره بنفسه و لو كان من جهة تصور امر آخر (كان موجبا لتوهم امكان ثبوت قسم رابع) قد اختاره في بدائعه و بذل جهده لاثباته (و هو ان يكون الوضع خاصا) من اجل ما هو المحلوظ له ابتداء (مع كون الموضوع له عاما) حيث انه الذي انتهى امر الوضع اليه (مع انه)

22

واضح لمن كان له ادنى تأمل‏

____________

اي الفرق (واضح لمن كان له أدنى تأمل) و قد يستشكل في المقام، و ذلك بعد تمهيد مقدمتين: «احديهما» ان معنى كون الموضوع له خاصا ان الافراد الخاصة بما هي خاصة، قد وضع لها اللفظ، بحيث كانت الخصوصيات دخيلة في الموضوع له كما هو واضح، فانه لو الغيت الخصوصيات كان الموضوع له هي الجهة الجامعة، و عند ذلك يصير الموضوع له عاما لا محالة.

«ثانيتهما» ان الكلى انما يكون مرآة للافراد الخاصة بنحو الاجمال، فانه لا يعقل ان يرى به إلا الجهة الجامعة، لا تلك الخصوصيات المحتفة بالافراد، الخارجة عن ماهيتها الذاتية، فليس في البين بعد ارائة الكلى لتلك الجهة الجامعة إلا اقتران ذلك بالعلم اجمالا بان الحصص و الافراد محفوفة بخصوصيات خارجة، فيوضع اللفظ للكلى بماله من الخصوصيات المتصورة اجمالا.

و بعد فيقال: لا يخلو الامر في وضع اللفظ اما ان يكفي لحاظه اجمالا، فالاقسام اربعة إذ كما يلاحظ المعنى الموضوع له تفصيلا تارة عاما و اخرى خاصا، و يكون الوضع و الموضوع له عامين أو خاصين كذلك يلاحظ اجمالا تارة، بوسيلة الكلى فيكون الوضع عاما و الموضوع خاصا، و تارة بوسيلة الخاص، فيكون الوضع خاصا و الموضوع له عاما، فانه كما يلاحظ في الاول بنحو الاجمال ان لتلك الجهة الجامعة خصوصيات محتفة بها بحيث لا يدرى تفصيلا انها ما هي، كذلك في الثاني يلاحظ اجمالا ان لهذا الخاص جهة عامة تنطبق عليه و على غيرها من غير ان يدرى انه ما هو، و اما ان‏لا يكفي اللحاظ الاجمالي، بحيث لا بد ان يكون الموضوع له بينا

23

ثم انه لا ريب في ثبوت الوضع الخاص و الموضوع له الخاص و كذا الوضع العام و الموضوع له العام، كوضع اسماء الاجناس، و اما الوضع العام و الموضوع له الخاص، فقد توهم انه وضع الحروف، و ما ألحق بها من الاسماء

____________

تفصيلا، فعنده كما لا يعقل القسم الرابع اعنى الوضع الخاص و الموضوع له العام، كذلك لا يعقل القسم الثالث اعني الوضع العام و الموضوع له الخاص لعدم تعقل ان يكون الموضوع له فيه بينا بالتفصيل كما عرفت، فلا يكون للوضع إلا قسمان، لا ثلاثة، و لا اربعة، هكذا قيل:

و يندفع بان الكلي حين ما يتصور مقرونا بتصور افراده اجمالا يكفي ذلك في صحة الوضع للافراد، إذ لا يحتاج الوضع إلا إلى تصور الموضوع له في الجملة و هو حاصل على الفرض، و اما الجزئي فهو و ان امكن تصور الجامع المنطبق عليه و على غيره و وضع اللفظ بازائه إلا انه ليس من الوضع الخاص و الموضوع له العام إذ المفروض ان العام هو المتصور بعنوان منطبق عليه مساو معه في الصدق فان مفهوم الجامع بين هذا الفرد و سائر الافراد كلي انتزاعي متحد مع الجامع بينه و بين بقية الافراد خارجا، فليس هذا من الوضع الخاص و الموضوع له العام بوجه.

(ثم انه لا ريب في ثبوت) القسم الثالث اعنى به (الوضع الخاص، و الموضوع له الخاص) و وقوعه، كوضع الاعلام الشخصية، مثل زيد و عمرو، و شبههما، (و كذا) القسم الاول اعنى (الوضع العام و الموضوع له العام كوضع اسماء الاجناس) مثل الانسان، و الشجر، و الغنم، و الحجر، إلى غير ذلك (و اما) القسم الثاني الذي هو (الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد) وقع الخلاف في وقوعه (و توهم) كما عن جمع كثير (انه وضع الحروف، و ما ألحق بها من الاسماء) كالضمائر، و الموصولات، و اسماء

24

كما توهم ايضا ان المستعمل فيه فيها خاص مع كون الموضوع له كالوضع عاما، و التحقيق حسبما يؤدي اليه النظر الدقيق ان حال المستعمل فيه، و الموضوع له فيها حالهما في الاسماء، و ذلك لان الخصوصية المتوهمة ان كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا، فمن الواضح ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك، بل كليا، و لذا التجاء بعض الفحول إلى جعله‏

____________

الاشارة، و غيرها مما يتضمن معاني الحروف (كما توهم ايضا) عن بعضهم (ان المستعمل فيه فيها خاص مع كون الموضوع له كالوضع عاما) و هذا هو الذي ذهب اليه المحقق صاحب الحاشية (قدس سره) تبعا للمحقق الرضي (رحمه اللّه) (و التحقيق) في المقام (حسبما يؤدي إليه النظر الدقيق) عند المصنف (قدس سره) (ان حال المستعمل فيه، و الموضوع له فيها) أي في الحروف و ما الحق بها (حالهما) أي حال الوضع و الموضوع له (في الاسماء) أي اسماء الاجناس من حيث كونهما عامين مع عموم الوضع، (و ذلك لان الخصوصية المتوهمة) دخالتها في الموضوع له أو المستعمل فيه (ان كانت) من الخصوصيات الخارجية التي (هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها) بزعم المتوهم (جزئيا خارجيا فمن الواضح) ان ذلك لا يستقيم، ضرورة (ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها) أي في الحروف (كذلك) أي جزئيا خارجيا (بل) يكون معنى (كليا) قابلا للانطباق على كثيرين كما إذا وقع في حيز الامر و النهي و التمني و نحو ذلك، كما في قولك سر من البصرة إلى الكوفة أو لا تسر منها، أو ليتني سائر منها فلا يمكن الالتزام بان المعاني الحرفية جزئيات حقيقية (و لذا) اي و لاجل انه كثيرا ما يكون المستعمل فيه كليا (التجأ بعض الفحول) و لعله صاحب الفصول (قدس سره) (إلى جعله) أي جعل المستعمل فيه خاصا، بمعنى انه‏

25

جزئيا اضافيا، و هو كما ترى. و ان كانت هي الموجبة لكونه، جزئيا ذهنيا حيث إنه لا يكاد يكون المعنى حرفيا إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر، و من خصوصياته القائمة به و يكون حاله كحال العرض فكما لا يكون في الخارج إلا في الموضوع كذلك هو لا يكون في الذهن إلا في مفهوم آخر

____________

التزم بكون المستعمل فيه (جزئيا اضافيا) بالاضافة الى كلي فوقه، فان ابتداء السير من البصرة مثلا جزئي بالنسبة إلى مطلق الابتداء، و كلي بالنسبة إلى ما يندرج تحته من الابتداآت المتصورة في الخارج من البصرة (و هو كما ترى) فان الخصوصية اللاحقة للمعنى انما نشأت من الاطراف، و هي غير مأخوذ في ذات المعنى، كما هو ظاهر من ملاحظة المعاني الاسمية مع اطرافها كقولنا: ابتداء السير كان من البصرة، على ان الجزئية الاضافية مع كون المعنى كليا في نفسه لا تقتضي كونه من المعاني الحرفية، و الالزم أن يكون كثير من المعاني الاستقلالية معاني حرفية، و هو واضح الفساد، (و ان كانت) الخصوصية المتوهم دخلها في الموضوع له أو المستعمل فيه (هي الموجبة لكونه) أي المعنى (جزئيا ذهنيا) و منقوما باللحاظ، (حيث انه لا يكاد يكون المعنى حرفيا) و غير مستقل بالمفهومية، مقابلا للمعنى الاسمى القائم بنفسه (إلا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر) و بتبع حصول ما هو ملحوظ بالاستقلال، (و من) (خصوصياته القائمة به) بنحو من انحاء القيام (و يكون حاله كحال العرض) في عدم استقلاله بنفسه و عدم وجوده إلا بوجود غيره (فكما لا يكون) العرض متحققا (في الخارج إلا في الموضوع كذلك هو) اي المعنى اي المعنى الحرفي (لا يكون) متحققا (في الذهن إلا في مفهوم آخر) فحال المعاني الحرفية في الذهن حال الاعراض في الخارج فكما ان العرض في تحققه خارجا يحتاج إلى موضوع يقوم به كذلك المعنى‏

26

و لذا قيل في تعريفه بانه ما دل على معنى في غيره. فالمعنى و ان كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ بحيث يباينه إذا لوحظ ثانيا كما لوحظ اولا، و لو كان اللاحظ واحدا، إلا ان هذا اللحاظ لا يكاد يكون مأخوذا في المستعمل فيه و إلا فلا بد من لحاظ اخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة ان تصور المستعمل فيه مما لا بد منه في استعمال الالفاظ و هو كما ترى، مع انه يلزم ان لا يصدق‏

____________

الحرفي يتوقف في تحققه ذهنا إلى موضوع يتقوم به و هو المعنى الاسمى (و لذا قيل في تعريفه) أي تعريف الحرف (بانه ما دل على معنى في في غيره فالمعنى) الحرفي (و ان كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ) الآلي من حيث تقيده بالوجود الذهني (بحيث يباينه) أي هذا الجزئي الملحوظ، و يكون جزئيا اخر (إذا لوحظ) المعنى (ثانيا كما لوحظ اولا و لو كان اللاحظ واحدا) و كان المعنى في نفسه ايضا واحدا (الا ان هذا اللحاظ) المشخص للماهية ذهنا (لا يكاد يكون) قيدا (مأخوذا في المستعمل فيه في حد نفسه (و إلا فلا بد من لحاظ اخر) حال الاستعمال (متعلق بما هو ملحوظ) في نفسه (بهذا اللحاظ، بداهة ان تصور المستعمل فيه) و لحاظه (مما لا بد منه في استعمال الالفاظ و هو كما ترى) حيث انه يلزم منه ان يعرض اللحاظ على الملحوظ، و هو من باب عروض الوجود على الموجود، و ببيان آخر: ان كان اللحاظ الاستعمالي هو عين اللحاظ الذي اخذ قيدا للمعنى و جزء للمستعمل فيه، فيلزم تقدم الشي‏ء على نفسه فان اللحاظ الاستعمالي متأخر رتبة عن المستعمل فيه، فلو كان في رتبته لزم تقدمه على نفسه، و ان كان غيره لزم ما ذكر: من عروض اللحاظ على اللحاظ (مع انه يلزم ان لا يصدق) المعنى الحرفي بناء على تقيده باللحاظ الذهني‏

27

على الخارجيات، لامتناع صدق الكلي العقلي عليها حيث لا موطن له إلا الذهن، فامتنع امتثال مثل «سر من البصرة» إلا بالتجريد و إلقاء الخصوصية هذا مع انه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف الا كلحاظه في نفسه في الاسماء و كما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها، كذلك ذاك اللحاظ في الحروف كما لا يخفى، و بالجملة ليس المعنى في كلمة «من» و لفظ الابتداء مثلا إلا الابتداء فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه و مستقلا كذلك لا يعتبر في معناهما لحاظه في غيرها و آلة

____________

(على الخارجيات) في القضايا الخبرية و الانشائية (لامتناع صدق الكلي العقلي) اي الأمر الموجود في موطن العقل (عليها) اي على الخارجيات (حيث لا موطن له) اي للامر العقلي (الا الذهن، فامتنع امتثال مثل) قول الآمر: (سر من البصرة الا بالتجريد) أي تجريد المتكلم للمعنى عن اللحاظ (و إلقاء) تلك (الخصوصية) الموجبة لكون المعنى جزئيا ذهنيا (هذا مع انه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في) استعمال (الحروف) في معانيها (الا كلحاظه في نفسه في) استعمال (الأسماء) في معانيها (و كما لا يكون هذا اللحاظ) الاستقلالي (معتبرا) و مأخوذا لا شرطا و لا شطرا (في المستعمل فيه فيها) أي في الاسماء (كذلك ذك اللحاظ) الآلي (في الحروف) لا يعتبر فيما يستعمل فيه فيها (كما لا يخفى، و بالجملة ليس المعنى) المستعمل فيه (في كلمة من و لفظ الابتداء مثلا الا) معنى (الابتداء) و مفهومه غير المقيد لا باللحاظ الآلي و لا بالاستقلالي (فكما لا يعتبر في معناه) اي معنى الاسم (لحاظه في نفسه و مستقلا) و ان كان هذا اللحاظ مما لا بد منه حين الاستعمال (كذلك لا يعتبر في معناها) أي معنى الحروف (لحاظه في غيرها و آلة) فالمعنى المستعمل فيه الحروف هو بعينه المستعمل‏

28

و كما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيته فليكن كذلك فيها.

ان قلت: على هذا لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى و لزم كون مثل كلمة من و لفظ الابتداء مترادفين، صح استعمال كل منهما في موضع الآخر و هكذا سائر الحروف مع الاسماء الموضوعة لمعانيها و هو باطل بالضرورة كما هو واضح.

____________

فيه الاسماء، و الاختلاف انما هو من ناحية اللحاظ المتأخر عن ذات المعنى، (و كما لا يكون لحاظه فيه) أي لحاظ المعنى في الاسم مستقلا (موجبا لجزئيته) لأن اللحاظ كما بينا ليس من مقومات الموضوع له و لا المستعمل فيه (فليكن كذلك فيها) اي في الحروف أي فليكن لحاظ المعنى آلة غير موجب لجزئية المعنى. فالمصنف قد دفع اخذ الخصوصية في الموضوع له في الحروف بالنقض بالاسماء ثانيا، و بالحل اولا بما برهن عليه من الوجهين.

(ان قلت: على هذا) أي بناء على اتحاد المعنى الحرفي و الاسمي (لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى) حيث ان المعنى بذاته موضوع له و مستعمل فيه فلا فرق بينهما (و) عليه (لزم كون مثل كلمة من و لفظ الابتداء مترادفين) و معه (صح استعمال كل منهما في موضع الآخر) بحيث كان للمتكلم الخيار في تفهيم المعنى بكل واحد من اللفظين (و هكذا سائر الحروف مع الاسماء الموضوعة لمعانيها) ككلمة «في» و لفظ الظرفية (و هو باطل بالضرورة كما هو واضح) يعرفه كل احد حيث يرون ان الاسم و الحرف متغايران قسيمان لا يجوز استعمال احدهما في موضع الآخر.

29

قلت: الفرق بينهما انما هو في اختصاص كل منهما بوضع. حيث إنه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه، و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره كما مرت الاشارة اليه غير مرة.

فالاختلاف بين الاسم و الحرف في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال احدهما في موضع الآخر و ان اتفقا فيما له الوضع و قد عرفت بما لا مزيد

____________

[فى الفرق بين الاسماء و الحروف‏]

(قلت: الفرق بينهما انما هو في اختصاص كل منهما بوضع) مخصوص يغاير الآخر (حيث إنه وضع الاسم) مطلقا سواء ا كان بالوضع الخاص كاسماء الاعلام، أم بالوضع العام كاسماء الاجناس (ليراد منه معناه) حين استعماله فيه (بما هو هو و في نفسه و) وضع (الحرف ليراد منه معناه) حال الاستعمال (لا كذلك بل بما هو حالة لغيره) ملحوظة بتبعه بحيث لا يحكم عليه و لا به إلا بالتبع (كما مرت الاشارة اليه غير مرة) فالمعنى الموضوع له و ان كان امرا واحدا في وضع الاسم و الحرف الا ان العلقة الوضعية مقصودة في كل منهما بحالة خاصة فالحرف إذا استعمل في موضع الاسم كان استعماله فيما وضع له إلا انه بغير العلقة الوضعية على ما صرح به المصنف (قدس سره) في بحث المشتق.

(فالاختلاف بين الاسم و الحرف في الوضع) اي في العلقة الوضعية (يكون موجبا لعدم جواز استعمال احدهما في موضع الآخر) كاستعمال لفظ الابتداء فيما يلاحظ المعنى حالة لغيره، أو كلمة «من» فيما يلاحظ المعنى بنفسه (و ان انفقا فيما له الوضع) فان الموضوع له بذاته امر وجداني و انما التعدد و الاختلاف في امر خارج عنه، و هو اللحاظ (و) لا يعقل ان يكون هذا الاختلاف موجبا لتعدد المعنى إذ (قد عرفت بما لا مزيد

30

عليه ان نحو ارادة المعنى لا يكاد يمكن ان يكون من خصوصياته و مقوماته‏

____________

عليه ان نحو ارادة المعنى) و لحاظه سواء ا كان استقلاليا أم آليا (لا يكاد يمكن ان يكون من خصوصياته و مقوماته)، بل مما يتوقف عليه الاستعمال فان استعمال لفظ في معنى لا يعقل إلا بعد لحاظهما.

ثم لا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) من انكار جزئية المعنى الحرفي انما تتم فيما إذا كانت الجزئية ناشئة من اضافة خصوصية إلى المعنى فكانت الجزئية عرضية! لكن القائل بان الموضوع له في الحروف خاص، يريد ان المعنى بذاته خاص، لا ان له ماهية حتى بتخصص بالعوارض، فليس هو كسائر المعاني و المهيات ليكون تخصصه بأمر خارج عن ذاته، حتى يتمشى ما ذكره من ان تلك الخصوصية إما خارجية أو ذهنية، و لا يمكن اعتبار شي‏ء منهما في المعنى الموضوع له، أو المستعمل فيه على ما عرفت.

توضيح ذلك: ان الموجودات على اقسام ثلاثة موجود في نفسه لنفسه كالجواهر، و موجود في نفسه لغيره كالاعراض، و موجود لا في نفسه حيث لا ماهية له، و هو الرابط بين الشيئين اعنى النسب الخاصة فكلمة «من» مثلا وضعت للنسبة الإبتدائية، و النسبة ليست لها ماهية حتى تتخصص بما هو خارج عن ذاتها بل هي من اطوار و كيفيات وجود السير و البصرة، في قولك: «سرت من البصرة» فالمعنى الربطي بذاته خاص لا أنه معنى مرتبط بالغير، و إلا لزم ربط آخر فلا شيئية له في قبال الشيئين الذين هو رابط بينهما، و إلا كان هناك اشياء ثلاثة، و مست الحاجة إلى رابطتين، و هكذا، و هذا الرابط هو أمر وجودي خاص، لا انه شي‏ء له الوجود، و هو الذي يدل عليه الحرف أو ما يشابهه من هيئة الكلام:

و اليه الاشارة في المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال:

31

ثم لا يبعد ان يكون الاختلاف في الخبر و الانشاء ايضا كذلك فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية

____________

«الحرف ما اوجد معنى في غيره»، بعد قوله (عليه السلام) : «الاسم ما أنبأ عن المسمى، و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى،» و في رواية:

«الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل».

و لا يعقل لحاظ هذا الربط بحقيقة الربطية إلا تبعا، و عنوان النسبة و الربط و نحو ذلك مفاهيم اسمية نحكى عنه، عنوانا لا حقيقة و انما الدال عليه هو الحرف الذي لا يستعمل إلا بمدخول و متعلق، ثم ان المعنى الرابط تارة يكون مدلول الادوات مثل كلمة «من» و غيرها من الحروف الجارة و الحروف المشبهة و غيرها، و تارة تكون الدال عليها الهيئات في الماضي، و المضارع، و الأمر و النهى، و غير ذلك، و الحاصل: ليس معنى من، و إلى، و شبههما من الحروف الابتداء و الانتهاء، و إلا لزم في مثل قولك ابتدأت من البصرة عروض الابتداء على الابتداء، و هو غير معقول.

(ثم) ان المصنف (قدس سره) كما لم يفرق بين الاسم و الحرف من حيث ذات المعنى، و جعل الاختلاف بينهما في كيفية الوضع، لم يستبعد ذلك في غيرها فقال: (لا يبعد ان يكون الاختلاف في الخبر و الانشاء ايضا كذلك) يعني من ناحية الاختلاف في كيفية الوضع، و إلا لا فرق بين قولنا: «بعت» انشائيا، و اخباريا الا من حيث كيفية الاستعمال الجاري على قانون الوضع، ففي مقام الاخبار يستعمل بداعي الحكاية عن ثبوت معناه و تحققه في موطنه، بخلاف الانشاء، فانه يستعمل بداعي ايجاد المعنى و اثباته، و الا فاللفظ في كليهما بمعنى واحد و هو البيع المنسوب الى الفاعل، و على هذا (فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية

32

ثبوت معناه في موطنه، و الانشاء ليستعمل في قصد تحققه و ثبوته و ان اتفقا فيما استعملا فيه فتأمل.

____________

ثبوت معناه في موطنه) المناسب له سواء أكان خارجيا ام ذهنيا (و) يكون (الانشاء) موضوعا (ليستعمل في قصد تحققه و ثبوته) بنفس هذا الاستعمال، فهما مختلفان بحسب الوضع (و ان اتفقا فيما) وضع له و (استعملا فيه) ففي الجمل الاسمية التي تستعمل في كلا المقامين أو الجمل الفعلية التي تكون كذلك الموضوع له و المستعمل فيه امر واحد، و الاختلاف من ناحية العلقة الوضعية و الحاصل: أن قوام الإخبار و الإنشاء لما كان بالهيئات و الحروف، فتارة تكون هناك جملة اسمية كقولك: «هذا لك» مثلا، أو جملة فعلية كقولك: «بعت» مثلا قابلة للاخبار و الإنشاء معا، و «اخرى» تكون متمحضة في الاخبار، و ذلك فيما اذا كان المعنى امرا خارجيا عينيا غير قابل للايجاد في عالم الاعتبار، كقولك: «الانسان حيوان ناطق»، «أو الماء جسم سيال»، أو «زيد قائم»، إلى غير ذلك و «ثالثة» تكون متمحضة في الانشاء و ذلك فيما كان المعنى امرا ايقاعيا فقط كهيئات صبغ الأمر أو الحروف المستعملة في الكلام، الخاصة بالانشائيات كحرف التمنى و الترجي و غيرهما. و حينئذ ففيما كانت الجملة قابلة لكلا الامرين فالموضوع له، و المستعمل فيه أمر واحد لا محالة، فلا بد في تعيين المراد من قرينة معينة من حال أو مقال أو انصراف و نحو ذلك، و فيما لا يكون كذلك فهو صريح في احدهما (فتأمل) حتى لا يختلط عليك الامر فتتوهم ان المراد هو وحدة الموضوع له و المستعمل له في الجمل المتمحضة في الإنشاء و الجمل المتمحضة في الاخبار.

33

ثم انه قد انقدح مما حققناه انه يمكن ان يقال: ان المستعمل فيه في مثل أسماء الاشارة و الضماير ايضا عام و ان تشخصه انما نشاء من قبل طور استعمالهما، حيث ان اسماء الاشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها، و كذا بعض الضمائر و بعضها ليخاطب بها المعنى، و الاشارة و التخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى. فدعوى ان المستعمل فيه‏

____________

[المستعمل فيه في مثل أسماء الاشارة و الضماير]

(ثم انه قد انقدح مما حققناه) و برهنا عليه في الحروف (انه يمكن ان يقال: ان المستعمل فيه في مثل أسماء الاشارة) كهذا، و هؤلاء (و الضماير) كهو، و هما (ايضا) معنى (عام) متحد في نفسه (و ان تشخصه انما نشاء من قبل طور استعمالها) أي الكيفية الجارية على طبق قانون الوضع (حيث ان اسماء الاشارة) على انحائها من المذكر، و المؤنث و غير ذلك (وضعت ليشار بها) حال استعمالهما (إلى معانيها) فكلمة «ذا» مثلا موضوعة للمفرد المذكر الذي هو معنى كلي في نفسه لأجل ان يشار بهذه الكلمة عند الاستعمال إلى ذلك المعنى، فالخصوصية الطارئة قد لحقته بسبب امر خارج عن ذاته متأخر عنه رتبة، فلا يعقل ان تكون مأخوذة فيه، و لعل ابن مالك اراد ذلك، حيث قال: «بذا لمفرد مذكر أشر» (و كذا) يكون الوضع لأجل الاشارة إلى المعنى في (بعض الضمائر) اعنى ضمير الغائب و المتكلم (و بعضها) كضمير الخطاب وضعت (ليخاطب بها المعنى) حين الاستعمال (و الاشارة و التخاطب) اللذان يعتبران في مرحلة الاستعمال هما اللذان (يستدعيان التشخص) و جزئية المعنى، و الا فالموضوع له امر كلى كما في الحروف، و قد عرفت ان التشخص في مرحلة الاستعمال لا يقتضى جزئية الموضوع له أو المستعمل فيه (كما لا يخفى. فدعوى ان المستعمل فيه)

34

في مثل هذا أو هو أو اياك انما هو المفرد المذكر، و تشخصه انما جاء من قبل الاشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ اليه فان الاشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلا إلى الشخص أو معه غير مجازفة.

فتلخص مما حققناه ان التشخص الناشى من قبل الاستعمالات لا يوجب تشخص المستعمل فيه، سواء كان تشخصا خارجيا، كما في مثل اسماء الاشارة أو ذهنيا كما في مثل اسماء الاجناس و الحروف و نحوهما

____________

و الموضوع له (في مثل هذا او هو أو اياك انما هو) طبيعي (المفرد و المذكر و تشخصه) في مقام الاستعمال (انما جاء من قبل) امر خارج عن ذات المعنى اعنى به (الاشارة أو التخاطب) من المتكلم (بهذه الالفاظ اليه) أي إلى ذلك المعنى (فان الاشارة أو التخاطب) في الخارج (لا يكاد يكون الا إلى الشخص) في اسم الاشارة و نحوه (أو معه) أي مع الشخص في ضمير الخطاب (غير مجازفة) و لا يخفى ان مراده (قدس سره) بقوله:

ليشار بها، غير ما ربما يقال من جعل الواضع هذه الالفاظ آلة للاشارة في قبال آلاتها الطبيعية، كالاشارة باليد و الحاجب، من دون ان يكون للفظ معنى موضوع له، بل مراده ما ذكرناه من ان اللحاظ الاستعمالي يكون مقرونا بالاشارة و التخاطب، و الشاهد عليه كلامه حيث قال: «انه وضع ليشار بها إلى معانيها»، ففرض لأسماء الاشارة معنى تدل عليه.

(فتلخص مما حققناه) في المقام (ان التشخص) اللاحق للمعنى المستعمل فيه (الناشى من قبل الاستعمالات) اسمية كانت أو حرفية (لا يوجب تشخص المستعمل فيه) في شي‏ء من الموارد بل لا يعقل ذلك (سواء كان) ذلك التشخص الاستعمالي (تشخصا خارجيا كما في مثل اسماء الاشارة) و الضمائر (أو ذهنيا كما في مثل اسماء الاجناس و الحروف و نحوهما) من‏

35

من غير فرق في ذلك اصلا بين الحروف و اسماء الاجناس. و لعمري هذا واضح. و لذ ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصا في الحروف عين و لا اثر، و انما ذهب اليه بعض من تأخر، و لعله لتوهم كون قصده بما هو في غيره من خصوصيات الموضوع له أو المستعمل فيه و الغفلة عن أن قصد المعنى من لفظه على انحائه لا يكاد يكون من شؤونه و اطواره و الا فليكن قصده بما هو هو و في نفسه كذلك، فتأمل في المقام فانه دقيق‏

____________

من اسماء الاعلام و الهيئات (من غير فرق في ذلك اصلا بين) معاني (الحروف) و ما الحق بها (و) معاني (اسماء الاجناس و لعمري هذا واضح) على ما سلكه من انحصار الخصوصية التي ذهب اليها القائل بها في الخصوصية الطارئة على ذات المعنى من الخصوصيات الخارجية أو الذهنية، (و لذا ليس في كلام القدماء من) القسم الثالث اعنى (كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصا) مع عموم الوضع (في الحروف) و ما الحق بها (عين و لا اثر، و انما ذهب اليه) أي إلى ان المستعمل فيه أو الموضوع له خاص (بعض من تأخر) كصاحب الفصول تبعا للمحقق الشريف (و لعله لتوهم كون) لحاظ المعنى و (قصده بما هو) حالة (في غيره) بحيث يكون ملحوظا بتبعه (من خصوصيات الموضوع له أو المستعمل فيه) و قد عرفت فساد هذا التوهم (و) انه انما نشاء من (الغفلة عن ان قصد المعنى من لفظه) حين استعماله فيه (على انحائه) استقلاليا كان أو آليا (لا يكاد يكون من شؤونه و اطواره) لأستحالة اخذ المتأخر في المتقدم (و إلا فليكن قصده بما هو هو) كما في الاسماء (و في نفسه كذلك) مع ان القائلين بجزئية المعاني الحرفية لم يلتزموا بذلك و إلا لم يلتزموا بالتفرقة بين المعاني الحرفية و الاسمية (فتأمل في المقام فانه دقيق) و به حقيق‏

36

و قد زل فيه اقدام غير واحد من اهل التحقيق و التدقيق.

الثالث- صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له هل هو بالوضع أو بالطبع و جهان، بل قولان و اظهرهما انه بالطبع‏

____________

(و قد زل فيه اقدام غير واحد من اهل التحقيق و التدقيق) لكنك عرفت فيما قدمناه من ان الخصوصية التي يقول بها القائل انما هو امر ذاتي للمعنى الحرفي حيث انه عبارة عن الكون الربطي اعنى النسبة و هي بذاته خاص لا انها معنى عرضت له الخصوصية، و اسماء الاشارة، و الضمائر، وضعت لحصص المعنى الطبيعي، حين توجه النفس اليها، و لعل «ابن الحاجب» يريد ذلك حيث يقول: «اسم الإشارة ما وضع لمشار اليه».

[الأمر الثالث الاستعمالات المجازيه هل هى بالوضع ام بالطبع؟]

الأمر (الثالث) ان (صحة استعمال اللفظ) مع القرينة (فيما) لا يكون موضوعا له بل معنى مجازيا له (يناسب ما وضع له) بنحو من انحاء المناسبات العرفية العقلائية (هل هو بالوضع) النوعي يعني انه ترخيص من الواضع بنحو العموم في استعمال ما وضعه من الالفاظ في المعاني التي بينها و بين المعاني الحقيقية شي‏ء من العلائق الخمس و العشرين التي ذكرها أهل البيان، فيكون ذلك منه وضعا ثانويا بنحو الكلية، في قبال الأوضاع الشخصية، و قد ذهب إلى ذلك جمع نظرا إلى ان استعمال الالفاظ توقيفي فاللازم ثبوت الرخصة من الواضع (أو بالطبع) العقلائي فانهم إذا شاهدوا وضع اللفظ لمعنى، فبالطبع يرون جواز استعماله فيما يناسب معناه، و يمكن ان يريد بقوله بالطبع انه لما كان اللفظ قد حدث بينه و بين المعنى ارتباط و مناسبة فبطبع الحال يحدث بينه و بين ما يناسب المعنى نحو من الارتباط و المناسبة فيجوز استعماله فيه، فان الملاك في الجواز و الصحة هو الارتباط و المناسبة، (و جهان بل قولان) أوجههما (و اظهرهما انه بالطبع) من دون حاجة إلى صدور

37

بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه و لو مع منع الواضع عنه، و باستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه و لو مع ترخيصه، و لا معنى لصحته إلا حسنه. و الظاهر ان صحة استعمال اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله كما تأتي الإشارة إلى تفصيله‏

الامر الرابع- لا شبهة في صحة اطلاق اللفظ و ارادة نوعه كما إذا

____________

وضع و ترخيص من الواضع (بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه) أي استعمال اللفظ فيما يناسب معناه الموضوع له (و لو مع منع الواضع عنه) فان اللفظ إذا ناسب معناه من جهة الوضع ناسب ما يناسبه ايضا، لان مناسب المناسب مناسب لا محالة (و) بشهادة الوجدان (باستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه و لو مع ترخيصه) فلو كان الأمر في ذلك منوطا بنظر الواضع لما كان الوجدان يشهد بخلافه، و لا يخفى ان الغالب مما يساعد عليه الوجدان، و الطبع العقلائي هو ما إذا صح تنزيل المعنى المجازي منزلة المعنى الحقيقي، و ادعاء انه هو، و في غيره لا بد من رعاية المناسبات الجلية التي ترتضيها الطباع العقلائية (و) إذا حسن الاستعمال كان صحيحا، اذ (لا معنى لصحته الا حسنه) فلا مجال لتوهم ان مجرد الحسن من دون الترخيص لا اثر له (و الظاهر ان صحة استعمال اللفظ في نوعه) كقولك فلان اسمه محمد أو علي، أو سميت هذا الطفل حسنا أو حسينا و ما اشبه ذلك حيث استعمل اللفظ في كل مركب من هذه الاحرف المتهيئة بهذه الهيئة (أو مثله) كما تقول: محمد- في قولك: قال محمد- فاعل (من قبيله) أي من قبيل استعمال اللفظ فيما يناسبه بمقتضى الاستحسان الطبيعي (كما تأتي الاشارة إلى تفصيله)

[الأمر (الرابع‏فى اطلاق اللفظ و ارادة نوعه او صنفه‏]

الأمر (الرابع- لا شبهة في صحة اطلاق اللفظ و ارادة نوعه به)، كما هو المتداول فيما اذا اريد بيان حكم ثابت على نوع اللفظ، (كما إذا

38

قيل: «ضرب»- مثلا- فعل ماض. أو صنفه كما اذا قيل: «زيد» في «ضرب زيد» فاعل إذا لم يقصد به شخص القول. أو مثله كضرب في المثال فيما إذا قصد.

و قد اشرنا الى ان صحة الاطلاق كذلك و حسنه انما كان بالطبع لا بالوضع و الا كانت المهملات موضوعة لذلك، لصحة الاطلاق كذلك‏

____________

قيل:- ضرب- مثلا فعل ماض) فضرب هنا اسم حاك عن مواد الحروف المتهيئة بهذه الهيئة (أو) ارادة (صنفه كما إذا قيل) (: زيد في ضرب زيد فاعل) أو في زيد قائم مبتدأ (إذا لم يقصد به شخص القول) فاستعمل زيد و حكى به عن صنف خاص و هو ما كان متلو ضرب و مرفوعا به فيعم شخص القول و ما صدر عن أي متكلم كان، و كذلك ما كان مقدما على كلمة قائم و مرفوعا (أو) ارادة (مثله كضرب في المثال، فيما إذا قصد) شخص القول بان اريد بكلمة زيد خصوص الواقع في جملة «ضرب زيد» الصادرة من المتكلم، و لا يخفى ان حق العبارة في المقام ان يقال كزيد في المثال فيما إذا قصد شخص القول لا ما ذكره (قدس سره) (و قد اشرنا إلى ان صحة الاطلاق كذلك و حسنه انما كان بالطبع) العقلائي على ما يشهد به الوجدان (لا بالوضع و الا كانت المهملات) حينما تستعمل و يراد بها نوعها أو صنفها أو مثلها (موضوعة لذلك) توضيحه انه لو كان استعمال اللفظ في غير الموضوع له في مثل قولك «ضرب فعل ماض» بالوضع النوعي، لا بالطبع العقلائي يلزم ان يكون استعمال المهملات كذلك استعمالا حقيقيا وضعيا، حيث انه لا يمكن ان يقال: انه استعمل مجازا في المعنى الذى اريد منه اعني نوعه و صنفه في قولك «ديز مهمل» من حيث ان المجاز يستلزم الحقيقة، و حيث لا حقيقة فلا مجاز، بل لا بد ان يقال:

ان المهملات موضوعة لهذا المعنى أي نوعه و صنفه (لصحة الاطلاق كذلك‏

39

فيها و الالتزام بوضعها لذلك كما ترى، و اما اطلاقه و ارادة شخصه، كما إذا قيل: زيد لفظ و اريد منه شخص نفسه ففي صحته بدون تأويل نظر، لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول أو تركب القضية من جزئين كما في الفصول. بيان ذلك انه إن اعتبر دلالته على نفسه حينئذ لزم الاتحاد و الا لزم تركبها من جزئين لأن القضية اللفظية على هذا انما تكون حاكية عن المحمول و النسبة لا الموضوع فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزئين مع امتناع التركب إلا من الثلاثة، ضرورة

____________

فيها و الالتزام بوضعها لذلك) اي للمعنى المستعمل فيه حينما يراد منه نوعه (كما ترى) من لزوم الخلف (و اما اطلاقه و ارادة شخصه، كما إذا قيل (: زيد لفظ) أو صادر من لساني (و اريد منه شخص نفسه ففي صحته) و كونه من الاستعمالات الجائزة (بدون تأويل) و لو بالتعمل العقلي (نظر لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول) مع انهما متقابلان، فان الدالية و المدلولية عنوانان متضائفان، فبينهما التقابل بالتضائف، و يستحيل اجتماع المتقابلين في أمر واحد (أو) استلزامه (تركب القضية من جزئين) مع ان ذلك غير جائز (كما في الفصول بيان ذلك انه ان اعتبر) المتكلم باللفظ (دلالته على نفسه حينئذ) أي حين اطلاقه و ارادة شخصه (لزم الاتحاد) المذكور (و الا) اي و ان لم يعتبر دلالته على نفسه، و المفروض انه لم يعتبر دلالته على شي‏ء آخر (لزم تركبها) اي تركب القضية التي يخبر بها المتكلم (من جزئين لان القضية اللفظية على هذا) التقدير (انما تكون حاكية عن المحمول و النسبة لا الموضوع) و ذلك باطل (فتكون القضية) المعقولة (المحكية بها) اي بالملفوظة (مركبة من جزئين) احدهما المحمول و الآخر النسبة (مع امتناع التركب) في جميع القضايا (الا من) الاجزاء (الثلاثة، ضرورة

40

استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين، قلت: يمكن ان يقال: انه يكفى تعدد الدال و المدلول اعتبارا، و ان كانا متحدين ذاتا، فمن حيث انه صادر عن لافظه كان دالا و من حيث ان نفسه و شخصه مراده كان مدلولا، مع ان حديث تركب القضية من جزئين لو لا اعتبار الدلالة في البين انما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه و إلا كان اجزائها الثلاثة تامة و كان المحمول فيها

____________

استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين)، و لا معنى للالتزام بعدم النسبة، فانها تخرج عن كونها قضية، مع انا نرى بالوجدان ان المتكلم يريد الاخبار، و هو يتضمن النسبة لا محالة (قلت: يمكن ان) (يقال: انه يكفى) في (تعدد الدال، و المدلول) تعددهما (اعتبارا، و ان كانا متحدين ذاتا) فان التقابل بين المتلازمين بنحو التضائف لا يستلزم التعدد الخارجي، بل تارة يكون كذلك، و أخرى لا يكون في الخارج الا أمر واحد كما ورد «يا من دل على ذاته بذاته»، و عليه فنقول: التعدد الاعتباري متحقق في المقام (فمن حيث انه) لفظ (صادر عن لافظه كان دالا) و حاكيا، (و من حيث ان نفسه و شخصه) حسب الفرض (مراده كان مدلولا) و محكيا، و بعبارة اخرى ان المتكلم حينما يتكلم فتكلمه و تلفظه عبارة عن ايجاد اللفظ، فهذه الجهة حيثية الدلالة، و من حيث ان هذا اللفظ قد صدر منه بالاختيار فلا بد من كونه قاصدا له فهو مقصوده، و هذه الجهة حيثية المدلولية (مع ان حديث تركب القضية) المحكية (من جزئين) اعني المحمول و النسبة (لو لا اعتبار الدلالة في البين انما يلزم إذا لم يكن الموضوع) في القضية (نفس شخصه) بان كان هو بعينه مسندا اليه (و إلا كان اجزائها الثلاثة) الموضوع و المحمول و النسبة (تامة و كان المحمول فيها

41

منتسبا إلى شخص اللفظ و نفسه، غاية الأمر انه نفس الموضوع لا الحاكى عنه فافهم، فانه لا يخلو من دقة. و على هذا ليس من باب استعمال اللفظ بشي‏ء بل يمكن ان يقال: انه ليس ايضا من هذا الباب ما إذا اطلق اللفظ و اريد به نوعه أو صنفه، فانه فرده و مصداقه حقيقة لا لفظه، و ذاك معناه كى يكون مستعملا فيه استعمال اللفظ في المعنى، فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى الى المخاطب خارجا قد احضر في ذهنه بلا وساطة حاك و قد

____________

منتسبا إلى شخص اللفظ و نفسه غاية الأمر) لا توصف القضية بانها لفظية حكائية بجميع اجزائها حيث (انه) يكون المسند اليه حينئذ (نفس الموضوع لا الحاكي عنه فافهم فانه لا يخلو عن دقة، و على هذا) البيان (ليس) الاتيان بالموضوع في القضية (من باب استعمال اللفظ) في معناه (بشي‏ء) لأن الاستعمال عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ كما مر آنفا و هاهنا ليس كذلك بل هو ايجاد الموضوع بنفسه في الخارج، (بل يمكن ان يقال: انه ليس ايضا من هذا الباب) اي من باب استعمال اللفظ في المعنى (ما إذا اطلق اللفظ و) لم ينظر إلى خصوصياته بل (اريد به نوعه او صنفه) فان الموجود الخارجي هو الكلي الطبيعي بعينه، فالمتلفظ به هو نفس الكلي (فانه فرده و مصداقه حقيقة لا لفظه، و ذاك معناه) مثل قولك «ضرب لفظ» أو قولك «زيد- فى ضرب زيد- فاعل» و نحو ذلك، فمراده (قدس سره) ان نحو هذا الاطلاق يمكن ان لا يكون استعمالا في الحقيقة بل هو ايجاد الموضوع، لان الكلي و الفرد بينهما اتحاد و عينية، لا ان احدهما لفظ و الثاني معناه (كي يكون) اللفظ (مستعملا فيه استعمال اللفظ في المعنى) و على ما ذكر (فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجا) بداعي تفهيم نفسه له، و (قد احضر بذهنه بلا وساطة حاك) عنه، (و قد

42

حكم عليه ابتداء بدون واسطة اصلا لا لفظه كما لا يخفى. فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى، بل فرد قد حكم في القضية عليه بما هو مصداق لكلى اللفظ لا بما هو خصوص جزئية نعم. فيما إذا اريد به فرد آخر، مثله كان من قبيل استعمال اللفظ في المعنى اللهم، الا ان يقال: ان لفظ ضرب و ان كان فردا له الا انه اذا قصد به حكايته و جعل عنوانا له و مرآنه كان لفظه المستعمل فيه، و كان حينئذ كما اذا قصد به فرد مثله، و بالجملة اذا اطلق و اريد به نوعه‏

____________

حكم عليه ابتداء) بما يناسبه من المحمول (بدون واسطة اصلا) لعدم الحاجة اليها (لا) ان الملقى إلى المخاطب خارجا (لفظه) و الموضوع شي‏ء آخر محكي به (كما لا يخفى. فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى) على حد الاستعمالات المتعارفة (بل فرد قد حكم في القضية عليه) بشي‏ء (بما هو مصداق لكلي اللفظ) باسقاط الخصوصيات بحسب اللحاظ فيكون الحكم ثابتا للكلي (لا) للفرد الخارجي (بما هو خصوص جزئيه) كما كان هو الحال فيما اريد به شخص نفسه (نعم فيما إذا اريد به فرد آخر مثله كان) لا محالة (من قبيل استعمال اللفظ في المعنى) لمكان التغاير بينهما فلا محيص عن المصير إلى كونه مستعملا فيه، (اللهم إلا ان يقال) فيما إذا اطلق اللفظ و اريد به نوعه، كان من باب استعمال اللفظ في معناه و (ان لفظ ضرب) في المثال (و ان كان فردا له إلا انه إذا قصد به) أي بذلك اللفظ (حكايته) عن نوعه (و جعل عنوانا له و مرآته، كان لفظه المستعمل فيه) حيث ان بينهما المغايرة نحو مغايرة الطبيعي و فرده، (و كان حينئذ كما اذا قصد به فرد مثله) في انه من استعمال اللفظ في المعنى، (و بالجملة إذا اطلق) اللفظ، (و اريد به نوعه) بحيث اريد تفهيم نوعه و الدلالة

43

كما إذا اريد به فرد مثله كان من باب استعمال اللفظ في المعنى و ان كان فردا منه و قد حكم في القضية بما يعمه، و ان اطلق ليحكم عليه بما هو فرد كليه و مصداقه لا بما هو لفظه و به حكايته، فليس من هذا الباب، لكن الاطلاقات المتعارفة ظاهرا ليست كذلك كما لا يخفى، و فيها ما لا يكاد يصح ان يراد منه ذلك، مما كان الحكم في القضية لا يكاد يعم شخص اللفظ، كما في مثل ضرب فعل ماض.

____________

عليه باللفظ (كما إذا) اطلق و (اريد به فرد مثله كان) الاطلاق (من باب استعمال اللفظ في المعنى) لحصول نحو المغايرة بينهما المصححة للاستعمال (و ان كان) اللفظ في حد نفسه (فردا منه) أي من المعنى (و قد حكم في القضية بما يعمه)، فان المحمول المسند إلى النوع يشمل هذا الفرد لا محالة (و ان اطلق) اللفظ (ليحكم عليه بما هو فرد كليه و) بما هو (مصداقه) إذا كان بينهما نحو من الاتحاد و العينية (لا بما هو لفظه و به حكايته، فليس من هذا الباب) أي ليس من باب الاستعمال في شي‏ء، و الحاصل انه قد يؤتى باللفظ و يراد به نوعه على نحو استعمال اللفظ في المعنى، و قد يؤتى به بما انه نفس الموضوع المحكوم عليه في القضية، فلا يكون في البين حاك و محكى و هذا ايضا و ان كان امرا ممكنا في نفسه (لكن الاطلاقات المتعارفة ظاهرا ليست كذلك) بل هي من قبيل استعمال اللفظ في المعنى (كما لا يخفى) بل (و فيها ما لا يكاد يصح ان يراد منه ذلك) فتعين ان يكون الاطلاق على نحو الاستعمال، و ذلك فيما إذا كان اللفظ (مما كان الحكم) المذكور (في القضية لا يكاد يعم شخص) ذلك (اللفظ) فلا مناص حينئذ من الالتزام بالاستعمال (كما في مثل ضرب فعل ماض) ضرورة ان كلمة ضرب فيه ليس بفعل بل هو اسم وقع مبتدأ، و يستحيل‏

44

الخامس- لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بازاء معانيها من حيث هي، لا من حيث هي مرادة للافظها، لما عرفت بما لا مزيد عليه من ان قصد المعنى على انحاءه من مقومات الاستعمال، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه، هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل و الاسناد في الجمل بلا تصرف في الفاظ الاطراف مع، انه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح، بدونه، بداهة ان المحمول على زيد في «زيد قائم» و المسند اليه في «ضرب زيد» مثلا هو نفس القيام‏

____________

ان يحمل عليه مضمون الخبر.

[الامر الخامس الدلالة تابعة للارادة]

الامر (الخامس لا ريب في كون الالفاظ موضوعة بازاء معانيها) الملحوظة لدى الواضع (من حيث هي) معان ممتازة في انفسها (لا من حيث هي مرادة للافظها) بحيث تكون ارادة اللافظ جزء و قيدا (لما عرفت) في المعاني الحرفية (بما لا مزيد عليه) (من ان قصد المعنى على انحائه) و اطواره من الآلية و الاستقلالية (من مقومات الاستعمال) المتأخر طبعا عن ذات المستعمل فيه و الموضوع (فلا يكاد يكون) قصد المعنى و ارادته (من قيود المستعمل فيه) و الا لزم اخذ المتأخر في المتقدم، فيلزم تقدم الشي‏ء على نفسه، و هو محال (هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل) في الجمل الاسمية (و) صحة (الاسناد في الجمل) الفعلية (بلا تصرف في الفاظ الاطراف) بتجريدها عن قيد قصد المعنى و ارادته (مع انه لو كانت) الالفاظ (موضوعة لها) اي للمعاني (بما هي مرادة) للافظها (لما صح) الحمل و الاسناد (بدونه) اي بدون التصرف في الطرفين (بداهة ان المحمول على زيد في) قضية (زيد قائم و) الفعل (المسند إليه) اي إلى زيد (في) قضية (ضرب زيد مثلا هو نفس القيام‏

45

و الضرب لا بما هما مرادان، مع انه يلزم كون وضع عامة الالفاظ عاما و الموضوع له خاصا، لمكان اعتبار خصوص ارادة اللافظين فيما وضع له اللفظ فانه لا مجال لتوهم اخذ مفهوم الارادة فيه كما لا يخفى. و هكذا الحال في طرف الموضوع، و اما ما حكى عن العلمين: الشيخ الرئيس و المحقق الطوسي من مصيرهما إلى ان الدلالة تتبع الارادة فليس ناظرا إلى كون الالفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة كما توهمه بعض الافاضل.

____________

و الضرب) بواقعهما (لا بما هما مرادان) للمتكلم، و قس على ذلك سائر الجمل الاسمية و الفعلية التي تقضى الضرورة بانه لا يحمل و لا يسند فيها الاذوات المعانى (مع انه يلزم) من فرض تقييد المعانى بالارادة (كون وضع عامة الالفاظ) و جميعها (عاما و الموضوع له) فيها (خاصا لمكان اعتبار خصوص ارادة اللافظين) اي ارادتهم الخارجية المتحققة حين التلفظ (فيما وضع له اللفظ) فيلزم ان يكون الموضوع له خاصا في عامة الالفاظ (فانه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الارادة فيه) فانه واضح الفساد (كما لا يخفى) بداهة ان مفهومها على حد سائر المفاهيم، و اعتباره في الموضوع له في جميع الالفاظ مجازفة واضحة، بل هو من اللغو الظاهر. هذا في طرف المحمول و المسند (و هكذا الحال في طرف الموضوع) اي لما ذكر آنفا (و اما ما حكي عن العلمين الشيخ الرئيس) ابى على بن سينا (و المحقق الطوسى) نصير الدين (قدس سره) (من مصيرهما إلى ان الدلالة تتبع الارادة فليس) المحكى عنهما (ناظرا الى) هذا القول و هو (كون الالفاظ موضوعة للمعانى بما هى مرادة كما توهمه بعض الافاضل) و لعله صاحب الفصول (قدس سره) »

و منشأ توهمه كلام العلامة (قدس سره) في «الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد» بعد ما اورد الاشكال المعروف على حدود الدلالات الثلاث، من‏

46

بل ناظر إلى ان دلالة الالفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية أي دلالتها على كونها مرادة للافظها تتبع ارادتها منها و يتفرع عليها، تبعية مقام الاثبات للثبوت، و تفرع الكشف على الواقع المكشوف، فانه لو لا الثبوت في الواقع لما كان للاثبات و الكشف و الدلالة مجال، و لذا لا بد من احراز كون المتكلم بصدد الافادة

____________

انتقاض بعضها ببعض قال: «و لقد اوردت هذا الاشكال على المصنف (قدس سره) فاجاب بان اللفظ لا يدل بذاته على معناه، بل باعتبار القصد و الارادة، و اللفظ حين يراد منه معناه المطابقى، لا يراد منه معناه التضمنى، فهو انما يدل على معنى واحد لا غير» انتهى.

و انت ترى ليس كلامهما ناظرا الى تبعية الدلالة الوضعية اعنى التصورية التي يكفي فيها العلم بالوضع، و تحصل بمجرد سماع اللفظ و لو من لافظ غير قاصد و لا شاعر (بل) هو (ناظر إلى ان دلالة الالفاظ) (على معانيها) حين استعمالها (بالدلالة التصديقية اي) التي ينوط بها ظهور الالفاظ في مقام (دلالتها على) المعانى من حيث (كونها مرادة للافظها) القاصد بيانها (تتبع ارادتها) اي ارادة المعاني (منها) اي من الالفاظ (و يتفرع) هذه الدلالة (عليها) اي على الارادة (تبعية مقام الاثبات للثبوت) في نفس الامر (و تفرع الكشف) و الكاشف (على) مضائفه من (الواقع المكشوف فانه لو لا) ان الارادة لها (الثبوت في الواقع لما كان للاثبات و الكشف و الدلالة مجال) و كان ذلك كله مسلوبا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع (و لذا لا بد من احراز كون المتكلم) في مقام البيان و (بصدد الافادة) حتى تتم لكلامه الدلالة التصديقية، و ينعقد له الظهور، نعم يكفي في الاحراز جريان اصالة البيان، التي هي اصل عقلائي، ببنى عليه عند الشك في كون‏

47

في اثبات ارادة ما هو ظاهر كلامه و دلالته على الارادة و الا لما كانت لكلامه هذه الدلالة و ان كانت له الدلالة التصورية أي كون سماعه موجبا لاخطار معناه الموضوع، له و لو كان من وراء الجدار أو من لافظ بلا شعور و اختيار

ان قلت: على هذا يلزم ان لا يكون هناك دلالة عند الخطأ و القطع بما ليس بمراد أو الاعتقاد بارادة شي‏ء و لم يكن له من اللفظ مراد.

قلت: نعم لا يكون حينئذ دلالة

____________

المتكلم في مقام بيان مرامه من كلامه، و بالجملة لا محيص (في) مقام الاخذ بظهور الكلام و (اثبات ارادة) المتكلم (ما هو) مؤدى (ظاهر كلامه و دلالته) اي دلالة ظاهر كلامه (على) هذه (الارادة) عن ذلك الاحراز و لو بمؤنة الاصل (و الا) اي و ان لم يحرز كونه في مقام الافادة (لما كانت لكلامه هذه الدلالة) التصديقية و الظهور الاستعمالى الذي عليه المدار في مقام الاحتجاج، و سائر انواع الافادات و الاستفادات (و ان كانت له) اي لكلامه (الدلالة التصورية اي كون سماعه) لدى العارف بالوضع (موجبا لاخطار معناه الموضوع له) في ذهنه (و لو كان) السماع من وراء الجدار أو) كان اللفظ صادرا (من لافظ بلا شعور و اختيار) و الحاصل:

المعقول من تبعية الدلالة للارادة هي تبعية الدلالة التصديقية لارادة المتكلم لفهم مراده، و اما الدلالة التصورية فهي غير تابعة للارادة كما عرفت‏

(ان قلت: على هذا) أي بناء على ان الدلالة التصديقية تابعة للارادة (يلزم ان لا يكون هناك دلالة عند) ما يتحقق (الخطأ) من السامع (و) يحصل له (القطع بما ليس بمراد) و قد كان المراد شيئا آخر (أو) عند حصول (الاعتقاد) من السامع (بارادة شي‏ء و لم يكن له) أي للمتكلم (من اللفظ مراد) اصلا.

(قلت: نعم لا يكون حينئذ دلالة) حيث لا يعقل ثبوت الكاشف‏

48

بل يكون هناك جهالة و ضلالة يحسبها الجاهل دلالة. و لعمري ما افاده العلمان من التبعية- على ما بيناه- واضح لا محيص عنه بل البرهان يقتضيه، و لا يكاد ينقضي تعجبى كيف رضي المتوهم ان يجعل كلامهما ناظرا إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل فضلا عمن هو علم في التحقيق و التدقيق.

السادس- لا وجه لتوهم وضع للمركبات غير وضع المفردات ضرورة عدم الحاجة اليه بعد وضعها بموادها في مثل زيد قائم، و ضرب عمرو بكرا شخصيا و بهيئاتها المخصوصة من خصوص اعرابها نوعيّا و منها خصوص هيئات المركبات الموضوعة لخصوصيات‏

____________

بلا مكشوف (بل يكون هناك جهالة) بالجهل المركب (و ضلالة) عن الوصول إلى الواقع (يحسمها الجاهل دلالة) و يرتب عليها اثارها (و لعمري ما افاده العلمان من التبعية على ما بيناه واضح لا محيص عنه) بل البرهان يقتضيه، (و لا يكاد ينقضي تعجبي كيف رضي المتوهم) الذي لم يعط للنظر حقه (ان يجعل كلامهما ناظرا إلى) القول بان الدلالة التصورية تتبع الارادة فهذا (ما لا ينبغي صدوره عن فاضل فضلا عمن هو علم في التحقيق و التدقيق).

[الامر (السادس لا وضع للمركبات غير وضع المفردات‏]

الامر (السادس لا وجه لتوهم وضع المركبات) اسمية كانت أو فعلية (غير وضع المفردات) التي يأتلف منها و هي الفاظ المسند و المسند اليه، و الهيئة الدالة على الاسناد (ضرورة عدم الحاجة اليه) أي إلى هذا الوضع الاخر للمجموع من الهيئة و المادة منضمة (بعد وضعها) أي المركبات (بموادها في مثل زيد قائم، و ضرب عمرو بكرا) وضعا (شخصيا و بهيئاتها المخصوصة من خصوص) حركات (اعرابها) الدالة على الاسناد الكلامى و النسبة التركيبية وضعا (نوعيا و) من جملة الهيئات ما كان (منها) لأجل إفادة شؤون، اخر مثل (خصوص هيئات المركبات الموضوعة لخصوصيات)

49

النسب و الاضافات بمزاياها الخاصة من تأكيد أو حصر و غيرهما، نوعيا، بداهة ان وضعها كذلك واف بتمام المقصود منها، كما لا يخفى من غير حاجة إلى وضع آخر لها بجملتها.

____________

امور زائدة على أصل الاسناد، بل كانت من أطواره و انحائه التي قد يحتاج المتكلم إلى تفهيمها، اعنى كيفيات (النسب و الاضافات بمزاياها الخاصة) التي يتكلفها الكلام (من تأكيد) لمضمون الجملة (أو حصر) المسند اليه في المسند و بالعكس، (و غيرهما) من الامور التي يحتاج إلى تفهيمها، وضعا (نوعيا، بداهة ان وضعها) يعني المركبات (كذلك) أي بموادها و هيئاتها (واف بتمام المقصود منها كما لا يخفى من غير حاجة إلى وضع آخر لها) أي للمركبات (بجملتها) من الاجزاء الثلاثة، فلا حكمة في وضع آخر لها، هذا.

و قد أورد سيدنا الاستاذ دام ظله هنا اشكالا و دفعا و هو: ان القائل بأن للمركبات وضعا آخر إن اراد أن لها وضعا آخر زائدا على وضع المواد و الهيئات فهو كما ذكره المصنف (قدس سره) من عدم الحاجة اليه، ضرورة ان ذلك لغو محض، و اما إن اراد وضع المركب بما هو مركب، بعد وضع المواد بانفرادها، بمعنى ان لا يكون للهيئة بانفرادها وضع نوعي، بل كانت الهيئة مع المواد بنحو الاجتماع موضوعة للمعنى التركيبي، فلا يشكل حينئذ عليه بعدم الحاجة كما لا يخفى، نعم يرد عليه ان ذلك مستلزم لوضع المواد مرتين: احداهما منفردة، و الاخرى مجتمعة متلبسة للهيئة، و مع امكان الاستغناء عن الثاني بوضع الهيئة فقط لا وجه للمصير اليه.

ثم ان المصنف (قدس سره) قد أورد ثانيا على القول بوضع المركبات بقوله:

50

مع استلزامه الدلالة على المعنى تارة بملاحظة وضع نفسها و اخرى بملاحظة وضع مفرداتها و لعل المراد من العبارة الموهمة لذلك هو وضع الهيئات على حدة غير وضع المواد لا وضعها بجملتها علاوة على وضع كل منهما.

السابع لا يخفى ان تبادر المعنى من اللفظ و انسباقه إلى الذهن من اللفظ و بلا قرينة علامة كونه حقيقة فيه، بداهة انه لو لا وضعه لما تبادر.

____________

(مع استلزامه) أي وضع المركبات زائدا على وضع موادها و هيئاتها (الدلالة على المعنى) مرتين (تارة بملاحظة وضع نفسها) مع قطع النظر عن وضع مفرداتها، (و اخرى بملاحظة وضع مفرداتها) و هو كما ترى واضح البطلان (و لعل المراد من العبارة الموهمة لذلك) أي للوضع للمركبات (هو وضع الهيئات على حدة) و مستقلا (غير وضع المواد، لا وضعها بجملتها) أي مجموع المواد و الهيئات (علاوة على وضع كل منهما) أي المواد و الهيئات، بل ان هذا مما لا ينبغي ان ينسب إلى ذي مسكة، و منه يتضح انه لا معنى للقول بثبوت المجاز في المركب بما هو مركب، إذ المجاز فرع وجود الموضوع له و حيث لا وضع في المركبات فلا يتطرق التجوز اليه‏

[الأمر (السابع علائم الحقيقة»]

«الأمر (السابع لا يخفى) عليك‏

[التبادر]

(ان تبادر المعنى من اللفظ) عند سماعه (و انسباقه إلى الذهن من اللفظ) لو خلى و نفسه (و بلا قرينة) لفظية كانت أو حالية (علامة كونه) أي كون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى و (حقيقة فيه، بداهة أنه لو لا وضعه) له (لما تبادر) هو منه عند سماعه، فانه لما لم تكن دلالة اللفظ على المعنى ذاتية، فلا محالة كانت ناشئة من سبب ما، و هو اما الوضع أو غيره من القرينة الحالية أو المقالية، و حيث ان المفروض عدم الثاني تعين الأول، فحضور المعنى في الذهن عند سماع اللفظ كاشف عن وضعه له، و عليه يكون التبادر علامة للوضع برهانا

51

لا يقال: كيف يكون التبادر علامة مع توقفه على العلم بانه موضوع له كما هو واضح فلو كان العلم به موقوفا عليه لدار.

فانه يقال: الموقوف عليه غير الموقوف عليه فان العلم التفصيلي بكونه موضوعا له موقوف على التبادر، و هو موقوف على العلم الاجمالي لارتكازي، به لا التفصيلي فلا دور.

____________

(لا يقال: كيف يكون) تبادر المعنى (علامة) للحقيقة (مع توقفه على العلم بانه) أي بان المعنى المتبادر (موضوع له كما هو واضح) فان مجرد تحقق الوضع من دون العلم به، لا يكفى في الانتقال إلى المعنى عند سماع اللفظ، فما لم يتحقق العلم بالوضع، لم يعقل ان ينسبق إلى الذهن من سماع اللفظ ما هو معناه، و حينئذ (فلو كان العلم به) أي بالوضع (موقوفا عليه) أي على تبادر المعنى من اللفظ (لدار) دورا صريحا لأن التبادر- على الفرض- يتوقف على العلم بالوضع، فلو كان العلم بانوضع متوقفا على التبادر- كما هو مقتضى جعل التبادر امارة على الوضع- لزم الدور.

(فانه يقال:) العلم بالوضع (الموقوف عليه) أي على التبادر (غير) العلم بالوضع الذي هو (الموقوف عليه) التبادر (فان) هناك علمين: احدهما: (العلم التفصيلي بكونه) أي المعنى (موضوعا له) و هو (موقوف على التبادر) و ثانيهما: العلم الاجمالي الارتكازي في النفس غير الملتفت اليه تفصيلا (و هو) أي التبادر (موقوف على) هذا (العلم الاجمالي الارتكازي به) أي بالوضع (لا) على ذلك العلم (التفصيلي فلا) يكون حينئذ (دور) اصلا. و الحاصل ان العلم بالوضع الذي يتوقف عليه التبادر، غير العلم بالوضع الذي يتوقف على التبادر فلا دور.

52

هذا اذا كان المراد به التبادر عند المستعلم و اما اذا كان المراد التبادر عند أهل المحاورة فالتغاير اوضح من ان يخفى.

ثم ان هذا فيما لو علم استناد الانسباق الى نفس اللفظ و اما فيما احتمل استناده الى قرينة فلا يجدي اصالة عدم القرينة في احراز كون الإستناد اليه لا اليها كما قيل‏

____________

(هذا) كله (إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم) المستعمل لهذه العلامة بما يتحصل له في ذهنه، (و اما إذا كان المراد التبادر عند أهل المحاورة) بحيث كان المستعلم يروم ان يقف على واقع الأمر بالفحص عما يتبادر في اذهان المتحاورين عند سماعهم الالفاظ، كما فيما إذا كان المستعلم أجنبيا عن لغة و اراد تعلم تلك اللغة مثلا (فالتغاير) بين الموقوف و الموقوف عليه (اوضح من ان يخفى) فان علم المستعلم حينئذ يتوقف على علم غيره، المتبادر في ذهنه.

(ثم ان هذا) الذي ذكرنا من كون التبادر علامة انما هو (فيما لو علم استناد الانسباق الى نفس اللفظ) و حاقه لا الى القرينة، كما أشرنا الى ذلك في أول الأمر، و كذلك لا بد من العلم باستناده اليه بذاته لا الى اطلاقه، فانه ربما لا يكون المعنى الخاص موضوعا له، لكن ينسبق اليه من اطلاق اللفظ، كما هو الحال في استفادة الوجوب النفسي العيني التعييني من اطلاق صيغة الأمر على ما سيجي‏ء انشاء اللّه تعالى (و اما فيما) لم يعلم ذلك و (احتمل استناده) أي الانسباق (الى قرينة) و لو كانت هي الاطلاق (فلا يجدي) في نفيه (أصالة عدم القرينة) ليستند اليها (في) ظرف الشك فيترتب عليها (احراز كون الاستناد اليه) أي الى نفس اللفظ (لا اليها) أي القرينة (كما قيل) نظرا الى ان ان لازم عدم‏