هداية الأصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج4

- الشيخ صدرا البادكوبي المزيد...
463 /
3

[الجزء الرابع‏]

[تتمة المقصد السابع‏]

[فصل فى الاستصحاب‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه على آلائه و الصلاة و السلام على خاتم النبيين محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين و اللعن على اعدائهم اجمعين‏

و اما بعد فهذا هو الجزء الرابع من كتاب هداية الاصول فيقول العبد المذنب الراجى الى فضل ربه حيدر على المدرسى لما فرغ من تأليف الجزء الثالث من كتاب هداية الاصول و يشرع إن شاء الله بعونه و فضله فى تأليف الجزء الرابع من باب الاستصحاب.

قوله: فصل فى الاستصحاب و فى حجيته اثباتا و نفيا اقوال للاصحاب الخ.

و كلمة الاستصحاب مأخوذة فى اصل اشتقاقها من كلمة الصحبة من باب الاستفعال فتقول استصحبت هذا الشي‏ء اى حملته معك قال الشيخ (قده) هو لغة اخذ الشي‏ء مصاحبا.

و اما تعريفه عند الاصوليين فانما كان بعبارات المختلفة:

الاول ما عن الشيخ البهائى (قده) من انه اثبات الحكم فى الزمان الثانى تعويلا على ثبوته فى الزمان السابق.

الثانى ما عن الفاضل التونى (قده) من انه التمسك بثبوت ما ثبت فى وقت او حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت.

4

الثالث ما عن صاحب القوانين (قده) من انه كون حكم يقيني الحصول او وصف يقيني الحصول فى الزمان السابق مشكوك البقاء فى الآن اللاحق.

الرابع ما عن صاحب الفصول (قده) من انه ابقاء ما علم ثبوته فى الزمان السابق فيما يحتمل بقائه فى الزمان اللاحق و كذا عرف بعبارات اخرى لكن لا حاجة الى ذكرها قال صاحب الكفاية الا انها تشير الى مفهوم واحد اى ان التعارف الواردة فى كتب القوم تشير الى مفهوم واحد و معنى فارد و هو الحكم ببقاء حكم او موضوع.

و اعلم ان الاقوال فى الاستصحاب تشعب الى تشعبات كثيرة يصعب حصرها و يذكر هنا بعض الاقوال: الاول القول بالحجيّة مطلقا: الثانى عدمها مطلقا: الثالث التفصيل بين الوجودى و العدمى: الرابع التفصيل بين الامور الخارجية و بين الحكم الشرعى فلا يصح فى الاول: الخامس التفصيل بين الحكم الشرعى الكلي و غيره فلا يعتبر فى الاول: السادس التفصيل بين الاحكام الشرعية و الوضعية: السابع التفصيل بين الشك فى المقتضى و الرافع: الثامن التفصيل مع اختصاص الشك بوجود الغاية اى العلة الغائية لا الرافع.

و اما صاحب الكفاية فذهب الى القول الاول اى كون الاستصحاب حجة مطلقا اى بالنسبة الى الحكم التكليفى و الوضعى‏

[فى الاستصحاب و تعريفه‏]

فقال و هو الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم اما من جهة بناء العقلاء على ذلك الخ.

أى لا شك فى ان العقلاء من الناس على اختلاف مشاربهم‏

5

و اذواقهم جرت سيرتهم فى عملهم و فى سلوكهم العملي الاخذ بالمتيقن السابق عند الشك اللاحق فى بقائه أى جرت سيرة العقلاء على الحكم بالبقاء فى احكامهم العرفية مطلقا يعنى فى جميع الموارد أى سواء كان الشك فى المقتضى ام الرافع و سواء كان المستصحب حكما كليا ام جزئيا او جرت سيرة العقلاء فى الجملة اى اعتبر الاستصحاب بناء العقلاء فى بعض الموارد كالعمل به فى الشك فى الرافع لا المقتضى.

و لا يخفى ان بناء العقلاء على الحكم بالبقاء اما يكون تعبدا أى و لو لم يحصل الظن الشخصي و لا النوعي ببقاء الحالة السابقة المتيقنة يعنى ان بناؤهم كان رجاء او احتياطا أى الحكم بالبقاء اما يكون تعبدا و اما يكون للظن به الناشى عن ملاحظة ثبوته سابقا يعنى ان بناؤهم على بقاء ما كان اما يكون للظن به الحاصل لملاحظة وجوده فى السابق.

قوله و لا يخفى ان هذا المعنى هو القابل لان يقع فيه النزاع و الخلاف الخ.

و اعلم ان النزاع اما لفظي و اما معنوى مثلا اذا قال شخص ان زيدا عالم و يقول الشخص الآخر ان زيدا ليس بعالم فهو يتصور على القسمين اما ان يكون المراد شخصا واحدا. و اما ان يكون المراد الشخصين المسميين بزيد فان كان هذا المورد من القسم الاول فيصير النزاع معنويا اى يصير من قبيل تقابل الايجاب و السلب.

و اما ان كان المورد من القسم الثانى فيصير النزاع لفظيا

6

حيث إنّه من يقول ان زيدا عالم يريد ابن بكر و من يقول ان زيدا ليس بعالم يريد ابن خالد فهذا النزاع لفظي.

اذا عرفت هذا الجملة المعترضة فاعلم ان النزاع فى ما نحن فيه انما يصير معنويا اذا قلنا ان الاستصحاب هو الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم و قال المصنف: و لا يخفى ان هذا المعنى هو القابل لان يقع فيه النزاع.

توضيحه انه لا ريب فى كون الاستصحاب من الامور المبحوث عنها من القدماء فاثبته قوم و نفاه آخرون و من المعلوم ان اختلاف الاصحاب فيه معنوى لعدم استحقاق النزاع اللفظى للبحث اذ لا فائدة بالبحث عن هذا النزاع.

الحاصل ان النزاع فى اصل اعتبار الاستصحاب و عدمه معنوى لتوارد النفى و الاثبات حينئذ على مفهوم واحد فالقائل باعتبار الاستصحاب يدعى حجيته بالتعريف المذكور اى الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم و اما النافى فينكر نفس هذا المعنى فيصير من قبيل زيد قائم و زيد ليس بقائم و يكون هذا من تقابل الايجاب و السلب فيرجع النزاع فى ما نحن فيه الى ان الاستصحاب بناء على التعريف المذكور كان معتبرا و لم يكن معتبرا فهذا النزاع معنوى.

و اما اذا عرف الاستصحاب بانه التمسك بثبوت ما ثبت فى وقت بعد ذلك الوقت فانه يكون على هذا التعريف نفس بناء العقلاء اى ان الاستصحاب هو نفس البناء العملي على الحالة السابقة فيصير النزاع بناء على هذا التعريف لفظيا لتعدد مورد النفى و الاثبات اى لم يكن النزاع فى اعتبار الاستصحاب فانه‏

7

مسلم عند الطرفين لكن النزاع الذى بينهما فهو لفظى فيقول هذا الشخص ان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء.

و اما النافى فيقول انه لم يكن نفس بنائها بل الاستصحاب ما به تمسك بثبوت ما ثبت فى وقت او حال على بقائه فلا يكون النزاع بين الطرفين فى اعتبار الاستصحاب بل النزاع بينهما فى نفس التعريف فعرف احدهما ان الاستصحاب هو التمسك بثبوت ما ثبت فى وقت بعد ذلك الوقت و عرف الآخر ان الاستصحاب ما بسببه يتمسك على ثبوت ما ثبت بعد ذلك الوقت.

فظهر ان النزاع انما يكون فى تعريف الاستصحاب لا فى نفسه كما قال صاحب الكفاية: ضرورة انه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء لما تقابل فيه الاقوال و لما كان النفى و الاثبات واردين على مورد واحد بل موردين.

قوله و تعريفه بما ينطبق على بعضها و ان كان ربما يوهم ان لا يكون هو الحكم بالبقاء الخ.

هذا جواب عن السؤال المقدر تقدره هكذا قال المصنف و لا يخفى ان عباراتهم فى تعريفه و ان كانت شتى الا انها تشير الى مفهوم واحد و هو الحكم ببقاء حكم او موضوع فلا يصح هذا بالنسبة الى بعض الاقوال فى تعريف الاستصحاب مثلا عرفه الفاضل التونى فى الوافية بقوله انه التمسك بثبوت ما ثبت فى وقت او حال على بقائه فيفهم من هذا التعريف ان الاستصحاب هو نفس التمسك بثبوت ما ثبت لكن ليس الامر كذلك لانه ما به يتمسك لاثبات ما ثبت لان الاستصحاب بناء على حجيته من باب‏

8

الظن هو الظن بالبقاء او الظن بالملازمة بين الثبوت و البقاء فيتمسك بالظن بثبوت ما ثبت.

فظهر من البيان المذكور ان التعريف المذكور لم يكن منعكسا اى لم يكن جامعا للاقوال الآخرين قد ذكر الى هنا محصل السؤال.

و اما الجواب فقد رتبت او لا مقدمة و هى ان التعريف اما ان يكون بحد او رسم و اما يكون بتبديل لفظ الى لفظ آخر لشرح مدلوله و يقال بتعبير آخر ان ما كان مطلوبا بما الشارحية فهو تعريف الشرح الاسمى كقولنا ما العنقاء فيطلب بما الكشف عن معناه دون ماهيته لان العنقاء ليست بموجودة حتى يسأل عن ماهيتها فتعريف العنقاء تعريف لفظي و اما ما كان مطلوبا بما الحقيقية فهو تعريف حقيقى اى فيطلب بما الحقيقية ماهية الشى‏ء و حقيقته فتعريف هذا الشى‏ء تعريف حقيقى كتعريف انسان بحيوان ناطق.

فيشرع بعد توضيح المقدمة المذكورة فى بيان ما نحن فيه فيقال ان تعريف الاستصحاب تعريف لفظى و انه كان مطلوبا بما الشارحية فليست تعارف الاستصحاب فى مقام بيان حقيقته حتى يصير اختلاف الحدود كاشفا عن اختلاف ماهية المحدود بل كان تعريف الاستصحاب تعريفا لفظيا للكشف عن معناه دون ماهية.

قوله و ان كان ربما يوهم ان لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذلك الوجه.

هذا اشارة الى ان تعريف الاستصحاب تعريف لفظي اى ربما يوهم ان لا يعرف بكونه الحكم بالبقاء بل يحتمل ان يكون المراد

9

منه ذاك الوجه اى الوجه المذكور عن الفاضل التونى من انه نفس التمسك بثبوت ما ثبت لكن لم يشترط فى هذا التعريف الانعكاس و الاطراد لكونه تعريفا لفظيا.

قوله ثم لا يخفى ان البحث فى حجيته مسئلة اصولية الخ.

اى كان البحث عن حجية الاستصحاب مسئلة اصولية لا المسألة الفقهية و يبين هنا لاجل توضيح ما نحن فيه الفرق بين المسألة الاصولية و الفقهية و الظاهر ان المسألة الاصولية ما تقع فى طريق استنباط الاحكام و على قول شيخنا الاستاد ان المسألة الاصولية ما تقع نتيجتها فى جواب لم: عند سؤال سائل.

و اما المسألة الفقهية فهى ما تستنبط بها الاحكام الشرعية ابتداء كقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و كذا كل شرط مخالف للكتاب و السنة باطل و كذا كل حكم ضررى او حرجى مرفوع فهذه المسألة كالمسألة الاصولية من حيث استنباط الاحكام الفرعية لكن المسألة الفقهية تتعلق اولا بالاحكام الشرعية كما ذكر.

و اما المسألة الاصولية فتقع نتيجتها اولا فى جواب السائل بلم: فيثبت الحكم الشرعى بتوسط هذا الجواب مثلا تقال صلاة الجمعة واجبة فيسأل السائل لم: واجبة فيقال فى الجواب ان خبر الواحد قام على وجوبها و خبر الواحد حجة فيتنجز وجوبها بعد هذا الجواب.

فائدة الفرق بين القاعدة الفقهية و المسألة الفقهية ان القاعدة الفقهية تتعلق بالاحكام الكلية و اما المسألة الفقهية

10

تتعلق بالاحكام الجزئية كحكم الخمر و الخل كوجوب الصلاة و الصوم اى تكون هذه المسألة نتيجة للمسألة الاصولية اما القاعدة الفقهية فتتعلق بالاحكام الكلية كقاعدة لا ضرر و لا حرج تتعلق على العبادات و المعاملات.

قوله و ليس مفادها حكم العمل بلا واسطة الخ.

هذا بيان لكون الاستصحاب مسئلة اصولية اى ليس مفاد حجية الاستصحاب حكم العمل بلا واسطة يعنى ان الاستصحاب لا يتعلق على العمل بلا واسطة و يؤكد هذا بقوله كيف و ربما لا يكون مجرى الاستصحاب الا حكما اصوليا الخ.

اى كيف استفهام تقريرى و المقصود من هذه الجملة ان الاستصحاب الجارى فى المسألة الاصولية كالحجية فكونه من مسائل علم الاصول اظهر اذ ليس مجراه حكما فرعيا.

قوله و كيف كان فقد ظهر مما ذكرنا فى تعريفه اعتبار امرين فى مورده الخ.

اى قال المصنف فى تعريف الاستصحاب بقوله فى ما سبق و لا يخفى ان عباراتهم فى تعريفه و ان كانت شتى الا انها تشير الى مفهوم واحد و هو الحكم ببقاء حكم او موضوع ذى حكم شك فى بقائه.

فيستفاد من هذا التعريف امران: احدهما اليقين بثبوت شي‏ء و هو يستفاد من قوله شك فى بقائه اذ الشك فى بقاء الشي‏ء انما يكون بعد حدوثه: و ثانيهما الشك فى البقاء.

و لا يخفى ان الشك فى البقاء الذى هو احد ركنى الاستصحاب‏

11

متقوم باتحاد القضية المتيقنة و المشكوة بحسب الموضوع و المحمول اذ مع عدم اتحادهما لا يكون من الشك فى البقاء بل من الشك فى الحدوث لان البقاء هو الوجود الاستمرارى للموجود السابق.

فثبت من البيان المذكور اشتراط اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة من حيث الموضوع و المحمول فلا غبار فى اتحاد القضيتين فى الموضوعات الخارجية

قوله و اما الاحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل ام النقل الخ.

اى ذكر انه اشترط اتحاد القضيتين فى جربان الاستصحاب و قال بعد ذاك انه لا غبار فى وجود هذا الشرط فى الموضوعات الخارجية.

لكن يشكل احرازه فى استصحاب الاحكام الشرعية وجه الاشكال ان الشك فى بقاء الحكم الشرعى انما يوجد فى هذا المقام لاجل احتمال زوال وصف من اوصاف الموضوع مما يحتمل دخله فيه أو يحتمل وجود ما يحتمل ان يكون عدمه شرطا فى الموضوع فيصير هذا الاحتمال المذكور سببا لرجوع الشك فى بقاء الحكم الى الشك فى بقاء موضوعه فلا يحرز فى هذه الصورة بقاء الموضوع حتى يصح استصحاب الحكم.

فيذكر المثال لتوضيح ما ذكر نحو اذا ثبتت النجاسة للماء المتغير بوصف التغير و وجوب صلاة الجمعة فى زمان حضور الامام‏

12

(عليه السّلام) ثم زال تغير الماء و كذا اذا غاب الامام (عليه السّلام) فان الشك فى بقاء النجاسة و وجوب صلاة الجمعة حينئذ يستند الى الشك فى بقاء الموضوع لاحتمال دخل التغيّر و الحضور فى موضوع نجاسة الماء و وجوب صلاة الجمعة فلا يحرز وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة.

الحاصل انه اذا شك فى الحكم لاجل الشك فى بقاء موضوعه بسبب تغير ما احتمل دخله فيه حدوثا أو بقاء فلم يحرز وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة قد ذكر فيما تقدم انه اذا ثبتت النجاسة للماء المتغير بوصف التغير ثم زال تغير الماء فالشك فى بقاء النجاسة يستند الى الشك فى بقاء الموضوع لاحتمال دخل التغير فى موضوع النجاسة حدوثا و بقاء فالشك فى الموضوع موجب لعدم وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة.

قال صاحب الكفاية: و الا لا يتخلف الحكم عن موضوعه الا بنحو البداء.

أى ثبت من البيان المذكور ان اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة مما لا شك فيه فى استصحاب الموضوعات الخارجية فى الجملة أى فى أكثرها و اما اتحاد قضية المتيقنة و المشكوكة فى استصحاب الاحكام الشرعية فيشكل حصول اتحاد القضيتين و قد ذكر وجه الاشكال مفصلا أى لا يكاد يشك فى بقاء الحكم الا من جهة الشك فى بقاء موضوعه و لا يخفى انه مع العلم ببقاء الموضوع لا وجه للشك فى الحكم لانه لا يتخلف عن موضوعه قد ذكر فى محله ان الموضوع علة للحكم و الاشكال المذكور وارد

13

فى الصورة التى كان الشك فى الحكم فيها ناشئا من الشك فى بقاء الموضوع.

و اما اذا كان الموضوع معلوم البقاء فلم يتصور الشك حينئذ فى بقاء الحكم لعدم تخلفه عن موضوعه لان الموضوع كالعلة له فلا ينفك المعلول عن العلة لكن يتصور تخلف الحكم عن موضوعه بنحو البداء بالمعنى المستحيل فى حقه تعالى و ان لم يكن مستحيلا فى حق الممكن لانه يتخيل حسن الشى‏ء الى الابد فيجعل الحكم مطلقا ثم تبين له انه ليس له الحسن الا فى الماضى فينسخه لكن هذا المعنى مستحيل فى حقه تعالى.

الحاصل ان المراد من البداء هو اظهار شى‏ء بعد خفائه هذا المعنى مستحيل فى حقه تعالى لانه مستلزم للجهل و لذا كان النسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا و المراد بالدفع ان الحكم من اول الامر كان محدودا بهذا الحد و تأخر بيان هذا الحد لمصلحة لا ان هذا الحكم شرع الى الابد ثم نسخ فى هذا الزمان فانه مستحيل فى حقه تعالى لانه مستلزم للجهل تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.

قوله: و يندفع هذا الاشكال بان الاتحاد فى القضيتين بحسبهما و ان كان مما لا محيص عنه الخ.

أى قد ذكر فى ما سبق انه يرد الاشكال فى جريان الاستصحاب فى الاحكام الشرعية على نحو القضية المنفصلة أى اما ان يشك فى بقاء الموضوع بسبب تغير بعض مما احتمل دخله فيه حدوثا أو بقاء فلا يحرز فى هذه الصورة وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة و اما ان لا يكون الشك فى الحكم ناشئا من الشك فى‏

14

بقاء الموضوع بل كان متحقق البقاء فلا يتصور حينئذ الشك فى بقاء الحكم لعدم تخلفه عن موضوعه.

فاجاب المصنف عن الاشكال المذكور بقوله و يندفع هذا الاشكال الخ.

اى سلمنا الشك فى بقاء موضوع الحكم بسبب تغيّر بعض ما احتمل دخله فيه لكن هذا لا يضر على وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة من حيث النظر العرفى.

حاصل دفع الاشكال ان وحدة الموضوع و ان كانت مما لا بد منه فى جريان الاستصحاب الا ان المدار فى الاتحاد هو النظر العرفى لا العقلى أى يسهل الامر فى احراز وحدة القضيتين فى استصحاب الاحكام.

و اما اذا اختل بعض اوصاف مما لا يكون بنظر العرف مقوما له فهذا لم يضر فى وحدة الموضوع فى القضيتين و ان كان هذا الوصف بالنظر الدقى العقلى دخيلا فى الموضوع مثلا فى وجوب الصلاة الجمعة لا يكون حضور الامام (عليه السّلام) مقوما للموضوع بنظر العرف بل من حالاته و عوارضه و كذا ثبوت النجاسة للماء المتغير فان التغير وصف للماء و لا يكون مقوما له بالنظر العرفى و لا يضر زواله بوحدة الموضوع عرفا.

قوله: ضرورة صحة امكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبدا أو لكونه مظنونا الخ.

اى هذا اشارة الى دفع ما يتوهم من ان كون الموضوع عرفيا الذى هو الملاك فى اندفاع الاشكال منحصر فيما كان المدرك هو

15

الاخبار أى قد ذكر ان الموضوع فى القضية المتيقنة و المشكوكة واحد بالنظر العرفى و اذا كان مدرك الاستصحاب هو الاخبار فالوحدة العرفية كافية فى القضية المتيقنة و المشكوكة.

و اما اذا كان مدرك الاستصحاب سيرة العقلاء او الاجماع فلم يتم الجواب عن الاشكالان الموضوع على فرض تغير وصفه لم يكن واحدا بالدقة العقلية.

و الجواب عن هذا التوهم انه يمكن الزام العقلاء فى الموضوع بلحاظ العرف أى بناء العقلاء ناظر الى هذا الموضوع العرفى كالاخبار فظهر من البيان المذكور ان المتبع فى تشخيص الموضوع و صدق الشك فى البقاء هو النظر العرفى و كذا ظهر دفع التوهم لان التزام العقلاء و كذا الاجماع و الظن انما يكون بلحاظ الموضوع العرفى.

و لا يخفى ان بناء العقلاء مدرك للاستصحاب مطلقا أى سواء كان بنائهم على البقاء تعبدا و ان لا يحصل الظن به أم كان بنائهم عليه لحصول الظن به أى بالبقاء كما بينه المصنف بقوله ضرورة صحة امكان دعوى الخ و لا فرق فى الظن بين الظن الشخصى و النوعى.

قوله: بلا تفاوت فى ذلك بين كون دليل الحكم نقلا أو عقلا الخ‏

هذا الكلام اشارة الى دفع ما ذكره الشيخ (قدس سره) أى فصل بين كون دليل الحكم عقليا و نقليا بعدم جريان الاستصحاب فى الاول يعنى فى ما كان دليل الحكم الذى استصحب عقليا مثلا

16

اذا حكم العقل بحرمة التصرف فى مال الغير عدوانا ثم عرض الاضطرار الى التصرف فيه و كذا اذا حكم العقل بوجوب رد الامانة ثم عرض احتمال الخوف من الرد و شك فى الحكم السابق أى شك فى حرمة التصرف بعد عروض الاضطرار و كذا شك فى وجوب رد الامانة بعد عروض الخوف منه فلم يصح استصحاب الحكم السابق فى المثالين المذكورين لان دليل الحكم عقلى.

و لا يخفى ان المناط فى حكم العقل هو التحسين و التقبيح العقلى و لا يدر كان بعد عروض عارض كالاضطرار و الخوف فى المثالين المذكورين فلا يصح استصحاب الحكم العقلى السابق لانتفاء حكم العقل بعدم ادراك ملاكه قد فصل الى هنا المورد الذى كان دليل الحكم فيه عقليا.

و اما اذا كان دليل الحكم الذى استصحب نقليا فيصح استصحاب الحكم السابق بعد عروض الشك لان الدليل الشرعى للحكم السابق لم يتغير حاله بعد عروض عارض هذا ما فصل الشيخ (قده) بين دليل كون الحكم عقليا و نقليا و لكن صاحب الكفاية (قدس سره) قد دفع هذا التفصيل بقوله بلا تفاوت فى ذلك بين كون دليل الحكم نقلا او عقلا توضيح الدفع انه ان كنا قائلين فى موضوع الاستصحاب بالدقة العقلية فلازمه عدم جريان الاستصحاب مطلقا سواء كان دليل الحكم المستصحب عقليا ام نقليا.

و اما اذا قلنا ان كون الموضوع العرفى كافيا فى جريان الاستصحاب فيصح استصحاب الحكم السابق سواء كان دليله عقليا

17

ام نقليا قد مر تفصيل الموضوع العرفى و اشار الى ما ذكر المصنف.

بقوله: اما الاول فواضح.

أى اذا كان دليل الحكم نقليا فجريان الاستصحاب واضح فى صورة اعتبار وحدة الموضوع بالنظر العرفى لان الدليل الشرعى ناظر الى هذا الموضوع العرفى.

و اما الثانى اى فى صورة كون دليل الحكم عقليا فايضا يصح استصحاب الحكم السابق لان الموضوع لم يكن مشكوك البقاء عرفا لان انتفاء ما احتمل دخله فى الموضوع لا يضر فى بقاء الموضوع عرفا و لم يكن ما انتفى مقوما للموضوع عرفا و ان كان لا حكم للعقل بدونه قطعا لان الموضوع لم يكن باقيا بدقة العقلية بعد انتفاء ما يحتمل دخله فى الموضوع لانه كان مقوما للموضوع بدقة العقلية لكن يكشف الحكم الشرعى بالاستصحاب باعتبار بقاء الموضوع عرفا فيصح استصحاب الحكم الشرعى باعتبار وحدة الموضوع عرفا فثبت استصحاب الحكم الشرعى اذا كان الموضوع باقيا عرفا سواء كان دليل الحكم عقليا او نقليا قد بين الى هنا توضيح دفع كلام الشيخ من التفصيل بين كون دليل الحكم نقليا و عقليا.

قوله: ان قلت كيف هذا مع الملازمة بين الحكمين.

أى ذكر آنفا ان يستصحب الحكم الشرعى فى صورة انتفاء دخل ما احتمل فى موضوعه لان الموضوع باق بنظر العرف و الجزء المنفى لم يكن مقوما للموضوع.

و اما الموضوع فى الفرض المذبور لم يكن باقيا عند العقل‏

18

فلا حكم له عند انتفاء ما احتمل دخله فى الموضوع لانه مقوم الموضوع عند العقل فثبت الانفكاك بين الحكم العقلى و الشرعى و اشكل عليه.

بقوله: ان قلت كيف هذا الخ.

أى كيف يتصور التفكيك بين حكم العقل و الشرع بجعل الاول مقطوع الانتفاء عند زوال بعض القيود و الثانى مشكوك البقاء أى يجعل الحكم الشرعى بعد زوال القيود مشكوك البقاء و يحكم ببقائه بالاستصحاب تعبدا توضيح الاشكال ان الملازمة بين الحكم العقلى و الشرعى تقتضى عدم انفكاكهما اى اذا انتفى الحكم العقلى فالقاعدة الملازمة تقتضى انتفاء الحكم الشرعى أيضا و لا يصح بقاء الحكم الشرعى مع انتفاء الحكم العقلى.

قوله: قلت ذلك لان الملازمة انما تكون فى مقام الاثبات الخ.

أى يقال فى الجواب عن التفكيك المذكور ان الملازمة بين حكم العقل و الشرع انما تكون فى مقام الاثبات و الاستكشاف لا فى مقام الثبوت أى اذا استدل بالعقل لاثبات و الاستكشاف الحكم الشرعى و حصل العلم بالحكم و خطاب الشارع ثبت فى هذا المورد الملازمة بين الحكمين.

بعبارة اخرى ان المراد من الملازمة فى القضية الملازمة الاثباتية بمعنى دوران الحكم الشرعى مدار الحكم العقلى الفعلى فى مقام الاثبات وجودا لا عدما أى اذا انتفى الحكم العقلى فلم يلزم انتفائه انتفاء الحكم الشرعى فلا ينافى دلالة الطريق الآخر على وجوده كادلة الاستصحاب فى المقام اذ لا دليل على انحصار علية

19

العقل للحكم الشرعى فلا يصح القول انه لو لم يكن للعقل حكم لم يكن للشرع حكم أيضا.

فظهر ان الملازمة بين حكم العقلى و الشرعى اثباتى لا الثبوتى اى لم تكن الملازمة بينهما وجود او عدما و اما هذه الملازمة الثبوتية فانما هى بين الحكم الشرعى و ملاكه الواقعى اى الملازمة فى مقام الثبوت انما هى دائرة بين الحكم الشرعى و ملاكه وجودا اعنى حكم الشرع انما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعا لا ما هو مناط حكمه فعلا أى لم يكن المناط للحكم العقلى فعلا لانتفاء قيد من قيود موضوعه قد بين مورد انتفاء موضوع حكم العقل مفصلا.

قوله: فعدم استقلال الا فى حال غير ملازم لعدم حكم الشرع فى تلك الحال الخ.

ذكر فى الحاشية المشكيني ان هذه العبارة تحتاج الى الاصلاح و ايده بعض آخر و لا يخفى ان الاصلاح يكون بزيادة كلمة الا و كون كلمة لانحصار بدل كلمة لعدم فتصير العبارة المذكورة على هذا النحو أى فعدم استقلال العقل فى حال غير ملازم لانحصار حكم الشرعى فى تلك الحال الخ اى قد ذكر ان دوران الحكم الشرعى مدار الحكم العقلى الفعلى انما يكون فى مقام الاثبات وجودا لا عدما اى اذا عدم الحكم العقلى لانتفاء موضوعه بانتفاء بعض قيوده فلم ينتف الحكم الشرعى بل يكون الحكم منحصرا فى الحكم الشرعى فى تلك الحال أى حال عدم الحكم العقلى لانتفاء موضوعه بانتفاء بعض قيوده.

20

قد ذكر ان الملازمة بين الحكم العقلى و الشرعى انما تكون فى مقام الاثبات لا فى مقام العدم أى لم تكن الملازمة بين عدم الحكم العقلى و عدم الحكم الشرعى فيكون ملاك حكم الشرع باقيا على حاله فى كلتا الحالتين أى فى حالة بقاء حكم العقل و انتفائه اعنى المصلحة أو المفسدة التى هى ملاك حكم العقل كان على حاله فى الواقع لاحتمال عدم دخل تلك الحال فى الملاك الواقعى أى عدم دخل انتفاء موضوع الحكم العقلى فى الملاك أو احتمال ملاك آخر مع الحكم الشرعى و لا دخل لاحتمال انتفاء موضوع الحكم العقلى فى هذا الملاك الآخر و لكن كان مدخل لهذه الحالة فى انتفاء الملاك الذى هو معلوم عند العقل.

توضيح ما ذكر ان ملاك الحكم الشرعى باق عند انتفاء الحكم العقلي بانتفاء موضوعه مثلا المصلحة أو المفسدة التى هي ملاك لحكم العقل فهو باق واقعا عند الانتفاء الحكم العقلى بانتفاء موضوعه فيصير هذا الملاك ملاكا للحكم الشرعي و ايضا يحتمل ان يكون للحكم الشرعي ملاك آخر اى كانت المصلحة او المفسدة الاخرى التى هي ملاك للحكم الشرعي اى صارت المصلحة او المفسدة ذات قسمين.

احدهما ما هو مدرك عند العقل فهو منتف بعد انتفاء الحكم العقل.

و ثانيهما ما هو مدرك عند الشرع يعنى المصلحة او المفسدة التى كانت مدركة شرعا فهى باقية الحاصل ان استصحاب الحكم الشرعي يصح بعد انتفاء الحكم العقلي لان حكم الشرع باق باعتبار بقاء ملاكه.

21

[فى حجية الاستصحاب‏]

قوله ثم إنّه لا يخفى اختلاف آراء الاصحاب فى حجية الاستصحاب الخ.

اى قد ذكر فى اول باب الاستصحاب اختلاف عباراتهم فى تعريفه و كذا اختلافهم فى حجيته فليرجع الى ما ذكر.

قوله فقد استدل عليه بوجوه الوجه الاول استقرار بناء العقلاء الخ.

اى قد ذكر انما المهم الاستدلال على ما هو المختار من حجية الاستصحاب مطلقا فاستدل بوجوه فقال الوجه الاول استقرار بناء العقلاء اى المراد منه هو الاجماع العملي فى قبال الاجماع القولي و لا يخفى ان دليلية بناء العقلاء على حجية الاستصحاب بمعنى كون الحكم على طبق الحالة السابقة موقوفة على مقدمات الثلاث:

الاولى احراز البناء على العمل على الوجه المذكور حتى فى الاحكام الشرعية لو كانوا من اهل الشرع.

الثانية عدم الردع من الشارع بل يستكشف رضائه.

الثالثة عدم المانع منه اذا تمت هذه المقدمات فحينئذ يصير الاستصحاب دليلا امضائيا و اشكل على هذا الوجه بقوله و فيه أوّلا منع استقرار بنائهم اى لم يكن عمل العقلاء على طبق الحالة السابقة تعبدا بل كان منشأ بنائهم الظن او الاحتياط او كان عملهم على طبق الحالة السابقة غفلة كما هو الحال فى ساير الحيوانات.

قد ذكر ان دليلية بناء العقلاء على حجية الاستصحاب موقوفة

22

على مقدمات ثلاث الاولى احراز بناء العقلاء على العمل بها على الحالة السابقة اى تعويلهم عليها تعبدا اعني كفاية نفس الوجود السابق بما هو متيقن و اما فى المقام فليس كذلك بل كان استنادهم الى منشأ العقلائى من رجاء او احتياط او اطمينان بالبقاء او الظن و لو سلمنا كون بناء العقلاء على نحو التعبد فلم يعلم ان الشارع راض به و هو عنده ماض بل وجد الردع عنه و يكفى فى الردع ما دل من الكتاب و السنة على النهى عن اتباع غير العلم.

قوله الوجه الثانى ان الثبوت فى السابق موجب للظن به فى اللاحق الخ.

الدليل الثانى لحجية الاستصحاب هو ادعاء الظن ببقاء الحالة السابقة الناشئ من ثبوتها اى مجرد ثبوت شي‏ء مع عدم الظن بارتفاعه يوجب الظن بالبقاء يعنى ان الغالب هو البقاء للشي‏ء الموجود فى السابق ما لم يعلم ارتفاعه بعد العلم بثبوته و أورد المصنف على هذا الوجه الثانى.

بقوله و فيه منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء فعلا و لا نوعا الخ.

حاصل هذا الايراد ان مجرد الوجود السابق لم يكن علة للظن بالبقاء لان الممكن كما يحتاج فى حدوثه الى العلة كذلك فى بقائه فلا يقتضى مجرد الوجود السابق للظن بالبقاء فعلا و لا نوعا اى لا يحصل الظن الشخصى و لا النوعي بالبقاء بمجرد الوجود السابق.

قوله و لو سلم فلا دليل على اعتباره بالخصوص الخ.

قد ذكر منع علية مجرد الوجود السابق للظن بالبقاء اى لا

23

نسلم حصول الظن بالبقاء و مع فرض تسليم ما ذكر لا دليل على حجية هذا الظن بالخصوص فهو باق تحت عموم الادلة الناهية عن العمل بالظن فيبقى هذا الظن تحت الاصل الاولى على القول من يقول ان الاصل عدم العمل بالظن الا ما خرج بالدليل.

قوله الوجه الثالث دعوى الإجماع عليه كما عن المبادى الخ.

الدليل الثالث هو الاجماع بالبناء على الحالة السابقة عند الشك فيها و لو لم يكن الاستصحاب حجة لكان ترجيحا لاحد طرفى الممكن من غير مرجح: فكان ترجيح الحالة السابقة بالاستصحاب.

قوله و فيه ان تحصيل الاجماع الخ.

اى هذا اشكال على الدليل الثالث حاصله ان الاجماع اما محصل و اما منقول فلا يصح الاول لان تحصيل الاجماع الكاشف عن قول المعصوم (عليه السّلام) فى المسألة التى لها مدارك مختلفة هو فى غاية الصعوبة لاحتمال استناد بعضهم الى بعض تلك المباني و بعضهم الى بعض المباني الآخر فيكون الاجماع حينئذ مدركيا فلا عبرة به اذ العبرة بالمدرك.

الحاصل ان المصنف اشار الى رد الاجماع المحصل بوجهين:

الاول ان هذا الاجماع مدركي فينظر الى مدركه:

الثانى: يمنع اصل تحقق الاتفاق لكثرة الاقوال فى المسألة و مع كثرتها لا يحصل اتفاق فثبت الى هنا رد الاجماع المحصل و اما الاجماع المنقول فليس حجة فى نفسه كما ثبت فى محله.

قال المصنف و نقله موهون جدا لذلك اى الاجماع المنقول موهون لوقوع الاختلاف الكثيرة فى مسئلة الاستصحاب و لو قلنا

24

بحجية الاجماع المنقول مع عدم الاشكال فى تحصيل الاجماع لكن الاشكال الذى ذكر فى الاجماع المحصل يمنع عن حجية الاجماع المنقول.

قوله الوجه الرابع و هو العمدة فى الباب الاخبار المستفيضة الخ.

اى الدليل الرابع لحجية الاستصحاب هو الاخبار المستفيضة:

الخبر الاول صحيحة زرارة فى الشك فى الوضوء فيقع الكلام فيها من جهات الاولى لا اشكال فى اعتبارها سندا و اما لكون المضمر مثل زرارة المطمئن بعدم سؤاله عن غير الامام (عليه السّلام) او لكون الاهتمام الواقع فى السؤال دالا على كون المسئول هو الامام.

و ايضا يقال ان هذه الرواية مسندة الى مولانا ابى جعفر (عليه السّلام) فى بعض الكتب المعتبرة كالقوانين و الفصول و الحدائق فثبت صحة السند من البيان المذكور.

الثانية فى دلالتها على اصل حجية الاستصحاب اى ان مورد الاستدلال بهذه الصحيحة هو قوله (ع) و الا فانه على يقين و لا يخفى ان مفاده عدم وجوب الوضوء فى صورة عدم تيقن النوم هذا هو استصحاب اليقين السابق.

الثالثة ان مضمونها لم يكن منحصرا فى باب الوضوء وجه عدم الانحصار ان النهى عن نقض اليقين بالوضوء بالشك فيه ليس لخصوصية فى الوضوء بل لكونه من صغريات القضية الكلية الارتكازية اى ما ارتكز فى اذهان العقلاء لم يكن مختصا بباب دون‏

25

باب و ايضا ان المثال لم يكن موجبا لانحصار قاعدة الاستصحاب فى مورده‏

قوله تقريب الاستدلال بها الخ.

اى هذا بيان الاستدلال بهذه الرواية حاصله ان مورد الاستدلال بهذه الصحيحة هو قوله (عليه السّلام) و الا فانه على يقين اى و ان لا يستيقن انه قد نام فلا يجب الوضوء لانه كان متيقنا بالوضوء هذا هو الاستصحاب حيث ثبت عدم وجوب الوضوء فيستصحب اليقين السابق بقوله (ع) فانه على يقين فهذه الجملة الاسمية ظاهرة فى تحقق اليقين فعلا اى فى زمان تحقق الشك اللاحق لكن ان اليقين تعلق بالحدوث و الشك بالبقاء فالمكلف متيقن فى حال عروض الخفقة و الخفقتين بتحقق الوضوء سابقا و الشك انما يعرض فى الزمان اللاحق.

و لا يخفى ان النهى عن نقض اليقين بالوضوء بالشك فيه ليس لخصوصية فى الوضوء بل لكونه من صغريات القضية الكلية الارتكازية على ما هو ظاهر التعليل فقوله و الا فانه على يقين من وضوئه بمنزلة الصغرى و لا ينقض اليقين بالشك ابدا بمنزلة الكبرى و هذه الكبرى مفادها قاعدة الاستصحاب و هي البناء على اليقين السابق و عدم نقضه بالشك اللاحق فيفهم منها ان كل يقين لا ينقضه الشك اللاحق.

قوله و احتمال ان يكون الجزاء هو قوله: فانه على يقين ...

الخ.

اى قد تقدم ان جزاء الشرط فى قوله (عليه السّلام): و الا فانه‏

26

على يقين من وضوئه محذوف و قيام علته مقامه و هي قوله (عليه السّلام) فانه على يقين من وضوئه قد تقدم الكلام فيه و يقال هنا انه يحتمل ان يكون الجزاء نفس قوله (عليه السّلام) فانه على يقين.

و أورد صاحب الكفاية عليه بقوله و احتمال ان يكون الجزاء قوله (ع) فانه على يقين غير سديد حاصله ان قوله (ع) جملة خبرية لا يصح وقوعها جزاء للشرط فيما نحن فيه لان الجزاء يكون مترتبا على الشرط كترتب المعلول على العلة و لم ينطبق هذه القاعدة على المقام لان كونه سابقا على اليقين بالوضوء غير مترتب على الشرط المذكور اى ان لم يستيقن انه قد نام: لعدم كون ذلك اليقين معلولا لعدم العلم بالنوم قال المصنف بعد ايراد المذكور فانه لا يصح الا بالارادة لزوم العمل على طبق يقينه اى لا يصح ان يجعل قوله (ع) فانه على يقين جزاء للشرط الا بعد انسلاخه عن الخبرية الى الانشائية بان يكون المراد انشاء وجوب العمل بالحالة السابقة و البناء على وجود الوضوء السابق من حيث الآثار.

و لكن الانشاء تارة يكون بلسان جعل الحكم كاقيموا الصلاة و اخرى يكون بلسان جعل الموضوع كقوله (عليه السّلام) الطواف بالبيت صلاة و كذا انت متيقن بالوضوء فيصير معنى الجملة حينئذ انه لم يستيقن النوم فليبن على وضوئه فضابط الجزاء ينطبق حينئذ على المقام لان تعبد بالبقاء على الحالة السابقة

27

مترتب على اليقين بالوضوء و الشك فى النوم.

قال المصنف و هو الى الغاية بعيد.

اى الحمل على الانشاء بعيد الى الغاية لان حمل الخبر على الانشاء مخالف للاصل لا يصار اليه الا بالقرينة و هي مفقودة فى المقام اذ لا احتياج الى ذلك بعد كون الجزاء محذوفا قد مر تفصيله.

قوله و ابعد منه. كونه الجزاء. قوله و لا ينقض بالشك ابدا.

اى هذا الاحتمال ابعد من الاحتمال السابق من كون الجزاء هو قوله فانه على يقين قد مر الاشكال على هذا الاحتمال.

و اما احتمال كون الجزاء هو قوله (ع) و لا ينقض اليقين بالشك فهو ابعد من الاحتمال السابق لكونه مخالفا للقواعد العربية من لزوم خلو الجزاء عن الواو الظاهرة فى المغايرة ما بعدها مع ما قبلها و اما الجزاء فيقتضى الاتصال بالشرط لشدة الاتصال و الارتباط بين الشرط و الجزاء لما عرفت من ترتب الجزاء على الشرط كترتب المعلول على العلة و بين المصنف وجه الابعدية بالطريق الآخر.

بقوله و قد ذكر فانه على يقين للتمهيد.

اى توطئة و مقدمة لبيان هذا الجزاء فيصير المعنى حينئذ و ان لم يستيقن انه قد نام فلا ينقض اليقين بالوضوء بالشك فى النوم فيختص هذه القاعدة بباب الوضوء بل تختص بخصوص الشك فى النوم.

28

قوله قد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضية لا تنقض الخ.

اى قد ذكر وجه عدم اختصاص الصحيحة المذكورة فى باب الوضوء من ان النهى عن نقض اليقين بالوضوء بالشك فيه ليس لخصوصية فى الوضوء بل لكونه من صغريات القضية الكلية على ما هو ظاهر التعليل بقوله فانه على يقين فيظهر من هذا التعليل الامر الارتكازى اى عدم نقض اليقين مطلقا سواء كان فى باب الوضوء ام فى غيره فان الاختصاص خلاف ظاهر التعليل لظهوره فى الارتكازية التى تقتضى اطراد الحكم المعلل و عدم اختصاصه بباب دون باب‏

و ايضا يدل على عدم الاختصاص تعليل الحكم بالمضى مع الشك فى غير باب الوضوء فى الرواية الاخرى.

قال صاحب الكفاية مع أنّه لا موجب لاحتماله الا احتمال كون اللام للعهد الخ.

هذه اشارة الى انه لا وجه لاحتمال اختصاص لا تنقض فى هذه الصحيحة بباب الوضوء الا كون اللام للعهد بان يكون اشارة الى اليقين فى قوله فانه على يقين من وضوئه لكن لا وجه لاحتمال كون اللام للعهد هنا لان الظاهر كون اللام للنجس الا مع قرينة موجبة للحمل على العهد و هى مفقود فى المقام فيراد جنس اليقين لا اليقين الخاص.

قوله مع أنّه غير ظاهر فى اليقين بالوضوء الخ.

و هذا اشارة الى عدم تقييد اليقين فى الصحيحة المذكورة

29

فى باب الوضوء فيمنع ظهور اليقين فى اليقين الوضوئي و ذلك لان هذا الظهور انما يكون اذا تعلق من وضوئه باليقين حتى يكون من قيوده و متعلقاته.

و اما اذا كان متعلقا بالظرف اى لفظة على فى قوله على يقين قد ذكر فى محله ان الظرف من العوامل اذا كان متضمنا لمعنى استقر او ثبت او مستقر او كائن او نحوه فلا يكون من وضوئه من قيود اليقين فكان المعنى انه كان من طرف وضوئه على يقين و يكون اليقين مطلقا و ترتيب القياس من الشكل الاول هكذا المكلف من كان على اليقين من ناحية وضوئه ثم شك فى حدث النوم كل من كان على اليقين و شك لم ينقضه به فالمكلف لم ينقضه به فظهر فى القياس المذكور ان حد الوسط و الاصغر لا يكون الا اليقين لا يقين بالوضوء.

قوله ثم لا يخفى حسن اسناد النقض و هو ضد الابرام الخ.

قد ذكر ان العمدة فى حجية الاستصحاب الاخبار المستفيضة منها صحيحة الزرارة و انما اخذت قاعدة لا تنقض اليقين بالشك من هذه الصحيحة و غيرها فيبحث هل يكون الاستصحاب حجة مطلقا اى سواء كان الشك فى المقتضى ام الرافع هذا مختار صاحب الكفاية.

و اما الشيخ فيقول ان الاستصحاب حجة اذا كان اليقين بالمقتضى و الشك فى وجود الرافع و اما اذا كان الشك فى المقتضى فلم يكن حجة و دليله ان المراد من النقض هو رفع الشي‏ء المبرم و المستحكم فيدل الصدر اى لا تنقض على استحكام اليقين‏

30

اعنى اليقين على المقتضى و اما الذيل اعنى اليقين فيدل على مطلق اليقين اى سواء كان مستحكما ام لا.

بعبارة اخرى سواء كان الشك فى المقتضى ام الرافع فيقدم الشيخ الصدر على الذيل فيصير اليقين صغيرا اى اليقين الذى كان المقتضى فيه موجودا فيقدم على قول الشيخ ظهور الصدر اى لا تنقض.

بعبارة شيخنا الاستاد شيخ مى‏گويد استصحاب حجت مى‏باشد مع وجود المقتضى و شك در وجود الرافع اگرچه متعلق لا تنقض كه يقين باشد مطلق است لكن شيخ مى‏گويد آن را كوچك مى‏سازم مراد همان يقين است كه مقتضى داشته باشد پس دانسته شد كه شيخ مقدم مى‏كند ظهور صد را كه لا تنقض باشد.

ذكر مى‏شود اينجا مثال از جهت توضيح ما ذكر نحو لا تضرب احدا پس ضرب ظهور دارد در ضرب مؤلم احدا ظهور دارد در مطلق ضرب چه مؤلم باشد يا نباشد فيشمل ذيل ضرب اموات را ايضا پس مقدم مى‏شود در مثال مذكور ظهور صدر كه ضرب باشد اى ضرب مؤلم كه در احياء باشد.

و اعلم ان المراد من الشك من حيث المقتضي هو الشك من حيث الاقتضاء و القابلية فى ذاته للبقاء كالشك فى بقاء الليل و النهار فيفهم من ذلك انه ليس المراد من المقتضى كما ينصرف ذلك من اطلاق كلمة المقتضى مقتضى الحكم اى الملاك و المصلحة فيه و لا مقتضى لوجود الشي‏ء فى باب الاسباب و المسببات بحسب الجعل الشرعي مثل ان يقال الوضوء مقتضى للطهارة و عقد النكاح مقتضى للزوجية.

31

فائدة قد اشكل فى جملة لا تنقض اليقين بالشك حاصل الاشكال انه يلزم فى هذه الجملة تناقض الصدر و الذيل لان الصدر اى لا تنقض يدل على ان المراد من اليقين هو اليقين المبرم و المستحكم و ذيل هذه الجملة اى اليقين يدل ان المراد من اليقين هو مطلق اليقين سواء كان بنحو الابرام و الاستحكام ام لا فاجيب عن هذا التناقض بأن يقدم الصدر على الذيل فيراد من اليقين اليقين المستحكم بعبارة اخرى يجعل الصد قرينة للذيل.

و لا يخفى ان ما ذكر فى حجية الاستصحاب مبني على قول الشيخ (قدس سره) اى فصل بين الشك فى المقتضى و الرافع و حكم بالحجية فى الثانى دون الاول و قال ان متعلق لا ينقض يقين المبرم و المستحكم هو عبارة عن اليقين فى وجود المقتضى و الشك فى وجود الرافع.

الآن يشرع فى توضيح عبارة صاحب الكفاية (قدس سره)

من عند قوله ثم لا يخفى حسن اسناد النقض الخ.

حاصل كلامه ان الاستصحاب حجة سواء كان الشك فى المقتضى او الرافع فقال ان اسناد النقض الذى هو ضد الابرام و الاستحكام انما يكون الى اليقين لكونه شيئا مبرما و مستحكما و لا فرق بين كون الشك فى المقتضى او الرافع اى يكون نفس اليقين مستحكما و لو كان متعلقا بما ليس فيه اقتضاء بعبارة اخرى و لو كان الشك فى المقتضى و لا يصدق الابرام و الاستحكام على الظن لتزلزله و عدم ثباته فلا يصح اسناد النقض اليه لانه يسند الى الشي‏ء المبرم و المستحكم و ان كان المظنون فيه اقتضاء البقاء.

32

قوله و الا لصح ان يسند الى نفس ما فيه المقتضى له.

اى ان لم يكن مصحح النقض ما فى اليقين من الابرام و الاستحكام بل قلنا ان المصحح للنقض انما يكون المتيقن باعتبار وجود المقتضى فيصح استعمال النقض فيما فيه مقتضى البقاء و هذا مثل نقضت الحجر من مكانه مع عدم صحة اسناد النقض فى هذا المثال الى الحجر لان المراد من نقضه بقرينة هو نقله الى مكان آخر و من المعلوم عدم ورود النقض بمعنى النقل.

و ايضا ان كان اسناد النقض الى المتيقن باعتبار وجود المقتضى فلا يصح ان يقال انتقض اليقين باشتعال السراج فيما اذا شك فى بقائه للشك فى استعداده مع ان اسناد نقض فى هذا المثال صحيح الى اشتعال السراج فثبت من البيان المذكور اسناد النقض الى اليقين المبرم و المستحكم و ان كان الشك فى المقتضى.

قوله و بالجملة لا يكاد يشك فى ان اليقين كالبيعة و العهد الخ.

هذا بمنزلة النتيجة لما ذكر من ان النقض يسند الى نفس اليقين لثباته و استحكامه فى نفسه و ذكر المصنف نظيرا مثلا يسند النقض الى البيعة و العهد لما فيهما من الثبات و الاستحكام و كذا يسند النقض الى نفس اليقين فلا موجب لما ذكره الشيخ الاعظم من ان يسند النقض الى المتيقن الذى فيه اقتضاء البقاء.

و اذا صح اسناده الى نفس اليقين فلا موجب لارادة المتيقن الذى فيه اقتضاء البقاء بعبارة اخرى ان قوله فلا موجب لارادة

33

ما هو اقرب الى الامر المبرم الخ.

جواب عن السؤال المقدر حاصله ان النقض يسند الى المتيقن الذى فيه استعداد البقاء و اما فى المورد الذى يسند النقض الى نفس اليقين فيراد منه اقرب المجازات اى يراد المعنى المجازي الذى هو اقرب الى المعنى الحقيقى فيراد من اليقين المتيقن المبرم و المستحكم.

فاجاب صاحب الكفاية (قدس سره) عن هذا السؤال‏

بقوله فلا موجب الخ.

اى لا موجب لارادة المعنى المجازي بعد صحة المعنى الحقيقى فيسند النقض الى نفس اليقين و لا وجه لارادة المعنى المجازي.

قوله فان قلت نعم و لكنه حيث لا انتقاض لليقين فى باب الاستصحاب الخ.

هذا القائل يراد اثبات مقالة الشيخ اى ان الاستصحاب حجة فى صورة الشك فى الرافع و لم يكن حجة فى صورة الشك فى المقتضي فاشكل على اسناد النقض الى اليقين بلفظ ان قلت حاصله ان النقض فى باب الاستصحاب لا يسند الى اليقين حقيقة لبقاء اليقين بالحدوث على حاله فلا بد من اقتضاء البقاء فى المتيقن حتى يصح اسناد النقض الى اليقين على نحو المجاز فاذا كان اقتضاء البقاء فى المتيقن فهو مصحح لاسناد النقض الى اليقين مجازا فان اليقين فى صورت اقتضاء المتيقن للبقاء يصير بمنزلة امر مستمر مستحكم قد عرض فيه الشك من حيث الرافع.

34

قوله: قلت الظاهر ان وجه الاسناد هو لحاظ اتحاد متعلقى اليقين و الشك ذاتا الخ.

هذا جواب الاشكال ان وجه اسناد النقض الى اليقين هو لحاظ اتحاد متعلقى اليقين و الشك ذاتا و عدم ملاحظة تعددهما زمانا.

الحاصل ان الاشكال المذكور مبنى على دخل الزمان فى متعلقى اليقين و الشك اى اذا كان الزمان دخيلا فى متعلقيهما فزمان اليقين مقدم على زمان الشك فلا يكون هذا الشك موجبا لنقض اليقين لاختلاف زمانهما و اما اذا لم يكن للزمان مدخل فى متعلقى اليقين و الشك فيصح اسناد النقض الى اليقين بالشك و يكفى اتحاد متعلقى اليقين و الشك ذاتا فى صحة اسناد النقض الى اليقين من باب الاستعارة.

قد ذكر فى محله ان المراد من الاستعارة الاصطلاحية هى اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الاصلى لعلاقة المشابهة كاسد فى قولنا رأيت اسدا يرمى.

و اما فى مقام البحث فاستعير اسناد النقض الى اليقين لعلاقة المشابهة أى تشبيه اليقين بالامر المبرم المستحكم و اثبات اثر هذا الامر للمشبه اعني اثبات النقض لليقين فيكون هذا نظير ما ذكر فى باب الاستعارة فى علم البيان نحو و اذا المنية انشبت اظفارها اى اريد من لفظة المنية الحيوان المفترس.

فثبت صحة اسناد النقض الى اليقين عرفا سلمنا ان اسناد النقض الى اليقين مع المقتضى اقرب بالانتقاص لكن هذا لا يكون موجبا لتعيين اسناد النقض الى المتيقن فى صورة وجود المقتضى‏

35

لان الاعتبار فى الاقربية انما هو بنظر العرف لا الاعتبار العقلى.

و اعلم ان البحث الى هنا فى الكلمات المفردة من حيث المادة أى كان البحث فى مادة النقض و كذا فى مادة اليقين قد بين هذا مفصلا حاصله ان الشيخ جعل الصدر قرينة للذيل مثلا فى لا تنقض اليقين بالشك جعل لا تنقض قرينة ليقين بان يدل لا تنقض على ان المراد من اليقين هو اليقين المبرم و المستحكم و لكن على قول صاحب الكفاية ان الصدر لا يصلح ان يكون قرينة للذيل اى لا تصلح كلمة لا تنقض لان تكون قرينة لتخصيص اليقين بان يراد منه اليقين المبرم و المستحكم و اذا لم تصلح كلمة لا تنقض قرينة للذيل اريد من كلمة اليقين مطلق اليقين فيثبت حجية الاستصحاب مطلقا أى سواء كان الشك فى الرافع ام فى المقتضى.

قوله: و اما الهيئة فلا محالة يكون المراد منها النهى عن الانتقاض بحسب البناء و العمل الخ.

قد ذكر البحث فى لا ينقض اليقين من حيث المادة و اما البحث من حيث الهيئة فقال الشيخ ان هيئة لا ينقض اليقين كانت لتخصيص عموم اليقين بموارد فى الشك فى الرافع بارادة المتيقن من اليقين اى جعل الشيخ هيئة لا تنقض قرينة للذيل بان يراد من اليقين المتيقن المستحكم اعني كون الشك فى الرافع لا المقتضي.

و اما صاحب الكفاية فيمنع ما ذكره الشيخ و يقول ان النقض الحقيقى لا يصح هنا سواء اريد باليقين نفسه ام المتيقن من باب المجاز فى الكلمة ام آثار المتيقن من باب المجاز بالاضمار

36

و التقدير.

توضيحه انه لا يصح ان تدل هيئة لا تنقض على عدم نقض اليقين و لا على عدم نقض المتيقن أو آثاره وجه عدم صحة ما ذكر ان عدم نقض اليقين ليس تحت اختيارنا لوضوح انتقاضه قهرا بعد عروض الشك أى لا وجود لليقين حينئذ حتى يصح تعلق النهى بنقضه و كذا لا يصح اسناد عدم النقض الى المتيقن أو آثاره لان بعد انتقاض اليقين لم يكن المجال للمتيقن و آثاره.

اذا لم يصح اسناد عدم النقض الى ما ذكر فلا محالة يراد عدم النقض من حيث العمل اذ مرجع عدم النقض حينئذ الى عدم رفع اليد عن العمل السابق الواقع على طبق اليقين فيصير لا تنقض اليقين أبق عملك المطابق لليقين هذا المعنى قابل لتعلق الخطاب مثلا كان الشخص يصلى و يطوف و يمس المصحف فى حال الشك و يبقى هذه الاعمال فى حال الشك.

و لا يخفى ان الابقاء من حيث العمل لا فرق فيه بين تعلق اليقين بما فيه اقتضاء البقاء و تعلقه بما ليس فيه ذلك أى سواء كان الشك فى المقتضى ام الرافع فيصدق الابقاء العملي فى كلتا الصورتين.

و قد اتضح من البيان المذكور عدم الحاجة فى التصرف فى لا تنقض بارادة المتيقن من اليقين او اضمار آثار اليقين أى لا وجه لجعل لا تنقض من باب المجاز فى الكلمة او من باب المجاز الناشى من الحذف بعد صحة اسناد لا تنقض الى البناء و العمل.

37

قوله: لا يقال لا محيص عنه الخ.

هذا اشكال على صاحب الكفاية اى صرح بقوله فلا يكاد يجدى التصرف بذلك حاصله ان المصنف صرح بعدم الاحتياج الى التصرف فى كلمة اليقين بالتجوز أو الاضمار.

فاشكل عليه بقوله لا يقال توضيحه انه لا محيص عن التصرف فى متعلق النقض أى اليقين بان يراد منه المتيقن و ذلك لان المراد من اليقين فى الصحيحة أى اليقين بالوضوء هو طريقى محض الى الوضوء لان الآثار الشرعية من جواز الدخول فى الصلاة و غيره تترتب على نفس الوضوء لا على اليقين به فلا اثر لليقين حتى يترتب عليه بنهى الشارع عن نقضه.

فظهر ان اليقين طريقى اى طريق الى المتيقن فيترتب الآثار الشرعية على المتيقن و لا تترتب الآثار على اليقين الطريقى و اما اذا كان اليقين موضوعيا فصح ترتب الآثار عليه شرعا و لكن المفروض كون اليقين فى مورد الصحيحة طريقيا محضا فلا يترتب عليه شرعا الآثار و الاحكام فان النهى عن النقض بالنسبة الى اليقين و آثاره لا يصح فى المقام لمنافاة النقض بحسب العمل مع مورد الصحيحة اذا اسند الى اليقين لكون اليقين فيه طريقيا محضا فلا يترتب عليه الاثر الشرعى بل يترتب الاثر الشرعى فى مورد الصحيحة على المتيقن أى الوضوء.

قوله: فانه يقال انما يلزم لو كان اليقين ملحوظا بنفسه الخ.

هذا جواب الاشكال الذى اورد على صاحب الكفاية من انه لا محيص عن التصرف فى متعلق لا تنقض بان يراد من اليقين المتيقن لان اليقين فى الصحيحة طرقى أى طريق الى الوضوء

38

فلا بد التصرف فى متعلق النقض بان يكون المراد من اليقين:

المتيقن من باب المجاز فى الكلمة أو يكون المراد آثار المتيقن من باب المجاز فى الحذف.

و أيضا ان اسند النقض الى اليقين لزم منافاته مع مورد الصحيحة لان اسناد النقض فى الصحيحة انما يكون الى المتيقن كالوضوء على نحو ما مر تفصيله هذا حاصل الاشكال.

و اما الجواب الذى ذكر بقوله فانه يقال الخ فتوضيحه يحتاج الى ترتيب المقدمة: و هى ان النظر الى الشى‏ء اما ان يكون على نحو الآلي و اما ان يكون بنظر الاستقلالى كما ذكر فى محله ان النظر الى الحروف آلى و النظر الى الاسماء استقلالى بتعبير آخر ان الشى‏ء اما ان يكون فيه ينظر و اما ان يكون به ينظر مثلا النظر فى المرآة اما ان يكون لتشخيص جنسها و اما ان يكون لرؤية الوجه.

اذا تمت المقدمة المذكورة فنقول ان النظر الى اليقين اما ان يكون بالنظر الآلي و اما ان يكون بالنظر الاستقلالى و الاشكال المذكور يلزم اذا كان اليقين ملحوظا بنفسه و بالنظر الاستقلالى أى فلا يترتب حينئذ على اليقين الاثر الشرعى.

و اما اذا كان ملحوظا بنحو المرآتية و بالنظر الآلي فلم يلزم الاشكال المذكور فيلاحظ اليقين فى مثل قضية لا تنقض بنحو المرآتية و بالنظر الآلي اى يكون لا تنقض اليقين عرفا كناية عن لزوم البناء و العمل على التزام حكم مماثل للمتيقن اى اذا كان المتيقن حكما بنى العمل على التزام الحكم الذى كان مماثلا للحكم‏

39

المتيقن السابق و كذا بنى العمل على حكم المتيقن اذا كان هذا المتيقن موضوعا كالوضوء.

قوله: لا عبارة عن لزوم العمل بآثار نفس اليقين بالالتزام الخ.

قد ذكر ان قضية لا تنقض اليقين حيث تكون ظاهرة عرفا فى عدم نقض العمل الذى كان على طبق يقين سابق أى يكون اليقين ملحوظا بنظر الآلي فلوحظ لكونه آلة و مقدمة للزوم العمل فتسري الالية من اليقين الخارجى الى المفهوم الكلى فذكر المصنف تفصيل هذه السراية.

بقوله: و ذلك لسراية الالية من اليقين الخارجى الى المفهوم الكلى الخ.

هذا دفع لما يتوهم حاصل التوهم ان الطريقية و الاستقلالية انما تكونان من الحالات العارضة على اليقين المصداقى أى اليقين الخارجى انما يكون آلة لغيره دون اليقين المفهومى لان المفهوم اليقين لا يكون مرآتا حتى يلاحظ فيه المرآتية و كذا مفهوم المرآة لا يكون آلة للنظر و الاراءة بل الآلة و المرآة انما تكون المصداق الخارجى و اما اليقين فى قولهم (ع) لا تنقض اليقين قد استعمل فى اليقين المفهومى فلا يصح ان يلاحظ مرآة للمتيقن هذا حاصل الاشكال الذى اورد على صاحب الكفاية.

فاجاب عن الاشكال المذكور.

بقوله: و ذلك لسراية الالية الخ.

توضيحه سلمنا ان الطريقية و الاستقلالية من عوارض اليقين الخارجى لكن هذا الفرد مصداق الكلى الطبيعى قد ذكر فى‏

40

محله ان الكلى الطبيعى موجود بوجود افراده فتسري الالية من هذا الفرد الخارجى الى المفهوم الكلى أى مفهوم اليقين فيؤخذ اليقين موضوع الحكم بهذا الاعتبار أى باعتبار المفهوم الكلى و قد يجعل نفس اليقين موضوعا للحكم كما ذكر فى باب القطع و اما فى المقام فوقع اليقين موضوعا للحكم باعتبار كونه مرآة للمفهوم الكلى.

قوله انه حيث كان كل من الحكم الشرعى و موضوعه مع الشك قابلا للتنزيل الخ.

كان البحث فى صحيحة زرارة للاستدلال بها على حجية الاستصحاب و قد ذكر وجه الاستدلال بها على حجيته و قوله حيث إنّه الخ وجه آخر على حجية الاستصحاب بصحيحة زرارة و المراد من هذا الوجه اثبات عمومية الصحيحة لحجية الاستصحاب فى كل من الموضوع و الحكم.

توضيحه ان اليقين فى قولهم (عليهم السّلام) لا تنقض اليقين بالشك مطلق يشمل اليقين بكل من الموضوع و الحكم و لم تقم القرينة على ارادة احدهما بالخصوص فمقتضى اطلاق الدليل هو ارادة كل اليقين اى سواء تعلق بالموضوع ام بالحكم و اما اذا تعلق بالموضوع فيكون مقتضى لا تنقض جعل حكم مماثل لحكم هذا الموضوع مثلا اذا شك المكلف فى الطهارة بعد كونه متيقنا فيها صح استصحاب الطهارة و جعل حكم مماثل لها من جواز اتيان الصلاة و مس كتابة القرآن و اما اذا كان اليقين بالحكم فيكون مقتضى لا تنقض جعل حكم مماثل لنفس الحكم المتيقن فى السابق‏

41

مثلا اذا كان المكلف متيقنا بوجوب اعطاء دينار لزيد بالنذر و شك بعد ذلك فمقتضى لا تنقض هو جعل حكم مماثل لنفس الحكم المذكور اى وجوب اعطاء درهم.

فثبت صحة الاستدلال بصحيحة زرارة لحجية الاستصحاب فى كل الحكم الشرعي و موضوعه اى سواء تعلق اليقين بالحكم او الموضوع صح استصحابهما بعد عروض الشك و الدليل للاستصحاب المذكور هو مقتضى لا تنقض اليقين بالشك و لا يحتاج هذا الاستصحاب الى التصرف فى اليقين او النقض.

الحاصل ان قضية لا تنقض ظاهرة فى اعتبار الاستصحاب فى الشبهات الحكمية و الموضوعية و لا يخفى ان اتيان المثال من الوضوء لم يكن موجبا لاختصاص لا تنقض بالشبهة الموضوعية لان المثال و المورد لم يكن مخصصا و الغرض من اتيان المثال هو التوضيح لا الحصر و الاختصاص.

قوله منها صحيحة اخرى لزرارة الخ.

هذه الصحيحة مضمرة ايضا لكن لا اشكال فيها لان المضمر زرارة و لعين ما تقدم فى المضمرة الاولى من اسنادها الى الامام ابى جعفر الباقر عليه الصلاة و السلام فهذه الصحيحة الثانية تدل على حجية الاستصحاب مطلقا اى فى كل من الموضوع و الحكم و ان كانت فى مورد استصحاب الموضوع و قد ذكر ان المورد لم يكن مخصصا.

حاصل الاستدلال ان الامام (ع) امر باعادة الصلاة لاستصحاب النجاسة المتيقنة اى كان الشخص متيقنا بدم الرعاف و هو بضم‏

42

الراء الذى يخرج من الانف: المدرك مجمع البحرين.

قوله قلت فان لم اكن رأيت موضعه و علمت انه قد اصابه الخ.

هذا الكلام اشارة الى انه لا فرق بين العلم الاجمالى و التفصيلى و قد حكم فى الفرض المزبور على نجاسة الثوب بالعلم الاجمالى اى قد تيقن الشخص بان القذارة اصابت ثوبه و تفحص عنها و لم يظفر بها و صلى ثم رأى تلك النجاسة فسئل هذا الشخص ما فعله عن الامام (ع) و اجاب (عليه السّلام) بلزوم غسل الثوب و اعادة الصلاة.

قوله قلت فان ظننت انه قد اصابه و لم اتيقن ذلك الخ.

و هذا الفرع الثالث و يبين حكم رؤية النجاسة بعد الصلاة مع الظن بالاصابة قبلها اى علم المكلف بطهارة ثوبه ثم ظن بانه اصابه الدم و تفحص عنه و لم يظفر به و صلى ثم وجده‏

و اجاب الامام (عليه السّلام) بوجوب تطهير الثوب للصلاة الآتية و عدم وجوب الاعادة و سئل زرارة عن الامام (ع) بحكمه بعدم الاعادة مع وقوع الصلاة فى النجاسة فاجاب (عليه السّلام) عن عدم الاعادة لانك على يقين من طهارتك فشككت و لا ينبغى نقض اليقين بالطهارة بالشك فى النجاسة.

قوله قد ظهر مما ذكرنا فى الصحيحة الاولى تقريب الاستدلال الخ.

اى استدل فى الصحيحة الاولى على حجية الاستصحاب بقوله (عليه السّلام) و لا ينقض اليقين بالشك ابدا و لكن ينقضه بيقين‏

43

آخر فيظهر من الاستدلال المذكور تقريب الاستدلال فى صحيحة اخرى انه قد ذكر فيها ستة امور بلفظة قلت و جعل محل الاستشهاد المورد الثالث و السادس اى قال سائل قلت فان ظننته انه قد اصابه و لم اتيقن فنظرت فلم أر شيئا فصليت قال تغسله و لا تعيد الصلاة قلت لم ذلك قال لانك كنت على يقين من طهارتك.

و كذا جعل محل الاستشهاد المورد السادس و هو قوله قلت ان رأيته فى ثوبي و انا فى الصلاة الخ.

اى سئل سائل ان رأيت النجاسة فى ثوبي فى حال الصلاة فما التكليف قال (عليه السّلام) تنقض الصلاة و تعيدها اذا شككت فى موضعه ثم رأيته.

و ايضا قال (عليه السّلام) و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك قد مر توضيح الاستدلال فى الصحيحة الاولى فلا حاجة الى الاعادة.

قوله نعم دلالته فى المورد الاول على الاستصحاب مبنى على ان يكون المراد من اليقين الخ.

هذا استدراك على الامر الاول و هو قوله قلت فان ظننته انه قد اصاب الخ توضيح هذا الاستدراك انه يحتمل ان يكون المراد من اليقين فى قوله (ع) لانك كنت على اليقين من طهارتك هو اليقين بالطهارة قبل ظن اصابة النجاسة و المراد بالشك هو احتمال وقوع النجاسة بعد ذلك اليقين مثلا اذا كان المكلف عالما بطهارة الثوب قبل الصلاة ثم ظن بالاصابة فى الوقت الثانى فتفحص و لم يجد النجاسة و صلى و رأى بعد الصلاة النجاسة

44

و احتمل وقوعها على الثوب قبل الصلاة فلا يوجب هذا الاحتمال زوال اليقين السابق فيصح استصحاب فى الصورة المذكورة.

و كذا يحتمل ان يكون المراد باليقين فى المورد المذكور هو اليقين بالطهارة الحاصل بالنظر و الفحص فالرؤية الحاصلة بعد الصلاة تسرى الى اليقين الذى حصل بالفحص و النظر لان هذا اليقين فى حال تزلزل.

قوله ثم إنّه اشكل على الرواية بان الاعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة الخ.

اى قد استدل بالصحيحة على حجية الاستصحاب فى المورد الاول و هو قوله قلت فان ظننته انه قد اصابه الخ قال (ع) لا تعيد الصلاة لانك على يقين من طهارتك.

فاشكل الشيخ على هذا الاستدلال حكاية عن السيد الصدر شارح الوافية توضيح الاشكال ان الاعادة ليست نقضا لليقين بالشك حتى تحرم بالنهى عنه فى قوله (عليه السّلام) لا تنقض اليقين بالشك اى ليس هذا المورد نقض اليقين بالشك بل هو نقض اليقين باليقين اذ المفروض هو حصول العلم بالنجاسة و وقوع الصلاة فيها فتكون الاعادة نقضا لليقين بالطهارة باليقين بضدها فلا تنطبق قاعدة لا تنقض اليقين بالشك على المقام بل كان مما ينطبق عليه و انقضه بيقين آخر.

قوله نعم انما يصح ان يعلل به الخ‏

هذا بيان لمشروعية الدخول فى الصلاة المشروطة بالطهارة بهذا اليقين مع الشك فيها بعده و كذا يظهران الامتناع عن الدخول فيها نقض لآثار تلك الطهارة المتيقنة و اما بالنسبة الى‏

45

الاعادة فلا يلزم نقض اليقين بالشك بل بالنسبة اليها كان نقض اليقين بيقين آخر.

قوله و لا يكاد يمكن التفصى عن هذا الاشكال الخ.

قد اشكل فى الصحيحة الاخرى بان اعادة الصلاة لم تكن نقض اليقين بالشك بل كانت نقض اليقين باليقين.

و اما الجواب عن هذا الاشكال و التحقيق فى حله فيقال ان التعليل انما هو بلحاظ حال الصلاة و المراد من التعليل هو قوله لانك كنت على يقين من طهارتك اى كان هذا التعليل بلحاظ حال الصلاة حيث ان المكلف فى هذا الحال كان على يقين من طهارة فشك فيها فلا يصح نقض اليقين السابق بالشك اللاحق.

توضيح الجواب ان الشرط فى الصلاة هو الطهارة الخبثية فى الفرض المزبور و ايضا ان الطهارة الخبثية شرط علميّ للصلاة بمعنى كفاية احرازها و لو باصل معتبر فاحرز المكلف الطهارة باستصحاب اليقين السابق فظهر ان شرط فى المقام هو احراز الطهارة الخبثية و ليست شرطا واقعيا كالطهارة الحدثية فيصح من هذا البيان التعليل المزبور لان الشرط للمكلف الملتفت هو احراز الطهارة لا نفسها فيحسن التعليل بعدم وجوب الاعادة بكون الاعادة نقضا لليقين بالشك حيث إنّه فى حال الصلاة كان شاكا فى بقاء الطهارة بعد ما كان متيقنا بها قبل الدخول فى العبادة ثم ظن اصابة النجاسة.

و الظاهر ان هذا الظن ملحق بالشك حكما لعدم الدليل على اعتباره فلذا يقال انه شاك فى بقاء الطهارة فظهر ان الاستصحاب‏

46

اوجب احراز الطهارة فى حال الصلاة فالاعادة تكون نقضا لليقين بالشك لان الشرط العلمي موجود فى حال الصلاة و كان المكلف محرزا للطهارة فالاعادة بعد كشف النجاسة تكشف عن النقض و عدم حجية الاستصحاب فيلزم نقض القاعدة التى ذكرت فى الصحيحة.

قوله لا يقال لا مجال حينئذ لاستصحاب الطهارة الخ.

قد ذكر ان الشرط فى الفرض المزبور هو احراز الطهارة فاشكل عليه بان الطهارة اذا لم تكن شرطا للصلاة فلا مجال لاستصحابها لان شرط المستصحب ان يكون حكما او موضوعا لحكم و اما الطهارة اذا لم تكن شرطا فلم يكن موضوعا لحكم و كذا ليست حكما فلا يصح استصحابها لفقدان الشرط اى لم تكن الطهارة حكما و موضوعا لحكم.

قوله فانه يقال ان الطهارة و ان لم يكن شرطا فعلا الخ.

هذا جواب الاشكال الذى ورد فى استصحاب الطهارة من انها ليست حكما و كذا ليست موضوعا لحكم فلا يصح استصحابها فاجيب هذا الاشكال بقوله لا يقال الخ. اى يصح استصحاب الطهارة الواقعية لكونها شرطا اقتضائيا توضيحه ان الشرط بمقتضى ظاهر الادلة الطهارة الواقعية لكن دل مثل الصحيحة المذكورة ان الشرط فى المقام هو احراز الطهارة لا نفسها فالطهارة الواقعية لم تكن منعزلة عن الشرطية بل هي شرط واقعي فى مرتبة الاقتضاء و اما الشرط الفعلى فهو احراز الطهارة.

فيكون هذا الجواب موجبا للجمع بين ما دل على اعتبار

47

الطهارة الواقعية و بين ما دل على اعتبار احراز الطهارة فان مقتضى الجمع بين هاتين الطائفتين هو حمل الطائفة الاولى على الشرطية الاقتضائية اى تحمل الادلة التي تدل على كون الشرط هو الطهارة الواقعية على الشرطية الاقتضائية و تحمل الادلة التى تدل على ان الشرط هو احراز الطهارة على الشرطية الفعلية.

و الجواب الثانى عن الاشكال المذكور ان الطهارة و ان لم تكن شرطا لكنها قيد لما هو شرط مثلا استصحاب طهارة الماء الذى يتوضأ به يصح باعتبار كونها شرطا للشرط فان شرط الصلاة هو الوضوء و اما طهارة الماء فهى قيد للوضوء و كذا الحكم فى المقام اذا فرض كون الشرط فى المقام احراز الطهارة و تصير الطهارة قيدا للاحراز الذى هو الشرط فيصح استصحاب هذا القيد اى الطهارة و بيّن المصنف هذا الجواب الثانى.

بقوله مع كفاية كونها من قيود الشرط حيث إنّه كان احرازها بخصوصها لا غيرها شرطا.

اى كان احراز الطهارة شرطا بخصوصها لا غير احراز الطهارة هذا بيان لكون الطهارة قيدا للشرط اى الاحراز الحاصل انه يصح بهذين الجوابين المذكورين جريان الاستصحاب فى الطهارة لاجل احرازها و يصح انطباق التعليل على المورد و هو قوله لانك على يقين من طهارتك.

قوله لا يقال سلمنا ذلك لكن قضية ان يكون علة عدم الاعادة الخ.

حاصل هذا الاشكال انه لو كان الاحراز شرطا للزم تعليله‏

48

بالاحراز بان يقال لانك احرزت الطهارة لا بالصغرى و الكبرى المذكورة المنتجين لنفس الطهارة لا يصح التعليل بقوله لانك كنت على يقين من طهارتك لان هذا التعليل دال على استصحاب الطهارة لا الاحراز.

قوله فانه يقال نعم لكن التعليل انما يكون بلحاظ حال قبل انكشاف الحال الخ.

هذا جواب الاشكال اى قال المستشكل ان التعليل لم يكن مناسبا لاستصحاب احراز الطهارة و المناسب له ان يقال لانك احرزت الطهارة بل التعليل المذكور اى لانك كنت على يقين من طهارتك كان مناسبا لاستصحاب نفس الطهارة هذا حاصل الاشكال.

و اجاب المصنف عنه بقوله فانه يقال نعم الخ توضيح الجواب انه لو كان التعليل بلحاظ حال بعد الصلاة لكان المعين التعليل بالثانى اى ان كان التعليل فى مقام عدم وجوب الاعادة بعد فراغ عن الصلاة فالمعين هو التعليل الثانى يعنى ان يقال لانك احرزت الطهارة و لا سبيل الى التعليل الاول يعنى بان يقال لانك كنت على يقين من طهارتك اى لا يصح هذا التعليل فى حال بعد الفراغ عن الصلاة اذ المفروض بعد الصلاة هو وقوع الصلاة فى الثوب المتنجس فلا يصح بعد انكشاف الخلاف ان يقال انك كنت على يقين من طهارتك لعدم الطهارة بعد الصلاة و انكشاف الخلاف وجدانا.

و اما لو كان التعليل بلحاظ حال الصلاة لصح بكلا الامرين‏

49

اى يصح ان يعلل بقوله لانك كنت على يقين من طهارتك و كذا يصح ان يعلل بان يقال لانك احرزت الطهارة لكن تعليل امام (عليه السّلام) بقوله لانك كنت على يقين من طهارتك كان لنكتة اى كان هذا التعليل للتنبيه على حجية الاستصحاب اى يعلم من قوله لانك كنت على يقين حجية الاستصحاب و اما التعليل بالاحراز بان يقال لانك احرزت الطهارة فلا يفيد هذا المعنى اى لا يفيد حجية الاستصحاب لجواز كونه بقاعدة اخرى كقاعدة الطهارة و اشار الى هذه النكتة.

بقوله انه كان هناك استصحاب مع وضوح استلزام ذلك الخ.

اى كان قبل كشف الخلاف استصحاب الطهارة بان يكون هذا الاستصحاب مجديا بعد الصلاة و كشف الخلاف لاستصحاب احراز الطهارة اى لا يصح استصحاب نفس الطهارة بعد كشف الخلاف فالمستصحب بعد كشف الخلاف هو احراز الطهارة و الا لما كانت الاعادة نقضا لليقين و اما اذا كان المستصحب احراز الطهارة فكانت الاعادة مستلزمة النقض اليقين.

قوله ثم إنّه لا يكاد يصح التعليل لو قيل باقتضاء الامر الظاهرى للاجزاء الخ.

توضيح هذا الكلام ان المكلف اذا كان متيقنا بالطهارة و شك فى الزمان الثانى فيها فالامر الظاهرى كاف للاجزاء و عدم الاعادة فلا حاجة الى التعليل بقوله (ع) لانك كنت على يقين لان الخطاب الظاهرى للصلاة دال للاجزاء و عدم الاعادة فلا يبقى المورد للزوم النقض من الاعادة فاجيب عن هذا الاشكال.

50

بقوله اللهم الا ان يقال ان التعليل به الخ.

حاصل هذا الجواب ان هذا التعليل أى لانك كنت على يقين انما يكون بلحاظ حال الصلاة فالعلة لعدم الاعادة حينئذ هى مجموع الصغرى و الكبرى و المراد من الاولى أى الصغرى و هى حرمة نقض اليقين بالشك فى حال الصلاة المحققة للامر الظاهرى بالصلاة و المراد من الثانية أى الكبرى هى اقتضاء الامر الظاهرى للاجزاء فتدل هاتين المقدمتين على عدم جواز الاعادة.

بعبارة اخرى ان ثبوت الاعادة اما ينشأ من انتفاء الاولى اعنى حرمة النقض أى بانتفاء حرمته ثبت جواز النقص و اما ينشأ ثبوت الاعادة من انتفاء الثانية اعنى الكبرى أى عدم اقتضاء الامر الظاهرى للاجزاء فاذا لم يكن هذا الامر مقتضيا للاجزاء ثبت الاعادة.

فاذا كان للشي‏ء علة مركبة يصح فى مقام التعليل وجوه الثلاثة الاكتفاء بالصغرى فقط او الكبرى فقط او كلا الامرين مثلا اذا اريد بيان تعليل حدوث العالم يقال تارة لانه متغير أى الصغرى فقط و اخرى لان كل متغير حادث أى الكبرى فقط و ثالثة لانه متغير كل متغير حادث أى كلا الامرين و اما فى المقام فقد اكتفى بالصغرى أى حرمة نقض اليقين بالشك فثبت من البيان المذكور صحة التعليل بقوله (ع) لانك كنت على يقين و لا يضر فيه ملاحظة ضميمة اقتضاء الامر الظاهرى للاجزاء قال أيضا صاحب الكفاية فى جواب الاشكال مع أنّه لا يكاد يوجب الاشكال فيه الخ.

51

توضيح هذا الجواب انه قد اجيب عن الاشكال الذى ورد على التعليل بقوله اللهم ان يقال الخ قد علم هذا الجواب مفصلا آنفا.

و اما المراد من هذا الجواب فانه لا يوجب الاشكال الذى ورد فى التعليل المذكور مع تسليم العجز عن التفصى عنه اشكالا فى دلالة الرواية على الاستصحاب و المراد من هذا الجواب انه لو كان الاشكال المتقدم منحصرا فى تطبيق الصحيحة على الاستصحاب و لا يجرى الاشكال المذكور فى قاعدة اليقين لكان وروده قرينة على كون المراد هو قاعدة اليقين لا الاستصحاب لكن الاشكال وارد فيها ايضا أى بعد ورود الاشكال فى قاعدة اليقين ايضا:

فلا وجه لتطبيق الصحيحة على القاعدة المذكورة.

و اما لو فرض انحصار الاشكال فى تطبيق الصحيحة على قاعدة الاستصحاب لكان هذا قرينة على تطبيق الصحيحة على قاعدة اليقين لكن الاشكال المذكور وارد على كلا القاعدتين فلا وجه لتطبيق الصحيحة على قاعدة اليقين مع كون الصحيحة ظاهرة فى الاستصحاب.

فان قلت ان ورود الاشكال على كلا القاعدتين يكون قرينة على ارادة المورد الثالث: قلت انا نقطع بكون احدهما مراد أى نقطع ان احدى القاعدتين مراد لزرارة لان نقض اليقين بالشك لا يتصور الا فى هاتين القاعدتين و الفرق بين قاعدة اليقين و الاستصحاب: ان اليقين ان ارتفع بالشك اللاحق رأسا فهو قاعدة اليقين و اما ان كان الشك متعلقا ببقاء اليقين لا بحدوثه فهو قاعدة الاستصحاب أى فى صورة الاستصحاب لا يرتفع اليقين حدوثا بالشك اللاحق بل يتعلق باليقين بقاء.

52

فظهر مما ذكر انه لا تصح ارادة القاعدة الثالثة فى المقام كقاعدة المقتضى و عدم المانع فلا مجال لهذه القاعدة لان المورد مما علم فيه المانع و هو النجاسة فلا اثر للمقتضى عند وجود المانع.

قوله: و منها صحيحة ثالثة لزرارة الخ.

قد استدل لحجية الاستصحاب فى الروايتين المذكورتين و بين وجه الاستدلال مفصلا و اما وجه الاستدلال فى هذه الصحيحة الثالثة فكان الشك بين الثلاث و الاربع و ان ابتدأ فى الرواية او لا الشك بين الاثنين و الاربع لكن لم يستدل فى هذا القسم لعدم اشتهاره.

و قد استدل فى هذه الصحيحة بالشك بين الثلاث و الاربع وجه الاستدلال فيبنى الشاك على الثلاث لانه كان متيقنا بعدم اتيان الاربع لكن عرض له الشك فى الزمان اللاحق فيه فلا ينقض اليقين بالشك أى اليقين بعدم اتيان الاربع لا ينقض بالشك هذا حاصل الاستدلال لحجية لاستصحاب لكن و قد اشكل بعدم امكان ارادة ذلك على مذهب الخاصة الخ.

أى اشكل على هذا الاستدلال الشيخ (قده) حاصل الاشكال ان الاستدلال بهذه الرواية انما يصح على طبق مذهب العامة بان يبنى على الثلاث و اضيف اتيان ركعة موصولة.

و اما على مذهب الخاصة فيبنى على الاربع و قد استقر على اضافة ركعة بعد التسليم مفصولة و على هذا تكون هذه الرواية دليلا لقاعدة الفراغ أى الامام (عليه السّلام) علّم المكلف بالبناء على الاكثر فى صورة الشك بين الثلاث و الاربع فتجرى هنا قاعدة