تعريب تاريخ طبرستان

- محمد بن حسن بن إسفنديار المزيد...
489 /
5

[ترجمة الجزء الاول من كتاب" تاريخ طبرستان"]

تقديم‏

مما لا شك فيه أن نمط الكتابة التاريخية ذات الاتجاه المحلى الذى يهتم بالمدن و الأقاليم من أهم أنماط التدوين التاريخى الذى كتب به المؤرخون المسلمون فى المشرق و المغرب على السواء، و قد ارتبط هذا الاتجاه بشعور الانتماء الذى يلازم المؤرخ كإنسان تجاه مسقط رأسه أى المدينة التى ولد فيها أو الإقليم الذى ينتسب إليه.

و من خلال در استنا لتلك الظاهرة نرجح أن هناك أكثر من عامل ساعد على ظهور مثل هذه الكتب الإقليمية، منها مثلا الموروث التراثى الذى تم بنقله و ترجمته إلى العربية وضع تجارب و أنماط حضارات قديمة كاليونانية و الفارسية و الهندية و غيرها من كتب الأقاليم كنماذج يحتذى بها من جانب المؤرخ المسلم.

و لا مانع أن يكون العامل السياسى، الذى يمكن أن نطلق عليه نمو الشعور بالذاتية الإقليمية فى صورة الحركة الاستقلالية قد أدى إلى تفاعل المؤرخ فى هذه الأقاليم أن يكتب لمدنه و أقاليمه تاريخا خاصا مستقلا يركز فيه على المفاخر السياسية و الحضارية للبلد الذى بنتمى إليه المؤرخ. و ربما يندفع المؤرخ بقلمه لكتابة تاريخ إقليم أو مدينة تحت تأثير أو إغراء السلطة السياسية التى ربما طلب حكامها من المؤرخين وضع كتب لإظهار تواريخ ولاياتهم أو عواصم دولهم، كما هو الحال مثلا عند النرسخى مع السامانيين أو العتيبى مع الغزنويين.

و هناك عامل آخر ربما ساعد على ظهور كتب الأقاليم و المدن و هو عامل اجتماعى نفسى، حيث يميل المؤرخ كإنسان إلى تصوير ما كان عليه مجتمعه من حالة سياسية و عسكرية و اجتماعية، و هى تميل إلى التعددية فى قواها السياسية و المذهبية بالمشرق الإسلامى، مما أدى إلى تعدد كتب الأقاليم و المدن.

و يرتبط بكتب الأقاليم و المدن و نموها، الحديث عن ظاهرة أدبية ترتبط بلغة هذه الكتب، حيث إن المؤرخ المسلم ظل ما يقرب من ثلاثة قرون تقريبا يكتب باللغة العربية لغة الإسلام و الحضارة، ثم تدرج استخدام الفارسية الحديثة فى المشرق و خاصة

6

فى كتب الأقاليم و المدن تحت رعاية الدويلات الفارسية و التركية المستقلة بدءا بالصفارية و السامانية و غيرها، و من هنا تولدت ظاهرة جديدة هى ازدواجية لغة الكتابة فى الأدب التاريخى و مارس أصحاب اللسانين عملهم بأقلامهم فى مجال التاريخ.

و الكتاب الذى بين أيدينا «تاريخ طبرستان» بلا شك حصاد تلك الظاهرة التى نمت فى أحضان التجربة الإقليمية الإسلامية حيث إن مؤلفه ابن اسفنديار (بهاء الدين محمد بن الحسن) لاحق العديد من المؤرخين المشارقة، فهو من المؤرخين الذين شاهدوا القرنين الخامس و السادس الهجريين، و بالتالى فقد تمكن من استيعاب تجارب من سبقوه من الجغرافيين و مؤرخى المدن و الأقاليم السابقين الذين غذّوا بفكرهم و منهجهم تلك التجربة من أمثال المدائنى (ت 215 أو 222/ 830 أو 838 م) أو ابن طيفور (ت 280/ 893 م) فى العراق مرورا بالسلّامى (ق 4/ 10 م) فى خراسان أو النرشخى (ق 4/ 10 م) فيما وراء النهر، ثم السهمى (ق 5/ 11 م) فى جرجان و غيرهم. فوصلت بالتالى التجربة إلى ابن اسفنديار فاستوعبها و أفاد منها من الناحية الموضوعية و المنهجية.

و قد استوقفتنى تجربة ابن اسفنديار فى كتاب «تاريخ طبرستان» مقارنة بالتجارب المنهجية مع غيره من مؤرخى المدن و الأقاليم كما أن ولاية طبرستان لم تكن كغيرها من الولايات الفارسية بحكم موقعها و بيئتها الجغرافية و أسلوب فتحها الذى استمر بما يشبه فتح العصور أو المراحل التاريخية إذ بدأ الفتح زمن الخلفاء الراشدين ثم استكملت مراحله زمن الأمويين و استمرت المحاولات ما بين مد و جزر إلى أن جاء دور الخلافة العباسية التى أتمت جهود الفاتحين السابقين، ثم ما ورد فى هذا الكتاب عن حركات التمرد و العصيان التى اشتعلت فى طبرستان ضد حكومة الخلافة و نوابها، و ما ورد فى الكتاب عن أهم الفرق المذهبية فى طبرستان مما لزم ابن اسفنديار أن يجمع مادة علمية غزيرة فتضمن كتابه وثائق قلما توفرت فى غير كتابه، و تمكن من الحصول عليها بعد رحلات و جولات فى بلدان المشرق الإسلامى.

و لا يسعنى كمدرس للغة الفارسية و باحث فى الدراسات الآسيوية إلا الاعتراف بقيمة هذا العمل و فائدته العلمية آملا أن تتلوه دراسات و ترجمات أخرى لكتب التراث الإسلامى.

و الله من وراء القصد، د. أحمد محمد نادى‏

7

مقدمة الناشر

لم يكن النص الفارسى لكتاب «تاريخ طبرستان» قد طبع حين قام الأستاذ المرحوم" إدوارد براون" بنشر خلاصة الترجمة الإنجليزية لعام 1905، و منذ ذلك الوقت حظى بشهرة كبيرة بين أهل الأدب و البحث؛ و على الرغم من أن عددا من المستشرقين أدركوا أهمية هذا الكتاب و كتبوا مقالات فى شأنه قبل المرحوم" براون" بمدة كبيرة و قاموا باستخراجات منه؛ إلا أن أحدا لم يبادر بطبعه، إن هذه النسخة النفيسة التى أغار على أغلب محتوياتها المؤلفون، و اعتمدوا فى مؤلفاتهم عن" طبرستان" على أساسها ظلت بعيدة عن متناول يد العامة.

و ربما يعود السبب فى هذا الأمر إلى إشكال تصحيح الكتاب من حيث اشتماله على الأشعار و العبارات العربية الكثيرة و الأعلام و الأسلوب غير المألوف، و السبب الآخر: هو أخطاء و فساد النسخ الموجودة من هذا الكتاب، و من المؤكد أن هذين السببين هما اللذان أديا إلى تأخر نشر هذا الكتاب من قبل الناشر لسنوات، و رغم أن النسخة التى بين أيدينا ليست كاملة حتى الآن كما يجب و لا تزال عدة مواضع منها مجهولة و غير مفهومة، إلا أنه قد بذل فى توضيحها و تنقيحها أقصى ما يمكن، و قد تم حل و توضيح كثير من صعوباتها عند مقابلتها و مراجعتها مع النصوص الأخرى، و فى هذا الشأن فإن الناشر المتواضع مدين أكثر من غيره لعناية و خبرة الأستاذ و العلامة الكبير حضرة السيد" محمد قزوينى" مد (الله) ظله؛ حيث إنه قدم مساعدات قيمة للناشر، و ذلك فى مقابلة النسخ الموجودة بالأخرى و تصحيح العبارات الخاطئة و غير المفهومة، و قد من علىّ فى هذا الشان أيضا كما هو الحال فى الكثير من الأمور الأخرى، و كذلك كان الشكر و الحمد لهذا الأستاذ صاحب الجود و تمنى السعادة و العزة له؛ حيث إنه لم يضن بتحمل أى مشقة فى سبيل خدمة العلم و هذا فرض علىّ و على الأشخاص الذين لهم اهتمام باللغة الفارسية و آدابها و الذى يعد تاريخ طبرستان واحدا من أعمالها الشيقة و الجذابة، و الجدير بالذكر أن الناشر سوف يورد فى مقدمة الجزء

8

الثانى الذى سوف ينشر عن قريب معلومات مفصلة عن مؤلف الكتاب و تاريخه، و سوف يطبع فى نهاية الجزء الثانى الحواشى و التعليقات الخاصة بالجزءين، و التى بدونها تبقى أجزاء كثيرة من الكتاب غير مفهومة و قد أوردنا فى مقدمة هذا المجلد فقط التعريف بالنسخ الأخرى، و التى اتخذناها أساسا لطبع هذا الكتاب و نكتفى بذكر مجمل من الكم الموجود من كتاب" تاريخ طبرستان"، و الكم المفقود منه، و نترك التفصيل الكامل فى مقدمة الجزء الثانى.

9

" النسخ المعروفة من كتاب تاريخ طبرستان"

يوجد من كتاب" تاريخ طبرستان" تأليف" محمد بن حسن بن إسفنديار" نسخ متعددة سواء فى" إيران" أو فى المكتبات العامة فى بلاد الفرنجة، و مما يؤسف له أن جميع هذه النسخ بمبلغ علم الناشر ناقصة و مغشوشة، و تاريخ كتابة أى منها باستثناء النسخة (ألف) و التى هى أصح و أكمل النسخ المعروفة ل" تاريخ طبرستان" لا تتجاوز العام الألف الهجرى، و بالإضافة إلى النسختين (ألف) و (باء) و التى سوف يأتى الحديث عنها فيما بعد، فإن جميع النسخ الأخرى ل" تاريخ طبرستان" كانت تحت يد الناشر، أو قرأ عنها إجمالا أو قرأ أوصافها و تفصيلاتها فى كتب الفهارس، و هى أشبه بأن تكون قد تفرعت كلها من أصل واحد، و نسخت جميعها عن نسخة مغلوطة و ناقصة، و قام آخرون- كما سنفصل القول فيما بعد- و جمعوا متفرقات من هنا و هناك، و جعلوا منه القسم الثانى من هذا الكتاب، و أوصاف هذه النسخ دون الدخول فى شرح جزئياتها هى على هذا النحو:-

1- السقطات كثيرة، و قد أشرنا إليها فى هوامش صفحات هذا الجزء التالى من الجزء الأول و هو الجزء الذى بين أيدينا، و قد حذفت فيه الأشعار و العبارات العربية و غالبا أيضا ما سقطت سطور من العبارات الفارسية للمتن، و فى الجزء الثانى الذى يشمل القسمين الثانى و الثالث فى الكتاب أجزاء مفقودة أو ساقطة، و هى كثيرة جدا و أحيانا يبلغ مقدارها العديد من الصفحات الكبيرة، و قد سقط القسم الثانى من جميع النسخ حتى من (ألف) أيضا، و آخرون قد جمعوا القسم الثانى لهذا الكتاب متفرقا من هنا و هناك و سوف نورد هذا بالتفصيل.

2- أما عن القسم الثالث فإن الموجود منه فى سلسلة النسخ الموحدة الشكل باستثناء (أ) و (ب) فلم يتجاوز فى مجموعه أكثر من عشرين صفحة، فى حين أن الكم الموجود فى (ألف) يصل إلى مائة و أربعين صفحة و هو فى هذه الأجزاء أكثر اكتمالا من" باء" أيضا.

10

3- و فى جميع هذه النسخ و التى تعد (باء) واحدة منها فى هذا الأمر أيضا، يوجد قسم بعد انتهاء القسم الأول و الذى هو آخر الجزء الذى بين أيدينا بعنوان (القسم الثانى) و عنوانه على النحو التالى:-

" فى ابتداء دولة وشمكير و آل بويه و مدة استيلائهم على طبرستان" و هذا القسم برمته ساقط من النسخة (ألف) رغم أن المسلم به أن المؤلف قد كتب مؤرخا لفترة استيلاء آل" وشمكير" و" آل بويه" على" طبرستان" فإنها لا تحوى أية تفصيلات غير موجودة، و يتضح من وضع هذه النسخة أيضا أن هذه المعلومات مفقودة و سقطت من النسخ التى كانت تحت يد كاتب نسخة (ألف)، و وفقا للتفصيل الذى أوردناه فى مقدمة و حواشى الجزء الثانى فإن هذا القسم، و الذى هو بعنوان القسم الثانى موجود فى سائر النسخ باستثناء (ألف) و يبلغ اثنين و ثلاثين صفحة من نصنا هذا، و هو لا يعود للمؤلف الأصلى ل" تاريخ طبرستان" بأى وجه من الوجوه، و قد قام أحد الشعراء فى القسم الثانى بالتقاط ما وجده فى رأيه، من هنا و هناك لكى يملأ به المكان الخالى من القسم المفقود من كتاب" تاريخ طبرستان" و ألحقه ضمن الكتاب دون أى تصريح و بشكل سى‏ء لا يليق، و قد ذكرنا دلائل هذا الادعاء و التى تتمثل فى:

إيجاز الموضوعات و أساليب الإنشاء المختلفة و الأغلاط التاريخية الفاحشة الكثيرة، و نسخ كل قسم منها بنفس عباراته من كتب معروفة أخرى، و مما يدعو للأسف البالغ أن أحد الأقسام الشيقة من تاريخ" محمد بن حسن بن إسفنديار" و هو القسم الخاص بآل بويه و آل زيار و بداية تاريخ باوند قد ضاع كلية، و العجيب أنه لم يطلع أحد قط على هذا الأمر الهام حتى الآن، و قد اعتبر الجميع أن كل المعلومات الناقصة و الخاطئة التى توجد فى النسخ الرائجة «لتاريخ طبرستان» تخص المؤلف الأصلى للكتاب، و قد نقلوا نفس هذه الأخطاء الواضحة منسوبة إليه، و حتى يظل خيط التاريخ موصولا فإننا برغم إيضاحنا لوجود أصل هذا القسم الثانى و أنه لا أثر له فى النسخة (ألف) كما قلنا، فقد طبعناه و لم يعلم أى الأجزاء التى ألحقت بأجزاء النص فى أول الجزء الثانى، و أشرنا فى هامش الصفحات إلى المصدر الذى أخذت منه كل قطعة و هذا القسم كما ذكرنا فى الهوامش و الحواشى الموجودة فى آخر الكتاب أيضا و أشرنا إلى الأخطاء التاريخية الموجودة فيه.

11

4- و جميع النسخ الموجودة من" تاريخ طبرستان" باستثناء النسخة (ألف) تتحدث عن نهاية أحداث" قابوس بن وشمكير"، حيث يجرى الحديث عن عدة فقرات من مكاتباته مع معاصريه- فى ص 142 و ما بعدها من هذا المجلد- ظهر بها خطأ فادح فى المراسلات العربية و التى يخص بعضها قابوس و بعضها الآخر لآخرين، بمعنى أن كاتب تلك النسخة الأساسية التى قد كتبت عنها جميع النسخ الموجودة من" تاريخ طبرستان" باستثناء (ألف) حدث بها خلط إما فيها أو فى بعضها؛ فأحدثت خلطا فى المراسلات العربية فى أجزاء من بعض المراسلات إلى مراسلات أخرى فمثلا عبارة" اليزدادى" فى التعريف ببلاغة" شمس المعالى" ص 142 سطر 11 من نفس المجلد فى هذه النسخة جاءت فى هذه النسخ على النحو التالى: (و أنا أقول بلسان مطلق إن أحدا لم يسمع كلاما باللغة العربية مثل رسائل قابوس فى الفصاحة و الوجازة طالعة على جناب الرفيع ... إلخ) حتى (كلمة الوجازة) هى من عبارة" يزدادى" و لكن من كلمة «طالعة و ما بعدها هى جزء من المراسلة الجوابية لأبى إسحاق الصابى (ص 541 سطر 18 من الكلمة السادسة و ما بعدها) و قد ألحق الناسخ بعد تلك العبارة عبارة" اليزدادى" و أورد بقية عبارة" اليزدادى" بدلا من" الصابى" هنا و وضعها فى نهاية القسم الأول من المراسلة الجوابية له، و بهذا الشكل يكون قد أحل جزءا من المراسلة الجوابية للصاحب ابن عباد إلى شمس المعالى فى نهاية الجزء الخاص بجواب" الصابى" تحت نفس عنوان كلام (يزدادى)، و لحسن الحظ أن هذه الأخطاء غير موجودة بالنسخة (ألف) و طبعنا النص طبقا لذلك، و لم نبين فى نهاية الصفحات كيفية وضع هذا الاختلال فى النسخ الأخرى إذ لا فائدة تترتب على ذكره.

5- جميع نسخ" تاريخ طبرستان» باستثناء: (ألف) مع أن مؤلفها صرح فى صفحة (82) بأنه كان مشغولا بتأليف تاريخه عام 613 ه إلا أن نهاية أحداث كتابه حتى عام 750 ه و ليست هناك شبهة أن تاريخ" محمد بن حسن بن إسفنديار" كان ينتهى عند عام 606 ه، و هو تاريخ انقراض" آل باوند" و قتل الملك" بستم بن أردشير ابن حسن"، و قد أشار المؤلف فى أول صفحة من كتابه إلى هذا حيث إن الغرض الأصلى للمؤلف من كتابة" تاريخ طبرستان" كما صرح هو نفسه بذلك (ه) كان يتركز فى أيام" آل باوند" منذ بداية ملكهم و حتى نهاية أمر تلك السلسلة، إذن فالوقائع بعد قتل" بستم بن أردشير بن حسن" و حتى عام 750 ه و التى تضمنتها

12

هذه النسخ و لا توجد فى النسخة (ألف) أضافها آخرون على هذا الكتاب، و ربما يكون هذا التصرف من الشخص الذى رتب و أعد من عنده الجزء الثانى المفقود من الكتاب الأصلى و ضمه إليه، و فى عام 1303 ه و عند ما وقعت النسخة (ألف) فى يد الكاتب رأيت أنها علاوة على تاريخ" محمد بن حسن إسفنديار" فإنها تشتمل أيضا على النسخة النادرة من تاريخ" رويان" تأليف مولانا" أولياء الله الآملى" أيضا، و قد حصلنا على هذا الكتاب الذى علمنا عن وجوده فقط عن طريق" السيد ظهير الدين المرعشى" من كتاب" تاريخ طبرستان"، و كان يظن أنه وجد ما فيه، و بعد مطالعته و مقارنة خاتمة الكتاب هذه مع خاتمة النسخ الموجودة من تاريخ" محمد بن حسن بن إسفنديار" بذاته الجزء الأخير من تاريخ" رويان أولياء الله الآملى"، و أن من ألحقه قد اقتطع هذا القسم من" تاريخ أولياء الله" و ضمه إلى تاريخ" محمد بن حسن بن إسفنديار" ليذكر امتداد الأحداث حتى عام 750 ه و هو العام الذى قتل فيه" الشاه الغازى"" فخر الدولة" آخر ملوك" مازندران"، و قد رفع هذا القسم من" تاريخ أولياء الله" و عندما طبع" تاريخ أولياء الله" أصبح من السهل مقارنة قسم آخر منه مع تلك التتمات الموجودة فى النسخ العادية ل" تاريخ طبرستان" و يستطيع كل إنسان أن يدرك صحة هذا الأمر.

6- و بما أن تاريخ كتابة عموم النسخ المعروفة من كتاب" تاريخ طبرستان" جديد نسبيا فإن التحريفات و الأخطاء تفوق الحد، و يستثنى من ذلك النسخة (ألف) و بها تيسر الفهم و تداركت الأخطاء و التحريفات و مواضع الاختلال، علاوة على بقاء الكثير من الأشعار و العبارات و أجزاء كثيرة من أصل الكتاب مفقودة؛ حيث إنها لا توجد فى النسخ الأخرى، و أن جميع المستشرقين الذين اعتنوا حتى الآن بكتاب" محمد بن حسن بن إسفنديار" (و) عملوا من خلال نسخ من قبيل هذه السلسلة من النسخ التى وصفناها، و الترجمة المختصرة التى قام بها المرحوم" براون" كانت أيضا مبنية على نفس هذه النوعية من النسخ، و قد أشار المحرر إلى قرابة عشر نسخ من هذه النوعية و هى موجودة و النسخة (ج) واحدة منها، و هى ملك له و كانت تخص فى البداية المرحوم" رضا قليخان هدايت"، و يوجد فى بعض حواشيها ملحوظات بخط يده ما زالت باقية- (رحمه الله)- و أما النسخ الأخرى تخص السيد" إسفنديار" رئيس مجلس‏

13

النواب و حضرة العالم الأمجد السيد" تقوى" رئيس الديوان العالى للدولة مد الله ظلهما، و نسخ مدرسة" سبهسالار" بطهران، و المكتبة القومية، و متحف الآثار، و نسخة مقارنة بنسخة السيد الحاج" حسين آقا ملك" و مكتبة مدرسة" سبهسالار"، و مكتبة المجلس و قد أعدت من قبل الصديق الفاضل العزيز السيد" مدرس رضوه" و قد سلمها للمحرر تكرما للمساعدة على إنجاز هذا الأمر، و كما رأيت عدة نسخ أخرى إلا أن جميعها- بصرف النظر عن تاريخ كتابتها، حيث إنها كما حذرنا من قبل- لا تتعدى عام ألف من الهجرة و كأنها تتطابق فيما بينها بحيث إذا ما وجد خطأ أو تحريف فى المتن أو سقط من موضع لا يرجح أحدها على الأخرى فى المساعدة لحل إشكال بينهما.

" النسخة ألف"

هذه النسخة التى حرر تاريخ انتهاء المجلد الأول منها فى شهر صفر، و المجلد الثانى فى شهر ربيع الأول من عام 978 ه، و هى تقع فى 151 ورقة من القطع الكبير 30* 22 سم 2 و كل صفحة تحتوى على 25 سطرا، و نسخة تاريخ" رويان" لأولياء الله الآملى كما أشرنا إلى ذلك سابقا كانت ملحقة بنفس القطع، و نفس الخط و لكنهم عزلوها عن هذه النسخة فيما بعد، و لا أعلم أين توجد الآن، و تحت تصرف من من الأشخاص، و هاتان النسختان كانتا فى البداية عند السيد" تقى كيان مازندرانى، (معتصم الملك) الذى كان من أصدقاء الكاتب و قد أتى بها لى على سبيل الأمانة لفترة من الوقت عام 1303 ش، و قد استفدت منهما فائدة جمة فى تلك الفترة، و لا نعلم شيئا عن انتقال هذه المجموعة من يد إلى أخرى حتى انتهى الكتاب باستثناء (القسم الخاص بتاريخ رويان و الذى انفصل عنه) إلى ملكية السيد" محمد رمضانى" المدير الهمام لمكتبة الشرق، و لقد أعطاها لى ليتيسر أمر طبع" تاريخ طبرستان" الذى عملت فى إعداده سنوات طوال، (ز) و هى نفس النسخة التى وضعوها تحت تصرف الكاتب و التى نشير إليها بالرمز (ألف) و هذه النسخة- مع أنها أقدم و أكمل نسخنا، إلا أنها ليست سليمة و غير مضبوطة إلى حد ما، و بخاصة كلما وردت الأشعار أو الجمل العربية و هى أيضا كسائر النسخ مصابة بتلف و تحريف كثير، إلا أن فضلها على سائر النسخ الأخرى يكمن فى أن كاتبها قد سجل بها بدقة كل ما كان تحت يده،

14

و نقلها طبق الأصل، و لم يهمل أيّا من الأشعار قط كما فعلت النسخ الأخرى، على الرغم من أنه لم يدرك معناها أو رسمها الصحيح، و قد ساعدنا هذا الأمر على أن نصحح قدر المستطاع أغلبها بالرجوع إلى النصوص الأخرى بمشقة، و صححناها بالحدس و القياس قدر الإمكان، و أن نحيى آثارا نفيسة جدّا من الآداب العربية التى قالها سواء إيرانيون أو التى تخص" إيران" و التى لم يكن من الممكن الحصول عليها فى مكان آخر قط، لكل هذا فإن النسخة (ألف) تعد من أثمن الكنوز، و تفتقد النسخ الأخرى جميعها هذه الفوائد، و الرجوع إلى صفحات 44، 62، 65، 66، 67، 95، 98، 102، 105، 126، 128، 149، 162، 165، 169، 178، 181، 182، 199، 201، 204، 212، 213، 215، 224، 225، 228، 232، 234، 240، 242، 245، 257، 258، 259، 260، 270، 272، 276، 277، 280، 285، و التى أشرنا فى هامش كل منها إلى ما فيها من نقص قياسا على النسخة (ألف) و مدى الجرم الذى اقترفه كتابها و ناسخوها المهملون فى تشويه هذا الكتاب، و مدى الفوائد التى أضاعوها منه فى قسمهم هذا؛ فضلا عن الأقسام الكبيرة ذات الأهمية القصوى من القسم الثالث الذى لا يوجد إلا فى النسخة (ألف) فقط و خلت النسخ الأخرى منها، و سوف نفصل هذا المبحث فى مقدمة المجلد الثانى، و مع الأسف بالرغم من كل هذا، فإن النسخة (ألف) ليست تامة و لا كاملة؛ لأنه علاوة على ضياع القسم الثانى بأكمله و قسم آخر من بداية الجزء الثالث و بعض الفقرات التى ترك مكانها دون كتابة، فضلا عن أن القسمين الأول و الثالث قد بقيا مبتورين، إذ سقط قسم من أول الكتاب أيضا، و هذا الجزء وفقا لما يتضح من النسخ الأخرى كان يشتمل على مقدمة المؤلف بأكملها و بداية الباب الأول من القسم الأول أى من أوائل ترجمة" نامه تنسر" و كلام" ابن المقفع" (ج) بمعنى أن النسخة (ألف) تبدأ من عبارة (إلى المواضع العلية) فى وسط السطر الخامس من ص 13 من النص الذى طبعناه على نحو ما أشرنا و أوضحنا فى ذيل تلك الصفحة و هى تخلو من قبل من ذلك، و قد أخذناه من النسخ الأخرى و هذا النقص باعث على الأسف؛ لعدم وجود المقدمة الأصلية للمؤلف، و التى تبين خطته فى كتابة هذا الكتاب و تقسيمه و التى جعلها نصب عينيه لإنجاز هذا العمل، و ضياعها يمثل مشكلة لنا اليوم؛ فالتقسيم الذى أوردناه قد أخذناه من النسخ الأخرى، و طبقا له يجب أن يقسم الكتاب إلى أربعة أقسام، و هو

15

ليس خاصّا بمؤلفه، و لابد أن فيه تصرفا أيضا قد حدث من قبل الآخرين، و فى نفس هذا الجزء و الذى ينتهى بانتهاء حكم السادة العلويين فى" طبرستان"، و يتحدث المؤلف عدة مرات عن المجلدات التالية من الكتاب و يمكن من خلال هذه الإشارات إدراك المنهج الذى قسّم هو كتابه إليه، ففى ص 140، 142 على نحو ما ذكرنا من قبل، و حديث المجلد الثانى من الكتاب و فيه وعد بأن يسوق الحديث مفصلا عن" آل زيار" فى هذا المجلد، و على ذلك كان القسم الثانى من كتاب" محمد بن حسن بن إسفنديار" و وفقا للتفصيل الموجود فى نفس المقدمة يتضمن أحوال" آل زيار"، إن ذلك كان إلى جانب موضوعات أخرى ربما كانت أحوال و استيلاء" الغزنويين" و" السلاجقة" على" طبرستان"، و هو نفس المجلد المفقود و قد وضع بدلا منه فى النسخ الأخرى بعض الاقتباسات المنقولة من كتب الآخرين، و فى ص 141، 142 يقول المؤلف عن" آل باوند": «فى عصرنا و الذين كانوا حكاما و ملوكا سوف نذكر نسبهم و أوضاع ولايتهم إن شاء الله تعالى فى القسم الآخر»، و فى ص 115 قال فى المجلد الثالث:" سوف يأتى شرح مستقل- إن شاء الله تعالى- لحقوق نعمته و تربيته يعنى حسام الدولة" أردشير بن حسن" للسلطان" طغرل" فى ذلك الوقت الذى كان قد وضعه فيه" قزل أرسلان" فى القلعة و يظهر من هذه الإشارات أن:-

أولا: المؤلف كتب أحوال ملوك" باوند" المعاصرين للمؤلف فى الجزء الأخير من أقسام هذا الكتاب (ط) أو مجلداته، و أن الكتاب كان ينتهى بذكر أحوالهم على نحو ما ذكر فى الصفحة الأولى.

ثانيا: إن" الإصفهبد حسام الدولة"،" أبا الحسن أردشير بن حسن" (567- 602) الذى كان مخدوم المؤلف وراعيه و هو السابق على آخر ملوك أسرة" آل باوند"، و التى انهارت بعده بأربع سنوات كانت فى المجلد الثالث من الكتاب، و بما أن تاريخ" محمد بن حسن بن إسفنديار" ينتهى أيضا بأحوال" حسام الدولة أردشير" و ابنه" رستم" الذى قتل فى عام 606 ه، إذن فمن المسلم به أن كتابه لا يزيد على ثلاث مجلدات و كان غرضه من القسم الآخر الخاص بتاريخ" آل باوند" نفس المجلد الثالث من الكتاب فضلا على أنه لا توجد إشارة قط فى أى موضع من الكتاب إلى قسم رابع، و طالما أن سلسلة الموضوعات التى عنى بتسجيلها و تفصيلها قد تمت بنفس هذا

16

الجزء الثالث؛ فلم يكن هناك ضرورة بعد إلى وجود جزء رابع و ما تحتويه النسخ الأخرى غير (ألف)، و نقصد تلك المقدمة التى اضطررنا إلى طبعها لعدم وجود حيلة أخرى، فإنها تضم قسما رابعا فى باب استيلاء" آل باوند" مرة ثانية حتى نهاية آخر دولتهم، و هو نفسه دليل على تصرف الآخرين فى التقسيم الأصلى للمؤلف، إذ إنه وفقا للتفصيل المذكور أعلاه قد حرر المؤلف كتابه فى ثلاثة أجزاء، و عليه يمكن أن موضوع هذا القسم الرابع أى تاريخ الفترة الأخيرة من استيلاء" آل باوند" على" مازندران" حتى نهاية آخر دولتهم، لم تكن بهدف عناية" محمد بن حسن بن إسفنديار" بدليل أن آخر فترة لاستيلاء" آل باوند" تبدأ حوالى 635 ه و بحسام الدولة" أردشير بن كينخواز" أحد أعقاب" آل باوند" القدامى و أخرهم أيضا هو" فخر الدولة حسن" الذى قتل فى عام 750 ه و شرح أوضاع هذه الفترة من تاريخ ملوك" باوند" هو نفسه ما جاء فى النسخ المعتادة من" تاريخ طبرستان" و هو ما أخذه الآخرون من" كتاب أولياء الله" و ألحقوه بآخر نسخة" محمد بن حسن بن إسفنديار" و التصرف الذى تم فى المقدمة إنما تم لتبرير هذا الهدف على ما يبدو بحيث لا تخلو نسخ" تاريخ طبرستان" من هذا القسم أيضا، و هو الذى أسموه بالقسم الرابع.

و أكثر المواضع فى النسخة (ألف) ليس بها عناوين للموضوعات أو الفصول بل و أحيانا يترك مكانها خاليا فى هذه النسخة، و قد أخذناه من النسخ الأخرى (ى) و ذلك لتوضيح الموضوعات، إلا أنه لا يطمئن إلى أن اختيار هذه العناوين قد تمت من قبل المؤلف الأصلى، و يبدو أن واحدا هو الذى قام بهذا الأمر و قد اختار هذه العناوين بما يتناسب مع الموضوعات التى تحتها ففى ص 189 على سبيل المثال تحت عنوان" حكاية فتنة أهل رستمدار" و كلمة" رستمدار" تعد بالنسبة لعصر المؤلف للكتاب كلمة مستحدثة و يعد استعمال هذه الكلمة بدلا من" رويان" أمرا جديدا، فلا يرى لها أثر لا فى الكتب السابقة على عهد" ابن إسفنديار" و لا فى كل" تاريخ طبرستان" الخاص به، و نفس الأمر يوقفنا على أن هذا العنوان و أمثاله لا يرجع إلى المؤلف الأصلى للكتاب، و النسخة (ألف) أيضا فيها خلط خاص بالأقسام و بالقطع سقطت منها أقسام، و بما أن كافة النسخ ناقصة أيضا فلم يتيسر لنا تدارك هذا النقص و تعويضه بأى وجه من الوجوه، و لهذا بقى النص على حاله مضطربا و ناقصا و معظم هذه الأجزاء يرجع إلى‏

17

أيام دعوة" ناصر الكبير" و" حسن بن قاسم الصغير"، و تعد نسخة (ألف) أكمل و أكثر تفصيلا من هذه النسخ الأخرى و على الرغم من هذا فإنه لا توجد شبهة فى أن نسختنا المطبوعة بها خلل فى الصفحات 277- 280 إلى 285، و مع عدم انتظام الموضوعات فقد سقط جانب من تفصيل الأحداث أيضا، و لعدم وجود حيلة لتدارك الصورة الصحيحة فقد طبعنا النص مطابقا للنسخة (ألف) و قد أشرنا فى هامش الصفحات إلى أماكن هذا الخلل بقدر المستطاع.

" النسخة ب"

أما النسخة" ب" التى ينتهى تاريخ تحريرها يوم الجمعة الموافق العشرين من جمادى الآخرة عام 1003 ه، و هى أقدم النسخ التى لدينا بعد (ألف) فهى النسخة التى من القطع 33* 21 سم 2؛ و تحتوى على 150 ورقة، و كل صفحة بها تسعة عشر سطرا، و ليس جميع أوراقها بدرجة واحدة من القدم، بل إن جزءا كبيرا منها نسبيّا قد سقط و كتب بخط أحدث، و قد استكملت تلك النسخة بهذه الصورة، و هذه النسخة مع النسخة الخطية ل" تاريخ طبرستان" و" رويان" تأليف" ظهير الدين المرعشى" و التى بنفس القطع و لكنها بخط مختلف ضمتا إلى بعضهما البعض فى مجلد واحد فى مكان ما.

و النسخة (باء) كان يمتلكها المحرر فى البداية، و حاليا تخص الصديق العالم الكريم" السيد سعيد نفيسى" و قد تفضل بتركها تحت تصرف المؤلف للاستفادة منها (يا) و النسخة (باء) حد وسط بين النسخة (ألف) و النسخة العادية ل" تاريخ طبرستان"، و معنى هذا أنها ليست بصحة و قدم و اكتمال النسخة (ألف) و ليست بفساد و حداثة و نقص النسخ العادية من حيث المعلومات ل" تاريخ طبرستان" و من حيث محتوياتها:

إنها مبرأة من جانب كبير من سقطات تلك النسخ، خاصة فى القسم الثالث و الذى هو المجلد الأخير من الكتاب، و باستثناء النسخة (ألف) فهى من أكمل النسخ المشهورة و العادية ل" تاريخ طبرستان"، و إن بها قدرا من الأشعار و العبارات العربية فى القسم الأول غير متوافر فى النسخ الأخرى باستثناء (ألف) و ضبطها أقرب إلى الصحة، و لكن فى المقابل فإن هذه النسخة أيضا تشتمل على نفس العيوب و التصرفات التى وردت فى تاريخ" طبرستان".

18

و القسم الثانى منها أيضا مثل القسم الثانى الموجود فى مختلف النسخ الأخرى، باستثناء (ألف) و بها أيضا نفس الأخطاء الموجودة فى النسخ الأخرى من تقديم و تأخير الموضوعات و أشرنا إليها ضمنيّا، و فضلا عن هذا كله، فإنها لا تحوى قسما هامّا من الأشعار و العبارات العربية و الموجودة فى (ألف)، و فى القسم الثالث مع أن هذه النسخة أكمل النسخ بعد (ألف) فقد اختار كاتبها أسلوب الاختصار، فأتى بخلاصة عبارة المؤلف أو بمجمل لمعلوماته مع إسقاط بعض الموضوعات بحيث إن النسخة (ب) فى هذه الأقسام تبدو كما لو كانت نسخة مستقلة؛ و لكنها أكثر نقصا بمراحل من (ألف) و أكمل بمراحل من جميع النسخ الأخرى.

و لسوء الحظ باستثناء التجاوزات التى ظهرت فى هذه النسخة من باب الاختصار فى أجزائها الأخيرة، فقد بدا عيب آخر و هو إلحاق عدة فقرات بها من قبل آخرين و من المسلم به أنها لا تخص المؤلف الأصلى، مثل الحكايتين اللتين جاءتا فى باب عجائب" طبرستان" فى هذه النسخة و لم ترد أى منهما قط فى النسخ الأخرى (رجوع إلى صفحات 85، 86 و حواشيهما)

الحكاية الأولى: و قد نشرناها نصّا فى هذا النص بين قوسين بينما حذفنا الحكاية الثانية و المنقولة عن عجائب المخلوقات" للقزوينى"، و ذلك لتقدم عصر" محمد ابن حسن بن إسفنديار" على مؤلف عجائب المخلوقات، الأمر الذى لا يترك شبهة فى إلصاقها بهذه النسخة.

و النسخة (ب) مثلها مثل سائر النسخ العادية ل" تاريخ طبرستان" و تشتمل على نفس الذيل الذى يمتد بهذا الكتاب إلى حوالى 750 ه، الذى يشتمل على الجزء المأخوذ من كتاب تاريخ" رويان" لأولياء الله الآملى (يب)، و تنظيم جزء من أوراقها يعد نسخا مشوشا تماما كوضع النسخة المشوشة الأصلية التى كان يملكها كاتب تلك النسخة، و قد تعاقبت فيها موضوعات لا يوجد بينها أى ارتباط على الإطلاق، و بما أننا أوردنا سواء فى هذا المجلد أو فى المجلد الثانى فى هوامش جميع الصفحات الاختلافات من حيث الكم و الزيادة بين (ألف) (وباء) و سائر النسخ؛ لذا فقد رأينا أن تبيانها هنا مرة أخرى عديم الجدوى، و نختم هذه المقدمة الآن بعد بيان الموضوعات الرئيسة و نترك التقرير المفصل فى هذا الخصوص لمقدمة المجلد الثانى و حواشيه.

تحريرا فى خرداد 1320 ه ش.

عباس إقبال‏

19

مقدمة المؤلف‏

الحمد و الثناء بلا نهاية جدير للخالق واهب الأرواح، و خالق الأشباح و الأجساد، المبدع الذى كل ذرة من الموجودات آية على وجوب وجوده، المعيد الذى إعادة المعدومات و إحداث المخلوقات أمر هين فى ميدان سيادة وجوده، الفعّال الذى لا يحيط فرجار الأفكار بعالم أسراره، و أنوار الكرامات و السلام و الصلوات على الروح الطاهرة لسيد الرسول، صاحب الشريعة، إنسان الحقيقة عين الوجود و السلام العلام على أعلام الإسلام أهل بيته الطاهر و صحابته الأخيار الذين هم أنصار و أبصار المتقين، أما بعد:

يقول أحقر عباد الله" محمد بن حسن بن إسفنديار" إننى‏

وزرنا من الزوراء أشرف موقف‏* * * و أرأف موفود عليه بوافد

مواقف خطت للهدى نبوية* * * لأبيض من بيت النبوة ماج‏ (1)

حين رجعت من بغداد إلى العراق فى سنة 606 ه كانت قد تأكدت واقعة الغدر و حادثة القتل التى حدثت لذلك الملك صاحب الوقار كجمشيد و الهيئة مثل كسرى و النعمة ككيقباد و العظمة كإفريدون «رستم بن أردشير بن حسن بن رستم» أكرم الله مضجعهم فلو لم تكن كعبة الحجيج لكانت أسرة الكرامات هذه و عائلة البركات تلك كعبة المحتاجين، و لو لم يكن المشعر الحرام لكان مشعرا، و لو لم يكن الخيف لكانت منا للضيف، و لو لم تكن قبلة الصلاة لكانت قبلة للصلاة على يد واحد من أولاد الحرام و الأوغاد اللئام و الذى سيأتى ذكره فى المجلد الأخير من الكتاب،

سلام على قوم مضوا لسبيلهم‏* * * فلم يبق إلا ذكرهم و حديثهم‏ (2)

لقد جمعتهم سكرة الموت فاستوى‏* * * قديمهم فى شأنهم و حديثهم‏

____________

(1) زاروا فى الزوراء أشرف مكان وأرأف إنسان فيه أماكن شرفت بنور النبوة و الهدى حيث إن فيها أحد أما جدها (المترجم).

(2) يترجم على قوم ذهبوا و درست معالمهم و لم تبق إلا ذكراهم العطرة و حديثهم الطيب جمعهم الموت فاستوى القديم فيهم و الحديث (المترجم).

20

و الرابع من شوّال من التاريخ المذكور صار عاشوراء المحرّم، و لم يبق لأهل الإسلام قلب بلا جمرات زفرات، و لا عين بلا قطرات عبرات، و لم يكن فى أرض العراقين و الحجاز على الحقيقة لا المجاز محفل و لا مجمع و لا مسجد و لا موضع لم تعقد فيه جلسات للعزاء فى هذا المأتم، و لا بقيت أبواب أو جدران لم تكتب عليها عبارات الرثاء، و نفس الله تبارك أى خاطر يجعله يعقل و أى فكر يجعله يدرك كيف أن سبعة ملوك أقوياء من بيت واحد يحلون فوق سرير الفناء بأنواع البلاء بقهر مالك الملك خلال مدة و جيزة و يدفنون فى التراب،

قالوا هم ملأجمت فقلت لهم‏* * * لا معشرا أبقت الدنيا و لا ملأ

هما الجديدان و الدنيا و عولهما* * * فكم لها فرغا منها و كم ملأ (1)

و معلوم لو أن كثرة الأشياع و تعب الأتباع و الخزائن المملوءة و النواب المقربين، و الرجال الغزاة و الجياد العربية و البركات و الخيرات و الزكاة و الصدقات، و عراقة الأسرة و الوفاء و الأمان و الحمية و الحماية و الشهامة و الكفاية و السخاء و الحياء، و النوال و الكمال و الفضل و الفضائل و العقل و العقائل و الرأى و الروية و الهمة و العطية، و القلاع المنيعة و القصور الرفيعة و الأبناء الملائمين، و العبيد ذوى الواجب و كثرة عدد القبائل و تعقل أواخر الأمور و الأوائل، تدفع و تمنع السهام المسمومة للأيام المذمومة لما كانت بالتأكيد كثرة مكارم كبار" آل قارون" قد خسفت بها الأرض.

" أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم و أشد قوة و آثارا فى الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون» (2)

أرى الحيرة البيضاء صارت قصورها* * * خلاء و لم تكتب لكسرى المدائن‏

و هجن لذات الملوك زوالها* * * كما غدرت بالمنذرين الهجائن‏ (3)

____________

(1) الدنيا لا تبقى على أحد لا قليل و لا كثير و لا عظيم و لا حقير نهار يمر و ليل يكر و أناس يأتون و آخرون يذهبون. (المترجم).

(2) سورة غافر الآية رقم 82

(3) الدنيا لا تبقى على حال ها هى قصور الحيرة خاوية على عروشها بعد أن كانت عامرة و فنيت مدائن كسرى و زالت لذات الملوك و غدرت بالمنذر (المترجم).

21

و يقول ما ترجمته:

للعقلاء مثل اليوم المعلوم‏* * * تعاقب ليل و نهار الغافلين شؤم‏

الدنيا مركب النوائب و ساحة العجائب، و هى صهباء النعم و آلاؤها سراب و غرور و ليس لشرابها سرور، و ثناؤها و إطراؤها كله جفاء و شرور، باطنها مملوء بالأحزان و الهموم و صفاؤها لا يكون بغير كدر، بحيث إن كل إنسان يفتح أمره بخير لا يختم خاتمته إلا بشر، لا يعتمد عليها فى حال و لا يستند إليها فى أفعال، شيمها اصطفاء اللئام و التحامل على الكرام و همتها رفع خامل و ضيع و الإقلال من فاضل رفيع، و توقع رعايتها و الطمع فى العناية منها كتوقع الهداية من الغول و الطمع فى الإرشاد من الشيطان، فجميع الخلق فى أحلام الغفلة و ظلام الجهالة يندفعون فى نشوة السكر و خمار الخمر منهم فاقدو الوعى فوق أشهب النهار، و أدهم الليل مستحثين إياهما بالمقرعة و السوط و قد ربطوا وجودهم بالفناء انطلاقا إلى ميعاد الرحيل بلا تمهل، بحيث يثبت يقينا أن أعداد العمر و إن تجاوزت الآحاد إلى الألف فهى ليست سوى لحظة، بحيث إن مسؤولية البقاء قد خطت لملائكة السماء، و التعيس هو الذى يرجح الدنيا الفانية الفائتة على الآخرة الباقية الثابتة، التى دوام عزها بلا انفصام و علاء فخرها بلا انفصال، و فى سبيل تحصيل لقمة التى أولها و آخرها عشب وزر، و هم مثل الكلاب يجعل الكتف هدفا للمهام و الرقبة قرينة الطوق و سلسلة حكم الأمير و الوزير، مع أن هذه اللقمة تحتوى فى داخلها ألف عظمة تقف فى الحلق و بغير كل هذا الصداع فإن الرغيفين ميسران، و إقبال هذه الدنيا كزيارة ضيف و سحابة صيف" فلا عهده عهد و لا وده ود"

و ظللت فى النوم حتى آخر العمر* * * و الآن استيقظت حيث لم يكن هناك وقت.

و بعد أن جاء الملك و الجاه، لم تبق أنت حتى و إن صرت فى طلبه كالإسكندر فى الظلمات، أو اتخذت من النار فراشا كطائر السمندر، و يصبح الأحبة أفاع و الودود دخانا و الأقارب عقارب و يصبح الأحباب مثل الكلاب العاوية و الذئاب المتربصة ألسنتهم حداد و أنيابهم ناهشة.

يذم إخوانا كان يمسيهم كراما* * * فلما خالطهم برى‏ء حقيقتهم.

و إخوان بواطنهم قباح‏* * * و إن كانت ظواهرهم ملاحا

حسبت مياه و دهم عذابا* * * فلما ذقتها كانت ملاحا (1)

____________

(1) هامش تعليق للمترجم.

22

حينما يعدو شخص و ينبض عرق و لا يزن شيئا، و ترى ثمرة العطية خطيئة و المنحة محنة و العناية جناية تصبح المنية هنيئة و يعلم بحق أنه:

إذا الجد لم يسعد فجد الفتى تعب‏* * * و أبطل شى‏ء سعى من جد فى الطلب‏

فكم ضيعة ضاعت و كم خلة خلت‏* * * و كم فضة فضت و كم ذهب ذهب‏ (1)

و انطوى هذا الضعيف ليل نهار مدة شهرين على هذه الحادثة فى مدينة" الرى"، و كان يرسل ماء العبرات من خلال غربال العين المملوءة بالحسرات، و مع هذه الحالة لم يجد تدبيرا سوى تهدئة نفسه بمطالعة الكتب، و سئل أحد الملوك ما منتهى غايتك؟ فقال:

«حبيب أنظر إليه و كتاب أنظر فيه»، و الحق أن تسكين قلب هذا المسكين كان يتحقق بمطالعة أخبار و آثار القرون السالفة و الملوك الغابرة و الوقائع و الأحداث و تبلج العجائب و فداحة المصائب التى كانت فى أيام كل واحد، فقلت لنفسى:

فإن الأولى باللطف من آل هاشم‏* * * تأسوا فسنوا للكرام التأسيا (2)

حتى عثرت ذات يوم فى دار مكتبة الملك الغازى" رستم بن على بن شهريار" فى ثنايا الكتب على عدة أجزاء مكتوبة فى ذكر" كاوباره" فتذكرت أن الملك السعيد" حسام الدولة أردشير"- جعلت الجنة مثواه- كان قد سألنى عدة مرات: إن" كاوباره" كان قد لقب ملكا على" طبرستان" لفترة ما، فهل مر بك فى أى موضع فى الكتب العربية و الفارسية من أى رهط و قبيلة كان" كاوباره"، و الآن قلبى معمور بالولاء له و حالى مغمور بأفضاله و لم أكن قد سمعت هذا اللقب فى كل هذه الديار و سائر البلاد و الأمصار التى طفت بها سوى ما جرى من لفظ الملك الذى ينثر الجوهر، و لم يكن هناك مصدر آخر فى تاريخ" طبرستان" سوى كتاب" باوند نامه" و الذى كان قد جمع من أكاذيب و ترهات أهل القرى و أفواه عوام الناس فى عهد حسام الدولة" شهريار بن قارن" فأخذت تلك الأجزاء بتلك الفكرة و انشغلت بمطالعتها فإذا هى" عقد

____________

(1) إذا لم يسعد الحظ الفتى، فلن يستفيد من جده و اجتهاده فكم من فضة ذهبت و كم من ذهب لم تكن له قيمة لأن الحظ لم يحالف الإنسان فيها- المترجم.

(2) أكرم بالأولين من آل هاشم فهم أهل التأسى و القدوة الكرام- المترجم.

23

السحر و قلائد الدر" للإمام" أبو الحسن بن محمد اليزدادى" و قد ألفها باللغة العربية على نحو لا يتيسر معناها إلا لمن بلغ الغاية فى علم البلاغة، حيث كان غرضه الفصاحة فى العبارة و التأنق فى الاستعارات، و ليس لبيان الحكايات و الروايات، فلما أدركت أنه فرض فى استيعاب أنواع العلوم من بين مشاهير جماهير" طبرستان"، و أنه مصنف لكتب كثيرة فقلت بقريحة جريحة و فكرة غير صحيحة و قلب مفعم بالغبار و عين دامعة بالعبرات:

و أضحى ذكرهم لذوى الأمانى‏* * * ضلالا فيه قد تاهوا و هاموا (1)

فقصرت بحمل الهمة و النية على أن أترجم ذلك الكلام، و أن أورد طرفا من ذكر مناقب و معالى الملك" حسام الدولة أردشير" و أسلافه العظام و أخلاقه ذوى القدر، عسى أن يتحقق قضاء حقوق تربيته و مواهب عطيته، لكن بقدر الإمكان و الوسع الذى مثل نمل سليمان و أرجل الجراد، و لو أن الاعتراف بفضله أولى من الإغراق بوصفه، فإن الإخبار عن محل النجوم بل فلك الأفلاك كما هى (عليه) متعذر.

و لما انتهيت من ترجمة الكتاب خلال عدة أيام و ليال، عرضته على السادة و العلماء الذين كانوا أغصان أعلام المآثر و رافعى أعلام المفاخر، و كانوا لى إخوان الصفا و رفاق الوفا أصحاب المنظر البهى و المخبر الرضى، و الصدر السليم و القدر العظيم و الشفيق الشقيق لا رفيق الرصيف، فكنت طيلة هذه الفترة معهم فى حديث محاورة و نعمة مجاورة بحيث قالوا:

ولى صاحب ما خفت مكروه طارق‏* * * من الأمر إلا كان لى من ورائه‏

(2)

و قلت لهم ما قاله السابقون:

لا تعرضن على الرواة قصيدة* * * ما لم تبالغ قبل فى تهذيبها (3)

و أنتم تعلمون أن للكلام (الحديث) طبقات و طرقا و مذاهب و ليس للطائف ظرائفه و لا نفحاته المتأرجة و لا صفحاته المتبرجة نهاية، و لو أنى أزين هذه الحكاية العارية و التى صدرت عن كرب حازب و هم لاذب بالزينة المستعارة، لكان من الممكن أن يكون لهذه الأسماء خاطب، و لكنها لعقلاء مخاطبا و اتفق الجميع على أنها نفاق للإنسانية بلا شائبة، نفست عن المكروب و أهديت الروح و الراحة إلى القلوب، و قوى رأى بمدد

____________

(1) ينعى على قوم تعلقت أمانيهم بأناس لم يكونوا أهلا لها.

(2) يعتز بصديق هو خل وفى، ما طرق طارق إلا و كان معه و سندا له.

(3) افحص و نقب فى شعرك «و قصائدك» قبل عرضها على أهل هذا الفن و هو يهديه إلى إتقان العمل.

24

همتهم و يمن بركتهم فى هذه الفكرة بأن ينبض ذلك السواد بمدد من القلم و كنت قد تشرفت بوصول رسالة من أبى الذى كان كريما و حسنا، مضمون تلك الرسالة:

أناخ الدهر كلكله علينا* * * و عركنا كتعريك الأديم‏

و ما ندرى ببادرة لديه‏* * * سوى إن الكريم ابن الكريم‏ (1)

- لى من جفاء الفلك الأزرق ما يشبه المرآة، و من غصص هذه الدنيا الدنية التى تربى الدون.

- و جنة كالكأس مفعمة بالدمع من العين و قلب فى الصدر مفعم بالدم القانى كالخمر الصراح.

و اعلم يا بنى أن هذا المنزل الذى قيل إنه لا يعبره كثير من الأشخاص قد اجتزته أكثر من خمس عشرة مرة، و قلبت الدنيا رأسا على عقب فلم أجد سواك، أنت يا بنى القائل لمؤلفه:

- أيها القلب إلى متى تأمل و تزحف طلبا للأمل طالما أنه لا يتأتى من الفلك سوى خسة الطبع.

- حقّا لو أن الزمان يليق لذلك بأن تشكو منه و تشكره.

- و أنا أبوك القائل أيضا:

- لقد آن الوقت لكى أرحل عن ركن الفناء، و حان الوقت لكى أستقر فى كنز البقاء.

- فما أكثر ما طويت الدنيا و فارقتنى، و حيث إن عظماءك قد مضوا فاعلم أن العظماء عند ما ينهضون من على المائدة يجلس الصغار على المائدة، فاجلس أنت متفضلا بدلا من أن تجلس إليها مأمورا فتأجج فى كيانى من هذه الرسالة مثل اشتعال النار فى جزل الغضا، و فى الليل و دون إعلام الرفاق قررت أن أنفرط من نظم عقدهم مع عدة غلمان و خدم و أرسلت لهم من الطريق هذين البيتين:

-

لئن سرت بالجثمان عنكم فإننى‏* * * أخلف قلبى عندكم و أسير

-

فكونوا مشفقين فإنه‏* * * رهين لديكم بالهوى و أسير (2)

____________

(1) مال الدهر علينا بمصائبه و دهسنا كدهس التراب و ما ندرى من ذنب اقترفناه سوى أنى كريم من كريم- المترجم.

(2) متيم بهواهم، فلئن فارقهم جسدا فقلبه أسير عندهم، فكونوا أهل شفقة عليه فإنه المرهون بحبكم، الأسير فى هواكم- المترجم.

25

و فى الغد حيث كان ملك الأنجم قد أطل من أفق المشرق و هو يستل سيفا بعد و يسدد سهاما إلى أوج الليل الداجى و قد هزم بسهام النور ظلمة الليل الحالك، وصلت إلى أطراف قلعة" إستوناوند" فأغار علينا فوج من أحزاب الغار و أصحاب النار فما تركوا لنا الجواد و لا الغلام و لا المتاع و لا الحطام، و وصلت إلى حضرة أبى بعد مشاق كثيرة و معاناة بلا حصر نتيجة فوضى الولاية، و لم أتمتع لا بخدمة لأبى و لا نطقت بكلمة عن المراد لكننى حملت القدم على مواصلة السير برغم الألم (اختبلت حين اجبلت و منيت بمرافقة الأنجاس بعد مفارقة الأجناس) حتى وصلت «آمل» و بقيت بها فترة و قلت:

إذا بلدة حل فيها البلا* * * لسكانها حل منها الجلا

فلا زمتنى شهوات النفس التى هى هوام الهموم و حيات الحياة مع خداع الأمانى و سحر الزمان و هواجس الوساوس على عينى و قلبى:

و حدثت نفسى بالأمانى ضالة* * * و ليس حديث النفس غير ضلال‏

فودعت أبى مضطرا و قررت الرحيل حيث ألقى الزمان، و هو شاطئ الغفلة بالبلاد فى حلواى عند صخرة أبى قوبيس، حتى طار العقل من دماغى مثل البخار و استولى علىّ نوم كنوم أصحاب الكهف، و حينما أفقت وجدتنى ذليلا فى خوارزم (كعمل جسد له خوار) روضه على وخم، فرأيته إقليما تلو إقليم و عالما إثر عالم فيه تحصيل العلم، و فوائد العلماء فيه من الكثرة بحيث إن كل ما فى الدنيا لا يوازى عشر ما لديهم، و بعد أن أتممت فيهم خمس سنوات حدث: أن مررت بساحة الوراقين فالتقطت كتابا من حانوت و كانت عدة رسائل كان «داوود اليزدى» و هو رجل من أهل السند قد أمر «علاء بن سعيد» بترجمتها من الهندية إلى العربية فى سنة سبع و تسعين و مائة و رسالة أخرى كان ابن المقفع قد عربها من البهلوية و هى جواب على رسالة «جسنفشاه» أمير طبرستان من قبل العالم «تنسر» تعريف عالم إقليم فارس و قاضى قضاة أردشير بن بابك، و مع أن الدهر لم يكن مواتيا و لا كان القلب و لا الساعد مساعدا برأسه بن جيب الغيب و قد حل انكسار النشاط و انطواء الرباط و تخاذل الأعضاء و دواعى الفناء، فلم تكن بقيت فى الحواس شهوة و لا فى الكأس لذة، و قد

26

بذل الشيخوخة و عجز القعود عن التدبير، و بقى حال، أفضل من النور فى ظلمات غياهب المصائب و صدمات نيوب النوائب فى جمع تاريخ طبرستان، إذ كان الرفاق قد مضوا فى كرونمت أنا فى اضطراب و برغم الكثير من العلل و الخلل من الزمان إلا أننى نهضت كما يجب لا كما يجب فى جمع تاريخ طبرستان.

و لما لم يعد لى مكان فى القلب لآمل قط فى الدهر القديم، عاودنى الشوق مرة أخرى، و لما كان تقديم الأقدم واجبا، فقد جرى ترجمة هذه الرسالة المليئة بالحكم كالفلك المشحون و جرى بها الافتتاح و الله ولى التيسير و التسهيل و هو حسبنا و نعم الوكيل، و كل ما فى هذا التاريخ من قليل أو كثير من الحكم و المواعظ و الأشعار و الأمثال و النكات و أحوال الخلفاء و العلماء و حكايات الملوك و الأمراء و سيرهم و شيمهم و مكاتباتهم قد نقله هذا الضعيف جملة من الكتب المتفرقة، و من أفواه العلماء و المتوقع من القراء المنصفين و فحول المصنفين المبرزين الذين إذا تيسر لهم مطالعة هذا الكتاب و رأوا فيه خللا فى النقاط أو ذللا فى النكات أن لا يضنوا بفضل و كرم تصحيح السقيم منه و تقويم غير المستقيم فيه، ذكاة للفضل و شكرا لرحمة الله و أن يتجاوزوا التعنت و أن يذكروا الدعاء حتى يجنب مالك الدين و الملل أقوال و عمل كافة المسلمين الخطأ و الخلل، و أن يوفقوا للصدق و الصواب إنه ولى الإحسان و عليه التوكل و قد قسم هذا الكتاب إلى أربعة أقسام بتوفيق الرب المتعال:

القسم الأول: من ابتداء نشأة طبرستان و يضم أربعة أبواب، الباب الأول:

فى ترجمة كلام ابن المقفع، الباب الثانى: فى ابتداء نشأة طبرستان و قيام العمران و مدنها، الباب الثالث: فى خصائص طبرستان و عجائبها، الباب الرابع: فى ذكر الملوك و الأكابر و العلماء و الزهاد و الكتاب و الأطباء و أهل النجوم و الحكماء و الشعراء.

القسم الثانى: فى ابتداء دولة «آل وشمكير» «آل بويه» و مدة استيلائهم على طبرستان.

القسم الثالث: فى انتقال ملك طبرستان من «آل وشمكير» الذين كان آخرهم «أنوشروان بن منوجهر بن قابوس» أى سلاطين آل محمود و السلاجقة.

القسم الرابع: من ابتداء ذكر دولة «آل باوند» الثانية حتى آخر دولتهم.

27

الباب الأول فى ترجمة كلام ابن المقفع‏

لقد قرأت أن اسمه" كان عبد الله" و أباه اسمه" داذبه"، و كان من بين كبار كتّاب و عمّال" فارس" و كان على مذهب عبدة النار، و تصادف أن أحد الخلفاء ولّى أباه على عمل، فسعى الوشاة عليه فسجنه الخليفة، و أنزل به أنواع العقوبات حتى تقفعت يداه، فغلب على اسمه المقفع و" عبد الله بن المقفع" أسلم على يد" عيسى بن على"، و قيل إن سبب إسلامه أنه ذات يوم كان يمر أمام كتّاب و كان غلام يقرأ بصوت مرتفع قوله تعالى‏ (أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً* وَ الْجِبالَ أَوْتاداً) (1) فوقف حتى أتم الغلام السورة، و قال: الحق إن هذا ليس كلام مخلوق، و جاء الخبر إلى «عيسى بن على» و استدعاه فأقر و أسلم، و قال البعض: إنه لم يسلم على يد أحد قط، و كان لبالغ فضله و بلاغته رفيع الدرجات مقبول الشهادة فى بلاط الخلفاء و الملوك، و يروى أنه وقعت بينه و بين" الخليل بن أحمد الفراهيدى" مودة و صداقة فلم يكن لهما ثالث قط حتى سأله أحد أكابر العلماء ماذا ترى فى حقهما؟ قال:

العقل راجح على العلم عند الخليل، و العلم زايد على العقل عند ابن المقفع و يقال:

إن أمره علم به الخليفة فى النهاية و أنه ذات يوم كان يمر ببيت نار المجوس و قال فى حقه هذا البيت:

يا بيت عاتكة الذى أتغزل‏* * * حذر العدى و به الفؤاد موكل‏ (2)

____________

(1) سورة النبأ، الآيتان (6، 7).

(2) ورد هذا البيت للشاعر الأموى" الأخوص" الذى يسمى بأبى عبد الله بن محمد و قد ردده" ابن المقفع" حينما مر ببيت نار بعد إسلامه فكان سببا فى اتهامه بالزندقة، و كثر عليه التشنيع بعد موته، و قد انقسم الناس فى أمره بين شيعة له وناع عليه، فقد زعم المؤرخون أن ابن المقفع كان ينتحل فى أول أمره نحلة أبيه و هى المجوسية، فلما كانت دولة بنى العباس على يديه، فطلب إليه عيسى أن يغدو عليه بين القواد و رؤساء الأجناد ليكون إسلامه مشهورا ثم حضر معه المائدة فى المساء فجعل يأكل و يزمزم على عادة المجوس، فلما كلمه عيسى فى ذلك قال: كرهت أن أبيت على غير دين، ثم غدا إليه فأعلن إسلامه و تسمى عبد الله و اكتنى أبا محمد.

(عبد الله بن المقفع، «كليلة و دمنة»، تحقيق محمد حسن نائل المرصفى، ط الخامسة القاهرة 1934، ص 52، 53) المترجم.

28

فقال: إن إسلامه مازال غير صحيح، فوضع فى التنور و أحرق.

و يروى الجاحظ فى كتاب" البيان و التبيين" أنه عند ما سجنوه و ألح عليه صاحب الخراج فى العذاب و التنكيل قال: عندك مال و جاه، لو تؤدى من مالك عنى و عندئذ أتحرر فأعطى لك عوضا عن (الدرهم) اثنين و ثلاثة، و ليس خافيا عليك وفائى و سخائى و كتمان أمرى، فطمع صاحب الخراج فى ربح ماله، فخاف أن يموت و يتلف ماله و يسلم من العقوبة.

و خلافا لهذه الرواية روى أن" الهيثم» سجان «يوسف بن عمر" كان يسجل أسماء الموتى فى الحبس و يعرضها على" يوسف"، و كان" عبد الله بن أبى بردة" عند" أبى موسى الأشعرى" محبوسا فرجاه أن يأخذ عشرة آلاف درهم و يسجل اسمه فى الأموات فيخلصه بهذه الحيلة و يأخذ الذهب، فلما عرض اسمه قال الأمير له قدم علىّ مثل ذلك الميت فخاف السجان من الخيانة و عاد فوضع و سادة على وجهه و قتله و ضاع الروح و المال معا.

و يقول" ابن المقفع" عن" بهرام بن خرزاد" عن أبيه" منوجهر" قاضى" خراسان" و علماء فارس: إن" الإسكندر" عند ما خرج من ناحية" المغرب" و ديار" الروم" كانت شهرته قد أغنت عن ذكره، و قد خضع له الأقباط و البربر و العبرانيون، و قاد الجيش من هناك إلى فارس و التقى مع «دارا» و خان جماعة من خواص" دارا" و قطعوا رأسه بالتامر و الخداع و أحضروها أمام" الإسكندر" فأمر بأن تعلق تلك الجماعة على المشانق، حيث كانت عادة سياسة الرومان، فجعلوهم هدفا للسهام و نادوا بأن لا يليق قتل الملوك الشجعان و لما آل إليه ملك بلاد" إيران" مثل بين يديه جميع أبناء الملوك و بقايا العظماء و السادات و القادة و الأشراف، ففكر فى أن يشتت جمعهم فكتب إلى وزيره و معلمه" أرسطاطاليس" رسالة يقول فيها: لقد بلغنا هذه الدرجة من الغزو بنجاح و أريد أن اتجه صوب" الهند" و" الصين" و مشارق الأرض، لكن أعتقد أننى إذا تركت عظماء فارس أحياء، فتنشأ الفتن بسببهم فى غيبتى بما يصعب تداركه فيتجهون إلى بلاد الروم و يتعرضون لولاياتنا و أرى أن أقضى عليهم جميعا و أن أنفذ تلك النية دون تفكير، فكتب هذا الفصل ردا عليه و قال:

29

دع مسلك السفلة إلى المواضع العلية فانصرف عن هذا الرأى، و معنى ذلك أنه فى الحقيقة قد اختصت أمم كل إقليم فى العالم بفضيلة و فضل و شرف لا تتمتع به أهل الأقاليم الأخرى، و قد تميز أهل" فارس" بالشجاعة و الإقدام و الفن و الخبرة يوم الحرب، و الذى يعد أعظم ركن من أركان الملك و أدوات النجاح و أسبابه، فلو قضيت عليهم فسوف تكون قد اقتلعت من العالم أعظم ركن من أركان الفضيلة و عند ما ينتهى أمر عظماؤهم، فلا محالة بأن الحاجة سوف تجعل الوضعاء الأخساء يرتقون منازل و أماكن العظماء، فاعلم حقا أنه لا يوجد فى العالم قط شر و لا بلاء و لا فتنة و لا وباء له من الفساد مثل ذلك الأثر الذى من الأخساء الوضعاء حين يحتلون مكانة العظماء، فاحذر و اصرف عنان الهمة عن تلك النية، و اقطع لسان التهمة، و أخرسه بكمال عقلك إذ إنه أكثر إيلاما و أثرا من السنان الذى ينزع الروح، و حتى لا تنسخ شريعة و لا مذهب حسن من أجل و هم و تخمين لا عن حقيقة و يقين بأنك سوف تقضى أياما قلائل من الحياة فى طمأنينة بال و فراغ خاطر.

فإنما المرء حديث بعده‏* * * فكن حديثا حسنا لمن وعى‏ (1)

" رباعية"

لو أن عمرك يمتد فى الدنيا إلى ثلاثمائة عام‏* * * فاعتبر حياتك فيها بغير مرارة و هم و

خرافة

حقا أيها العاقل إذا ما صرت (حديث) أسطورة يوما ما* * * فكن أسطورة خير لا أسطورة سوء و شر

فيجب أن تكرم أصحاب بيوتهم و أرباب الدرجات منهم و أمراءهم و كبراءهم بمكانة لديك و حماية منك و وفائك و عنايتك، و أن تبعد عن خواطرهم أسباب الضجر و التفكير بالعواطف و المراحم منك، فقد قال الأسلاف إن كل أمر مهم لا يبلغ هدفه بالرفق و اللطف لا يتيسر بالقهر و العنف، و الرأى هو أن تقسم ملك" فارس" بين أبناء ملوكهم، و أن تتوج كل واحد تجده منهم فى كل ناحية و تهبه عرشها، و أن لا تعطى شخصا قط رفعة و لا تفوقا و لا سيطرة على آخر منهم حتى يستند كل واحد منهم فى منطقة نفوذه على رأى نفسه، لأن لقب الملك له غرور عظيم، و كل رأس تحظى بالتاج لا تقبل سطوة و ابتزاز شخص آخر، و لا تنحنى للغير، و بهذا يبقى الكثير من القطيعة و التدابر

____________

(1)" الذكر الطيب للإنسان بعد رحيله عمر ثان" (المترجم).

30

و التغالب و التطاول و المواجهة و التقاتل، و تمتد عيونهم إلى الملك و التفاخر و التكاثر فى المال و التفاخر بالحسب، و التشاجر على الاتباع و الجاه مما يشغلهم عن الانتقام منك فلا يستطيعون التجاوز و التغاضى بعضهم للبعض الآخر؛ فإن مضيت إلى أقصى مكان فى العالم فسوف يظل كل واحد منهم يخيف الآخر بحولك و قوتك و معونتك، و تكون أنت فى بعدك عنهم بمأمن، برغم أن الدهر لا أمان له و لا اعتماد عليه، فلما وقف «الإسكندر» على الجواب قرر العمل بمشورة" أرسطاطاليس" و قسم بلاد" إيران" بين أبناء ملوكها و لقبوا (بملوك الطوائف) (1)، و زحف بجيشه من ذلك الإقليم، و استنادا إلى الأسباب التى أكرمه بها مالك الملك دان له أهل العالم، فسيطر على الدنيا و بعد أربعة عشر عاما حين عاد إلى أرض" بابل" ترك ما كان قد أخذ و رحل هو أيضا.

رأينا الدنيا شيئا لا قيمة له، و كل ملك العالم لا يقوم بأبخس الأثمان، و جيشه الذى كان منتظما متماسكا كصفة الثريا بات متفرقا كبنات نعش، و هو لم يكن قد دفن فى التراب بعد إذ عصفت الريح بأوطانه و ما أكثر ما حول الدهر مجتمعات و احتشادات إلى تفرقة و تبعثر، و قد مضى على هذا النحو تعاقب الفلك، و بعد فترة خرج" أردشير بن بابك بن ساسان"، فكان ملكا على أرض" العراقين" و الممالك، مملكة" نهاوند" و" بسطام"، و" سبزان"، و كان" أردوان" أعظم ملوك الطوائف و أكثرهم سطوة، فأخذه" أردشير" مع تسعين آخرين من الأبناء الذين أسرهم الإسكندر، و قتل البعض بالسيف و البعض بالسجن، بخلاف" أردوان" كان" جشنسف" ملك" طبرستان" و" فرشواركر" الأعظم قدرا و مرتبة فى ذلك العهد، و لأن أجداد" جشنسف" كانوا قد استردوا أرض" فرشواركر" من نواب" الإسكندر" بالقهر و الغلبة، و كان حكمه على مذهب و سنن ملوك" فارس"، فلم يرسل جيشه إلى ولايته، و كان يبدى التساهل و المجاملة فى‏

____________

(1) هذه الطبقة من ملوك" الفرس" يعرفون بالأشكانية من ولد" أشكان بن دارا الأكبر" و كانوا من أعظم ملوك الطوائف عند افتراق أمر الفرس و ذلك أن الإسكندر لما قتل دارا فاستشار معلمه" أرسطو" فى أمر" الفرس" فأشار عليه أن يفرق رياستهم فى أهل البيوت منهم فتفرق كلمتهم و يخلص لك أمرهم".

" تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر فى أيام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوى السلطان الأكبر» لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون الخضرمى المغربى- بيروت لبنان 1399 ه 1979 م. المجلد الثانى ص 167" المترجم.

31

معاملته حتى لا يصل إلى مقاتلته و مناضلته، فلما تبين ل" جشنسف" أن لا حيلة من الطاعة و الولاء له فحرر رسالة إلى" تنسر" قاضى قضاة" أردشير بن بابك"، و قال" بهرام بن خرزاد" إنه قد سمى ب" تنسر" لأن الشعر قد نبت على جميع أعضائه بكثرة و تهدل كحال الرأس، أى أن كل بدنه مثل الرأس، فلما قرأ" تنسر" رسالة ملك" طبرستان" كتب الجواب على هذا النحو:

«وصلت رسالة من" جشنسف" عند ملك و ابن ملك" طبرستان" و" فرشواركر" و" جيلان" و" الديلم" و" رويان" و" دنباوند" إلى" تنسر" قاضى القضاة فقرأها و هو يسلم و يسجد، و قد تمت مطالعة كل صحيح و سقيم كان فى الرسالة، على الرغم من أن البعض كان يوافق السداد و البعض موضع الانتقاد، و الأمل أن يكون ما هو صحيح رائدا و أن يقترب ما هو سقيم من الصحة، أما بعد:

أما ما تذكرنى به من الدعاء و تعظمنى به، و الممدوح السعيد الذى يكون مستحقا للمدح و الداعى الذى يكون أهل إجابة هو بالتأكيد الذى يدعو الخالق لك أكثر منى؛ لأنك ملك و ابن ملك و يطلب نفعك مثلى، و قلت فى الرسالة إنه كانت لى- أنا" تنسر"- منزلة و عظمة لدى والدك، و أنه كان يطيعنى فى مصالح الأمور و قد رحل عن الدنيا و لم يخلف وراءه شخصا قط أقرب إليه و إلى أولاده منى، حقا لتكن روحه خالدة و ليكن ذكره باقيا، لقد قلت فى شأنى من التعظيم و الاحترام أكثر مما استحق، و جعلت نفسك تستريح إلى طاعة رأى و مشورتى أنا و الآخرين من الناصحين الأمناء المتمكنين، و لو كان والدك قد استقبل هذا الدهر و هذا الأمر الذى استقبلته أنت بالعبر و الطمأنينة، لكان قد أدركه بالتدبير و الاستقراء، و لكان قد نهض و بادر لذاك الأمر الذى تنازلت و تواضعت أنت من أجله، و بما إنك قد وصلت إلى أن تطلب الرأى منى و تشرفنى بالاستشارة، فاعلم أن حالى معلوم للخلائق من بنى آدم غير خاف عن عقلائهم أو جهلائهم، و لا عن أوساطهم و أوباشهم، و أننى أقمت خمسين سنة حتى روضت نفسى الأمارة (بالسوء) حتى امتنعت عن لذة النكاح‏ (1) و المباشرة و عن اكتساب‏

____________

(1) الامتناع عن الزواج مكروه فى ديانة زرادشت، و المؤمن يساعد بزواجه" أهورا مزدا" على الإكثار من المؤمنين الذين يثبتون الخير و يقاومون الشر. (كتاب تنسر، ترجمة د. الخشاب، ص 24) المترجم.

32

الأموال و المعاشرة، و لم أترك ذلك فى قلبى و لست راغبا أن تكون لى صديقا قط، و سأظل محبوسا فى الدنيا حتى يعلم الخلائق عدلى و ليطلبوا منى ما يلزمهم من أجل صلاح المعاش، و فلاح المعاد و التعفف عن الفساد، و لأهديهم فلا يظنون و يتخيلون أننى مشغول بطلب الدنيا بالمخادعة و المخاتلة، و لا يتوهمون ذلك حيلة منى طويلة، إننى اعتزلت شهوات الدنيا و سكنت فيها إلى مكارمها و كان ذلك لغرض أننى إذا ما دعوت شخصا للرشد و الحسنات و الخير يستجيب لى، فلا يرد نصيحتى بعصيان، و مثلما كان والدك السعيد بعد تسعين عاما من العمر و الملك ب" طبرستان" يتقبل كلامى بسمع القبول و الإصغاء، و لم يكن يتوهم فيه خللا قط، و هدفى من ذلك أن أوضح لك أن نهجى و سيرتى ليست من رأيى و لا من صنعى فكيف تواتينى الجرأة بحيث أحرم فى الدين أمرا حلالا من نساء و شراب و لهو، فكل من يحرم الحلال يكون شأنه كمن يحلل الحرام، لكن هذه السنة و السيرة قد تلقيتها عن رجال كانوا أئمة الدين و أصحاب الرأى و الكشف و اليقين، مثل فلان و فلان تلاميذ الشيوخ و الحكماء المتقدمين على عهد" دارا"، فقد رأوا هؤلاء المفاسد و استمعوا من السفهاء و السفلة إلى المحاورات و المشافهات، و شاهدوا الإعراض و عدم الاكتراث من الجهال فى حق العلماء، وراج الظن و التفريق و هجرة السيرة الإنسانية، و انبعثت الطبيعة الحيوانية، و خشيت أن يلحقهم عار الجهل بحال الناس و عدم العناية به، حطموا القلب على الصخر و فروا من مكر الثعالب و استراحوا إلى نهج النمور و هجروا الدنيا كلية و رفضوا شهواتها التى لها تبعات كثيرة، و استقبلوا مجاهدة النفس و الصبر و التجلد على مقاسات تجرع كؤوس الحرمان، و فضلوا هلاك النفس فى سبيل سلامة الروح.

ففى التوراة مسطور (هجران الجاهل قربة إلى الله عز و جل)

خص بإحسانك شخصين، و لا يوجد فى الدنيا إنسان أتعس و لا أذل منهما:

- أولاهما المدرك تماما بعقله الذى يبقى فى الدنيا ذليلا بين أكف الحمقى.

- و ثانيهما الملك الذى سقط لسوء حظه عن التاج و العرش فى البؤس و الفقر.

33

و ليكن معلوما للملك ابن ملك الدنيا أن الحكماء يعدون الملك الممكن هو من يعتنى بصلاح الزمن القادم أكثر من عنايته بما هو فيه حتى ينتهى ذكره حبيسا فى الدنيا و الآخرة (1). مثلما قال أحد ملوك" فارس" للخاقان لقد طلبت من الترك ثأر مائة عام تالية بعدى، فكل ملك يهمل قانون العقل فى إدارة الملك طلبا ليمن حاضره، و يقول إن أثر فساد هذا الأمر سيتحقق بعد مائة عام أخرى، و لن أدع اليوم تشفى النفس فلن أحيل إلى ذلك العهد إذن يجب معرفة أن لسان الخلق البعيد حتى و إن يكونوا جميعا أحفاده فسوف يكونون أكثر حدة و طولا فى النيل من مقولته مما عليه الحال فى عهده و سيبقى ذكر ذلك مدة أطول و لقد حررت هذا المعنى عن عملى حتى تعلم أن كل من يستشيرنى مثلما فعلت معى أنت تكرما، و حين يظهر أثر نصيحتى فيه أهنا و سرورى فى الدنيا مبعثه هذا، و لا يستطيع شخص قط على وجه الأرض من الملوك أن يصنع فىّ إحسانا و لا أن يسدى لى سعادة أخرى أكثر من هذا، و لا تعجب من حرصى و رغبتى فى صلاح الدنيا طلبا لاستقامة قواعد أحكام الدين، فالدين و الملك توأمان لاصقان مولودان من بطن واحدة، و لن ينفصل كلاهما عن الآخر قط و صلاحهما و فسادهما و صحتهما و سقمهما له مزاج واحد، فأرضى بعقلى و رأى و فكرتى أكثر من الثرى بالمال و من الأب بالأبناء و لذتى من نتائج الرأى أبلغ من ملاذ الشارب و الغناء و اللهو فأنواع السرور عندى هى:

أولا: الصورة الصائبة التى يكون عليها اعتقادى و نتائجها التى أراها كل يوم و ليلة فى ظهور الصلاح بعد الفساد و الحق بعد الباطل.

و ثانيا: أن تسعد أرواح السالفين الأخيار برأيى و علمى و عملى بحيث أسمع أصواتهم تقول أحسنت و أطالع بشاشة و طلاقة وجوههم.

و ثالثا: إننى أعلم أن روحى سوف تأتلف فى القريب العاجل مع أرواحهم ائتلافا بلا خلاف، فحينما نلتقى ببعضنا البعض فسوف نقص الحكايات عما فعلنا، و سوف نسعد بذلك حتى يكون معروفا للملك ابن الملك أن رأيى لعامة الخلائق ما هو

____________

(1) هذه العبارة أساس من أسس الحكم الساسانى و قد ذكرها" الفردوسى" فى" الشاهنامه".

" كتاب تنسر، ترجمة د. الخشاب هامش ص 27" المترجم.

34

إلا بر و مكرمة، و من أجلك أنت الذى قد امتطيت صهوة الجواد و تأخذ بالتاج و العرش فلتأت إلى بلاط ملك الملوك، و لتعلم أنه الذى وضع ذلك التاج على رأسك، و لتعرف أنه أسند إليك الملك فقد سمعت ماذا فعل مع كل من أخذ منه التاج و الملك، و لقد كان قابوس ملك" كرمان" واحدا من هؤلاء و مثل ملك" كرمان" بين حضرة جنابه العظيم طائعا منقادا، و قبل أعتابه الرفيعة و سلم التاج و العرش، و قال ملك الملوك للموابدة: لم يكن فى رأينا قط أن نعطى لقب الملك لمخلوق قط فى ممالك آبائنا و أجدادنا إلا أنه حينما لجأ إلينا" قابوس" ظهر له" نورايى" بالرأى و الحرص الذى نحن عليه أن لا ينتقص مخلوق منه قط بأن نضم إلى تاجه و عرشه الإقبال و اليمن، و كل من يدخل فى طاعتنا و يكون مستقيما على جادة الطاعة لا نسقط لقب الملك منه، و لا يجوز لمخلوق قط ليس من أهل بيتنا أن يدعى ملكا (1) سوى تلك الجماعة من أصحاب الثغور و هى الآن ناحية" المغرب" و" خوارزم" و" كابل" و لم نعط الملك ميراثا على نحو ما أعطيناه من قبل مرارا و يجب على الأمراء جميعا أن يلتزموا حضرتنا كل فى دوره، و لا تجوز لهم رتبة و لا درجة، فلو سعوا وراء الدرجات لوقعوا فى الجدل و القيل و القال و لضاعت هيبتهم و وقارهم وهان أمرهم فى أعين الخلق، فماذا ترون أنتم فى هذا؟ إن كان هذا الرأى مستحسنا لديكم فعليكم بالعمل به، و إلا فليتخذ الصلاح، و لما كان افتتاح هذا و اختتامه مقرونا بالصلاح و النجاح فقد وجب النفاذ و أعيد قابوس، و لقد أبديت هذا القدر لك أيها الأمير، لأنك قد طلبت أن أسدى لك الصلاح على وجه السرعة فيجب عليك أن تحزم أمرك بالرحيل فورا و أن تمثل فى حضرة السلطان عاجلا، حتى لا ينتهى الأمر بأن تطلب للمثول و تصبح ذميما عنده و يزل أعقابك من بعدك، و تبتلى بغضب ملك الملوك، و ما هو مأمول فيك اليوم لا يمكن إدراكه غدا، و تتحول من مقام الطاعة إلى مقام العصيان، أما بقية الأسئلة التى سألتها عن أحكام ملك الملوك و قلت إن بعضها ليس مستنكرا، و أثبت أن البعض الأخير غير مستقيم بأى وجه من الوجوه فإنى أجيبك بأن ما كتبته للسلطان بأن يطلب حق الأولين يمكن أن يقول بترك السنة، فإن كان مواتيا للدنيا لم يكن مستقيما مع الدين و اعلم أن السنة سنتان سنة الأولين‏

____________

(1) كان عظماء الأشراف فى الدولة الساسانية يحملون لقب ملك و أفراد هذه الطبقة هم الذين يطلق عليهم لقب شهرداران و هى تشمل الأمراء التابعين الذين يحكمون ولايات فى أطراف الدولة و حكام الإمارات التى كانت خاضعة لحماية إيران" تنسر ص 29" المترجم.

35

و سنة الآخرين‏ (1) سنة الأولين هى العدل، و قد أهمل طريق العدل و انطوى بحيث لو تدعو أحدا فى هذا العهد للعدل فسوف تدعوه الجهالة إلى التعجب و استصعاب ما تدعوه إليه، أما سنة الآخرين فهى الجور و لقد استكان أهل الظلم إلى مسلك لا يستطيعون معه أن يغيروا طريقهم من مغبة الظلم إلى منفعة تفضيل العدل و اختياره، بحيث لو إن الآخرين أتوا بعدل لقيل: إنه لا يليق بهذا الزمان، و لهذا لم يبق ذكر للعدل و إذا ما انتقص السلطان شيئا من ظلم السابقين، لأنه ليس من صلاح هذا العهد و الزمان لقيل إن هذا رسم قديم و عادة الأولين، فيجب عليك معرفة الحقيقة و هى أنه يجب السعى لتبديل آثار ظلم الأولين و الآخرين و اعتمادا على أن الظلم غير محمود فى العهد الذى اقترفوه فيه أو يقترفونه فيه سواء الأولون أو الآخرون، و هذا السلطان قادر على هذا، و الدين معين له فى تغيير و محق أسباب الجور، إذ إننا نراه صاحب أوصاف حميدة أكثر من الأولين و سنته أفضل من السنن السابقة، و إن كانت عنايتك بأمر الدين و استنكارك لما وجه له فى الدين فاعلم أن" الإسكندر" قد أحرق فى" إصطخر" كتاب ديننا المكون من اثنتى عشر ألف جلد من جلود البقر لكن الكثير منه بقى فى القلوب، و ذلك أيضا فى جملة قصص و أحاديث، و لم يدرك الشرائع و الأحكام بل إن تلك القصص و الأحاديث أيضا قد ضاعت من ذاكرة الخلائق بسبب فساد أهل العصر و ذهاب الملك و الحرص على البدعة و الأضاليل و الطمع فى الفخر، فلم يعد يبقى من صدقها ألف، فلا حيلة إذن للرأى الصائب و الصالح إلا بإحياء الدين، و لم تسمع و لم تر أن ملكا قط غير السلطان قد قام بهذا الأمر، و قد اجتمع عليكم مع ذهاب الدين أن ضاع أيضا علم الأنساب و الأخبار و السير و سقط من الذاكرة، فصرتم تكتبون بعضه فى الدفاتر و تنقشون بعضه على الأحجار و الجدران، حتى إنكم ما عدتم تحتفظون فى الخاطر بشى‏ء قط مما جرى فى عهد والد كل واحد منكم، و لا نهاية لأعمال العامة و سير الملوك مما يخص الدين إلى نهاية الدنيا فكيف يمكن الاحتفاظ

____________

(1) المقصود بسنة الأولين، المبادئ الدينية الأصلية القديمة فى دين زرادشت و المقصود بسنة الآخرين المبادئ التى يرى العمل بها و قد عبرت الأوستا عن النوع الأول بكلمة بوريو تكيش و عن النوع الثانى بكلمة أمرتكيشى، و معنى اللفظ الأخير القانون المعمول به" المترجم.

(كتاب تنسر، ترجمة د. الخشاب، ص 30).

36

بذلك؟ و لا شبهة فى إنه فى الزمن الأول مع كمال معرفة الإنسان بعلم الدين و ثبات اليقين كان الناس مع ما وقع من الأحداث فيما بينهم حاجة ماسة لملك صاحب رأى، و لا يكون للدين قوام ما لم يكن هناك رأى واضح.

الأمر الثانى: كتبته عما يطلبه المليك من أهل المكاتب و المروءة، فاعلم أن الناس فى الدين أربعة أصناف، و فى كثير من كتب الدين مكتوب و مبين بلا جدال و لا تأويل و لا خلاف و لا أقاويل و يقولون إن لذلك أربعة أعضاء و الملك على رأسها:

العضو الأول: أصحاب الدين و هذا العضو ينقسم إلى أصناف أخرى و هى:

الحكام و العبّاد و الزهّاد و السدنة و المعلمون.

أما العضو الثانى: فهو المقاتلون أى رجال الحرب و هم على قسمين الراكبون و المترجلون و هم متفاوتون بعد ذلك فى الدرجات و الأعمال.

أما العضو الثالث: و هم كتّاب الرسائل و كتّاب القضايا و السجلات و الشروط و كتّاب السير و الأطباء و الشعراء و المنجمون داخل طبقتهم و يعدون أرباب المهن.

أما العضو الرابع: و هم الزّراع و الرعاة و التجار و سائر الحرفيين و يكون بنو آدم أربعة أعضاء فى زمن الصلاح على الدوام، و لا شك أنه لا ينقل واحد من فئة إلى أخرى إلا أن يجدوا واحدا فى الجبلة قد شاعت أهليته فيعرضونه على المليك، و بعد طول تجربة و مراقبة له من قبل الموابدة و الهرابدة يتم إلحاقه بطائفة أخرى إن وجد مستحقا لذلك، لكن بما إن الناس سقطوا فى عصر الفساد و سلطان لا يقيم صلاح العالم، فقد تعلقت أطماعهم بما ليس حقا لهم، فأضاعوا الأدب و أهملوا السنة و أطلقوا للرأى العناية و حشروا رؤوسهم، و سلكوا بالقوة طرقا لا تبدو لها نهاية فظهرت السطوة و حملت جماعة على أخرى لتفاوتهم فى المراتب و الآراء، حتى انتهى السلام و الدين جملة، و بات لبنى آدم صورتان هى: الشيطان صفة و الوحش سيرة على نحو ما جرى ذكره فى القرآن المجيد عز قائله من قوله (شياطين الإنس و الجن يوحى بعضهم إلى بعض) (1) و سقط حجاب المحافظة و الأدب، و ظهر قوم ليسوا متحلين بشرف الفضل‏

____________

(1) نص الآية (وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ" الأنعام/ 112 (المترجم)

37

و العمل، و لا وارثين لضياع و لا يهمهم حسب و لا نسب، فارغون من كل فكر و حرفة، مستعدون للغمز و الشر و الترويج و الكذب و الافتراءات، و هم يعيشون على ذلك، و قد بلغوا وجاهة به فى الحال و كسبا للعمال، و قد أعاد السلطان بعقله الخاص و فيض فضله تلك الأعضاء التى كانت قد تمزقت من بعضها البعض إلى بعضها مرة أخرى، و جمعها و أعاد كلا منهم إلى مقر فئته و أنزله مرتبته، و منع أى واحد منهم أن يشتغل بغير الصفة التى خلقه الله سبحانه و تعالى من أجلها، و فتح تقدير الحق تعالى على يديه بابا لأهل العالم، حيث لم تكن الأفكار و الخواطر قد بلغته فى الزمن الأول، و كلف كل واحد من رؤساء الأعضاء الأربعة بأنه إذا ما وجد أثر رشد و خير فى واحد من أبناء مهنته ورآه مأمونا على الدين أو صاحب بطش و قوة و شجاعة و فضل و حفظ و فطانة و جدارة بأن يعرض عليه حتى يصدر بشأنه أمرا، أما ما تستعظمه فى عينك من عقوبات السلطان و الإسراف الذى يأمر به لسفك الدماء فى حق من يعمل من الأفراد بخلاف رأيه و أمره، فليعلم أن الأوائل قد قصروا أيديهم عن هذا الأمر، لأن الخلائق لم يكونوا ينسبون إلى العصيان و ترك الأدب، فانشغل كل إنسان بمعيشته و بما يهمه، فلم يكونوا يدفعون الملوك إلى الاهتمام بهذا الأمر بسوء التدبير و العصيان فلما كثر الفساد و خرج الناس على طاعة الدين و العقل و السلطان و سقط الحساب بينهم، عندها لا تسترجع كرامة مثل هذا الملك و رونقه إلا بسفك الدماء، ربما لم تسمع بأنه فى مثل هذا الزمن قال رجل من أهل الصلاح: لم نعلم و لم نسمع من قبل بأن العفاف و الحياء و القناعة و الصداقة المرعية و النصيحة الصادقة و الرحم الموصولة قد انقطعت بسبب الطمع، فلما غلب الطمع على هذا الزمان زال الأدب من بينهم و أصبح العدو أقرب إلينا و من كان تابعا لنا أصبح متبوعا و من كان خادما أصبح مخدوما، و صار الجميع كشياطين قد فكت قيودها فأسقطوا الأمور و انتشروا فى المدن باللصوصية و الفتنة و الصعلكة و الفواحش، حتى بلغ الأمر أن تتطاول العبيد على السادة و تمردت النساء على الأزواج، و تسلطت عليهم، وعد من هذا النمط كثيرا، ثم قال بعد ذلك:" فلا قريب و لا حميم و لا نصيح إلا السنة و الأدب" حتى تعلم أن ما أمر به السلطان من اشتغال الناس بأمورهم عن أمور الآخرين هو قوام العالم و نظام أمر أهله، كما إنه بمنزلة

38

المطر الذى يحيى الأرض و الشمس التى تمدها بالطاقة، و الريح التى تنفخ فيها الروح، فإن وقع إفراط، فى العذاب و سفك دماء مثل هؤلاء القوم مما لا يظهر له نهاية، فإننا نعد ذلك حياة و صلاحا سوف تصبح به أوتاد الملك و الدين فى الزمن المستقبل فى كل لحظة أكثر إحكاما و قوة، و كلما زاد فى العقوبة من أجل أن ينصرف كل عضو إلى مركزه و اختصاصه، كانت النتيجة أكثر نفعا و حمدا، و مع أنه قرر أن يكون لكل عضو رئيس قائم عليه، و من بعد الرئيس عارض حتى يحصيهم عددا، و من بعد مفتش أمين حتى يفتش عن شوائبهم، و معلم كذلك حتى يقوم على تعليم كل واحد منهم حرفته و عمله منذ الطفولة، و ليطمئنوهم و يسكنوهم فى تصرف معيشتهم، كما نظم و عين المعلمين و القضاة و السدنة الذين يقومون بالتذكير و التدريس، كما أمر معلمى الأبطال و الفرسان بأن يهتموا بتدريب أبناء القتال فى المدن و القرى على السلاح و فنون القتال و آدابه، حتى يشرع جميع أهل الممالك كل فى عمله، حيث قال الحكماء الأوائل:

" القلب الفارغ يبحث عن السوء و اليد الفارغة تنازع الإثم" و معناه: إن القلب الفارغ من العمل دوما يسعى وراء المحالات و يتتبع أخبار الأراجف، و حيث تتولد الفتنة من ذلك، و أن اليد التى تلاصقه تتعلق بالآثام و الجرائم.

و قد أوضحت أن ألسنة الناس قد طالت فى التحدث عن سفك السلطان للدماء، و أنهم فى قلق لذلك و الجواب هو أن كثيرا من الملوك يكون قلة قتلهم إسرافا، لو قتلوا عشرة أشخاص بحيث يعد ذلك كثيرا كما لو كانوا قد قتلوا الآلاف، بل يجب قتل المزيد لأنهم يكونون مضطرين لذلك آنذاك مع أهله، و مع هذا فكثير من الأشخاص مستحقون للقتل إلا أن السلطان يعفو عنهم و هو أكثر رحمة و أقل إذن بكثير من" بهمن بن إسفنديار" الذى أجمعت أمم السلف على رفعته و رحمته و إنى أوضح لك أن قلة القتل و العقوبة فى ذلك الزمان و كثرته فى هذا الزمن إنما هو بسبب الرعية لا بسبب السلطان و ليعلم أن العقوبات تنقسم إلى ذنوب ثلاثة و هى:-

الأول: بين العبد و ربه عز اسمه حين يرتد عن الدين و يحدث البدعة فى الشريعة.

و الثانى: بين الرعية و السلطان حين تعصى أو تخون أو تغش.

39

و الثالث: بين أخوة الدنيا بين الخلائق فى الدنيا حين يظلم بعضهم البعض و قد استن السلطان فى هذه الذنوب الثلاثة سنة أفضل بكثير عما كان لدى السابقين، ففى عهد السابقين كان كل من يرتد عن الدين يصدر الأمر على الفور بتعذيبه و قتله عاجلا، فأمر السلطان بأن يسجن مثل هذا الشخص و أن يستدعيه العلماء فى كل وقت و على مدار عام بأكمله و يتعهدونه بالنصيحة و يوضحون له الأدلة و البراهين، و يمحون ما صار فى نفسه من شك، فإن تاب و أناب و استغفر يطلق سراحه، و إن أصر على غيه و استكبر يؤمر بقتله بعد ذلك.

و بالنسبة للذنب الثانى: فكل من كان يعصى الملوك أو يفر من الزحف لم يكن يأمن على روحه قط، فاستحدث السلطان سنة بأن يقتل من تلك الطائفة بعضها لإيجاد الرهبة حتى لا تصبح عادة، و أن يعفى عن البعض حتى يبقى الأمل فى العفو قائما و يستقر الأمر بين الخوف و الرجاء و هذا الرأى أشمل بالنسبة لصلاح الحكم و الملك.

أما الثالث: فقد كانت السنة فى الزمن السالف أن يضرب الضارب و يجرح على الجارح و يمثل بالغاصب و السارق و الزانى كذلك، فتم إبطال تلك السنة و حددت غرامة على الجارح تعطى للمعتدى عليه حتى يتألم الظالم و ينال المظلوم منفعة و رضا، فحينما تقطع يد السارق لا تتحقق منفعة لأحد قط و يظهر بين الخلق عيب فاحش، كما يعاقب الغاصب بغرامة تعادل أربعة أمثال ما يعاقب به اللص، و الزانى يعاقب ببتر أنفه بحيث لا يقطع منه عضو ينقص من قوته و يكون عارا و شنارا له فى حين لا يؤثر على عمله و أمر بتسجيل تلك الأحكام فى كتاب ثم قال بعد ذلك: فلتعلم أننا قد وجدنا الناس ثلاثة أصناف، و نرضى منهم بثلاث سياسات:

الصنف الأول: و هم القلة، هم الخاصة و أهل الخير و سياستهم المودة المحضة.

الصنف الثانى: هم أهل السوء و الشر و الفتنة و سياستهم التخويف الصرف.

الصنف الثالث: و هم الأكثر عددا و هم العامة و سياستهم الجمع بين الترغيب و الترهيب، فلا أمن على الإطلاق فيتجرؤون و لا رعب على الإطلاق فيتشتتون و يتفرقون، ففى بعض الأوقات يجب القتل للذنب الذى يكون أقرب إلى العفو و أليق به‏

40

و يؤمر بالعفو للذنب الذى يستوجب القتل، و قد رأينا أن لا فائدة فى أحكام و سنة السلف السابق و كان الضر و النقصان يحل بالعامة فى العدد و القوة، فأمرنا بوضع هذا الحكم و تلك السنة المستحدثة حتى يعمل بها فى عهدنا و من بعدنا، و أمرنا بالقضاة لو عادت تلك الجماعة من المجرمين إلى ارتكاب جرائمهم مرة أخرى بعد أداء الغرامات التى حددت لهم فلتقطع آذانهم و أنوفهم دون أن يتعرضوا لعضو آخر من أعضاءهم.

الفصل الآخر: الذى كتبته عن أمر البيوتات و الرتب و الدرجات التى أمر السلطان بإحداثها و إبداعها، فإن البيوتات و الدرجات هى الأركان و الأوتاد و القواعد و المحاور و كلما زال الأساس تداعى البيت للخراب و انهار، فاعلم أن فساد البيوتات و الدرجات على نوعين:

الأول: أن يهدم البيت و أن يجاد أن تعطى الدرجة بغير حق، أو أن يضع الزمان نفسه من عزمهم و بهائهم و جلال قدرهم دون سعى آخر، فيأتى من بعده نسل وضيع فيتخذ أخلاق الأجلاف شعارا، و يهمل أسلوب التكرم فيذهب وقارهم بين العامة فينشغل أصحاب المحن بكسب المال، و يتخلون عن الفوز بالفخر و ادخاره و يصاهرون الأخساء الوضعاء ممن ليسوا أهلا لهم، و لهذا ينتج توالد و تناسل المنحطين الوضعاء الذى يؤدى إلى تهجين المراتب و الدرجات، و لكى يرفع السلطان من مراتبهم و يمنحهم درجة الشرف و الرفعة فقد أمر بما لم نسمع به من أحد قط من قبل، و هو أن يكون هناك تمييز ظاهر و عام و باد للأعين فيما بين أهل الدرجات عامة فى المركب و اللباس و البيت و البستان و الزوجة و الخدم، كما وضع فروقا بعد ذلك بين أرباب الدرجات فى الدخل و المشرب و المجلس و الموقف و الثوب و الحلية و الأوعية، بحيث تحفظ أماكنهم و مواضعها بقدر كل واحد منهم، و حتى يعرف كل منهم من حظه و محله ما يناسبه فلا يشاركهم أحد، و لا يخالط العامة قط فى أسباب التعيش و لا فى النسب و النكاح إذ يكون هذا محظورا بين الجانبين و قال: إنى أعلم أن المرأة بمنزلة الوعاء، و فلان من قبيلتنا كانت أمه كالتابوت (فاقدة الإحساس كالأموات) و لقد منعت أى إنسان من أن يتزوج من امرأة من العوام حتى يبقى النسب محفوظا و كل من يفعل ذلك (أى يتزوج من امرأة من العامة) يحرم عليه الميراث كما أمرت بأن لا يشترى العامة المستغلون أملاك أبناء العظماء و بولغ فى هذا الأمر، حتى تبقى لكل واحد درجته و رتبته المعينة، و لتسجل و تدون فى الكتب و الدواوين.

41

أما حكاية التابوت فإنه كان يوجد ملك عظيم فى سالف الأيام غضب على نسائه فقال لهن: سوف أريكن كيف استغنى عنكن، و أمر بإحضار تابوت كان يتخلص من نطفته فيه فأخذت واحدة من أولئك الزوجات النطفة، و وضعتها فى داخلها فأنجبت ولدا، فقيل إن أمه ملكة و أباه هو التابوت.

و قد جاء فى توراة اليهود و إنجيل النصارى أن الناس تكاثروا فى عهد" نوح (عليه السلام)" و لم تعد هناك أرض لم تعمر، فعاشر بنو" لوهيم" بنات آدم (عليه السلام) فظهر من نسلهم الجبابرة فجعل الحق تعالى جل ذكره الطوفان وسيلة قهرهم، و على ذلك فالسلطان لم يقصر فى الحيطة حتى لا تصل المراتب إلى وضع لا يمكن تداركه، و أمر بأن كل من يتجاوز تلك السنة و يخرج عليها من بعده يستحق خفض درجته و سفك دمه أو مصادرة أمواله و النفى خارج البلاد، و قال: لقد كتبت هذا المعنى من أجل ملوك المستقبل إذ عساهم أن لا يكونوا أصحاب تمكن قوى فى الدين فيقرأون فى كتابى و يعملون بما فيه، و يجب التيقن من أن الملك هو النظام بين الرعية و هو قوامها و زينتها يوم الزينة، و هو مفزعها و ملجأها و حصنها يوم الخوف من العدو، و لقد قال أيضا:

عليكم أن تحفظوا النساء من الزينة، فلا يجب أن تهملوا حفظ أى شى‏ء قط وفق مراتبه و قال: إن عهدى لمن يأتون بعدى هو أن يسندوا خدمهم و مصالحهم إلى العقلاء حتى و إن تكن أمورا صغيرة و إن يكن الجميع مكانس، لكن حين يكون الطريق موصلا فليكلف أفضل تلك الطائفة، و قال العقلاء: إن الجاهل أحول، يرى المعوج سليما، و يظن المكسور صحيحا و يتصور عظيم الأشياء صغيرا، و يعد الصغير عظيما، فلا يستطيع من وهم الجهل أن يرى السابق و التالى و يعرف الأمور الأخرى التى تأتى بالضرر و لا يتيسر تداركها، فلا يدرك الجاهل القليل من الضرر حتى تصبح المضرة بما لا يمكن إدراكه بالعلم ما هذا؟.

أما ما كتبته بأننى لم أر فى الدين شيئا قط أعظم من تعظيمه لأمور الإبدال (الأبناء المنتسبون إلى المتوفى و سيأتى شرحه) فقد قرره الدين، و قد أغفل السلطان رعايته لذلك، فاعلم أن السلطان وجد أحكام الدين ضائعة و مختلة، و أن البدع و المحدثات قوية غالبة، فعين مراقبين على الخلق بحيث إذا ما توفى شخص و ترك مالا فعليهم أن يخبروا الموابدة، ليقوموا بتقسيم المال حسب السنة و وفق وصيته بين أرباب‏

42

المواريث و الأعقاب، و كل من لا مال له يتكفل بتجهيزه و يطعم أعقابه، إلا أنه قرر أن يكون إبدال أبناء الملوك أبناء ملوك أيضا، و إبدال أرباب الدرجات أيضا أبناء درجات و ليس فى هذا استنكاف قط أو معارضة لا فى الشريعة و لا فى الرأى و معنى الإبدال‏ (1) فى مذهبهم: إذا ما حل الأجل بشخص منهم و لم يكن له ولد فإن ترك زوجته فإن تلك الزوجة تزوج من أحد أقارب المتوفى، بحيث يكون الأولى به و الأقرب إليه، و إن لم تكن له زوجة و كانت له بنت فيتم معها نفس الأمر، فإن لم يكن له أحدهما تطلب امرأة للزواج بأحد أقاربه بحيث ينفق على هذه الزيجة من مال المتوفى، و كل من يولد من الأبناء نتيجة تلك الزيجات ينسب إلى صاحب التركة، و كل من كان يعترف بغير ذلك كان يقتل، فقد كانوا يقولون: إن نسل ذلك الرجل المتوفى يجب أن يبقى حتى آخر الزمن، و فى توراة اليهود أيضا أن الأخ يتزوج من زوجة أخيه المتوفى بحيث يبقى على نسله و النصارى يحرمون ذلك.

و الأمر الآخر الذى ذكرته بأن السلطان قد رفع النيران من المعابد و أخمدها و أن مثل هذه الجرأة فى الدين لم يقترفها أحد مطلقا، فاعلم بأن هذا الأمر ليس صعبا فى الدين إلى هذا الحد و المعلوم لديك عكس الحقيقة، لأن ملوك الطوائف بعد" دارا" اتخذ كل واحد منهم لنفسه معبدا خاصا به، فكان كل ذلك بدعة فقد أقاموها دون أمر الملوك القدامى فأبطل السلطان ذلك، و استعاد السيطرة على النيران و أمر بنقلها إلى مواضعها الأولى، و لقد أوضحت بعد ذلك أن الأفيال قد أوقفت بباب السلطان و أنه قد أمر بإقامة الثيران و الحمير و الشجرة، فاعلم أنه قد فعل كل ما كتبته بأمر الدين، حتى يلقى جزاءه كل من يقترف سحرا أو يقطع طريقا أو يأتى بتأويل غير مشروع فى الدين، فكل ما اتصل بالرفق و اللين و التساهل كان قد وجد طريقه و ساد، فأدرك السلطان أن الأمر الصعب لا يساس إلا بالرياضيات الصعبة و لا يزلل إلا بها، و أن‏

____________

(1)" كتب د. الخشاب نقلا عن البيرونى و هو يتحدث عن" زواج المقت عند العرب" و لا يبعد عن اليهود فقد فرض عليهم أن ينكح الرجل امرأة أخيه إذا مات و لم يعقب و يولد لأخيه المتوفى نسلا منسوبا إليه دونه لئلا يبيد من العالم ذكره و كذلك أمر الإبدال عند" الفرس" إذا مات الرجل و لم يخلف ولدا أن ينظروا فإذا كانت له امرأة زوجوها من أقرب عصبية باسمه ... إلخ"، انظر" كتاب تنسر، ترجمة د. الخشاب ص 43" المترجم.

43

الجراح المستعصية (الغائرة) لا يفيد فيها المرهم، و لا يكون ناجعا إلا بأن تفتح و تقوى، و نحن نعلم أن كثيرا من الرجال كانوا رجالا، و قد طلبوا الرجولة هكذا من أجل صلاح العالم، و قد أدركوا ذلك و فازوا به، و كل شخص لم يكن قادرا هكذا فى العلاج و المداواة نتيجة لضعفه فإنه يطلب الطبيب، كما تفعل الأم المشفقة لولدها حبيب قلبها و مناط روحها، فإذا ما رأت أن الدواء مر، و أن الكى حارق، و أن الجراح صعبة، فإن قلبها نتيجة ضعفها و عدم ثباتها يستسلم للقلق و الاضطراب و الجزع، إلا أن الابن لا يجد الشفاء من العلل إلا بكل ذلك حيث يجد السلامة و تحل الراحة و السكينة بصدر الأم الضعيف فتعود بالثناء على ذلك الطبيب لسلامة ولدها و نجاته.

أما تفسير أمر الفيل فقد كان السلطان يأمر بأن يلقى كل قاطع طريق و صاحب بدعة تحت أقدام الفيل.

و أما الثور فهو وعاء كبير على هيئة ثور كان يذاب فيه الرصاص، فكان يلقى بالإنسان فى داخله ليصهر.

و أما الحمار فكان من حديد، و يقف على ثلاثة أرجل فكان البعض يعلقون من أقدامهم فيه و يتركون هكذا حتى يهلكوا.

و أما الشجرة فقد كانوا يثبتون فيها أربعة مسامير، و لم تكن تلك العقوبات تنفذ إلا فى حق الساحر و قاطع الطريق، و ما ذكرته بعد ذلك من أن السلطان كان يمنع الناس من البذخ فى المعيشة و البسط فى الإنفاق، فقد وضعت السنة هذا الأمر، و قصد به إظهار التوسط و التقدير بين الخلائق حتى يتضح شأن كل طبقة فيتميز الأشراف و رجال الجيش، فقد جعل للمقاتلين درجات من الشرف و الفعل فى كل نوع فوق تلك الجماعة، فهم دوما يجعلون من أنفسهم و أموالهم و أتباعهم فداء لأهل المهنة، و يفضلون ذلك على صلاح أنفسهم كما إنهم مشغلون بحرب أعداء الولاية، فى حين أن أهل المهن مقيمون فى وداعة و رفاهية آمنين مطمئنين فارغين من كل فكر خاص ببيوتهم و معاشهم، ينعمون بصحبة الزوجة و الأبناء، و كان واجبا على أهل المهن أن يجيبوهم و يسجدوا لهم و أن يقدموا للمقاتلين من الاحترام مثلما يقدم الأهل الدرجات، و على أهل الجيش أيضا أن ينظروا إلى بعضهم البعض بنفس نظرة العلو فى الدرجة

44

فيحترم كل واحد منهم الآخر، فلو سمحوا لأحد من الناس أن يتصرف فى أمر ما وفق هواه و مراده، فليس للهوى نهاية أو حد، و لسوف تتجمع عليهم من الأشياء ما لا يستطيع ما لهم أن يفى به، فينتهى بهم الأمر سريعا إلى الفقر و الحاجة فإذا ما انتهى أمر الرعية إلى الفقر فستخلو خزائن الملك، و لن يجد الجند النفقة و يضيع الملك من اليد، و قد منع الأمراء من التبذير و السفه حتى لا يحتاجوا إلى أبناء المهن، و رتبت معيشتهم بحيث لو كان لواحد منهم ألف كنز و لو كان لأحد آخر مال قليل فإن الجميع يعيشون وفق السنة فى مستوى واحد، و عليهم أن يتخيروا من بنات الملوك من كانت أصلح و صاحبة دين، حتى تتحقق للجميع الرغبة فى الصلاح و العفة، و على كل منهم أن يكتفى بزوجة واحدة أو اثنتين، و كان مستنكرا كثرة العيال و كان يقول: إن كثرة العيال تليق بالسفلة فى حين أن الملوك و الأمراء يباهون بقلة الأبناء.

بغاث الطير أكثرها فراخا* * * و أم الصقر مقلات نزور (1)

أما الأمر الآخر الذى كتبته بأن الملك عين على أهل الممالك المخبرين و الجواسيس و أن الناس جميعا فى خوف و حيرة من هذا الأمر، فليس هناك خوف قط من هذا الأمر على أهل البراءة و السلامة، فلا يليق للمليك تعيين جاسوس و لا مخبر ما لم يكن مصلحا و مطيعا و تقيا و أمينا و عالما و متدينا و زاهدا فى الدنيا، حتى يكون ما يعرضه عن تثبت تعيين فحين تكون مطيعا و منضبطا و يبلغون ذلك عنك للمليك، فلابد أن تزداد سعادتك لإبلاغ إخلاصك إليه فتزداد شفقته عليك، و لقد كتب السلطان هذا الباب فى الوصية التى حررها باستقصاء جهل الملك بأمر الناس و عدم وقوفه عليها باب من الفساد، و لكن بشرط أن يحذر أن يسمع كلاما ممن ليسوا من أهل الثقة و الاطمئنان و أن لا يأخذ برأيهم و لا يعمل به و لا يتصور و لا يقول: إننى أقتدى ب" أردشير" فقد جئت‏

____________

(1) ورد هذا البيت فى الحماسة البصرية و فى صلة الديوان المجموع لكثير عزة ص 35. و الديوان المجموع للعباس بن مرداس و بغاث الطير و هو ما لا يصد منها. و الشطر الثانى من البيت به خبرى المعل و يضرب فى قلة الشى‏ء النفيس.

«الحماسة لأبى تمام بن أوس الطائى»، تحقيق د. عبد الله عبد الرحيم عسيلان، الجزء الأول- طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود 1401 ه 1981 ص، 581 و انظر:

الميدانى (أبى الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابورى) مجمع الأمثال ج 1 مطبعة السنة المحمدية 1347 ه- 1955 م ص 62» المترجم.

45

فى زمن غير منضبط و أمر الدين مملوء بالخلل، و الملك غير مستقيم، و الجميع أعداء و أشرار، و لا وجود للأخيار قط، و قد اخترنا الثقاة و الأمناء و الصلحاء أيضا، كما إننا لم نصدر حكما دون تجربة و تمحيص، و من الممكن أن يأتى من بعدنا قوم أفضل و لا يجب أن يعطى للأشرار مجالا بأن يبلغوا إلى مسامع الملوك خبرا عن طريق التجسس فلو إنهم- و العياذ بالله- سمحوا بهذا فلن تكون الرعية و لا المرؤوسون فى أمن و راحة و لن يكون للملوك أنفسهم تمتع أو ثقة بطاعتهم و خدمتهم، و حينما يصل أمر الملك إلى هذا الحد، فليؤذن بالثورة عاجلا حيث يعرف الملك بعجز الرأى و ضعف القوة، فلا يتصور ذلك الأمير أن هذا السلطان قد أصدر الأمر مركزا إذا كان غير حجة، و لقد أشرت إلى أنه أخذ أموال الأغنياء و التجار، فإن كانوا قد اتخذوا لأنفسهم اسم الغنى و لم يكونوا أغنياء حقا فقد اقترفوا باطلا، فعن برهان الغنى هو من لا يأخذ شيئا بكره و فوق ما يطاق، بل يأخذه طوعا و عن رغبة و عليهم أن يؤدوا الخدمة و الولاء بصورة ظاهرة، فإن أرادوا أن لا يطلق عليهم اسم الغنى و أن يطلق عليهم اسم اللئام الآثمين، فإنهم يأخذون الأموال بالرياء و اللؤم و الدناءة لا عن طريق شرعى، و هذا المعنى هو الذى جعل مليك الزمان يستعين بفضول أهل الفضل دون عامة الخلق، و هذا أصل فى الدين كما إنه وجه مقبول فى الرأى.

أما السؤال الآخر: عن المانع لدى السلطان بحيث لا يعين ولى عهد من بعده و لا يحدد اسمه، فليعلم الجواب بأنه فكر فى هذا الأمر من مفسدة ذلك المسمى، و الذى سوف يحل بعده فلو إنه حدده و عين اسمه فسوف يفكر ذلك الشخص فى جميع أهل العالم، فإن أبدى شخص ما فتورا فى التقرب إليه، فسوف يحقد ولى العهد عليه، كما إن ولى العهد سوف يرى نفسه أيضا ملكا و يقول السلطان إن هذا الشخص ينتظر موتى و يترقبه، و على ذلك فسوف تفتر المودة و الحب و الشفقة فى قلبه، و لما كان هذا الأمر لا يتضمن صلاح الحال للمليك و لا للرعية فإن ستره أولى، كما إنه من المحتمل لو أظهر هذا الأمر و أعلن ألا يتجرد العداء من الكيد و الحيلة فيلحق به المرض من الشياطين و أعين الحاسدين من الجن و الإنس و العز و الأذى، و اعلم يقينا أيضا أن كل ما تتعلق به أعين الخلائق فإنه يتعرض للهلاك للضرورة و إعجابه بنفسه و لعدم مروءته، فكل من يعجب بنفسه يصبح عاصيا فيما فيه الصلاح، و كل من صار عاصيا

46

يتملكه الغضب سريعا فإذا ما تملكه الغضب ركن إلى العدوان، و إذا ما اعتدى انشغل الآخرون بالانتقام منه، حتى يهلك مما يغنى الآخرون بسببه، و من يجب أن يكون مليكا فهو من يكون قد نال الملك بالطاعة و الولاء، و من رأى و عانى ما يخالف هواه و تجرع مرارة الإحباط و يكون قد تجرع أقداح التوبيخ و اللوم من النساء و الصبية و الخدم و الرؤساء و الأصدقاء و الأعداء على السواء، و سوف أقص عليك فى هذا الأمر حكاية عساك لم تكن قد سمعتها و لكنى أخشى أن تبقى حكايتى هذه فى أعقابى، فتكون عارا لنا و لرأينا؛ و مع هذا فسوف أقصها حتى أزيدك علما، فاعلم أننا لقينا معشر" قريش" مما لا نملك خلة و لا خصلة قط من الفضل الكرم أعظم مما أبديناه دائما من الخضوع و الخشوع و الذل فى خدمة الملوك، فقد اخترنا الانقياد و الطاعة و الإخلاص و الوقار فاستقام أمرنا بهذه الخصلة، و فزنا بقيادة و رئاسة جميع الأقاليم بذلك و هذا ما جعلنا نلقب: الخاضعين، و كان هذا اللقب هو أفضل الأسماء و الألقاب التى لنا فى الأولين و الآخرين فى الدين و الكتب، قياسا إلى باقى المناقب التى لنا بحيث صرنا و صارت حقيقة أن هذا الاسم مذكرا و واعظا لنا، و بقى العز و المكرمة و الفخر و المكانة بهذا الاسم فى حين أن الذل و المهانة و الهلاك فى التكبر و التعزز و الاستعلاء، و كان أوائلنا و أواخرنا جميعا على هذا الرأى، و لم يلقوا من الملوك مطلقا إلا الخير و التكريم كما لم يلق السلاطين منهم أيضا إلا الطاعة و الولاء، فلا غرو أن كنا فى هذا الأمن و تلك الدعة موضع حسد أهل العالم، و كنا حكام الأقاليم السبعة، بحيث لو إن واحدا منا حل بالأقاليم السبعة لما كان مخلوق قط لخوفه من ملوكنا يتجرأ بأن يلقى علينا نظرة تخلو من الاحترام، كنا جميعا على هذا النحو إلى عهد" دارا بن شهرزاد" الذى لم يكن فى الدنيا مليك قط، أعلم منه و لا أحكم و لا أصيب سيرة و لا أعز و لا أنفذ حكما، و كان جميع الملوك من الصين إلى مغارب الروم عبيدا منطقين، يرسلون إليه الخراج و الهدايا فكانوا يلقبونه بلقب" تغل شاه" إلا أن كل بلاء و ضرر حل به و بابنه" دارا" و بأهل زمانها كان نتيجة لأن هذا" التغل شاه" كان رجلا حريصا على الدنيا و قد أحب ولده و لحبه للدنيا غلب حبه لولده، فلم يكن له سواه ففكر فى أنه لو منحه اسمه و أعطاه التاج و العرش فإذا مات هو نفسه فيسعد بين الأحياء و سيبقى ذكر اسمه‏

47

دوما فكان يتفاءل كل يوم بكل ما يأتيه ولده من حركة، سكون، و كان يتخيل جلال أمره من لقبه به فقد قيل:

(إذا ترعرع الولد تزعزع الوالد) و ما أصدق قول الشاعر:

فى الغيب ما يرجع الأوهام ناكصة* * * و المرء مختدع بالزجر و الفأل‏

و يخال بالفأل باب الغيب منفتحا* * * و الغيب مستوثق منه بأقفال‏ (1)

فلما تجاوز الابن المهد و القماط و بلغ درجة العرش و البساط، فتحت له أبواب المكرمة و أسباب المرحمة من لدن والده و هيأ و أعد و وكلت الهمة بتربيته و تجهيزه و عين له الخدم و أعد له الأعوان بحيث إذا ما رفع عينه رأى نفسه صاحب تاج و سرير فتوهم أن الملك ليس من شؤون الله و أنه نتيجة خصائص صفاته الذاتية، فلم يحسب حسابا لرأى والديه و لم يستنر برأيهما و لم يدرك أنه سوف يحتاج إليه يوما ما و قال فى نفسه:

الملك لى أبا عن جد ولى الطعام و الفاكهة و الطير و السمك.

فلو أن القدر فوق منزل أبى لمزقته و لو أن القضاء ينظر إلى علوى فى الفضاء لفقأت عينه، و كان يوجد طفل من أبناء خدمهم يسمى" بيرى" فأنس إليه و صار الاثنان رفيقين متلازمين فى الأكل و الشرب، حتى ثمل الاثنان بكأس الغرور و صار كلاهما صاحب طبع و طبيعة واحدة و قد فوض بهذا الصبى الذى لا يملك عقلا غريزيا و لا غرة كرم أمر تربيته، و ذلك لعدم الوعى، و هذا الصبى ما زال حتى الآن مضرب المثل فى الشؤم عند أهل فارس و كان لدى «تغل شاه» كاتب محنك مجرب متمرس كان ذا تجربة فى خدمته و مقربا لديه و كان صاحب عقل و خلق و ديانة و أمانة، حسن الصورة ممدوح السيرة محمود الخلق، مسعود الخلق يسمى «رستين» ينطبق عليه قولهم:

____________

(1) تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن فكم يكمن المرء أمورا يأتى القدر بخلافها يظن المرء بفأله الحسن أن الغيب مفتوح و السماء طوع أمره و كان للغيب شأن آخر (المترجم).

48

لقد طن فى الدنيا مناقبه التى‏* * * بأمثالها كتب الأنام تؤرخ‏ (1)

فطاوله هذا الصبى فى مرتبته و تمنى أن يفوز بدرجته، و قبل أن يهيئ لتلك المنزلة عدتها، ركب مركب الاستعجال و تسلح بقناة الطعن و التعنت و جرد سيف الانتقام من غمده للفوز بهذا المقام، و كان وقع هذا الرجل و مكانته لدى الأكابر و الرؤساء يذكر فى الخطاب و الكتاب، كما كان نائب" تغل شاه" و خليفته فلما تجاوز الأمر الحد و لم يكن الفتى" بيرى" يقر له قرار لشبابه و عنفوانه و لم يكن لديه صبر و لا تمهل حتى يأتيه ذلك الأمر و قد قيل:

الكلب أحسن حالة* * * و هو فى النهاية فى الخساسة

ممن ينازع فى الرئاسة* * * قبل إبّان الرئاسة (2)

و مثل «رستين» ذات يوم بين يدى السلطان و طلب الخلوة معه، و لم يكن ممكنا حتى ذلك التاريخ أن يقال ذلك الكلام صراحة فى مواجهة السلطان، فكانت الأمثال و الحكايات تحاك كذبا عنه و تطرح بحيث كان فى تلك الأثناء يبحث عن الحقيقة و يسأل عنها قال" رستين": دام بقاء ذات السلطان إلى آخر الدهر لقد سمعت ذات وقت أنه كانت توجد مدينة فى إحدى الجزر كانت تتمتع بالخصب و الأمن و كان لتلك المدينة ملك قد أتاه الملك عن أجداده، و كانت جماعة من النسانيس قد استقرت إلى جوار تلك المدينة و كانت تعيش أيضا فى رغد عيش وسعة رزق و فراغ بال، و كان لها ملك مطاع يصغون لوصاياه يلقون بسمعهم لأوامره و يصرفون قلوبهم إلى اتباع هداه، فلم تكن شفاههم تنبس بكلمة دون استشارته و ذات يوم طلب إليهم أن يجتمعوا عنده فلما اجتمعوا لديه قال لهم: يجب أن ننتقل من أطراف هذه المدينة إلى مكان آخر:

أرى تحت الرماد و ميض جمر* * * و يوشك أن يكون لها ضرام‏ (3)

____________

(1) ملأت مكارمه الدنيا و عمت محاسنه الآفاق و امتلأت بطون الكتب و التاريخ بمآسره و محاسنه (المترجم).

(2) وردت هذه الكلمة فى المتن بهذا الرسم" الرءاسة" و هى خاطئة و الصحيح ما كتبناه (مترجم).

(3) يحذر قومه من وقوع الفتن و نزول الكوارث، و حدوث القتل فمعظم النار من مستصغر الشرر. (المترجم).

49

فقال النسانيس: يجب أن توضح لنا سبب هذا الأمر و موجب هذا التحرك و أن توضح لنا ما فى هذه الفكرة من صلاح حتى تتفق الآراء، فإن كانت تتضمن النجاح و الخير فلن يكون هناك عصيان لأمرك، فقال: لن أطلعكم قط على هذه الفكرة فقد طاب لكم هذا المنزل فهو مكان فسيح حبيب إلى قلوبكم موفور النعمة، و اعلموا أننى لو أطلعتكم على ما أعلمه فلن يكون له فى عيونكم و لا فى قلوبكم وزن و لا محل، لكن بحكم ما تعرفونه عنى من فضل الرأى و غلبة العقل على اقبلوا نصيحتى و التمسوا متابعتى حتى نحل فى مكان آخر فقد أشار العقلاء بذلك:

و ما الحزم إلا أن يحن ركائبى‏* * * إذا مولدى لم أستطب منه موردى‏

(1)

فالهجرة و الجلاء بعدا عن الجفاء و مغادرة البلاء هى سنة الأنبياء و المرسلين فى كل زمان و لا يقبل لدى العقل أن العاقل، يستصغر ذلك حتى يرى تباشير الشر، و منكرات الضر فى نفسه و أتباعه و أهله، و أشياعه، و يفضل المعاناة من أجل الطعام و الوجود على سعادة العمر التى فيها كل الخير، و إن فعل ذلك فإنه ينسب إلى الجهل و الكسل و يجر الأجل على نفسه بهذا الحمق:

فما كوفة أمى و لا بصرة أبى‏* * * و لا أنا يثنينى عن الرحلة الكسل‏

و فى العيش لذات و للموت راحة* * * و فى الأرض منأى للكريم و مرتحل‏ (2)

فالكريم العنصر الشريف الجوهر فى كل منزل و مقر يستقر فيه يكون متمتعا بفضائل الذات و هناء اللذات فإذا ما سقط مثلا فى البحر فإن السماحة و الفلاح يسبحان معه و لو كان العز و المنقب و الرزق و المرتبة تجعل مقاما دون مقام لما قيل:

لو حاز فخرا مقام المرء فى وطن‏* * * ما جازت الشمس يوما بيتها الأسد

(3)

____________

(1) الحزم فى نظره أن يخف الإنسان فى طلب رزقه و يسعى فى كسب معيشته فإذا لم يطب له العيش فى بلده حزم الركاب إلى أماكن أخرى (المترجم).

(2) لست متعلقا بمكان أهوى الجد و لا يعجزنى الكسل أجد اللذة فى التعب و إن مت فى السعى على معيشتى ففى الموت راحة و الأرض و اتساعها يسعى الكريم عليها أينما حل بها (المترجم).

(3) المرء فى وطنه لا يبلغ فخرا و لا ينال مجدا كالعود فى أرض نوع من الحطب (المترجم).

50

فقالت النسانيس:- إن المليك من كمال رأفته و فرط عاطفته علينا إذ نحن رعاياه يقدم كل هذا التأكيد تمهيدا لقواعد قبول هذه النصيحة، فلو لم يكن قد ظهر من الدهر أمر عظيم و جرم وخيم لما كان المليك قد ساق مثل هذه المبالغة، لكن برغم ذلك فإنه ما لم يبين سبب ذلك التحرك؛ و لذا فلن يسكن خفقان قلوبنا و لن يهدأ، و ما لم نقف على هذا السر فلن نلتزم بالانقياد لأوامره و اجتناب نواهيه، كما أن مدد قوة قلوبنا و نشاط حركتنا تزداد بوفور شفقته علينا و ظهور رحمته لنا، فقال ملك" النسانيس": اعلموا أننى صعدت بالأمس فوق شجرة تشرف على جانب هذه المدينة و كنت أنظر إلى داخل قصر هذه المدينة، فرأيت شاة تخص ابن مليكها و كانت تنطح بنتا من خدمهم و قد قال العلماء: اجتنبوا مجاورة المعتدين، و نهوا عن ذلك و لا أريد أن أعد ما أشار به العلماء أو أن أعد كلامهم لغوا فتعجب النسانيس جملة مبتسمين من قوله و بدأوا يتهكمون منه لبالغ تبرمهم و ضيقهم بقوله فقالوا له:

و إن لاح برق من لوى الجزع خافق‏* * * رجعت و جفن العين ملآن دافق‏

(1)

أنت قدوتنا و مليكنا سنين عددا و أنت عاقل القوم و صاحب السن و الرأى و التجربة ألا تقل لنا فى النهاية ماذا سيحل بنا من مناطحة و معاداة شاة و جارية للملك فقال لهم مليكهم: أولا هذا لكم و هذا فى حد ذاته سهل و بسيط، إذ سوف يحل بكم ابتداء ثم من بعد ذلك هلاك أهل تلك المدينة و قتل من بها فتعجب النسانيس و استغربوا لهذا القول و قالوا: إننا لم نرك على هذه الصفة من قبل لقد أصابتك عين السوء، و غطت غشاوة عقلك فعليك بالحمية الصادقة، حتى نحضر لك الأطباء و نعالج ما بك من سوء حتى تبقى معنا و لا تحرم من الملك أو تفتقده، قال ملك النسانيس لقد صدق الحكماء إذ قالوا:

(من عدم العقل لم يزده السلطان عزا و من عدم القناعة لم يزده المال غنى و من عدم الإيمان لم تزده الرواية فقها) و معناه إن كل من يكون ذليلا لعدم العقل فلا يستطيع مليك الزمان و أمير العصر أن يجعله عزيزا، و كل من لا يملك رضا أو قناعة فإن المال لا يجعله غنيا، و كل من لا يملك الإيمان فإن كثرة الرواية لا تجعله فقيها:

____________

(1) إن ظهر برق من لوى الجزع يخفق، عدت و جفن عينى يتدفق بالدموع (المترجم).

51

و بما أن فكركم فى شأنى هكذا فالأولى أن أذهب فى طلب الطبيب بنفسى و أجنبكم عناء التعب، و على الفور شد ركاب مركب الفراق و طلق الملك، و لم يكد يمضى وقت على هذا الأمر حتى خرجت تلك الجارية من القصر على عجل و بيدها قارورة من زيت و قطعة من نار، فجاء الكبش على حسب العادة التى كان قد عود عليها متوجها إلى الجارية و ألقى بنفسه إليها فألقت الجارية الزجاجة (القارورة) و قطعة النار على الكبش فاختلط الزيت بالنار بصوف الكبش، و من فزع الكبش من حرارة النار أخذ يجرى من باب لآخر و يهرب من قصر إلى قصر حتى وصل إلى بيت عظيم لأحد أركان الدولة و أعيان المدينة و شاء القدر أن يكون صاحب البيت مريضا فأسرع إليه الكبش و تسبب فى حرقه مع بضعة أشخاص من العظماء أيضا، فرفعوا هذا الخبر إلى مليك (حاكم) تلك المدينة فأمر الأطباء بأدوية و مراهم لازمة للحروق و تصادف أن لم يكن لهذه الحروق من مرهم إلا من مرارة نسناس فقيل سهلة و بسيطة فأمر واحدا بالركوب ليصطاد نسناسا و استخراج مرارته، و بأمر هذا المليك قام الصياد بصيد النسناس بالغدر و الحيلة و بلغ مراده منه، فاجتمعت النسانيس و قتلوا رسول المليك و مزقوا أعضاءه إربا إربا، فبلغ الخبر إلى المليك فركب لقتال النسانيس و قتل الكثير منهم ثم عفا عن بعضهم، فجاء أحد النسانيس إلى رجل من حاشية الملك فسلم ثم قال: منذ عدة سنوات و نحن فى جواركم لم يحدث مكروه منكم لنا و لم يلاحقكم ضرر منا، فكل شخص منا كان مشغولا بكسب الرزق المقدر فى الستر المستر، فما الباعث الذى دفعكم إلى هلاكنا و استئصالنا حتى فقأتم عين المروءة بشوكة الغضب و استهنتم بحقوق الجوار و بحفظ الأمانة و تجاهلتم ملامة الدنيا و عقوبة الآخرة:

يا جائرين علينا فى حكومتهم‏* * * و الجوار أعظم ما يؤتى و يرتكب‏ (1)

و قد قص ذلك الرجل أمر الكبش و الجارية و النار و المحترقين و معالجة الطبيب و قتل الصياد و انتقام الملك العام مع النسانيس و قال نسناس بعين دامعة: حقا ما قاله على أمير المؤمنين (عليه السلام) (ألا و إن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث الحسرة و تعقب الندامة)، و معناه: إن كل شخص يهمل نصيحة العالم المشفق المتمرس لا يرى سوى الحسرة و الندم.

____________

(1) ينعى على الظالمين ظلمهم و يبين أن الظلم أشد ما يرتكب و أعظم (المترجم).

52

أمرتكم أمرى بمنعرج اللوى‏* * * فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد (1)

أيها الفتى ما أكثر ما حملنا سيل القضاء، و طوح بنا إلى مجرى الفناء حتى يلقى بكم الهلاك عبر الدهر كالقش على الطريق فسأله الرجل: لقد أطلقت دعوى كبيرة فهل لديك حجة أو برهان أو بينة أو سلطان قط على زعمك هذا، فقال النسناس: اعلم أنه كان لنا ملك ذو عقل و كياسة و فضل و دراسة كان عليما بغرائب الدنيا و عجائب السماء، و قد نجا برأيه المتين من بين آلاف الآراء فلم يضع قدمه قط فى مصيدة الدهر، و لم يخدع بشعوذته فقد كان ثاقب النظر ذا فكر متين:

فالدين و الملك و الأقوام قاطبة* * * راضون عن سعيه و الله و الله‏

و ذات يوم على سبيل النظر و الاستطلاع طلع فوق شجرة كانت على مشارف تلك المدينة و فصّل أمر الكبش و الجارية و ما حدث بينهما و بين الملك إلى آخر القصة ثم قال بعد ذلك: ألا إنه بسبب عصياننا و عدم استماع نصائحه و كفر قلوبنا بحدبه علينا و خشيته من أن يحل بنا مثل هذا الموت، ترك الملك و غادرنا فلابد أن يحل بدولتكم مثلما حل بنا وفق ما بينه، فسمع الرجل هذه الحكاية و تعجب منها، فلما بلغ المدينة رواها و جرى ذكرها بين أسماع و أفواه العام و الخاص حتى عرض الأمر على الملك فأمر بإحضار أول من رواها و نقلها، و كان ذلك الرجل من وجهاء المدينة لديه كثرة من الأقارب و الإخوان، فلما أحضر إلى الملك كان بخار نار غضب الملك يتصاعد من أبخرة أنفه حتى يصل إلى العيون (نجم) فأمر بعقاب الرجل فى الحال، فلما علم بأمره شيعته أتوا جميعا مع جميع عامة المدينة إلى البلاط و نشبت فتنة لم تخمد و انتهت بقتل الملك و تشتت الناس و خربت المدينة.

فلما بلغ حديث «رستين» المؤدب مع «تغل شاه» هذا الحد قال له «تغل شاه»:

هذا المثل و تلك الحكاية ينطبقان على أى مكان، و ما حاجتك من هذا العرض؟، فعرض «رستين» أمره على الشيخ الذى كان (كاتبا) لدارا و قال: بالرغم من أن هذا الأمر يثقل على المليك إلا أن المصلحة فى أن تعزلنى حتى تخمد تلك الفتنة، فقال السلطان: الزم الصمت و لا تفش هذا السر قط حتى يظهر لتلك المهمة من يكون أهلا

____________

(1)" ينعى على قومه نصحه و عدم استجابتهم له، فنزل بهم ما نزل فالتفتوا إلى نصحه بعد فوات الأوان" (المترجم).

53

لها، و لم تكد تمضى مدة حتى مات الشيخ و قيل إن «تغل شاه» هو الذى أمر بإعطائه السم فى مقر قيادة الجيش و حين قارب عمر «تغل شاه» على الانتهاء و حان وقت التحول إلى طين الفناء و حلق صقر الأجل فاختطفه بكل ما كان لديه من حرص و مطامع:

ذو التاج يجمع عدة و عديدا* * * و الموت يبطش بالألوف وحيدا (1)

ثم جلس دارا على عرش أبيه و انشغل الناس بالإعداد لتهنئته و أقبلوا من الهند و الصين و الروم و فلسطين يحملون الهدايا و الأموال و الجوارى و التحف و قالوا:

دول الزمان مناحس و سعود* * * عود ذوى فيه و أورق عود

و لم يكن لدارا من عناية إلا أن يعطى أولا أمر الوزارة لأخيه (بيرى) و لم يفكر فى قولهم:

إذا كنتم للناس أهل سياسة* * * فسوسوا كرام الناس بالرفق و البذل‏

وسوسوا لئام الناس بالذل يصلحوا* * * على الذل إن الذل أصلح للنزل‏ (2)

فلما استقر الملك لدارا كلف أخاه بالانتقام لأخيه من المعارف و الرؤساء و الأمراء الذين كانوا على صلة و صداقة مع (رستين) فكان يسعى بالنميمة لدى دارا على غير حقيقة و نظرا لأنه كان شابا مغرورا غير متمرس فلم يكن يقبل العفو عن الذنب، حتى أوغرت قلوب الخلق ضده فى جميع الدنيا و تمكنت عداوته من وجدانهم و سقطت الثقة فى أقواله و أفعاله و أهمل سنة السلف و أخذ ببدعة هذا المؤدب (بيرى)، فلما قيل: إن الإسكندر زحف حتى حدود المغرب ركب أبلق الرعونة و التهور و أمسك بعنان التكبر، و عندما التقى الجمعان تقاعس عنه البعض و تحالف فوج مع العدو ثم وثب عليه جماعة فقضوا عليه و برغم أنهم قد ندموا إلا أنه لم يكن للندم فائدة مع وخامة تلك العاقبة، (فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها (3)) و لم يستن السلطان هذه السنة حتى لا يعين أحدا من بعده وليا للعهد، إلا أنه أخبر بما يجب عمله و قال: أنا لا أمنع بأن يختم‏

____________

(1) يرفع الزمان دولا فيسعدها، و يخفض أخرى فيزيلها كعود يورق و عود يذبل (المترجم) ..

(2) كرام الناس يعاملون معاملة طيبة فهذا من الحسن و السياسة و أما لئام الناس فالذل بهم أولى و البيتان من الأشعار الجارية مجرى المثل (المترجم).

(3) و هى" و أحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها و هى خاوية على عروشها و يقول يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا" سورة الكهف الآية رقم 40 (المترجم).

54

على رأينا فلسنا عالمين بالغيب، فعالم الغيب علوى و نحن فى عالم الكون و الفساد حيث يوجد التعارض فى كل المعانى و فى كل الوجوه، و لن يكون لأهل هذا العالم وقوف على ما فى عالم الغيب، و من المحتمل أن يأتى عصر يغاير رأينا و يرى الصلاح فى وجه آخر غير الذى رأيناه.

أما الأمر الآخر الذى كتبته من وجوب التشاور مع الأمناء و النصحاء و أرباب الذكاء فى هذا الأمر حتى يتم تعيين ولى للعهد، فاعلم أننا قد أردنا أن يتفرد السلطان فى هذا الرأى من بين حكام العالم فلا يتشاور مع مخلوق قط و لا يجيز تعيين ولى للعهد بناء على كلام أو إشارة أو مكالمة، فيكتب ثلاث نسخ بخطه و يترك كل واحدة منها مع أمين ثقة فيسلم واحدة منها إلى رئيس الموابدة و الأخرى لرئيس الكتاب و الثالثة إلى قائد القوات بحيث إذا ما رحل السلطان عن الدنيا يستدعى رئيس الموابدة

يروح و يغدو كل يوم و ليلة* * * و عما قريب لا يروح و لا يغدو (1)

ثم يأتى الشخصان الآخران ثم يجتمعوا معا و يقررون رفع الأختام عن تلك الوثائق الثلاث ثم ينظر أى من الأبناء يستقر عليه هؤلاء الأشخاص الثلاثة، فإن جاء رأى الموبد موافقا لرأى الثلاثة، يعلن الخبر للخلق فإن خالف الرأى رأى الموبد لا يفصح عن أى قرار، لا مما تضمنته تلك الوثائق الثلاث و لا من رأى قول الموبد حتى يخلو الموبد مع الهرابذة وحده و أهل الدين و الزهاد، و يعكفوا جميعا على الطاعة و التراتيل ثم يؤمن وراءهم على دعائهم و تضرعهم أهل الصلاح و العفاف رافعين أكف الضراعة و الخشوع فإذا ما انتهوا من هذا فى صلاة العشاء، و اطمأنوا إلى ما ألقاه الله تعالى فى روع و قلب الموبد، يأتون بالتاج و العرش إلى البلاط فى تلك الليلة و يدعى جميع أصحاب المراتب كل فى مقامه، ثم يذهب الموبد مع الهرابذه و الأكابر و أركان الدولة و أجلتها إلى مجلس الأمراء، و يصطفون أمامهم و يقولون: لقد قمنا بمشورتنا بين يدى الله العظيم و قد ألهمنا الرشاد و أطلعنا على ما فيه الخير ثم يرفع الموبد صوته و يقول:

لقد رضيت الملائكة بقولى: فلان بن فلان الملك و عليكم أنتم أيها الخلائق أن تقروا

____________

(1) الموت قريب سيلحق بالإنسان و الإنسان يصبح و يمسى ثم ينتهى (المترجم).