تاريخ مكة

- أحمد السباعي المزيد...
710 /
3

[تاريخ مكة الجزء الاول‏]

[مقدمة الطبعة الأولى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏.

«قرآن كريم»

4

«المؤلف»

الفائزا الأول بجائزة الدولة التقديرية لعام 1403 ه

«النادي»

5

بين يدي القارى‏ء (1) راودتني فكرة الكتابة عن تاريخ مكة في سن مبكرة من حياتي و شاركني الرأي في هذا زميل كان- (يرحمه اللّه)- من أنشط من عرفت من شبابنا هو المرحوم محمد سعيد عبد المقصود و حاولنا معا أن نشرع في الكتابة و لكننا وجدنا الموضوع أوسع من أن يستقصيه شخص أو اثنان فأخذنا نتصل ببعض من عرفنا من الزملاء و كنا نؤمل أن نتضافر على دراسة الفكرة و كتابتها فاستجاب لنا بادى‏ء الأمر أكثر من واحد ثم تراجعوا و تراجعنا مهزومين أمام ما يتطلبه موضوع البحث من جهد.

و عاودتني الفكرة فانطلقت أناقشها، ما يمنعني أن أعالج الكتابة و البحث في حدود امكانياتي و إذا كان تاريخ مكة لم يدرس إلى اليوم دراسة عصرية مستوفاة فما يمنعني أن أخطو الخطوة الأولى لتكون تمهيدا لغيري؟

قلت لنفسي أن الأعمال لا تبدأ كبيرة قط، و إذا ظللنا ننتظر ألا نخطو إلا مستوفين شروط الكمال فليس لهذا غير معنى واحد هو أننا لا نخطو.

كنت أعلم أن تاريخ مكة مغبون عند أكثر من أرخ من أسلافنا و ليسوا ملومين على ما غبنوا فقد كانت النظرة الى تاريخ هذه البلاد اسلامية بحتة عنى فيها المؤرخون بهذه البلاد يوم كانت مهدا للعرب، و عنوا بها عندما أنتجت سيد العرب (صلى اللّه عليه و سلم)، كما عنوا بها في الفترة التي تعاقب فيها خلفاء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ثم‏

____________

(1) مقدمة الطبعة الأولى.

6

ما لبثت أقلامهم أن عرجت بعروج الخلافة الإسلامية الى الشام ثم إلى بغداد و تركت الحجاز دون أن تذكره إلا في مناسبات اقتضاها السياق و الاستطراد.

و عند ما أرخ لمكة أهلوها لم تكن نظرتهم اجتماعية بقدر ما كانت دينية لهذا ظفرت الآثار و المشاعر و اسماء الجبال المفضلة بما لم تظفر به ناحية أخرى من نواحي التاريخ.

و قد أرخ بعضهم للسياسة فسجل لنا حوادثها العامة و اضطراباتها و أسماء من تولى الامارة فيها فكان له فضل في ربط العصور بأجزائها و لكنهم لم يكتبوا ذلك إلا متأخرين بدليل هذا الفراغ الهائل الذي نجده في حوادث أواخر العهد الأموي و أكثر العهد العباسي الأول و الثاني فقد ضاعت على التاريخ حتى أسماء الولاة و اشتد الخلاف حتى في ترتيب و لاياتهم و تواريخها.

و حتى هذا الصنف لم يعن فيما كتب عن السياسة بالدقائق التي تعني بها فلسفة التاريخ، فقد كان يكفيه في أكثر الأحيان أن يذكر وقوع فتنة في مكة أو عرفات و يذكر اسم صاحبها و ما انتهى أمره فيها دون أن يضطر إلى بحث الملابسات التي أدت الى نشوبها أو النتائج الدبلوماسية التي ترتبت عليها، و ليسوا ملومين في هذا فقد عاشوا في عصر كان و عيه العام يعني بأخبار الفتن و نتائجها في غلاء الأسعار و شؤون الاستقرار أكثر مما يعني بالدبلوماسيات أو علاقة البلد الواحد بمعاصريه من الحكومات و الدول.

فنحن نقرأ في أكثر ما كتب مؤرخونا القدامى عن حوادث لها أهميتها في عهد الفاطميين أو العباسيين أو المماليك، فلا نستطيع أن نستنتج علاقة هذه الحوادث بالدول إلا في النادر القليل بل يتعذر علينا أن نعرف علاقاتنا الصحيحة بهذه الدول! أكنا مستقلين عنها تمام الاستقلال؟ أو بعضه؟ أم كنا تابعين لها تبعية مباشرة؟

و لست بهذا أريد أن أغمط جهود هؤلاء المؤلفين أو أنكرها عليهم و هي ثابتة في ما خلفوه لنا من ذخائر نفيسة، و لكني أريد أن أشير الى ما قلته عن‏

7

الوعي العام الذي كان لا يعنى بما نعنى به اليوم من أبواب التاريخ.

أما نواحينا العمرانية و الاجتماعية و العلمية و الأدبية و الفنية فتلك بحوث لا نجد لها ترتيبا يصح اعتماده و الأخذ به لأن الوعي الذي ذكرت كان لا يأبه بتبويبه أو تنظيمه على أنه كان لا يرفض أن يصادفه ذلك في سياق أو مناسبة أو قصة يراد بها التسلية و الترفيه أكثر مما يراد بها البحث و التسجيل.

إذن فنحن لا نستطيع أن نكتب عن تاريخ مكة كتابة ترضي جيلنا لأن ما نملكه من مصادر لا يصح اعتماده إلا في الأبواب التي كان يعنى بها أسلافنا.

قد نجد في خزائن التراث الإسلامي مطولات لا علاقة لها بمكة و لكن آفاقها الواسعة و فنونها المتنوعة تسوقها أحيانا إلى الاستطراد في شي‏ء هام له علاقته بمكة فإذا استطاع المطلع أن يقتنص الاستطرادات من هذا النوع فإنه سيستنتج مادة لها قيمتها في الكتابة عن تاريخ مكة و لا يتيسر هذا إلا لمتفرغ يقضي سني حياته في القراءة و اقتناص ما يصادفه فيها.

لهذا كان من رأيي أن يخدم التاريخ في مكة لجنة تعينها الحكومة و تهي‏ء لها وسائل الاطلاع بصورة واسعة المدى.

مثل هذه اللجنة تستطيع أن تكرس جهودها إلى أعوام طويلة في مطالعة كل ما يصادفها من ألوان الكتب و اقتناص جميع ما يفيد موضوعاتها حتى إذا اجتمع لديها في كل باب من أبواب التاريخ ذخيرة صالحة استطاعت تنظيمه و تبويبه و تكليف كل عضو بكتابة ما تخصص فيه.

كل هذه أشياء قدرتها قبل أن أبدأ في كتابة التاريخ، و كاد مفعولها يثبط في عزيمتي لولا أن أهبت بنفسي بأن لا بد من الخطوة الأولى و أن استيفاء جميع شروط الكمال لا يعني إلا الاخلاد إلى الانتظار الممل.

كنت أقرأ في فترة مبكرة من حياتي ما يصادفني ثم أدون ما استنتجته فيما يشبه المذكرات بعد أن أضيف إليه اسم الكتاب و صاحبه فاجتمعت لي مع‏

8

السنين مدونات لا حصر لها من جميع الألوان غثها و سمينها.

ما كنت أدونها لأن فكرة التأليف مختمرة في رأسي تماما- و ان كانت قد راودتني- بل لأن احساسا عميقا يزين لي تدوينها كما يزين لغاوي العاديات اقتناء القطعة من النسيج الأثري أو النقد القديم ليشبع احساسه في ما يقتني.

و غابت هذه المدونات عن عيني طويلا و شغلت عنها بشؤون كثيرة في الحياة حتى رأيتني فجأة أستيقظ من حلمي و أعقد العزم على كتابة تاريخ لمكة أستوفى فيه ما أملك من جهد لتكون خطوة أمهد بها لمن يستوفي شروط الكمال بعدي.

هذه كلمة كان لا بد لي أن أقولها كفاتحة لما أنشره ليدرك القارى‏ء أنه ليس في امكاني غير ما بذلت و أنه إذا تراءى له ما يتراءى فليجرب حظه في تأليف جديد يستوفي فيه الامكانيات التي لم أستوفها و يساهم به في خدمة عامة مساهمة فعالة، تهدف الى البناء و الانتاج أكثر مما تستهدف الى شي‏ء آخر!!

و لا شك في أن ما يكتبه الكاتب بعدي سيمتاز بجودة الخطوة التالية و حسبي أني مهدت له السبيل و أيقظت فيه فكرة البحث.

و بعد فليس لدي ما أقوله بعد هذا إلا كلمة أخيرة أريد ألا تفوتك: ذلك أنى عند ما اعتمدت الكتابة في تاريخ مكة كان لا بد لي أن اعتمد- كمصادر للكتاب- تلك المدونات التي عشت في جمعها و قد سهلت علي تلك المدونات أعمالي لأنها أغنتني عن مراجع كان يجب أن تتقاضاني عمرا جديدا خشيت ألا أعيشه لأبدأ كتابتي بعده إلا أنني وجدتني أخيرا مطالبا بصفحات تلك المصادر لأجعلها في الهوامش تمشيا مع الطريقة المستحدثة، و لم يكن في مدوناتي إلا أسماء الكتب و أصحابها، لأن العهد الذي جمعتها فيه لم تكن قد شاعت فيه طريقة تسجيل الصفحات فتحيرت في الأمر، و لم أجرأ على استئناف مطالعة ما قرأته من قبل خشية نفاد العمر قبل انجاز ما أردت فاكتفيت بذكر المصادر في الهوامش دون الصفحات و فعلت مثل هذا في شأن المصادر التي طالعتها مؤخرا

9

لتكون الوتيرة الواحدة ثم ما لبثت أن غيرت رأيي عندما حاجني زميل من نوابغ كتابنا و أطلعني على مؤلف تاريخي حديث للمؤلف الدكتور طه حسين اكتفى فيه بسرد مصادره في نهاية الكتاب فرأيتني أتأساه و طابت نفسي لمتابعة منهجه فألغيت المصادر من هوامش الصفحات و أدرجتها في نهاية الكتاب و أسأل الله أن يجعل خطوتي في كل ما بذلت مسددة انه الهادي الى سواء السبيل؟

أحمد سباعي‏

10

[مقدمة الطبعة الثانية]

و الآن‏ (1) عندما نفدت الطبعة الأولى بحمد اللّه- في أقل من المدة التي كنت أقدر لها النفاد فيها تضاعف الطلب على الكتاب فرأيتني مطالبا باعادة الطبع و أن أؤجل كتابة الجزء الباقي عن تاريخ العهد السعودي الحاضر لأنه عهد مشاهد صالح لتأجيل الكتابة عنه الى سنوات و سنوات.

و بلغ بعض المحققين عزمي على اعادة الطبع فكتب الي الأستاذ عبد القدوس الأنصاري عن رأيه في ترتيب بعض فصول الكتاب، و كتب الي السيد هادون العطاس يقترح بعض ملاحظات رآها في كتابتي عن العهد الفاطمي كما كتب الي الأستاذ عبد اللّه المزروع بما لاحظه في كتابتي عن بعض العصور المتأخرة. كما لاحظ الأستاذ عبد اللّه عبد الجبار و الأستاذ ابراهيم فلالي- (رحمه اللّه)- بعض نقاط في الكتاب كانت احداها تتعلق بمذهب القرامطة و الأخرى تتعلق بالأمثال و الحكم في العهد الجاهلي فأعرت جميع ذلك انتباها خاصا و راجعت في شأنه المصادر التي تعينت مراجعتها فأصلحت ما تراءى لي ضرورة اصلاحه. شاكرا لهم دقتهم في الملاحظة و عنايتهم بي.

و في إحدى رحلاتي الى الرياض زرت العلامة المحقق الأستاذ حمد الجاسر في بيته مؤملا أن أسمع رأيه فيما بدا له من ملاحظات في الطبعة الأولى فوجدته يحتفظ بثبت أدرج فيه ما لا حظه علي للطبعة الأولى فقدرت له هذه العناية و أكثرت اخلاصه للفن بعد أن تسلمت منه الثبت.

____________

(1) مقدمة الطبعة الثانيه.

11

و ساقني الثبت الى مراجعة المصادر اللازمة له و بالرغم من كوني تحيرت في التوفيق بين بعض هذه المصادر إلا اني انتفعت بالكثير و استطعت أن أضع يدي على أخطاء تعين على اصلاحها على ضوء تلك المصادر فأقدم له جزيل شكري.

و كنت قد اعتذرت في الطبعة الأولى لأني اعتمدت في كتابة الفصول التاريخية على مدونات عشت أجمعها مما أقرأ «راجع مقدمة الطبعة الأولى» و هي لا تبين إلا أسماء الكتب دون صفحاتها فاضطررت لدرج أسماء المصادر في نهاية الكتاب دون أن أذكرها و أرقام صفحاتها في هامش كل صفحة مما كتبت. و الآن و قد عدت لتهذيب الكتاب استطعت أن أعين الأرقام في الجديد الذي قرأته و أن أبحث ما أمكنني عن أرقام مصادري القديمة فأدرجت هذا أو ذاك في هامش الصفحات، أما ما عجزت عنه فلا حيلة لي فيه و قد اكتفيت بذكر مصادره في نهاية الكتاب.

و لقد بذلت من جهد المقل ما أمكنني لهذه الطبعة فحذفت فصولا برمتها و كتبتها من جديد على ضوء ما تراءى لي كما أني أضفت زيادات اضطررت للتوسع فيها و استغنيت عن صفحات ظهر لي ضرورة اقتضابها و كنت أتمنى لو تهيأت لي أوقات أطول مما وجدت أو ساعدتني الفرص فضمتني الى لجنة أتخصص و اياها في كتابة الموضوع و استقصاء جوانبه بأكثر من الشمول الذي يستطيعه شخص واحد مثلي و لكني لم أظفر بشي‏ء من ذلك فاكتفيت بما استطعت تقديمه و أنا أؤمل للمرة الثانية أن يكون فاتحة بحوث جديدة تكلف بها لجنة خاصة يتوافر لها من الوقت و المال و الكفاءة ما يجعلها تهدي التاريخ صفحات أفضل مما استطعت تقديمه.

12

[مقدمة الطبعة الثالثة]

الخطوة الثالثة (1) و ها أنا اليوم بعد أن نفدت نسخ الطبعة الثانية أجدني في حاجة لأن أعيد طبعه للمرة الثالثة بعد أن حاولت تهذيبه ما أمكنني .. و لا أنسى أن أقدر للمشجعين و القراء ما أولوني من عناية ساعدت على نفاد الكتاب من الأسواق في أقصر وقت كنت أؤمله .. و اللّه أسأله التوفيق و السداد؟

____________

(1) مقدمة الطبعة الثالثة.

13

مقدمة الطبعة الرابعة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

عندما نفدت نسخ الطبعة الثالثة من هذا الكتاب من سنوات كان عليّ أن أبادر لا عادة طبعه سدادا لحاجة السوق، و لكني تباطأت في ذلك لعجزي عن الوفاء فأنا لا أرى اعادة طبعه دون أن أعيد النظر فيه بالزيادة أو الحذف أو التنقيح و لكن تقدمي في السن و اعتلال صحتي هيآني للخمول إلا أن الأستاذ الكبير: ابراهيم أمين فودة رئيس نادي مكة الثقافي، و بمساعدة الأستاذ:

فائق الصواف، رأيا أن لا بد من اعادة طبع الكتاب و أبديا استعداد النادي لطبعه و أن يلتزما بالاشراف على كل ما يلزم لذلك من ترتيب دون ان يكلفاني أي نشاط يرهقني، فحمدت لهما هذا العزم و أكبرت للأستاذ ابراهيم أمين فودة عنايته و نبله، و تراءى لي بعد هذا أن أستعين بمؤ رخنا المعروف الأستاذ: أحمد علي أسد الله ليتفضل بمراجعة الكتاب نيابة عني فهو من خير من درس هذه الحقبة الطويلة من تاريخ مكة و له جولات واسعة في نشر الفصول التي كان يترجمها مما كتبه المستشرقون عن أمراء مكة في التاريخ، فكان سعادته عند حسن الظن فما كدت أرجوه لمراجعة الكتاب و أفوضه فيما يراه من زيادة أو حذف فيه أو تنقيح، حتى لبى طلبي بصدر واسع و همة أنا عاجز عن تقديرها و شكرها.

فإذا أبرز الكتاب اليوم في طبعته الرابعة فليذكر القارى‏ء أنه كان نتيجة جهود غيري من أصحاب الفضل ... كان نتيجة جهود الليالي الساهرة التي أرهقت أستاذنا: أحمد علي أسد الله و التي أبى أن يقبل لقاءها أي جزاء رغم الحاحي الشديد .. كما كان نتيجة جهود نادي مكة الثقافي، و على رأسه سعادة

14

رئيسه الشيخ ابراهيم أمين فودة، الذي أصر على تجنيد من يلوذ به في النادي ليظهر الكتاب في ثوبه الجديد الذي أؤمل أن يرضى قارئه .. كما لا يفوتني أن أذكر بالشكر دار مكة للنشر و التوزيع التي أسهمت بجهدها في اخراج هذا الكتاب لهذه الطبعة، و أخص بالشكر صاحبها الأديب المؤرخ النسابة الأستاذ: عاتق بن غيث البلادي، الذي أجزته في اضافة ما يراه من تعليقات على الأماكن و نحوها، رمز لها بحرف (ع) ...

و للجميع مني الشكر و التقدير و من الله أسأل العون و التوفيق.

أحمد السباعي‏

15

[نص الكتاب‏]

تضاريس مكة

تقع مكة على 21 درجة و نصف درجة تقريبا عرضا شماليا و على نحو 40 درجة طولا و ترتفع عن سطح البحر بنحو 280 مترا.

و تقع في واد تحيط به الجبال و تنحدر سيولها فيه‏ (1)، و إذا عصفت الرياح في مرتفعات الجبال اندفعت الى بطن الوادي فيما يشبه الدوامات و تعذر تعيين ملتقى الرياح إلا في بعض الحالات.

وجوها حار جاف تختلف حرارته بين 18 درجة في شهور الشتاء و 30 درجة في شهور الصيف، و قد ترتفع الحرارة في بعض السنوات الى ما يزيد على 40 درجة.

أسماء مكة

و قد سماها القرآن مكة كما سماها بكة و أم القرى و البلد الأمين‏ (2).

و يذكر بعض علماء الإسلام أنها سميت مكة لقلة مائها، و هم يقولون أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتصه، و يقول بعضهم سميت مكة لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها أو لأنها تمك الفاجر أي تخرجه منها، كما قيل أنها سميت بكة لأن الناس فيها يبك بعضهم بعضا أي يدفع.

____________

(1) هذا هو وادي ابراهيم الذي يقع فيه البيت، و لكن مكة خرجت من عهد بعيد عن هذا الوادي فتسملت وادي طوى و وادي فخ، و انحاء أخر. (ع)

(2) و أورد مؤرخو الإسلام عدا ذلك نحو اثني عشر اسما و كانوا يقولون ان كثرة الأسماء دليل على شرف المسمى.

16

و نقل عن بطليموس‏ (1) أن اسمها (مكوربا) و هو مشتق من الاسم السبئى مكوارابا و معناه مقدس أو حرم.

قدم مكة

و قد عرفت مكة من أحقاب طويلة ممعنة في القدم قبل عهد ابراهيم فقد كانت الكعبة مثابة للناس قبل بناء ابراهيم كما تروي ذلك مصادر اسلامية كثيرة.

و لا نشك أنها كجزء من بلاد العرب استقبلت هجرات سابقة تعدد فيها أنواع المهاجرين من أجناس البشر تعددا لا نستطيع تعيينه لأن المصادر التي توسعت في ذلك لا يمكن التسليم بما كتبت تسليما قاطعا لأن اكثر كتابها عاشوا في العصر الإسلامي الأول متأخرين عن ذلك العهد بأحقاب طويلة المدى و لم يكن لديهم من المصادر إلا المنقول عن تشويش و اضطراب.

خصب مكة و جفافها

أما التاريخ الذي أنتجته دراسة الآثار و أسفرت عنه كتابات الجيولجيين فقد أطال في بخوثه لا عن مكة وحدها بل عن جزيرة العرب قاطبة و كان مما ذكره أن صحاريها القفراء كانت في عهد من عهود التاريخ المجهولة مروجا خضراء آهلة بالسكان لأن غيوم الرياح الغربية الشمالية كانت تصل إلى الجزيرة قبل أن تفقد رطوبتها فتنهال الأمطار على قممها العالية و تجري في وديانها أنهارا، فتروي أراضيها و تسقي مروجها، و لعل في عمق الوديان التي نشاهدها اليوم ما يشير الى شي‏ء من حقيقة هذا الرأي و يذكر تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام عن الفاكهي بسند رفعه الفاكهي الى ابن اسحاق ان الحجاز كانت أسحر أرض اللّه و أكثرها ماء.

____________

(1) البطالسة كثيرون و قد سمي 16 ملكا في مصر بالبطالسة و قد عاشوا قبل الميلاد بنحو اربعة قرون و هم غير بطليموس المتوفي قرب الاسكندرية في القرن الثاني بعد الميلاد و كان من علماء الهيئة و التاريخ و الجغرافية و اشتهر بالنظرية البطليموسية التي تقول ان الأرض لا تتحرك و ان الافلاك تدور حولها.

17

و يعلل الجيولجيون الحدب الذي طرأ فيقولون أن عوامل الجفاف الطبيعي ما لبثت أن حالت بالتدرج على مر الاحقاب دون وصول الغيوم المرطبة فحرمت الجزيرة من أنهار جارية.

و لا أستبعد هذا لأن المشاهد أن سورة الجفاف في عهودنا الحاضرة اشتدت و طأتها عن عهود سلفت فاختفت واحات كثيرة كانت معروفة في العهد الجاهلي و صدر الإسلام كما اختفى كثير من المناطق الخصبة التي كان يزرعها اليهود في المدينة و ثقيف في الطائف و قريش حول مكة و نضب كثير من العيون و الآبار و قل شأن السيول التي كان يفيض بها عقيق المدينة و الطائف و وادي ابراهيم في مكة (1).

و المعمرون في مكة و كثير من مدن الجزيرة يعلمون أن منسوب المياه و مساحة المناطق الخصبة كانت الى قرن سابق أحسن منها اليوم و أن بساتين مكة في أطرافها و ضواحيها كانت منتشرة الى مسافات بعيدة مما لم يبق له أثر نتيجة اطراد الجفاف، و يرى بعض الجيولجيين أن الجفاف سيطرد أمره في الجزيرة على مر العصور و أن نسلنا سيعاني منه أكثر مما نعاني إلا في المناطق الجنوبية لقريبة من المحيط الهندي.

نشأة مكة

و سواء صح نقل المؤرخين الاسلاميين في شأن من هبط مكة قبل عهد ابراهيم أو لم يصح و سواء ثبت استنتاج الجيولجيين عن خصوبة هذه الأرض في عهود مجهولة من التاريخ أو لم يثبت فان مما لا مجال للشك فيه أنه يصح اعتماد هجرة اسماعيل بن ابراهيم (عليهما السلام) إلى مكة مبدأ واضحا لتاريخ مكة و لسنا نعني أن جميع التفاصيل التي ذكر المؤرخون أنها لازمت هذه الهجرة أو أعقبتها كانت من الوضوح و الصحة بحيث لا يتسرب الينا شك فيها و لكنها

____________

(1) على سبيل المثال: ذكر انه كان في وادي امج نحو من سبعين و قيل تسعين عينا لم تبق منها اليوم سوى بضع عيون، و قيل انه كان بمر الظهران ثلاثمائة عين، لم تبق منها اليوم غير بضع عشرة عينا. (ع).

18

كانت منقولة و حسب كما أن بعضها أشار إليه الحديث الشريف و استكملت البعض الآخر روايات أهل الكتاب و قد بذل المؤرخون الذين جاءوا متأخرين في تصفية ما انتهى اليهم فكان بعضهم دقيقا ما أمكنته الدقة كما أن بعضهم لم يتحرج في ايراد ما صادفه من حشو و لغو.

و إذن فسنبدأ كتابنا من عهد اسماعيل محاولين أن نقتصر على النتائج التي ترتبت عليها نشأة مكة لنربط الماضي بالحاضر تاركين الروايات المطولة التي لابست هجرة اسماعيل لمن أراد أن يستقصيها في كتب التاريخ الإسلامي.

في عهد اسماعيل‏

قدم اسماعيل مكة أول ما قدمها طفلا في صحبة أمه و أبيه و مكة إذ ذاك فلاة ينبت فيها السلم و السمر (1) و قد قيل أن العماليق سكنوها قبل قدومه‏ (2) و أن اسماعيل لم يصلها حتى كانت جرهم قد حلت محل العماليق في ظروف لم تثبت كيفيتها في التاريخ و بذلك سكنت جرهم وادي مكة أو على مسافة قصيرة منها.

و تتعدد روايات مؤرخي الإسلام في تفسير الظروف التي لابست هجرة اسماعيل الى مكة و نزوله فيها مع أمه و أبيه و هي فلاة لا تنبع فيها قطرة ماء و لكنهم يتفقون على أن ابراهيم (عليه السلام) ما كاد يودع اسماعيل هذه القفار حتى توجه يدعو اللّه‏ رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ‏ كما يتفقون على أن اسماعيل (عليه السلام) ما كاد يرهقه العطش حتى ظهر لأمه نبع زمزم فشربت و أروته‏ (3).

و تسامعت جرهم بخبر البئر- في رواية من يقول أن جرهم كانت تسكن على مسافة قصيرة من مكة فاستأذنت لتنقل بيوتها حول البئر و احتضنت اسماعيل فنشأ بينها و تعلم منها العربية و تزوج من فتياتها فأنجبت نسلا أطلق‏

____________

(1) أخبار مكه للأررقي 1/ 19، 20.

(2) أخبار مكه للأررقي 1/ 19، 20.

(3) أخبار مكه للأررقي 1/ 19، 20.

19

عليه المؤرخون اسم العرب المستعربة.

و جاء إبراهيم (عليه السلام) ليتفقد ابنه و يبلغه أن اللّه يأمر ببناء البيت الحرام و يتفقا على رفع قواعده حيث بدت لهم علامات خاصة في القطعة المختارة للبناء على خطوات من بئر زمزم‏ (1)- وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏.

و لما ارتفع البناء و شق على الشيخ تناوله قرب اسماعيل (عليه السلام) حجرا يقوم عليه أبوه ليبلغ به المدى الذي يمكن أن يبلغه فوق الحجر فسمي الحجر مقام ابراهيم لقيامه عليه أو سمي المكان بذلك حيث ترك الحجر- و الحجر باق الى اليوم على حافة المطاف في المكان الذي تركه فيه ابراهيم في بعض الروايات أو على غير بعيد من المكان الذي تركه فيه في روايات أخرى، و من أجل هذا اختلف المفسرون في تفسير كلمة (مقام ابراهيم) فيطلقها بعضهم على الحجر نفسه كما يطلقها بعضهم على المكان الذي وضع فيه الحجر كما يطلقها بعضهم على المسجد أو جميع الحرم إلى حدود الحل.

و هكذا أنشأ اسماعيل مكة و رفع أبوه بمعونته قواعد البيت.

صورة الكعبة كما بناها ابراهيم (عليه السلام) و هى كما تبدو قليلة الارتفاع واسعة العرض مدورة جهة حجر اسماعيل و يظهر الفرق فى هندستها اذا قورنت بشكل بنائها فيما بعد كما سيأتينا.

و الرسم من تصميم الشيخ طاهر الكردى الخطاط بمكة

جرهم و قطورا: و لما توفي اسماعيل تولى الأمر أبناؤه حتى انتهى الى حفيده مضاض ابن عمرو الجرهمي‏ (2)، و كان الجرهميون قد انقسموا الى قسمين: جرهم و قطورا، و قد سكن مضاض بمن معه‏

____________

(1) أخبار مكة للأرزقي 1/ 24 و ما بعدها.

(2) في تأريخ مكة للأزرقي ص 81 ح 1 ط 2 دار الثقافة بمكة: ان عمرو بن مضاض الجرهمي جد ولد اسماعيل ((عليه السلام)) و أمهم السيدة بنت مضاض، فلما مات اسماعيل ولى البيت ابنه نابت، فلما مات ولي البيت بعده جده مضاض ابن عمرو و قيل: ان أم بني اسماعيل (رعلة) بنت مضاض، و هذا مضاض الأول، و ليس مضاض بن عمرو بن الحارث الذي زالت في عهده دولة جرهم.

20

من جرهم أعلى مكة وقعيقعان كما سكنت قطورا و على رأسها السميذع أجيادا و أسفل مكة فما حاز ذلك، و كان مضاض يعشر من دخل مكة من أعلاها و كان السميدع يعشر من دخل من أسفلها، و كل من البطنين على جباله لا يدخل واحد منهما على صاحبه‏ (1).

و من هذا يبدو لنا أن مكة عندما انقضى على تأسيسها العهد الذي عاش فيه اسماعيل الى أن ولى الأمر حفيداه مضاض في جرهم و السميذع‏ (2) في قطورا- و هو ما يقدره المؤرخون بنحو قرنين من الزمان- كان السكن في مكة قد امتد بجرهم من بطن الوادي بجوار زمزم آخذا سمته الى قعيقعان في الشمال و نسميه أو بعضه اليوم (جبل الهندي) و الى الشمال الشرقي بما يحاذي القشاشية و المسعى متوجها الى أعلى مكة، كما تغلغل أبناء عمومتهم من قطورا في شعب أجياد إلى ما يتصل بالسد من ناحية و في شارع المالية الى المصافي من ناحية أخرى، ثم انحدرت منازلهم بانحدار الوادي من أجيادين في ما نسميه المسيال حتى اتصلت بأطراف المسفلة كما يبدو أن الأحياء الأخرى من مكة لم يتصل بها العمران إلا في قرون متأخرة و لعلها كانت كذلك لوعورة الأرض فيها قبل ان تمهدها الحاجة للسكنى.

و لسنا نشك في أن مضارب السكان كانت من الشعر، و كانت تتلاصق مرة و تتباعد مرات في حواشي الوادي، و بين ثنيات الجبال في صور لا تختلف كثيرا عما نشاهده في مضارب البدو بين ظهرانينا اليوم.

الخلاف بين جرهم و قطورا: و ما لبثت أن اختلفت جرهم مع قطورا، فخرج مضاض بن عمرو من قعيقعان في كتيبة سائرا الى السميذع‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقي 1/ 40 و ما بعدها.

(2) فى المصادر العربية يتكرر اسم السميدع- بالدال المهلة- و أراه الصواب. و في لسان العرب: ذو الصفات الممتاز. و لم يذكر سميدع بالمعجمة (ع).

21

و السيوف و الجعاب تقعقع معه، و لذلك سمى جبلهم قعيقعان، و خرج السميذع بقطورا و معه الرجال و الجياد، و لذلك سميت منطقتهم أجيادا حتى التقوا بفاضح‏ (1) فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل السميذع، و تراجعت قطورا ثم تداعوا للصلح.

ولاية مضاض: ثم صاروا حتى نزلوا المطابخ‏ (2) حيث اصطلحوا فيه و أسلموا الأمر الى مضاض بن عمرو الجرهمي، و بذلك استقام له الأمر في مكة (3).

خزاعة: و ظل الأمر على ذلك حتى استخفت جرهم بأمر البيت فسلط اللّه عليهم قبيلا من اليمن من أولاد قحطان فأزاحهم في أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع الميلادي، و ذلك أن عمرو بن ماء السماء و ينتهي نسبه الى امرى‏ء القيس ثم يعرب بن قحطان و كانت منازله في جنوب الجزيرة- ارتحل و قومه من منازلهم فرارا من حوادث سيل العرم ثم سار من بلد الى بلد لا يطأ بلدا إلا غلب عليه أهله و قهرهم، ثم يرتحل و قومه ليبحثوا عن أفضل منه حتى وصلوا مكة، و عليها مضاض فأبت جرهم أن تنزلهم طوعا و تعبأت لقتالهم فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثم انهزمت جرهم فلم ينج منهم إلا الشريد، و بذلك تم الفتح للقحطانيين و استقام الأمر لهم في مكة (4).

و لا يتناسب المناخ و طبيعة الجو في مكة مع ما ألفه القحطانيون، و قد عاشوا في جنوب الجزيرة حيث الخصوبة و وفرة المياه و سهولة الأرض، فارتحلت أكثر بطون القبيلة ترتاد البلاد التي تتناسب و ما ألفت، و انخزعت بمكة بطن من القحطانيين- أي انقسمت- و تلك هي خزاعة و بذلك ورثت‏

____________

(1) ذكر ياقوت في معجمه أن فاضحا موضع عند أبي قبيس عند سوق الرقيق الى أسفل منه.

(2) المطابخ شعب بأعلا مكة يقال له شعب ابن عامر كما ذكره الأزرقي و نسميه اليوم شعب عامر.

(3) أخبار مكة للأزرقي 1/ 41 و ما بعدها.

(4) أخبار مكة للأزرقي 1/ 42 و ما بعدها.

22

خزاعة الحكم في مكة، و قام سيدها ربيعة بن حارثة بالأمر فيها.

و كان بعض بني اسماعيل قد اعتزلوا في فترة الحرب و قبلها أخوالهم من جرهم غير راضين عن أعمالهم في مكة كما أنهم لم يسايروا المغيرين من قحطان أو يناوئوهم بل ظلوا في حيادهم منعزلين حتى إذا استتب الأمر لخزاعة سألوهم السكنى معهم و حولهم فأذنوا لهم.

و لما انتهى أمر مكة الى عمر بن لحي سيد خزاعة تمنى عليه رئيس حكومة مكة السابق مضاض الجرهمي‏ (1) أن يأذن له في السكنى بمكة فأبى عليه ذلك و نادى في قومه من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم فدمه هدر (2).

و نزعت ابل لمضاض تريد مكة بعد جلائه عنها فخرج في طلبها حتى وجد آثارها قد دخلت مكة فمضى الى الجبال من ناحية أجياد حتى ظهر على أبي قبيس يتبصر الابل في بطن الوادي فأبصر الابل تنحر و تؤكل و لا سبيل اليها فخاف ان هبط الى الوادي أن يقتل، فولى منصرفا الى أهله، و أنشد يقول:

كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

و لم يتربع واسطا فجنوبه‏* * * الى المنحنى من ذي الأراكة حاضر

بلى نحن كنا أهلها فأزالنا* * * صروف الليالي و الجدود العواثر (3)

في قصيدة أوردها كثير من المؤرخين و لا أجدني جريئا كل الجرأة في الأخذ بصحة نسبتها الى مضاض إلا إذا صح لدي ما يثبت أن لغة الجرهميين كانت في مثل هذه الألفاظ السلسة، و مثل هذه المعاني الواضحة (4).

____________

(1) هذا هو مضاض الثاني، الذي تقوض في عهده أمر جرهم. (ع)

(2) أخبار مكة للأزرقي 1/ 42 و بعدها.

(3) أخبار مكة للأزرقي ج 1/ 49.

(4) لا نشك في أن لغة قحطان كانت الأم بعد العرب البائدة و ان جرهم انتقلت من اليمن بلغتها القحطانية و لكن المعروف أن اللغتين تباعدتا على أثر انفصال جرهم و قد مرت بجرهم احقاب طويلة لا نشك في أنها كانت من أهم العوامل في تطوير الألفاظ و المصطلحات، يضاف الى هذا أن مكة بحكم موقعها الديني كانت في حاجة الى أن تتفاهم مع شتى القبائل بلهجات مختلفة مما ساعد على تطوير لغتها و تهذيب حواشيها و اتساع معانيها حتى إذا ورثتها قريش ورثتها فصيحة البيان صالحة للتفاهم مع اكثر قبائل العرب بينما ظلت لغة قحطان في الجنوب تكاد أن تنحصر في الناطقين بها محليا و اتسعت ثقافة قريش على‏

23

و ظلت خزاعة على أمرها في مكة يحكمها كبيرها عمرو بن لحي الذي بلغ بمكة من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله حتى قالوا ان الرجل منهم كان إذا ملك ألف ناقة فقأ عين فحلها و قد ففأ عمرو بن لحي عين عشرين فحلا (1):

و كان عمرو أول من أطعم الحاج بمكة سدايف الابل و لحمانها على الثريد و عم في تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة أثواب من برد اليمن، و كان قوله فيهم دينا متبعا لا يخالف و هو الذي وصل الوصيلة و حمى الحام و سيب السائبة و نصب الأصنام حول الكعبة و جاء بهبل من الجزيرة فنصبه في بطن الكعبة، فكانت العرب تقتسم بالأزلام و هو أول من غير دين ابراهيم (عليه السلام) فقد كان كثير الأسفار و ربما تأثر بالفينقيين أو الأشوريين أو المصريين و هم جيران الجزيرة العربية فنقل وثنيتهم الى مكة و قد يقال أن العرب تأثرت بجيرانها في عبادة الأوثان قبل عمرو بن لحي، و كلها أقوال يصح فيها الاجتهاد و الحدس‏ (2).

و ولى البيت عمرو بن لحي و ولده مدة حكمهم لم يخربوا في البيت شيئا و لم يبنوا فيه حتى آل أمره الى قصي بن كلاب في القرن الخامس الميلادي.

في عهد قريش‏

قصيّ بن كلاب: لبثت خزاعة على ما هي عليه و ظل أولاد اسماعيل بعد جلائهم من مكة متفرقين بين اليمن و اليمامة و البحرين و أطراف الحجاز،

____________

أثر ذلك و تهذب ذوقهم الأدبي فماتت اكثر الكلمات التي ورثوها من القحطانية و حلت محلها تعابير اقتضاها احتكاك البيئة في مكة و جاء القرآن بهذه اللغة فأضاف اليها حلاوة جديدة و بهجة سلسة باعدت بهما عن لغة جرهم التي ورثوها عن قحطان.

(1) لعل من الغريب ان يملك شخص 20 ألف ناقة مع ان المعروف في أوائل الجيل الحاضران احصاء الابل في هذه البلاد بلغ رقما قياسيا و مع ذلك فلم يجتمع مثل هذا العدد إلا لعدة قبائل.

(2) و يبالغ بعضهم استنادا على رواية ينسبونها الى الكلبي فيقولون ان عبادة الاصنام عرفت في عهد جرهم ذلك أن قبائل من جرهم اضطرت مرغمة الى الجلاء عن مكة فتفرقت في البلاد فكانت القبيلة أو الجماعة تحمل معها في منصرفها من مكة بعض حجارة الكعبة فاذا حلت مكانا نصبته و طافت به كطوافها بالكعبة فنشأت الوثنية من حيث لا يحتسبون و أخذت تتطور بتطور الأيام.

24

و قيل أن بعض قبائلهم وصلت الى العراق و الشام، و يختلف المؤرخون في عدد القبائل التي تفرعت من أولاد اسماعيل و لكنهم يكادون أن يتفقوا على أن أبرزهم عدنان و تفرع من أولاد عدنان ربيعة و مضر و اياد و انمار (1) فكان قصي من أولاد مضر، و قد عاش قصي بعيدا عن موطن أجداده في أرض قضاعة لا ينتمي الا إلى زوج أمه ربيعة بن حرام من قضاعة.

و حدثت بين قصي و رجل من قضاعة شي‏ء فقال له القضاعي ألا تلحق بنسبك و قومك فانك لست منا، فرجع قصي إلى أمه و في نفسه مما قال القضاعي شي‏ء فسألها عما قاله فقالت و اللّه يا بني أنت خير منه و أكرم .. أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة من أولاد مضر و قومك أصحاب البيت الحرام و ما حوله فأجمع قصي على الخروج الى قومه و اللحاق بهم و كره الاقامة في أرض قضاعة فخرج مع الحاج حتى جاء مكة و أمر مكة يومئذ الى حليل بن حبشية الخزاعي، و في يده مفتاح الكعبة فخطب اليه ابنته فلما عرف نسبه رغب فيه و زوجه فأقام معها حتى ولدت له و كان حليل إذا اعتل أعطى المفتاح ابنته لتفتح البيت فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصيا أو بعض أولادها منه و لما حضرت حليلا الوفاة دعا قصيا فجعل له ولاية البيت و أسلم له المفتاح فلما هلك حليل أبت خزاعة أن تدعه و ذاك و أخذوا منه المفتاح فمشى قصي الى قومه من بني كنانة فأجابوه إلى نصرته و أرسل الى أخ له من أمه في قضاعة فمشى اليه في جمع من قضاعة يبغون نصرته فلما اجتمع الناس بمكة خرجوا إلى الحج فلما كان آخر أيام منى أرسلت قضاعة الى خزاعة يسألونهم ان يسلموا الى قصي ما جعل له حليل و عظموا عليهم القتال فأبت خزاعة فاقتتلوا بمفضى مأزمي منى فسمي ذلك المكان المفجر لما فجر فيه و سفك من الدماء (2) ثم تداعوا إلى الصلح بعد قتال شديد

____________

(1) تاريخ ابن خلدون 2/ 300.

(2) المفجر مكان معروف بهذا الاسم اليوم بين منى و مزدلفة و فيه مبنى الآلة البخارية التي ترفع المياه إلى مرتفعات منى. (ع) المفاجر بمكة ثلاثة: مفجر المزدلفة المتقدم و المفجر الأوسط بين منى و جبل سدير، يصل بين حوض البقر (الغريزية) و المحصب، و المفجر الثالث بين نور و سدير جنوب مكة.

25

و احتكموا الى يعمر بن عوف و هو رجل من كنانة فحكم لقصي بحجابة الكعبة و ولاية مكة دون خزاعة تنفيذا لوصية حليل و ألا تخرج خزاعة عن مساكنها من مكة فسلمت خزاعة لقصي بذلك‏ (1) فولي الأمر و جمع قومه فأنزلهم مكة يستعز بهم و كان ذلك في منتصف القرن الخامس الميلادي تقريبا و ظلت خزاعة في رباعها لم يحركوا شيئا و بذلك كان قصي أول رجل من كنانة أصاب ملكا و قد نظم ادارته كما سيأتينا.

أولاد قصي: و توفي قصي فانتقل الأمر الى ابنه عبد الدار و لم ينافسه في ذلك أخوه عبد مناف و لكن أبناء عبد مناف أبوا على أبناء عمهم عبد الدار انفرادهم بمصالح قريش بعد وفاة الأبوين، و كاد أن ينشب القتال لولا أن أسرع الوسطاء بينهم بالصلح و قد أرضى الصلح الفريقين بتقسيم مصالح قريش بينهم بالقرعة (2).

و بذلك كانت الرياسة في بني عبد مناف فوليها هاشم ثم نافسه أخوه أمية فكانت منافرات طال شأنها و غلب في نهايتها أمية على أمره فكانت أول منافرة بين الأمويين و الهاشميين.

و انتهت الرياسة في قريش بعد هاشم إلى ابنه عبد المطلب فتفاقم الخلاف بينه و بين بني عمومته بني أمية و لكن كان حظ عبد المطلب كحظ أبيه «هاشم» فظفر من الشرف و الرياسة و الجاه في قريش بما لم يظفر به بنو عمومته‏ (3).

نثل زمزم: و من أهم أعمال عبد المطلب كشفه عن بئر زمزم و كانت قد خفيت معالمها و محيت آثارها بتقادم السنين و قد قيل انه رأى في منامه من دله على‏

____________

(1) شفاء الغرام للفاسي 2/ 66 و ما بعدها.

(2) عندما اختلف أبناء عبد مناف مع أبناء عبد الدار عقد كل جماعة حلفا خاصا بألا يتخاذلوا أمام الفريق الأخر و مما قيل أن بني عبد مناف اجتمعوا على جفنة مملوءة طيبا فغمسوا أيديهم فيها ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم فسموه حلف المطيبين كما سموا بني عبد الدار الاحلاف «راجع سيرة ابن هشام 1/ 143».

(3) و مع هذا فقد ظلت كثير من بطون قريش لا تدين الا للباررين من أهلها كما سنبين ذلك في الناحية الادارية لقريش.

26

مكانها فصحت عزيمته على نثلها و حفر أعماقها فلم تمكنه قريش من ذلك لقداسة الصنم الذي يقوم مكانها فأسرها في نفسه حتى تقادم العهد على الفكرة و استوى له من صلبه عشرة أولاد فمضى في عزمه مستندا على سواعد أبنائه‏ (1) و بذلك عادت زمزم الى سابق عهدها يستقي منها الشاربون، و قد وجد عند كشف زمزم غزالين من ذهب و جواهر و سيوفا و ذهبا كثيرا كان ساسان ملك الفرس قد أهداها للحرم فدفن ذلك مع زمزم فلما وجدها عبد المطلب صنع باب الكعبة منها.

موقعة الفيل: و في عهد عبد المطلب كانت واقعة الفيل ..

و أصحاب الفيل هم طغاة من الأحباش كانوا قد زحفوا على اليمن فاستعمروا أهلها ثم ما لبث قائدهم أبرهة أن تطلع إلى مد نفوذه الى الحجاز كعبة العرب فشرع يناوى‏ء مكانتها الدينية بانشاء كعبة فخمة آملا أن تنصرف اليها أذهان العرب عن مكة فلما لم تنجح فكرته و ظلت الكعبة على قدسيتها في نظر العرب أبى ألا أن يضع حدا عمليا لنهاية هذا التقديس فجهز جيشا عظيما و سيره الى مكة لهدم كعبتها (2) فأصبحت قريش ذات يوم على أصوات المغيرين يتقدمهم فيل عظيم و لم يكن للعرب عهد بمثل ذلك فلم يسع عبد المطلب إلا أن ينادي في قريش أن يحجزوا ابلهم و يحموها و يتركوا أمر البيت «فان للبيت ربا يحميه» ثم قام إلى باب الكعبة فأخذ بحلقه و هو يبتهل:

يا رب إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك‏* * * إن كنت تاركهم و قبلتنا فأمر ما بدا لك‏

و لئن فعلت فإنه‏* * * أمر تتم به فعالك‏

و لقد حمى اللّه البيت بأبلغ ما تكون به الحماية و دفع عنه بأشد ما يكون الدفاع و أعظمه‏ (3).

____________

(1) شفاء الغرام للفاسي 1/ 247.

(2) و يذكر بعض المؤرخين أن أحد المكيين أراد اغاظته فدخل الكنيسة في غفلة من أهلها فأحدث فيها فخلف أبرهة ليهدمن الكعبة.

(3) ابن هشام 1/ 54 و ما بعدها.

27

أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ* أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ‏ صدق اللّه العظيم.

الانحلال في مكة: و ظل الأمر لعبد المطلب في مكة على أثر هذا، إلا أن القبائل النازحة الى جوار البيت كانت قد تكاثرت و تفاقم تناسلها فتفرقت بطونا في بادية مكة و شرعت كل بطن تعتز بسيد فيها فتعددت السلطات و تنوعت أحكامها و تقاليدها و تعددت العقائد و الديانات و غدا أصحاب الشهوات يتفننون في شهواتهم محتمين بتقاليدهم القبلية لا يهابون حكما و لا يخشون سلطانا.

اهلال النبي: و في خضم هذه الفوضى و غمرة هذا الانحلال كانت آمنة بنت وهب تتمخض في بيت من بيوت عبد المطلب .. و في ليلة زاهرة من ليالي قريش أهل هلال النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

و درج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كأفضل ما يدرج الصبيان أدبا حتى يفع في أطهر ما يفع فيه شاب اختارته العناية الإلهية لا ليقود أمته إلى طريق الخلاص و النور فحسب بل ليضع يده على مقدرات التاريخ فيصوغها من جديد و يترك أثره فيها قويا لا تمحوه جبابرة الأرض و أكاسرتها خالدا لا تعفيه أحداث الحياة أبد الآبدين.

عمارة الكعبة: و في هذه الأثناء انتاب قريشا ما انتابها من حريق الكعبة و تصدع بنائها و وهن أحجارها- فارتاعت قريش و حارت في أمرها أيما حيرة و لما قال قائلهم بضرورة هدمها و اعادة بنائها و قفوا من ذلك وقفة الخائف الملتاع حتى تقدم الوليد بن المغيرة فاقتلع أول حجر و هو يقول: اللهم لا ترع، لا نريد إلا الخير. فأتبعه الناس و قاموا بمعاولهم على نقضها.

و شارك النبي و هو شاب في نقل حجارتها مع الناقلين من بني هاشم فقد كانت كل قبيلة تجمع ما تنقله على حدتها و شرع البناؤون في البناء و كانت قريش تنقل الحجارة من حراء و ثبير و من جبل المقطع بين الطائف و عرفات‏

28

و من خندمة و من جبل حلحلة بالقرب من الزاهر.

و عندما بلغ البناء موضع الحجر الأسود اختصموا في شأنه‏ (1) كل قبيلة تريد أن ترفعه الى موضعه حتى إذا أعدوا أنفسهم للقتال خرج فيهم أمية بن المغيرة و هو يومئذ أسنهم فقال: يا معشر قريش اجعلوا فيما تختلفون فيه أول داخل إلى المسجد فكان أول داخل هو رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فلما رأوه قالوا هذا الأمين و قد رضيناه فلما انتهى اليهم و أخبروه قال (صلى اللّه عليه و سلم) هلم الي ثوبا فأخذ الثوب فوضع الحجر فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم رفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا موضعه وضعه هو بيده ثم بني عليه.

و ظلوا على عملهم في البناء حتى أتموا البيت في ارتفاع ثمانية عشر ذراعا أي بزيادة تسعة أذرع عما كان بناها ابراهيم (عليه السلام)، و كان الحجر ضيقا في عهد ابراهيم فوسعوه بما نقصوه من عرض الكعبة و رفعوا بابها في مصراع واحد ليدخلوا من شاءوا و يمنعوا من شاءوا و كبسوها بالحجارة و كانت في عهد ابراهيم غير مسقوفة فاتخذوا لها سقفا و جعلوا لها ميزابا لتصريف مياه المطر (2).

بناء الكعبة في عهد قريش‏

و الصورة من تصميم الشيخ طاهر الكردى الخطاط بمكة

النواحي العامة في عهد قريش‏

الناحية العمرانية

: كنا في حديثنا عن جرهم و قطورا أشرنا الى أن العمران في مكة لم يزد عن مضارب من الشعر كانت تتلاصق أو تتباعد في‏

____________

(1) شفاء الغرام للفاسي 1/ 95.

(2) شفاء الغرام 1/ 95 و ما بعدها.

29

حواشي الوادي و بين ليات جباله، و ما أطل العهد الذي ندرسه- عهد حكومة قريش حتى كانت المضارب من الشعر قد حلت محلها البيوت مرصوصة بالحجر أو مبنية بالطين و الحجر فيما يحاذى المسجد أو بالطين النى وحده على حوافي الأباطح في أعلى مكة أو على شواطى‏ء المسيل في أسفلها.

بناء البيوت و تبويبها: و كان سعيد بن عمرو السهمي أول من بنى بيتا بمكة و قد قيل فيه:

و أول من بوا بمكة بيته‏* * * و سور فيها مسكنا بأثافي‏ (1)

و كانوا يبنونها بحيث لا تستوي على سقوف مربعة كما نفعل اليوم. و أول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير، و استهولت قريش عاقبة التربع في هندسة البيت، فقالت: «ربع حميد بيتا- أما حياة و اما موتا» (2) و أول من بوب في مكة «حاطب بن أبي بلتعة» (3) و كانوا يجعلون بين يديها العرصات ينزل الحجاج فيها و المعتمرون، و لما شرعوا يصنعون لبعض الدور أبوابا كانوا يقصرون ذلك على بعض غرفها و يتركون مداخلها شارعة على عرصاتها دون أبواب، و قد قيل أن بنت سهيل عندما استأذنت عمر بن الخطاب في أن تجعل على دارها بابين أبى و قال لها: انما تريدون ان تغلقوا دوركم دون الحجاج و المعتمرين قالت: و اللّه ما اريد إلا أن أحفظ على الحجاج متاعهم فأغلقها عليهم من اللصوص فأذن لها فبوبتها.

منازل القبائل في مكة: و يستطيع الباحث أن يستنتج أن العمران في مكة في عهدنا الذي ندرسه نشط نشاطا طيبا، بعد أن تركنا المضارب تتباعد على حوافي وادي إبراهيم من أعلى مكة الى أسفلها، ثم تعرج في ناحية منها الى مداخل الشامية اليوم نحو قعيقعان نجدها الآن و قد اتصلت و تكاثفت و اتخذت‏

____________

(1) شفاء الغرام للفاسي 1/ 19.

(2) الجامع اللطيف لابن ظهيره 26.

(3) تاريخ القطبي 23.

30

كل قبيلة منزلها من الوادي و شعابه و لم يزحف عمرانهم الى مرتفعات الجبال و أكتافها كما نفعل اليوم. بل ظل مستويا باستواء سطح الوادي.

فقد ذكروا أن قصيا خط للكعبة ساحة توازي صحن المسجد (المطاف) اليوم و أباح للناس أن يبنوا دون ذلك حول مدارها من الجهات الأربع و كانوا لا يبيحون لأنفسهم قبل قصى السكني أو المبيت بجوار الكعبة ثم أمرهم أن يجعلوا بين بيوتهم مسالك يفضون منها الى ساحة الكعبة، و أهم هذه الطرق طريق شيبة و هو في مكان باب بني شيبة اليوم‏ (1) و لم يبوب ساحة الكعبة أو يسورها، كما أمر بآن لا يرفعوا بيوتهم عن الكعبة لتظل مشرفة عليها و كانوا يتخذون مجالسهم العامة في أفيائها، كما بنى دار الندوة لاجتماعاتهم الخاصة.

و في استطاعتنا ان نرسم خطوطا تقريبية لخريطة مكة نبين فيها باختصار مواقع البطون في مكة يومها و سير العمران بين شعابها اعتمادا على ما ذكره الأزرقي في تخطيطه مواقع القبائل في كتابه أخبار مكة (2).

و لتوضيح ذلك في الأذهان نستطيع أن نجعل من باب بني شيبة نقطة ابتداء لتخطيطاتهم، فقد كان موضع ارتكاز الحركة العمرانية في أم القرى، كما كان أهم مداخل المسجد الحرام، و كانت البيوت تتكاثف حوله متجهة في الشرق إلى «حصوة» باب علي، و في الشمال قليلا إلى «حصوة» باب السلام تنزلها بطون من غساسنة الشام و بعض السفيانيين و تنخللها متاجر للعطارين، فإذا مضى بنا الخط مستقيما إلى جهة باب النبي و اجهنا بيت العباس و دار جبير ابن معطم و دور لبني عامر بن لوي و استقام أمامنا زقاق أصحاب الشيرق، و هو إلى جانب زقاق الحجر حيث تقوم دار لابن علقمة و دور أخرى لآل عدي من ثقيف، فإذا نفذنا من ذلك الى شارعنا العام في القشاشية (3) متوجهين الى‏

____________

(1) و قد أزيل في مشروع توسعة المطاف (ع)

(2) راجع الأزرقي ج 2 الصفحات من 187- 214

(3) لعل القشاشية منسوبة الى الشيخ القشاشي و قد كان يسكن مكة حوالي القرن الحادي عشر «انظر في الجزء الثاني من هذا الكتاب حوادث الشريف احمد بن عبد المطلب» في عهد الترك العثمانيين.

31

أعلى مكة استقام أمامنا سوق كانوا يسمونه سوق الفاكهة ثم سوق الرطب، ثم رباع كانت لبعض بنى عامر، و عند سوق الليل تصافحنا الدار التي كانوا يسمونها دار مال اللّه و كانوا ينفقون فيها على المرضى و يطعمونهم. و بالقرب من الدار يلتوي شعب ابن يوسف و هو ما نسميه اليوم شعب علي و فيه دور عبد المطلب بن هاشم و دور أخرى لأبي طالب و اخرى للعباس بن عبد المطلب و إذا عدنا إلى استقامتنا في شارعنا العام يصافحنا دار العاص في فوهة شعب بني عامر ثم يلتوي شعب بني عامر في دروب متعددة تقوم عليها دور لبني بكر و اخرى لبني عبد المطلب بن عبد مناف و نستقيم مرة أخرى في شارعنا العام فيواجهنا ردم آل عبد اللّه، و كانوا يعارضون به مجرى السيل و يسمونه الردم الأدنى و عنده يقف الحمارون و نمضي قليلا إلى المعلاه لنجد الجزارين عن يميننا في شعب أبي دب، ثم مكان المقابر و هي بعد حدود شعب عامر ثم بعض بساتين ننتهي منها إلى شعبة الجن، ثم ثنية الحجون ثم بساتين اخرى نصل بعدها إلى شعب الصفى و هو ما نسميه اليوم المعابدة (1) و فيه دور لبني كنانة و آل عتبة بن أبي معيط و دور لربيعة من بني عبد شمس.

و إذا بدأنا خطا آخر من باب بني شيبة متوجهين الى الشمال الشرقي في المسعى صادفتنا دور لبني عدي قائمة بين باب بني شيبة و رواق باب السلام، و في المسعى يتوجه درب الى يميننا كانوا يسمونه الحزامية كان فيه مكان للبانين و فيه سقيفة و دار الحكم بن حزام و دور يتخللها عرصات لبني سهم و يمضي بنا الدرب إلى بيت خديجة حتى يخرج الى مكان المدعى اليوم.

و إلى يسارنا و نحن في المسعى طريق الساعين الى المروة و في المروة دور لآل عتبة بن فرقد و دار كبيرة لآل ياسر في واجهتها الحجامون و الحلاقون و إذا مضينا في المسعى مصعدين في طريق المدعى انتهينا إلى رحبة واسعة كانت تحط فيها عير الحنطة و السمن و العسل و الحبوب لتباع فيها و هي ما نسميها اليوم المحناطة و فيها دور لبني عبد شمس و دار أبي سفيان و هي في مكان «القبان» اليوم،

____________

(1) صفى السباب: أكمة في المعابدة تشرف على الخرمانية من مطلع الشمس. (ع).

32

و قد أشار النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إليها عندما قال يوم الفتح: «من دخل دار أبي سفيان كان آمنا» ثم دور لأولاد العباس تصل الى قريب من المدعى، ثم دور لأولاد الحارث، ثم طريق الى يسارنا يمضي إلى جبل الديلم و هو يشرف على القرارة (1) اليوم ثم نمضي في استقامتنا الى طريق المعلاه لنمر على دور لبني غزوان و أخرى لأولاد الحارث ابن عبد المطلب.

و نبدأ خطا ثالثا من باب بني شيبة متوجهين غربا إلى دار الندوة لنجد البيوت تتكاثف قبل الرواق الى جانبها دار لشيبة بن عثمان و دار لخزانة الكعبة و دار لصاحب البريد و دار لبيت المال و دار للخطاب بن نفيل ثم نصعد شمالا الى جهة الرواق الذي فيه باب الزيادة الى باب الدريبة فتصادفنا دور لبني خزاعة بينها زقاق الحذائين نسلك منه إلى سويقة ثم ننعطف منه الى المروة و من جهة أخرى دور لآل زرارة من تميم ثم يمضي بنا الشعب الى قعيقعان في مداخل ما نسميه الشامية اليوم فإذا توجهت إلى يمينك توجه بك درب الى ناحية الديلم بالقرب من القرارة اليوم ثمّ تصعد إذا شئت على تلال في مكان الفلق كانوا يصعدونها لينزلوا منها إلى مكان سوق المعلاه اليوم و لم يفلق هذا الطريق إلا الزبير بن العوام في عصره و سنعرف فيما بعد أنه فلقه ليتصل الطريق بين بساتينه بجوار المعلاه اليوم و بيوته التي اشتراها بجوار سويقة.

و إذا أردنا أن ننتقل من شق مكة الأعلى الى شقها الأسفل تعين علينا أن نجعل نقطة ابتداء تخطيطنا ما بعد صحن المسجد أمام باب أجياد متوجهين الى الشرق ثم الى الجنوب الشرقي.

كانت منازل بني عائذ تبتدى من صحن المسجد فيما يوازي ركن الكعبة اليماني ممتدة غربا الى ما يحاذي بئر زمزم ثم تصعد في الشرق نحو باب علي و كانت دور بعض كبارهم شارعة على مكان المسعى على يسار القادم من الصفا

____________

(1) يذكر الأزرقي أنهم كانوا يسمونها قرارة المدحي و لعل أطفال قريش كانوا يلعبون فيها المدحي و هو ما يشبه «البرجو» عندنا.

33

يريد المروة أي في ما يحاذي باب علي اليوم تقريبا.

و كانت منازل عدي بن كعب تبتدى من صحن المسجد متوجهة إلى الصفا من ناحية والى أجياد من ناحية أخرى قبل أن ينقلوا الى أسفل مكة.

و في الطريق الذي يبدأ من باب الصفا متوجها جنوبا إلى باب أجياد كانت سقيفة لبني عائذ و سوق للبزازين «القماشين» و بالقرب من ذلك كان البيت الذي اتخذه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لتجارته قبل البعثة مع شريكه السايب بن السايب.

فإذا انتهيت إلى باب أجياد و وقفت حيث تكون القبلة في ظهرك و مداخل أجياد في وجهك امتد امامك شعبان أحدهما عن يمينك الى ما نسميه اليوم بئر بليلة و كانوا يسمونه أجياد الكبير و امتد الشعب الثاني على يسارك الى ما نسميه اليوم السد و كانوا يسمونه أجياد الصغير و لست أعني بالامتداد ما يتبادر الى ذهنك من نفاذ الجادة و استقامتها بامتداد الشعوب.

فقد كان العمران يتخلل الجادة و يعرقل استقامتها .. كان بنو تميم ينزلون حوالي باب أجياد و تمتد بيوتهم من جهة الغرب الى قبيل حدود المسجد يومها و هو حدود صحن الكعبة اليوم و كان بنو مخزوم ينزلون في فوهة أجياد الكبير مكان الرواق الجديد اليوم .. و كان جماعة من الأزد ينزلون خلف ذلك مما يتصل بمكان الصحة العامة و خلفها كان منزل أبي جهل بن هشام لا يبعد عن ذلك كثيرا، و في أجياد الصغير الى الجادة المتصلة بالسد كانت منازل لآل عدي بن عبد شمس و في أجياد مكان للحواتين و دار لعبد اللّه بن جدعان التي كان فيها حلف الفضول و التي تعاقدت فيها القبائل متفقة بأن لا يقر في مكة ظالم و فيها دور لآل سلمة بن هشام و فيها بئر يجمع بين أجيادين احتفرها آل سلمة مع جماعة من جيرانهم، و كان يردها السكان في فوهة الشعب بأجيادين و أكاد أعتقد انها البئر الموجودة اليوم قبيل عمارة المستشفى لأنها تجمع بين طرفي أجيادين.

و إذا تركت أجيادين ماضيا في الشارع العام إلى الجنوب نحو المسفلة بدأت‏

34

بسوق الحزورة بجوار باب الوداع و رأيت الدروب تمضي على يمينك إلى قرب المسجد عند حدود المطاف و من أشهرها درب الحناطين و أعتقد انه كان سوقا للحنطة فالحانط هو في اللغة كثير الحنطة و موقع هذا الدرب صالح لبيع منتجات الجنوب من الحنطة في مكة و في هذه الجهة كانت تنزل بطون من آل صيفي و فيها دور لآل عبد الدار و اخرى لجماعة من بني مخزوم و إذا مضيت متجها في السوق الصغير كنت بجوار دور لبني أسد بن عبد العزى.

و أحسبني لا أطمع في أن أعرف القبائل النازلة في الشبيكة (1) أو حارة الباب أو جرول لأنها كانت قليلة السكان إلا في جهات قليلة من جرول الخضراء و هي الجزء الأدنى المتصل بأطراف المسفلة من ناحيته الخليفة و إذا كانت الشبيكة قد سكنت في عهدنا الذي ندرسه بجماعة لم أتبين أسماءهم في بطون المطولات من كتب التاريخ فلا أعتقد أنها حظيت بشي‏ء من التكاثف الذي حظيت به المنازل الأخرى.

و قد نعثر على بعض المنازل في سفح ذي أعاصير و لعلنا نستنتج من قرائن الأحوال أن ذا أعاصير هو جبل عمر و لكننا لا نستطيع أن نعتقد أن هذا الجزء حفل بالمنازل إلا في أعوام متأخرة عن هذا العهد لأن النزلة سميت باسم عمر ابن الخطاب و لو كانت لبطن أو قبيلة لأطلق عليها في الغالب اسم نازلها قبل عمر بن الخطاب.

كما أننا لم نعثر الى جانب ذلك على شي‏ء يسير من العمران في الثنية التي نهبط من خلفها الى جرول الخليفة و كانوا يسمونها الحزنة و هي ضد السهلة و نسميها اليوم الحفائر (2) و لم تكن الحفائر قد فلقت يومها لتخترم الطريق من الشبيكة الى جرول الخليفة لأن الذي حفرها و سهلها للمشاة هو خالد البرمكي‏

____________

(1) جاء في كتاب معجم البلدان لياقوت ان الشبيكة موضع بين الزاهر و مكة و في القاموس انها بين مكة و الزاهر و انها بئر هناك مما يلي التنعيم و قد عاش صاحب القاموس في مكة في أوائل القرن التاسع الهجري فيفهم منه أن مكة في عهده كانت دون الشبيكة و ان الشبيكة بئر بين مكة و الزاهر أو نفهم ان بئر الشبيكة بعيدة عنها في الطريق الى الزاهر.

(2) و كانت تسمى الممادر، حيث كانوا يأخذون الطين منها للبناء. (ع)

35

في عهد بني العباس ليجعلها تختصر الطريق الى بستان له بناه فيما بعد في جرول الخليفة أو جرول الخضراء كما يسمونها.

و إذا تركنا كل هذا و مضينا في طريقنا في ظل أعاصير أي جبل عمر نحو الهجلة صادفتنا الحتمة و هي صخرات لا بد أنها كانت سوداوات لأن الحتمة في اللغة هي السواد و عند هذه الصخرات كانت دار الأزلام و منها يبدأ منبطح السيل أسفل مكة.

و لعلنا إلى هذا الحد استطعنا أن نرسم خطوطا تقريبية لمكة الجاهلية و لا يفوتنا في أذيال هذا البحث أن نشير إلى الضواحي التي كان يحلو للمكيين أن ينتجعوها في الأصائل من شهور القيظ و هي عادة نرى أثرها إلى اليوم في المتنزهين من أبناء مكة في أطراف الضواحي و كأنما هم يمثلون بذلك عادة عرفها أجدادهم من نحو (1500 سنة) تقريبا.

و من أشهر المتنزهات في مكة الجاهلية (1) الليط .. و الليط في رأى بعض المؤرخين‏ (2) هو أسفل مكة فيما يقرب من بركة ماجل متنزهنا اليوم، و يقول الأستاذ رشدي الصالح ملحس في حاشيته على تاريخ الأزرقي أنه يرجح أن يكون خلف القشلاق العسكري أي فيما يلي جرول الخليفة و لست بالذي يستبعد صحة القولين فان الوادي بعد بركة ماجل يتصل بالجادة التي تنتهي خلف القشلاق فلم لا يكون الليط عبارة عن امتداد من جرول الخليفة الى أطراف المسفلة؟

و كانت في الليط اقحوانه‏ (3) يجلس أهل مكة حولها في العشي يلبسون الثياب المحمرة و الموردة و المطيبة و في هذا يقول الحارث بن خالد:

____________

(1) يرى بعضهم ان الجاهلية كلمة يراد بها نقيض العلم كما يرى بعضهم انها تعنى الاخلاق السفيهة انظر فجر الاسلام ص 69.

(2) انظر اخبار مكة للأزرقي 2/ 225.

(3) الاقحوانة نسميها اليوم عباد الشمس.

36

من ذا يسائل عنا أين منزلنا* * * فالأقحوانة منا منزل قمن‏

إذ نلبس العيش صفوا ما يكدره‏* * * طعن الوشاة و لا ينبوبنا الزمن‏ (1)

و من متنزهاتهم شعب خم‏ (2) و هو يتصل بالمسفلة اليوم و كان مزروعا فيه عدة بساتين تتصل بالليط ثم تتصل بجرول.

و كانوا يخرجون الى حائط الحمام بجوار المعلاه فقد كان لهم هناك نخيل و زروع و كانت بساتين تمتد الى الخرمانية بقرب ما نسميه المعابدة ثم تمضي الى المحصب في الطريق المؤدي الى منى.

و كان لهم في المحصب دكة يجتمع المتنزهون فيها أصيل‏ (3) كل يوم و كانت تشرف على نخيل باسق و بساتين تحتضنها شعاب الوادي الممتدة الى منى.

و كانت لهم بساتين في وادي فخ و نسميه الشهداء اليوم و أخرى بوادي طوى في امتداده من الحجون الى ريع الكحل و بساتين غير هذه في ضواحي مكة العليا (4) إلى مزدلفة فعرفة (5) و كانت المنازل في المناطق التي ذكرناها لا تتكاثف على قاعدة المدن الحاضرة بل تتفرق و تفصل بينها مساحات خالية على عادة العرب في بناء قراهم و مدنهم، أما الناحية المتصلة بالمسجد فكانت تضيق بنزلائها لتنافسهم في مجاورة الكعبة.

و قد بنى القرشيون في أواخر عهدهم ما يشبه السور في أعلى المدعى و بوبوه و لم يثبت أنهم بنوا مثله في ناحية اخرى منها.

الناحية الدينية

و شاعت في عهد قصي عبادة الأصنام و اتخاذها آلهة في طقوس انتقلت اليهم‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقي 2/ 225 و ما بعدها.

(2) هو جنوب مكة بيسير تخرج إليه من أجياد الكبير، و لعلهما خمان (ع)

(3) هي الاقحوانة، و تسمى اليوم الروضة، و عن كثير من هذه المواضع راجع (معجم معالم الحجاز) (ع).

(4) راجع أخبار مكة للأزرقي ج 2 ص 183 باب ما جاء في العيون و الصفحات التي تليها عن العيون و الرباع و الشعاب.

(5) تبعد المزدلفة عن مكة 13 كيلو و منها الى عرفات 12 كيلو.

37

من خزاعة أو جرهم كما أسلفنا في الفصل السابق و قد ذكروا أن عمرو بن لحي في عهد خزاعة أمر بعبادة صنمين كانا منصوبين على الصفا و المروة (1) فلما كان عهد قصّي حولهما من موضعهما فجعل أحدهما بلصق الكعبة و الآخر في موضع زمزم فكان أهل الجاهلية من قومه ينحرون عندهما و يتمسحون بهما و اشتد شيوع عبادة الأصنام بمرور الأيام حتى كان الأصنام يطاف بها في مكة فيشتريها أهل البدو فيخرجون بها إلى بيوتهم و ما من رجل من قريش إلا و في بيته صنم إذا دخل يمسحه و إذا خرج يمسحه تبركا عدا أصنام الكعبة التي ظلت قائمة في مواضعها من التبجيل الى عام الفتح و من أشهر أصنامهم «هبل» (2) و كان منصوبا في جوف الكعبة «و العزى» و هي بوادي نخلة الشامية (3) «و اللات» و هي في الطائف‏ (4) و مناة» (5) و هي في «قديد» على ساحل البحر الأحمر شمالي مكة و نقل عن قريش أنها كانت تقول في طوافها: (و اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلا و ان شفاعتهن لترتجى) و كان لهذيل صنم يسمونه سواعا تعكف على عبادته.

و كانوا ينحرون عند صنم لهم يقال له الغبغب و كانت لهم أقداح في الكعبة إذا اختصموا في شي‏ء أو اعتزموا أمرا استقسموا بها فإذا خرج القدح مكتوبا بأمر أو نهى عملوا به كما يفعل أصحاب «الخيرة- أو القرعة» اليوم‏ (6).

____________

(1) ابن هشام 1/ 78 و المسعودي 3/ 114.

(2) ذكر جرجي زيدان في أنساب العرب أن لفظ هبل لا اشتقاق له في اللغة العربية و هو يرى أنه كلمة عبرية أو فينيقية ثم يقول و كان الكلدانيون يلفظون الكلمة «بل» و هي اسم الاله عندهم، أقول من هذا ربما صح قول من قال ان العرب قبل قريش استعارت عبادة الأصنام من جيرانها الفينيقيين أو العبريين أو غيرهم.

(3) نخلة الشامية تمتد من وادي فاطمة الى المضيق و تتصل بها نخلة اليمانية و هي في طريق الطائف من واد يسمونه اليوم اليمانية.

(ع): و العزى: معلوم مكانها اليوم في شعب يقال له سقام يصب في نخلة الشامية في الجنوب.

(4) هي قرب مسجد ابن عباس من مغيب الشمس (ع)

(5) انظر تحديدها في (على طريق الهجرة (ع).

(6) انظر كتاب الأصنام لابن الكلبي ص 25 و ما بعدها.

38

و قسم المؤرخون ديانة العرب الجاهلية الى قسمين حلة و حمس و الحمس هم أصحاب التشدد فيما يتدينون و ربما دلت اللفظة على معنى التحمس كما يبدو من اشتقاقها و الحمس قبائل من أشهرها كنانة و خزاعة و الأوس و الخزرج و غيرهم و كانت قريش من أبلغ من تشدد في ديانة الحمس و قد بلغ من تشددهم أن الرجل إذا أحرم بالحج أو العمرة لا يدخل دارا أو فسطاطا أو حائطا «بستانا» و قد تعرض له الحاجة فلا يدخل بيته بل ينقب نقبا في ظهره و ينادي بأهله ليخرجوا له ما أراد و كانوا يحرمون بعد الاحرام على أنفسهم السمن و اللبن و الزبد و لبس الوبر و الشعر و الاستظلال به و غزله و نسجه‏ (1).

و كانوا إذا وقف الحاج من العرب في عرفات يأبون أن يخرجوا إليها من حرمهم فيكتفون بالوقوف عند نمرة تقديسا لحرمهم، و يقولون نحن الحمس أهل الحرم فلا ينبغي لنا أن نخرج الى عرفات فنعظم بذلك غير الحرم.

و كانوا يفرضون على مخالفيهم من أهل الحلة أن لا يطوفوا إلا إذا لبسوا ثوبا أحمسيا يشترونه منهم أو يستأجرونه أو يستعيرونه فإذا لم يجدوا تعين عليهم أن يطوفوا عرايا نهارا للرجال و ليلا للنساء بعد أن يتركوا ثيابهم خارج المسجد فلا يمسها أحد حتى يعودوا إليها (2) و كان بعض فتيان مكة يتربص للنساء العرايا فإذا أعجبته احداهن دخل معها في الطواف عريانا و قد يؤول أمرهما إلى الزواج، و قد ألغى الاسلام هذه العادة، و كانوا يفرضون على أهل الحل أن لا يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل ما داموا في مكة، و بذلك كانوا يفرضون الأكل في مكة عليهم من بيوت الضيافة أو يشترونه من أسواق مكة.

و كانوا إذا بلغت الفتاة سن الزواج ألبسوها ما يزينها و خرجوا بها سافرة إلى المطاف ثم أعادوها الى بيتها لتبقى حبيسة فيه لا تخرج إلا الى بيت من تزوجها و هم يريدون بطوافها ذلك عرضها سافرة على أعين الخاطبين و لعلهم‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقي 1/ 115 و ما بعدها.

(2) المصدر نفسه.

39

اختاروا ليأمنوا في جوار البيت نظرات الفاسقين. و كان الطائف يبدأ بأساف فيستلمه ثم يستلم الركن الأسود ثم يجعل الكعبة على يمينه فيطوف بها فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن ثم استلم نائلة.

و كانوا يختنون أولادهم و يكفنون موتاهم و يغتسلون من الجنابة و قد تباعدوا في المناكح من البنت و بنت البنت و الأخت و بنت الأخت كما يتزوجون بالصداق و الشهود و يطلقون ثلاثا.

و كانوا يبالغون في الغيرة على نسائهم حتى اشتط بعضهم فكره البنات و منهم من و أدهن مبالغة في الحرص على العرض و قال قائلهم في ذلك «دفن البنات من المكرمات» و أنكر ذلك كثير من عقلائهم و من أشهر المنكرين زيد ابن عمرو بن نفيل القرشي الذي قيل أنه أحيا ستا و تسعين موءودة.

و كانوا يدخلون الكعبة لابسي أحذيتهم حتى سن لهم الوليد بن المغيرة خلعها و كانت الحوائض من نسائهم لا يدنين من الكعبة و لا يتمسحن بأصنامها بل يقفن بعيدا عنها، و ربما عن لأحدهم أن يصلي فيتوجه إلى الكعبة و يبدأ صلاته فإذا ركع كرر ركوعه عدة مرات حسبما يتسع له وقته و كذلك يفعل في السجود دون أن يكون لعدد الركعات أو السجدات ضابط محدود.

و شاعت الى جانب عبادة الأصنام ديانات أخرى أهمها الدهرية التي قال أصحابها و ما يهلكنا إلا الدهر، و الصائبة و هم عبدة الكواكب و النجوم، و دان بعضهم باليهودية و آخرون بالنصرانية و كانت جميعها نتيجة الاقتباس و احتكاك قريش بديانات الأمم المجاورة، و من أشهر من نظر في الكتب السماوية منهم ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل و أمية بن الصلت و أمية بن عوف الكناني، و هاشم بن عبد مناف، و أنكر بعض هؤلاء ترهات قومهم و عبادة الاصنام و كانوا ينصحون بتركها و يجاهرون بالبحث في ألوهية واحد متفرد بالجلال و العظمة و يعترفون بالبعث و النشور و الثواب و العقاب.

الناحية التجارية

: كانت مكة بحكم موقعها في طريق تجارة الطيوب‏

40

و الغلال و أنواع الأقمشة بين دول الجنوب و ممالك الشمال ذات مركز استراتيجي ممتاز، و كانت أسواقها تزدحم بالتجار صاعدين في الشمال الى الشام أو هابطين في الجنوب الى اليمن كانوا ينقلون من منتوجات أفريقيا عن طريق اليمن- الرقيق و الصمغ و العاج و التبر، كما ينقلون من اليمن الجلود و البخور و الثياب، كما ينقلون من العراق توابل الهند، و من مصر و الشام الزيوت و الغلال و الأسلحة و الحرير و الخمور (1) فمهروا في التجارة و تضخمت رؤوس أموالهم و بلغت قوافلهم التجارية ألف بعير في عهد غزوة بدر مضافا إليها خمسون ألف دينار منقولة بين أثقالهم كما بلغت في بعض المرات ألفين و خمسمائة بعير و هي نسبة لها قيمتها المادية إذا قيست بالثروات في عهدها، و بلغ من ثراء قريش أنها استطاعت في غزوة بدر أن تفتدي أسراها من المكيين بأربعة آلاف درهم للرجل الى ألف درهم إلا من عفا عنهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من المعدمين‏ (2).

و كانت الى جانب هذا من أهم مراكز الصرافة في العالم القديم، و كان التاجر من أي بلد في الآفاق يستطيع أن يؤمن فيها على بضائعه صادرة أو واردة و ربما احتاج إلى كثير من المال لسداد ما تطلبه بضائعه فتقرضه المصارف في مكة كما تفعل البنوك اليوم و ربما أفحشت في الفوائد فتضاعف الربا و اضطهد المدين حتى جاء القرآن بتحريم الربا عليهم.

الناحية الاجتماعية و العقلية

: و و هم بعض المؤرخين في ادراج مكة مدارج القبائل من أحياء العرب، و حسب آخرون أنها كانت نزلة يمضي عليها ما يمضي على نزل العرب و قراهم في آفاق الجزيرة و لكن شيئا من الاستقراء ينتهي بنا إلى غير هذه النتيجة. فالقرآن سماها في أكثر من مرة «أم القرى» و في هذا ما يشير الى ميزتها في مستوى من حولها من منازل الجزيرة و قراها

____________

(1) الأزرقي 2/ 55.

(2) كانوا يتعاملون بدنانير روم بيزنطة و هي من الذهب، و دراهم الساسانيين و هي من فضة كما تعاملوا بنقود الدولة الحميرية في اليمن و لم تضرب للعرب نقود إلا في العهد الأموي كما سيأتي في حينه.

41

و القرآن خاطبها بمعان ليس من يعتقد أنها غريبة عنها فتحدث عن المشكاة و المصباح و الزجاج و عن المساكن يعرج اليها بالمعارج، و تحدث عن أنواع من الطيب كالكافور و الزنجبيل و المسك و أنواع من الأثاث المترف كالنمارق و الزرابي و السرر و الفرش المبطنة بالاستبرق و السندس و أنواع الأواني من الفضة كالقوارير و الأكواب و الكؤوس و أنواع من الحلي كالمرجان و اللؤلؤ، كما حدثهم عن القراطيس و الكتب و السجلات و الصحف و الأقلام و المداد و أشار في كثير من آياته الى النحاس و الحديد و الفخار و الصحاف و الجفان و القدور، و لا يقول انسان ان القرآن كان يخاطبهم بما لا يفهمون مدلوله من الألفاظ و انه كان يشير الى معان غريبة عنهم.

إذن فبيئتهم كانت تعرف هذه المعاني معرفة من اختلط بها و اندمج فيها، و في هذا من الأدلة ما يقوم بحجتنا على من و هم من المؤرخين و فيه ما ينطق بأن مكة كانت في ذلك العهد قد أخذت بطرف غير يسير من أسباب الحضارة الخاصة بجيلها الذي تعيش فيه.

و ليس في هذا ما يدعو الى الاستغراب فقد كان المكيون من قريش يضربون في مناكب الأرض بين اليمن و الشام و العراق و فارس و الهند و مصر و الحبشة و يتصلون في رحلاتهم هذه بالقصور المشيدة و العمران الفخم و ألوان من الحضارة تتعدد بتعدد الحضارات التي كانوا يختلفون اليها، فلا عجب أن تتلاقى في بيوتهم في مكة أكثر الحضارات الشائعة في عهدهم و أن تبدو واضحة في حياتهم.

و كانت مخابئهم إلى جانب هذا تكتنز بالذهب و الفضة كما تكتنز بالنقد المضروب من الدينار و الدرهم، و قد ذكرها القرآن في معارض مختلفة نستطيع أن نفهم منها أنهم كانوا يعرفونها معرفة تامة.

و كانوا يستعملون الموازين في أسواقهم و المكاييل، و يعرفون من مفردات أثقالها أنواعا كثيرة كانوا يتعاملون بها، و ليس أدل على هذا من خطاب القرآن‏

42

لهم‏ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‏ و يسرد بعض المؤرخين بعض الحوادث الفردية التي يحسبون أنها تحدد معارف القرشيين في علم المال أو تبين مدى حيازتهم له فيذكرون في رواية الصحابي الذي اشترت منه احدى السبايا نفسها بألف دزهم أن رفاقه عندما لاموه على رخص الثمن قال لهم و اللّه ما أعرف فوق الألف شيئا، و يريدون أن يستدلوا من هذا على تحديد معارف القرشيين في الأموال و الأرقام و لعلهم نسوا أن القرآن كان يخاطبهم بأرقى من هذا المستوى و هو يستعرض هول يوم القيامة «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» أو يسرد لهم قصة يونس‏ وَ أَرْسَلْناهُ إِلى‏ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏ و ليس من شك أن قوما أحصوا بعشرات الألوف و مئاتها كانوا على شي‏ء كبير من الغنى، و كان يصحبه ما يتبع الثراء من الحضارة و ما في الحضارة من ترف.

كانت بيوت أموية و أخرى مخزومية يضرب المثل بها في الغنى و كان ابن جدعان يتجر في الرقيق و قد أثرى منه ثراء فاحشا حتى شبهوه بقيصرة

بو م ابن جدعان بجنب الحزوره‏* * * كأنه قيصر أو ذو الدسكرة (1)

و ما ظننا بقوم كان القرآن يعرض أمامهم في صدد التشريع أدق من هذا فيشير الى النصف و الثلث و الربع و الخمس و الثمن و العشر في أوامره بتوزيع التركات، لا ريب أنهم كانوا في بيئة تجيد هذه الكسور و مضاعفاتها.

و استعمل القرشيون في مكة الثياب و السراويل و القمصان و النعال و تختموا بالذهب و الفضة، و اتخذوا لخواتهم حبات اللؤلؤ، كما استعملت القرشيات الخمر و الجلابيب و الخلاخل التي كن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن عدا ما تحلين به من عقود و أساور و ما تطيبن به من ذي أريج فواح، و قد قيل أن عبد المطلب دفن في حلتين قيمتهما ألف مثقال من الذهب و أن من قريش من كان يلبس الثوب بخمسين دينارا (2) و هو ما يقابل اليوم 300

____________

(1) معجم البكري ص 4

(2) اليعقوبي 2/ 13

43

ريال، و جاء في القرآن ذكر من ينشأ في الحلية.

و كان لمترفيهم مجالس للسمر ينصبون لها الأرائك و يمدون فيها الموائد و يتفكهون بما طاب من ثمارهم و يتلذذون بفواكه الطائف الطازجة أو مجففات الشام و فلسطين المستوردة لمتاجرهم و يعرفون طعام الفالوذج نقلا عن الأمم المجاورة (1).

و كانوا يتخذون من ثمرات النخيل و الأعناب خمورا يعدونها في مجالسهم في آنية من فضة و أقداح من بلور، و يدور عليهم ساقيهم بها تفوح منها روائح المسك و الكافور أو الزنجبيل.

و كانت لهم حلقات يعقدها القصاصون يتلون فيها عليهم أساطير الأولين أو يقصون عليهم بعضا من نوادر الحياة مما يصادفه الرجل في آفاق الأرض فيجتمع إلى هذه الحلقات كهولهم في أقبيتهم الفضفاضة و شبيبتهم في ثيابهم الموردة أو المحمرة من أغلى الحرير المجلوب من بلاد فارس أو المصنوع في العراق و الشام.

و كانت مكة في عهد قريش تضم الى هذا ما تضمه عواصم اليوم تقريبا من جاليات أجنبية يهبطون اليها بفنونهم و أموالهم و بعض علومهم فلا تلبث أن تتسع لما يهبط إليها و تفسح لها من المجال ما تفسحه اليوم، و كثير من كتب السير في مجموعها تحدثنا بأنه كان من سكانها نصارى الروم و وثنيون من فارس و أنه سكنها جاليات من العراق و مصر و الحبشة و السريان، و نحن لا نستبعد أن يكون نزوح هذا الجاليات فرارا من الثورات و ألوان الاضطهاد (2) و تحت عوامل اخرى شبيهة بالتي تؤثر في انتقال الموجات البشرية في كل دور من أدوار التاريخ.

____________

(1) أغاني 8/ 329

(2) ذكروا أن بعض رجالات قريش شعروا باضطهاد بعض الجاليات الأجنبية في بيوت بعض كبار القوم فاجتمعوا في دار عبد اللّه بن جدعان و تعاهدوا أن لا يقر ببطن مكة ظالم و أن يكونوا يدا واحدة مع المظلوم ثم جاءوا بماء من بئر زمزم فغسلوا به أركان الكعبة ثم شربوه توكيدا لعهدهم و قد حضر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حلفهم قبل البعثة و قال فيه بعد ذلك لو دعيت به في الاسلام لأجببت (راجع ابن هشام 1/ 145).

44

و لست أرى رأي من يقول بشيوع الأمية شيوعا مطلقا في هذه البيئة التي ندرسها و لا ممن يرى أن وسائل الكتابة يومها كانت تقتصر على العظام و الحجارة لأن القرآن ذكر عن الصحف المنشرة (1) و سجلات الكتب‏ (2) و المداد (3) و الأقلام‏ (4) ما يشير الى معرفتهم بها و أنهم كانوا لا يجهلونها.

و مما يلفت النظر أن القرآن في أوائل نزوله بمكة كان يكتب و ينسخ و يذكر ابن هشام في سيرته أن عمر دخل على شقيقته قبل اسلامه و في يدها صحيفة قرآنية و يؤيد هذه الرواية أكثر المؤرخين، و هي تدل فيما تدل على وجود الصحف يومها و أن نسخها كانت تتداول في مكة، و لا يصح فيما أرى أن تكتب الصحف و يتداول نسخها في بيئة تشيع فيها الأمية شيوعا مطلقا و تقتصر المعرفة فيها على أشخاص معدودين على أصابع اليد كما يذكر بعضهم.

الناحية الأدبية

: و مارست قريش في جاهليتها ألوانا من الأدب العالي فقد كانت من أبلغ العرب و أفصحها و كان حظها في الخطابة و الوصايا و الأمثال لا يستهان به، و قد حفظت لنا أمهات الكتب الأدبية القديمة من أمثال الأمالي و طبقات ابن سعد و العقد الفريد و الأغاني و أمثال العرب و مجمع الأمثال و غيرها طائفة كبيرة من نفيس الأدب الذي عاش في عهد قريش.

و اشتهرت قريش بشعرائها المبرزين في العهد الجاهلي، و من أظهرهم أبو طالب و أبو سفيان و عبد اللّه بن حذافة و هبيرة بن أبي وهب المخزومي و عبد اللّه بن الزبعري و الزبير بن عبد المطلب، كما اشتهر حول مكة من شعراء هذيل جنادة و جندب و عروة و المتنخل و أبو ذؤيب و أبو خراش و أسامة بن الحارث و العجلان بن خليه كما اشتهر في بادية مكة و مدنها القريبة ما يطول سرده و لا يصعب متابعته لمن شاء في مظانه من كتب الأدب المعروفة.

____________

(1) أن يؤتى صحفا منشر (52 المدثر).

(2) كطي السجل للكتب (104)

(3) قل لو كان البحر مدادا (109) الكهف.

(4) من شجرة أقلام (27) لقمان.

45

و من الأمثال القليلة التي نوردها فيما يلي يستطيع القارى‏ء أن يكون فكرة مختصرة عن المستوى الأدبي الذي بلغته مكة في عصرها الذي ندرسه.

«من أجمل قليلا سمع جميلا، أنفك منك و ان كان أذن، إن البلاء موكل بالمنطق، عند جهينة الخبر اليقين، الجزاء من جنس العمل، إذا عز أخوك فهن، كل خاطب على لسانه تمرة، الحرب سجال، حظ في السحاب و عقل في التراب، ما حيلة الرامي إذا انقطع الوتر، من خان هان، كما تزرع تحصد، من سابق الدهر عثر، لكل عود عصارة، ما كل عورة تصان، غدرك من دلك على الاساءة، كل الصيد في جوف الفراء، مكره أخاك لابطل، كل شاة برجلها معلقة، زارع لنفسه حاصد لسواه، لاقرار على زأر من الأسد.

و اتسعت أسواق مكة التجارية للتنافس بين مفكريها من الشعراء و أصحاب البيان فكانت ملتقى الخطباء من سائر بلاد العرب، و كانت مجالا ثقافيا لم يسبق له نظير بين دول اليمن في الجنوب و حكام الحيرة و غسان في الشمال، و في مظان التاريخ المطولة من أخبار أسواقهم ما يغنى عن الافاضة.

و من أشهر أسواق العرب في منطقة مكة: سوق عكاظ، و قد اختلف المؤرخون في تحديد موقعه، و أجدني أميل الى ما ذكره صاحب معجم البلدان و هو أنه في واد بينه و بين الطائف ليلة و بينه و بين مكة ثلاث ليال و كانت هناك صخور يطوفون بها و هو وصف ينطبق من أكثر وجوهه على محطة السيل الكبير و به صخور لا تزال قائمة الى اليوم و هو واد يتسع كثيرا لقوافل العرب‏ (1) ثم سوق مجنة (2) و هو موضع قرب مكة، و ذو المجاز و هو على نحو ميلين من عرفات‏ (3)

____________

(1) خلال السنوات القليلة الماضية صدرت عدة كتب عن سوق عكاظ، و كتب مقالات كثيرة و تكاد كلها تجمع على أنه شرق الحوية يمين الذاهب الى الرياض من الطائف على نيف و اربعين كيلا. (ع)

(2) أرجح أنه بلدة بحرة، و انظر معجم معالم الحجاز (ع)

(3) هو على 15 كيلا شمال عرفات، في شعب ينقض من كبكب غربا، على يمين المتجد من مكة الى الطائف مارا بحنين، فيه آثار لا زالت ترى (ع).

46

و كانت قوافل العرب تتجمع في عكاظ الى العشر الأخير من ذي القعدة ثم يفيضون تباعا الى ذي المجنة و لا يبدأ سوق ذي المجاز إلا في «يوم التروية» الثامن من ذي الحجة و يضيف بعضهم الى هذه سوق مكة و منى و دومة الجندل، و لكنها أسواق لا تبلغ مبلغ عكاظ في محافله الأدبية و مجالاته التي كانت تصطفق بمفاخرهم و منافراتهم و مناقشاتهم، و يذكر تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام أن عكاظ ظلت قائمة الى أن كانت ثورة المختار في مكة عام 129 فتفرق الناس خائفين ثم تركوها الى اليوم و تركوا بعدها مجنة و ذي المجاز و استغنوا عنها بأسواق مكة و منى و عرفات.

الناحية العلمية

: و ليس غريبا أن تكون لهم حياة علمية فقد كانت لبيئتهم علوم ألموا بها و برز بعضهم فيها تبريزا واضحا ترك أثره في معارف الأجيال الى حقبة طويلة من العصر الاسلامي.

كانوا يعنون بأنساب العرب و أخبارهم و يروون من أحاديث الأمم التي سبقتهم أو عاصرتهم أو احتكت بهم في تجارة أو جوار، و ظلموا يتناقلون ذلك في أسمارهم و مجاسهم حتى أصبحت معارفهم في ذلك مادة ثرثرة استطاع بعدهم كثير من المدونين أن يعتمدوا ما تناقل عنهم و يسجلوه كتاريخ معترف به.

و عنوا عناية خاصة بالنجوم و مواقعها و حركاتها و أتقنوا منازلها في البروج و كان الكلدانيون في عهدهم شبه متخصصين في فن النجوم فتفرغ بعضهم للاتصال بهم و الأخذ عنهم حتى استقام لهم علم كامل كانوا يعتزون بمعارفه الواسعة.

و توسعوا في فهم الأنواء و الأمطار فكان لهم علم بالسحاب و أنواعه و مواقع المطر بالنسبة لوديانهم و عرفوا الرياح و اتجاهات سيرها وسموا أنواعها بما يتفق مع حركاتها فمنها الصبا و الدبور و الصرصر و العاصف الى غير ذلك من أسماء لا يزال أصحاب الفراسة الى اليوم يطلقونها عليها تقليدا للعرب في جاهليتها.

و مارسوا الملاحة في البحر الأحمر و أتقنوا فنها و ربطوا أوقاتها بحركات‏

47

النجوم كما اهتدوا بالنجوم في سيرهم الى المواطن البعيدة من موانئهم و امتدت رحلاتهم جنوب البحر حتى اختلطوا بالمحيط الهندي و غذ بعضهم في المحيط الهندي الى شواطى‏ء بعيدة المنال ذكرها بعضهم في رحلات العرب، و بذلك استقامت لملاحتهم قواعد ظلت متوارثة و استطاع المسلمون في عصرهم الذهبي أن يستفيدوا منها.

و كانت لهم معلومات في الطب يعتد بها .. معلومات أظهرتهم على جميع العضلات في الجسم فأطلقوا الأسماء عليها مما تجده مفصلا في كتب اللغة و مصادرها الأصلية و انى لهم أن يعرفوا هذه المسميات لو لم يعرفوا مواقعها في الجسم و يدركوا وظائفها فيه و امتدت معلوماتهم تبعا لذلك الى النباتات فعرفوا خواصها و كانوا يستفيدون منها لوصفاتهم، و عرفوا الى جانب ذلك العلاج بالكي و البتر و الفصد و الجحامة، و كان لهم في ذلك حكماء مبرزون اشتهر منهم الحارث بن كلدة الثقفي و قد عاش حتى أدرك معاوية و اعتمده المتطببون في عصر معاوية كأستاذ له قيمته العلمية، و لا نزال الى اليوم نقلد ما ورثناه من طب العرب في بعض مجتمعاتنا حتى المتمدنة منها و نعترف بكثير من آرائهم فيه و لا يزال في باديتنا الى اليوم من يقصده صاحب مرض استعصى على الطب الحديث فيفيدونه بأعشابهم أو فنهم في الكي، و لا ننكر أنهم استفادوا معلوماتهم من أمم سبقتهم شأن الحياة في مختلف عصورها و لكننا نعرف أنهم أضافوا إلى ذلك ما اكتسبوه بتجاربهم و حذقهم.

و من معارفهم القيافة و الفراسة و الرياضة، و لها قواعد عندهم لا تكاد تجاريهم فيها أمة الى اليوم رغم مرور نحو ألفي سنة على شيوعها بينهم فمن قيافتهم تتبع آثار الضال و الهارب انسانا أو حيوانا و متابعة خطواته مهما اختلطت بخطوات غيره، و هو فن لم يبلغ حد الاتقان عند غيرهم إلى اليوم و لا يزال بيننا من ورثهم في هذا الفن و يثير الدهشة في أرقى مجتمع متحضر و من فراستهم الاستدلال بهيئة الشخص و شكله و كلامه على أخلاقه و هو فن يدرس اليوم في الجامعات و ربما قصر عن الشأو الذي بلغه في البادية قبل ألفي سنة.

48

و من عنايتهم بالقيافة أنهم كانوا يكتشفون مواطن الماء و يعرفون مظانه باستدلالات خاصة لا يستعينون فيها بآلة، و قد توصلوا بذلك الى مئات الآبار التي احتفروها في مكة يوم كانت مكة لا تجود بقطرة ماء كما احتفروا مثلها في سائر المواطن التي سكنوها من البادية و كانت مظنة لوجود الماء.

و عرفوا الكهانة و العرافة و العيافة (1) فكانوا يستدلون على الحوادث بالنجوم و كان الكاهن يمتاز بينهم بذكاء يعتمد فيه على القرائن و مقارنة الماضي بالحاضر، و قد استطاع الكهان و العراف لفرط ذكائهم أن يضللوا عامة الناس و يستغلوا غفلتهم فحاربهم الاسلام و أنقذ الناس من براثن ذكائهم.

الناحية الفنية

: و نقصد بها حياة الفن اللاهي، فقد قيل «لم تكن أمة من الأمم بعد فارس و الروم أولع بالملاهي و الطرب من العرب‏ (2) و لا نشك أن قريشا في مكة كانت وجه العرب البارز فلا بد أنها برزت في الغناء يساعدها على ذلك ثراؤها و أرباحها و انعدام الرباط المقدس الذي يحد من حريتها.

ذكروا أن عادا أرسلت في أيام العماليق وفدا يستقي لها من مكة فلما انتهوا الى مكة اقبلوا على الشرب و اللهو و السماع‏ (3) فإذا حفلت مكة باللهو و الغناء من عهد العماليق فما بالها لا تحفل به و قد تطور ذوقها و توافر لها غنى كان يسيل على أعطاف شبابها إذا تهادوا بين متنزهاتهم في الليط أو وادي فخ.

كانت بيوت مكة في هذا العهد يزدحم بالقيان، و كانت النساء الأصيلات لا يحتجبن بل و يتبرجن التبرج الجاهلي الذي نعاه القرآن‏ (4) و كن يشتركن مع الرجال في حفلات عامة يعزفن على الدفوف و المزامير و خاصة في ليالي‏

____________

(1) الكهانة الاخبار عن المغيبات في المستقبل، و العرافة اخبار عن المغيبات في الماضي و قيل معناهما واحد، كما قيل ان الكهانة خاصة بالمستقبل و العيافة خاصة بالماضي، و كلها ترهات تعتمد على ذكاء المحترف.

(2) المسعودي 8/ 31

(3) الطبري 1/ 233

(4) وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ الاحزاب: 33

49

الأعراس‏ (1) و كانوا مشهورين بالنصب «بسكون الصاد» و هو لون من الغناء الديني كان شائعا في حفلاتهم حول الأوثان و كان لأعيان الأمويين و المخزوميين و غيرهم من وجهاء البطون القرشية قيان تخصصن في اللهو و الغناء و تقديم الشراب في مجالس الأنس، و يذكر صاحب الأغاني أن أبا سفيان نصح قريشا أن ترجع في غزوة بدر فقال أبو جهل و اللّه لا نرجع حتى نرى بدرا فنقيم عليه ثلاثا و ننحر الجزر و نطعم الطعام و نسقي الخمور و تعزف علينا القيان!! و تسمع بنا العرب‏ (2).

و في تفسير قوله تعالى‏ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ‏ يقول صاحب الكشاف ان النضر بن الحارث كان يتصيد من يبلغه أنه يريد الإسلام فيدعوه إلى قينة له في بيته و يأمر أن تطعمه و تسقيه و تغنيه ليلهو عما يدعو اليه النبي، و يقول أنه كان يقتني القيان المغنيات في بيته.

نستطيع أن نفهم من هذا أن مكة حفلت في جاهليتها بفن اللهو و أن موجة حادة من الغناء، اكتسحت مجالسها العامة و متنزهاتها و بيوت الأعيان من أغنياء بطون قريش. و ليس أدل على ذلك من كلمة كان يرويها حسان بن ثابت و فيها يقول أن جبلة بن الايهم كان يستدعي لمجالس أنسه من يغنيه من مكة (3).

الناحية الادارية

: ذكرنا أن قصيا كان أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا فكانت اليه الحجابة و الرفادة و السقاية و الندوة و القيادة (4) و سمى قصي‏

____________

(1) الطبري 1/ 1126

(2) الأغاني 4/ 183.

(3) الأغاني 16/ 15.

(4) قسم قصي هذه المهام على أولاده قبل وفاته. و لم يعين المؤرخون وارثا لادارة الملك أو الحكم، و المفهوم من ذلك أن البطون و القبائل في مكة كانت تطيع من تدين له بالفضل بعد قصي، و قد ذكروا أن عثمان ابن الحويرث حاول أن يؤمر نفسه عليهم فلم يفلح، و في ذلك يقول الجاحظ «لم تزل مكة أمنا و لقاحا لا تؤدي أتاوة و لا تدين للملوك، و من أشهر من دانت له قبائل قريش من بني هاشم: عبد المطلب و أبو طالب و الزبير، و من بني أمية حرب بن أمية و أبو سفيان بن حرب و من بني زهرة العلاء الثقفي و من بني مخزوم الوليد بن المغيرة و من بني سهم قيس بن عدي و من بني عدي كعب بن نفيل.

50

مجمعا لأنه جمع قريشا بمكة، و سميت قريش في ذلك العام قريشا لأنها تجمعت و التجمع التقرش في بعض كلام العرب و لم يسم قرشي قبل ذلك اليوم.

و كان قصي عمليا أكثر مما كان يظنه قومه، فانه ما كاد يستلم زمام الحكم في مكة حتى أسس دار الندوة لشورى قريش و لم يكن يدخلها من قريش إلا من بلغ الأربعين و هيأه مركزه أو خدماته لدخولها من بطون قريش البطاح و هم هاشم و أمية و مخزوم و جمح و سهم و تيم و عدي و أسد و نوفل و زهرة (1) كما كان أورستقراطيا لأنه أباح لأولاد قصي دخولها كما شاءوا بلا فارق في السن.

و عني قصي بسقاية الحجاج فاتخذ لهم حياضا من أدم‏ (2) توضع بفناء الكعبة و يسقي فيها الماء العذب من الآبار محمولة على الابل من أطراف مكة البعيدة، كما عني بتتبع مظان الماء العذب في مكة، فحفر بئر العجول و هي في المكان الذي يمتد فيه رواق المسجد اليوم مما يلي باب الحميدية (3) و باب الوداع و حفر بئرا عند الردم بجانب مسجد الراية و هي البئر الموجودة اليوم في «الجودرية» في الزقاق الواقع أمام قصر الجفالي‏ (4) و سمي بئر جبير بن مطعم لأن جبيرا هذا نثله بعد أن اندثر و اتخذت العناية بالآبار بعد قصي سنة لأولاده فكانوا يتتبعون مظان المياه العذبة و يحتفرون فيها الآبار.

و عنى قصي الى جانب العناية بسقيا الحجاج بالرفادة، فكان على قريش خرج تخرجه من أموالها في كل موسم فتدفعه الى قصي يصنع به طعاما للحاج يأكله من لم يكن معه سعة و لا زاد.

و كان يشتري بما يجتمع عنده دقيقا، و يأخذ من كل ذبيحة بدنة أو بقرة أو شاة- فخذها فيجمع ذلك كله ثم يجزر به الدقيق و يطعمه الحاج، و اتخذ أولاده هذه سنة بعده حتى أن عمرا حفيده اضطر عندما أصاب مكة في عهده‏

____________

(1) المسعودي 3/ 119.

(2) بفتح الدال: الجدر.

(3) دار الحكومة، التي بنيت في عهد السلطان عبد الحميد، و قد أدخلت في توسعة المسجد (ع)

(4) في كتابنا بحث بتحقيق مسجد الراية تجده في فصل الناحية العمرانية للعهد الأموي‏

51

جدب شديد أن يجمع ما تجمع لديه من قريش و يخرج به الى الشام فيشتري به دقيقا و كعكا فيهشم لكعك و ينحر الجزور و يطبخه و يجعله ثريدا و يطعم الناس في مجاعتهم و قد سمي بذلك هاشما (1) و فيه يقول الشاعر:

عمرو الذي هشم الثريد لقومه‏* * * و رجال مكة مسنتون عجاف‏

و جاء الإسلام و قريش تتخذ هذه السنة عادة موسمية فأمضاها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إذ أرسل بمال مع أبي بكر رضي اللّه عنه عندما أمره أن يحج بالناس سنة تسع للهجرة ليصنع به طعاما للحجاج‏ (2)، و فعل مثل ذلك في حجته للوداع ثم أقام أبو بكر على هذا و كذلك بقية الخلفاء بعده، يقول أبو الوليد الأزرقي: و ظل العمل على هذا الى أيامنا هذه يطعم الخلفاء الموسم في أيام الحج بمكة و منى حتى تنقضي أيام الموسم و قد عاش أبو الوليد في القرن الثالث الهجري و توفي حول منتصفه.

و لم أقع فيما قرأت على العهد الذي ألغيت فيه هذه العادة الحسنة و أكبر ظني أنها أبطلت على أثر الفتن و الحروب التي كانت السبل تقطع فيها دون مكة و يلفت نظرنا في هذه السنة أنها كانت خرجا عاما تشترك فيه قريش بأموالها و يشترك المسلمون فيه في الصدر الأول للإسلام و أن هذا الاشتراك الشعبي ما لبث أن انتقل بتقادم العصور الى خزائن الخلفاء أو بيوت الأموال فهل تقاعس المكيون عن المجد؟ أم أن أموالهم ضاقت دونه-؟ الواقع أن قريشا كانت من أنشط القبائل في جزيرة العرب تجارة كما بينا ذلك في بحث أعمالها التجارية، فكانت بذلك في غنى تسع فضلاته اطعام الموسم و جاء الاسلام فاتسع نشاط قريش باتساع رقعة الاسلام، و درت الفتوحات و التجارة النشيطة عليهم الأموال الطائلة و أخصبت أراضيهم في الطائف و المدينة و بعض ضواحي مكة و كثير من أوديتها القريبة بتأثير نشاط المال و العناية بحفر الآبار ثم ما لبث أن فتر

____________

(1) اخبار مكة للأزرقي 1/ 127.

(2) أخبار مكة للأزرقي ج 1 ص 64.

52

النشاط و فتر بفتوره الغنى و الثروة و الخصب على أثر انتقال الصفوة الممتازة من قريش الى الأمصار بثرواتهم و أموالهم و كفاءتهم يتبعون مواطن الخلافة خارج الجزيرة، و ظل الحجاز بلدا لا يعني به إلا كرباط أو تكية يمنحه الخلفاء و الملوك صدقاتهم و لا يهيئون أهله لغير تطويف الحجاج و أن يدعو لاصحاب السلطان بطول البقاء.