تحقيق ما للهند

- محمد بن أحمد أبو ريحان البيروني المزيد...
536 /
5

تمهيد

بسم اللّه الرحمن الرحيم

حين شرعت في كتابة مقدمة هذا الكتاب ظننت الأمر سهلا. فلما دخلت عالم البيروني وجدته عبقريا و بحرا هائجا مائجا تقف على شاطئه فلا تدرك مداه.

و تغوص فيه فلا تسبر اغواره و يسحرك فلا تستطيع رجعة و تستنجد بما كتب عنه من التناقض في تواريخ اخباره و هكذا تصبح اسيره. و لن تعرف اخباره و صفاته و شخصيته ما لم تقرأه فتنقي من مصنفاته ما تشاء.

فهذا كتاب «تاريخ الهند» فهو «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة» يعتبر مرجعا اساسيا كاملا للحضارة الهندية. لم يترك شيئا إلا و كتبه.

و يقول المستشرق بيلر عن هذا الكتاب «كتبه ... و هو ينظر بعقل الفيلسوف و الرياضي العارف بمناهج البحث عند ارسطو و افلاطون و بطليموس و جالينوس ...» و يعترف البيروني «و لقد اعيتني المداخل فيه مع حرصي الذي تفردت به في ايامي» و لقد اراد البيروني كتاب «تاريخ الهند» ان يكون لكل مسلم راعب في مناقشة الهنود. فيكون حوار الند للند؟.

اسمه و لقبه و مولده:

ولد البيروني في 4 أيلول عام 973 م قريبا من كيفا «كات» و يقال إنه لا يعرف نسبته و لا اباه و لا جده اما كلمة بيرون الفارسية فتعني «القريب او الخارج». مما

6

يدل على انه لم يكن من افراد مجتمع مستقر لربما كان ذلك من كثرة تجوال اهله كتجار، او لإقامتهم خارج اسوار المدينة تجنبا لدفع الضرائب.

استاذه:

و من حسن حظ البيروني ان يكون استاذه الفلكي المشهور ابو نصر المنصور بن علي بن العراق (تلميذ ابي الوفاء) الذي تنبه الى نبوغه و دربه ثم نشأت بينهما مودة و ثقة عظيمتان.

حياته و عصره:

ترعرع البيروني في خوارزم و سنذكر قليلا من تاريخ هذه المنطقة و صفات اهلها.

حين استقر الحكم للأمويين او عز الحجاج ابن يوسف سنة 704 الى والي خراسان المقيم في مرو القائد قتيبة بن حلم ان يعبر نهر «اموداريا» (جيحون آنذاك) و يفتح بلاد ما وراء هذا النهر الذي توقفت عنده جيوش عثمان بن عفان، كان هذا النهر يفصل بين قوميات تتكلم الفارسية و اقوام تتكلم التركية (التركمان).

بعد عمليات رائعة دامت 8 سنوات اخضع قتيبة الاقاليم الشمالية الشرقية (بخارى، طشقند و سمرقند) كما اخضع الاقليم الشمالي الغربي (خوارزم).

و لقد دمر قتيبة كثيرا من الاصنام و المعابد.

جاء هذا الفتح بعواقب محمودة إذ مهد لنمو مراكز علمية و ثقافية عظيمة ساهمت في تقدم الحضارة العالمية الممثلة آنذاك بالعرب. لعل القارئ يذكر ان عباقرة ما قبل الزمخشري و الخوارزمي ولدوا في خوارزم و كذلك البيروني و ما بين بحر خوارزم (ارال) و بحر قزوين الى الغرب عاش البيروني النصف الأول من حياته.

و اشتهرت في خوارزم انذاك مدينتان: كات و الجرجانية الى الشمال كلاهما

7

على نهر اموداريا و تعرفان اليوم باسمي كيفا (خيفا) و اورغنج و هما في روسيا حاليا.

و يقول ياقوت عن خوارزم: أهلها علماء فقهاء اذكياء اغنياء فهي لعمري بلاد طيبة فيهم جلد و قوة غالب عليهم الطول و الضخامة و في رؤوسهم عرض و لهم جبهات واسعة مرنوا على القناعة بالشي‏ء اليسير (و المترفون مثل الفقراء) و نستنتج ايضا انهم ذو تعلق شديد بوطنهم.

و يقول لنا المقريزي‏ (1) أيضا: الجرجانية مدينة عجيبة إذ كل اهلها اجناد حتى البقال و القصاب و الخباز و الحائك و أهلها أهل الصناعات الدقيقة يغلب عليهم ممارسة علم الكلام في الاسواق و الدروب يناظرون بلا تعصب و ينكرون من احد ذلك قائلين: (ليس لك إلا الغلبة بالحجة).

و عاش البيروني ايضا في جرجان (ايران) على بحر قزوين و هي (مدينة حسنة على واد عظيم، سهلية، جبلية، بحرية، أودية هائلة، و جبال عالية، إذا غدا القناص راح بما اشتهى).

و قضى البيروني مدة كبيرة من حياته في غزنة (افغانستان) و كان عصر البيروني عصر مظلم لما اشتعلت فيه من فتن إنما يذهل بما جمع من علماء. هذا ابن يونس (متوفي 1009) عبقري الفلك و حساب مثلثات ابتكر الرقاص الكروي. و يستعمله مقياسا للزمن و ذاك ابن الهيثم نابغة الرياضيات و الفيزياء يطور علم البصريات، و العدسات. و هناك علي بن عيسى اشهر جراح و مصنف في حقل البصر و العيون. و لا ننسى الفيلسوف الطبيب ابن سينا. هؤلاء قلة من علماء المشرق.

و يقول المؤرخ سارطون الذي قوّم حضارات الأمم و عدد منجزاتها في كتابه الضخم «المقدمة الى تاريخ العلوم» ان النصف الاول للقرن الحادي عشر ينبغي‏

____________

(1) راجع كتاب آثار البلاد و أخبار العباد.

8

ان يسمى (عصر البيروني) لانه ملأ عصره وفاق معاصريه إذ حلق قلما يلحق به احد.

اما الناحية السياسية لعصر البيروني فكان مرحلة الهوان و الانحلال للخلافة العباسية ..

و لا ريب في ان تشرده و هربه من فتنة ضربت (كات) حين غزاها و حاصرها والي الجرجانية المدينة الثانية و الكبيرة في خوارزم، و ضم كات و ما حولها الى سلطانه. كان البيروني يناصر والي بلده فهرب.

يقول البيروني في كتابه (الآثار الباقية عن القرون الحالية) انه لجأ الى الري‏ (1) و كان في بؤس و فقر مدقع مما اثار عليه سخرية احد المنجمين، لكنهما تصاحبا بعد ذلك ثم دعاه الأمير البويهي فخر الدولة فبنى له مزولة كبيرة على جبل مشرف على الري و سماها باسم الأمير. و في هذه المدة عمل في مناطق كثيرة حول بحر قزوين.

حين مات محمد بن مأمون الذي منه هرب البيروني و خلفه ابنه علي كانت الأحوال السياسية و الحزازات الشخصية قد هدأت، فدعاه علي ليرجع الى خوارزم فرجع لما نعرفه عن البيروني من تعلق بمنطقته و قبوله دعوة علي الذي ألحقه بحاشية أخيه الأمير ابن العباس مأمون. و بعد رحيل البيروني عن قابوس عصفت الفتن بجرجان و أودت بحياة قابوس خلال سنوات قليلة.

و بعد وفاة علي حوالي سنة 1009 خلفه أبو العباس الذي زاد من اعباء البيروني، إذ عينه مستشارا سياسيا مقيما في القصر و سفيرا معتبرا لرجاحة عقله و طلاقة لسانه و قوة حججه في الاقناع، و يقول بتذمر البيروني لأن ارصاده تأثرت و أعماله في مجلس العلوم خفت، فيقول في كتاب (تحديد ...) و وفاء كرهت من احوال الدنيا

____________

(1) بلد قريب من طهران و بحر قزوين.

9

على ما حسدني عليه الجاهل ... ثم تفرغت قليل التفرغ في ايام الشهيد ابي العباس» لكن اشغاله لا تثنيه عن انهاء ما بدأه سنة 995 من قياسات لارتفاع الشمس، و لا سيما ان وليّ نعمته وهبه مالا لينشئ جهازا يرصد به أوج الشمس.

و يقوم بذلك ما بين 7 حزيران و 7 كانون الاول سنة 1016. و في هذه الفترة المزدهرة يصمم «نصف كرة» قطرها 5 امتار لتكون جهازا يبيّن الحلول بالخطوط البيانية لمسائل تتعلق بعلم هيئة الأرض و قياس خواصها كالمساحة مثلا ..

و تأبى الفتن إلا تخريب عمله فتهب فتنة يذهب مأمون ضحيتها و كما يقول البيروني «اسفر عقباها من امن لا يتسع للعود الى الحال الأول و الاشتغال بما هو يمثل اولى ...». عندئذ يثأر محمود الغزنوي لعهده فيحتل خوارزم في 3 تموز 1017.

و يسوق من في البلاط اسرى بمن فيهم البيروني في ربيع 1018 و هكذا ينتهي هذا العالم الى غزنة عاصمة محمود في افغانستان. لكن البيروني ليس بالرجل الذي يهدأ أو تعيقه المصائب عن مهماته فيبدأ بالكتابة و هو في طريقه الى الاسر.

و بعد وفاة محمود في 1030 خلفه ابنه مسعود الذي تغلب على اخيه و تحسنت احوال البيروني المادية و زادت حريته، فتمكن من زيارة بلده سنة 1032، و 1034 و امتازت هذه الفترة بغزارة التصنيف في حقول مختلفة ..

مصنفاته:

في سنة 1036 ينهي فهرسا باعماله حتى هذا التاريخ، فلا يشكل على أحد و يقول بلغة الواثق المتيقن من اهمية اعماله: «ينبغي عليك ان تعلم فيما عددته من كتبي بما عملته في حداثتي و ازدادت المعرفة بفنه بعد ذلك فلم اطرحه او استرذله فإنها جميعا ابنائي و الاكثر بابنه و شعره المفتون».

ثم يذكر اسماء الكتب التي اتفق لي عملها سنة 427 للهجرة و قد تم عمري 65 سنة قمرية و 63 سنة شمسية و تعرف انه كتب 180 مصنفا او أكثر نوجز الحديث عن بعض منها.

«كتاب تحديد الاماكن لتصحيح مسافات المساكن» فرغ في تصنيفه في 28

10

آب 1025 و الكتاب سفر قيم لقياس خطوط الطول و العرض و موقع البلدان على الكرة الارضية.

(كتاب القانون المسعودي) فهو موسوعة ضخمة تلخص قواعد البيروني و ابتكاراته و في الموسوعة خزانة كبيرة لتاريخ الأمم و تقاويمها من (يوم آدم) الى يوم البيروني فليراجعه من يشاء ..

وفاته:

في سنة 1040 يثور قواد مسعود و يذبحون الأمير و يخلفه ابنه (مودود) الذي يقدم اليه آخر مصنفاته (الصيدنة في الطب) و في هذا الكتاب يذكر انه نيف الثمانين و خف سمعه و بصره و تقل اخباره بعد سنة 1048 لكن الثابت من اقواله في كتاب (الصيدنة في الطب) انه كان حيا ذلك العام و لربما توفي حوالي 1050.

بعض مآثره:

كان له من العزم ما جعله يقوم بحسابات و حل معادلات لا تعالج اليوم إلا بالأدمغة الالكترونية. اختار اصعب المسائل و حلها و تسمى هذه المسائل الهندسية و الرياضية «مسائل البيروني» و قدم طريقة بسيطة للرسم على الأوراق اشكالا هندسية من أدوات البعد الثالث، كالاجسام الكروية. و من أهم اعماله الفلكية ابتكاره نظرية خاصة لتقدير «النسبة التقريبية» الضرورية لحساب مساحات و محيطات الدوائر. و تمكن من تقدير محيط الكرة الارضية و قطرها.

يجد البيروني قيمة النسبة التقريبية 14174، 3 و الصحيحة هي 14159، 3.

هو إذن مبتكر القاعدة المعروفة بقاعدة البيروني و هي معادلة رياضية تستخدم في حساب نصف قطر الأرض استنادا الى معرفة محيطها. المعادلة بسيطة شأنها شأن القواعد الجليلة ... و يقول نللينو «... معادلة البيروني لقياس محيط الأرض هي من الاعمال العلمية المجيدة المأثورة» صمم جهازا بسيطا لقياس‏

11

الوزن النوعي (الكثافة) لبعض المعادن و الجواهر، و نتائجه تشهد عليه:

الذهب 26، 19، و هذه هي اليوم و يقول ان الذهب سمي كذلك «لأنه سريع الذهاب بطي‏ء الاياب على الاصحاب!». و هو أول من استعمل الوحدة (نسبة واحد) للنسب المعروفة في حساب المثلثات، و هذا الاستعمال قائم حتى الآن ...

مصنفاته باستثناء القليل ذات اسلوب واضح لا لبس فيه و لا ابهام، و ان كان غير سلس.

يحب الايجاز فيقول انه يكتب «... لمن له دراية و اجتهاد، و محب العلم ... و من كان على غير هذه الصفة فلست أبالي أفهم أم لم يفهم.

الغرب يبعثه:

كان المستشرق نيكولاس دي فانيكوف اول من نبه اوروبا الى البيروني عام 1866.

و سرعان ما تتدفق الكتب «حساب المثلثات عند البيروني، جغرافية البيروني». و من اعظم المحققين كان الالماني ساخاو الذي ترجم الى الالمانية و الانجليزية كتابين ضخمين (الآثار الباقية عن القرون الخالية عام 1879 و تاريخ الهندسة عام 1888) و يقول ساخاو «... البيروني اعظم عقلية ظهرت في التاريخ ...» و بعد أن اطلع الخبراء على كتبه عن الهند قال أحدهم «... محاولة فريدة من رجل مؤمن يدرس بنزاهة و تجرد حضارة و ثنية ...

و من جهة تاريخية جاءت هذه الدراسة اكبر ظاهرة علمية في تاريخ الاسلام ...

و جميع ما كتب من قبل هو أشبه بألعاب الاطفال ...» لذلك اهتم الهنود بالبيروني و في عام 1913 قامت بعثة لتجميع آثاره و كذلك الفرس.

و ما ان دخل النصف الثاني من القرن العشرين حتى كثرت المهرجانات‏

12

و الكتب و أخذت الدول تتنازع شرف الانتماء إليه، فتحسبه من ابنائها.

روسيا تسمى جامعة و مدينة على اسمه و تقيم له تمثالا في جامعة موسكو.

و تكرمه الهند و ايران و أفغانستان. و جامعات في اميركا و المانيا و اليونسكو تصدر فهرسا بالمآثر العربية، و من بينها أعماله. حتى تركيا تريده، لأنها تظن ان البيروني سليل الاتراك الذين انتشروا بين بحري آرال و قزوين.

علي صفا

13

مقدّمة المؤلّف‏ (1)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

إنّما صدق قول القائل «ليس الخبر كالعيان» لأنّ العيان هو إدراك عين الناظر عين المنظور إليه في زمان وجوده و في مكان حصوله، و لو لا لواحق آفات بالخبر لكانت فضيلته تبين على العيان و النظر لقصورهما على الوجود الذي لا يتعدّى آنات الزّمان و تناول الخبر إيّاها و ما قبلها من ماضي الأزمنة و بعدها من مقتبلها حتّى يعمّ الخبر لذلك الموجود و المعدوم معا. و الكتابة نوع من أنواعه يكاد أن يكون أشرف من غيره، فمن أين لنا العلم بأخبار الأمم لو لا خوالد آثار القلم؟

ثمّ إنّ الخبر عن الشي‏ء الممكن الوجود. في العادة الجارية يقابل الصدق و الكذب على صورة واحدة و كلاهما لاحقان به من جهة المخبرين لتفاوت الهمم و غلبة الهراش و النّزاع على الأمم. فمن مخبر عن أمر كذب يقصد فيه نفسه فيعظّم به جنسه لأنّها تحته أو يقصدها فيزري بخلاف جنسه لفوزه فيه بإرادته، و معلوم أنّ كلا هذين من دواعي الشهوة و الغضب المذمومين. و من مخبر عن كذب في طبقة يحبّهم لشكر أو يبغضهم لنكر، و هو مقارب للأوّل فإنّ الباعث على فعله من دواعي المحبّة و الغلبة. و من مخبر عنه متقرّبا إلى خير بدناءة الطبع أو

____________

(1) قد أسسنا الطبعة الثانية من هذا الكتاب على الأفلام المصغرة من النسخة الخطية التي نسخت عن نسخة من المصنف المحفوظة في المكتبة الأهلية بباريس [مجموعة شيفر رقم 6080] و رمزها «ش» و قد استفدنا من الطبعة الأولى التي صححها الأستاذ زخاو و نشرها في سنة 1887 م و رمزها «ز».

14

متّقيا لشرّ من فشل و فزع. و من مخبر عنه طباعا كأنّه محمول عليه غير متمكّن من غيره و ذلك من دواعي الشرارة و خبث مخابى‏ء الطبيعة. و من مخبر عنه جهلا، و هو المقلّد للمخبرين و إن كثروا جملة أو تواتروا فرقة بعد فرقة فهو و هم وسائط فيما بين السامع و بين المتعمّد الأوّل، فإذا أسقطوا عن البين بقي ذاك الأوّل أحد من عددناه‏ (1) من التخرّصين و المجانب للكذب المتمسّك بالصدق هو المحمود الممدوح عند الكاذب فضلا عن غيره، فقد قيل «قولوا الحقّ‏ (2) و لو على أنفسكم‏ (2)» و قال المسيح (عليه السلام) في الإنجيل ما هذا معناه: (3) لا تبالوا بصولة الملوك في الإفصاح بالحقّ بين أيديهم فليسوا يملكون منكم غير البدن، و أمّا النفس فليس لهم عليها يد (3) و هذا منه أمر بالتشجّع الحقيقيّ، فالخلق الذي تظنّه العامّة شجاعة إذا رأوا إقداما على المعارك و تهوّرا في خوض المهالك هو نوع منها، فأمّا جنسها العالي على أنواعها فهو الاستهانة بالموت، ثم سواء كانت في قول أو كانت في فعل، و كما أنّ العدل في الطباع مرضيّ محبوب لذاته مرغوب في حسنه كذلك الصدق إلّا عند من لم يذق حلاوته أو عرفه و تحاماه كالمسؤول من المعروفين بالكذب: هلّ صدقت قطّ؟ و جوابه: لو لا أنّي أخاف أن أصدق لقلت لا، فإنّه العادل عن العدل و المؤثّر للجور و شهادة الزور و خيانة الأمانة و اغتصاب‏ (4) الأملاك بالاحتيال و السرقة و سائر ما به فساد العالم و الخليقة. و كنت ألفيت الأستاذ أبا سهل‏ (5) عبد المنعم بن عليّ ابن نوح التفليسيّ أيّده اللّه مستقبحا قصد الحاكي في كتابه عن المعتزلة الإزراء عليهم في قولهم: «إنّ اللّه تعالى عالم بذاته»، و عبارته عنه في الحكاية أنّهم يقولون إنّ اللّه لا علم له تخييلا إلى عوامّ قومه أنّهم ينسبونه إلى الجهل، جلّ و تقدّس عن ذلك و عمّا لا يليق به من‏

____________

(1) في ز: عددناهم.

(2) القرآن 4/ جزء من اية 134.

(3) إنجيل متى (10/ 28).

(4) من ز، و في ش: اعتصاب.

(5) راجع ترجمة كتاب الهند بالإنكليسية (Al Beruni`s India) ج 2 ص 250.

15

الصفات، فأعلمته أنّ هذه طريقة قلّ ما يخلوا منها من يقصد الحكاية عن المخالفين و الخصوم، ثم إنّها تكون أظهر فيما كان عن المذاهب التي يجمعها دين واحد و نحلة لاقترابها و اختلاطها، و أخفى فيما كان عن الملل المفترقة و خاصّة ما لا يتشارك منها في أصل و فرع و ذلك لبعدها و خفاء السّبيل إلى تعرّفها، و الموجود عندنا من كتب المقالات و ما عمل في الآراء و الدّيانات لا يشتمل إلّا على مثله، فمن لم يعرف حقيقة الحال فيها اغترف منها ما لا يفيده عند أهلها و العالم بأحوالها غير الخجل إن هزّت بعطفه الفضيلة أو الإصرار و اللجاج إن رخّت فيه الرذيلة، و من عرف حقيقة الحال كان قصارى أمره أن يجعلها (1) من الأسمار و الأساطير يستمع لها تعلّلا بها و التذاذا لا تصديقا لها و اعتقادا؛ و كان وقع المثال في فحوى الكلام على أديان الهند و مذاهبهم فأشرت إلى أنّ أكثرها هو مسطور في الكتب هو منحول و بعضها عن بعض منقول و ملقوط مخلوط غير مهذّب على رأيهم و لا مشذّب، فما وجدت من أصحاب كتب المقالات أحدا قصد الحكاية المجرّدة من غير ميل و لا مداهنة سوى أبي العبّاس الإيرانشهريّ، إن لم يكن من جميع الأديان في شي‏ء بل منفردا بمخترع له يدعو إليه و لقد أحسن في حكاية ما عليه اليهود و النصارى و ما يتضمّنه التوراة و الإنجيل و بالغ في ذكر المانويّة و ما في كتبهم من خبر الملل المنقرضة، و حين بلغ فرقة الهند و الشمنيّة صاف سهمه عن الهدف و طاش في آخره إلى كتاب زرقان و نقل ما فيه إلى كتابه، و ما لم ينقل منه فكأنّه مسموع من عوامّ هاتين الطائفتين و لمّا أعاد الأستاذ أيّده اللّه مطالعة الكتب و وجد الأمر فيها على الصّورة المتقدّمة حرّص على تحرير ما عرفته من جهتهم ليكون نصرة لمن أراد مناقضتهم و ذخيرة لمن رام مخالطتهم، و سأل ذلك ففعلته غير باهت على الخصم و لا متحرّج عن حكاية كلامه و إن باين الحقّ و استفظع سماعه عند أهله فهو اعتقاده و هو أبصر به. و ليس الكتاب كتاب حجاج و جدل حتّى استعمل فيه‏

____________

(1) في ز: يحصلها.

16

بإيراد حجج الخصوم و مناقضة الزائغ منهم عن الحقّ، و إنّما هو كتاب حكاية فأورد كلام الهند على وجهه و أضيف إليه ما لليونانيّين من مثله لتعريف المقاربة بينهم، فإنّ فلاسفتهم و إن تحرّوا التّحقيق فإنّهم لم يخرجوا فيما اتّصل بعوامّهم عن رموز نحلتهم و موضعات ناموسهم، و لا أذكر مع كلامهم كلام غيرهم إلّا أن يكون للصوفية أو لأحد أصناف النصارى لتقارب الأمر بين جميعهم في الحلول و الاتّحاد، و كنت نقلت إلى العربيّ كتابين أحدهما في المبادى‏ء وصفة الموجودات، و اسمه «سانك» و الآخر في تخليص النفس من رباط البدن و يعرف «بياتنجل» و فيهما أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم دون فروع شرائعهم، و أرجوا أنّ هذا ينوب عنهما و عن غيرهما في التقرير و يؤدّي إلى الإحاطة بالمطلوب بمشيئة اللّه.

17

أ- في ذكر أحوال الهند و تقريرها أمام ما نقصده من الحكاية عنهم‏

يجب أن نتصوّر أمام مقصودنا الأحوال التي لها يتعذّر استشفاف أمور الهند، فإما أن يسهل بمعرفتها الأمر و إمّا أن يتمهّد له العذر، و هو أنّ القطيعة تخفي ما تبديه الوصلة، و لها فيما بيننا أسباب: منها أنّ القوم يباينوننا بجميع ما يشترك فيه الأمم، و أوّلها اللغة و إن تباينت الأمم بمثلها و متى رامها احد لازالة المباينة لم يسهل ذلك لأنّها في ذاتها طويلة عريضة تشابه العربيّة يتسمّى الشي‏ء الواحد فيها بعدّة أسام مقتضبة و مشتقّة، و بوقوع الاسم الواحد على عدّة مسمّيات محوجة في المقاصد إلى زيادة صفات إذ لا يفرّق بينها إلّا ذو فطنة لموضع الكلام و قياس المعنى إلى الوراء و الأمام، و يفتخرون بذلك افتخار غيرهم به من حيث هو بالحقيقة عيب في اللغة؛ ثمّ هي منقسمة إلى مبتذل لا ينتفع به إلّا السوقة، و إلى مصون فصيح يتعلّق بالتّصاريف و الاشتقاق و دقائق النّحو و البلاغة لا يرجع إليه غير الفضلاء المهرة، ثم هي مركّبة من حروف لا يطابق بعضها حروف العربيّة و الفارسيّة و لا تشابهها بل لا تكاد ألسنتنا و لهواتنا تنقاد لاخراجها على حقيقة مخارجها و لا آذاننا تسمع بتمييزها من نظائرها و أشباهها و لا أيدينا في الكتبة لحكايتها، فيتعذّر بذلك إثبات شي‏ء من لغتهم بخطّنا لما نضطرّ إليه من الاحتيال لضبطها بتغيير النقط و العلامات و تقييدها باعراب إمّا مشهور و إمّا معمول؛ هذا مع عدم اهتمام الناسخين لها و قلّة اكتراثهم بالتصحيح و المعارضة حتى يضيع الاجتهاد

18

و يفسد الكتاب في نقل له او نقلين و يصير ما فيه لغة جديدة لا يهتدي لها داخل أو خارج من كلتي الأمّتين، و يكفيك معرّفا أنّا ربّما تلقفنا من أفواههم. اسما و اجتهدنا في التوثقة منه فاذا أعدناه عليهم لم يكادوا يعرفونه إلا بجهد؛ و يجتمع في لغتهم كما يجتمع في سائر لغات العجم حرفان ساكنان و ثلاثة و هي التي يسمّيها أصحابنا متحرّكات بحركة خفيّة، و يصعب علينا التفوّه بأكثر كلماتها و أسمائها لافتتاحها بالسواكن؛ و كتبهم في العلوم مع ذلك منظومة بأنواع من الوزن في ذوقهم قد قصدوا بذلك انحفاظها على حالها و تقديرها و سرعة ظهور الفساد فيها عند وقوع الزيادة و النقصان ليسهل حفظها فإنّ تعويلهم عليه دون المكتوب، و معلوم أنّ النظم لا يخلو من شوب التكلّف لتسوية الوزان و تصحيح الانكسار و جبر النقصان، و يحوج إلى تكثير العبارات، و هو أحد أسباب تقلقل الأسامي في مسمّياتها؛ فهذا من الأسباب التي تعسّر الوقوف على ما عندهم. و منها أنهم يباينوننا بالديانة مباينة كلّيّة لا يقع منّا شي‏ء من الإقرار بما عندهم و لا منهم بشي‏ء مما عندنا، و على قلّة تنازعهم في أكر المذاهب بينهم بما سوى الجدال و الكلام دون الإضرار (1) بالنفس أو البدن أو الحال ليسوا مع من عداهم بهذه الوتيرة و إنما يسمّونه «مليج» و هو القذر لا يستجيزون مخالطته في مناكحة و مقاربة او مجالسة و مؤاكلة و مشاربة من جهة النجاسة، و يستقذرون ما تصرّف على مائه و ناره و عليهما مدار المعاش، ثمّ لا مطمع في صلاح ذلك بحيلة كما يطهر النجس بالانحياز إلى حال الطهارة، فليس بمطلق لهم قبول من ليس منهم إذا رغب فيهم أو صبا إلى دينهم، و هذا ممّا يفسخ كلّ وصلة و يوجب أشدّ قطيعة. و منها أنّهم يباينوننا في الرسوم و العادات حتى كادوا أن يخوّفوا ولدانهم بنا و بزيّنا و هيآتنا و ينسبوننا إلى الشيطنة و إيّاها إلى عكس الواجب و إن كانت هذه النسبة لنا مطلقة و فيما بيننا بل و بين الأمم بأسرهم مشتركة؛ و عهدي ببعضهم و هو ينقم منّا بأنّ أحد ملوكهم هلك على يد عدو

____________

(1) في ز: الأصرار.

19

له قصده من أرضنا و خلّف جنينا، ملّك بعده و سمّي «سبكر» (1) و حين الإيفاع سأل أمّه عن حال أبيه فقصّت عليه القصّة و امتعض لها فبرز من أرضه إلى أرض العدوّ و استوفى نزّته من الأمم حتى ملّ الإثخان و النكاية فألزم البقايا هذا التزبّي بزيّنا تذليلا لهم و تنكيلا فشكرت فعله لمّا سمعته إذ لم يسمنا التهنّد و الانتقال إلى رسومهم.

و مما زاد في النفار و المباينة أنّ الفرقة المعروفة بالشمنيّة على شدّة البغضاء منهم للبراهمة هم أقرب إلى الهند من غيرهم، و قد كانت خراسان و فارس و العراق و الموصل إلى حدود الشام في القديم على دينهم إلى أن نجم «زردشت» من اذربيجان و دعا ببلخ إلى المجوسيّة و راجت‏ (2) دعوته عند «كشتاسب» و قام بنشرها ابنه «إسفنديار» في بلاد المشرق و المغرب قهرا و صلحا و نصب بيوت النيران من الصين إلى الروم، ثمّ استصفى الملوك بعده فارس و العراق لملّتهم فانجلت «الشمنّية» عنها إلى مشارق بلخ و بقي المجوس إلى الآن بأرض الهند و يسمّون بها «مك»؛ و كان ذلك بدو النفار عن جنبة خراسان فيهم إلى أن جاء الإسلام و ذهبت دولة الفرس، فزادهم غزو أرضهم استيحاشا لمّا دخل محمّد بن القاسم بن المنبّه أرض السّند من نواحي سجستان و افتتح بلد «بمهنوا» و سمّاه «منصورة» و بلد «مولستان» و سمّاه «معمورة و أوغل في بلاد الهند إلى مدينة «كنوج» و وطئ أرض القندهار و حدود كشمير راجعا يعارك مرّة و يصالح اخرى و يقرّ القوم على النحلة إلا من رضي منها بالنّقلة (3)؛ و غرس ذلك في قلوبهم السخائم، و إن لم يتجاوز بعده من الغزاة حدود كابل و ماء السند أحد إلى أيّام الترك حين تملكوا بغزنه في أيّام السامانيّة و نابت الدولة ناصر الدين سبكتكين فآثر الغزو و تلقّب به و طرّق لمن بعده في توهين جانب الهند طرقا سلكها يمين الدولة محمود رحمهما اللّه نيّفا و ثلاثين سنة فأباد بها خضرآءهم و فعل من الأعاجيب في‏

____________

(1) من ش، و في ز: سكر.

(2) من ز، و في ش بالحاء المهملة.

(3) من ز، و في ش: القلة.

20

بلادهم ما صاروا به هباء منثورا و سمرا مشهورا، فبقيت بقاياهم المتشرّدة (1) على غاية التنافر و التباعد عن المسلمين بل كان ذلك سبب انمحاق علومهم عن الحدود المفتتحة و انجلائها إلى حيث لا يصل إليه اليد بعد من كشمير و بانارسي و أمثالهما مع استحكام القطيعة فيها مع جميع الأجانب بموجب السياسة و الديانة. و بعد ذلك أسباب ذكرها كالطعن فيهم و لكنّها حافية (2) في أخلاقهم غير خفيّة، و الحمق دآء لا دوآء له؛ و ذلك أنّهم يعتقدون في الأرض أنّها أرضهم و في الناس أنّهم جنسهم و في الملوك أنّهم رؤساؤهم و في الدين أنّه نحلتهم و في العلم أنّه ما معهم فيترفّعون و يتبظرمون‏ (3) و يعجبون بأنفسهم فيجهلون، و في طباعهم الضنّ بما يعرفونه و الإفراط في الصيانة له عن غير أهله منهم فكيف عن غيرهم، على أنّهم لا يظنّون أنّ في الأرض غير بلدانهم و في الناس غير سكّانها و أنّ للخلق غيرهم علما حتى أنّهم إن حدّثوا بعلم أو عالم في خراسان و فارس استجهلوا المخبر و لم يصدّقوه للآفة المذكورة، و لو أنّهم سافروا و خالطوا غيرهم لرجعوا عن رأيهم؛ على أنّ أوائلهم لم يكونوا بهذه المثابة من الغفلة، فهذا «براهمهر» أحد فضلائهم حين يأمر بتعظيم البراهمة يقول: «إنّ اليونانيين و هم أنجاس لمّا تخرّجوا في العلوم و أنافوا (4) فيها على غيرهم وجب تعظيمهم فما عسى نقوله في البرهمن إذا حاز إلى طهارته شرف العلم؟» و كانوا يعترفون لليونّانيين بأنّ ما أعطوه من العلم أرجح من نصيبهم منه، و يكفيك دليلا عليه من مادح نفسه و هو يقرئك السلام؛ إنّي كنت أقف من منجّميهم مقام التلميذ من الأستاذ لعجمتي فيما بينهم و قصوري عمّا هم فيه من مواضعاتهم، فلمّا اهتديت قليلا لها أخذت أوقّفهم على العلل و أشير إلى شي‏ء من البراهين و الوّح لهم الطرق الحقيقيّة في الحسابات فانثالوا عليّ‏

____________

(1) من ش، و في ز: المتشررة بالراء.

(2) من ش، و في ز: خافية.

(3) من ز، و في ش: يتبضرمون.

(4) من ز، و في ش: أناموا.

21

متعجّبين و على الاستفادة متهافتين يسألون: عمّن شاهدته من الهند حتى أخذت عنه؟ و أنا أريهم مقدارهم و أترفّع عن جنبتهم مستنكفا، فكادوا ينسبونني الى السخر و لم يصفوني عند أكابرهم بلغتهم إلا بالبحر و الماء يحمض حتى يعوزا (1) الخلّ، فهذه صورة الحال، و لقد أعيتني المداخل فيه مع حرصي الذي تفرّدت به في أيّامي و بذلي الممكن غير شحيح عليه في جمع كتبهم من المظانّ و استحضار من يهتدي لها من المكامن و من لغيري‏ (2) مثل ذلك إلا أن يرزق من توفيق اللّه ما حرمته في القدرة على الحركات عجزت فيها عن‏ (3) القبض و البسط في الأمر و النهي طوي عنّي جانبها، و الشكر للّه على ما كفي منها؛ و أقول: إنّ اليونانيين أيّام الجاهلية قبل ظهور النصرانية كانوا على مثل ما عليه الهند من العقيدة، خاصّهم في النظر قريب من خاصّهم و عامّهم في عبادة الأصنام كعامّهم، و لهذا أستشهد من كلام بعضهم على بعض بسبب الاتّفاق و تقارب الأمرين لا التصحيح فإنّ ما عدا الحقّ زائغ و الكفر ملّة واحدة من أجل الانحراف عنه، و لكنّ اليونانيّين فازوا بالفلاسفة الذين كانوا في ناحيتهم حتى نقّحوا لهم الأصول الخاصة دون العامّة لأنّ قصارى الخواصّ اتّباع البحث و النظر و قصارى العوامّ التهوّر و اللجاج إذا خلوا عن الخوف و الرهبة يدلّ على ذلك سقراط لمّا خالف في عبادة الأوثان عامّة قومه و انحرف عن تسمية الكواكب «آلهة» في لفظه كيف أطبق قضاة أهل اثينية الأحد عشر على الفتيا بقتله دون الثاني عشر حتى قضى نحبه غير راجع عن الحقّ؛ و لم يك للهند أمثالهم ممّن يهذّب العلوم فلا تكاد تجد لذلك لهم خاصّ كلام إلا في غاية الاضطراب و سوء النظام و مشوبا في آخره خرافات العوامّ من تكثير العدد و تمديد المدد و من موضوعات النحلة التي يستفظع أهلها فيها المخالفة، و لأجله يستولي التقليد عليهم و بسببه أقول فيما هو بابتي منهم أنّي لا (4) أشبّه ما في كتبهم من‏

____________

(1) من ز، و في ش: يفوز.

(2) من ش، و في ز: و لمن غيري.

(3) من ز، و في ش: على.

(4) من ش، و في ز: ما أشبه.

22

الحساب و نوع التعاليم إلا بصدف مخلوط بخزف‏ (1) أو بدرّ ممزوج ببعر أو بمهى مقطوب بحصى، و الجنسان عندهم سيّان إذ لا مثال لهم لمعارج البرهان؛ و أنا في أكثر ما ساورده من جهتهم حاك غير منتقد إلا عن ضرورة ظاهرة، و ذاكر من الأسماء و المواضعات في لغتهم ما لا بدّ من ذكره مرّة واحدة يوجبها التعريف، ثمّ إن كان مشتقا يمكن تحويله في العربيّة إلى معناه لم أمل عنه إلى غيره إلا أن يكون بالهندية أخفّ في الاستعمال فنستعمله بعد غاية التوثقة منه في الكتبة، أو كان مقتضبا شديد الاشتهار فبعد الإشارة إلى معناه، و إن كان له اسم عندنا مشهور فقد سهل الأمر فيه؛ و يتعذّر فيما قصدناه سلوك الطريق الهندسي في الإحالة على الماضي دون المستأنف، و لكنه ربّما يجي‏ء في بعض الأبواب ذكر مجهول و تفسيره آت في الذي يتلوه، و اللّه الموفّق.

____________

(1) من ش، و في ز بالراء المهملة: بخرف.

23

ب- ذكر اعتقادهم في اللّه سبحانه‏

إنّما اختلف اعتقاد الخاصّ و العامّ في كلّ أمّة بسبب أنّ طباع الخاصّة ينازع المعقول و يقصد التحقيق في الأصول، و طباع العامّة يقف عند المحسوس و يقتنع بالفروع و لا يروم التدقيق و خاصّة فيما افتنّت فيه الآراء و لم يتّفق عليه الأهواء؛ و اعتقاد الهند في اللّه سبحانه أنه الواحد الأزلي، من غير ابتداء و لا انتهاء المختار في فعله القادر الحكيم الحيّ المحيي المدبّر المبقي الفرد في ملكوته عن الأضداد و الأنداد لا يشبه شيئا و لا يشبهه شي‏ء؛ و لنورد في ذلك شيئا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشي‏ء المسموع فقط، قال السائل في كتاب «باتنجل»: من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟ قال المجيب: هو المستغني بأوّليّته‏ (1) و وحدانيّته عن فعل لمكافاة عليه براحة تؤمّل و ترتجي أو شدّة تخاف و تتّقي، و البري‏ء عن الأفكار لتعاليه عن الأضداد المكروهة و الأنداد المحبوبة، و العالم بذاته سرمدا إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم و ليس الجهل بمتّجه عليه في وقت ما أو حال؛ ثمّ يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ و يقول المجيب: له العلوّ التامّ في القدر لا المكان فإنّه يجلّ عن التمكّن، و هو الخير المحض التامّ الذي يشتاقه كلّ موجود، و هو العلم الخالص‏

____________

(1) من ش، و في ز: بأزليته.

24

عن دنس السهو و الجهل؛ قال السائل: أفتصفه بالكلام أم لا؟ قال المجيب:

إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم؛ قال السائل: فإن كان متكلّما لأجل علمه فما الفرق بينه و بين العلماء الحكماء الذين تكلّموا من أجل علومهم؟ قال المجيب:

الفرق بينهم هو الزمان فإنّهم تعلّموا فيه و تكلّموا بعد أن لم يكونوا عالمين و لا متكلّمين و نقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم فكلامهم و إفادتهم في زمان، و إذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتّصال فاللّه سبحانه عالم متكلّم في الأزل، و هو الذي كلّم «براهم» و غيره من الأوائل على أنحاء شتّى، فمنهم من ألقى إليه كتابا و منهم من فتح لواسطة اليه بابا و منهم من أوحى إليه فنال بالفكر ما أفاض عليه؛ قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل، و إذ لم يجهل قطّ فذاته عالمة لم تكتسب علما لم يكن له، كما قال في «بيذ» الذي أنزله على براهم: احمدوا و امدحوا من تكلّم ببيذ و كان قبل بيذ: قال السائل: كيف تعبد من لم يلحقه الإحساس؟ قال المجيب: تسميته تثبت إنّيّته فالخبر لا يكون إلا عن شي‏ء و الاسم لا يكون إلّا لمسمّى، و هو و إن غاب عن الحوسّ فلم تدركه فقد عقلته النفس و أحاطت بصفاته الفكرة و هذه هي عبادته الخالصة و بالمواظبة عليها ينال السعادة؛ فهذا كلامهم في هذا الكتاب المشهور. و في كتاب «كيتا» و هو جزوء من كتاب «بهارت» فيما جرى بين «باسديو» (1) و بين «آرجن»: إنّي أنا الكلّ من غير مبدأ بولادة أو (2) منتهى بوفاة، لا أقصد بفعلي مكافاة و لا اختصّ بطبقة دون أخرى لصداقة او عداوة، قد اعطيت كلّا من خلقي حاجته في فعله، فمن عرفني بهذه الصفة و تشبّه بي في إبعاد الطمع عن العمل انحلّ وثاقه و سهل خلاصه، و عتاقه، و هذا كما قيل في حدّ الفلسفة:

إنّها التقيّل بالله ما أمكن، و قال في هذا الكتاب: أكثر الناس يلجئهم الطمع في الحاجات إلى اللّه، و إذا حقّقت الأمر لديهم وجدتهم من معرفته في مكان سحيق‏

____________

(1) من ز، و في ش: باسدين.

(2) من ش، و في ز: و منتهي.

25

لأن اللّه ليس بظاهر لكلّ أحد يدركه بحواسّه فلذلك جهلوه؛ فمنهم من لم يتجاوز فيه المحسوسات، و منهم من إذا تجاوزها وقف عند المطبوعات، و لم يعرفوا أنّ فوقها من لم يلد و لم يولد و لم يحط بغير (1) إنّيّته علم احد و هو المحيط بكلّ شي‏ء علما. و يختلف كلام الهند في معنى الفعل فمن اضافه إليه كان من جهة السبب الأعمّ لأنّ قوام الفاعلين إذا كان‏ (2) به كان هو سبب فعلهم فهو فعله بوساطتهم، و من أضافه إلى غيره فمن جهة الوجود الأدنى. و في كتاب «سانك» قال الناسك:

هل اختلف في الفعل و الفاعل أم لا؟ قال الحكيم: قد قال قوم إنّ النفس غير فاعلة و المادّة غير حيّة فاللّه المستغني هو الذي يجمع بينهما و يفرق فهو الفاعل و الفعل واقع من جهته بتحريكهما كما يحرّك الحيّ القادر الموات العاجز؛ و قال آخرون: إنّ اجتماعهما بالطباع فهكذا جرت العادة في كل ناش بال، و قال آخرون: الفاعل هو النفس لأنّ في «بيذ» أنّ كلّ موجود فهو من «پورش» و قال آخرون: الفاعل هو الزمان فإنّ العالم مربوط به رباط الشاة بحبل مشدود بها حتى تكون حركتها بحسب انجذابه و استرخائه، و قال آخرون: ليس الفعل سوى المكافاة على العمل المتقدّم؛ و كلّ هذه الآراء منحرفة عن الصواب و إنّما الحقّ فيه أنّ الفعل كلّه للمادّة لأنّها هي التي تربط و تردّد في الصور و تخلّي فهي الفاعلة و سائر ما تحتها أعوان لها على إكمال الفعل، و لخلّو النفس عن القوى المختلفة هي غير فاعلة. فهذا قول خواصّهم في اللّه تعالى و يسمّونه «ايشفر» أي المستغنى الجواد الذي يعطي و لا يأخذ لأنهم رأوا وحدته هي المحضة و وحدة ما سواه بوجه من الوجوه متكثرة و رأوا وجوده حقيقيّا لأنّ قوام الموجودات به و لا يمتنع توهم ليس فيها مع «أيس» (3) فيه كما يمتنع توهّم ليس فيه مع «أيس» فيها، ثمّ إن تجاوزنا طبقة الخواصّ من الهند إلى عوامّهم اختلف الأقاويل عندهم و ربّما سمجت كما

____________

(1) من ش، و في ز: بعين.

(2) من ز، و في ش: كانوا.

(3) من ز، و في ش: أنس.

26

يوجد مثله في سائر الملل بل و في الاسلام من التشبيه و الإجبار و تحريم النظر في شي‏ء و أمثال ذلك و يوجب‏ (1) التهذّب‏ (1)، مثاله أنّ بعض خواصّهم يسمى اللّه تعالى «نقطة» ليبرئه بها عن صفات الأجسام، ثمّ يطالع ذلك عامّيّهم فيظنّ أنه عظمه بالتصغير و لا يبلغ به فهمه إلى تحقيق النقطة فيتجاوز سماجة التشبيه و التحديد بالتعظيم إلى قوله: إنّه يطول اثنى عشر إصبعا في عرض عشر أصابع تعالى عن التحديد و التعديد، و مثل ما حكيناه من إحاطته بالكل حتى لا يخفى عليه خافية فيظن عامّيّهم أنّ الإحاطة تكون بالبصر و البصر بالعين و العينان أفضل من العور فيصفه بألف عين عبارة عن كمال العلم؛ و أمثال هذه الخرافات الشنعة عندهم موجودة و خاصّة في الطبقات التي لم يسوّغ لهم تعاطي العلم على ما يجي‏ء ذكرهم في موضعه.

____________

(1) بياض في ش و ز كليهما.

27

ج- في ذكر اعتقادهم في الموجودات العقليّة و الحسيّة

إنّ قدماء اليونانيّين قبل نجوم الحكمة فيهم بالسبعة المسمّين «أساطين الحكمة» و هم آ «سولن» الأثيني ب و «بيوس» الفاريني ج و «فارياندروس» القورنتي د و «ثالس» المليسوسي ه و «كيلون» اللقاذوموني‏ (1) و «فيطيقوس‏ (2) لسبيّوس» ز و «قيليبولوس لنديوس» و تهذّب الفلسفة عندهم بمن نشأ بعدهم كانوا على مثل مقالة الهند، و كان فيهم من يرى أنّ الأشياء كلّها شي‏ء واحد، ثمّ من قائل في ذلك بالكمون و من قائل بالقوّة و أنّ الإنسان مثلا لم يتفضّل عن الحجر و الجماد إلا بالقرب من العلّة الأولى بالرتبة و إلا فهو هو، و منهم من كان يرى الوجود الحقيقيّ لعلّة الأولى فقط لاستغنائها بذاتها فيه و حاجة غيرها إليها و أنّ ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال غير حقّ و الحقّ هو الواحد الأوّل فقط، و هذا رأي السوفيّة و هم الحكماء فإنّ «سوف» باليونانيّة الحكمة و بها سمّى الفيلسوف «بيلاسوبا» أي محبّ الحكمة و لما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سمّوا باسمهم و لم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم للتوكّل إلى «الصفّة» و أنّهم أصحابها في عصر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلّم)، ثمّ صحّف بعد ذلك فصيّر من صوف التيوس؛ و عدل أبو الفتح البستيّ عن ذلك أحسن عدول في قوله:

____________

(1) من ز، و في ش: الفاذوموني.

(2) من ز، و في ش: فنطنطنقوس.

28

تنازع الناس في الصوفيّ و اختلفوا* * * قدما و ظنّوه مشتقّا من الصوف‏

و لست أنحل هذا الاسم غير فتي‏* * * صافي فصوفي حتى لقّب الصوفيّ‏

و كذلك ذهبوا إلى أنّ الموجود شي‏ء واحد و أنّ العلّة الأولى تترايا فيه بصور مختلفة و تحلّ قوّتها في أبعاضه بأحوال متباينة توجب التغاير مع الاتّحاد، و كان فيهم من يقول: إنّ المنصرف بكلّيّته إلى العلّة الأولى متشبّها بها على غاية إمكانه يتّحد بها عند ترك الوسائط و خلع العلائق و العوائق؛ و هذه آراء يذهب إليها الصوفيّة لتشابه الموضوع، و كانوا يرون في الأنفس و الأرواح أنّها قائمة بذواتها قبل التجسّد بالأبدان معدودة مجنّدة تتعارف و تتناكر و أنّها تكتسب في الأجساد بالخيرورة ما يحصل لها به بعد مفارقة الأبدان الاقتدار على تصاريف العالم و لذلك سمّوها «آلهة» و بنوا الهياكل بأسمائها و قرّبوا القرابين لها؛ كما يقول جالينوس في كتاب «الحثّ على تعلّم الصناعات»: ذوو الفضل من الناس إنّما استأهلوا ما نالوه من الكرامة حتى لحقوا بالمتألّهين بسبب جودة معالجتهم للصناعات لا بالإحصار و المصارعة و رمى الكرة، من ذلك أنّ «أسقليبيوس» و «ديونوسيوس» إن كانا فيما مضى إنسانين ثمّ إنّهما تألّها أو كانا منذ أوّل أمرهما متألّهين فانّهما إنّما استحقّا أعظم الكرامة بسبب أنّ أحدهما علّم الناس الطبّ و الآخر علمهم صناعة الكروم؛ و قال جالينوس في تفسيره لعهود ابقراط: أمّا الذبائح باسم «اسقليبيوس» فما سمعنا قطّ بأنّ أحدا قرّب له ما عزا من أجل أنّ غزل شعره لا يسهل و أنّ الإكثار من لحمه يصرع لرداءة كيموسه، و إنّما يقرّبون ديكة كما قرّبها أبقراط (1) فإنّ هذا الرجل الإلهيّ اقتنى للناس صناعة الطبّ و هي أفضل ممّا استخرجه «ديونوسيوس» أعني الخمر و «ذيميطر» أعني الحبوب التي يتّخذ منها الخبز و لذلك تسمّى الحبوب باسم هذه‏ (2)، و شجرة الكرم باسم هذا؛ و قال‏

____________

(1) من ز، و في ش: سقراط.

(2) من ز، و في ش: هذا.

29

أفلاطن في «طيماوس»: «الطي» الذين يسمّيهم الحنفاء «آلهة» بسبب أنّهم لا يموتون و يسمّون اللّه «الإله الأوّل» هم الملائكة، ثمّ قال هو: إنّ اللّه قال للآلهة إنّكم لستم في أنفسكم غير قابلين للفساد أصلا و إنّما لن تفسدوا بموت أنّكم نلتم من مشيئتي وقت إحداثي لكم أوثق عقد؛ و قال فيه في موضع آخر: اللّه بالعدد الفرد لا آلهة بالعدد المكثّر؛ فعندهم على ما يظهر من أقاويلهم يقع اسم الآلهة من جهة العموم على كلّ شي‏ء جليل شريف يوجد ذلك كذلك عند أمم كثيرة حتى يتجاوزون‏ (1) به إلى الجبال و البحار و أمثالها، و يقع من جهة الخصوص على العلّة الأولى و على الملائكة و أنفسهم‏ (2) و على نوع آخر يسمّيها أفلاطن «السكينات»، و لم تبلغ عبارة المترجمين فيها إلى التعريف التامّ فلذلك وصلنا منها إلى الاسم دون المعنى؛ و قال يحيى النحويّ في ردّه على «ابروقلس»: كان اليونيّون يوقعون اسم «الآلهة» على الأجسام المحسوسة في السماء، كما عليه كثير من العجم، ثمّ لمّا تفكّروا في الجواهر المعقولة أوقعوا هذا الاسم عليها؛ فباضطرار يعلم أنّ معنى التألّه راجع إلى ما يذهب إليه في الملائكة، و ذلك في صريح كلام جالينوس في ذلك الكتاب: إن كان الأمر حقّا في أنّ «اسقليبيوس» كان فيما مضى إنسانا ثمّ إنّ اللّه أهّله لأن جعله ملكا من الملائكة فما عداه هذيان، و في موضع آخر منه يقول: إنّ اللّه قال «للوفرغوس‏ (3)» إنّي في بابك بين أمرين بين أن أسمّيك إنسانا و بين أن أسمّيك ملكا و إلى هذا أميل فيك؛ و لكنّ من الألفاظ ما يسمج في دين دون دين و يسمح‏ (4) به لغة و تأباه‏ (5) أخرى و منها لفظة التألّه في دين الإسلام فإنّا إذا اعتبرناها في لغة العرب وجدنا جميع الأسامي التي سمّى بها الحقّ المحض متّجهة

____________

(1) من ز، و في ش: تتجاوزون.

(2) من ز، و في ش، أنفسها.

(3) من ش، و في ز: للوقرغوس.

(4) من ز، و في ش: يسمج.

(5) من ز، و في ش: تأباها.

30

على غيره بوجه ما سوى اسم «اللّه» فإنّه يختصّ به اختصاصا قيل له إنّه اسمه الأعظم، و إذا تأمّلناه في العبريّة و السريانيّة اللتين بهما الكتب المنزلة قبل القرآن وجدنا «الربّ» في التوراة و ما بعدها من كتب الأنبياء المعدودة في جملتها موازيا للّه في العربيّ غير منطلق على أحد بإضافة كربّ البيت و ربّ المال و وجدنا الإله فيها موازيا للربّ في العربيّ، فقد ذكر فيها: إنّ بني أولوهيم نزلوا إلى بنات الناس قبل الطوفان و خالطوهنّ، و ذكر في كتاب «أيوب الصدّيق»: إنّ الشيطان دخل مع بني أولوهيم إلى مجمعهم، و في توراة موسى قول الربّ له: إنّي جعلتك إلها لفرعون، و في المزمور الثاني و الثمانين من زبور داود: إنّ اللّه قام في جماعة الآلهة يعني الملائكة، و سمّي في التوراة الأصنام «آلهة غرباء» و لو لا أنّ التوراة حظرت عبادة كلّ ما دون اللّه و السجود للأصنام بل ذكرها أصلا و خطرها على البال لقد كان يتصوّر من هذه اللفظة أنّ المأمور به هو رفض الآلهة الغرباء دون التي ليست بعبريّة (1) و الأمم الّذين كانوا حول أرض فلسطين هم الّذين كانوا على دين اليونانيّين في عبادة الأصنام، و لم تزل بنو إسرائيل كانوا يعصون اللّه بعبادة صنم «بعلا» و صنم «استروث» الّذي للزهرة؛ فالتألّه على وجه التملّك عند أولئك كان يتّجه على الملائكة و على الأنفس التي اقتدرت و بالاستعارة على الصور المعمولة بأسماء أبدانها و بالمجاز على الملوك و الكبار، و هكذا اسم «الأبوّة» و النبوّة فإنّ الإسلام لا يسمح بهما إذ الولد و الابن في العربيّة متقاربا المعنى و ما وراء الولد من الوالدين و الولادة منفى عن معاني الربوبيّة و ما عدا لغة العرب يتّسع لذلك جدّا حتى تكون المخاطبة فيها بالأب قريبة من المخاطبة بالسّيد، و قد علم ما عليه النصارى من ذلك حتى أنّ من لا يقول بالأب و الابن فهو خارج عن جملة ملّتهم و الابن يرجع إلى عيسى بمعنى الاختصاص و الأثرة و ليس يقصر عليه بل يعدوه إلى غيره فهو الذي يأمر تلاميذه‏

____________

(1) من ز، و في ش: بعربية.

31

في الدعاء بأن يقولوا: يا أبانا الذي في السماء و يخبرهم في نعي نفسه إليهم بأنّه ذاهب إلى أبيه و أبيهم و يفسّر ذلك بقوله في أكثر كلامه عن نفسه: إنّه ابن البشر، و ليست النصارى على هذا وحدها و لكنّ اليهود تشركها فإنّ في سفر الملوك: إنّ اللّه تعالى عزّى داود على ابنه المولود له من امرأة «أوريا» و وعده منها ابنا يتبنّاه، فإذا جاز بالتبنّي بالعبريّ أن يكون سليمان ابنا جاز أن يكون المتبنّي أبا، و «المنّانيّة» تشابه النصارى من أهل الكتاب و صاحبهم «ماني» يقول في هذا المعنى في كتاب «كنز الأحياء»: إنّ الجنود النيّرين يسمّون أبكارا و عذارى و آباء و أمّهات و أبناء و إخوة و أخوات لما جرى به الرسم في كتاب الرسل، و ليس في بلدة السرور ذكر و لا أنثى و لا أعضاء سفاد و كلّهم حاملون للأجساد الحيّة و الأبدان الالهوت لا يختلفون بضعف و قوّة و لا طول و قصر و لا صورة و منظر كالسرج المتشابهة المسرجة من سراج واحد، موادّ أغذيتهم واحدة، و إنّما سبب تلك التسمية تعاني‏ (1) المملكتين، فالسفليّة المظلمة لمّا نهضت من غورها و رأتها الملكوت العالية النيّرة أزواجا ذكرانا و إناثا صوّرت أبناءها الظاعنين إلى الحرب من ظاهر بصور كذلك فأقامت‏ (2) كل جنس بإزاء جنسه؛ و الخواصّ من الهند يأبون هذه الأوصاف و عوامّهم و كلّ من كان في فروع النحلة يفرطون في إطلاقها و يتجاوزون المقدار المذكور إلى الزوجة و الابن و الابنة و الإحبال و الإيلاد و سائر الأحوال الطبيعية و لا يتحاشون عن التجازف في ذكرها، و لا معتبر عليهم و مذاهبهم و إن كثرت فإنّ قطبها ما عليه البراهمة و قد رشّحوا لحفظه و إقامته و هو الّذي نحكيه و نقول: إنّهم يذهبون في الموجود إلى أنّه شي‏ء واحد على مثل ما تقدّم فإنّ «باسديو» يقول في الكتاب المعروف «بكيتا»:

أمّا عند التحقيق فجميع الأشياء إلهية لأنّ «بشن» جعل نفسه أرضا ليستقرّ الحيوان‏

____________

(1) من ز، و في ش: تعاي.

(2) من ز، و في ش: فأقام.

32

عليها و جعله ماء ليغذّيهم و جعله نارا و ريحا لينميهم و ينشئهم و جعله قلبا لكلّ واحد منهم و منح الذكر و العلم و ضدّيهما على ما هو مذكور في «بيذ»، و ما أشبه قول صاحب كتاب «بليناس» في علل الأشياء بهذا و كأنّه مأخوذ منه: إنّ في الناس كلّهم قوّة إلهيّة بها تعقل الأشياء بالذات و بغير الذات كما سمّى بالفارسيّة «خذا» بغير ذات و اشتق للانسان من ذلك اسم؛ فأمّا الّذين يعدلون عن الرموز إلى التحقيق فإنّهم يسمّون النفس «بورش» و معناه الرجل بسبب أنّها الحيّ في الموجود و لا يرون منها غير الحياة و يصفونها بتعاقب العلم و الجهل عليها و أنّها جاهلة بالفعل و عاقلة بالقوّة تقبل العلم بالاكتساب و أنّ جهلها سبب وقوع الفعل و علمها سبب ارتفاعه، و تتلوها المادّة المطلقة أعني الهيولى المجرّدة و يسمّونها «أبيكت» أي شي‏ء بلا صورة و هي موات ذات قوى ثلاث بالقوّة دون الفعل أسماؤها «ست» و «رج» و «تم» و سمعت أنّ عبارة «بدّهودن» عنها لقومه الشمنيّة «بدّ دهرم‏ (1) سنك» و كأنّها العقل و الدين و الجهل، فالأولى‏ (2) منها راحة و طيبة منها الكون و النماء و الثانية تعب و مشقّة منها الثبات و البقاء و الثالثة فتور و عمه منها الفساد و الفناء، و لهذا تنسب‏ (3) الأولى إلى الملائكة و الثانية إلى الناس و الثالثة إلى البهائم، و هذه أشياء تقع فيها قبل و بعد و ثمّ من جهة الرتبة و تضايق العبارة لا من جهة الزمان: و أمّا المادّة خارجة إلى الفعل بالصور و القوى الثلاث الأول فإنّهم يسمّونها «بيكت» أي المتصوّرة و يسمّون مجموع الهيولى المجرّدة و المادّة المتصوّرة «پركرت» و لا فائدة في هذا الاسم لاستغنائنا عن ذكر المطلقة و يكفينا المادّة في العبارة فليس إحداهما في الوجود بغير الأخرى؛ و تتلوها الطبيعة و يسمّونها «أهنكار (4)» و اشتقاقه من الغلبة و الازدياد و الصلف من أجل أنّ المادّة

____________

(1) من ز، و في ش: جهرم.

(2) من ش و في ز: فالأولى راحة.

(3) من ز، و في ش: ينسب.

(4) من ش، و في ز: اهنكار.

33

عند لبس الصور تأخذ في إنماء الكائنات عنها و النموّ لا يكون إلا إحالة الغير و تشبيهه بالنامي فكأنّ الطبيعة تغالب في تلك الإحالة و تستطيل على المستحيل؛ و من البيّن أنّ كلّ مركب فله بسائط منها يبدو التركيب و إليها يعود التحليل، و الموجودات الكلّيّة في العالم هي العناصر و هم على رأيهم السماء و الريح و النار و الماء و الأرض و تسمى «مهابوت» أي كبار الطبائع، و لا يذهبون في النار إلى ما يذهب إليه من الجسم الحارّ اليابس عند تقعير الإيثر و إنّما يعنون بها هذه الموجودة على وجه الأرض من اضطرام الدخان؛ و في «باج پران»: إنّ في القديم كان الأرض و الماء و الريح و السماء و إنّ براهم رأى شررة تحت الأرض فأخرجها و جعلها أثلاثا، فالأوّل «بارتب» و هي النار المعهودة التي تحتاج إلى حطب و يطفئها الماء، و الثاني «دبت» و هو الشمس، و الثالث «بدد» و هي البرق فالشمس تجذب الماء و البرق يمض من خلال الماء و في الحيوان نار في وسط الرطوبات تغتذى بها و لا تطفئها؛ و هذه العناصر مركّبة فلها بسائط تتقدّمها تسمّى «بنج ماتر» أي أمّهات خمسة و يصفونها بالمحسوسات الخمسة فبسيط السماء «شبد» و هو المسموع و بسيط الريح «سپرس» و هو الملموس و بسيط النار «روپ» و هو المبصر و بسيط الماء «رس» و هو المذوق و بسيط الأرض «كند» و هو المشموم، و لكلّ واحد من هذه البسائط ما نسب إليه و جميع ما نسب إلى ما فوقه فللأرض الكيفيّات الخمسة و الماء ينقص عنها بالشمّ و النار تنقص عنها به و بالذوق و الريح بهما و باللون و السماء بها و باللمس، و لست أدري ما ذا يعنون بإضافة الصوت إلى السماء و أظنّه شبيها بما قال «أوميروس» شاعر اليونانيّين: إنّ ذوات اللحون السبعة ينطقن و يتجاوبن بصوت حسن، و عنى الكواكب السبعة، كما قال غيره من الشعراء: إنّ الأفلاك المختلفة اللحون سبعة متحرّكات أبدا ممجدات للخالق لأنّه ماسكها محيط بها إلى أقصى نهاية الفلك غير المكوكب، و قال «فرفوريوس» في كتابه في آراء أفاضل الفلاسفة في طبيعة الفلك: إنّ الأجرام السماوية إذا تحرّكت على متقن أشكالها و هيآتها و ترنّمها بالأصوات العجيبة على ما قاله «فوثاغورس» و

34

«ديوجانس» دلّت على منشئها الّذي لا مثل له و لا شكل، و قيل: إنّ ديوجانس للطافة حسّه كان اختصّ باستماع صوت حركة الفلك؛ و هذه كلّها رموز مطّردة بالتأويل على القانون المستقيم، و ذكر بعض من تبعهم من القاصرين عن التحقيق: إنّ البصر مائيّ و الشمّ ناريّ و الطعم أرضيّ و اللمس من إفادة الروح كلّ البدن بالاتصال به، و ما أظنّه نسب البصر إلى الماء إلّا لما سمع من رطوبات العين و طبقاتها و الشمّ إلى النار بسبب البحور و الدخان و الطعم إلى الأرض بسبب طعامه الذي تزقمه و فنيت العناصر الأربعة فعاد في اللمس إلى الروح؛ ثمّ نقول: إنّ الحاصل ممّا بلغ التعديد إليه هو الحيوان و ذلك أنّ النبات عند الهند نوع منه كما أنّ أفلاطن يرى أنّ للغروس حسّا لما يرى في النبات من القوّة المميّزة بين الملائم و المخالف و الحيوان حيوان بالحس، و الحواس خمسة تسمّى «اندريان» و هي السمع بالأذن‏ (1) و البصر بالعين و الشمّ بالأنف و الذوق باللسان و اللمس بالجلد، ثمّ إرادة تصرّفها على ضروب المضارب محلّها منه القلب و سمّوها به «من» و الحيوانيّة تكمل بأفاعيل خمسة ضروريّة له يسمّونها «كرم اندريان» أي الحواسّ بالفعل فإنّ الحاصل من الأولى علم و معرفة و من هذه الأخرى عمل و صنعة و لنسمّها «ضروريّات» و هي التصويت بصنوف الحاجات و الإرادات و البطش بالأيدي للاجتلاب و الاجتناب و المشي بالأرجل للطلب و الهرب و نفض فضول الأغذية بكلي المنفذين المعدّين له، فهذه خمسة و عشرون هي النفس الكلّيّة و الهيولى المجرّدة و المادّة المتصوّرة و الطبيعة الغالبة و الأمّهات البسيطة و العناصر الرئيسيّة و الحواسّ المدركة و الإرادة المصرّفة و الضروريّات الآليّة، و اسم الجملة «تتو (2)» و المعارف مقصورة عليها و لذلك قال «بياس بن براشر»: أعرف الخمسة و العشرين بالتفصيل و التحديد و التقسيم معرفة برهان و إيقان لا دراسة باللسان ثمّ ألزم أيّ دين شئت فإنّ عقباك النجاة.

____________

(1) من ز، و في ش: و الأذن.

(2) من ز، و في ش: تتر.

35

د- في سبب الفعل و تعلّق النفس بالمادّة

الأفعال الإراديّة الموجودة من بدن الحيوان لا تصدر عنه إلا بعد وجود الحياة فيه و مجاورة الحيّ إيّاه، و قد زعموا أنّ النفس بالفعل جاهلة بذاتها و بما تحتها من المادّة توّاقة إلى الإحاطة بما لا تعرف ظانّة أن لا قوام لها إلا بالمادّة فتشتاق إلى الخير الذي هو البقاء و تروم الاطّلاع على ما هو منها مستور فتنبعث للإتحاد بها لكنّ الكثيف و اللطيف إذا كانا على أقصى أفق صفتيهما امتنع تقاربهما و امتزاجهما إلا بالوسائط التي تناسبهما كتوسّط الهواء فيما بين النار و الماء المتضادّين بكلتي الكيفيّتين فإنّه يناسب كلّ واحد منهما باحدى الكيفيّتين فيمكّنه بها من مخالطته، و لا تباين أشدّ بعدا ممّا بين الجسم و اللاجسم و لذلك لن تبلغ النفس مرامها كما هي إلا بأمثال تلك الوسائط و هي ارواح ناشئة من الأمّهات البسيطة في عوالم «بهورلوك» و «بهوبرلوك» و «سفرلوك» سمّوها بازاء الأبدان الكثيفة الكائنة من العناصر «أبدانا لطيفة» تشرق النفس عليها فتصير مراكب لها بذلك الاتّحاد كانطباع صورة الشمس و هي واحدة في عدة مرايا منصوبة على محاذاتها أو مياه مصبوبة في أوان موضوعة على موازاتها ترى في كلّ واحد منها بالسواء و يوجد فيه‏ (1) أثرها بالحرّ و الضياء فإذا حصلت الأبدان الأمشاجيّة المختلفة و تركّبت من الذكر و الأنثى، أمّا من الذكر فما

____________

(1) من ز، و في ش: منه.

36

فيها من العظام و العروق و المني، و أمّا من الأنثى فما فيها من اللحم و الدم و الشعر و استعدّت لقبول الحياة اقترنت بها تلك الأرواح و كانت لها كالقصور المهيّأة لصنوف مصالح الملوك، و داخلتها الرياح الخمسة التي باثنتين منها جذب النفس و إرساله، و بالثالثة اختلاط الأغذية في المعدة، و بالراعبة طفرة البدن من موضع إلى آخر، و بالخامسة انتقال الإحساس من طرف البدن إلى آخر؛ و الأرواح عندهم غير مختلفة في الجوهر مطبوعة على التساوي و إنّما يختلف أخلاقها و آثارها من جهة اختلاف الأجساد التي تقترن بها بسبب القوى الثلاث التي تتغالب فيها و تفاسدها بالحسد و الغيظ، فهذا هو السبب الأعلى في الانبعاث للفعل؛ و أمّا السبب الأسفل من جهة المادّة فهو طلبها الكمال و إيثارها الأفضل الذي هو الخروج من القوة إلى الفعل، و بما في سنخ الطبيعة من المباهاة و محبّة الغلبة تعرض ما فيها من أصناف الممكن على من تعلّم و تردّد النفس في ضروب النبات و أنواع الحيوان، و شبهّوها (1) برقّاصة حاذقة بصناعتها عارفة بأثر كل وصل و فصل فيها حضرت مترفا شديد الحرص على مشاهدة ما معها فأخذت في أنواع صناعتها (2) تبرزها واحدا بعد آخر و صاحب المجلس يطالعها إلى أن فنى ما معها و انقطع ولوع الناظر فانخزلت‏ (3) باهتة إذ ليس معها غير الإعادة و المعاد مرغوب عنه فسرحها و ارتفع الفعل على مثال رفقة في مفازة قطع عليها و تهارب أهلها سوى ضرير كان فيها و مقعد بقيا بالعراء آيسين من النجاء و لمّا التقيا و تعارفا قال الزّمن للضرير أنا عاجز عن الحركة و قادر على الهداية و أمرك فيهما بخلاف امري فمكّني من عاتقك و احملني لأدلّك على الطريق و نخرج معا من الهلكة ففعل و تمّت الإرادة بتعاونهما و انفصلا عند الخروج من الفلاة؛ ثم تختلف العبارة عندهم في الفاعل‏

____________

(1) من ز، و في ش: شبهوهما.

(2) من ز، و في ش: بضاعتها.

(3) من ز، و في ش: فانجزلت.

37

كما ذكرنا فقد قيل في «بشن پران»: إنّ المادّة أصل العالم و فعلها فيه بالطباع على مثال فعل البذر للشجرة بالطباع من غير قصد و اختيار و كتبريد الريح للماء من غير قصد لغير الهبوب، إنّما الفعل الإرادي لبشن؛ و هذه إشارة منه إلى الحيّ الذي يعلو المادة و به تصير المادّة فاعلة تسعى له سعي الصديق لصديقه من غير طمع، و قد بنى عليه «ماني» قوله: سأل الحواريّون عيسى (عليه السلام) عن حياة الموات فقال لهم إنّ الميّت إذا فارق الحيّ المخالط إياه و بان على حدته عاد ميّتا لا يحيى و الحيّ الذي فارقه حيّا لا يموت، و أما في كتاب «سانك» فإنه ينسب الفعل إلى المادّة من أجل أنّ ما يعرض من الصور مختلفة في اختلافها بسبب القوى الثلاث الأول و غلبتها فرادي و مزدوجة أعني الملكيّة و الإنسيّة و البهيمية و هذه القوى لها دون النفس، و النفس لتعرف أفعالها بمنزلة النّظّارة على مثال أحد السابلة؟؟؟ قعد في قرية للاستراحة و كلّ واحد من أهلها ساع في غير ما يسعي فيه الآخر فهو ينظر إليهم و يعتبر أحوالهم فيكره بعضها و يحبّ بعضها و يعتبر بها فهو مشتغل من غير أن يكون له حظّ فيها و لا سبب في إثارتها: و إنّما ينسب الفعل إلى النفس مع تبرّئها (1) منه على مثال رجل اتّفقت له مرافقة مع جماعة لم يعرفهم و كانوا لصوصا راجعين من قرية قد كبسوها و خرّبوها و لم يسر معهم إلّا قليلا حتّى لحقهم الطلب و استوثق من الجماعة و حمل ذلك البري‏ء في جملتهم و على مثل حالهم قد أصابه ما أصابهم من غير مشاركة إيّاهم في فعلهم؛ و قالوا: إن مثال النفس مثال ماء المطر النازل من السماء على حاله و كيفيّة واحدة فإذا اجتمع في أوان له موضوعة مختلفة الجواهر من ذهب و فضّة و زجاج و خزف و طين و سبخة فإنّه بها يختلف في المرأى و المذاق و المشمّ كذلك النفس لا تؤثر في المادة سوى الحياة بالمجاورة فإذا اخذت المادّة في الفعل اختلف ما يظهر منها بسبب القوة الغالبة من القوى الثلاث و معاونة الأخريين‏

____________

(1) من ز، و في ش: تبرؤه.

38

المستترتين إيّاها على صنوف الأنحاء تعاون الدهن الرطب و الذّبالة اليابسة و النار المتدّخنة على الإضاءة، فالنفس في المادّة كراكب العجلة يخدمها الحواسّ في سوقها على إرادته و يهديها العقل الفائض عليها من اللّه سبحانه فقد وصفوه بأنّه ما ينظر به إلى الحقائق و يؤدّي إلى معرفة اللّه تعالى، و من الأفعال إلى كلّ محبوب إلى الجملة ممدوح عند الكافّة.

39

ه- في حال الأرواح و تردّدها بالتناسخ في العالم‏

كما أنّ الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين و التثليث علامة النصرانيّة و الإسبات علامة اليهوديّة كذلك التناسخ علم النحلة الهنديّة فمن لم ينتحله لم يك منها و لم يعدّ من جملتها فإنّهم قالوا: إنّ النفس إذا لم تكن عاقلة لم تحط بالمطلوب إحاطة كلّيّة دفعة بلا زمان و احتاجت إلى تتّبع الجزئيّات و استقراء الممكنات و هي و إن كانت متناهية فلعددها المتناهي كثرة و الإتيان على الكثرة مضطرّ الى مدّة ذات فسحة و لهذا لا يحصل العلم للنفس إلّا بمشاهدة الأشخاص و الأنواع و ما يتناوبها من الأفعال و الأحوال حتّى يحصل لها في كل واحد تجربة و تستفيد بها جديد معرفة، و لكنّ الأفعال مختلفة بسبب القوى و ليس العالم بمعطّل عن التدبير و إنّما هو مزموم و إلى غرض فيه مندوب فالأرواح الباقية تتردّد لذلك في الأبدان البالية بحسب افتنان الأفعال إلى الخير و الشرّ ليكون التردّد في الثواب منبها على الخير فتحرص على الاستكثار منه و في العقاب على الشرّ و المكروه فتبالغ في التباعد عنه و يصير التردّد من الأرذل إلى الأفضل دون عكسه لأنّه يحتمل كليهما و يقتضي اختلاف المراتب فيهما لاختلاف الأفاعيل بتباين الأمزجة و مقادير الازدواجات في الكمّيّة و الكيفيّة، فهذا هو التناسخ إلى أن يحصل من كلتي جنبتي النفس و المادّة كمال الغرض أمّا من جهة السفل ففناء ما عند المادّة من الصورة إلّا الإعادة المرغوب عنها و أمّا من جهة العلوّ فذهاب شوق النفس بعلمها ما لم تعلم‏

40

و استيقانها شرف ذاتها و قوامها لا بغيرها و استغناءها عن المادّة بعد إحاطتها بخساستها و عدم البقاء في صورها و المحصول في محسوسها و الخبر في ملاذّها فتعرض عنها و ينحلّ الرباط و ينقصم الاتّصال و يقع الفرقة و الانفصال و العود إلى المعدن فائزة من سعادة العلم بمثل ما يأخذه السمسم من العدد و الأنوار فلا يفارق دهنه بعد ذلك و يتحد العاقل و المعقول و يصير واحدا. و حقيق علينا أن نورد من كتبهم شيأ من صريح كلامهم في هذا الباب و ما يشبهه من كلام غيرهم فيه، قال «باسديو» «لارجن» يحرضه على القتال و هما بين الصفّين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنا فاعلم أنّهم ليسوا و لا نحن معا بموتى و لا ذاهبين ذهابا لا رجوع معه فإنّ الأرواح غير مائتة و لا متغيّرة و إنّما تتردّد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب و الكهولة ثمّ الشيوخة التي عقباها موت البدن ثمّ العود، و قال له: كيف يذكر الموت و القتل من عرف أنّ النفس أبديّة الوجود لا عن ولادة و لا إلى تلف و عدم بل هي ثابتة قائمة لا سيف يقطعها و لا نار تحرقها و لا ماء يغصّها و لا ريح تيبّسها لكنّها تنتقل عن بدنها إذا عتق نحو آخر ليس كذلك كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق فما غمّك لنفس لا تبيد و لو كانت بائدة فأحرى أن لا تغتمّ لمفقود لا يوجد و لا يعود فإن كنت تلمح البدن دونها و تجزع لفساده فكلّ مولود ميّت و كلّ ميّت عائد و ليس لك من كلي الأمرين شي‏ء إنّما همنا إلى اللّه الذي منه جميع الأمور و إليه تصير، و لمّا قال له «ارجن» في خلال كلامه: كيف حاربت براهم في كذا و هو متقدّم للعالم سابق للبشر و أنت الآن فيما بيننا منهم معلوم الميلاد و السنّ؟ إجابة و قال: أمّا قدم العهد فقد عمّني و إيّاك معه فكم مرّة حيينا معا قد عرفت أوقاتها و خفيت عليك و كلّما رمت المجي‏ء للإصلاح لبست بدنا إذ لا وجه للكون مع الناس إلا بالتأنّس؛ و حكى عن ملك أنسيت اسمه أنّه رسم لقومه: أن يحرقوا جثّته بعد موته في موضع لم يحرق فيه ميّت قطّ، و إنّهم طلبوا موضعا كذلك فأعياهم حتى وجدوا صخرة من ماء البحر ناتية فظنّوا أنّهم ظفروا بالبغية، فقال لهم «باسديو»: إنّ هذا الملك أحرق على هذه الصخرة مرّات كثيرة فافعلوا ما تريدون‏

41

فإنه إنّما قصد إعلامكم و قد قضيت حاجته؛ و قال «باسديو»: فمن يأمل الخلاص و يجتهد في رفض الدنيا ثمّ لا يطاوعه قلبه على المبتغى إنّه يثاب على عمله في مجامع المثابين و لا ينال ما أراد من أجل نقصانه و لكنّه يعود إلى الدنيا فيؤهل لقالب من جنس مخصوص بالزهادة و يوفّقه الإلهام القدسيّ في القالب الآخر بالتدرّج إلى ما كان إرادته‏ (1) في القالب الأوّل و يأخذ قلبه في مطاوعته و لا يزال يتصفّى في القوالب إلى أن ينال الخلاص على توالي التوالد، و قال باسديو: إذا تجرّدت النفس عن المادّة كانت عالمة فإذا تلبّست بها كانت بكدورتها جاهلة و ظنّت أنّها الفاعلة و أنّ اعمال الدنيا معدّة لأجلها فتمسكت بها و انطبعت المحسوسات فيها فإذا فارقت البدن كانت آثار المحسوسات فيها باقية فلم تنفصل عنها بالتمام و حنّت إليها و عادت نحوها و قبولها التغايير المتضادّة في تلك الأحوال يلزمها لوازم القوى الثلاث الأوّلة فماذا تصنع إذا لم تعدّ و هي مقصوصة الجناح؟ و قال أيضا: أفضل الناس هو العالم الكامل لأنّه يحبّ اللّه و يحبّه اللّه و كم تكرّر عليه الموت و الولادة و هو في مدد عمره مواظب على طلب الكمال حتى ناله و في «بشن دهرم» قول «مار كنديو» عند ذكره الروحانيّين: إنّ كل واحد من «براهم» و «كارتكيو بن مهاديو» و «لكشمي» (2) مخرج الهناءة من البحر و «دكش» الذي ضربه «مهاديو» و «أماديو» امرأة مهاديو هم في وسط هذا «الكلپ» و كانوا كذلك مرارا كثيرة (3) و قال «برا (3) همهر» في: «أحكام المذنّبات»: و ما يصيب الناس عند ظهورها من الدواهي الملجئة إلى الجلاء عن الديار ناحلين من الضنى مولولين من البلاء آخذين بأيدي الأطفال يسيرونهم متناجين إنّا أخذنا بذنوب ملوكنا و متجاوبين بل هذا جزاء ما كسبناه في الدار الأولى قبل هذه الأبدان. و كان «ماني» نفي من «إيرانشهر» فدخل أرض الهند و نقل التناسخ منهم إلى نحلته، و قال في «سفر

____________

(1) من ز، و في ش: إرادة.

(2) من ز، و في ش: لكشمن.

(3) من ز، و في ش بياض.

42

الأسرار»: إن الحواريين لمّا علموا أنّ النفوس لا تموت و أنّها في الترديد منقلبة إلى شبه كل صورة هي لابسة لها و دابّة جبلت فيها و مثال كلّ صورة أفرغت في جوفها سألوا المسيح عن عاقبة النفوس التي لم تقبل الحقّ و لم تعرف أصل كونها فقال:

أيّ نفس ضعيفة لم تقبل قرائنها من الحقّ فهي هالكة لا راحة لها، و عنى بهلاكها عذابها لا تلاشيها فإنّه قال ايضا: قد ظنّ «الديصانية» أنّ عروج نفس الحياة و تصفيتها هو في جيفة البشر و لم يعلموا عداوة الجيفة النفس و منعها إيّاها عن العروج و أنّها لها حبس و عذاب مؤلم و لو كانت صورة البشر هذه حقّا لم يدعها خالقها أن تبلى و تحدث فيها المضرّة و لم يحوجها إلى التناسل بالنطف في الأرحام و أمّا في كتاب «باتنجل» فقد قيل: إنّ مثال النفس فيما بين علائق الجهل التي هي دواعي الرباط كالأرزّ (1) في ضمن قشرة فإنه ما دام معه كان معدا للنبات و الاستحصاد متردّدا بين التولّد و الايلاد فإذا أزيل القشر عنه انقطعت تلك الحوادث عنه‏ (2) و صار له‏ (2) البقاء على حاله، و أمّا المكافاة فوجودها في أجناس الموجودات التي يتردّد النفس فيها بمقدار العمر في الطول و القصر و بصورة النعمة في الضيق و السعة، قال السائل: كيف يكون حال الروح إذا حصلت بين الأجور و الآثام ثم اشتبكت بجنس المواليد للإنعام أو الانتقام؟ قال المجيب: تردّد بحسب ما قدّمت و اجترحت فيما بين راحة و شدّة و تصرّف بين ألم و لذّة، قال السائل: إذا اكتسب الإنسان ما يوجب المكافاة في قالب غير قالب الاكتساب فقد بعد العهد فيما بين الحالين و نسي الأمر؟ قال المجيب: العمل ملازم للروح لأنّه كسبها و الجسد آلة لها و لا نسيان في الأشياء النفسانية فإنها خارجة عن الزمان الذي يقتضي القرب و البعد في المدّة و العمل بملازمته الروح يجبل خلقها و طباعها إلى مثل الحال التي‏

____________

(1) من ش، و في ز: كلارز.

(2) من ز، و في ش: بياض.

43

تنتقل إليها فالنفس بصفائها عالمة ذلك متذكّرة له غير ناسية و إنّما تغطّي نورها بكدورة البدن إذا اجتمعت معه على مثال الإنسان المتذكر شيئا عرفة ثم نسيه بجنون أصابه او علّة اعترته أو سكر ران على قلبه أما ترى الصبيان و الأحداث يرتاحون للدعاء لهم بطول البقاء و يحزنون للدعاء عليهم بعاجل الفناء و ما ذا لهم و عليهم فيهما لو لا أنّهم ذاقوا حلاوة الحياة و عرفوا مرارة الوفاة في مواضي الأدوار التي تناسخوا فيها لوجود المكافاة. و قد كان اليونانيّون موافقين الهند في هذا الاعتقاد، قال سقراط في كتاب «فاذن»، نحن نذكر في أقاويل القدماء أنّ الانفس تصير من هاهنا إلى «ايذس» ثم تصير أيضا الى ما هاهنا و تكون الأحياء من الموتى و الأشياء تكون من الأضداد فالذين ماتوا يكونون في الأحياء فأنفسنا في ايذس قائمة، و نفس كلّ إنسان تفرح و تحزن للشي‏ء و ترى ذلك الشي‏ء لها، و هذا الانفعال يربطها بالجسد و يسمّرها به و يصيّرها جسديّة الصورة، و التي لا تكون نقيّة لا يمكنها ان تصير إلى ايذس بل تخرج من الجسد و هي مملوءة منه حتّى إنها تقع في جسد آخر سريعا فكأنّها تودع فيه تثبت و لذلك لا حظّ لها في الكينونة مع الجوهر الإلهي النقيّ الواحد، و قال: إذا كانت النفس قائمة فليس تعلّمنا غير تذكّر ما تعلّمنا في الزمان الماضي لأنّ انفسنا في موضع ما قبل ان تصير في هذه الصورة الإنسيّة، و الناس إذا رأوا شيئا قد اعتادوا استعماله في الصبى أصابهم هذا الانفعال و تذكروا من الصنج مثلا الغلام الذي كان يضربه و كانوا نسوه فالنسيان ذهاب المعرفة و العلم تذكّر لما عرفته النفس قبل أن تصير إلى الجسد، و قال «بروقلس»: التذكّر و النسيان خاصّان بالنفس الناطقة و قد بان أنّها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة و ذاهلة أمّا عالمة فعند مفارقتها البدن و أمّا ذاهلة فعند مقاربتها البدن فإنّها في المفارقة تكون من حيّز العقل فلذلك تكون عالمة و في المقاربة تنحطّ عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوّة عليها، و إلى هذا المعنى‏

44

ذهب من الصوفيّة من قال: إنّ الدنيا نفس نائمة و الآخرة نفس يقظانة و هم يجيزون حلول الحقّ في‏ (1) الأمكنة كالسماء و العرش و الكرسي، منهم من يجيزه في جميع العالم و الحيوان و الشجر و الجماد و يعبّر عن ذلك بالظهور الكلّي و إذ أجازوا ذلك فيه لم يك لحلول الارواح بالتردّد عندهم خطر.

____________

(1) من ز، و في ش: الحق اما في.

45

و- في ذكر المجامع و مواضع الجزاء من الجنّة و جهنّم‏

المجمع يسمّى «لوك» و العالم ينقسم قسمة أوّليّة إلى علوّ و سفل و واسطة فيسمّى العالم الأعلى «سفر لوك» و هو الجنّة و العالم الأسفل «ناكلوك» أي مجمع الحيّات و هو جهنّم و يسمّى أيضا «نزلوك» و ربّما سمّوه «پاتال» أي أسفل الأرضين، و أمّا الأوسط الذي نحن فيه فيسمّى «مات‏ (1) لوك» و «مانش لوك» أي مجمع الناس و هو للاكتساب و الأعلى للثواب و الأسفل للعقاب فيهما يستوفي جزاء العمل من استحقّهما مدّة مضروبة بحسب مدّة العمل و الكون في كلّ واحد منهما للروح وحده مجرّدة عن البدن، و للقاصر عن السموّ إلى الجنّة أو الرسوب إلى جهنّم لوك آخر يسمّى «ترجكلوك» و هو النبات و الحيوان غير الناطق يتردّد الروح في أشخاصها بالتناسخ إلى أن تنتقل إلى الإنس على تدريج من أدون مراتب النامية إلى عليا مراتب الحسّاسة، و كونها فيه على أحد وجهين إمّا لقصور مقدار المكافاة عن محلّى الثواب و العقاب و إمّا لرجوعها من جهنّم، فعندهم أنّ العائد إلى الدنيا متأنّس في أوّل حالته و العائد إليها من جهنّم متردّد في النبات و الحيوان إلى أن يبلغ مرتبة الإنسان؛ و هم من جهة الأخبار يكثرون عدد جهنّمات و صفاتها و أساميها و يفردون لكل ذنب منها محلا، و قيل في «بشن پران»: إنّها ثمانية و ثمانون ألفا

____________

(1) من ش، و في ز: ماد.

46

و نحكي منه ما ذكر فيه، قال: إنّ المدّعي بالكذب و الشاهد بالزور و المعاون لهما و المستهزئ بالناس يصيرون إلى «رورو» من الجهنّمات، و سافك الدم بغير حقّ و غاصب حقوق الناس و المغير عليهم و قاتل البقر يصيرون إلى «روده» منها و إليه أيضا يصير الحنّاق، و قاتل البرهمن و سارق الذهب و من صحبهم و الأمراء الذين لا ينظرون لرعاياهم و من يزني بأهل أستاذه أو يضاجع صهرته يصيرون إلى «سبّت كنب‏ (1)»، و الذي يغضي على فاحشة زوجته طمعا و الذي يزني بابنته أو زوجة ابنه أو يبيع ولده أو يبخل على نفسه بما يملك فلا ينفقه يصيرون إلى «مهاجال»، و الذي يردّ على أستاذه و لا يرضى به و يستخفّ بالناس و الذي يأتي البهائم و الذي يستهين ببيذ و الپرانات أو يكتسب بها في الأسواق يصيرون إلى «شول» و السارق و المحتال و المخالف طريقة الناس المستقيمة و الذي يبغض أباه و لا يحبّ اللّه و الناس و الذي لا يكرم الجواهر التي عزّزها اللّه و يسوى بينها و بين سائر الأحجار يصيرون إلى «كرمش»، الذي لا يعظّم حقوق الآباء و الأجداد و لا يوجب للملائكة و الذي يعمل السهام و النصول يصيرون إلى «لارپكش»، و صانع السيف و السكّين يصير إلى «بشسن»، و الذي يخفي ما يملك طمعا في صلات الولاة و البرهمن إذا باع لحما أو دهنا أو سمنا أو صبغا أو خمرا يصيرون إلى «أذومك» و الذي يسمّن الدّجج و السنانير و الأغنام و الخنازير و الطير يصير إلى ردهراند»، أصحاب الملاعب و منشدو الشعر في الأسواق و حافرو الآبار للاستقاء و من يجامع امرأته في الأيّام المعظّمة و الذي يرمي بيوت الناس بالنار و الذي يغدر برفيقه فيقبله طمعا في ماله يذهبون إلى «رودر»، و الذي يشتار العسل يصير إلى «بيترن»، و غاصب الأموال و النساء بسكر شبابه يصير إلى «كرشن»، و قاطع الأشجار يصير إلى «أسپتربن»، و الصيّاد و عامل الفخاخ و الحبائل يصير إلى «بهنجال»، و مهمل الرسوم و السنن و مبطل الشرائع و هو شرّهم يصير إلى‏

____________

(1) من ش، و في ز: تبت كنب.

47

«سندنشك»؛ و إنّما عددنا هذا لنعرّف من الذنوب ما يكره عندهم من الأفعال، و منهم من يرى الواسطة التي للاكتساب هي الإنسانيّة و التردّد فيها بالمكافاة القاصرة عن الثواب و العقاب ثمّ يرى الجنّة عالية عليها للنعيم المستوجب مدّة على حسن الصنيعة، و التردّد في النبات و الحيوان سافلا عنها للعذاب و العقاب المستأهل مدّة على سوء الصنيعة و لا يرى جهنّم إلّا هذا الانحطاط عن البشريّة؛ و هذه كلّها من أجل أنّ طلب الخلاص من الرباط ربّما لم يكن على طريقه المستقيم المؤدّي إلى العلم اليقين بل على طرق مظنونة و بالتقليد مأخوذة، و لن يضيع عمل عامل هو خاتمة أعماله بعد الموازنة بين نوعي الاكتساب و لكنّ الجزاء يكون بحسب المقصود فينا له على مراتب إمّا في قالبه الذي هو فيه و إمّا في الذي ينتقل إليه و إمّا بعد خروجه عن قالبه و قبل أن يحصل في غيره، و هذا موضع انقلابهم عن البحث النظري إلى الخبر الملّىّ من أمر معدني الثواب و العقاب و الكون فيهما غير متجسّم ببدن و العود بعد استيفاء أجر العمل إلى التجسّد و التأنّس ليستعدّ لما هو له، و لهذا لم يعدّ صاحب كتاب «سانك» ثواب الجنّة خيرا بسبب الانقضاء و عدم التأبّد و بسبب مشابهة الحال فيها حال الدنيا من التنافس و التحاسد لأجل تفاضل الدرجات و المراتب فإنّ الغلّ و الحسرة لا يزول إلّا بالتساوي، و الصوفيّة لا يعدّونها خيرا من جهة اخرى و هي التلهّي بغير الحقّ و الاشتغال عن الخير المحض بما سواه. و قد قلنا: إنّهم يرون الروح في هذين المحلّين مجرّدة عن الجسميّة؛ لكنّ هذا رأي خاصّتهم الذين يتصوّرون النفس قائمة الذات و أمّا من ينحطّ عن رتبتهم و لا يكاد يتصوّر قوامها بغير جسد فإنّهم يرون في ذلك آراء مختلفة، فمنها أنّ سبب النزع هو انتظار الروح قالبا معدّا فلا تفارق البدن إلّا بعد وجود متعلّق يشبه فعله و كسبه ممّا أعدتّه الطبيعة جنينا في الأرحام أو بزرا نابتا في بطن الأرض فحينئذ تترك البدن الذي هي فيه، و منهم من يقول من جهة الأخبار إنها ليست تنتظر ذلك و إنّما تفارق قالبها لرقّته و قد هيّئ لها من العناصر بدن يسمّى «آت باهك» و تفسيره «الكائن بسرعة، لأنّه لا يحصل على وجه الولاد فيكون فيه سنة

48

جرداء في أشدّ شدّة سواء كان مثابا أو كان معاقبا فهو كالبرزخ بين الكسب و بين نيل الأجر، و لذلك يقيم وارث الميّت عندهم رسوم السنة على الميّت و لا تنقضي إلّا بانقضائها لأنّ الروح تذهب حينئذ إلى المحلّ المعدّ لها؛ و نحن نذكر هاهنا أيضا من كتبهم ما يصرّح بهذه المعاني، ففي «بشن پران»: إنّ «ميتري» سأل «پراشر» عن الغرض في جهنّم و العقاب به؟ فأجابه بأنّ ذلك لتمييز الخير من الشرّ و العلم من الجهل و إظهار العدل، و ما كلّ مذنب يدخل جهنّم فإنّ منهم من ينجو بتقديم التوبة و الكفّارات و عظماها التزام ذكر «بشن» في كلّ عمل، و منهم من يتردّد في النبات و خشاش الطير و مرذول الهوامّ و قذرها (1) من القمل و الدود إلى مدّة الاستحقاق؛ و في كتاب «سانك»: أمّا من استحقّ الاعتلاء و الثواب فإنّه يصير كأحد الملائكة مخالطا للمجامع الروحانيّة غير محجوب عن التصرّف في السماوات و الكون مع أهلها أو كأحد أجناس الروحانيّين الثمانية، و أمّا من استحقّ السفول بالأوزار و الآثام فإنّه يصير حيوانا أو نباتا و يتردّد إلى أن يستحقّ ثوابا فينجو من الشدّة أو يعقل ذاته فيخلّي مركبه و يتخلّص و قال بعض من مال إلى التناسخ من المتكلّمين: إنّه على أربع مراتب هي النسخ و هو التوالد بين الناس لأنّه ينسخ من شخص إلى آخر، و ضدّه المسخ و يخصّ الناس بأن يمسخوا (2) قردة و خنازير و فيلة، و الرسخ كالنبات و هو أشدّ من النسخ لأنّه يرسخ و يبقى على الأيّام و يدوم كالجبال؛ و ضدّه الفسخ و هو للنبات المقطوف‏ (3) و المذبوحات لأنّها تتلاشى و لا تعقب؛ و ذهب أبو يعقوب السجزي الملقّب‏ (4) في كتاب له و سمّاه بكشف المحجوب إلى أنّ الأنواع محفوظة و أنّ التناسخ في كل واحد منها غير متعدّ إلى نوع آخر؛ و قد كان هذا رأي اليونانيّين فإنّ يحيى النحوي يحكي عن أفلاطن‏

____________

(1) من ز، و في ش: و قذره.

(2) من ش، و في ز: يمسخون.

(3) من ز، و في ش: المعطوف.

(4) بياض في ش و ز.

49

أنّه كان يرى أنّ الأنفس الناطقة تصير إلى لباس أجساد البهائم، و أنّه أتبع في ذلك خرافات فيثاغورس؛ و قال سقراط في كتاب «فاذن»: الجسد أرضيّ ثقيل رزين و النفس التي تحبّه تنقل و تتجذّب إلى المكان الذي تنظر إليه لجزعها ممّا لا صورة له و من «ايذس» مجمع الأنفس فتتلوّث و تدور حول المقابر و مواضع الدفن فقد أريت فيه أنفس ما قد تخايلت بصورة الظلّ و الخيال من الأنفس التي لم تفارق مفارقة نقيّة بل فيها جزوء من المنظور إليه، ثم قال يشبه ألّا تكون هذه أنفس الأخيار بل أنفس أهل الشرّة فتتحيّر في هذه الأشياء نقمة تنتقم منها لرداءة غذائها الأوّل و لا تزال كذلك حتى تربط أيضا في جسد بشهوة الصورة الجسميّة التي تبعتها و يكون رباطها في أبدان أخلاقها كالأخلاق التي كانت لها في العالم مثل من ليس له غير الأكل و الشرب فيدخل في أجناس الحمير و السباع، و الذي قدّم الظلم و التغلّب ففي أجناس الذئاب و البزاة و الحدآن‏ (1)، و قال في المجامع: لو لم أرني صائرا أوّلا إلى آلهة حكماء سادة أخيار ثمّ من بعد إلى ناس ماتوا خير ممّن هاهنا لكان تركي الحزن على الموت ظلما، و قال في محلّى المثوبة و العقوبة: إنّ الإنسان إذا مات ذهب به «ذامون» و هو من الزبانية إلى مجمع القضاء و يحمله مع المجتمعين فيه قائد مأمور إلى «ايذس» حتى إذا أقام فيه ما ينبغي من الزمان أدوارا كثيرة و طويلة، و قد قال «طيلافوس‏ (2)»: إنّ طريق «ايذس» مبسوطة، قال و أنا أقول لو كانت مبسوطة أو واحدة لا ستغنى القائد فيها، فأمّا النفس التي تشتهي الجسد أو كان عملها سيّئا غير عدل و متشبّهة بالأنفس القاتلة هربت من هناك و تحيّزت في كلّ نوع إلى أن يمرّ عليها أزمنة فيؤتى بها ضرورة إلى المسكن الذي يشبهها، و أمّا الطاهرة فإنّها تصادف مرافقين و قوّادا آلهة و سكن الموضع الذي ينبغي، و قال: من كان من الموتى متوسّط السيرة فإنّهم يركبون على مراكب معدّة

____________

(1) من ز، و في ش: الحداة.

(2) من ز، و في ش: طيلاقوس.

50

لهم في «اخارون» فإذا انتقم منهم و نقوا من الظلم اغتسلوا و قبلوا كرامات ما أحسنوا من الصنيع بقدر الاستئهال، و أمّا الذين ارتكبوا الكبائر مثل السرقة من قرابين الآلهة أو غصب الأموال العظيمة أو القتل بظلم و تعمّد مرارا على خلاف النواميس فإنّهم يلقون في طرطارس‏ (1)» و لا يخرجون منه أبدا، و أمّا الذين ندموا على ذنوبهم مدّة عمرهم و قصرت آثامهم عن تلك الدرجة و كانت كالارتكاب من الوالدين و قهرهما بالغضب و قتل خطأ فإنّهم يلقون في طرطارس‏ (1) سنة كاملة يتعذّبون، ثمّ يلقيهم الموج إلى موضع ينادون منه خصومهم يسئلونهم الاقتصار منهم على القصاص لينجوا من الشرور فإن رضوا عنهم و إلّا أعيدوا إلى طرطارس‏ (1) و لم يزل ذلك دأبهم في العذاب إلى أن يرضى خصومهم عنهم، و الذين كانت سيرتهم فاضلة يتخلّصون من هذه المواضع من هذه الأرض و يستريحون من المحابس و يسكنون الأرض النقيّة، و طرطارس‏ (2) شقّ كبير و هويّة يسيل إليها الأنهار، و كلّ إنسان يعبّر عن عقوبة الآخرة بأهول ما هو معروف عند قومه، و ناحية المغرب مأوفة بالخسوف و الطوافين، على أنّه يصفه بما يدلّ على التهاب النيران فيه و كأنّه يعني به البحر أو قاموسا فيه «دردور» و لا شك أنّ هذه عبارات أهل ذلك الزمان عن عقائدهم.

____________

(1) من ز، و في ش: طرطاوس.

(2) من ز، و في ش: طرطاوس.

51

ز- في كيفيّة الخلاص من الدنيا و صفة الطريق المؤدّي إليه‏

إذا كانت النفس مرتبطة في العالم و لرباطها سبب فإنّ خلاصها من الوثاق يكون بضدّ ذلك السبب لكنّا حكينا مذهبهم في أنّ سبب الوثاق هو الجهل فخلاصها إذن بالعلم إذا أحاطت بالأشياء إحاطة تحديد كلّيّ مميّز مغن عن الاستقراء ناف للشكوك لأنّها إذا فصلّت الموجودات بالحدود عقلت ذاتها و ما لها من شرف الديمومة و للمادّة من خسّة التغيّر و الفناء في الصور فاستغنت عنها و تحقّقت أنّ ما كانت تظنّه خيرا و لذّة هو شرّ و شدّة فحصلت على حقيقة المعرفة و أعرضت عن تلبّس المادّة فانقطع الفعل و تخلّصتا (1) بالمباينة؛ قال صاحب كتاب «پاتنجل»: إفراد الفكرة في وحدانيّة اللّه يشغل المرء بالشعور بشي‏ء غير ما اشتغل به و من أراد اللّه أراد الخير لكافّة الخلق من غير استثناء واحد بسبب، و من اشتغل بنفسه عمّا سواها لم يصنع لها نفسا مجذوبا و لا مرسلا، و من بلغ هذه الغاية غلبت قوّته النفسية على قوّته البدنية فمنح الاقتدار على ثمانية أشياء بحصولها يقع الاستغناء، فمحال ان يستغني أحد عمّا يعجزه، واحد تلك الثمانية التمكّن من تلطيف البدن حتى يخفى عن الأعين و الثاني التمكن من تخفيفه حتّى يستوي عنده وطئ الشوك و الوحل و التراب و الثالث التمكّن من تعظيمه حتّى يريه في صورة

____________

(1) من ز، و في ش: تخلصا.

52

هائلة عجيبة و الرابع التمكّن من الإرادات و الخامس التمكّن من علم ما يروم و السادس التمكّن من الترؤس على أيّة فرقة طلب و السابع خضوع المرؤوسين و طاعتهم و الثامن انطواء المسافات بينه و بين المقاصد الشاسعة و إلى مثل هذا إشارات الصوفيّة في العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة فإنّهم يزعمون أنّه يحصل له روحان، قديمة لا يجري عليها تغيّر و اختلاف بها يعلم الغيب و يفعل المعجز، و أخرى بشريّة للتغيّر و التكوين؛ و لا يبعد عن مثله أقاويل النصارى: قالت الهند: فإذا قدر على ذلك استغنى عنه و تدرّج إلى المطلوب في مراتب، أولاها معرفة الأشياء اسما و صفة و تفاصيل غير معطية للحدود و الثانية تجاوز ذلك إلى الحدود الجاعلة جزئيّات الأشياء كلّيّة إلا إنّه لا تخلو فيها من التفصيل و الثالثة زوال ذلك التفصيل و الإحاطة بها متّحدة و لكن تحت الزمان و الرابعة تجرّدها عنده عن الزمان و استغناؤه فيها عن الأسماء و الألقاب التي هي آلات الضرورة، و فيها يتحد العقل و العاقل بالمعقول حتى تكون شيئا واحدا، فهذا ما قال «پاتنجل» في العلم المخلص للنفس و يسمّون خلاصها بالهنديّة «موكش» أي العاقبة، و به يسمّون أيضا تمام الأنجلاء في الكسوفين لأنّه عاقبة الكسوف و وقوع المباينة بين المتشبّثين؛ و عندهم أنّ المشاعر و الحواسّ جعلت للمعرفة و جعلت اللذّة فيها باعثة على البحث كما جعلت لذّة الأكل و الشرب في الذوق لتبقية الشخص بالغذاء و لذّة الباءة لتبقية النوع بالإيلاد فلو لا الشهوة لما فعلهما الحيوان أو الانسان لهذين الغرضين؛ و في كتاب «كيتا»: إنّ الإنسان مخلوق ليعلم و لاستواء العلم أعطي الآلات بالسويّة، و لو كان مخلوقا ليعمل لتفاوتت الآلات كاختلاف الأعمال باختلاف القوى الثلاث الأول، لكنّ الطباع الجسداني يسرع إلى العمل لما فيه من مضادّة العلم فيروم ستره بملاذّ هي بالحقيقة آلام و العلم هو الذي يترك هذا الطباع منجدلا و يجلّي النفس من الظلام جلاء الشمس من الكسوف او الغمام؛ و هذا مثل قول سقراط: إنّ النفس إذا كانت مع الجسد و أرادت ان تفحص عن‏

53

شي‏ء خدعت حينئذ منه‏ (1) و بالفكرة يستبين لها شي‏ء من الهويّات ففكرتها في الوقت الذي لا يؤذيها فيه شي‏ء من سمع أو بصر أو وجع أو لذة ما إذا صارت بذاتها و تركت الجسد و مشاركته بقدر الطاقة، فنفس الفيلسوف خاصّة هي التي تتهاون بالبدن و تريد مفارقته، فلو أنّا في حياتنا هذه لم نستعمل الجسد و لم نشاركه إلّا عن ضرورة و لم نقتبس طبيعته بل تبرأنا منه لقاربنا المعرفة بالاستراحة من جهله و لصرنا أطهارا لعلمنا بذواتنا إلى أن يطلقنا اللّه، و خليق أن يكون هذا هو الحقّ، ثمّ نعود نحن إلى سياقة الكلام فنقول: كذلك سائر المشاعر هي للمعرفة و يلتذّ العارف بتصريفها في المعارف حتى تكون جواسيسه، و الشعور بالأشياء مختلف الأوقات، فالحواس التي تخدم القلب تدرك الشي‏ء الحاضر فقط، و القلب يتفكّر في الحاضر و يتذكّر الماضي، و الطبيعة تستولي على الحاضر و تدّعيه لنفسها في الماضي و تستعدّ لمغالبته في المستأنف، و العقل يعرف مائيّة الشي‏ء غير متعلّق بوقت و زمان و يستوى عنده الغابر و المستقبل، و أقرب أعوانه إليه الفكرة و الطبيعة و أبعدها الحواسّ الخمس، فمتى ما اوصلت إلى الفكرة شيئا من المعارف جزئيّا هذّبته من الأغلوطات الحسّية و سلّمته إلى العقل فجعله كلّيّا و أوقف النفس عليه فصارت به عالمة؛ و عندهم أنّ العلم يحصل للعالم على أحد ثلاثة أوجه، أحدها بإلهام و بلا زمان بل مع الولادة و المهد مثل «كپل» الحكيم فإنّه ولد مع العلم و الحكمة و الثاني بالهام بعد زمان كأولاد «براهم» فإنّهم ألهموا لمّا بلغوا أشدّهم و الثالث بتعلّم و بعد زمان كسائر الناس الذين يتعلّمون إذا أدركوا؛ و الوصول الى الخلاص بالعلم لا يكون إلّا بالاتّزاع عن الشرّ، ففروعه على كثرتها راجعة إلى الطمع، و الغضب و لجهل و بقطع الأصول تذبل الفروع، و مدار ذلك على إمامة قوّتي الشهوة و الغضب اللّتين هما أعدى عدوّ و أوتغه للإنسان تغرّانه باللذّة في المطاعم و الراحة في الانتقام و هما بالتأدية إلى الآلام و الآثام أولى و بهما يشابه‏

____________

(1) من ز، و في ش: معه.

54

الإنسان السباع و البهائم بل الشياطين و الأبالسة، و على إيثار القوة النطقيّة العقلية التي بها يشابه الملائكة المقرّبين، و علي الإعراض عن أعمال الدنيا و ليس يقدر على تركها إلّا برفض أسبابها من الحرص و الغلبة و بذلك تنخزل القوّة الثانية من الثلاث الاول، إلّا أنّ ترك العمل يكون على وجهين، أحدهما بالكسل و التأخير و الجهل على موجب القوّة الثالثة و ليس هذا بالمطلوب فإنّه مذموم المغبّة و الثاني بالاختيار و التبصرة و إيثار الأفضل للخيرورة و هو المحمود العاقبة، و ترك الأعمال لا يتمّ إلّا بالعزلة و الانفراد عن الشاغلات ليتمكّن من قبض الحواسّ عن المحسوسات الخارجة حتى لا يعرف أنّ وراءه شي‏ء و تسكين الحركات و التنفّس، فقد علم أنّ الحريص ساع و الساعي تعب و التعب ضابح فالضبح إذن نتيجة الحرص و بانقطاعه يصير التنفّس على مثال تنفّس المستغني عن الهواء في قرار الماء و حينئذ يستقرّ القلب على شي‏ء واحد و هو طلب الخلاص و الخلوص إلى الوحدة المحضة؛ و في كتاب «كيتا»: كيف ينال الخلاص من بدّد قلبه و لم يفرده للّه و لم يخلص عمله لوجهه؟ و من صرف فكرته عن الأشياء إلى الواحد ثبت نور قلبه كثبات نور السراج الصافي الدهن في كنّ لا يزعزعه فيه ريح و شغله ذلك عن الإحساس بمؤلم من حرّ أو برد لعلمه أنّ ما سوى الواحد الحقّ خيال باطل؛ و فيه أيضا: إنّ الألم و اللذّة لا يؤثران في العالم الحقيقي كما لا يؤثر دوام انصباب الأنهار إلى البحر في مائه، و هل يقدر على تسنّم هذه الثنيّة إلّا من قم؟؟؟ الشهوة و الغضب و أبطلهما؟ و لأجل هذا الذي ذكر يجب ان تتّصل الفكرة اتّصالا يزول عنها العدد لأنّ العدد يقع على المرّات و المرّات لا تكون إلّا بسهو يتخلّلها فيفصل ما بينها و يمنع عن اتّحاد الفكرة بالمتفكّر فيه، و ليست هذه هي الغاية المطلوبة إنّما هي اتّصال الفكرة و إليها يتدرّج إمّا في القالب الواحد و إمّا في القوالب بالتزام السيرة الفاضلة و تعويد النفس فيها حتّى تصير لها طبيعة وصفة ذاتيّة، و السيرة الفاضلة هي التي يفرضها الدين، و أصوله بعد كثرة الفروع عندهم راجعة إلى جوامع عدة هي أن لا يقتل و لا يكذب و لا يسرق و لا يزني و لا يدّخر ثم يلزم القدس‏