هداية العقول في شرح كفاية الأصول‏ - ج4

- السيد محمد علي‏ الموسوي الحمامي المزيد...
333 /
5

[الجزء الرابع‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

«المقصد السادس» في بيان الامارات المعتبرة شرعا أو عقلا

____________

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

المقصد السادس‏

من مقاصد الكتاب الثمانية (في بيان الامارات المعتبرة شرعا أو عقلا) و الفرق بين الامارات و الأصول العملية على ما قيل: بعد الاتفاق على كون الجميع هي وظائف مقررة للجاهل حال جهله بالواقع هو: ان الامارات لم يؤخذ الجهل و الشك في لسان دليلها كخبر الثقة، و لو في الاحكام خاصة، و البينة مطلقا و لو في الموضوعات، بخلاف الاصول العملية فان الجهل و الشك قد اخذ في لسان دليلها كما هو مدلول قوله (عليه السلام):

«كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر» و «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام» و «لا تنقض اليقين بالشك و لكن انقضه بيقين مثله»:

و المراد بالاعتبار هو المنجزية عند الاصابة و المعذرية عند الخطأ و تسمى «الامارات المعتبرة» بالحجة لاحتجاج كل من المولى و العبد على الآخر بها و سيأتي بيان معنى الامارة في اصطلاح الاصولى إن شاء اللّه تعالى‏

و الحجية قد تكون مجعولة للشارع- بمعنى ان الشارع جعلها حجة معتبرة و ان لم يكن العقل يراها حجة، و قد تكون مجعولة للعقل- بمعنى ان العقل جعلها حجة معتبرة لذلك يرى صحة المؤاخذة على مخالفتها و عدم‏

6

و قبل الخوض في ذلك لا بأس بصرف الكلام الى بيان بعض ما للقطع من الأحكام و ان كان خارجا عن مسائل الفن.

____________

صحتها على موافقتها- و ان لم يتصرف الشارع فيها سواء كان مع امكان التصرف أو بدون امكانه، و على هذا تكون اقسام الحجة ثلاثة، الأول: الحجة المعتبرة شرعا كالاستصحاب و البراءة الشرعية، و الخبر الراجح بالمرجحات المنصوصة عند التعارض، الثاني: الحجة المعتبرة عقلا مع امكان تصرف الشارع فيه كالظن الانسدادي بناء على الحكومة، الثالث: الحجة المعتبرة عقلا مع عدم امكان التصرف فيه كالقطع.

(و قبل الخوض في ذلك) اي في بيان الامارات المعتبرة و غير المعتبرة (لا بأس بصرف الكلام الى بيان بعض ما للقطع من الاحكام) كالبحث عن التجري هل يستتبع العقاب أم لا و هو يبتني على ان مخالف القطع معاقب مطلقا حتى في صورة عدم الموافقة للواقع او معاقب في صورة الموافقة فقط، و كالبحث عن حجية القطع و انها مجعولة او غير مجعولة، بمعنى أن القطع حجة بنفسه لا يجعل الجاعل (و ان كان) بيان هذا البعض من الاحكام (خارجا عن مسائل الفن) اي علم الاصول لأن المنظور بالمسألة الأصولية احد امرين الأول: ان تكون نتيجتها واقعة في طريق الاستنباط بان تكون كبرى لصغريات وجدانية لينتج منها الحكم الفرعي كأن يقال مثلا: هذه مقدمة الواجب و كل مقدمة الواجب واجبة فهذه واجبة، الثاني: ما ينتهي اليه المجتهد في مقام العمل، بعد اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي، كالاستصحاب و البراءة و نحوهما، و احكام القطع ليست كذلك فانها لا تقع في طريق الاستنباط و لا ينتهي اليها المجتهد في مقام العمل.

أما الأول: فانه لا يصح ان يقال: الخمر معلوم الحرمة و كل معلوم‏

7

و كان اشبه بمسائل الكلام لشدة مناسبته مع المقام،

____________

الحرمة حرام، فالخمر حرام و كذلك لو عكست و قلت: هذا معلوم الخمرية و كل معلوم الخمرية حرام فهذا حرام لأنه على الفرض الأول يستلزم منه سببية الشي‏ء لنفسه لانه صار العلم بحرمة الخمر سببا للعلم بحرمة الخمر، و على الفرض الثاني يستلزم ان يكون العلم جزء الموضوع له فيكون التحريم عارضا على معلوم الخمرية لا على نفس الخمر، و بالنتيجة: يلزم من جعل مسائل القطع كبرى اتحاد السبب و المسبب، و الخلف و كلاهما محال:

و اما الثاني: فلان هذه المباحث ليست مما ينتهي اليها المجتهد في مقام العمل بعد الفحص و البحث عن الادلة و الامارات فان حجية القطع ليست منوطة بالفحص و البحث عن الدليل بخلاف الامارات كالاستصحاب و البراءة و الاحتياط و التخيير فانها مما تتوقف على الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل.

[في بيان حجية القطع‏]

(و كان) البحث عما للقطع من الاحكام من جهة (اشبه) شي‏ء (بمسائل الكلام) الباحثة عن احوال المبدأ و المعاد و ما يمت الى ذلك من موجبات استحقاق الثواب او العقاب، و مباحث القطع ترجع الى صحة المؤاخذة و عدمها المرتبطين بالمعاد-، مثلا: البحث عن القطع المخطئ و انه اذا و أفقه القاطع فهل على المولى أن يثيبه على الانقياد او اذا خالفه القاطع فهل للمولى أن يعاقبه على التجري، و انما ذكرنا مسائل القطع في الاصول مع أنها ليست منه (لشدة مناسبته مع المقام) لأن البحث عن الامارات المعتبرة، و من المعلوم ان اعتبارها انما يكون بالنسبة الى غير القاطع و من اجل ذلك كان المناسب البحث اولا عن احكام القطع ثم البحث عن احكام ما ليس فيه القطع.

8

فاعلم: أن البالغ الذي وضع عليه القلم اذا التفت الى حكم فعلي واقعي او ظاهري، متعلق به أو بمقلديه‏

____________

اذا عرفت ما قدمناه (فاعلم: ان البالغ الذي وضع عليه القلم) اي قلم التكليف (اذا التفت الى حكم) شرعي (فعلي) و سيأتي من المصنف- بعد حين بيان أن مراتب الحكم أربعة، الاولى: مرتبة الاقتضاء و هي أن يكون مقتضى الحكم موجودا الثانية: مرتبة الانشاء و هي ان يكون الحكم له وجود انشائي تقنيني من دون أن يكون للمولى بعث اليه أو زجر عنه فعلا كغالب احكام الشرع في صدر الاسلام حيث لم يؤمر النبي (ص) بتبليغه و اظهاره حتى سنحت الفرصة فيما بعد، الثالثة مرتبة الفعلية و هي أن يستجمع الحكم جميع شرائطه بحيث يكون في نفسه باعثا و زاجرا إلّا أن حجته لم تقم و لم تتصل بالمكلف لجهله او غفلته و نظير ذلك: الرابعة مرتبة التنجز و هي أن تتم للحكم جميع المراتب حتى اتصال حجته بالمكلف و انما خص الحكم بالفعلي لا الاقتضائي و لا الانشائي، فانه لا يوجب الالتفات اليها شيئا (واقعي) و هو الحكم الثابت للعناوين من حيث هي هي، كالحكم الثابت على الغنم بالحلية، و على الخنزير بالحرمة، بلا فرق بين الواقعي الأولي كما مثلنا به او الواقعي الثانوي المعبّر عنه بالاضطراري كالوجوب الثابت على المتيمم عند فقد الماء و الحرمة الثابتة على الصوم عند الضرر، و كذا لا فرق بين ما ثبت لشي‏ء بعنوانه الأولى كحلية لحم الغنم في المثال، أو بعنوانه الثانوي كحرمة لحم الغنم الموطوء (أو ظاهري) و هو الحكم الثابت للعناوين بوصف كونها مشكوكة كالحلية الثابتة على الشي‏ء المشكوك حليته و حرمته و الطهارة الثابتة على المشكوك طهارته و نجاسته، و البراءة الثابتة على مشكوك الوجوب و هكذا (متعلق به أو بمقلديه) على سبيل منع الخلو كالتفات الرجل الى حكم‏

9

فاما أن يحصل له القطع به أولا و على الثاني لا بد من انتهائه الى ما استقل به العقل من اتباع الظن لو حصل له و قد تمت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة

____________

الحيض اذ لا فرق في عالم التكليف بينه و بينهم الا في الاحكام المترتبة على عنوان المجتهد بما هو كذلك و ليس المراد من القيد اخراج غير المجتهد لأن كثيرا من الاحكام المذكورة هنا مشتركة بين المجتهد و المقلد كالقطع و الأصول العقلية و نحوهما و فائدة هذا القيد إدخال المجتهد الملتفت الى حكم غيره- اى المقلد- (فأما أن يحصل له) عند الالتفات اليه (القطع به) فيجب عليه العمل بمقتضى قطعه نعم لا يجب على غيره أتباعه اذا كان القاطع مجتهدا بناه على عدم حجية قطع المجتهد بالحكم للمقلد نعم يجب على المقلد اتباعه فيما استنبطه من الدليل الشرعي فقط (اولا) يحصل له القطع (و على الثاني) و هو عدم حصول القطع له (لا بد من انتهائه) اي البالغ المذكور قهرا اما (الى ما استقل به العقل من اتباع الظن لو حصل) الظن (له و قد تمت مقدمات) دليل (الانسداد) أيضا الناهضة بحجيته و ذلك (على تقدير الحكومة) فلو لم يحصل له الظن أو حصل و لكن لم تتم مقدمات الانسداد فالتكليف هو الرجوع الى الاصول العملية و ان تمت المقدمات و قلنا بالكشف لا الحكومة كان الظن بمنزلة القطع في الحجية.

و توضيح المراد يتوقف على بيان مقدمة و هي: أنه ذهب بعض الاصوليين بل جملة منهم الى انسداد باب العلم و العلمي بالاحكام فيجب العمل بمطلق الظن لانه يكون حجة من أي سبب حصل في الجملة، و هذا يسمى بمبحث الانسداد، و ذكروا له مقدمات الأولى: العلم بثبوت‏

10

و إلّا فالرجوع الى الاصول العقلية من البراءة

____________

تكاليف كثيرة. الثانية: انسداد باب العلم و العلمي بها، الثالثة: عدم جواز اهمال تلك الاحكام، الرابعة: عدم لزوم الاحتياط علينا في اطراف العلم كما لا يجوز الرجوع الى الأصل و نحوه، الخامسة: ان ترجيح المرجوح الذي هو الوهم على الراجح الذي هو الظن قبيح. فاذا تمت هذه المقدمات فقد يقال:

بان العقل يحكم بحجية الظن حينئذ من دون ان يجعله الشارع حجة و هو المسمى عندهم «بالحكومة» فيقال: ان مقدمات الانسداد تنتج حجية الظن على الحكومة، و قد يقال: بانه بعد تمامية مقدمات الانسداد نستكشف بأن الشارع نصب الظن طريقا حينئذ و هو المسمى عندهم «بالكشف» فيقال:

إن مقدمات الانسداد تنتج حجية الظن على الكشف.

اذا عرفت ما قدمناه فنقول: اذا لم يحصل القطع بالحكم فلا يخلو الأمر بين اقسام اربعة الاول: أن تتم مقدمات الانسداد و يحصل الظن على الحكومة و هنا يلزم اتباع الظن لحكم العقل بحجيته حين تعذر القطع، الثاني:

ان تتم المقدمات و يحصل الظن على الكشف و هنا يلحق الظن بالعلميات فيكون الظان كالقاطع بالحكم الظاهري، الثالث: أن تتم المقدمات و لم يحصل له الظن و هنا يكون داخلا في الشك بالحكم و تكليفه الرجوع الى الأصول العملية، الرابع: ان لا تتم المقدمات سواء حصل الظن بالحكم ام لا و هذا القسم كالثالث في لزوم الرجوع الى الاصول العملية.

و المتحصل: أنه يجب اتباع الظن على فرض تمامية مقدمات الانسداد على الحكومة و حصول الظن (و إلّا) بان لم تتم المقدمات أو تمت و لكن لم يحصل له الظن (ف) اللازم هنا (الرجوع الى الاصول العقلية من البراءة) العقلية عند الشك في التكليف التي مدركها الحكم العقلى‏

11

و الاشتغال و التخيير على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى و انما عممنا متعلق القطع لعدم اختصاص احكامه بما اذا كان متعلقا بالاحكام الواقعية و خصصنا بالفعلى لاختصاصها بما اذا كان متعلقا به على ما ستطلع عليه و لذلك عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة اعلى اللّه مقامه من تثليث الاقسام‏

____________

بقبح العقاب من غير بيان لا البراءة الشرعية التي مدركها حديث «رفع ما لا يعلمون» أ (و) اصالة (الاشتغال) العقلى عند الشك في المكلف به التي مدركها رفع الضرر المحتمل لا أصالة الاشتغال الشرعي التي مدركها حديث «اخوك دينك فاحتط لدينك» أ (و) أصالة (التخيير) العقلي في مورد دوران الأمر بين المحذورين لا أصالة التخيير الشرعي التي مدركها قوله (عليه السلام): «اذن فتخير» (على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى) من هذا الكتاب.

(و انما عممنا متعلق القطع) بكونه واقعيا او ظاهريا (لعدم اختصاص احكامه) أي أحكام القطع (بما اذا كان متعلقا بالاحكام الواقعية) حيث أن القطع كما يجب اتباعه و الأخذ به اذا تعلق بالحكم الواقعي كذلك يجب اتباعه و الاخذ به اذا تعلق بالحكم الظاهري كما لو قطع بالبراءة أو الاستصحاب و نحوهما عند الشك في الحكم الواقعي (و خصصنا) متعلق القطع (بالفعلي) حيث قلنا: «اذا التفت الى حكم فعلي» (لاختصاصها) اي اختصاص احكام القطع (بما اذا كان) القطع (متعلقا به) أي بالحكم الفعلي دون بقية مراتب الحكم (على ما ستطلع عليه) فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

(و لذلك) اي و لاجل ما ذكرناه من التعميم و التخصيص (عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة) الانصاري (اعلى اللّه مقامه من تثليث الاقسام) حيث قال فيها: «ان المكلف إذا التفت الى حكم شرعي‏

12

و ان أبيت الا عن ذلك فالاولى أن يقال: أن المكلف اما أن يحصل له القطع أولا و على الثاني اما أن يقوم عنده طريق معتبر أولا لئلا يتداخل الاقسام فيما يذكر لها من الاحكام و مرجعه‏

____________

فاما أن يحصل له الشك أو القطع او الظن» الى تثنيتها لأن الظنون المعتبرة داخلة في حيز القطع بالحكم الظاهري و غير المعتبرة منها داخلة في حيز الشك (و ان ابيت إلا عن ذلك) و هو تثليث الاقسام (فالأولى أن يقال) في مقام التقسيم (ان المكلف إما أن يحصل له القطع أولا و على الثاني) و هو عدم حصول القطع (اما ان يقوم عنده طريق معتبر) شرعا او عقلا و لو الظن المطلق بناء على الانسداد (اولا) فتكون الاقسام ثلاثة القطع او الطريق المعتبر او غيرهما و سبب اولوية هذا النحو من التقسيم، من تقسيم الانصاري (لئلا يتداخل الاقسام فيما يذكر لها من الاحكام) فانه بناء على تقسيم الانصاري يتداخل حكم الظن و الشك حيث جعل الانصاري مجرى الاصول العملية مختصا بصورة الشك و محل الامارات في صورة الظن مع معلومية أن الظن الغير المعتبر شرعا حكمه حكم الشك فيجب الرجوع فيه الى الاصول العملية كما انه اذا كان هناك شك في الحكم و لكن وجد فى مورده دليل تعبدي فيكون بحكم الظن الذي يلزم فيه العمل على طبق الامارة.

و بالنتيجة: أنه في صورة عدم حصول القطع- لو كانت حجة في البين كان موردا للامارة سواء كانت الحالة الوجدانية الشك أو الظن، و لو لم تكن حجة كان موردا للاصول (و مرجعه) أي مرجع المكلف على الاول و هو حصول القطع يكون المرجع المقطوع به، و على الثاني و هو عدم حصول القطع يكون المرجع الامارات المعتبرة كالظواهر و خبر الواحد

13

على الاخير الى القواعد المقررة عقلا او نقلا لغير القاطع و من يقوم عنده الطريق على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى حسب ما يقتضي دليلها و كيف كان فبيان احكام القطع و اقسامه يستدعي رسم امور: «الامر الاول» لا شبهه في وجوب العمل على وفق القطع عقلا و لزوم الحركة على طبقه جزما و كونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي فيما اصاب باستحقاق الذم و العقاب‏

____________

و نحوهما و هي المعبر عنها بالادلة الاجتهادية و (على الاخير) و هو الذي لم يحصل له القطع و لم يقم عنده طريق معتبر (الى القواعد) الأربعة المعبر عنها بالاصول العملية العقلية او النقلية كالاستصحاب و البراءة و التخيير و الاحتياط (المقررة عقلا او نقلا) اى سواء كان الدليل على ثبوت تلك القواعد حكم العقل او الدليل الشرعي، تلك القواعد المقررة (لغير القاطع و) غير (من يقوم عنده الطريق) المعتبر (على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى حسب ما يقتضى دليلها) اي دليل تلك القواعد (و كيف كان فبيان احكام القطع و اقسامه يستدعي رسم امور) سبعة: (الامر الاول) في وجوب متابعة القطع و انه (لا شبهة) و لا ريب (في وجوب العمل على وفق القطع عقلا) بل فطرة و جبلة بمعنى لزوم ترتب آثار المقطوع بمجرد القطع فلو قطع بوجود الأسد حكم العقل بلزوم الفرار منه (و) هذا هو معنى (لزوم الحركة على طبقه جزما) بل قهرا بدافع الذات (و) لا شبهة في (كونه) أي كون القطع (موجبا لتنجز التكليف الفعلي) اذا تعلق به لا الانشائي او الاقتضائي (فيما) اذا (أصاب) القطع للواقع و لم يكن جهلا مركبا فانه الحاكم (باستحقاق الذم و العقاب)

14

على مخالفته و عذرا فيما اخطأ قصورا و تاثيره في ذلك لازم و صريح الوجدان به شاهد و حاكم فلا حاجة الى مزيد بيان و اقامة برهان، و لا يخفى ان ذلك لا يكون بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه بل عرضا يتبع جعله بسيطا و بذلك‏

____________

متعلق بالتنجز بمعنى أن التنجز هو لزوم الاتيان المستتبع للذم و العقاب (على مخالفته) اجماعا (و) لا شبهة في كونه (عذرا) للقاطع و هو عطف على قوله: «موجبا» أي يكون القطع معذرا (فيما) اذا (اخطأ) قطعه للواقع (قصورا) لا تقصيرا منه فان المقصر في التحرى لا يكون في قطعه اذا اخطأ الواقع معذورا في المخالفة المزبورة (و تأثيره) اى تأثير القطع (في ذلك) اى في وجوب العمل على طبقه الى آخر ما ذكر له فان هذا (لازم) لا ينفك عنه (و صريح الوجدان به) أي بهذا اللزوم (شاهد و حاكم) لأنه من البديهيات الاولية (فلا حاجة الى مزيد بيان و اقامة برهان) بعد أن كانت الضرورة و الوجدان شاهدين على ذلك.

(و لا يخفى أن ذلك) اي وجوب العمل على طبقه اللازم له (لا يكون بجعل جاعل) لكونه من اللوازم الذاتية المنتزعة عن ذات القطع بخلاف سائر الامارات كخبر الواحد و نحوه (لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه) الذاتية فان الزوجية تجعل بمجرد جعل الاربعة في الاعداد (بل) انما يصدق جعل اللازم الذاتي (عرضا يتبع جعله) أي جعل الملزوم (بسيطا) بمعنى ان جعل القطع و ايجاده يلازم جعل الحجية يتبعه كما أن جعل الاربعة بلازم جعل الزوجية بتبعه (و بذلك) الذي ذكرناه دليلا على امتناع جعل الحجية للقطع‏

15

انقدح امتناع المنع عن تأثيره ايضا. مع أنه يلزم منه اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا و حقيقة في صورة الاصابة كما لا يخفى ثم لا يذهب عليك‏

____________

(انقدح) و تبين (امتناع المنع) اي منع الشارع (عن تأثيره أيضا) كأن يقول: بعدم حجية القطع و ذلك لان ما لا يعقل جعله لا يعقل رفعه فان القاطع بوجوب شي‏ء لا يصح ان يقال له: لا تتحرك نحوه لان الحيلولة بين الشي‏ء و أثره الوضعي مما لا مجال له اصلا كما هو واضح، نعم يمكن رفعه برفع اصل القطع كما تقدم من امكان جعله بجعل أصله.

(مع أنه) اي المنع عن ما هو لازم للقطع كالمنع عن الجري على موجب القطع يكون الشي‏ء واجبا مثلا (يلزم منه) أي من منع الشارع عن حجية القطع (اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا) بان يعتقد وجوب الشي‏ء بموجب قطعه و يعتقد خلاف ذلك بموجب منع المولى، سواء خالف الواقع ام طابقه مثلا: لو اعتقد بان هذا المائع نجس و ان الشارع نهى عن شرب النجس، فلو قال له المولى: يجوز لك شربه و أى كلام المولى متناقضا لان ذلك المانع يكون محرما شربه للنهي عنه، و محللا للتجويز، و لا فرق في ذلك أي في لزوم اجتماع الضدين بين أن يصيب قطعه الواقع و بين ان لا يصيب (و) يلزم من منع الشارع عن حجية القطع محذور اجتماع الضدين (حقيقة في صورة الاصابة) اي اصابة القطع للواقع بان كان ما قطع بنجاسته هو نجس حقيقة اذ لا يجتمع النهى عن هذا المائع لكونه نجسا مع تجويز ارتكابه و شربه (كما لا يخفى) وجهه بادنى تأمل.

(ثم لا يذهب عليك) كما سبق: من ان مراتب الحكم اربعة،

16

أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز و استحقاق العقوبة على المخالفة و ان كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة و ذلك لان الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر و لا نهى و لا مخالفته عن عمد بعصيان‏

____________

الاقتضاء، و الانشاء، و الفعلية و التنجز، و (أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا) بل كان اقتضائيا أو انشائيا (و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز) لما تقدم من تدرج المراتب فان مرتبة التنجز مترتبة على الفعلية، و الفعلية على الانشائية، و الانشائية على الاقتضائية (و) حينئذ فلا يوجب (استحقاق العقوبة على المخالفة) ما لم يكن في مرتبة التنجز فلو أن مكلفا اطلع على الحكم الانشائي و هو بمرتبته هذه كمن علم مثلا بوجوب الزكاة في مرتبته الانشائية قبل ان يصير فعليا و قبل ان يتنجز فلم يجر على طبقه لا يكون آثما قطعا.

(و ان كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة) لا لانه اطاع تكليفا بل لانقياده و حسن عبوديته لكون ما أتى به محبوبا للمولى (و ذلك) و هو تعليل لما ذكرناه من عدم العقوبة على المخالفة اذا لم يصر فعليا و لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر (لان الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة) و هي مرتبة الفعلية (لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي) صادرين من المولى مشرّعين لان الحكم انما يسمى أمرا او نهيا حتى يكون داخلا في قوله تعالى: «ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»، اذا وصل الى مرتبة الفعلية و التنجز (و) حينئذ (لا) تكون (مخالفته) اى مخالفة الحكم الغير الفعلي- و ان اطلع المكلف عليه- محسوبة (عن عمد بعصيان) فلا مقتضي لوجوب الاطاعة و لا لحرمة المخالفة عقلا

17

بل كان مما سكت اللّه عنه كما في الخبر- فلاحظ و تدبر- نعم في كونه بهذه المرتبة موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل اشكال لزوم اجتماع الضدين او المثلين على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى مع ما هو التحقيق في رفعه‏

____________

(بل كان) الحكم الاقتضائي او الانشائي (مما سكت اللّه عنه كما في الخبر) المروي عن امير المؤمنين (عليه السلام): «ان اللّه تعالى حدّد حدودا فلا تتعدوها و فرض فرائض فلا تعصوها و سكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من اللّه بكم» (فلاحظ) مفاد هذا الخبر الشريف (و تدبر) في معانيه حيث يستفاد منه عدم العقوبة على مخالفة الحكم المسكوت عنه و ان كان العمل به ليس محرما بقرينة قوله (عليه السلام): «فلا تتكلفوها» و قوله: رحمة من اللّه بكم، فانها صريحة في سقوط الوجوب عما لم يصدر به امر المولى أو نهيه و ما لا وجوب في فعله لا اثم في تركه كما هو واضح (نعم في كونه) اي كون الحكم (بهذه المرتبة) و هي مرتبة الفعلية (موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل) و هي الاحكام الظاهرية المجعولة للمكلف بعنوان جهله بالحكم الواقعي.

يلزم (اشكال لزوم اجتماع الضدين) فيما لو تخالف الحكم الظاهري و الواقعي كما لو كان الواقع حرمة التتن مثلا و أدت الامارة الى حليته فيلزم اجتماع الضدين و هذا مستحيل قطعا (او) اجتماع (المثلين) فيما لو توافقا الحكم الظاهري و الواقعي حرمة او حلية، فيلزم اجتماع المثلين حرمة او حلية و كما لا يمكن اجتماع الضدين لا يمكن اجتماع المثلين (على ما يأتي تفصيله) في بيان جعل الامارات (إن شاء اللّه تعالى مع) بيان (ما هو التحقيق في رفعه) اي في رفع الاشكال و انه لا يلزم‏

18

فى التوفيق بين الحكم الواقعي و الظاهري فانتظر.

«الأمر الثاني» قد عرفت أنه لا شبهة في ان القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة في صورة الاصابة فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الاصابة على التجري بمخالفته و استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته أو لا يوجب شيئا؟ الحق أنه يوجبه‏

____________

اجتماعهما (في) ما يأتى من (التوفيق بين الحكم الواقعي و الظاهري فانتظر) محله.

[في بيان التجري و الانقياد]

(الامر الثاني: قد عرفت) في الأمر الأول من (أنه لا شبهة) و لا ريب (في ان القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة) للمقطوع به (و) يوجب استحقاق (المثوبة على الموافقة) له (في صورة الاصابة) اي اصابة القطع للواقع فلو خالف قطعه المصيب استحق العقوبة و لو وافقه استحق المثوبة (فهل يوجب) القطع (استحقاقها) اي العقوبة (في صورة عدم الاصابة) اي عدم إصابة قطعه للواقع (على) مجرد (التجري) متعلق بالاستحقاق اي أن التجري (بمخالفته) أي بمخالفة القطع الغير المصيب- كما لو شرب الماء بزعم أنه خمر (و) كذا هل يوجب القطع (استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته) لقطعه الغير المصيب ايضا كما لو اتى بالصلاة مستدبرا بزعم أنه القبلة (او لا يوجب) القطع المخالف (شيئا) منهما لا العقوبة على تقدير المخالفة و لا المثوبة على فرض الموافقة فلا عقاب في صورة التجري و لا ثواب في صورة الانقياد فيه خلاف بين الاعلام.

و (الحق) كما هو عند المصنف و جماعة آخرين (انه) أى التجري (يوجبه) اي يوجب العقاب‏

19

لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمّه على تجريه و هتك حرمته لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديته و كونه بصدد الطغيان و عزمه على العصيان و صحة مثوبته و مدحه على اقامته بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقته و البناء على اطاعته و ان قلنا بأنه‏

____________

(لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمّه على تجريه و هتك حرمته) اي احترامه (لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديته) فان العبد يلزم أن يكون بصدد الاطاعة و حفظ الحرمة (و كونه بصدد الطغيان) على مولاه و عدم اصابة الواقع لا ربط لها بجانب العبد المخالف اذ لم يكن حين ارتكاب المخالفة عالما بعدم الاصابة بل و لا محتملا فاصابة الواقع و عدمها في حقه بالنسبة الى نفسيته على حد سواء (و عزمه على العصيان) واحد لا يتفاوت فيه اصابة قطعه للواقع و عدم اصابته، و هذا كله موجب للعقاب لان ملاك العقاب عند العقل هو كون العبد في هذا المقام، و التجري و المعصية الحقيقية متساويان في وجود هذا الملاك فالفرق بينهما غير تام- نعم لو قلنا بان العقاب مترتب على المخالفة العمدية- كما هو الظاهر- بل المشهور- لا يكون المتجري مستحقا للعقاب كما هو واضح.

(و) كذا يشهد الوجدان ب (صحة مثوبته و مدحه على اقامته بما هو قضية) أي مقتضى (عبوديته من العزم على موافقته و البناء على اطاعته) أي اطاعة المولى فالملاك العقلي لاستحقاق المطيع المثوبة موجود في المنقاد نعم لو قلنا المناط عقلا موافقة العبد لأمر مولاه مع الالتفات الى ذلك- كما هو الظاهر- لا كونه في مقام اظهار العبودية فقط لم يكن للانقياد ثواب الاطاعة الحقيقية، و هذا لا ينافي الثواب تفضلا كما دلت عليه بعض الاخبار (و ان قلنا بانه) أي العيد

20

لا يستحق مؤاخذة او مثوبة ما لم يعزم على المخالفة او الموافقة بمجرد سوء سريرته أو حسنها و ان كان مستحقا للذم أو المدح بما يستتبعانه كسائر الصفات و الاخلاق الذميمة أو الحسنة، و بالجملة: ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحا أو لوما و انما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافا الى احدهما اذا صار بصدد الجري على طبقها و العمل على وفقها و جزم و عزم‏

____________

لا يستحق مؤاخذة او مثوبة ما لم يعزم على المخالفة او الموافقة) عملا (بمجرد سوء سريرته أو حسنها) كما لو كان عازما على شرب الخمر لو وجدها او للصيام لو ادرك شهر رمضان (و ان كان) هذا العبد (مستحقا للذم او المدح بما يستتبعانه) أي بسبب ما يستتبعه سوء السريرة من استحقاق الذم او حسنها من المدح.

و الحاصل: ان هاتين الصفتين (كسائر الصفات و الاخلاق الذميمة او الحسنة) كالشجاعة و الجين و الكرم و البخل، و الوفاء و الصدق و الخيانة و الغدر، فان هذه الصفات المنطوية عليها النفس، و ان كانت لا توجب ثوابا او عقابا إلّا أنها موجبة للمدح اذا كانت حسنة و للذم اذا كانت ذميمة كما يقال: «فلان كريم» في مقام المدح و «فلان بخيل» في مقام الذم (و بالجملة: ما دامت فيه صفة كامنة) كحبّه للغدر او حبه للوفاء من دون إعمال لهما في الخارج (لا يستحق بها) اي بالصفة المزبورة (الا مدحا) ان كانت صفة حسنة (او لوما) ان كانت صفة سيئة (و انما يستحق الجزاء) العملي (بالمثوبة أو العقوبة مضافا الى احدهما) أي علاوة الى المدح او الذم (اذا صار) العبد (بصدد الجرى على طبقها) اي طبق تلك الصفة الكامنة (و العمل على وفقها و جزم و عزم) و تحرك بعد النية كما لو أخذ كأس الماء بزعم الخمر فشربها

21

و ذلك لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك و حسنها معه كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الاطاعة و العصيان و ما يستتبعان من استحقاق النيران او الجنان و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري به او المنقاد به على ما هو عليه من الحسن او القبح و الوجوب او الحرمة واقعا

____________

أو اكرم كافرا مهدور الدم بزعم انه مؤمن صالح.

(و ذلك) أي و الذي يدل على عدم استحقاق العقاب أو الثواب على مجرد الصفة الكامنة من دون ان يعمل بها في الخارج (لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك) الاظهار عملا

(و حسنها) اي حسن المؤاخذة (معه) اي مع الاظهار عملا (كما يشهد به) اي بعدم صحة الثواب أو العقاب على مجرد حسن السريرة أو قبحها (مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال) لأن حكومة الوجدان في مثل باب الاطاعة و العصيان حكومة مستقلة من دون مدخلية للشرع (في مثل باب الاطاعة و العصيان و ما يستتبعان من استحقاق النيران او الجنان) كما لا يخفى.

ثم ان الفعل المتجرى به- كشرب الماء المزعوم انه خمر- هل يبقى على ما هو عليه لو لا التجرى أم يحرم بهذا السبب وجهان اختار المصنف العدم لقوله: (و لكن ذلك) و هو كون التجري موجبا للعقاب و الانقياد موجبا للثواب (مع بقاء الفعل المتجرى به او المنقاد به على ما هو عليه) في نفسه قبل عروض عنواني التجرى او الانقياد عليه (من الحسن) لو كان حسنا (او القبح) لو كان قبيحا (و الوجوب) لو كان واجبا (أو الحرمة) لو كان محرما (واقعا)

22

بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصفة و لا يغير جهة حسنه أو قبحه بجهة اصلا، ضرورة أن القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن و القبح عقلا و

____________

فلو اعتقد خمرية الماء فشربه كان الماء باقيا على جواز شربه و ان استحق المتجرى العقاب و بالعكس لو اعتقد وجوب شرب الماء لزعم انه الدواء المنجي من الهلكة فشربه لم يكن الماء واجب الشرب.

و الحاصل: ان الموجب للثواب او العقاب هو قصد الاطاعة او العصيان المقارن مع الفعل لا نفس الفعل فقط (بلا حدوث تفاوت فيه) أي في الفعل (بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم) الوجوبي او التحريمي (و الصفة) من الحسن أو القبح (و لا يغير) بالبناء للمفعول (جهة حسنه أو قبحه) الواقعيين و وجوبه أو تحريمه الذاتيين (بجهة) من جهتي التجري أو الانقياد (اصلا) كما لا يخفى.

(ضرورة ان القطع بالحسن او القبح) لا يؤثر في واقع الشي‏ء المقطوع به حيث أنه (لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التي بها) يحصل و (يكون الحسن و القبح عقلا) بل الحسن و القبح العقليان مدركهما امر وراء القطع، يكون الشي‏ء حسنا أو قبيحا مثلا: عنوان التعظيم و الاهانة المغيّران للفعل، فالقيام بما هو قيام لا يوصف بالحسن و لا بالقبح و لكن القيام تعظيما للمؤمن موجب لحسنه فان التعظيم من العناوين المحسنة كما ان القيام استهزاء به موجب لقبحه لأن الاستهزاء من العناوين المقبحة بخلاف القطع فانه ليس كذلك فالقطع يكون ابن المولى كافرا مهدور الدم لا يوجب حسنه واقعا (و) كما ان القطع في نفسه لا يغير الشي‏ء المقطوع به عما

23

لا ملاكا للمحبوبيّة و المبغوضية شرعا ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية و المحبوبية للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوبا او مبغوضا له فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له- و لو اعتقد العبد بانه عدوه- و كذا قتل عدوه مع القطع بانه ابنه لا يخرج عن كونه محبوبا ابدا هذا مع أن الفعل المتجرى به او المنقاد به- بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب-

____________

هو عليه من الحسن او القبح كذلك (لا) يكون (ملاكا للمحبوبية و المبغوضية شرعا) بل المحبوبية و المبغوضية الشرعيتان مرجعهما واقعهما المكشوف بالنهي عن الشي‏ء أو الامر به شرعا.

(ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية و المحبوبية:

للمولى بسبب قطع العبد) على نحو الجهل المركب (بكونه محبوبا أو مبغوضا له) اي للمولى (فقتل) العبد (ابن المولى) بما هو قتل لابنه (لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له و لو اعتقد العبد بانه عدوه) و انه ليس ولده فاخطأ اعتقاده فيمن قتله بان كان ولده البر الوفي لا عدوه الاجنبي (و كذا قتل) العبد (عدوه) الواقعي لكن (مع القطع) حين اقدامه على قتله (بانه ابنه) و بهذا الداعي قتله (لا يخرج عن كونه محبوبا) لمولاه (ابدا) لانه في الواقع صادف بغيته‏

(هذا مع أن) هناك وجها ثاني لمنع قبح الفعل و حرمته بزعم الحرمة أو حسنه و وجوبه بزعم الوجوب و هو أن (الفعل المتجرى به أو المنقاد به بما هو) اي بوصف كونه (مقطوع الحرمة او) مقطوع (الوجوب) عند ما يقطع بحرمة شي‏ء أو بوجوبه بعنوان انه واجب لأنه قطع بوجوبه و انه حرام لأنه قطع بحرمته لاذعان نفسه باصابة

24

لا يكون اختياريا فان القاطع لا يقصده إلا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآلي بل لا يكون غالبا بهذا العنوان مما يلتفت اليه، فكيف يكون من جهات الحسن او القبح عقلا و من مناطات الوجوب او الحرمة شرعا، و لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلّا اذا كانت اختيارية

____________

قطعه بل نوع القاطعين لا يتخالجهم شك في أن الواقع ماثل في قطعهم و عزوبهم حتى عن احتمال المخالفة (لا يكون اختياريا فان) الفعل الاختياري ما يؤتى به بقصده و ليس الفعل بعنوان أنه مقطوع يؤتى به لأن (القاطع) غالبا (لا يقصده) اي الفعل المتجرى او المنقاد به (إلّا بما قطع انه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي) فيشرب الماء بعنوان انه خمر و يقتل الغزال بعنوان انه عدو (لا) أنه يقصد الفعل (بعنوانه الطارئ) من طريق القطع و بسببه (الآلي) فانه لا يشرب الماء بعنوان أنه مقطوع الخمرية و لا يقتل الغزال بعنوان أنه مقطوع العداوة (بل لا يكون) الفعل المتجري به او المنقاد به (غالبا بهذا العنوان) و هو كونه بوصف أنه مقطوع الوجوب او الحرمة (مما يلتفت اليه فكيف يكون) القطع الذي لم يلتفت اليه (من جهات الحسن) للفعل (او القبح) له (عقلا و من مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا) لان مناط الوجوب و الحرمة شرعا هو المصلحة و المفسدة الواقعيتان التابعتان للامر او النهي فلا دخل للقطع في ذلك اصلا (و لا يكاد يكون صفة موجبة لذلك) اي الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة (إلا اذا كانت) تلك الصفة (اختيارية)

و توضيحه: ان قتل الغزال مثلا: بعنوان أنه قتل العدو يكون‏

25

ان قلت: اذا لم يكن الفعل كذلك فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع و هل كان العقاب عليها الا عقابا على ما ليس بالاختيار، قلت:

العقاب انما يكون على قصد العصيان و العزم على الطغيان‏

____________

مقصودا فهو عمل اختياري و أما بعنوان انه قتل مقطوع العداوة فهو غير مقصود، و حيث ان كل غير مقصود غير اختياري فهو غير اختياري و العنوان الذي لا يكون اختياريا لا يكون موجبا للحسن أو القبح اذ المقسم لهما هو الفعل الاختياري كما لا يخفى.

و بالجملة: ان القطع بنفسه ليس من العناوين المحسنة او المقبحة هذا أولا، و ثانيا على تقدير تسليم كونه من تلك العناوين لا يكون موجبا للحسن او القبح لعدم الالتفات اليه فلا يكون اختياريا حتى يكون محسنا أو مقبحا.

(ان قلت: اذا لم يكن الفعل) المتجري به (كذلك) اي بما هو مقطوع الحرمة اختياريا (فلا وجه) حينئذ (لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع و هل كان العقاب عليها) اي على مخالفة القطع (الا عقابا على ما ليس بالاختيار) لأن ما قصده من شرب الخمر لم يقع- حيث كان في الواقع ماء- و ما وقع من شرب معلوم الخمرية- لم يكن بالاختيار فلا يصح العقاب، فينتج أن ما وقع لم يقصد، و ما قصد لم يقع، مثلا: لو قام للمؤمن لا بقصد الاستهزاء، لا يكون معاقبا عليه بعد أن تعنون بهذا العنوان، لأن العقاب انما يترتب على الفعل الاختياري و الاستهزاء لم يقع باختياره لعدم قصده له.

(قلت:) هذا الاشكال انما يتم لو قلنا بان العقاب على نفس الفعل و ما نحن فيه ليس كذلك حيث ان (العقاب انما يكون على قصد العصيان و العزم على الطغيان) و هما أمران اختياريان بلا ريب لأنهما

26

لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار إن قلت: ان القصد و العزم انما يكون من مبادئ الاختيار و هي ليست باختيارية و إلا لتسلسل، قلت:

مضافا الى ان الاختيار و ان لم يكن بالاختيار إلا أن بعض مبادئه غالبا يكون وجوده بالاختيار للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمة

____________

قارنا الفعل المزعوم بانه معصية فارادة المخالفة مع هذه المقارنة موجبة للعقاب (لا) أن العقاب (على الفعل الصادر بهذا العنوان) اي بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب المغفول عنه غالبا حتى يقال بأنه (بلا اختيار) فلا يصح العقاب على ما خرج عن الاختيار (ان قلت:) ما اجبت به من أن العقاب انما هو على قصد العصيان و العزم على الطغيان غير وجيه حيث (ان القصد و العزم) و الارادة (انما يكون من مبادئ الاختيار) كما سبق بيانه في مباحث الألفاظ (و هي) اي مبادئ الاختيار كنفس الاختيار (ليست باختيارية و إلّا) اي لو كانت مبادئ الاختيار اختيارية (لتسلسل) الاختيار لأن الفعل الاختياري هو الفعل الذي يكون مسبوقا بالارادة فلو كانت الارادة اختيارية لاحتاجت الى ارادة أخرى و هكذا و هذا يؤدى الى التسلسل الباطل فلا بد و ان لا يكون العقاب على القصد لأنه غير اختيارى (قلت: مضافا الى أن الاختيار) في نفسه بجميع مبادئه (و ان لم يكن بالاختيار) لمحذور التسلسل المزبور (إلا أن بعض مبادئه) اي بعض مبادئ الاختيار و الارادة (غالبا) مما (يكون وجوده بالاختيار) لأن بعض مبادئ الفعل الجزم و العزم و عقد القلب على فعل شي‏ء و هي اختيارية في الغالب (للتمكن من عدمه) غالبا (بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمة) فان الماشي الى الفاحشة بالدواعي التي دعته اولا أن يمشى اليها

27

يمكن ان يقال: أن حسن المؤاخذة و العقوبة انما يكون من تبعة بعده عن سيده بتجرّيه عليه كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة فكما أنه يوجب البعد عنه كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة فانه و ان لم يكن باختياره إلا أنه بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و امكانا

____________

قد ينقطع عن مواصلة المشي اليها اذا تأمل فيما يترتب عليها من العقاب و اللوم، فيصرف نفسه عن الجزم و العزم حتى لا تتم الارادة و لا يقع منه الفعل، و على ذلك فلو لم يصرف نفسه عن الجزم و العزم و اراد الفعل صح العقاب على الارادة لانها طوع يده- فان المقدور بالواسطة مقدور- و حينئذ (يمكن أن يقال:) مضافا الى ما سبق (ان حسن المؤاخذة و العقوبة انما يكون من تبعة بعده) أي بعد العبد (عن سيده) الحاصل ذلك البعد (بتجريه عليه) اي على سيده (كما كان) العقاب (من تبعته) اى من تبعة بعد العبد عن سيده الحاصل (بالعصيان في صورة المصادفة) اي مصادفة قطعه للواقع فحال التجري و المعصية متساويان من هذه الجهة (فكما أنه) أي العصيان بالتجري (يوجب البعد) للعبد (عنه) اى عن سيده (كذلك لا غرو) و لا عجب (في أن يوجب حسن العقوبة فانه) اي ارتكابه لمخالفة قطعه عمدا (و ان لم يكن) هذا العصيان (باختياره) لأن العقاب على التجري التابع للارادة التي ليست باختيارية (إلّا أنه) اي ارتكابه مخالفة القطع (بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه) فطرة و نشأة (و اقتضاء استعداده ذاتا و امكانا) بمعنى ان سوء السريرة ناشئ عن النقصان و اقتضاء الاستعداد الذاتي و هما كتابة عن خصوصيته الذاتية التي هي من‏

28

و اذا انتهى الأمر اليه يرتفع الاشكال و ينقطع السؤال بلم، فان الذاتيات ضرورية الثبوت للذات و بذلك ايضا

____________

اجزاء ذاته، و قوله: «و امكانا» عطف تفسير لقوله: «ذاتا» (و اذا انتهى الامر اليه) اي الى اقتضاء الاستعداد و النقصان الذاتي فالعقاب تابع للتجري التابع للارادة التابعة للذات و عند ذلك (يرتفع الاشكال) و هو أنه ان كانت الارادة بغير اختيار لزم كون العقاب على ما ليس بالاختيار و ان كانت اختيارية لزم محذور التسلسل، و وجه ارتفاع الاشكال هو: أنا نختار الشق الاول و نقول: العقاب التابع للذاتي غير قبيح و انما يقبح العقاب على ما ليس من قبل الذات بل من امر خارجي، و كان بواسطة الغير- و ظاهر هذا الكلام من المصنف بل صريحه القول بالجبر و اللّه العاصم من الخطأ.

و اجيب عنه- و لا بأس به- بان العقاب مطلقا سواء كان في المعصية أو في التجري انما هو على الفعل الصادر بالارادة و الارادة اختيارية باختيارية بعض مقدماتها فلا جبر و لا ظلم و لا اضطرار، و أما تأثير الشقاوة و السعادة في ارادة الطاعة و المعصية فهو و ان كان حقا لا ننكره إلّا انه لا يكون بنحو العلية التامة كي يلزم الجبر بل بنحو الاقتضاء كما لا يخفى- و قد سبق منا- في اتحاد الطلب و الارادة ما فيه كفاية (و) حينئذ (ينقطع السؤال بلم فان الذاتيات) من الخبث الذاتي و السوء الذاتي و النقص الذاتي (ضرورية الثبوت للذات) فانه كما يمتاز النوع عن الجنس بفصل ضروري الثبوت له كذلك يمتاز كل فرد من ابناء نوعه بلازم ضروري الثبوت له.

(و بذلك) الذي اوضحناه في باب التجري من انتهاء الامر الى الذاتي الذي ينقطع السؤال فيه بلم (أيضا) يظهر الجواب في باب‏

29

ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر و العاصي الكفر و العصيان و المطيع و المؤمن الاطاعة و الايمان فانه يساوق السؤال عن أن الحمار لم يكون ناهقا و الانسان لم يكون ناطقا، و بالجملة: تفاوت افراد الانسان في القرب منه جل شأنه و عظمت كبرياؤه و البعد عنه سبب لاختلافها في استحقاق الجنة و درجاتها و النار و دركاتها و موجب لتفاوتها في نيل الشفاعة و عدمه و تفاوتها في ذلك بالاخرة يكون ذاتيا و الذاتي لا يعلل‏

____________

المعصية الحقيقية حيث (ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر و العاصي الكفر و العصيان و) لم اختار (المطيع و المؤمن الاطاعة و الايمان فانه) سؤال عن الذاتي لأن الاطاعة و الايمان و الكفر و العصيان كلها ناشئة عن الذات فالسؤال عنها يساوي و (يسارق السؤال عن أن الحمار لم يكون ناهقا و الانسان لم يكون ناطقا) فكما أن السؤال الثاني غير صحيح كذلك السؤال الأول كما لا يخفى.

(و بالجملة: تفاوت افراد الانسان في القرب) الذاتي (منه جل شأنه و عظمت كبرياؤه و البعد) الذاتي (عنه سبب لاختلافها في استحقاق الجنة و درجاتها) حسب درجات القرب (و) استحقاق (النار و دركاتها) حسب درجات البعد (و) كذلك التفاوت المزبور (موجب لتفاوتها في نيل الشفاعة و عدمه) اي عدم النيل (و تفاوتها في ذلك) أي القرب و البعد (بالأخرة يكون ذاتيا) لأن المصنف يرى ان ذلك كله ممتزج في ذات صاحب الذات منذ خلقته (و) اذا صار ذاتيا فيه فان (الذاتي لا يعلل) هذا على بناء المصنف و لكن لا يخفى بطلان هذا الكلام: فاننا لا ننكر تفاوت الافراد اليه تعالى في القرب و درجاته و البعد عنه و مراتبه، و نيل الشفاعة و عدمه إلا أن ذلك كله‏

30

ان قلت: على هذا فلا فائدة في بعث الرسل و انزال الكتب و الوعظ و الانذار، قلت: ذلك لينتفع به من حسنت سريرته و طابت طينته لتكمل به نفسه و يخلص مع ربه أنسه‏

____________

بالكسب و العمل و ما يأتيه الانسان في عالم التكليف و ما يذر و لا ربط له بمقام الذات حتى لا يعلل.

و بعبارة أخرى: ان ما ذكره المصنف باطل برهانا و وجدانا مع مخالفته لضروري المذهب فان العصيان لو لم يكن اختياريا لم تكن الاطاعة اختيارية لعدم الفرق بينهما فان الاطاعة هي الموافقة عن عمل و المعصية بعكسها كما لا يخفى،

(ان قلت: على هذا) الذي ذكره المصنف من كون الكفر و العصيان و الاطاعة و الايمان من تبعات الذات و الذاتي لا يعلل (فلا فائدة في بعث الرسل و انزال الكتب و الوعظ و الانذار) فان هذه الوسائل انما تنجع فيما لو كان الكفر و العصيان و الاطاعة و الايمان من الامور الاختيارية التي يتمكن الانسان ان يأخذها و ان يذرها لا فيما لو كانت ذاتية جبلية فالمؤمن و المطيع يؤمن بنفسه و يطيع كما أن النار تحرق بنفسها فلا حاجة الى الارشاد بل يكون عبثا كمن يريد من الجدار استماعا و من الأصم جوابا و على هذا لا توجيه الوعد و الوعيد و لا معنى للابتلاء في قوله تعالى:

«لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا»**.

(قلت: ذلك) اي الداعي لارسال الرسل و انزال الكتب و الوعظ و الانذار (لينتفع به من حسنت سريرته و طابت طينته لتكمل به نفسه و يخلص مع ربه انسه) كما قال تعالى: حكاية عنهم:

31

«ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ»

قال اللّه تبارك و تعالى:

«وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ»

و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته‏

«لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»

كي لا يكون للناس على اللّه حجة بل كان له الحجة البالغة، و لا يخفى أن في الآيات و الروايات‏

____________

( «ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ») و كما (قال اللّه تبارك و تعالى: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ»، و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته) و قوله تعالى:

( «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» كي لا يكون للناس على اللّه حجة بل كانت له) تعالى (الحجة البالغة) على خلقه المختارين.

(و لا يخفى: أن في الآيات) مثل قوله تعالى: «إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا» و الشاهد من الآية مسئولية الفؤاد الذى هو ليس من الجوارح العاملة للاعمال التي بها تكون المعصية فان القلب محله للقصد و العزم ليس إلا، و قوله تعالى: «إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ» و الشاهد في قوله تعالى: «إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ» و الشاهد في قوله تعالى: «أَوْ تُخْفُوهُ» فان اخفاء الشي‏ء في النفس، معناه مجرد العزيمة على فعله، و قوله تعالى:

«وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ» و اكتساب القلب هو العزم و القصد و النية كما سلف، و نظائرها كثير من الآيات‏

(و) كذلك (الروايات) مثل قوله ص: «نية الكافر شر من عمله» و قوله ص: «انما يحشر الناس على نياتهم» و ما ورد من تعليل خلود اهل النار في النار، و خلود اهل الجنة في الجنة، يعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية أو الطاعة، لو خلدوا في الدنيا

32

شهادة على صحة ما حكم به الوجدان الحاكم على الاطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة و معه لا حاجة الى ما استدل على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله: أنه لولاه مع استحقاق العاصي له يلزم اناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته و اختياره‏

____________

و ما ورد: من انه اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول في النار، قيل يا رسول اللّه: هذا القاتل فما بال المقتول قال ص: «لأنه أراد قتل صاحبه».

و الجمع بين هذه الروايات و الروايات القائلة بأن العقاب على الاعمال لا على قصد المعصية من دون ارتكاب لها، بان القصد المنقطع و القاصد المرتدع لا شى‏ء عليه و ان القصد المستمر و القاصد الماضي على قصده معاقب حتى لو لم يتسن له فعل المعصية اذ لا يصح اطراح طرف من هاتين الطائفتين بعد صحة ورودهما في الاثر و بما تقدم من الآيات و الروايات (شهادة على صحة ما حكم به الوجدان) من حرمة التجري و العقاب عليه فان الوجدان هو (الحاكم) المستقل (على الاطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة) و به يناطان (و معه) اي مع حكم الوجدان بصحة لوم المتجري و ذمه و استحقاقه للعقاب (لا حاجة الى ما استدل) به المحقق السبزواري على ما حكي عنه في الذخيرة (على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله: أنه لولاه) اي لو لا القول باستحقاق المتجري للعقاب (مع) الاعتراف ب (استحقاق العاصي له) اي للعقاب (يلزم اناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار من مصادفة قطعه) للواقع (الخارجة) تلك المصادفة (عن تحت قدرته و اختياره) و قوله: «من مصادفة» بيان لقوله: «ما هو

33

مع بطلانه و فساده اذ للخصم أن يقول: بان استحقاق العاصي دونه انما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه و هو مخالفته عن عمد و اختيار و عدم تحققه فيه لعدم مخالفته اصلا و لو بلا اختيار

____________

خارج عن الاختيار» و توضيح الاستدلال:

انا اذا فرضنا شخصين قطع احدهما بكون مائع معين خمرا، و قطع الآخر بكون مائع معين آخر خمرا فشرباهما فاتفق مصادفة احدهما للواقع و مخالفة الآخر له، فاما ان يستحقا للعقاب معا اولا يستحقاه معا او يستحقه من صادف قطعه للواقع دون الآخر او العكس لا سبيل الى الثاني و لا الى الرابع و اما الثالث فهو مستلزم لاناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار و هو مناف لما يقتضيه العدل فتعين الأول.

و هذا الاستدلال (مع) اننا في غنى عنه أولا: لما تقدم من حكم الوجدان و شهادة الادلة السمعية فان (بطلانه و فساده) في نفسه واضح ثانيا: (اذ للخصم) القائل بعدم حرمة التجري و عدم العقاب عليه (أن يقول) بالفرق بين استحقاق المصادف دون غيره حيث نقول:

(بان استحقاق العاصي) المصادف قطعه للواقع العقاب (دونه) اي دون المتجري المخطئ قطعه للواقع (انما هو) اي استحقاق العاصي للعقاب دون المتجري (لتحقق سبب الاستحقاق فيه) اي في العاصي (و هو مخالفته) لقطعه (من عمد و اختيار) فيصدق في حقه انه عامدا فعل الخطيئة (و عدم تحققه) اى عدم تحقق سبب استحقاق العقاب (فيه) أي في المتجري (لعدم مخالفته) للواقع (اصلا و لو بلا اختيار) ضرورة انعدام المعلول بانعدام العلة حيث لم يتحقق‏

34

بل عدم صدور فعل منه في بعض افراده بالاختيار كما في التجري بارتكاب ما قطع بانه من مصاديق الحرام- كما اذا قطع مثلا بان مائعا خمر مع انه لم يكن بالخمر- فيحتاج الى اثبات أن المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية الاختيارية كما عرفت بما لا مزيد عليه‏

____________

منه شرب الخمر حتى يقال: انه باختيار أو بغير اختيار (بل عدم صدور فعل منه) اي من المتجري (في بعض افراده) اي افراد التجري (بالاختيار) متعلق بعدم صدور (كما في التجري بارتكاب ما قطع بأنه من مصاديق الحرام) و لم يكن في الواقع من مصاديقه (كما اذا قطع مثلا بان مائعا) معينا (خمر مع انه لم يكن بالخمر) بل كان ماء و وجه عدم صدور الفعل في هذه الصورة، هو انه قد شرب المائع المزبور باعتقاد كونه خمرا، فما قصد لم يقع و ما وقع و هو شرب الماء- لم يقصد- و قد تقدم أن الفعل الاختياري هو المسبوق بالقصد و الارادة.

(فيحتاج) هذا المستدل و هو المحقق السبزواري (الى اثبات أن المخالفة الاعتقادية) و لو لم تطابق الواقع (سبب) للعقوبة سواء كان باختيار أم لا (كا) لمخالفة (الواقعية الاختيارية) بان يقول:

أن علة استحقاق العقاب ليست منحصرة في شرب الخمر بل لو شرب معلوم الخمرية- بان صدرت منه المخالفة الاعتقادية- كان معاقبا ايضا- و هذا اول الكلام، اذ المنكر لعقاب المتجري، ينكر كون معلوم الخمرية كالخمر الواقعية في عقاب متناولها (كما عرفت) ذلك (بما لا مزيد عليه) فلا تغفل‏

35

ثم لا يذهب عليك أنه ليس في المعصية الحقيقية إلا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة و هو هتك واحد فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهم، مع ضرورة أن المعصية الواحدة لا توجب إلا عقوبة واحدة كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما كما لا يخفى، و لا منشأ لتوهمه إلّا بداهة أنه ليس في معصية واحدة الا عقوبة واحدة مع الغفلة عن أن وحدة المسبب تكشف بنحو الإن عن وحدة السبب.

____________

(ثم) انه اشكل على القائل بعقاب المتجري: أنه يلزم أن يكون في المعصية الحقيقية عقابان أحدهما لكونه معصية، الثاني لكونه تجريا و هتكا لحرمة المولى مع أنه ليس في المعصية إلا عقاب واحد بالضرورة.

و أجاب المصنف عنه بقوله: (لا يذهب عليك انه ليس في المعصية الحقيقية الا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة و هو هتك واحد) بتحقق تارة بالمخالفة الواقعية الاختيارية و اخرى بالمخالفة الاعتقادية (فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين) اذا تجرى بما صادف الواقع (كما توهم) صاحب الفصول (مع ضرورة أن المعصية الواحدة لا توجب الا عقوبة واحدة) بالضرورة (كما لا وجه) بعد ثبوت تعددهما (لتداخلهما على تقدير استحقاقهما) لأن كلا من السببين مستقل في تأثيره (كما لا يخفى) على المتأمل.

(و) الحاصل: أنه (لا منشأ لتوهمه) اي لتوهم التداخل (إلّا بداهة انه ليس في معصية واحدة) و هي مخالفة الواقع (الا عقوبة واحدة) تترتب على المخالفة المزبورة فالجمع بين تعدد المعصية و بين وحدة العقاب يوجب القول بالتداخل (مع الغفلة) من صاحب الفصول (عن ان وحدة المسبب) و هو العقاب (تكشف بنحو الإن) و هو الانتقال من المعلول الى العلة (عن وحدة السبب) و هو المعصية لا أن‏

36

«الأمر الثالث» انه قد عرفت أن القطع بالتكليف اخطأ أو أصاب، يوجب عقلا استحقاق المدح و الثواب او الذم و العقاب من دون أن يؤخذ شرعا في خطاب، و قد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه لا يماثله و لا يضاده‏

____________

وحدة العقاب تكشف عن تداخل المعصيتين إذ لو كان السبب متعددا بنحو الاستقلال لكان لكل سبب مسبب على حدة فلما اتحد المسبب كشف عن اتحاد السبب، و بالنتيجة: أن السبب واحد و هو التجري الواحد و لذا و حدّ العقاب هذا و لكن الانصاف عدم قيام الدليل على حرمة التجري و استحقاق العقاب عليه و اللّه العالم.

[في اقسام القطع‏]

(الامر الثالث) من الامور السبعة المبحوث عنها في باب القطع يتضمن بيان اقسام القطع حيث (أنه قد عرفت أن القطع بالتكليف) سواء (اخطأ) القاطع الواقع (او أصاب) الواقع فانه (يوجب عقلا استحقاق المدح و الثواب) في مورد الاطاعة و الانقياد (او الذم و العقاب) في مورد المعصية و التجري (من دون أن يؤخذ) القطع (شرعا في خطاب) شرعي بل يكون لمحض الطريقية، بمعنى أن جميع ما ذكرناه سابقا من الاحكام إنما هو القطع الطريقي و ان ما ترتب عليه من الأحكام انما هي لمحض حكم العقل فقط من دون أن تستتبع حكما شرعيا مولويا لعدم ملاك مولوية الطلب هاهنا.

(و قد يؤخذ) القطع (في موضوع حكم آخر) بحيث (يخالف) الحكم المزبور حكم (متعلقه) اي متعلق القطع بما هو قطع (لا يماثله و لا يضاده) اي لا يماثل ذلك الحكم الآخر لحكم متعلق القطع و لا يضاده و سيجي‏ء في الامر الرابع وجه عدم جواز كونه مماثلا و لا مضادا

37

كما اذا ورد في الخطاب اذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدق بكذا

____________

(كما اذا ورد) مثلا (في الخطاب) الشرعي انه (اذا قطعت بوجوب شي‏ء) كالصلاة مثلا (يجب عليك التصدق بكذا) فان القطع جعل موضوعا لوجوب التصدق، و من المعلوم أن وجوب التصدق الذي هو حكم آخر يتصف بثلاث صفات و هي:

الاولى: انه يخالف حكم متعلق القطع، لأن حكم متعلق القطع هو وجوب الصلاة و هذا الحكم هو وجوب التصدق فليس عينه- نعم لو قال:

اذا قطعت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة بذلك الوجوب الأول- كان حكم القطع عين حكم متعلق القطع لكنه مستحيل لمحذور الدور.

الثانية: أن وجوب التصدق لا يماثل حكم متعلق القطع- اعني وجوب الصلاة لأن وجوب الصلاة ليس مماثلا لوجوب التصدق. نعم لو قال:

اذا قطعت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة بوجوب آخر غير الوجوب الأول كان حكم القطع مماثلا لحكم متعلق لكنه مستحيل لمحذور اجتماع المثلين في موضوع واحد.

الثالثة: أن وجوب التصدق لا يضاد حكم متعلق القطع- أعني وجوب الصلاة لأن وجوب الصلاة ليس مضادا لوجوب التصدق لأن ملاك الضدين عدم امكان اجتماعهما و هذان يجتمعان- نعم لو قال: اذا قطعت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة كان حكم القطع مضادا لحكم متعلق القطع لمحذور اجتماع الضدين في موضوع واحد، و بهذا يتبين ان كلا من القيود الثلاثة في عبارة المصنف في قوله: «يخالف متعلقه» و «لا يماثله» و «لا يضاده» لاخراج ما يلزم منه من محذور الاستحالة:

و الحاصل: أن القطع قد يكون طريقا محضا و قد يكون موضوعا

38

تارة بنحو يكون تمام الموضوع بان يكون القطع بالوجوب مطلقا و لو اخطأ موجبا لذلك‏

و أخرى بنحو يكون جزءه و قيده بان يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجبا له و في كل منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف و حاك عن متعلقه‏

____________

و القطع الموضوعي يكون على اربعة اقسام لأنه (تارة بنحو يكون) القطع (تمام الموضوع) و ذلك (بان يكون القطع بالوجوب) اي بوجوب الصلاة في المثال السابق (مطلقا) اي اصاب القطع الواقع أم اخطأ كما فسّره بقوله: (و لو اخطأ موجبا لذلك) الحكم الآخر و هو التصدق كان يقول: اذا قطعت بوجوب الصلاة سواء كانت الصلاة واجبة واقعا ام لا- يجب عليك التصدق.

(و) تارة (أخرى) يؤخذ القطع في الموضوع (بنحو يكون جزءه و قيده) و ذلك (بان يكون القطع به) اي بالوجوب (في خصوص ما أصاب) الواقع- لا مطلقا كالقسم الأول- (موجبا له) أي لذلك الحكم الآخر و هو التصدق في المثال كأن يقول: اذا قطعت بوجوب الصلاة- و كان القطع مطابقا للواقع- بأن يكون في الواقع وجوب و قطعت به يجب عليك التصدق- فلا يجب التصدق اذا لم يكن في الواقع وجوب و لو قطع به- جهلا مركبا- و كذا لا يجب التصدق اذا كان في الواقع وجوب و لم يقطع به- جهلا بسيطا- (و في كل منهما) اي من قسمي القطع الموضوعي و هما ما اخذ القطع تمام الموضوع، و ما أخذ جزء الموضوع (يؤخذ) القطع (طورا بما هو كاشف و حاك عن متعلقه) و مرآة له فيكون القطع بوجوب الصلاة لكونه كاشفا عن الوجوب موضوعا لوجوب التصدق او جزء موضوع له‏

39

و آخر بما هو صفة خاصة للقاطع او المقطوع به و ذلك لأن القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الاضافة، و لذا كان العلم نورا لنفسه و نورا لغيره صح أن يؤخذ فيه‏

____________

(و) طورا (آخر) يؤخذ القطع (بما هو صفة خاصة للقاطع) كسائر الصفات النفسانية، كالجود و الشجاعة و الحلم و غيرها، فيكون القطع بوجوب الصلاة لكونه صفة قائمة بنفس القاطع- كالشجاعة القائمة بها- موضوعا أو جزء موضوع لوجوب التصدق (او المقطوع به) بان يكون بوجوب الصلاة لكونه صفة للصلاة- اذ الصلاة متصفة بكونها مقطوعا بها- موضوعا او جزء موضوع لوجوب التصدق.

(و ذلك) اي القطع باحد الطورين الكاشفية او الصفتية (لأن القطع) في نفسه (لما كان من الصفات الحقيقية ذات الاضافة) و هي الصفات المتأصلة ذات الاضافة و هي التي تحتاج الى طرف آخر كالعلم و القدرة المحتاجين الى المعلوم و المقدور في قبال الصفات الحقيقية التى لا تحتاج الى ذلك كالقوة و الضعف و الشجاعة و الجين فانها من الصفات القائمة بالنفس من دون حاجة إلى طرف آخر و في قبال الصفات الانتزاعية الاعتبارية كالابوة و البنوّة و الفوقية و التحية و التقدم و التأخر مما ليس بحذائه شي‏ء في الخارج سوى منشأ انتزاعه.

و بالنتيجة: أن القطع من الصفات الحقيقية القائمة بالنفس ذات الاضافة الحاصلة بين القاطع و المقطوع (و لذا) أي و لأجل كون القطع من الصفات الحقيقية ذات الاضافة (كان العلم نورا لنفسه) لكونه من الحقائق الموجودة في الخارج يضي‏ء لنفسه (و نورا لغيره) و مظهرا اياه و دالا عليه فالعلم واضح بنفسه، و موضح لغيره كالسراج الذي هو ظاهر بنفسه و مظهر لغيره (صح أن يؤخذ) القطع (فيه) أي في الموضوع‏

40

بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة بالغاء جهة كشفه او اعتبار خصوصية أخرى فيه معها، كما صح أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه و حاك عنه فيكون اقسامه اربعة مضافا الى ما هو طريق محض عقلا غير مأخوذ في الموضوع شرعا

____________

(بما هو) اى القطع (صفة خاصة) في مقابل الصفات الأخر فيقال القطع في مقابل الظن، او الاحتمال او غير ذلك من الصفات القائمة في النفس (و حالة مخصوصة) لشخص القاطع (بالغاء) اي مع صرف النظر عن (جهة كشفه) عن الواقع و طريقيته اليه بان يقول المولى:

أن القطع صفة- من غير اعتبار كونه كاشفا- اخذته في موضوع حكمى بوجوب التصدق (او) الغاء (اعتبار خصوصية أخرى) اي الغاء اعتبار خصوصية أخرى غير جهة الكشف بان لا يعتبر المولى في اخذ القطع موضوعا كونه من سبب خاص او شخص خاص (فيه) اي في الموضوع و الجار و المجرور متعلق بقوله: «بالغاء» (معها) أي مع هذه الصفة الخاصة من كونها من سبب خاص أو شخص خاص (كما صح أن يؤخذ) القطع في موضوع وجوب التصدق (بما هو كاشف عن متعلقه و حاك عنه) لا بما هو صفة خاصة قائمة بنفس القاطع و حينئذ (فيكون) القطع المأخوذ في الموضوع (اقسامه اربعة) و هي الاول:

أن يؤخذ بنحو تمام الموضوع، الثاني: ان يؤخذ بنحو جزء الموضوع‏

الثالث: أن يؤخذ في الموضوع بنحو الكاشفية، الرابع: أن يؤخذ في الموضوع بنحو الصفتية (مضافا الى) هذه الاقسام الأربعة قسم خامس و هو (ما) اي القطع الذي (هو طريق محض) الى الواقع (عقلا) لا شرعا (غير مأخوذ في الموضوع شرعا) كان يكون‏

41

ثم لا ريب في قيام الطرق و الأمارات المعتبرة بدليل حجيتها و اعتبارها مقام هذا القسم، كما لا ريب في عدم قيامها بمجرد ذلك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على نحو الصفتية من تلك الاقسام.

____________

الوجوب مرتبا على الصلاة و يكون القطع بهذا الوجوب طريقا الى ادراك الواقع فيصير المجموع خمسة اقسام (ثم) انه بعد معرفة اقسام القطع يقع الكلام في احكام هذه الاقسام فنقول: (لا ريب في قيام الطرق و الامارات المعتبرة) كخبر العادل و البينة (بدليل حجيتها و اعتبارها) بمعنى أن الطرق و الامارات انما تقوم مقام القطع الطريقي من جهة الدليل الناهض على حجيتها القائم على اعتبارها فان لسانه ناطق بان اعتبارها من جهة كونها طريقا الى الواقع كالقطع الطريقي إلّا أن طريقيتها اليه مجعولة للشارع و طريقية القطع الى الواقع عقلية- كما سلف- (مقام هذا القسم) و هو القطع الطريقي المحض عقلا فكما انه اذا قطع بان صلاة الجمعة واجبة وجب عليه الاتيان بها كذلك اذا قام خبر الواحد على وجوبها وجبت و كما أنه لو علم بنجاسة هذا المائع وجب الاجتناب عنه كذلك اذا قامت البينة على نجاسته وجب الاجتناب عنه لان معنى جعل الطريق و الامارة هو ترتيب آثار الواقع على مؤدياتها فدليل اعتبارهما يجعلها بمنزلة القطع الطريقي.

[في قيام الطرق و الامارات مقام القطع‏]

(كما لا ريب في عدم قيامها) اي الطرق و الأمارات (بمجرد ذلك الدليل) القائم على حجيتها و اعتبارها (مقام ما) اي مقام القطع الذي (اخذ في الموضوع على نحو الصفتية) المحضة سواء أخذ في الموضوع تماما أو جزء (من تلك الاقسام) الخمسة فلو نذر التصدق بدرهم اذا قطع بوجوب صلاة الجمعة لم يجب عليه التصدق اذا لم يقطع و ان قام خبر العادل على وجوبها كما لا يخفى.

42

بل لا بد من دليل آخر على التنزيل فان قضية الحجية و الاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجة من الآثار لا له بما هو صفة و موضوع، ضرورة أنه كذلك يكون كسائر الموضوعات و الصفات،

____________

(بل لا بدّ) في قيام الطرق و الامارات مقام القطع الصفتي (من دليل آخر) غير دليل حجيتها و اعتبارها مما يدل (على التنزيل) حتى مقام القطع الصفتي.

و انما تقول بعدم كفاية دليل الحجية في التنزيل منزلة القطع الصفتي (فان قضية) أي مقتضى (الحجية) اي حجية الامارات و الطرق (و الاعتبار) المجعول لها من ناحية الشرع هو (ترتيب ما للقطع بما هو حجة) و طريق (من الآثار) أي ترتيب آثار القطع الطريقي على الطرق و الامارات و هي المنجزية عند الاصابة و المعذريّة عند الخطأ (لا) ترتيب ما (له) اي للقطع (بما هو صفة) خاصة (و موضوع) الحكم فلا يترتب على الامارة آثار القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الصفتية (ضرورة أنه) أي القطع بما هو (كذلك) صفة قائمة بالقاطع (يكون كسائر الموضوعات) المتشتتة (و الصفات) الحقيقية و لا يكون للامارات و الطرق المجعولة اي ربط به اصلا و كما لا تحمل آثار موضوع على موضوع آخر منفرد عنه مباين له كذلك لا تحمل آثار صفة على صفة أخرى فان النجاسة لو ترتبت على البول مثلا يجب تنزيل جديد لترتب النجاسة على شي‏ء آخر قائم مقام البول كذلك اذا ترتب التصدق على صفة القطع بما هي صفة نفسانية الموجبة لاطمئنان الخاطر يجب تنزيل جديد لترتب التصدق على شي‏ء آخر قائم مقام هذه الصفة نظير جعل التراب بمنزلة الماء في حصول الطهارة بهما للدليل الخاص كما لا يخفى.

43

و منه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على نحو الكشف فان القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعا كسائر ما لها دخل في الموضوعات ايضا فلا يقوم مقامه شى‏ء بمجرد حجيته او قيام دليل على اعتباره ما لم يقم دليل على تنزيله و دخله في الموضوع كدخله‏

____________

(و منه) أي من عدم قيام الطرق و الامارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الصفتية (قد انقدح) و ظهر (عدم قيامها بذاك الدليل) القائم على حجيتها اي بمجرد دليل الحجية.

(مقام ما أخذ في الموضوع) من القطع (على نحو الكشف) سواء كان جزء الموضوع او تمامه (فان القطع المأخوذ بهذا النحو) و هو الكشف (في الموضوع شرعا) تمييز لقوله: «المأخوذ»، يكون حاله (كسائر ما لها دخل في الموضوعات ايضا) فكما أن الموضوعات و الصفات لها احكام بحيالها كذلك يكون كل ما له دخل في الموضوع قاله يعدّ من توابعه فالقطع المأخوذ بنحو الصفتية كسائر ما له دخل في الموضوعات (فلا يقوم مقامه) أي مقام هذا القطع المأخوذ بنحو الكاشفية (شي‏ء بمجرد حجيته) اي حجية ذلك الشي‏ء لأن دليل حجية الامارة انما هو جعل للحجية لا جعل للموضوع (او) جزء الموضوع و حينئذ فمجرد (قيام دليل على اعتباره) اي اعتبار ذلك الشي‏ء لا يفيد بالنسبة الى ما أخذ في الموضوع بنحو الكشف (ما لم يقم دليل) خاص (على تنزيله) أي تنزيل ذلك الشي‏ء- كخبر العادل او البينة- (و دخله في الموضوع كدخله) اي كدخل القطع.

و الحاصل: ان دليل: «صدّق العادل» مثلا انما يدل على قيام قول العادل مقام القطع الطريقي المحض اما قيام قول العادل مقام القطع‏

44

و توهم كفاية دليل الاعتبار الدال على الغاء احتمال خلافه و جعله بمنزلة القطع من جهة كونه موضوعا و من جهة كونه طريقا فيقوم مقامه طريقا كان أو موضوعا

____________

الدخيل في الموضوع تماما أو جزء صفة أو كشفا كما تقدم من مثال التصدق فلا يتم بهذا الدليل بل يحتاج الى دليل آخر خاص يدل على قيام قول العادل مقام هذا النحو من القطع لأن ظاهر دليل التنزيل هو تنزيل المؤدي منزلة الواقع و لازمه ترتيب آثار الواقع و احكامه على مؤدى الامارة و الطريق أما ترتيب نفس آثار القطع المأخوذ في الموضوع بما هو صفة او كاشف على الامارة و الطريق فلا وجه له (و توهم) أنه لا وجه لتخصيص دليل تنزيل الامارة منزلة القطع بحيثية الطريقية فقط فان ذلك خلاف اطلاق دليل التنزيل من جهة (كفاية دليل الاعتبار) القائم على حجيتها (الدال) بادعاء التوسعة في مفاده و مدلوله بتقريب ان دليل الحجية غير منحصر الدلالة على تنزيلها منزلة القطع الطريقي فقط بل يمكن أن يدعي في دلالته عموم المفاد و التنزيل و انه دال (على الغاء احتمال خلافه) اي خلاف الواقع و ادعاء أن الامارة و الطريق لا يخطئان و انما يعبّران عنه فان قول العادل بالنظر الى ذاته يحتمل الصدق و الكذب و دليل الاعتبار و هو صدّق العادل بقوله معناه: الخ احتمال الخلاف (و) هذا عام لأنه (جعله) اي جعل ما قام عليه دليل الاعتبار (بمنزلة القطع) في كل شي‏ء مطلقا (من جهة كونه موضوعا و من جهة كونه طريقا) و على هذا (فيقوم) الامارة و الطريق (مقامه) أي مقام القطع (طريقا كان) القطع (او موضوعا) فيترتب على قول العادل أثر القطع كما يترتب عليه أثر متعلقه- اي المقطوع به-

45

فاسد جدا فان الدليل الدال على الغاء الاحتمال لا يكاد يكفي إلا باحد التنزيلين حيث لا بد في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزل و المنزل عليه و لحاظهما في احدهما

____________

(فاسد جدا) أي التوهم (فان الدليل الدال على) حجية الامارات و الطرق من جهة (الغاء الاحتمال) المخالف (لا يكاد يخفي إلا باحد التنزيلين) اما تنزيل الامارة منزلة القطع الموضوعي حتى يترتب عليها ما يترتب على القطع الموضوعي من الآثار و اما تنزيلها منزلة القطع الطريقي فلا يترتب على الامارة آثار القطع و انما يترتب عليها آثار متعلق القطع و انما لم يمكن الجمع بين التنزيلين في كلام واحد (حيث لا بد في كل تنزيل منهما) اي من هذين التنزيلين.

(من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه) مثلا: لو كان القطع بوجوب الصلاة موضوعا لوجوب التصدق بدرهم فانه اذا حصل هذا القطع فيجب على المكلف بمجرد حصوله امران الاول: الاتيان بالصلاة لأن هذا القطع صار سببا لانكشاف الواقع، الثاني: التصدق بدرهم لأن القطع بوجوب الصلاة موضوع له و كلما وجد الموضوع يترتب عليه حكمه و على هذا فالمولى الجاعل لخبر العادل منزلة القطع اما أن بجعله منزلة القطع في ترتب أثر الواقع- اعني بوجوب الصلاة- فيكون مفاد التنزيل انه كما يجب عليك الصلاة اذا قطعت بوجوبها كذلك يجب عليك الصلاة اذا قام خبر الواحد على وجوبها، و اما أن يجعله منزلة القطع في ترتب أثر القطع عليه فيكون مفاد التنزيل أنه كما يجب عليك التصدق بدرهم اذا قطعت بوجوب الصلاة كذلك يجب عليك التصدق بدرهم اذا قام خبر الواجد على وجوبها (و) من المعلوم ان (لحاظهما) اي لحاظ المنزل و المنزل عليه (في أحدهما) اي احد التنزيلين و هو تنزيل خبر الواحد منزلة القطع‏

46

آلي و في الآخر استقلالي بداهة أن النظر في حجيته و تنزيله منزلة القطع في طريقيته في الحقيقة الى الواقع و مؤدى الطريق و في كونه بمنزلته في دخله فى الموضوع الى انفسهما

____________

في ترتب أثر الواقع عليه (آلى) و بلحاظ الغير حيث لا يلحظ المولى حينئذ القطع بما هو بل ينزل مؤدى الامارة منزلة متعلق القطع فلا نظر للقطع و انما النظر كله الى المؤدي و الواقع بمعنى كونهما طريقين الى الواقع (و في) التنزيل (الآخر) و هو تنزيل خبر الواحد منزلة القطع في ترتب أثر القطع عليه (استقلالي) و هو كونهما مأخوذين بنحو الموضوعية لا الطريقية حيث لا يلاحظ المولى حينئذ متعلق القطع و مؤدى الامارة بل يلاحظ القطع بما هو و ينزل خبر الواحد بما هو منزلته.

(بداهة أن النظر) و اللحاظ (في حجيته) أي حجية الطرق و الامارات، و تذكير الضمير باعتبار خبر الواحد (و تنزيله منزلة القطع في طريقيته) بمعنى انه حيث ينزل الامارة منزلة القطع الطريقي (في الحقيقة) يكون النظر (الى الواقع و مؤدى الطريق) لا الى انفسهما و هذا معنى الآلية فيهما (الى الواقع و مؤدى الطريق) لا الى انفسهما و هذا معنى الآلية فيهما (و) أن النظر (في كونه) أي في كون ما قام عليه دليل الاعتبار كخبر الواحد مثلا (بمنزلته) أي بمنزلة القطع (في دخله) اي في دخل الخبر (في الموضوع) انما يكون (الى انفسهما) اي نفس الخبر و نفس القطع بمعنى أن المنظور اليه بالموضوعية هو نفس القطع و نفس الامارة لا كونهما طريقين الى الواقع و هذا معنى الاستقلالية فيهما فحالهما حال من ينظر الى المرأة نظر من يريد شراءها فانه ينظر الى كيفية صنعها و قيمتها حتى لو سئل عن حال وجهه و انه ابيض أو اسود كان الجواب منه بانه لم يلتفت الى ذلك حيث أن تمام‏

47

و لا يكاد يمكن الجمع بينهما- نعم- لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما يمكن أن يكون دليلا على التنزيلين و المفروض أنه ليس فلا يكون دليلا على التنزيل إلّا بذاك اللحاظ اللآلي فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه و صحة العقوبة على مخالفته في صورتي اصابته و خطأه‏

____________

نظره كان الى نفس المرأة بخلاف ما تقدم في القسم الاول و هو الطريقية و الآلية (و) من المعلوم بالبداهة انه كما (لا يكاد يمكن الجمع) بين النظر الى الوجه في المرآة و بين النظر الى نفس المرأة بنظرة واحدة كذلك لا يكاد يمكن الجمع (بينهما) اى بين النظر الى القطع آليا و بين النظر اليه استقلاليا في نظر واحد و لحاظ فارد.

(نعم لو كان في البين) على فرض مستحيل و هو (ما بمفهومه جامع بينهما) اى بين اللحاظين من الآلية و الاستقلالية حتى يكون عند التنزيل النظر الى الجامع (يمكن أن يكون) دليل واحد للتنزيل ناظر الى الجامع (دليلا على التنزيلين) الطريقية و الموضوعية و هما تنزيل المؤدي منزلة الواقع و تنزيل الامارة منزلة القطع هذا (و) لكن (المفروض انه ليس) بل لا يعقل القدر المشترك بين المستقل و غير المستقل (فلا يكون) دليل اعتبار الطرق و الامارات (دليلا على التنزيل إلّا) باحد اللحاظين اما (بذاك اللحاظ الآلي) الطريقي فقط فلو قام الخبر على وجوب الصلاة لم يجب إلا الاتيان بالصلاة لا التصدق (فيكون) دليل التنزيل (حجة موجبة لتنجز متعلقه و صحة العقوبة على مخالفته في صورتي اصابته) بان كانت الصلاة في الواقع واجبة و قامت الامارة على وجوبهما (و خطأه) بأن لم تكن الصلاة واجبة و قام الدليل على وجوبها أما صحة العقوبة في صورة الاصابة و حصول‏

48

بناء على استحقاق المتجري أو بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالي فيكون مثله في دخله في الموضوع و ترتيب ما له عليه من الحكم الشرعي. لا يقال: على هذا لا يكون دليلا على احد التنزيلين ما لم يكن هناك قرينة في البين‏

____________

المخالفة فواضحة لتنجز الواقع بقيام الدليل عليه، و أما صحة العقوبة في صورة عدم الاصابة و حصول المخالفة فانما تكون (بناء على استحقاق المتجري) للعقاب كما عرفت تفصيله (او) يكون دليلا على التنزيل (بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالي) و هذا عطف على قوله: «بذاك اللحاظ الآلي» بمعنى أن يكون دليل التنزيل اما باللحاظ الآلي او اللحاظ الاستقلالي (فيكون) الطريق و الامارة كخبر الواحد مثلا: (مثله) أى مثل القطع (في دخله في الموضوع و) وجوب (ترتيب ما له) اي ما للقطع (عليه) اى على خبر الواحد (من الحكم الشرعي) المترتب على الموضوع الذي اخذ فيه القطع و ما نزل منزلته في موضوعيته فيجب التصدق فقط و لا تجب الصلاة.

(لا يقال: على هذا) الذي ذكره المصنف من عدم كفاية دليل واحد لتنزيلين بل لا بد من كون المراد بدليل التنزيل احد التنزيلين باحد اللحاظين فيكون دليل التنزيل مجملا و حينئذ (لا يكون) دليل اعتبار الطرق و الامارات الدال على التنزيل (دليلا) ناصا (على احد التنزيلين) بخصوصه و انه الطريقية وحدها او الموضوعية وحدها فلا يعلم أن أيهما مراد من الدليل.

(ما لم يكن هناك قرينة في البين) تعيّن أحدهما لأجل اجمال الدليل و حينئذ فلا وجه لما حكمتم من أن دليل التنزيل انما ينزل المؤدى منزلة الواقع الذي هو مفاد الطريقية.

49

فانه يقال: لا اشكال في كونه دليلا على حجيته فان ظهوره في انه بحسب اللحاظ الآلي مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه، و انما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الآخر الاستقلالي من نصب دلالة عليه فتأمل في المقام فانه دقيق و مزال الاقدام للاعلام. و لا يخفى انه لو لا ذلك لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد دال على الغاء احتمال خلافه مقام القطع بتمام اقسامه و لو فيما اخذ في الموضوع على نحو الصفتية كان تمامه أو قيده و به قوامه‏

____________

(فانه يقال: لا اشكال في كونه) اي كون دليل التنزيل (دليلا على حجيته) اي حجية ما قام عليه الدليل المذكور و معنى حجيته كونه طريقا الى الواقع لأن الأثر الظاهر للقطع هو طريقيته و حجيته لا موضوعيته و لهذا كلما نزل منزلته يكون ظاهرا في أنه نزل بلحاظ كاشفيته و طريقيته (فان ظهوره) أي ظهور التنزيل (في أنه) اي الدليل نزل منزلة القطع (بحسب اللحاظ الآلي) الطريقي و هذا (مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه و انما يحتاج تنزيله) اي تنزيل خبر الواحد مثلا منزلة القطع (بحسب اللحاظ الآخر الاستقلالي) بان يكون الخبر كالقطع موضوعا لوجوب التصدق مثلا (من نصب دلالة عليه) لما سبق من أن الظهور بخلافه (فتأمل في المقام فانه دقيق و) هو من (مزال الاقدام للاعلام) و باللّه تعالى الاعتصام (و لا يخفى أنه لو لا ذلك) اي لو لا امتناع الجمع بين اللحاظين (لأمكن أن يقوم الطريق) و الامارة كخبر الواحد مثلا (بدليل واحد) و هو دليل اعتبارهما (دال على الغاء احتمال خلافه) كقوله (عليه السلام): «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا» (مقام القطع بتمام اقسامه) الخمسة التي عرفتها سابقا (و لو فيما أخذ في الموضوع على نحو الصفتية) المحضة للقاطع أو المقطوع به سواء (كان) القطع (تمامه) اي تمام الموضوع (أو قيده و به قوامه) بأن كان جزءه.

50

فتلخص بما ذكرنا أن الامارة لا تقوم بدليل اعتبارها الا مقام ما ليس مأخوذا في الموضوع اصلا و اما الأصول فلا معنى لقيامها مقامه بادلتها ايضا غير الاستصحاب لوضوح أن المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار و الاحكام من تنجز التكليف و غيره كما مرّت اليه الاشارة و هي ليست إلا وظائف مقرّرة للجاهل‏

____________

(فتخلص بما ذكرنا أن الامارة لا) يمكن أن (تقوم بدليل اعتبارها) و ان امكن فيها بدليل ثاني (الا مقام ما ليس مأخوذا في الموضوع اصلا) فقيامها انما هو مقام القطع الطريقي المحض.

هذا كله في بيان حال الامارات و الطرق و بيان قيامها مقام القطع بجميع اقسامه (و اما الاصول) العملية المقررة لعمل الجاهل بالحكم في ظرف جهله كالبراءة، و الاستصحاب و الاحتياط و التخيير (فلا معنى لقيامها مقامه) اي مقام القطع بجميع اقسامه (ب) واسطة (ادلتها ايضا) اي كما لا تقوم الامارات و الطرق مقام القطع الموضوعي (غير الاستصحاب) فانه يقوم مقام القطع الطريقي المحض كسائر الامارات و انما لا تقوم الاصول مقام القطع مطلقا (لوضوح أن المراد من قيام المقام) و هو الأصل مقام القطع (ترتيب ما له) أي للقطع (من الآثار و الاحكام من تنجز التكليف) عند الاصابة و المعذورية عند الخطأ و صحة العقوبة على التجري (و غيره) على ذلك الشي‏ء القائم مقام القطع (كما مرت اليه الاشارة) في صدر هذا المبحث فمعنى قيام الامارة انها طريق الى الواقع كما أن القطع طريق (و هي) أي و الحال أن الاصول العملية و هي البراءة و التخيير و الاحتياط ليست طرفا اصلا و ليست لها كاشفية كشفا ناقصا حتى تقوم مقام الكاشف الحقيقي اذ هي (ليست إلّا وظائف) عملية و احكام (مقررة للجاهل) في ظرف جهله‏

51

في مقام العمل شرعا او عقلا، لا يقال: ان الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو كان، فانه يقال:

____________

(في مقام العمل شرعا) في الاصول الشرعية كالبراءة الشرعية (او عقلا) في الاصول العقلية كالبراءة العقلية و بعبارة أوضح: ان الامارات و الطرق كواشف جعلية من قبل الشارع عن الواقع و لذا تقوم مقام الطريق الواقعي المنجعل بنفسه- و هو العلم- بخلاف الاصول حيث لا طريقية لها بل هي احكام عملية عينت للجاهل بالواقع يعمل على طبقها حين البأس عن وصول يده الى الواقع علما او علميا، مثلا: لو شك في مائع انه خمر أم لا فمقتضى البراءة العقلية و الشرعية هو أن مرتكبه معذور، و البراءة لا تعين انه خمر ام ليس بخمر بخلاف خبر العادل فان منطقه يقول: بانه خمر او ليس بخمر، و الاستصحاب مثل الامارات لكشفه عن الواقع كشفا ناقصا، و لذا يقوم مقام القطع اذ ينزل الشك في البقاء منزلة اليقين بالبقاء في ترتيب ما له من الآثار فهو واسطة بين الاصول و الامارات، و لذا يعبر عنه بعرش الاصول، و فرش الامارات فيقدم على الاصول و يؤخر عن الامارات.

(لا يقال: إن الاحتياط) من بين الاصول العملية

(لا بأس بالقول بقيامه مقامه) اي مقام القطع الطريقي (في تنجز التكليف) به (لو كان) في البين تكليف في الواقع فالاحتياط يقوم مقام القطع الطريقي فانه كما أن العلم بالواقع مما يوجب تنجزه و استحقاق الثواب على فعله و العقاب على تركه كذلك في موارد وجوب الاحتياط حيث يترتب عليه آثار الواقع من تنجز التكليف به و ترتب الثواب على فعله و العقاب على تركه و حينئذ فحال الاحتياط حال الامارات و الطرق فانه طريق الى الواقع مثل القطع (فانه يقال:) وجوب الاحتياط

52

أما الاحتياط العقلي فليس إلا نفس حكم العقل بتنجز التكليف و صحة العقوبة على مخالفته لا شي‏ء يقوم مقامه في هذا الحكم، و أما النقلي.

____________

لا يخلو عن احد أمرين الاول: أن يكون بحكم العقل كاطراف الشبهة المحصورة، الثاني: ان يكون بحكم الشرع كالشبهة البدوية التحريمية بناء على مختار الاخباريين و لا يقوم شي‏ء منهما مقام العلم‏

(اما الاحتياط العقلي) بمعنى حكم العقل بلزوم الاحتياط (فليس) هو (إلّا نفس حكم العقل بتنجز التكليف و صحة العقوبة على مخالفته) اي مخالفة التكليف، فلا يكون الاحتياط قائما مقام القطع لأن معنى القيام مقام القطع هو انه كما يكون القطع منجزا للتكليف فيكون موجبا للثواب عند الامتثال و العقاب عند المخالفة كذلك هذا القائم مقامه و الاحتياط العقلي هو عين حكم العقل بحسن العقاب على تقدير المخالفة (لا) انه (شي‏ء يقوم مقامه) اي مقام القطع (في هذا الحكم) اي الحكم بصحة العقوبة.

و بعبارة اخرى: ان القطع شي‏ء، و أثره- و هو التنجز و صحة العقاب- شي‏ء آخر و كذلك الحال في الامارات و الطرق فان خبر العادل شي‏ء و أثره شي‏ء آخر، فمعنى قيام خبر العادل مقام القطع هو انه يترتب على خبر العادل ما يترتب على القطع من تنجز التكليف و صحة العقاب، و الاحتياط العقلي ليس كذلك اذ هو عبارة عن الاثر فقط- اعني صحة العقاب بحكم العقل فليس هناك شي‏ء هو الاحتياط و شي‏ء آخر هو الأثر حتى يقال: نزل الاحتياط منزلة القطع في أنه كما يترتب الاثر على القطع يترتب الاثر على الاحتياط.

(و اما) الاحتياط (النقلى) و هو حكم الشارع بوجوب‏

53

فالزام الشارع به- و ان كان مما يوجب التنجز و صحة العقوبة على المخالفة كالقطع- إلا أنه لا نقول به في الشبهة البدوية، و لا يكون بنقلي في المقرونة بالعلم الاجمالي- فافهم-

____________

الاحتياط- فهو و ان كان يصح تنزيله منزلة القطع- لو كان لنا احتياط شرعي- اذ حكم الشارع بوجوب الاحتياط يكشف عن فعلية التكليف بالواقع فيترتب عليه التنجز و صحة العقوبة فهنا شيئان الواقع المكشوف بالاحتياط و اثره، كما ان في القطع شيئين الواقع المكشوف بالقطع و اثره‏

و الحاصل: أنه لو كان احتياط شرعي اتمام مقام القطع في كشف الواقع و ترتب أثره عليه (فالزام الشارع به) اي بالاحتياط (و ان كان مما يوجب التنجز و صحة العقوبة على المخالفة كالقطع) في كونه موجبا لتنجز التكليف و صحة العقوبة على المخالفة (إلّا أنه) لا احتياط شرعي لنا أصلا حيث (لا نقول به في الشبهة البدوية) بعد الفحص بل تكون مجرى البراءة خلافا للاخباريين (و لا يكون) الاحتياط (بنقلي في) الشبهة (المقرونة بالعلم الاجمالي) حيث ثبت بحكم العقل و ما ورد من الشارع انما هو ارشاد الى حكم العقل فالاحتياط الواجب ليس بشرعي و الاحتياط الشرعي ليس بواجب (فافهم) قيل: بانه اشارة الى أن توهم قيام الاحتياط مقام القطع- كما اوضحه المشكل بقوله: «لا يقال» غير مختص بالاحتياط بل البراءة ايضا تقوم مقام القطع فانها تنفي التكليف و الاحتياط يثبته و كذلك التخيير فانه قائم مقام القطع بالتخيير.

و بالنتيجة: انه على موجب هذا التوهم لا اختصاص للاشكال بالاحتياط بل يمكن توهم قيام كل منها مقام القطع، غاية الامر أن البراءة قائمة مقام القطع بعدم التكليف، و الاحتياط قائم مقام القطع بالتكليف‏

54

ثم لا يخفى: أن دليل الاستصحاب ايضا لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ في الموضوع مطلقا و أن مثل: «لا تنقض اليقين» لا بد من ان يكون مسوقا اما بلحاظ المتيقن او بلحاظ نفس اليقين، و ما ذكرنا في الحاشية في وجه تصحيح لحاظ واحد في‏

____________

و التخيير قائم مقام القطع بالتخيير كما لا يخفى.

(ثم لا يخفى أن دليل الاستصحاب) مثل: لا تنقض اليقين بالشك واضح الدلالة على تنزيله منزلة القطع الطريقي في ابقاء ما كان و ترتيب آثاره الشرعية عليه فهو منجز للتكليف و مصحح للعقوبة على المخالفة و أما دليل الاستصحاب بالنسبة الى تنزيله منزلة القطع الموضوعي (ايضا) المنزل للشك منزلة القطع كسائر أدلة الطرق و الاصول (لا يفي بقيامه) اي قيام الاستصحاب (مقام القطع المأخوذ في الموضوع مطلقا) لا بنحو الصفتية و لا بنحو الكاشفية تمام الموضوع كان أو جزءه (و أن مثل:

«لا تنقض اليقين») بالشك (لا بد من ان يكون) دليل الاستصحاب (مسوقا) باحد اللحاظين (اما بلحاظ المتيقن) و كون اليقين طريقا اليه و هو اللحاظ الآلي فيكون استصحاب وجوب الصلاة في مثال: «اذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدق بدرهم، موجبا للاتيان بالصلاة فقط و لا يكون موجبا للتصدق (أو بلحاظ نفس اليقين) من دون ان تراعى فيه الطريقية الى المتيقن بل تراعى نفسه كالقطع الموضوعي و هو اللحاظ الاستقلالي و اما مراعاة الجمع بينهما فقد عرفت امتناعهما فيكون معنى «لا تنقض» وجوب ترتيب آثار اليقين لا المتيقن فيكون استصحاب وجوب الصلاة موجبا للتصدق فقط لا للاتيان بالصلاة (و ما ذكرنا في الحاشية) على الرسائل (في وجه تصحيح لحاظ واحد في)