حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - ج2

- عبد الرحمن السيوطي المزيد...
381 /
3

[الجزء الثانى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

ذكر أمراء مصر من حين فتحت إلى أن ملكها بنو عبيد

أوّل أمير عمرو بن العاص رضي اللّه عنه، ولّاه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه على الفسطاط و أسفل الأرض، و ولي عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح على الصّعيد إلى القيّوم.

أخرج ابن عبد الحكم، عن أنس، قال: أتى رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظّلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسّوط، و يقول: أنا ابن الأكرمين! فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه، و يقدم بابنه معه. فقدم فقال عمر: أين المصريّ؟

خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسّوط و يقول عمر: اضرب ابن الأكرمين. ثمّ قال للمصريّ: ضعه على صلعة عمرو، قال: يا أمير المؤمنين، إنّما ابنه الّذي ضربني و قد اشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبّدتم النّاس و قد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟ قال:

يا أمير المؤمنين، لم أعلم و لم يأتني.

و أخرج ابن عبد الحكم عن نافع مولى ابن عمر، أنّ صبيغا العراقيّ جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين، حتّى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فضربه و نفاه إلى الكوفة، و كتب إلى أبي موسى الأشعريّ أن ألّا يجالسه أحد من المسلمين.

و قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه: حدّثنا عبد اللّه بن صالح، حدّثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أنّ عمرو بن العاص استحلّ مال قبطيّ من قبط مصر لأنّه استقرّ عنده أنّه كان يظهر الرّوم على عورات المسلمين يكتب إليهم بذلك، فاستخرج منه بضعا و خمسين إردبا دنانير. قال أبو صالح: و الإردبّ ستّ و يبات و عيّرنا الويبة، فوجدناها تسعا و ثلاثين ألف دينار.

قال الحافظ عماد الدين بن كثير: فعلى هذا يكون مبلغ ما أخذ من هذا القبطيّ يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار.

4

قال ابن عبد الحكم: توفّي‏ (1) عمر، و على مصر أميران: عمرو بن العاص بأسفل الأرض و عبد اللّه بن سعد على الصعيد. فلما استخلف عثمان بن عفان عزل عمرو بن العاص و ولّى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أميرا على مصر كلّها؛ و ذلك في سنة خمس‏ (2) و عشرين.

و قال الواقديّ و أبو معشر: في سنة سبع و عشرين.

فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة، و في نفسه من عثمان أمر كبير؛ و جعل عمرو ابن العاص يؤلّب الناس على عثمان؛ و كره أهل مصر عبد اللّه بن سعد بعد عمرو بن العاص؛ و اشتغل عبد اللّه بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب و فتحه بلاد البربر و الأندلس و إفريقيّة، و نشأ بمصر ناس من أبناء الصحابة يؤلّبون الناس على حرب عثمان، و الإنكار عليه في عزل عمرو، و تولية من دونهم؛ و كان عظم ذلك مسندا إلى محمد بن أبي بكر و محمد بن أبي حذيفة، حتّى استنفرا نحوا من ستّمائة راكب يذهبون إلى المدينة لينكروا على عثمان، فساروا إليها، و سألوه أن يعزل عنهم ابن أبي سرح، و يولّي محمد بن أبي بكر أميرا، فأجابهم إلى ذلك، فلمّا رجعوا إذا هم براكب، فأخذوه و فتّشوه‏ (3)، فإذا في إداوته كتاب إلى ابن أبي سرح على لسان عثمان بقتل محمد بن أبي بكر و جماعة معه، فرجعوا و داروا بالكتاب على الصحابة؛ فلام النّاس عثمان على ذلك، فخلف: ماله علم بذلك، و ثبت أنه زوّره على لسانه مروان بن الحكم، و زوّره على خاتمه، فكان ذلك سبب تحريض المصريّين على قتل عثمان حتّى حصروه و قتلوه. و كان الذي باشر قتله رجلا من أهل مصر من كندة يسمى أسود بن حمران، و يكنى أبا رومان، و يلقب حمارا، و قيل: اسمه رومان، و قيل اسمه سودان‏ (4) بن رومان المراديّ. و كان أشقر أزرق، و قتل هو أيضا في الحال- لعنه اللّه و رضي عن عثمان أمير المؤمنين- و فعل المصريون في المدينة من الشرّ ما لا يفعله فارس و الرّوم، و نهبوا دار عثمان، و عدلوا إلى بيت المال فأخذوا ما فيه، و كان فيه شي‏ء كثير جدّا، و ذلك في ذي الحجّة سنة خمس و ثلاثين.

و أخرج الواقديّ عن عبد الرحمن بن الحارث، قال: الذي قتل عثمان كنانة بن بشر (5) بن غياث التّجيبيّ، حتّى قال القائل:

ألا إنّ خير الناس بعد ثلاثة* * * قتيل التّجيبيّ الّذي جاء من مصرا

____________

(1) توفي سنة 23 ه. انظر الكامل لابن الأثير:

3/ 26.

(2) في الكامل لابن الأثير 3/ 45: ولي عبد اللّه بن سعد سنة 26 ه.

(3) انظر الكامل لابن الأثير: 3/ 85.

(4) في الكامل لابن الأثير 3/ 90: سودان بن حمران.

(5) الكامل لابن الأثير: 3/ 90.

5

و أخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيّب، قال: كانت المرأة تجي‏ء في زمان عثمان إلى بيت المال، فتحمل وقرها، و تقول: اللهمّ بدّل، اللهمّ غيّر. فلمّا قتل عثمان، قال حسّان بن ثابت:

قلتم بدّل فقد بدّلكم‏* * * سنة حرّى و حربا كاللّهب‏

ما نقمتم من ثياب خلفة* * * و عبيد و إماء و ذهب‏

و روى محمد بن عائذ، عن إسماعيل بن عيّاش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمع عبد اللّه بن سلام رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفّان فلم ينتطح فيها عنزان. فقال ابن سلام: أجل، إنّ البقر و الغنم لا تنتطح في قتل الخليفة، و لكن تنتطح فيه الرجال بالسلاح؛ و اللّه ليقتلنّ به أقوام إنّهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد.

و بقيت المدينة خمسة أيام بلا خليفة، و المصريّون يلحّون على عليّ أن يبايعوه و هو يهرب منهم؛ و يطلب الكوفيّون الزّبير فلا يجدونه، و البصريّون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم: لا نولّي أحدا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبي وقّاص فلم يقبل منهم، ثمّ جاءوا إلى ابن عمر، فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، و قالوا: إن نحن رجعنا بقتل عثمان عن غير إمرة، اختلف الناس؛ فرجعوا إلى عليّ، فألحوا عليه فبايعوه، فأشار عليه ابن عباس باستمرار نوّاب عثمان في البلاد إلى حين آخر، فأبى عليه، و عزل عبد اللّه ابن سعد بن أبي سرح عن مصر و ولّى عليها قيس بن سعد بن عبادة.

و كان محمد بن أبي حذيفة لمّا بلغه حصر عثمان تغلّب على الديار المصرية، و أخرج منها ابن أبي سرح، و صلّى بالناس فيها، فسار ابن أبي سرح، فجاءه الخبر في الطريق بقتل عثمان، فذهب إلى الشام، فأخبر معاوية بما كان في أمره بديار مصر، و أنّ محمد بن أبي حذيفة قد استحوذ عليها، فسار معاوية و عمرو بن العاص ليخرجاه منها، فعالجا دخول مصر، فلم يقدرا، فلم يزالا به حتّى خرج إلى العريش في ألف رجل، فتحصّن بها. و جاء عمرو بن العاص، فنصب عليه المنجنيق حتّى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتلوا؛ ذكره ابن جرير (1).

ثم سار إلى مصر قيس بن سعد بن عبادة بولاية من عليّ، فدخل مصر في سبعة نفر، فرقى المنبر، و قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين عليّ، ثمّ قام قيس فخطب الناس،

____________

(1) و كذلك في الكامل لابن الأثير: 3/ 135.

6

و دعاهم إلى البيعة لعليّ، فبايعوا، و استقامت له طاعة بلاد مصر سوى قرية منها يقال لها خربتا، فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان، و كانوا سادة الناس و وجوههم، و كانوا في نحو من عشرة آلاف، منهم بسر بن أرطأة، و مسلمة بن مخلّد، و معاوية بن حديج و جماعة من الأكابر، و عليهم رجل يقال له يزيد بن الحارث المدلجيّ، و بعثوا إلى قيس ابن سعد فوادعهم و ضبط مصر، و سار فيها سيرة حسنة.

قال ابن عبد الحكم: لمّا ولي قيس مصر اختطّ بها دارا قبليّ الجامع، فلما عزل كان الناس يقولون: إنّها له، حتّى ذكرت له، فقال: و أيّ دار لي بمصر؟ فذكروها له فقال: إنّما تلك بنيتها من مال المسلمين، لا حقّ لي فيها.

و يقال: إن قيسا أوصى لمّا حضرته الوفاة: إني كنت بنيت دارا بمصر و أنا و اليها، و استعنت فيها بمعونة المسلمين؛ فهي للمسلمين ينزلها ولاتهم.

و كانت ولاية قيس مصر في صفر سنة ست و ثلاثين. فكتب معاوية إلى قيس يدعوه إلى القيام بطلب دم عثمان، و أن يكون هو أزرا له على ما هو بصدده من القيام في ذلك، و وعده أن يكون نائبه على العراقين إذا تمّ له الأمر. فلمّا بلغه الكتاب- و كان قيس رجلا حازما- لم يخالفه و لم يوافقه، بل بعث يلاطف معه الأمر؛ و ذلك لبعده من عليّ، و قربه من بلاد الشام؛ و ما مع معاوية من الجنود، فسالمه قيس و تاركه؛ فأشاع بعض أهل الشام أنّ قيس بن سعد يكاتبهم في الباطن، و يمالئهم على أهل العراق.

و روى ابن جرير أنّه جاء من جهته كتاب مزوّر بمبايعته معاوية، فلمّا بلغ ذلك عليّا اتّهمه، و كتب إليه أن يغزو أهل خربتا الذين تخلّفوا عن البيعة، فبعث يعتذر إليه بأنّهم كثير عددهم، و هم وجوه الناس، و كتب إليه: إن كنت إنّما أمرتني بهذا لتختبرني لأنّك اتّهمتني، فابعث على عملك بمصر غيري.

فولّى عليّ على مصر محمد (1) بن أبي بكر، و ارتحل قيس إلى المدينة، ثم ركب إلى عليّ، و اعتذر إليه، و شهد معه صفّين، فلم يزل محمد بن أبي بكر بمصر قائم الأمر، مهيبا بالديار المصرية، حتّى كانت وقعة صفّين، و بلغ أهل مصر خبر معاوية و من معه من أهل الشام على قتال أهل العراق، و صاروا إلى التحكيم. فطمع أهل مصر في محمد بن أبي بكر، و اجترؤوا عليه، و بارزوه بالعداوة، و ندم عليّ بن أبي طالب على عزل قيس من مصر لأنّه كان كفؤا لمعاوية و عمرو. فلمّا فرغ عليّ من صفّين، و بلغه أنّ‏

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 3/ 139: و قيل: بعث الأشتر النخعي فمات بالطريق.

7

أهل مصر استخفّوا بمحمد بن أبي بكر لكونه شابا ابن ستّ و عشرين سنة أو نحو ذلك، عزم على ردّ مصر إلى قيس بن سعد.

ثمّ إنّه ولّى عليها الأشتر النّخعيّ، فلمّا بلغ معاوية تولية الأشتر ديار مصر، عظم ذلك عليه؛ لأنّه كان طمع في استنزاعها من يد محمد بن أبي بكر، و علم أنّ الأشتر سيمنعها منه لحزمه و شجاعته. فلمّا سار الأشتر إليها و انتهى إلى القلزم، استقبله الجايسار- و هو مقدّم على الخراج- فقدّم إليه طعاما، و سقاه شرابا من عسل، فمات منه. فلما بلغ ذلك معاوية و أهل الشام قالوا: إنّ للّه جندا من عسل. و قيل: إن معاوية كان تقدّم إلى هذا الرجل في أن يحتال على الأشتر ليقتله ففعل ذلك، ذكره ابن جرير.

فلمّا بلغ عليا وفاة الأشتر تأسّف عليه لشجاعته، و كتب إلى محمد بن أبي بكر باستقراره و استمراره بديار مصر، و كان ضعف جأشه مع ما فيه من الخلاف عليه من العثمانيّة الذين ببلد خربتا، و قد كانوا استفحل أمرهم؛ و كان أهل الشام حين انقضت الحكومة سلّموا على معاوية بالخلافة، و قوي أمرهم جدّا، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه، و استشارهم في السير إلى مصر، فاستجابوا له؛ و عيّن نيابتها لعمرو بن العاص إذا فتحها، ففرح بذلك عمرو، فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلّد و معاوية بن خديج- و هما رؤساء العثمانية ببلاد مصر- يخبرهم بقدوم الجيش إليهم سريعا، فأجابوه، فجهّز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف، فسار إليها، و اجتمعت عليه العثمانيّة و هم عشرة آلاف. فكتب عمرو إلى محمد بن أبي بكر: أن تنحّ عنّي بدمك، فإنّي لا أحبّ أن يصيبك منّي ظفر، و إنّ الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك. فأغلظ محمد بن أبي بكر لعمرو في الجواب، و ركب في ألفي فارس من المصريّين، فأقبل عليه الشاميّون، فأحاطوا به من كلّ جانب، و تفرّق عنه المصريون، و هرب هو فاختفى في خربة، و دخل عمرو بن العاص فسطاط مصر، ثمّ دلّ على محمد بن أبي بكر، فجي‏ء به؛ و قد كاد يموت عطشا، فقدّمه معاوية بن حديج فقتله، ثمّ جعله في جيفة حمار، فأحرقه بالنار؛ و ذلك في صفر سنة ثمان و ثلاثين.

و كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الأمر، و أنّ اللّه قد فتح عليه بلاد مصر، فأقام عمرو أميرا بمصر إلى أن مات بها ليلة عيد الفطر سنة ثلاث و أربعين على المشهور، و دفن بالمقطّم، من ناحية الفجّ؛ و كان طريق الناس يومئذ إلى الحجاز، فأحبّ أن يدعو له من مرّ به؛ و هو أوّل أمير مات بمصر.

و في ذلك يقول عبد اللّه بن الزّبير:

أ لم تر أنّ الدهر أخنت ريوبه‏* * * على عمرو السّهميّ تجبى له مصر

8

فأضحى نبيذا بالعراء و ضلّلت‏* * * مكائده عنه و أمواله الدّثر

و لم يغن عنه جمعه المال برهة* * * و لا كيده حتّى أتيح له الدّهر

فلما مات عمرو بن العاص ولّى معاوية على ديار مصر ولده عبد اللّه بن عمرو.

قال الواقديّ: فعمل له عليها سنتين. و قال غيره: بل أشهرا. ثمّ عزله و ولّى عتبة (1) بن أبي سفيان.

ثمّ عزله و ولّى عقبة بن عامر سنة أربع و أربعين، فأقام إلى سنة سبع و أربعين فعزله.

و ولّى معاوية بن حديج، فأقام إلى سنة خمسين، فعزله.

و ولّى مسلمة بن مخلّد و جمعت له مصر و المغرب‏ (2)؛ و هو أوّل وال جمع له ذلك.

قال ابن عبد الحكم: حدّثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة عن بعض شيوخ أهل مصر، قال: أوّل كنيسة بنيت بفسطاط مصر الكنيسة التي خلف القنطرة أيّام مسلمة بن مخلّد، فأنكر ذلك الجند على مسلمة، و قالوا له: أ تقرّ لهم أن يبنوا الكنائس! حتّى كاد يقع بينهم و بينه شرّ، فاحتجّ عليهم مسلمة يومئذ. فقال: إنّها ليست في قيروانكم، و إنّما هي خارجة في أرضهم، فسكتوا عند ذلك.

فأقام مسلمة أميرا إلى سنة تسع و خمسين.

و كان عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عثمان بن ربيعة الثقفيّ المشهور بابن أم الحكم- و أمّ الحكم هي أخت معاوية- أميرا على الكوفة، فأساء السيرة في أهلها، فأخرجوه من بين أظهرهم طريدا، فرجع إلى خاله معاوية، فقال: لأولينّك مصر خيرا منها، فولّاه مصر، فلمّا سار إليها تلقّاه معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر، فقال: ارجع إلى خالك، فلعمري لا تسير فينا سيرتك في أهل الكوفة، فرجع ابن أمّ الحكم و لحقه معاوية بن حديج وافدا على معاوية. فلمّا دخل عليه وجده عند أخته أمّ الحكم- و هي أم عبد الرحمن الذي طرده عن مصر- فلما رآه معاوية، قال: بخ بخ! هذا معاوية بن حديج؛ فقالت أمّ الحكم: لا مرحبا! تسمع بالمعيديّ‏ (3) خير من أنّ تراه. فقال معاوية

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 3/ 226: في سنة سبع و أربعين عزل عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن مصر و وليها معاوية بن حديج.

(2) في الكامل لابن الأثير 3/ 230: و ولّى مسلمة إفريقية مولى له يقال له: أبو المهاجر.

(3) يضرب هذا المثل لمن خبره خير من مرآه، و أوّل من قاله المنذر بن ماء السماء لمشقّة بن ضمرة المعيديّ. [المنجد في اللغة].

9

ابن حديج: على رسلك يا أمّ الحكم، أما و اللّه لقد تزوجت فما أكرمت، و ولدت فما أنجبت؛ أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا، فيسير فينا كما سار في أهل الكوفة، فما كان اللّه ليريه ذلك، و لو فعل لضربنا ابنك ضربا يطأطئ منه- و إن كره هذا الجالس- فالتفت إليها معاوية، فقال: كفى؛ فاستمرّ مسلمة على إمرة مصر إلى أن مات في خلافة يزيد في ذي الحجة سنة اثنتين و ستين.

فولي بعده سعيد بن يزيد بن علقمة الأزديّ.

فلما ولي الزبير الخلافة بعد موت يزيد، و ذلك في سنة أربع و ستّين، استناب على مصر عبد الرحمن بن قحزم‏ (1) القرشيّ الفهريّ، فقصد مروان مصر و معه عمرو بن سعيد الأشدق فقاتل عبد الرحمن، فهزم عبد الرحمن و هرب.

و دخل مروان إلى مصر، فتملّكها، و جعل عليها ولده عبد العزيز، و ذلك في سنة خمس و ستّين، فلم يزل أميرا بها عشرين سنة. و كان أبوه جعل إليه عهد الخلافة بعد عبد الملك، فكتب إليه عبد الملك يستنزله عن العهد الذي له من بعده لولده الوليد فأبى عليه. ثمّ إنه مات من عامه.

قال ابن عبد الحكم: وقع الطّاعون بالفسطاط، فخرج عبد العزيز إلى حلوان، و كان ابن حديج يرسل إليه في كلّ يوم بخبر ما يحدث في البلد من موت و غيره، فأرسل إليه ذات يوم رسولا فأتاه، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال: أبو طالب، فثقل ذلك على عبد العزيز و غاظه، فقال: أسألك عن اسمك فتقول: أبو طالب! ما اسمك؟ قال: مدرك، فتفاءل عبد العزيز بذلك فمرض، فدخل نصيب الشاعر فأنشأ يقول:

و نزور سيّدنا و سيّد غيرنا* * * ليت التّشكّي كان بالعوّاد

لو كان يقبل فدية لفديته‏* * * بالمصطفى من طارفي و تلادي‏

فأمر له بألف دينار، ثمّ مات عبد العزيز بحلوان، فحمل في البحر إلى الفسطاط، و دفن بمقبرتها.

و كانت وفاته ليلة الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى سنة ست‏ (2) و ثمانين. و كتب على قصره بحلوان:

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 3/ 330: جحدم.

(2) في الكامل لابن الأثير 4/ 101: سنة خمس و ثمانين.

10

أين ربّ القصر الّذي شيّد القص* * * ر، و أين العبيد و الأجناد؟

أين تلك الجموع و الأمر و النّه* * * ي و أعوانهم، و أين السواد؟

و قال عمر بن أبي الجدير العجلانيّ يرثي عبد العزيز بن مروان و ابنه أبا زبّان:

أبعدك يا عبد العزيز لحجّة* * * و بعد أبي زبّان يستعتب الدّهر

فلا صلحت مصر لحيّ سواكما* * * و لا سقيت بالنّيل بعدكما مصر

فأمر بعده عبد الملك، فأقام شهرا إلّا ليلة، ثمّ صرف و ولّي بعده ابنه عبد اللّه بن أمير المؤمنين عبد الملك. قال الليث بن سعد: و كان حدثا، و كان أهل مصر يسمّونه نكيس، و هو أوّل من نقل الدواوين إلى العربية؛ و إنّما كانت بالعجميّة، و هو أوّل من نهى الناس عن لباس البرانس، فأقام إلى التسعين، فعزله أخوه الوليد.

و ولّى قرّة بن شريك العبسيّ، فقدمها يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأوّل، و في ذلك يقول الشاعر:

عجبا ما عجبت حين أتانا* * * أن قد أمّرت قرّة بن شريك‏

و عزلت الفتى المبارك عنّا* * * ثمّ فيّلت فيه رأي أبيك‏

و كان قرّة ظلوما عسوفا، قيل: كان يدعو بالخمر و الملاهي في جامع مصر؛ أخرج أبو نعيم في الحلية، قال: قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، و الحجّاج بالعراق، و قرّة بمصر، و عثمان بن حيّان بالحجاز. امتلأت و اللّه الأرض جورا!

و قال ابن عبد الحكم: أنبأنا سعيد بن عفير، أنّ عمال الوليد بن عبد الملك كتبوا إليه أنّ بيوت الأموال قد ضاقت من مال الخمس؛ فكتب إليهم: أن ابنوا المساجد، فأوّل مسجد بني بفسطاط مصر المسجد الذي في أصل حصن الروم عند باب الرّيحان قبالة الموضع الذي يعرف بالقالوس يعرف بمسجد العيلة (1)، فأقام قرّة واليا بمصر إلى أن مات سنة ستّ و تسعين‏ (2).

فولي بعده عبد الملك بن رفاعة القينيّ، فأقام سنة تسع و تسعين.

ثمّ ولي أيوب بن شرحبيل الأصبحيّ فأقام إلى سنة إحدى و مائة.

____________

(1) في الخطط المقريزية 1/ 289: جامع الفيلة بناه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي.

(2) في الكامل لابن الأثير 4/ 143: و قيل: في صفر سنة 95 ه.

11

ثمّ ولي بشر (1) بن صفوان الكلبيّ فأقام إلى سنة ثلاث و مائة.

ثمّ ولي أخوه حنظلة فأقام إلى سنة خمس و مائة.

ثمّ ولي محمّد بن عبد الملك أخو هشام بن عبد الملك الخليفة.

ثمّ ولي الحرّ بن يوسف.

ثمّ ولي حفص بن الوليد، فأقام إلى آخر سنة ثمان و مائة.

و ولي بعده سنة تسع و مائة عبد الملك بن رفاعة، و صرف في السنة.

و ولي أخوه‏ (2) الوليد، فأقام إلى أن توفّي سنة تسع عشرة.

و ولي بعده عبد الرحمن بن خالد الفهميّ، فأقام سبعة أشهر، و صرف، و أعيد حنظلة بن صفوان في سنة عشرين، ثمّ صرف و أعيد حفص بن الوليد، فأقام ثلاث سنين ثمّ صرف.

و ولي بعده سنة سبع و عشرين حسان بن عتاهية التّجيبيّ.

ثم أعيد حفص بن الوليد، و عزل عنها سنة ثمان و عشرين.

و ولي الحوثرة بن سهيل الباهليّ.

ثمّ ولي المغيرة بن عبيد الفزاريّ سنة إحدى و ثلاثين.

ثمّ ولي عبد الملك بن مروان مولى لخم سنة اثنتين و ثلاثين و مائة.

*** ثمّ لمّا قامت الدولة العباسية، و قام السفّاح، و انهزم مروان‏ (3) الحمار، و هرب إلى الديار المصريّة، ولّى السّفاح نيابة الشام و مصر صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، فسار صالح حتّى قتل مروان ببوصير في ذي الحجّة سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، ثمّ رجع إلى الشّام و استخلف على مصر أبا عون عبد الملك بن أبي يزيد الأزديّ، فأقام إلى سنة ستّ و ثلاثين.

ثمّ أعيد صالح بن عليّ ثمّ صرف، و أعيد أبو عون سنة سبع و ثلاثين، فأقام إلى سنة إحدى و أربعين.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 4/ 182: و كان على مصر أسامة بن زيد سنة 102 ه.

(2) في الكامل لابن الأثير 4/ 206: في سنة 111 ه استعمل هشام على مصر الحكم بن قيس بن مخرمة.

(3) لقب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.

12

ثمّ ولي بعده موسى بن كعب التميميّ، فأقام سبعة أشهر و مات‏ (1).

و ولي محمّد بن الأشعث الخزاعيّ، ثمّ عزل سنة اثنتين و أربعين.

و ولي نوفل بن الفرات، ثمّ عزل نوفل‏ (2).

و ولي حميد بن قحطبة الطائيّ، ثمّ صرف سنة أربع و أربعين.

و ولي يزيد بن حاتم المهلبيّ‏ (3)، فأقام إلى سنة اثنتين و خمسين فعزل.

و ولي محمّد بن سعيد (4)، فأقام إلى أن استخلف المهديّ، فعزله في سنة تسع و خمسين. و ولّى أبا ضمرة محمد بن سليمان، كذا في تاريخ ابن كثير و أمّا الجزّار فقال: إنّه ولي بعد يزيد بن حاتم عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج التّجيبيّ.

ثمّ ولي بعده أخوه فأقام سنة و شهرين.

ثم ولي بعده موسى بن عليّ اللّخمي سنة خمس و خمسين، فأقام إلى سنة إحدى و ستين.

ثمّ ولي عيسى بن لقمان اللخمي‏ (5).

ثم ولي واضح مولى المنصور سنة اثنتين و ستّين.

ثمّ صرف من عامه و ولي منصور بن يزيد الحميريّ.

ثمّ ولي بعده يحيى بن داود أبو صالح الخرسيّ‏ (6).

ثمّ ولي سالم بن سوادة التميميّ سنة أربع و ستين.

ثم ولي إبراهيم بن صالح العباسيّ سنة خمس و ستين‏ (7).

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 4/ 368: توفي موسى بن كعب سنة 141 ه.

(2) في الكامل لابن الأثير 4/ 369: عزل نوفل سنة 142 ه.

(3) في الكامل لابن الأثير 4/ 376: حاتم بن قتيبة بن المهلب بن أبي صفرة.

(4) في الكامل لابن الأثير 5/ 41: في سنة 157 ه عزل المنصور محمد بن سليمان عن مصر و استعمل مولاه مطر.

(5) في الكامل لابن الأثير 5/ 61: في سنة 161 ه استعمل عيسى بن لقمان على مصر، و فيها عزل محمد بن سليمان أبو ضمرة عن مصر في ذي الحجّة و وليها سلمان بن رجاء ...

(6) في الكامل لابن الأثير 5/ 62: في سنة 162 ه: عزل سلمة بن رجاء من مصر و وليها عيسى بن لقمان في المحرم؛ و عزل عنها في جمادى الآخرة و وليها واضح مولى المهدي، ثم عزل في ذي القعدة و وليها يحيى الحرشي.

(7) في الكامل لابن الأثير 5/ 68: و كان إبراهيم بن صالح على مصر سنة 167 ه.

13

ثم ولي موسى بن مصعب مولى خثعم.

ثمّ ولي الفضل بن صالح العباسيّ سنة تسع و ستين.

ثم ولي عليّ بن سليمان العباسيّ من السنة.

ثمّ ولي موسى بن عيسى العباسي.

ثمّ عزل سنة اثنتين و سبعين. و ولي مسلمة بن يحيى الأزديّ.

ثمّ ولي محمد بن زهير الأزديّ سنة ثلاث و سبعين.

ثمّ ولي داود بن يزيد المهلبيّ سنة أربع و سبعين.

ثم أعيد موسى بن عيسى سة خمس و سبعين، ثمّ عزله الرشيد سنة ستّ و سبعين.

و ولي عليها جعفر بن يحيى البرمكي، فاستناب عليها عمر (1) بن مهران- و كان شيعيّا زريّ الشكل أحول- و كان سبب ذلك أنّ الرشيد بلغه أنّ موسى بن عيسى عزم على خلعه، فقال: و اللّه لأولّينّ عليها أخسّ الناس، فاستدعى عمر بن مهران، ولّاه عليها نيابة عن جعفر، فسار عمر إليها على بغل، و غلامه أبو درّة على بغل آخر، فدخلها كذلك، فانتهى إلى مجلس موسى بن عيسى، فجلس في أخريات النّاس، حتّى انفضّوا فأقبل عليه موسى بن عيسى، و هو لا يعرف من هو، فقال: أ لك حاجة يا شيخ؟ قال:

نعم، أصلح اللّه الأمير! ثمّ مال بالكتب، فدفعها إليه، فلمّا قرأها قال: أنت عمر بن مهران؟ قال: نعم، قال: لعن اللّه فرعون حين قال: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف:

51]، ثمّ سلّم إليه العمل و ارتحل منها.

ثمّ في سنة سبع و سبعين عزل الرشيد جعفرا عن مصر، و ولّى عليها إسحاق بن سليمان‏ (2)، كذا في تاريخ ابن كثير و غيره.

و ذكر الأديب أبو الحسين الجزّار في أرجوزته في أمراء مصر خلاف ذلك؛ فإنّه قال: أعيد موسى بن عيسى سنة خمس و سبعين. ثم أعيد إبراهيم بن صالح العباسيّ سنة ستّ و سبعين، ثمّ ولي عبد اللّه بن المسيب الضبيّ.

ثمّ ولي إسحاق بن سليمان العباسي سنة سبع و سبعين. كذا قال و اللّه أعلم.

ثم عزل إسحاق سنة ثمان و سبعين و ولي هرثمة بن أعين، فأقام نحوا من شهر.

ثمّ عزل و ولي‏ (3) عبد الملك بن صالح العباسيّ، فأقام إلى سلخ سنة ثمان و سبعين.

و ولي عبيد اللّه بن مهديّ العباسيّ سنة تسع و سبعين.

____________

(1) انظر الكامل لابن الأثير: 5/ 91.

(2) انظر الكامل لابن الأثير: 5/ 96.

(3) انظر الكامل لابن الأثير: 5/ 97.

14

ثم أعيد موسى بن عيسى سنة ثمانين.

ثم أعيد عبيد اللّه المهديّ، و صرف في رمضان سنة إحدى و ثمانين.

و ولي إسماعيل بن صالح العباسيّ.

ثم ولي إسماعيل بن عيسى سنة اثنتين و ثمانين، ثمّ صرف و ولي الليث بن الفضل البيروذيّ.

ثمّ ولي أحمد بن إسماعيل العباسيّ سنة سبع و ثمانين.

ثم ولي عبد اللّه بن محمد العباسيّ.

ثم ولي الحسين بن حمل الأزدي سنة تسعين.

ثمّ ولي مالك بن دلهم الكلبيّ سنة اثنتين و تسعين.

ثمّ ولي الحسن بن التختاخ سنة ثلاث و تسعين.

ثمّ ولي حاتم بن هرثمة بن أعين.

ثمّ صرف في سنة خمس و تسعين. و ولي جابر بن الأشعث الطائيّ.

ثمّ ولي عباد بن نصر الكنديّ سنة ستّ و تسعين.

ثمّ ولي المطّلب بن عبد اللّه الخزاعيّ سنة ثمان و تسعين.

ثمّ ولي العباس بن موسى في السنة.

ثمّ أعيد المطّلب سنة تسع و تسعين.

ثمّ ولي السريّ بن الحكم سنة مائتين.

ثمّ ولي سليمان بن غالب سنة إحدى.

ثمّ أعيد السريّ بن الحكم في السّنة، فمات في سنة خمس‏ (1) و مائتين، فولي بعده أبو نصر محمد بن السريّ.

ثمّ تغلّب عليها عبيد اللّه بن السريّ في سنة ست، فأقام إلى سنة عشر، فوجّه إليه المأمون عبد اللّه بن طاهر فاستنقذها (2) منه بعد حروب يطول ذكرها.

و قد ذكر الوزير أبو القاسم المغربيّ: أنّ البطيخ العبد لاويّ الذي بمصر منسوب إلى عبد اللّه بن طاهر هذا، قال ابن خلّكان: إمّا لأنه كان يستطيبه، أو لأنه أوّل من زرعه بها.

____________

(1) انظر الكامل لابن الأثير: 5/ 197.

(2) انظر الكامل لابن الأثير: 5/ 211.

15

ثمّ ولي بعده عيسى‏ (1) بن يزيد الجلوديّ.

ثمّ في سنة ثلاث و عشرين‏ (2) و مائتين ثار رجلان بمصر، و هما عبد السلام و ابن جليس، فخلعا المأمون، و استحوذا على الديار المصرية، و تابعهما طائفة من القيسيّة و اليمانيّة فولّى المأمون أخاه أبا إسحاق بن الرشيد نيابة مصر مضافة إلى الشام، فقدمها سنة أربع عشرة، و افتتحها، و قتل عبد السلام و ابن جليس، و أقام بمصر.

ثمّ ولي عليها عمير (3) بن الوليد التميميّ.

ثم صرف و أعيد عيسى بن يزيد الجلوديّ.

ثمّ ولي عبدويه بن جبلة سنة خمس عشرة.

ثمّ ولي عيسى بن منصور مولى بني نصر، و في أيّامه قدم المأمون مصر في سنة ستّ عشرة (4).

ثمّ ولي نصر بن كيدر السعيديّ سنة تسع عشرة.

ثمّ ولي المظفّر بن كيدر.

ثمّ ولي موسى بن أبي العباس الحنفيّ.

ثمّ ولي مالك بن كيدر سنة أربع و عشرين و مائتين.

ثمّ أعيد عيسى بن منصور ثانية سنة تسع و عشرين.

ثمّ ولي هرثمة بن النّضر الجبليّ سنة ثلاث و ثلاثين.

ثمّ ولي ابنه حاتم في السنة، فأقام شهرا.

ثمّ ولي عليّ بن يحيى سنة أربع و ثلاثين.

ثمّ ولي أخوه إسحاق بن يحيى الجبليّ سنة خمس و ثلاثين.

ثمّ ولي عبد الواحد بن يحيى، مولى خزاعة سنة ستّ و ثلاثين.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 5/ 216: في سنة 213 ه ولّى المأمون أخاه أبا إسحاق المعتصم مصر و الشام.

(2) في الكامل لابن الأثير 5/ 216: سنة 213 ه.

(3) في الكامل لابن الأثير 5/ 216: ابن عميرة بن الوليد الباذغيسي، و قتل سنة 214 ه.

(4) في الكامل لابن الأثير 5/ 221: في سنة 217 ه وصل المأمون إلى مصر في المحرّم.

16

ثمّ ولي عنبسة بن إسحاق الضّبي سنة ثمان و ثلاثين، ثمّ عزل و ولي يزيد بن عبد اللّه من الموالي سنة اثنتين و أربعين.

ثمّ ولي مزاحم‏ (1) بن خاقان سنة ثلاث و خمسين‏ (2).

ثمّ ولي ابنه أحمد في السنة.

ثمّ ولي أزجور التركيّ في السنة، ثمّ صرف فيها أيضا.

*** و ولي أحمد بن طولون‏ (3) التركيّ، ثمّ أضيفت إليه نيابة الشّام و العواصم و الثغور و إفريقيّة، فأقام مدّة طويلة، و فتح مدينة أنطاكية، و بنى بمصر جامعه‏ (4) المشهور، و كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد السامانيّ- عامل بخارى- إلى المأمون في سنة مائتين- و يقال إلى الرشيد في سنة تسعين و مائة- و ولد ابنه أحمد (5) في سنة أربع عشرة- و قيل سنة عشرين و مائتين- و مات طولون سنة ثلاثين، و قيل سنة أربعين. و حكى ابن عساكر عن بعض مشايخ مصر أنّ طولون لم يكن أبا أحمد؛ و إنما تبنّاه، و أمّه جارية تركيّة اسمها هاشم، و كان الأتراك طلبوا منه أن يقتل المستعين، و يعطوه واسطا فأبى و قال: و اللّه لا تجرّأت على قتل أولاد الخلفاء فلمّا ولي مصر، قال: لقد وعدني الأتراك إن قتلت المستعين أن يولّوني واسطا، فخفت اللّه و لم أفعل، فعوّضني ولاية مصر و الشّام وسعة الأحوال.

قال محمد بن عبد الملك الهمدانيّ في كتاب عنوان السير: قال بعض أهل مصر:

جلسنا في دكّان، و معنا أعمى يدّعي علم الملاحم- و ذلك قبل دخول أحمد بن طولون بساعة- فسألناه عمّا يجده في الكتب لأجله، فقال: هذا رجل من صفته كذا و كذا، يتقلّد هو و ولده قريبا من أربعين سنة؛ فما تمّ كلامه حتّى اجتاز أحمد، فكانت صفته و ولايته و ولاية ولده كما قال.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 5/ 312: عقد المستعين لأتامش على مصر سنة 248.

(2) في الكامل لابن الأثير 5/ 337: في سنة 253 مات مزاحم بن خاقان بمصر في ذي الحجة.

(3) في الكامل لابن الأثير 5/ 339: في سنة 254 ه استعمل المهتدي أحمد بن طولون على ديار مصر جميعها.

(4) في الخطط المقريزية 2/ 265: بدى‏ء ببنائه في سنة 263 ه.

(5) في تاريخ العرب و الإسلام لزكار 399:

من مواليد سامراء.

17

و قال بعض أصحابه: ألزمني ابن طولون صدقاته، و كانت كثرة، فقله له يوما:

ربما امتدّت إليّ اليد المطوّقة بالجوهر، و المعصم ذو السّوار، و الكمّ الناعم، أفأمنع هذه الطبقة؟ فقال: هؤلاء المستورون الّذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف، احذر أن تردّ يدا امتدّت إليك، و اعط من استعطاك، فعلى اللّه تعالى أجره؛ و كان يتصدّق في كلّ أسبوع بثلاثة آلاف دينار سادة سوى الراتب، و يجري على أهل المساجد في كلّ شهر ألف دينار، و حمل إلى بغداد في مدّة أيامه، و ما فرّق على العلماء و الصالحين ألفي ألف دينار و مائتي ألف دينار، و كان خراج مصر في أيامه أربعة آلاف دينار و ثلثمائة ألف دينار، و كان لابن طولون ما بين رحبة مالك بن طوق إلى أقصى المغرب.

و استمرّ ابن طولون أميرا بمصر إلى أن مات بها ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين و مائتين، و خلّف سبعة عشر ابنا. قال بعض الصوفيّة: و رأيته في المنام بعد وفاته بحال حسنة، فقال: ما ينبغي لمن سكن الدّنيا أن يحقر حسنة فيدعها و لا سيئة فيأتيها، عدل بي عن النار إلى الجنّة بتثبّتي على متظلّم عييّ اللّسان شديد التهيّب، فسمعت منه و صبرت عليه حتّى قامت حجّته، و تقدّمت بإنصافه، و ما في الآخرة أشدّ على رؤساء الدنيا من الحجاب لملتمس الإنصاف.

و ولي بعه ابنه أبو الجيش خمارويه، و أقام أيضا مدّة طويلة، ثمّ في ذي الحجّة سنة اثنتين و ثمانين قدم البريد فأخبر المعتضد بالله أنّ خمارويه ذبحه بعض خدمه على فراشه‏ (1) و ولّوا بعده ولده جيش‏ (2) فأقام تسعة أشهر، ثمّ قتلوه و نهبوا داره، و ولّوا هارون بن خمارويه، و قد التزم في كلّ سنة بألف ألف دينار و خمسمائة ألف دينار، تحمل إلى باب الخليفة، فأقرّه المعتضد على ذلك، فلم يزل إلى صفر سنة اثنتين و تسعين، فدخل عليه عمّاه شيبان و عديّ ابنا أحمد بن طولون، و هو ثمل في مجلسه، فقتلاه‏ (3)، و ولي عمّه أبو المغانم شيبان، فورد بعد اثني عشر يوما من ولايته من قبل المكتفي ولاية محمد بن سليمان الواثقيّ، فسلّم إليه شيبان الأمر، و استصفى أموال آل طولون، و انقضت دولة الطولونية عن الديار المصرية.

***

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 6/ 81: في ذي الحجة بدمشق.

(2) في الكامل لابن الأثير 6/ 81: و كان صبيا غرّا.

(3) في الكامل لابن الأثير 6/ 110: وقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام عصبية فاقتتلوا، فخرج هارون يسكنهم، فرماه بعض المغاربة بمزراق معه فقتله.

18

و أقام محمد بن سليمان بمصر أربعة أشهر، و ولي عليها بعده عيسى بن محمد (1) الوشريّ فأقام واليا عليها خمس سنين و شهرين و نصفا، و مات سنة سبع و تسعين و مائتين، فولّى المقتدر أبا منصور تكين الخاصة (2)، ثمّ صرف في سنة ثلاث و ثلثمائة، و ولي ذكاء أبو الحسن، ثمّ صرف و أعيد تكين ثمّ صرف سنة تسع.

و ولي هلال بن بدر ثمّ صرف في سنة إحدى عشرة.

و ولي أحمد بن كيغلغ ثم صرف من عامه، و أعيد تكين الخاصّة، فأقام إلى أن مات سنة إحدى و عشرين و ثلثمائة، و ورد الخبر بموته إلى بغداد، و أنّ ابنه محمدا قد قام بالأمر من بعده، فسيّر إليه القاهر الخلع بتنفيذ الولاية و استقرارها، ثمّ صرف.

و ولي أبو بكر محمر بن طغج الملقّب بالإخشيد (3)، ثمّ صرف من عامه، و أعيد أحمد بن كيغلغ، ثمّ صرف سنة ثلاث و عشرين.

و أعيد محمد بن طغج الإخشيديّ، و في هذا الوقت كان تغلّب أصحاب الأطراف عليها لضعف أمر الخلافة و بطل معنى الوزارة، و صارت الدواوين تحت حكم الأمراء محمد بن رائق، و صارت الدّنيا في أيدي عمّالها؛ فكانت مصر و الشام في يد الإخشيد؛ و الموصل و ديار بكر و ديار ربيعة و مضر في أيدي بني حمدان؛ و فارس في يد عليّ بن بويه، و خراسان في يد نصر بن أحمد، و واسط و البصرة و الأهواز في يد اليزيديّ‏ (4)، و كرمان في يد محمد بن الياس، و الرّيّ و أصفهان و الجبل في يد الحسن بن بويه، و المغرب و إفريقيّة في يد أبي عمرو الغسّانيّ، و طبرستان و جرجان في يد الدّيلم، و البحرين و اليمامة و هجر في يد أبي طاهر (5) القرمطيّ؛ فأقام محمد بن طغج في مصر إلى أن مات في ذي الحجّة سنة أربع و ثلاثين و ثلثمائة (6).

و قام ابنه أبو القاسم أنوجور- قال الذهبيّ في العبر: و معناه بالعربية: محمود مقامه- و كان صغيرا، فأقيم كافور (7) الإخشيد الخادم الأسود أتابكا، فكان يدبّر المملكة فاستمرّ إلى سنة تسع و أربعين.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 6/ 111: النوشري.

(2) في الكامل لابن الأثير 6/ 137: الخادم.

(3) في تاريخ العرب و الإسلام لزكار 401: الاخشيد كلمة تركية كانت تطلق على ملوك فرغانة في بلاد ما وراء النهر.

(4) في الكامل لابن الأثير 6/ 247: البريدي.

(5) في الكامل لابن الأثير 6/ 299: توفي في رمضان سنة 332 بالجدري.

(6) في الكامل لابن الأثير 6/ 318: و كان مولده سنة 268 ه ببغداد، و توفي في دمشق.

(7) في تاريخ العرب و الإسلام لزكار 403: و هو من أصل حبشي أسود الوجه كان قد اشتراه سيّده الإخشيد ثم أعتقه ليصبح من كبار القواد في الدولة، و حكم كوصيّ اثنين و عشرين عاما.

19

فمات أنوجور، و قام بعده أخوه عليّ، فاستمرّ إلى أن مات سنة خمس و خمسين؛ فاستقرّت المملكة باسم كافور يدعى له على المنابر بالبلاد المصرية و الشاميّة و الحجاز، فأقام سنتين و أربعة أشهر، و مات بمصر في جمادى الأولى سنة سبع‏ (1) و خمسين. قال الذهبيّ: كان كافور خصيّا حبشيّا، اشتراه الإخشيد من بعض أهل مصر بثمانية عشر دينارا ثمّ تقدّم عنده لعقله و رأيه إلى أن صار من كبار القوّاد، ثم لمّا مات أستاذه كان أتابك‏ (2) ولده أنوجور، و كان صبيّا؛ فغلب كافور على الأمور، و صار الاسم للولد، و الدّست لكافور، ثمّ استقلّ بالأمر، و لم يبلغ أحد من الخصيان ما بلغ كافور و مؤنس المظفّريّ الذي ولي سلطنة العراق، و مدحه المتنبيّ بقوله:

قواصد كافور توارك غيره‏* * * و من قصد البحر استقلّ السواقيا

فجاءت بنا إنسان عين زمانه‏* * * و خلّت بياضا خلفها و مآقيا

و هجاه بقوله:

من علّم الأسود المخصيّ مكرمة* * * أقومه البيض أم آباؤه الصّيد؟

و ذاك أنّ الفحول البيض عاجزة* * * عن الجميل، فكيف الخصية السّود!!

و قال محمد بن عبد الملك الهمدانيّ: كان بمصر واعظ يقصّ على الناس، فقال يوما في قصصه: انظروا إلى هوان الدنيا على اللّه تعالى، فإنّه أعطاها لمقصوصين ضعيفين: ابن بويه ببغداد و هو أشلّ، و كافور عندنا بمصر و هو خصيّ؛ فرفعوا إليه قوله و ظنّوا أنّه يعاقبه، فتقدّم له بخلعة و مائة دينار، و قال: لم يقل هذا إلّا لجفائي له، فكان الواعظ يقول بعد ذلك في قصصه: ما أنجب من ولد حام إلّا ثلاثة: لقمان، و بلال المؤذّن، و كافور.

و قال أبو جعفر مسلم بن عبد اللّه بن طاهر العلويّ: كنت أساير كافور يوما، و هو في موكب خفيف، فسقطت مقرعته من يده، فبادرت بالنزول، و أخذتها من الأرض و دفعتها إليه، فقال: أيّها الشريف؛ أعوذ بالله من بلوغ الغاية، ما ظننت أنّ الزمان يبلغني حتّى يفعل بي هذا- و كاد يبكي- أنا صنيعة الأستاذ، و وليّه، فلمّا بلغ باب داره ودّعته و سرت، فإذا أنا بالبغال و الجنائب بمراكبها، و قال أصحابه: أمر الأستاذ بحمل هذا إليك، و كان ثمنها يزيد على خمسة عشر ألف دينار.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 7/ 24: سنة 356 ه.

(2) في صبح الأعشى 4/ 18 أتابك: مربي الأمير و مدبر المملكة و أمير أمراء الجيش.

20

و لمّا مات كافور ولّى المصريّون مكانه أبا الفوارس أحمد بن عليّ بن الإخشيد و هو ابن اثنتين و عشرين سنة، فأقام شهورا حتّى أتى جوهر القائد من المغرب فانتزعها منه.

ذكر أمراء مصر من بني عبيد

لما توفّي كافور الإخشيديّ لم يبق بمصر من تجتمع القلوب عليه، و أصابهم غلاء شديد أضعفهم؛ فلمّا بلغ ذلك المعزّ أبا تميم معدّ بن المنصور إسماعيل، و هو ببلاد إفريقيّة بعث مولى أبيه جوهر (1)؛ و هو القائد الروميّ، في مائة ألف مقاتل، فدخلوا مصر في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ثمان و خمسين و ثلثمائة، فهرب أصحاب كافور، و أخذ جوهر مصر بلا ضربة و لا طعنة و لا ممانعة، فخطب جوهر للمعزّ يوم الجمعة على منابر الديار المصرية و سائر أعمالها، و أمر المؤذنين بجامع عمرو و بجامع ابن طولون أن يؤذّنوا بحيّ على خير العمل، فشقّ ذلك على الناس، و ما استطاعوا له ردّا، و صبروا لحكم اللّه، و شرع في بناء القاهرة و القصرين و الجامع الأزهر، و أرسل بشيرا إلى المعزّ يبشّره بفتح الديار المصرية و إقامة الدعوة له بها، و طلبه إليها. ففرح المعزّ بذلك، و امتدحه شاعره محمد بن هانى‏ء (2) الأندلسي بقصيدة أوّلها:

يقول بنو العبّاس: هل فتحت مصر؟* * * فقل لبني العبّاس: قد قضي الأمر

و ابن هانى‏ء هذا قد كفّره غير واحد من العلماء، منهم القاضي عياض في الشفاء لمبالغاته في مدائحه، من ذلك قوله في المعزّ:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار* * * فاحكم فأنت الواحد القهّار

و قوله:

____________

(1) و هو أبو الحسن جوهر بن عبد اللّه القائد المعزّي المعروف بالكاتب مولى المعز لدين اللّه أبي تميم معد العبيدي الفاطمي، و كان رحيله من إفريقية يوم السبت 14 ربيع الأول من سنة 358 ه. [الكامل لابن الأثير: 7/ 31].

(2) ولد بإشبيلية، و شيّع المعزّ إلى الديار المصرية. وجد مخنوقا بتكّة سراويله في سانية من سواني برقة يوم الأربعاء الثالث و العشرين من رجب من سنة 362 ه و عمره ست و ثلاثون أو اثنتان و أربعون سنة. [شذرات الذهب: 3/ 42].

21

أ مديرها من حيث دار (1) لطالما* * * زاحمت تحت ركابه جبريلا

ثم توجّه المعزّ من المغرب في شوّال سنة إحدى و ستين، فوصل الإسكندرية في شعبان سنة اثنتين و ستين، و تلقّاه أعيان مصر إليها، فخطب هناك خطبة بليغة، و جلس قاضي مصر أبو الطّاهر الذّهليّ إلى جنبه، فسأله: هل رأيت خليفة أفضل منّي؟ فقال: لم أر أحدا من الخلائف سوى أمير المؤمنين؛ فقال له: أحججت؟ قال:

نعم، قال: وزرت قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قال: نعم، قال: و قبر أبي بكر و عمر؟ قال:

فتحيّرت ما ذا أقول! ثم نظرت فإذا ابنه قائم مع كبار الأمراء، فقلت: شغلني عنهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كما شغلني أمير المؤمنين عن السلام على وليّ العهد، و نهضت إليه فسلّمت عليه، و رجعت فانفسح المجلس إلى غيره، ثمّ صار من الإسكندرية إلى مصر، فدخلها في خامس رمضان‏ (2)، فنزل بالقصرين، فكان أوّل حكومة انتهت إليه أنّ امرأة كافور الإخشيديّ تقدّمت إليه، فذكرت له أنّها كانت أودعت رجلا من اليهود الصوّاغ قباء من لؤلؤ منسوج بالذهب، و أنّه جحد ذلك، فاستحضره و قرّره، فأنكر اليهوديّ، فأمر أن تفتّش داره، فوجد القباء قد جعله في جرّة، و دفنها فيها. فدفعه المعزّ إليها، فقدّمته إليه، و عرضته عليه، فأبى أن يقبله منها، و ردّه عليها، فاستحسن ذلك منه الحاضرون من مؤمن و كافر، و سار إليه الحسن بن أحمد القرمطيّ‏ (3) في جيش كثيف، و أنشد يقول:

زعمت رجال الغرب أنّي هبتهم‏* * * فدمي إذن ما بينهم مطلول‏

يا مصر إن لم أسق أرضك من دم‏* * * يروي ثراك فلا سقاني النّيل‏

و التفّت معه أمير العرب ببلاد الشام، و هو حسّان بن الجرّاح الطائي في عرب الشام، لينزعوا مصر منه، و ضعف جيش المعزّ عن مقاومتهم. فراسل حسّان، و وعده بمائة ألف دينار، إن هو خذّل بين الناس، فأرسل إليه؛ أن ابعث إليّ بما التزمت، و تعال بمن معك، فإذا التقينا انهزمت بمن معي. فأرسل إليه المعزّ مائة ألف دينار في أكياس أكثرها زغل ضرب النحاس، و لبّسه الذهب، و جعله في أسفل الأكياس و وضع في رؤوس الأكياس الدّنانير الخالصة، و ركب في أثرها بجيشه، فالتقى النّاس، فلمّا نشبت الحرب بينهم، انهزم حسّان بالعرب، فضعف جانب القرمطيّ، و قوي عليه المعزّ

____________

(1) من ديوان ابن هانى‏ء الأندلسي.

(2) في الكامل لابن الأثير 7/ 46: من سنة 362 ه.

(3) في الكامل لابن الأثير 7/ 54: في سنة 363 ه سار القرامطة و مقدمهم الحسن بن أحمد من الإحساء إلى ديار مصر، فحصرها.

22

فكسره، و استمرّ المعزّ (1) بالقاهرة إلى أن مات في ربيع الآخر سنة خمس و ستين. و كان منجّمة قال له في في السنة التي قبلها: إنّ عليك قطعا في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتّى تنقضي هذه المدّة؛ فعمل له سردابا، و دعا الأمراء و أوصاهم بولده نزار، و لقّبه العزيز، و فوّض إليه الأمر حتّى يعود، فبايعوه على ذلك، و دخل ذلك السرداب، فتوارى فيه سنة، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحابا ساريا ترجّل عن فرسه، و أومى إليه بالسلام، ظانّين أنّ المعزّ في ذلك الغمام. ثمّ برز إلى النّاس بعد مضيّ سنة، و جلس للحكم على عادته، فعاجله اللّه في هذه السنة. و ولي بعده ابنه العزيز أبو منصور نزار، فأقام إلى أن مات سنة ستّ و ثمانين و ثلاثمائة.

و من غرائبه أنّه استوزر رجلا نصرانيّا يقال له عيسى بن نسطورس، و آخر يهوديّا اسمه ميشا (2)، فعزّ بسببهما اليهود و النصارى على المسلمين في ذلك الزمان، حتّى كتبت إليه امرأة في قصّة في حاجة لها تقول: بالذي أعزّ النصارى بعيسى بن نسطورس، و اليهود بميشا، و أذلّ المسلمين بك؛ لما كشفت عن ظلامتي‏ (3)! فعند ذلك أمر بالقبض على هذين، و أخذ من النّصرانيّ ثلثمائة ألف دينار، و ولّى بعده ابنه الحاكم‏ (4)، فكان شرّ الخليقة، لم يل مصر بعد فرعون شرّ منه؛ رام أن يدّعي الإلهيّة كما ادّعاها فرعون، فأمر الرعيّة إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفا إعظاما لذكره، و احتراما لاسمه؛ فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتّى في الحرمين الشريفين. و كان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خرّوا سجّدا؛ حتّى أنّه يسجد بسجودهم في الأسواق الرّعاع و غيرهم. و كان جبّارا عنيدا، و شيطانا مريدا، كثير التلوّن في أقواله و أفعاله، هدم كنائس مصر ثمّ أعادها، و خرّب قمامة (5) ثمّ أعادها، و لم يعهد في ملّة الإسلام بناء كنيسة في بلد الإسلام قبله و لا بعده إلا ما سنذكره.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 7/ 66: مولده بالمهدية يوم الاثنين حادي عشر رمضان سنة تسع عشرة و ثلاثمائة، و بويع بالخلافة في الغرب يوم الجمعة التاسع و العشرين من شوال سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة.

(2) في الكامل لابن الأثير 7/ 146: منشا بن إبراهيم بن الفرار.

(3) هذه القصة ذكرها ابن الأثير على أنها ملفقة من قبل المسلمين بسبب أذية النصارى و اليهود لهم. [المصدر السابق‏].

(4) في الكامل لابن الأثير 7/ 177: أبو علي المنصور و لقب الحاكم بأمر اللّه- و عمره إحدى عشرة سنة و ستة أشهر.

(5) كنيسة القيامة.

23

و قد نقل السّبكيّ الإجماع على أنّ الكنيسة إذا هدمت و لو بغير وجه لا تجوز إعادتها.

و من قبائح الحاكم أنّه ابتنى المدارس، و جعل فيها الفقهاء و المشايخ، ثمّ قتلهم و خرّبها، و ألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارا و فتحها ليلا؛ فامتثلوا ذلك دهرا طويلا حتّى اجتاز مرّة بشيخ يعمل التجارة في أثناء النهار، فوقف عليه، و قال: أ لم ننهكم عن هذا! فقال: يا سيّدي، أما كان الناس يسهرون لما كانوا يتعيشون بالنّهار؟ فهذا من جملة السهر. فتبسّم و تركه. و أعاد النّاس إلى أمرهم الأوّل. و كان يعمل الحسبة بنفسه يدور في الأسواق على حمار له، و كان لا يركب إلّا حمارا، فمن وجده قد غشّ في معيشته أمر عبدا أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى. و كان منع النساء من الخروج من منازلهنّ، و أن يطلعن من الطاقات أو الأسطحة، و منع الخفّافين من عمل الأخفاف لهنّ، و منعهنّ من دخول الحمّامات، و قتل خلقا من النساء على مخالفته في ذلك، و هدم بعض الحمامات عليهنّ، و منع من طبخ الملوخيا. و له رعونات كثيرة لا تنضبط، فأبغضه الخلق، و كتبوا له الأوراق بالشتم له و لأسلافه في صورة قصص، حتّى عملوا صورة امرأة (1) من ورق بخفّها و إزارها، و في يدها قصّة فيها من الشّتم شي‏ء كثير، فلمّا رآها ظنّها امرأة، فذهب من ناحيتها و أخذ القصّة من يدها، فلمّا رأى ما فيها غضب، و أمر بقتلها؛ فلمّا تحقّقها من ورق، ازداد غضبا إلى غضبه، و أمر العبيد من السّود أن يحرقوا مصر و ينهبوا ما فيها من الأموال و الحريم، ففعلوا، و قاتلهم أهل مصر قتالا عظيما ثلاثة أيام، و النار تعمل في الدّور و الحريم. و اجتمع النّاس في الجوامع، و رفعوا المصاحف، و جأروا إلى اللّه و استغاثوا به، و ما انجلى الحال حتّى احترق من مصر نحو ثلثها، و نهب نحو نصفها، و سبي حريم كثير و فعل بهنّ الفواحش. و اشترى الرّجال من سبي لهم من النساء و الحريم من أيدي العبيد.

قال ابن الجوزيّ: ثمّ زاد ظلم الحاكم، و عنّ له أن يدّعي الربوبيّة، فصار قوم من الجهّال إذا رأوه يقولون: يا واحد، يا أحد يا محيي يا مميت!

قلت: كان في عصرنا أمير يقال له أزدمر الطويل، اعتقاده قريب من اعتقاد الحاكم هذا، و كان يروم أن يتولّى المملكة، فلو قدّر اللّه له بذلك فعل نحو ما فعله الحاكم و قد أطلعني على ما في ضميره، و طلب منّي أن أكون معه على هذا الاعتقاد في الباطن إلى أن يؤول إلى السلطنة، فيقوم في الخلق بالسيف حتّى يوافقوه على الاعتقاد. فضقت‏

____________

(1) انظر الكامل لابن الأثير: 7/ 305.

24

بذلك ذرعا، و ما زلت أتضرّع إلى اللّه تعالى في هلاكه، و ألّا يوليه على المسلمين، و استغاث‏ (1) بالنبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و أسأل فيه أرباب الأحوال حتّى قتله اللّه فللّه الحمد على ذلك!

ثمّ كان من أمر الحاكم أن تعدّى شرّه إلى أخته يتّهمها بالفاحشة، و يسمعها أغلظ الكلام، فعملت على قتله‏ (2)، فركب ليلة إلى جبل المقطّم ينظر في النجوم، فأتاه عبدان فقتلاه‏ (3)، و حملاه إلى أخته ليلا فدفنته في دارها، و ذلك سنة إحدى عشرة و أربعمائة.

و ولي بعده ابنه أبو الحسن عليّ، و لقّب الظاهر لإعزاز دين اللّه، فأقام إلى أن توفّي في سنة سبع و عشرين و أربعمائة، و كانت سيرته جيّدة (4).

و ولي بعده ابنه أبو تميم معدّ، و لقّب المستنصر و عمره سبع سنين، فطالت مدّته جدا فإنه أقام ستّين سنة، و لم يقم هذه المدّة خليفة و لا ملك في الإسلام قبله و لا بعده، و كانت وفاته سنة سبع و ثمانين و أربعمائة.

و ولي بعده ابنه أبو القاسم أحمد، و لقّب المستعلي، فأقام إلى أن توفّي في ذي الحجّة (5) سنة خمس و تسعين و أربعمائة.

و ولي بعده ابنه أبو عليّ منصور، و لقّب الآمر بأحكام اللّه. قال ابن ميسر في تاريخه: و لمّا توفّي المستعلي أحضر الأفضل‏ (6) أبا عليّ، و بايعه بالخلافة، و نصّبه مكان أبيه، و لقّبه بالآمر بأحكام اللّه، و كان له من العمر خمس سنين و شهر و أيام، فكتب ابن الصّيرفيّ الكاتب السجلّ بانتقال المستعلي و ولاية الآمر، و قرى‏ء على رؤوس كافة الأجناد و الأمراء، و أوّله:

من عبد اللّه و وليّه أبي عليّ الآمر بأحكام اللّه أمير المؤمنين بن الإمام المستعلي بالله، إلى كافة أولياء الدولة و أمرائها و قوّادها و أجنادها و رعاياها، شريفهم و مشروفهم، و آمرهم و مأمورهم، مغربيّهم و مشرقيّهم، أحمرهم و أسودهم، كبيرهم و صغيرهم؛ بارك اللّه فيهم. سلام عليكم فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا هو، و يسأله أن يصلّي على جدّه محمد خاتم النبيين، صلّى اللّه عليه و على آله الطيّبين الطاهرين‏

____________

(1) لعل الصواب: و أستغيث.

(2) في الكامل لابن الأثير 7/ 305: اتفقت مع قائد كبير من قواد الحاكم يقال له: ابن دواس.

(3) و كان عمره ستا و ثلاثين سنة و تسعة أشهر، و ولايته خمسا و عشرين سنة. [المصدر السابق‏].

(4) في الكامل لابن الأثير 8/ 11: إلا أنه مشتغل بلذاته محبّ للدعة و الراحة.

(5) في الكامل لابن الأثير 8/ 205: صفر.

(6) الأفضل كان مدبّر الدولة. [المصدر السابق‏].

25

الأئمة المهديين، و سلّم تسليما. أمّا بعد، فالحمد للّه المنفرد بالثّبات و الدوام الباقي على تصرّم الليالي و الأيّام، القاضي على أعمار خلقه بالتقصّي و الانصرام، الجاعل نقض الأمور معقودا بكمال الإتمام، جاعل الموت حكما يستوي فيه جميع الأنام، و منهلا لا يعتصم من ورده كرامة نبيّ و لا إمام، و القائل معزيّا لنبيّه و لكافة أمته: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ [الرحمن: 27]، الذي استرعى الأئمة هذه الأمّة، و لم تخل الأرض من أنوارهم لطفا بعباده و نعمة، و جعلهم مصابيح الشّبه إذا غدت داجية مدلهمّة، لتضي‏ء للمؤمنين سبل الهداية، و لا يكون أمرهم عليهم غمّة يحمده أمير المؤمنين حمد شاكر على ما نقله فيه من درج الإنافة، و نقله إليه من ميراث الخلافة، صابر على الرّزيّة التي أطار هجومها الباب، و الفجيعة التي أطال طروقها الأسف و الاكتئاب، و يسأله أن يصلّي على جدّه محمد خاتم أنبيائه و سيّد رسله و أمنائه، و مجلي غياهيب الكفر و مكشف عمائه، الذي قام بما استودعه اللّه من أمانته، و حمّله من أعباء رسالته، و لم يزل هاديا إلى الإيمان، داعيا إلى الرحمن؛ حتّى أذعن المعاندون و أقرّ الجاحدون. و جاء الحق و ظهر أمر اللّه و هم كارهون؛ فحينئذ أنزل اللّه عليه إتماما لحكمته التي لا يعترضها المعترضون: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ‏ [المؤمنون: 15- 16] صلّى اللّه عليه و على أخيه و ابن عمّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الذي أكرمه اللّه بالمنزلة العليّة، و انتخبه للإمامة رأفة بالبريّة، و خصّه بغوامض علم التنزيل، و جعل له مبرّة التعظيم و مزيّة التفضيل، و قطع بسيفه دابر من زلّ عن القصد، و ضلّ عن سواء السبيل، و على الأئمة من ذريتهما العترة الهادية من سلالتهما آبائنا الأبرار المصطفين الأخيار، ما تصرّفت الأقدار، و توالى الليل و النهار.

و إنّ الإمام المستعلي بالله أمير المؤمنين (قدّس اللّه روحه)، كان ممّن أكرمه اللّه بالاصطفاء، و خصّه بشرف الاجتباء، و خصّه بشرف الاجتباء، و مكّن له في بلاده، فامتدّت أفياء عدله، و استخلفه في أرضه، كما استخلف أباه من قبله، و أيّده بما استرعاه إيّاه بهدايته و إرشاده، و أمدّه بما استحفظه عليه بموادّ توفيقه و إسعاده، ذلك هدي اللّه يهدي به من يشاء من عباده. فلم يزل لأعلام الدين رافعا، و لشبه المضلّين دافعا، و لراية العدل ناشرا، و بالندى غامرا و للعدوّ قاهرا. إلى أن استوفى المدّة المحسوبة، و بلغ الغاية الموهوبة؛ فلو كانت الفضائل تزيد في الأعمار، أو تحمي من ضروب الأقدار، أو تؤخّر ما سبق تقديمه في علم الواحد القهّار، لحمى نفسه النفيسة كريم مجدها و شريف سمتها، و كفاها خطير منصبها، و عظيم هيبتها، و وقتها أفعالها التي تستقي من منبع الرسالة، و صانتها خلالها الّتي ترتقي إلى مطلع الجلالة؛ لكنّ الأعمار محرّرة مقسومة، و الآجال مقدّرة معلومة، و اللّه تعالى يقول، و بقوله يهتدي المهتدون: وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‏

26

فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ‏ [يونس: 49] فأمير المؤمنين يحتسب عند اللّه هذه الرزيّة التي عظم أمرها و فدح، و جرح خطبها و قدح، و غدت لها القلوب واجفة، و الآمال كاسفة، و مضاجع السكون منقضّة، و مدامع العيون مرفضّة، فإنّ للّه و إنّا إليه راجعون! صبرا على بلائه، و تسليما لأمره و قضائه، و اقتداء بمن أثنى عليه في الكتاب: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ‏ [ص: 44]. و قد كان الإمام المستعلي بالله (قدّس اللّه روحه) عند نقلته، جعل لي عقد الخلافة من بعده، و أودعني ما حازه من أبيه عن جدّه، و عهد إليّ أن أخلفه في العالم، و أجري الكافّة في العدل و الإحسان على منهجه المتعالم، و أطلعني من العلوم على السرّ المكنون، أفضى إليّ من الحكمة بالغامض المصون، و أوصاني بالعطف على البريّة، و العمل فيهم بسيرتهم المرضيّة، على علمي بما جبلني اللّه عليه من الفضل، و خصّني به من إيثار العدل، و إنّني فيما استرعيته سالك منهاجه، عامل بموجب الشرف الذي عصب اللّه لي تاجه، و كان ممن ألقاه إليّ، و أوجبه عليّ، أنّ أعلي محلّ السيّد الأجلّ (الأفضل) (1)، من قلبه الكريم، و ما يجب له من التبجيل و التكريم. و إنّ الإمام المستنصر بالله كان عندما عهد إليه، و نصّ بالخلافة عليه، أوصاه أن يتّخذ هذا السيد الأجلّ خليفة و خليلا، و يجعله للإمامة زعيما و كفيلا، و يغدق به أمر النّظر و التقرير، و يفوّض إليه تدبير ما وراء السرير، و إنّه عمل بهذه الوصيّة، و حذى على تلك الأمثلة النبويّة، و أسند إليه أحوال العساكر و الرعيّة، و ناط أمر الكافّة بعزمته الماضية، و همّته العليّة؛ فكان قلمه بالسّداد يرجف و لا يجفّ، و سيفه من دماء ذوي العناد يكف و لا يكفّ، و رأيه في حسم مواد الفسّاد يرجح لا يخفّ، فأوصاني أن أجعله لي كما كان له صفيّا و ظهيرا، و أن لا أستر عنه في الأمور صغيرا و لا كبيرا، و أن أقتدي به في ردّ الأحوال إلى تكلّفه، و إسناد الأسباب إلى تدبيره و الناهض بباهظ الخطب و منتقله، إلى غير ذلك ممّا استودعني إيّاه، و ألقاه إليّ من النّص الذي يتضوّع نشره و ريّاه، نعمة من اللّه قضت لي بالسّعد العميم، و منّة شهدت بالفضل المتين و الحظ الجسيم، و اللّه يؤتي ملكه من يشاء و اللّه واسع عليم. فتعزّوا معاشر الأولياء و الأمراء و القوّاد و الأجناد و الرعايا و الخدّام، حاضركم و غائبكم، و دانيكم و قاصيكم، عن الإمام المنقول إلى جنّات الخلود، و استبشروا بإمامكم هذا الإمام الحاضر الموجود؛ و ابتهجوا بكريم نظره المطلع لكم كواكب السعود. و لكم من أمير المؤمنين ألّا يغمض جفنا عن مصابكم، و أن يتوخّى ما عاد بميامنكم و مناجحكم، و أن يحسن السّيرة فيكم، و يرفع أذى من يعاديكم، و يتفقّد مصلحة حاضركم و باديكم،

____________

(1) المقصود به: الأفضل بن أمير الجيوش و مدبّر دولته.

27

و لأمير المؤمنين عليكم أن تعتقدوا موالاته بخالص الطويّة، و تجمعوا له في الطاعة بين العمل و النيّة، و تدخلوا في البيعة بصدور منشرحة و آمال منفسحة و ضمائر يقينيّة و بصائر في الولاء قويّة، و أن تقوموا بشروط بيعته، و تنهضوا بفروض نعمته، و تبذلوا الطارف و التالد في حقوق خدمته، و تتقرّبوا إلى اللّه سبحانه بالمناصحة لدولته. و أمير المؤمنين يسأله اللّه أن تكون خلافته كافلة بالإقبال، ضامنة ببلوغ الأماني و الآمال، و أن يجعل ديمها دائمة بالخيرات، و قسمتها نامية على الأوقات إن شاء اللّه تعالى.

و أقام الآمر بأحكام اللّه خليفة إلى أن قتل في ذي القعدة سنة أربع و عشرين و خمسمائة، عدّى إلى الرّوضة (1) في فئة قليلة، فخرج عليه منها قوم بالسّيوف فأثخنوه.

و كان سيّى‏ء السيرة.

و لما قتل تغلّب على الديار المصرية غلام أرمنيّ من غلمانه، فاستحوذ على الأمور ثلاثة أيام و رام أن يتأمّر، فحضر الوزير أبو عليّ أحمد بن الأفضل بدر الجماليّ، فأقام الخليفة الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله، و استحوذ على الأمور دونه، و حصره في مجلس لا يدخل إليه أحد إلا من يريده، و خطب لنفسه على المنابر، و نقل الأموال من القصر إلى داره، و لم يبق للحافظ سوى الاسم فقط، فلم يزل كذلك حتّى قتل الوزير (2)، فعظم أمر الحافظ من حينئذ، و جدّد له ألقاب لم يسبق إليها، و خطب له بها على المنابر، فكان يقول: أصلح اللّه من شيّدت به الدين بعد دثوره، و أعززت به الإسلام بأن جعلته سببا لظهوره؛ مولانا و سيّدنا إمام العصر و الزّمان أبا الميمون عبد المجيد الحافظ لدين اللّه!

قال ابن خلّكان: و كان الحافظ كثير المرض بعلّة القولنج، فعمل له سرماه‏ (3) الديلميّ طبل القولنج ركبة من المعادن السبعة و الكواكب السبعة في أشرافها كلّ واحد منها في وقته، فكان من خاصّته أنّه إذا ضرب به أحد خرج الريح من مخرجه، فكان هذا الطبل في خزائنهم إلى أن ملك السلطان صلاح الدين بن أيّوب. أخذ الطبل المذكور كرديّ و لا يدري ما هو! فضرب به، فضرط، فخجل، فألقى الطبل من يده فانكسر.

____________

(1) في الكامل لابن الأثير 8/ 332: خرج إلى متنزّه له، فلما عاد و ثب عليه الباطنية فقتلوه لأنه كان سي‏ء السيرة في رعيته.

(2) في شذرات الذهب 4/ 78: في سنة 526 ه توفي أحمد بن الأفضل أمير الجيوش بن بدر الجمالي ... فركب الوزير للعب الكرة في المحرم فوثبوا عليه، و طعنه مملوك الحافظ، و أخرجوا الحافظ.

(3) في شذرات الذهب 4/ 138: شبرماه الديلمي.

28

و استمرّ الحافظ على الولاية إلى أن مات في جمادى الآخرة (1) سنة أربع و أربعين و خمسمائة.

و ولي بعده ولده الظافر بالله‏ (2) أبو المنصور إسماعيل، فأقام إلى أن قتل‏ (3) في المحرّم سنة تسع و أربعين.

و ولي بعده ولده الفائز بنصر اللّه أبو القاسم عيسى، و هو صبيّ صغير ابن خمس سنين؛ فإنّ مولده في المحرّم سنة أربع و أربعين، فأقام إلى أن توفّي في صفر سنة خمس و خمسين؛ و عمره يومئذ إحدى عشرة سنة، و كان مدبّر دولته أبو الغارات طلائع بن رزّيك‏ (4).

و ولي بعده العاضد لدين اللّه أبو محمد عبد اللّه بن يوسف بن الحافظ (5)، و هو آخر العبيديين. و مات يوم عاشوراء سنة سبع و ستّين، و زالت دولتهم على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب؛ (رحمه اللّه تعالى).

قال ابن كثير: و من الغريب أنّ العاضد في اللغة، القاطع، و منه الحديث: «لا يعضد شجرها»، فبالعاضد قطعت دولة بني عبيد.

و قال ابن خلّكان: سمعت جماعة من المصريّين يقولون: إنّ هؤلاء القوم في أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء: اكتب لنا ألقابا في ورقة تصلح للخلفاء؛ حتّى إذا تولّى واحد لقّبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقابا، و آخر ما كتب في الورقة:

«العاضد». فاتّفق أنّ آخر من ولي منهم العاضد. و لم يكن للمستنصر و من بعده من الخلافة سوى الاسم فقط؛ لاستيلاء وزرائهم على الأمور و حجرهم عليهم، و تلقّبهم بألقاب الملوك؛ فكانوا معهم كخلفاء عصرنا مع ملوكهم، و كخلفاء بغداد مع بني بويه، و أشباههم.

و من قصيدة ابن فضل اللّه التي سمّاها: حسن الوفاء لمشاهير الخلفاء:

و الخلفاء من بني فاطمة* * * إلى عبيد اللّه درّ فاخر

أبناء إسماعيل في نجل جعفر الص* * * ادق في القول أبوه الباتر

____________

(1) في شذرات الذهب 4/ 138: جمادى الأولى.

(2) في الكامل لابن الأثير 9/ 24: الظاهر بأمر اللّه.

(3) في الكامل لابن الأثير 9/ 43: قتله وزيره عباس أو ابنه نصر بن عباس.

(4) انظر وصول ابن رزّيك إلى الوزارة في الكامل لابن الأثير: 9/ 44.

(5) في الكامل لابن الأثير 9/ 68: و كان مراهقا قارب البلوغ، و زوّجه الصالح بن رزّيك ابنته.

29

بالغرب مهديّ تلاه قائم‏* * * و الثالث المنصور و هو الآخر

ثمّ المعزّ قائد الجيش الّذي‏* * * سار إلى مصر، و نعم السائر

ثمّ ابنه العزيز عزّ مشبها* * * و الحاكم المعروف ثمّ الظّاهر

و بعده المستنصر النّائي الّذي‏* * * تلاه مستعل و جاء الآمر

و حافظ و ظافر و فائز* * * و عاضد ثمّ المليك النّاصر

قالوا: لقد ساء لهم معتقد* * * و اللّه عند علمه السّرائر

لكنّما الحاكم ممّن لجّ في‏* * * طغيانه فكافر أو فاجر

30

ذكر أمراء مصر من حين ملكها بنو أيوب إلى أن اتخذها الخلفاء العباسيون دار الخلافة

لما قتل صاحب مصر الظافر، وصلت الأخبار إلى بغداد، بأن مصر قتل صاحبها، و لم يبق فيهم إلّا صبيّ صغير، ابن خمس سنين، قد ولّوه عليهم، و لقبوه الفائز. فكتب الخليفة المقتفي‏ (1) عهدا للملك نور الدين‏ (2) محمود بن زنكي على البلاد الشامية و المصرية، و أرسله إليه، فسار حتّى أتى دمشق، فحاصرها و انتزعها (3) من يد ملكها مجير الدين بن طغتكين، و شرع في فتح بلاد الشام بلدا بلدا، و أخذها من أيدي من استولى عليها من الفرنج.

فلما كان في سنة اثنتين و ستّين أقبلت الفرنج في محافل كثيرة إلى الدور المصرية، فأرسل نور الدين حمود أسد الدين شيركوه بن شادي، و معه ابن صلاح الدين يوسف بن أيّوب، فسار إليها في ربيع الآخر، و قد وقع في النفوس كأن صلاح الدين سيملك الديار المصرية، و في ذلك يقول عرقلة الشاعر:

أقول و الأتراك قد أزمعت‏* * * مصر إلى حرب الأعاريب‏

ربّ كما ملّكتها يوسف الصّدّ* * * يق من أولاد يعقوب‏

يملكها في عصرنا يوسف الصّا* * * دق من أولاد أيّوب‏

____________

(1) بويع بالخلافة ثامن عشر ذي الحجة سنة 530 ه. [الكامل لابن الأثير: 8/ 355].

(2) و هو نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل و الشام. [الكامل لابن الأثير: 9/ 13].

(3) في هذه السنة 549 ه في صفر ملك نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر مدينة دمشق من صاحبها مجير الدين أنز بن محمد بن بوري بن طغتكين. [الكامل لابن الأثير: 9/ 45].

31

من لم يزل ضرّاب هام العدا* * * حقّا و ضرّاب العراقيب‏

و سار إلى الفرنج، فاقتتلوا قتالا عظيما، فهزم الفرنج و للّه الحمد (1)، و سار أسد الدين بعد كسر الفرنج إلى الإسكندريّة، فملكها، و استناب عليها ابن أخيه صلاح الدين، و عاد إلى الصعيد، فملكه.

ثمّ إنّ الفرنج و المصريين اجتمعوا على حصار الإسكندريّة، فصالح شاور وزير العاضد أسد الدين عن الإسكندرية بخمسين ألف دينار، فأجابه إلى ذلك. و خرج صلاح الدين منها، و سلّمها إلى المصريين، و عاد إلى الشام في ذي القعدة، و قرّر شاور للفرنج على مصر في كلّ عام مائة ألف دينار، و أن يكون لهم شحنة (2) بالقاهرة. و سكن القاهرة أكثر شجعان الفرنج، و تحكّموا فيها بحيث كادوا يستحوذون عليها، و يخرجون المسلمين منها. فلمّا كانت سنة أربع و ستّين، قدم أمداد الفرنج في محافل هائلة، فأخذوا مدينة بلبيس، فقتلوا و أسروا و نزلوا بها (3)، و تركوا فيها أثقالهم، و جعلوها موئلا و معقلا. ثمّ جاءوا فنزلوا على القاهرة من ناحية باب الشرقيّة، فأمر الوزير شاور الناس أن يحرقوا مصر (4)، و أن ينتقلوا إلى القاهرة. فنهب البلد، و ذهب للناس أموال كثيرة، و بقيت النّار تعمل في مصر أربعة و خمسين يوما؛ فعند ذلك أرسل الخليفة العاضد يستغيب بالملك نور الدين، و بعث إليه بشعور نسائه يقول: أدركني؛ و استنقذ نسائي من أيدي الفرنج. و التزم له بثلث خراج مصر على أن يكون أسد الدين مقيما عندهم، و لهم إقطاعات زائدة على الثلث.

فجهّز نور الدين الجيوش و عليهم أسد الدين و معه صلاح الدين، فدخلوا القاهرة (5) و قد رجع الفرنج لمّا سمعوا بوصولهم. و عظم أمر أسد الدين بالديار المصرية، و قتل الوزير شاور، قتله صلاح الدين‏ (6). و فرح المسلمون بقتله، لأنّه الذي كان يمالئ الفرنج على المسلمين، و أقيم أسد الدين مكانه في الوزارة، و لقّب الملك المنصور؛ فلم يلبث إلا شهرين و خمسة أيّام، و مات في السادس و العشرين من جمادى الآخرة (7).

____________

(1) انظر ذلك في الكامل لابن الأثير: 9/ 95.

(2) الشحنة: الشرطة.

(3) في مستهل صفر. [الكامل لابن الأثير: 9/ 99].

(4) في التاسع من صفر. [الكامل لابن الأثير: 9/ 99].

(5) سابع جمادى الآخرة. [الكامل لابن الأثير: 9/ 100].

(6) في الكامل لابن الأثير: 9/ 101: اتفق صلاح الدين و عز الدين جرديك و غيرهم على قتل شاور.

(7) توفي يوم السبت الثاني و العشرين.

32

فأقام العاضد مكانه في الوزارة صلاح الدين يوسف، و لقّبه الملك الناصر. قال أبو شامة: و صفة الخلعة التي لبسها صلاح الدين يومئذ عمامة بيضاء تنّيسيّ‏ (1) بطرف ذهب، و ثوب دبيقي‏ (2) بطراز ذهب، و جبّة بطراز ذهب، و طيلسان بطراز ذهب، و عقد جوهر بعشرة آلاف دينار، و سيف محلّى بخمسة آلاف دينار، و حجره بثمانية آلاف دينار، و عليها سرج ذهب و سريسار ذهب مجوهر، و في رأسها مائتا حبّة جوهر، و في قوائمها أربعة عقود جوهر، و في رأسها قصبة بذهب، و فيها شدّة بيضاء بأعلام بيض، و مع الخلعة عدة بقج‏ (3)، و خيل و أشياء أخر، و منشور الوزارة مكتوب في ثوب أطلس أبيض؛ و كان ذلك يوم الاثنين الخامس و العشرين من جمادى الآخرة سنة أربع و ستين؛ و كان يوما مشهودا، و ارتفع قدر صلاح الدين بالديار المصريّة، و ائتلفت عليه القلوب، و خضعت له النفوس، و اضطهد العاضد في أيامه غاية الاضطهاد (4).

فلمّا كان سنة خمس و ستّين حاصرت الفرنج دمياط خمسين يوما، فقاتلهم صلاح الدين حتّى أجلاهم، و أرسل نور الدين إلى صلاح الدين يأمره أن يخطب للخليفة المستنجد العباسيّ بمصر؛ لأن الخليفة بعث يعاتبه في ذلك؛ فلمّا كان سنة ستّ و ستّين، اتّفق موت المستنجد (5)، و قام المستضي‏ء، و شرع صلاح الدين في تمهيد الخطبة لبني العباس، و قطع الأذان بحيّ على خير العمل من ديار مصر كلّها، و عزل قضاة مصر لأنّهم كلّهم كانوا شيعة، و ولّى أقضى القضاة بها صدر الدين بن درباس الشافعيّ، استناب في سائر الأعمال شافعيّة.

فلما دخل سنة سبع و ستّين أمر الملك صلاح الدين بإقامة الخطبة (6) لبني العبّاس بمصر في أوّل جمعة من المحرّم و بالقاهرة في الجمعة الثانية، و كان ذلك يوما مشهودا؛ و العجب أنّ أوّل من خطب للمعزّ حين أخذت مصر عمر بن عبد السميع العباسيّ الخطيب بجامع عمرو و بجامع ابن طولون؛ فكان أوّل من خطب لبني العباس هذه النّوبة شريف علويّ، يقال له محمد بن الحسن بن أبي الضياء البعلبكيّ‏ (7). و لما بلغ الخبر

____________

(1) نسبة إلى البلدة المصرية تنيس.

(2) في معجم البلدان: دبيق بلدة بمصر كانت بين الفرما و تنيس.

(3) البقجة: الصرّة من الثياب و نحوها. (تركية).

(4) انظر سبب ذلك في الكامل لابن الأثير: 9/ 103.

(5) توفي تاسع ربيع الآخرة. [الكامل لابن الأثير: 9/ 108].

(6) انظر ذلك في شذرات الذهب: 4/ 219. و الكامل لابن الأثير: 9/ 111.

(7) في الكامل لابن الأثير: 9/ 111: إنسان عجمي يعرف بالأمير العالم.

33

نور الدين أرسل إلى الخليفة المستضي‏ء يعلمه بذلك، فزيّنت بغداد، و غلّقت الأسواق و عملت القباب، و فرح المسلمون فرحا شديدا، قال ابن الجوزيّ: و قد ألّفت في ذلك كتابا سميته: «النصر على مصر». و كتب العماد الكاتب عن السلطان صلاح الدين إلى الملك نور الدين يبشّره بذلك:

قد خطبنا للمستضي‏ء بمصر* * * نائب المصطفى إمام العصر

في أبيات ذكرتها في تاريخ الخلفاء.

و قال بعض شعراء بغداد في ذلك:

ليهنك يا مولاي فتح تتابعت‏* * * إليك به خوص الرّكائب توجف‏

أخذت به مصرا و قد حال دونها* * * من الشّرك ناس في لها الحقّ تقذف‏

فعادت بحمد اللّه باسم إمامنا* * * تتيه على كلّ البلاد و تشرف‏

و لا غرو أن ذلّت ليوسف مصره‏* * * و كانت إلى عليائه تتشوّف‏

تملّكها من قبضة الكفر يوسف‏* * * و خلّصها من عصبة الرفض يوسف‏

كشفت بها عن آل هاشم سيّئا* * * و عارا أبى إلّا بسيف يكشف‏

و هي طويلة.

قال أبو شامة: أنشدت هذه القصيدة للخليفة قبل موته، عند تأويل منام رئي في هذا المعنى، و أراد بيوسف الثاني الخليفة المستنجد، فلم يخطب إلّا لولده المستضي‏ء، فجرى الفأل باسم الملك النّاصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب، و أرسل الخليفة المستضي‏ء بأمر اللّه إلى الملك صلاح الدين خلعة سنيّة، و معها أعلام سود، و لواء معقود، ففرّقت على الجوامع بالشام و بلاد مصر.

و كتب له تقليدا؛ و هذه صورته:

كتاب تقليد الخليفة لصلاح الدين‏

أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين يبدأ بحمد اللّه الذي يكون لكلّ خطبة قيادا، و لكلّ أمر مهادا، و يستزيده من نعمه التي جعلت التقوى لها زادا، و حمّلته أعباء الخلافة فلم يضعف عنه طوقا و لم يأل فيه اجتهادا، و صغّرت لديه أمر الدنيا فما تسوّرت له محرابا و لا عرضت عليه جيادا، و حقّقت فيه قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً [القصص: 83].

34

ثمّ يصلّي على من أنزلت الملائكة لنصره إمدادا، و أسري به إلى السماء حتّى ارتقى سبعا شدادا، و تجلّى له ربّه فلم يزغ منه بصر و لا كذّب فؤادا.

ثمّ من بعده على أسرته الطاهرة التي زكت أوراقا و أعوادا، و ورثت النّور المبين بلادا، و وصفت بأنّها أحد الثّقلين هداية و إرشادا؛ و خصوصا عمّة العباس المدعوّ له بأن يحفظ نفسا و أولادا، و أن تبقى كلمة الخلافة فيهم خالدة لا تخاف دركا و لا تخشى نفادا.

و إذا استوفى العلم مراده من هذه الحمدلة، و أسند القول فيها عن فصاحته المرسلة فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفا لقرطاسه، و استدام سجوده على صفحته حتّى يرفع من رأسه؛ و ليس ذلك إلّا قاضية في وصف المناقب التي كثرت فحسن لها مقام الإكثار، و اشتبه التطويل فيها بالاختصار، و هي التي لا يفتقر واضعها إلى القول المعاد، و لم يستوعر سلوك أطوادها؛ و من العجب وجود السهل في سلوك الأطواد.

و تلك هي مناقبك أيّها الملك الناصر السيّد الأجلّ الكبير، العالم العادل المجاهد المرابط صلاح الدين أبو المظفّر يوسف بن أيّوب‏ (1).

و الديوان العزيز يتلوها عليك تحدّثا بشكرك، و يباهي أولياءه تنويها بذكرك، و يقول: أنت الذي نستكفي فتكون للدّولة سهمها الصائب، و شهابها الثاقب، و كنزها الذي تذهب الكنوز و ليس بذاهب. و ما ضرّها و قد حضرت في نصرتها إذا كان غيرك هو الغائب؛ فاشكره إذا مساعيك التي أهّلتك لما أهّلتك، و فضّلتك على الأولياء بما فضّلتك. و لئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار، فلم تشارك في عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار. و فرق بين من أمدّ بقلبه و بين من أمدّ بيده في درجات الإمداد، و ما جعل اللّه القاعد كالذي قال: لو أمرتنا لضربنا أكبادها إلى برك الغماد.

و قد كفاك من المساعي أنّك كفيت الخلافة أمر منازعيها، و طمست على الدعوة الكاذبة التي كانت تدّعيها. و لقد مضى عليها زمن و محراب حقّها محفوف من الباطل بمحرابين، و رأت ما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من السّوارين اللّذين أولهما كذابين؛ فبمصر منهما واحد تجري أنهارها من تحته؛ و دعا الناس إلى عبادة طاغوته و جبته‏ (2)، و لعب بالدّين حتى لم يدر يوم جمعته من يوم أحده و لا سبته.

____________

(1) في الخطط المقريزية: 2/ 233: يوسف بن نجم الدين أيوب أبي الشكر بن شادي بن مروان الكردي من قبيل الروادية أحد بطون الهذبانية من أذربيجان و بلاد الكرج.

(2) الجبت: الصنم أو السحر الذي لا خير فيه.

35

و أعانه على ذلك قوم رمى اللّه بصائرهم بالعمى و الصّمم؛ و اتّخذوه صنما و لم تكن الضّلالة هناك إلا بعجل أو صنم؛ فقمت أنت في وجه باطله حتّى قعد، و جعلت في جيده حبلا من مسد؛ و قلت ليده: تبّت، فأصبح و لا يسعى بقدم و لا يبطش بيد.

و كذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن‏ (1) ناجمته، و سامت فيه سائمته؛ فوضع بيته موضع الكعبة اليمانيّة، و قال هذا ذو الخلصة الثانية. فأيّ مقامك يعترف الإسلام بسبقه، أم أيّهما يقوم بأداء حقّه؟!

و هاهنا فليصبح القلم للسيف من الحسّاد، و ليقصر مكانته عن مكانته و قد كان له من الأنداد، و لم يحط بهذه المزيّة إلا أنّه أصبح لك صاحبا، و فخر بك حتّى طال فخرا كما عزّ جانبا، و قضى بولايتك فكان بها قاضيا، لمّا كان حدّه ماضيا.

و قد قلّدك أمير المؤمنين البلاد المصريّة و اليمنيّة غورا و نجدا، و ما اشتملت عليه رعيّة و جندا، و ما انتهت إليه أطرافها برّا و بحرا، و ما يستنقذ من مجاوريها مسالمة و قهرا. و أضاف إليها بلاد الشام و ما تحتوي عليه من المدن الممدّنة، و المراكز المحصّنة مستثنيا منها ما هو بيد نور الدّين إسماعيل بن نور الدين محمود (رحمه اللّه) و هو حلب و أعمالها؛ فقد مضى أبوه عن آثار في الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين؛ و تخلفه في عقبه في الغابرين، و ولده هذا قد هذّبته الفطرة في القول و العمل، و ليست هذه الرّبوة إلّا من ذلك الجبل؛ فليكن له منك جار يدنو منه ودادا كما دنا أرضا، و تصبح و هو له كالبنيان يشدّ بعضه بعضا؛ و الذي قدّمناه من الثناء عليك ربّما تجاوزتك درجة الاقتصاد و ألقتك عن فضيلة الازدياد. فإيّاك أن تنظر إلى سعيك نظر الإعجاب، فتقول: هذه بلادنا افتتحتها بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب. و لكن اعلم أنّ الأرض للّه و لرسوله، ثمّ لخليفته من بعده، و لا منّة للعبد بإسلامه، بل المنّة للّه بهداية عبده. و كم سلف قبلك ممّن لو رام ما رمته لدنا شاسعه و أجاب مانعه؛ و لكن ذخره اللّه لك لتحظى في الآخرة بمفازه، و في الدنيا برقم طرازه، فألق بيدك عند هذا القول إلقاء التّسليم، و قل: لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏ [البقرة: 32].

و قد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الإسلام شعارا، و في الرّسم فخارا، و تناسب محلّ قلبك و بصرك؛ و خير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبا و أبصارا، و من جملتها طوق يوضع في عنقك موضع العهد و الميثاق، و يشير إليك بأنّ الإنعام قد أطاق بك إطاقة الأطواق بالأعناق.

____________

(1) لعلّ المقصود بذلك عبد النبي صاحب زبيد في اليمن. [انظر الكامل لابن الأثير: 9/ 122].

36

ثمّ إنّك خوطبت بالملك، و ذلك خطاب يقضي لصدرك بالانشراح، و لأملك بالانفساح، و تؤمر معه بمدّ يدك العليا لا تضمّها إلى الجناح.

و هذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السيادة، و هي الّتي لا مزيد عليها في الإحسان فيقال إنّها الحسنى و زيادة؛ فإن صارت إليك فانصب لها يوما يكون في الأيّام كريم الأنساب، و اجعله لها عيدا و قل هذا عيد الخلعة و التقليد و الخطاب.

هذا و لك عند أمير المؤمنين مكانة بجعلك إليه حاضرا و أنت ناء عن الحضور، و تضنّ أن تكون مشتركة بينك و بين غيرك و الضّنّة من شيم الغيوب؛ و هذه المكانة قد عرّفتك نفسها و ما كنت تعرفها؛ و ما نقول إلّا أنّها لك صاحبة و أنت يوسفها، فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، و اعمل لها فإنّ الأعمال بخواتيمها.

و اعلم أنّك تقلّدت أمرا يفتن به تقيّ الحلوم، و لا ينفكّ صاحبه عن عهدة الملوم، و كثيرا ما ترى حسناته يوم القيامة و هي مقسومة بأيدي الخصوم؛ و لا ينجو من ذلك إلّا من أخذ أهبة الحذار، و أشفق من شهادة الأسماع و الأبصار. و اعلم أنّ الولاية ميزان، إحدى كفّتيه في الجنّة و الأخرى في النار؛ قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «يا أبا ذرّ، إنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين، و لا تولينّ مال يتيم». فانظر إلى هذا القول النبويّ نظر من لم يخدع بحديث الحرص و الآمال، و مثّل الدنيا و قد سيقت إليك بحذافيرها، أليس مصيرها إلى زوال؟! و السعيد من إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، و اتّخذ منها و هي السمّ دواء و قد تتّخذ الأدوية من السموم.

و ما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء و الصباح، و هو كما أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرّياح.

و اللّه يعصم أمير المؤمنين، و ولاة أمره من تبعاتها التّي لابستهم و لابسوها، و أحصاها اللّه و نسوها، و لك أنت من اللّه هذا الدعاء حظّ على قدر محلّك من العنابة التي حدثت بصنعك، و محلّك من الولاية التي بسطت من ذرعك.

فخذ هذا الأمر الذي تقلّدته أخذ من لم يتعقّبه بالنّسيان، و كن في رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان؛ و ملاك ذلك كلّه في إسباغ العدل الذي جعله اللّه ثالث الحديث و الكتاب، و أغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب؛ و قدّر يوما منه بعبادة ستّين عاما في الحساب، و لم يأمر به آمر إلّا زيد قوّة في أمره، و تحصّن به من عدوّه و من دهره. ثمّ يجاء به يوم القيامة و في يده كتاب أمان، و يجلس على منبر من نور عن يمين‏

37

الرحمن؛ و مع هذا فإنّ مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلّا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه، و غلبت لمّة ملكه على لمّة شيطانه. و من آكد فروضه أن تمحى السّير السّيئة التي طالت مدد أيامها، و يئس الرّعايا من رفع ظلاماتها فلم يجعلوا أمدا لانحسار ظلامها؛ تلك السّير هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة، و لا غنى للأيدي الغنيّة إذا كانت ذا نفوس فقيرة؛ و كلّما زيدت الأموال الحاصلة منها قدرا، زادها اللّه محقا؛ و قد استمرّت عليها العوائد حتّى ألحقها الظالمون بالحقوق الموجبة فسمّوها حقّا، و لو أنّ صاحبها أعظم الناس جرما لما أغلظ في عقابه، و مثلت توبة المرأة الغامدية بمتابه؛ و هي أشقى ممّن يكون السواد الأعظم له خصما، و يصبح و هو مطالب بما يعلم و بما لم يحط به علما؛ و أنت مأمور بأن تأبى هذه الظلامات فتنهى عن إجرائها، و تلحق أسماءها في المحو بإهمالها؛ حتّى لا يبقى لها في العيان صورة منظورة، و لا في الألسنة أحاديث مذكورة.

و إذا فعلت ذلك كنت أزلت عن الماضي سنّة سوء سنّتها يداه، و عن الآتي متابعة ظلم وجده طريقا مسلوكا فجرى على بداه، فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من يضيق به ذراعا، و نظر إلى الحياة الدنيا بعينها فرآها في الآخرة متاعا. و احمد اللّه على أن قيّض لك إمام هدى يقف بك على هداك، و يأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عداك؛ و هذه البلاد المنوطة بنظرك تشتمل على أطراف متباعدة، و تفتقر في سياستها إلى أيد متساعدة؛ و لهذا يكثر بها قضاة الأحكام و أولو تدابيرات السيوف و الأقلام؛ و كلّ من هؤلاء ينبغي أن يفتن على نار الاختبار، و يسلّط عليه شاهد عدل من أمانة الدرهم و الدينار فما أضلّ الناس شي‏ء كحبّ المال الذي فورقت من أجله الأديان، و هجرت بسببه الأولاد و الإخوان؛ و كثيرا ما يرى الرّجل الصائم القائم و هو عابد له عبادة الأوثان؛ فإذا استعنت بأحد منهم على شي‏ء من أمرك، فاضرب عليه بالأرصاد، و لا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإنّ الأحوال تنقل بنقل الأجساد. و إيّاك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.

و كذلك نأمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا بالمعروف و ينهوا عن المنكر محاسبين؛ و يعلموا أنّ ذلك من دأب حزب اللّه الذين جعلهم الغالبين، و ليبدءوا أوّلا بأنفسهم فيعدلوها عن هواها، و يأمروها بما يأمرون به سواها، و لا يكونوا ممّن هدى إلى طريق البرّ و هو عنها حائد، و انتصب لطبّ المرضى و هو محتاج إلى طبيب و عائد؛ فما تنزل بركات السماء إلّا على من خاف مقام ربّه، و ألزم التقوى أعمال يده و لسانه و قلبه؛ فإذا صلحت الولاة صلحت الرعيّة بصلاحهم؛ و هم لهم بمنزلة المصابيح، و لا يتضي‏ء كلّ قوم إلّا بمصباحهم. و ممّا يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانا في‏

38

الأصحاب، و جيرانا في الاقتراب، و أعوانا في توزّع الحمل الذي يثقل على الرقاب؛ فالمسلم أخو المسلم و إن كان عليه أميرا، و أولى الناس باستعمال الرفق من كان فضل اللّه عليه كثيرا؛ و ليست الولاية لمن يستجد بها كثرة اللّفيف، و يتولّاها بالوطء العنيف؛ و لكنّها لمن يمال عن جوانبه، و يؤكل من أطايبه، و لمن إذا غضب لم ير للغضب عنده أثر، و إذا ألحف في سؤاله تخلّق بخلق الضّجر، و إذا حضر الخصوم بين يديه عدل بينهم في قسمة القول و النظر؛ فذلك الذي يكون لصاحبه في أصحاب اليمين، و الذي يدعى بالحفيظ العليم و القويّ الأمين.

و من سعادة المرء أن تكون ولاته متأدّبين بآدابه، و جارين على نهج صوابه؛ و إذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانوا حسنات مثبتة في كتابه.

و بعد هذه الوصيّة، فإنّ هاهنا حسنة هي للحسنات كالأمّ الولود؛ و لطالما أغنت عن صاحبها إغناء الجود، و تيّقظت لنصره و العيون رقود؛ و هي التي تسبغ لها الآلاء، و لا يتخطّاها البلاء، و لأمير المؤمنين عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه، و الرغبة في المغفرة و الرحمة لما تقدّم و تأخّر من ذنبه. و تلك هي الصدقة التي فضّل اللّه بعض عباده بمزيّة إفضالها، و جعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها؛ و هو يأمرك أن تتفقّد أحوال الفقراء الّذين قدرت عليهم مادة الأرزاق، و ألبسهم التعفّف ثوب الغنى و هم في ضيق من الإملاق؛ فأولئك أولياء اللّه الذين مسّتهم الضرّاء فصبروا، و كثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذا نظروا. و ينبغي لك أن تهيّى‏ء لهم من أمرهم مرفقا، و تضرب بينهم و بين الفقر موبقا.

و ما أطلنا لك القول في هذه الوصيّة إلّا إعلاما بأنّها من المهمّ الذي يستقبل و لا يستدبر، و يستكثر منه و لا يستكبر؛ و هذا يعدّ من جهاد النفس في بذل المال، و يتلوه جهاد العدوّ الكافر في مواقف القتال؛ و أمير المؤمنين يعرّفك من ثوابه ما يجعل السّيف في ملازمته أخا، و تسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا. و من صفاته أنّ العمل المحبوب بفضل الكرامة، الذي ينمو أجره بعد صاحبه إلى يوم القيامة، و به يمتحن طاعة الخالق على المخلوق، و كلّ الأعمال عاطلة لا خلوق لها و هي المختصّ دونها بزينة الخلوق، و لو لا فضله لما كان محسوبا بشطر الإيمان؛ و لما جعل اللّه الجنّة له ثمنا و ليست لغيره من الأثمان، و قد علمت أنّ العدوّ هو جارك الأدنى؛ و الذي يبلغك و تبلغه عينا و أذنا، و لا تكون للإسلام نعم الجار؛ حتّى تكون له بئس الجار. و لا عذر لك في ترك جهاده بنفسك و مالك إذا قامت لغيرك الأعذار. و أمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مصافحا، أو تطرق أرضه مماسيا أو مصابحا، بل يريد أن تقصد البلاد الّتي في يده‏

39

قصد المستغير لا قصد المغير، و أن تحكم فيها بحكم اللّه الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة و النّضير، و على الخصوص البيت المقدّس فإنّه بلاد الإسلام القديم، و أخو البيت الحرام في شرف التعظيم، و الّذي توجّهت إليه الوجوه من قبل بالسجود و التسليم. و قد أصبح و هو يشكو طول المدّة في أسر رقبته، و أصبحت كلمة التوحيد و هي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه و غربته. فانهض إليه نهضة متوغّل في فرحه، و تبدل صعب قياده بسمحه؛ و إن كان له عام حديبيّة فاتّبعه بعام فتح. و هذه الاستزادة بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملا فحميت موارده، أو مستهدما فرفعت قواعده، و من أهمّها ما كان حاضر البحر كأنّه أعمه عورته مكشوفة، و خطّة مخوفة، و العدوّ قريب منه على بعده. و كثيرا ما يأتيه فجاءة حتّى يشقّ برقه برعده؛ فينبغي أن ترتّب بهذه الثغور رابطة يكثر شجعانها، و يقلّ أقرانها، و يكون قتالها لأن تكون كلمة اللّه هي العليا لا لأن يرى مكانها، و حينئذ يصبح كلّ منها و له من الرجال أسوار، و يعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار؛ و مع هذا فلا بدّ له من أسطول يكثر عدده، و يقوى مدده، فإنه العمدة التي يستعين بها على كشف العماء، و الاستكثار من سبايا العبيد و الإماء، و جيشه أخو الجيش السليمانيّ، فذاك يسري على متن الريح و هذا يجري على متن الماء.

و من صفات خيله أنّها جمعت بين العوم و المطار، و تساوت أقدار خلقها على اختلاف مدّة الأعمار، فإذا أشرعت قيل جبال متلفّعة بقطع من الغيوم، و إذا نظر إلى أشكالها قيل أهلّة غير أنّها تهتدي في مسيرها بالنجوم، و مثل هذه الخيل ينبغي أن يغالى من جيادها، و يستكثر من قيادها، و ليؤمّر عليها أمير يلقى البحر بمثله من سعة صدره، و يسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها، و لكن قتلها بخبره؛ و كذلك فليكن ممّن أفنت الأيّام تجاربه، و رحمتها مناكبه، و ممّن بذل الصّعب إذا هو ساسه و إن سيس لان جانبه، و هذا هو الرجل الذي يرأس على القوم فلا يجد هذه بالرئاسة، فإن كان في الساقة ففي الساقة أو كان في الحراسة ففي الحراسة. و لقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه، و أيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنجح من رأيه.

و اعلم أنّه قد أخلّ من الجهاد بركن يقدح في علمه، و هو تمامه الذي يأتي في آخره كما أنّ صدق النيّة تأتي في أوّله؛ و ذلك هو قسم الغنائم، فإنّ الأيدي قد تناولته بالإجحاف، و خلطت جهادها فيه بفلولها، فلم ترجع بالكفاف. و اللّه قد جعل الظلم في تعدّي حدوده المحدودة، و جعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة؛ و نحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا شرّ زمان و ناسه شرّ ناس، و لم يستخلفنا على حفظ أركان دينه ثمّ نهمله إهمال مضيع و لا إهمال ناس.

و الذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر على المنصوص من حكمه، و تبرّئ ذمّتك‏

40

ممّا يكون غيرك الفائز بفوائده و أنت المطالب بإثمه، و في أرزاق المجاهدين بالديار المصرية و الشاميّة ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدا نكالا و جحيما، و طعاما ذا غصّة و عذابا أليما.

فتصفّح ما سطّرناه لك من هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات محكمات، و تحبّب إلى اللّه و إلى أمير المؤمنين باقتفاء كتابها، و ابن لك بها مجدا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها؛ و هذا الذي ينطق عليك بأنّه لم يأل في الوصايا التي أوصاها، فإنّه لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها.

ثمّ إنّه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، و سأل فيها خيرة اللّه التي تتنزّل من كلّ أمر منزلة نظامه. ثمّ قال: إنّي أشهدك على من قلّدته شهادة تكون عليه رقيبة و له حسيبة، فإني لم آمره إلا بأوامر الحقّ التي فيها موعظة و ذكرى، و لمن تبعها هدى و رحمة و بشرى، و إذا أخذ بها فلج بحجّته يوما يسأل فيه عن الحجج، و لم يختلج دون رسوله على الحوض في جملة من يختلج، و قيل له: لا حرج عليك و لا إثم إذ نجوت من ورطات الإثم و الحرج. و السلام.

قال الفقيه عمارة اليمني‏ (1)- يرثي العاضد- و كان من خواصّهم:

يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة* * * لك الملامة إن قصّرت في عذلي‏

بالله زر ساحة القصرين و ابك معي‏* * * عليهما لا على صفّين و الجمل‏

و قال بعض الشعراء يمدح بني أيّوب على ما فعلوه:

أ لستم مزيلي دولة الكفر من بني‏* * * عبيد بمصر، إنّ هذا هو الفضل‏

زنادقة شيعيّة باطنيّة* * * مجوس و ما في الصالحين لهم أصل‏

يسرّون كفرا، يظهرون تشيّعا* * * ليستروا شينا، و عمّهم الجهل‏

و قال حسان عرقلة (2):

أصبح الملك بعد آل عبيد* * * مشرفا بالملوك من آل شاذي‏

____________

(1) في شذرات الذهب: 4/ 234: هو الفقيه عمارة بن علي بن زيدان أبو محمد الحكمي المذحجي اليمني الشافعي، الفرضي نجم الدين نزيل مصر و شاعر مصر ... شنقه صلاح الدين في رمضان سنة 569 ه لمحاولته مع غيره إعادة الدولة العبيدية.

(2) في شذرات الذهب: 4/ 220: هو حسان بن نمير المعروف بعرقلة، كان شيخا خليعا مطبوعا أعور العين منادما، اختصّ بصلاح الدين، و كان قد وعده صلاح الدين أنه إذا أخذ مصر يعطيه ألف دينار. توفّي سنة 567 ه.

41

و غدا الشرق يحسد الغرب للقو* * * م و مصر تزهو على بغداذ

ما حووها إلّا بعزم و حزم‏* * * و صليل الفؤاد في الفولاذ

لا كفرعون و العزيز و من كا* * * ن بها كالخصيب و الأستاذ

قال أبو شامة: يعني بالأستاذ كافور الإخشيديّ.

قال: و قد أفردت كتابا سمّيته: «كشف ما كان عليه بنو عبيد، من الكفر و الكذب و المكر و الكيد». و كذا صنّف العلماء في الردّ عليهم كتبا كثيرة من أجلّها كتاب القاضي أبي بكر الباقلّانيّ الّذي سمّاه «كشف الأسرار و هتك الأستار».

صلاح الدين في مصر

و لما استقلّ السلطان صلاح الدين بأرض مصر، أسقط عن أهلها المكوس و الضرائب، و قرأ المنشور بذلك على رؤوس الأشهاد يوم الجمعة بعد الصلاة ثالث صفر سنة سبع و ستّمائة (1). و استولى على القصر و خزائنه و فيها من الأموال ما لا يحصى؛ من ذلك سبعمائة يتيمة من الجوهر، و قضيب زمرّد طوله أكثر من شبر (2) و سمكه نحو الإبهام، و عقد من ياقوت، و إبريق عظيم من الحجر المائع إلى غير ذلك من التّحف، و وجد خزانة كتب ليس في الإسلام لها نظير، تشتمل على نحو ألفي ألف مجلّد منها بالخطوط المنسوبة مائة ألف مجلّد، فأعطاها القاضي الفاضل. و أخذ السّلطان صلاح الدين في نصر السنّة و إشاعة الحقّ، و إهانة المبتدعة و الانتقام من الروافض، و كانوا بمصر كثيرين.

صلاح الدين و الفرنج‏

ثمّ تجرّدت همّته إلى الفرنج و غزوهم؛ فكان من أمره معهم ما ضاقت به التواريخ، و استردّ منهم ما كانوا استولوا عليه من بلاد الإسلام بالشام. من ذلك القدس الشريف، فتحه، بعد أن كان في يد الفرنج ... و أجلى ما بين الشام و مصر من الفرنج.

ثمّ افتتح الحجاز و اليمن من يد متغلّبيها و تسلّم دمشق بعد موت نور الدين، فصار سلطان مصر و الشام و اليمن و الحجاز.

قال ابن السبكي في الطبقات الكبرى: له من الفتوحات التي خلّصها من أيدي الفرنج قلعة أيلة، طبريّة، عكّا، القدس، الخليل، الكرك، الشّوبك، نابلس، عسقلان،

____________

(1) لعلّ الصواب: سبع و ستين و خمسمائة. [الكامل لابن الأثير: 9/ 111- 112].

(2) في الكامل لابن الأثير: 9/ 112: طوله أربع أصابع في عرض عقد كبير.

42

بيروت، صيداء، بيسان، غزّة، لدّ، حيفا صفّوريه، معليا، الفولة، الطّور، إسكندرونة، هفوس‏ (1)، يافا، أرسوف، قيساريّة، جبل‏ (2) نبل‏ (3) معليكة (4)، عفربلا (5)، اللّجّون، لستمة (6)، ياقون‏ (7)، مجدل يابا، تلّ الصافية، بيت نوبا، الطّرون‏ (8)، الجيب، البيرة، بيت لحم، ريحاء، قرا (9) و احصر، الدّير (10)، دمرا، قلقيلية، صرير (11)، الزّيت‏ (12)، الوعر (13)، الهرمس‏ (14)، تفليسا (15)، العازريّة، تفرع‏ (16)، الكرك، مجدل، الحارغير (17) في جبل عاملة، الشّقيف، سبسطية و يقال: بها قبر زكرياء، و جبيل، و كوكب، و أنطرطوس، و اللّاذقيّة، و بكسرائيل‏ (18)، صهيون، جبلة، قلعة العبد (19)، قلعة الجماهرية، بلاطنس‏ (20)، الشّغر، بكاس، و سمر سامية (21)، برزية، و دربساك، و بغراس، و صفد.

و له مصافّات يطول شرحها.

و افتتح كثيرا من بلاد النّوبة من يد النصاى، و كانت مملكته من المغرب إلى تخوم العراق و معها اليمن و الحجاز، فملك ديار مصر بأسرها مع ما انضمّ إليها من بلاد المغرب و الشام بأسرها مع حلب و ما والاها، و أكثر ديار ربيعة و بكر و الحجاز بأسره و اليمن بأسره، و نشر العدل في الرعيّة، و حكم بالقسط بين البريّة، و بنى المدارس و الخوّانق، و أجرى الأرزاق على العلماء و الصّلحاء، مع الدّين المتين و الورع و الزهد و العلم، و كان يحفظ القرآن و التنبيه و الحماسة. و هو الّذي ابتنى قلعة القاهرة على جبل‏

____________

(1) غير موجود في معجم البلدان.

(2) غير موجود في معجم البلدان.

(3) غير موجود في معجم البلدان.

(4) غير موجود في معجم البلدان.

(6) غير موجود في معجم البلدان.

(15) غير موجود في معجم البلدان.

(16) غير موجود في معجم البلدان.

(17) غير موجود في معجم البلدان.

(5) عفربلا: بلد بغور الأردن قرب بيسان و طبرية.

(7) في معجم البلدان: ياقين، من قرى بيت المقدس.

(8) في معجم البلدان: الطرون حصن بين بيت المقدس و الرملة.

(9) لعل المقصود: قرا حصار: في معجم البلدان: اسم لأماكن كثيرة و مدن جليلة غالبها في بلاد الروم، منها قرا حصار على يوم من أنطاكية. و منها قرا حصار قرب قيسارية [و لعلّها هي المقصودة].

(10) لعلّ المقصود: الداروم، في معجم البلدان: قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر، خرّبها صلاح الدين لما ملك الساحل سنة 584 ه.

(11) لعل المقصود: صرّين: في معجم البلدان: هو بلد بالشام.

(12) لعل المقصود: الزّيب: في معجم البلدان: قرية كبيرة على ساحل بحر الشام قرب عكا.

(13) لعل المقصود: الوعيرة: في معجم البلدان: حصن من جبال الشراة قرب وادي موسى.

(14) لعل المقصود: هرمز: في معجم البلدان: قلعة بوادي موسى بين القدس و الكرك.

(18) في معجم البلدان: بكسرائيل: حصن من سواحل حمص مقابل جبلة في الجبل.

(19) في الكامل لابن الأثير: 9/ 192: حصن العيد.

(20) في معجم البلدان: بلاطنس حصن منيع بسواحل الشام مقابل اللاذقية من أعمال حلب.

(21) لعلّ الصواب: سرمينية. [انظر الكامل لابن الأثير: 9/ 193].

43

المقطّم التي هي الآن دار السلاطين، و لم يكن السلاطين يسكنون قبلها إلا دار الوزارة بالقاهرة، و فتح من بلاد المسلمين حرّان، و سروج، و الرّها و الرّقّة، و البيرة، و سنجار، و نصيبين، و آمد. و ملك حلب، و المواريخ و شهرز. و حاصر الموصل إلى أن دخل صاحبها تحت طاعته، و فتح عسكره طرابلس الغرب و برقة من بلاد المغرب، و كسر عسكر تونس، و خطب بها لبني العباس. و لو لم يقع الخلف بين عسكره الذين جهّزهم إلى المغرب لملك الغرب بأسره، و لم يختلف عليه مع طول مدّته أحد من عسكره على كثرتهم. و كان النّاس يأمنون ظلمه لعدله. و يرجون رفده لكثرته، و لم يكن لمبطل و لا لصاحب هزل عنده نصيب. و كان إذا قال صدق، و إذا وعد وفى، و إذا عاهد لم يخن.

صفات صلاح الدين و وفاته‏

كان رقيق القلب جدّا، و رحل إلى الإسكندرية بولديه الأفضل و العزيز (1) لسماع الحديث من السّلفيّ‏ (2)، و لم يعهد ذلك لملك بعد هارون الرشيد، فإنّه رحل بولديه الأمين و المأمون إلى الإمام مالك لسماع الموطّأ. هذا كلّه كلام السبكي في الطبقات.

قال: و من الكتب و المراسيم عنه في النّهي عن الخوض في الحرف و الصوت؛ و هو من إنشاء القاضي الفاضل: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ...

[الأحزاب: 60]، الآية، خرج أمرنا إلى كلّ قائم في صفّ، أو قاعد في أمام و خلف؛ ألّا نتكلم في الحرف بصوت، و لا في الصّوت بحرف، و من تكلّم بعدها كان الجدير بالتّكليم، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ [النور:

63]، و يسأل النواب القبض على مخالفي هذا الخطاب، و بسط العذاب، و لا يسمع لمتفقّه في ذلك تحرير جواب، و لا يقبل عن هذا الذنب متاب. و من رجع إلى هذا الإيراد بعد الإعلان؛ و ليس الخبر كالعيان، رجع أخسر من صفقة أبي غبشان‏ (3)، و ليعلن بقراءة هذا الأمر على المنابر، و ليعلم به الحاضر و البادي ليستوي فيه البادي و الحاضر، و اللّه يقول الحقّ و هو يهدي السبيل.

و من صنائع السلطان صلاح الدين أنّ أسقط المكوس و الضرائب عن الحجّاج‏

____________

(1) الأفضل نور الدين علي، و العزيز عثمان. [الكامل لابن الأثير: 9/ 226].

(2) في الخطط المقريزية: 2/ 6234 و سمع بها موطأ الإمام مالك على الفقيه أبي طاهر بن عوف.

(3) في الكامل لابن الأثير: 2/ 11: فجعل حليل فتح باب الكعبة و إغلاقه إلى ابنه المحترش و هو أبو غبشان، فاشترى قصيّ منه ولاية البيت بزقّ خمر و بعود، فضربت به العرب المثل، فقالت:

أخسر صفقة من أبي غبشان.

44

بمكّة، و قد كان يؤخذ منهم شي‏ء كثير، و من عجز عن أدائه حبس، فربّما فاته الوقوف بعرفة، و عوّض أميرها ثمال إقطاعا بديار مصر، يحمل إليه منه في كلّ سنة ثمانية آلاف أردبّ غلّة، لتكون عونا له و لأتباعه، و قرّر للمجاورين أيضا غلّات تحمل إليهم و صلات، فرحمة اللّه عليه في سائر الأوقات، فلقد كان إماما عادلا، و سلطانا كاملا لم بل مصر بعد الصّحابة مثله، لا قبله و لا بعده!

و قد كان الخليفة المستضي‏ء أرسل إليه في سنة أربع و سبعين خلعا سنيّة جدّا، و زاد في ألقابه «معزّ أمير المؤمنين». ثمّ لمّا ولي الخليفة الناصر في سنة ستّ و سبعين أرسل إليه خلعة الاستمرار، ثم أرسل إليه في سنة اثنتين و ثمانين يعاتبه في تلقيبه بالملك الناصر، مع أنّه لقب أمير المؤمنين، فأرسل يعتذر إليه بأنّ ذلك كان من أيّام الخليفة المستضي‏ء، و أنّه إن لقّبه أمير المؤمنين بلقب، فهو لا يعدل عنه، و تأدّب مع الخليفة غاية الأدب.

قال العماد: و قد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون، فاتّفق أنّ بعضهم أخذ صبيّا رضيعا من مهده ابن ثلاثة أشهر، فوجدت عليه أمّه وجدا شديدا، و اشتكت إلى ملوكهم؛ فقالوا لها: إنّ سلطان المسلمين رحيم القلب، فاذهبي إليه، فجاءت إلى السلطان صلاح الدين فبكت، و شكت أمر ولدها، فرقّ لها رقّة شديدة، و دمعت عيناه، فأمر بإحضار ولدها، فإذا هو بيع في السوق، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري، و لم يزل واقفا حتّى جي‏ء بالغلام، فدفعه إلى أمّه، و حملها على فرس إلى قومها مكرّمة.

و استمرّ السلطان صلاح الدين على طريقته العظيمة؛ من مثابرة الجهاد للكفّار، و نشر العدل، و إبطال المكوس‏ (1) و المظالم، و إجراء البرّ و المعروف إلى أن أصيب به المسلمون، و انتقل بالوفاة إلى رحمة اللّه تعالى ليلة الأربعاء سادس‏ (2) عشري صفر سنة تسع و ثمانين و خمسمائة، و له من العمر سبع و خمسون سنة. و عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة، من ذلك قصيدة للعماد الكاتب، مائتان و ثلاثون بيتا أوّلها:

شمل الهدى و الملك عمّ شتاته‏* * * و الدّهر ساء و أقلعت حسناته‏

بالله أين النّاصر الملك الّذي‏* * * للّه خالصة صفت نيّاته؟

أين الّذي ما زال سلطانا لنا* * * يرجى نداه و تتّقى سطواته؟

____________

(1) انظر الخطط المقريزية: 2/ 233.

(2) في الخطط المقريزية: 2/ 235: سابع عشري.

45

أين الذي شرف الزمان بفضله‏* * * وسمت على الفضلاء تشريفاته؟

أين الّذي عنت الفرنج لبأسه‏* * * ذلّا و منها أدركت ثاراته؟

أغلال أعناق العدا أسيافه‏* * * أطواق أجياد الورى منّاته‏

قال العماد و غيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى دينار واحد صوريّ و ستة و ثلاثين درهما، و لم يترك دارا و لا عقارا و لا مزرعة، و لا شيئا من أنواع الأملاك، و ترك سبعة عشر ولدا ذكرا و ابنة واحدة.

و كان متدينا في مأكله و مشربه و مركبه و ملبسه، فلا يلبس إلا القطن و الكتّان و الصّوف، و كان يواظب في الجماعة، و يواظب سماع الحديث، حتّى أنّه سمع في بعض المصافّات جزءا و هو بين الصّفين و يتبجّح بذلك، و قال: هذا موقف لم يسمع فيه أحد حديثا.

و بالجملة فمناقبه الحميدة كثيرة لا تستقصى إلا في مجلّدات، و قد أفرد سيرته بالتصنيف جماعة من العلماء و الزّهاد و الأدباء، و كان به عرج في رجله، فقال فيه ابن عنّين الشاعر:

سلطاننا أعرج و كاتبه‏* * * ذو عمش و الوزير منحدب‏

قال ابن فضل اللّه في المسالك: و من غرائب الاتّفاق أنّ الشيخ علم الدين السخاويّ مدح السلطان صلاح الدين، و مدحه الأديب رشيد الدين الفارقيّ، و بين وفاتيهما مائة سنة.

و ذكر اليافعيّ في روض الرياحين أنّ السلطان صلاح الدين كان من الأولياء الثلاثمائة، و أنّ السلطان محمودا كان من الأولياء الأربعين.

*** [مصر بين العزيز و المنصور و الأفضل و العادل‏]

و قام بمصر من بعده ولده الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان، و كان نائب أبيه بها في حياته مدّة اشتغاله بفتح البلاد الشاميّة، فاستقلّ بها بعد وفاته، فسار سيرة حسنة بعفّة عن الفرج و الأموال، حتّى إنه ضاق ما بيده، و لم يبق في الخزانة لا درهم و لا دينار، فجاءه رجل يسعى في قضاء الصّعيد بمال فامتنع، و قال: و اللّه لا بعت دماء المسلمين و أموالهم بملك الأرض. و سعى آخر في قضاء الإسكندريّة بأربعين ألف‏

46

دينار، و حملها إليه فلم يقبلها، و لم يزل إلى أن مات‏ (1) في المحرّم سنة خمس و تسعين، و له سبع‏ (2) أو ثمان و عشرون سنة، و دفن في قبّة الإمام الشافعيّ.

فأقيم ولده ناصر الدين محمد، و لقّب المنصور، فاستمرّ إلى رمضان سنة ستّ و تسعين، ثمّ استفتى عمّ أبيه العادل سيف الدين أبو بكر بن أيّوب بن شاذي الفقهاء في عدم صحّة مملكته لكونه صغيرا ابن عشر سنين، فأفتوا بأن ولايته لا تصحّ، فنزع، و أقيم الملك العادل. و قيل إنّ العادل أخذها (3) من الأفضل عليّ بن السلطان صلاح الدين، و كان الأفضل غلب عليها، و انتزعها من المنصور، و أرسل العادل إلى الخليفة يطلب التقليد بمصر و الشام، فأرسله إليه مع الشهاب السّهرورديّ، فكان يصيف بالشام و يشتي بمصر، و ينتقل في البلاد إلى أن مات‏ (4) يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة و ستّمائة.

و من قول ابن عنّين فيه:

إنّ سلطاننا الذي نرتجيه‏* * * واسع المال ضيّق الإنفاق‏

هو سيف كما يقال و لكن‏* * * قاطع للرّسوم و الأرزاق‏ (5)

و العادل أوّل من سكن قلعة الجبل بمصر من الملوك، سكنها في سنة أربعين‏ (6) و ستّمائة، و نقل إليها أولاد العاضد و أقاربه في بيت في صورة حبس، و كان ابنه الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد ينوب عنه بمصر في أيام غيبته، فاستقلّ بها بعد وفاته.

[الفرنج في دمياط]

و في هذه السنة نزلت الفرنج على دمياط (7)، و أخذ برج السّلسلة، و كان حصنا

____________

(1) و كان سبب موته أنه خرج إلى الصيد، فوصل إلى الغيوم متصيّدا فرأى ذئبا، فركض فرسه في طلبه فعثر الفرس فسقط عنه في الأرض و لحقته حمّى. [الكامل لابن الأثير: 9/ 243].

(2) في الخطط المقريزية: 2/ 235: سبع و عشرين سنة و أشهر.

(3) في الخطط المقريزية: 2/ 235: فكاتب أمراء الدولة الملك الأفضل علي بن صلاح الدين ...

فاستولى على الأمور ... و خرج العادل في أثر الأفضل إلى بلبيس فكسره و التجأ إلى القاهرة و طلب الصلح، فعوّضه العادل صرخد، و دخل العادل إلى القاهرة.

(4) في الخطط المقريزية: مات في مرج الصفر و حمل إلى دمشق.

(5) لأن نهر النيل قلت مياهه في عهده و غلت الأسعار و تعذر وجود الأقوات حتى أكلت الجيف و حتى أكل الناس بعضهم بعضا. [الخطط المقريزية: 2/ 235].

(6) لعلّ الصواب: أربع و ستمائة.

(7) في رابع ربيع الأول سنة 615 ه: [الخطط المقريزية: 2/ 235].

47

منيعا، و هو قفل بلاد مصر، و صفته أنّه في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر؛ و من هذا البرج إلى دمياط و هي على شاطى‏ء البحر و حافّة النّيل سلسلة، و منه إلى الجانب الآخر و عليه الجسر سلسلة أخرى، ليمنع دخول المراكب من البحر إلى النيل، فلا يتمكن من البلاد، فلمّا ملكت الفرنج هذا البرج شقّ ذلك على المسلمين بديار مصر و غيرها، و وصل الخبر إلى الملك العادل و هو بمرج الصّفراء (1)، فتأوّه تأوّها شديدا، و دقّ بيده على صدره أسفا و حزنا، و مرض من ساعته مرض الموت.

ثمّ في سنة ستّ عشرة استحوذ الفرنج على دمياط، و جعلوا الجامع كنيسة لهم، و بعثوا بمنبره و بالرّبعات و رؤوس القتلى إلى الجزائر، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون! و استمرّت بأيديهم إلى سنة سبع عشرة.

و كان الكامل‏ (2) عرض عليهم أن يردّ إليه بيت المقدس و جميع ما كان صلاح الدين فتحه من بلاد السواحل و يتركوا دمياط؛ فامتنعوا من ذلك؛ فقدّر اللّه أنّ ضاقت عليهم الأقوات، فقدمت عليهم مراكب فيها ميرة، فأخذها الأسطول البحريّ، و أرسلت المياه إلى أراضي دمياط من كلّ ناحية، فلم يمكنهم بعد ذلك أن يتصرّفوا في أنفسهم، و حصرهم المسلمون من الجهة الأخرى؛ حتّى اضطرّوهم إلى أضيق الأماكن، فعند ذلك أنابوا إلى المصالحة بلا معارضة، و كان يوما مشهودا، و وقع الصّلح على ما أراد الكامل، و مدّ سماطا عظيما، و قام راجح الحلّيّ‏ (3) فأنشد:

هنيئا فإنّ السّعد أضحى مخلّدا* * * و قد أنجز الرّحمن بالنّصر موعدا

حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا* * * مبينا و إنعاما و عزّا مؤيّدا

إلى أن قال:

أعبّاد عيسى إنّ عيسى و حزبه‏* * * و موسى جميعا يخدمون محمّدا

و كان حاضرا حينئذ الملك المعظّم عيسى و الملك الأشرف موسى ابنا الملك العادل.

قال أبو شامة: و بلغني أنّه لما أنشد هذا البيت، أشار إلى الملك المعظّم عيسى و الأشرف موسى و الكامل محمد؛ فكان ذلك من أحسن شي‏ء اتّفق، و تراجعت الفرنج إلى عكّا و غيرها من البلدان. قال الحافظ شرف الدين الدمياطي في معجمه: أنشدنا أبو

____________

(1) في معجم البلدان: مرج الصفر: و يقع قرب دمشق.

(2) الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد، و هو ابن الملك العادل. [الخطط المقريزية: 2/ 235].

(3) راجح بن اسماعيل الحلي الأديب شرف الدين، مدح الملوك بمصر و الشام و الجزيرة، توفي في شعبان سنة 627 ه. [شذرات الذهب: 5/ 123].

48

زكريا يحيى بن يوسف الصّرصريّ‏ (1) لنفسه ببغداد، و قد ورد كتاب من ديار مصر إلى الديوان بانتصار المسلمين على الرّوم و فتح ثغر دمياط:

أتانا كتاب فيه نسخة نصرة* * * ألخّص معناها لذي فطن جلد

يقول ابن أيّوب المعظّم حامدا* * * لربّ السماء الواحد الصمد الفرد

أمرنا بحمد اللّه جلّ ثناؤه‏* * * و عز أرى دفريس في طالع السّعد

تركنا من الأعلاج بالسيف مطعنا* * * ثلاثين ألفا للقشاعم و الأسد (2)

و منهم ألوف أربعون بأسرنا* * * فكم ملك في قبضنا صار كالعبد

و دمياط عادت مثل ما بدأت لنا* * * و يافا ملكناها، فيا لك من جدّ!

و نحن على أن نملك السّيف كلّه‏* * * على ثقة ممّن له خالص الحمد

ألا يا بن أيّوب لقد نلت غاية* * * من النّصر ضاهت ما بلغت من المجد

قهرت فرنج الرّوم قهرا سماعه‏* * * يقسم ذلّ الرعب في التّرك و السّغد

(3)

و ما نلت أسباب العلا عن كلالة* * * و لم يأتك المجد المؤثّل من بعد

و لكن ورثت الملك و الفضل عن أب‏* * * جليل و عن عمّ نبيل و عن جدّ

لجأت إلى ركن شديد و معقل‏* * * منيع و كنز جامع جوهر المجد

إلى فاتح باب الرشاد ببعثه‏* * * و خاتم ميثاق النبوّة و العهد

إلى الشافعي المنجي الوجيه محمد* * * فأحسنت في صدق التوجّه و القصد

فمهما تجد من كيد ضدّ مضاغن‏* * * بوجه به تظفر و تنصر على الضدّ

فلا صدّ عن عزّ سوابق مجدكم‏* * * كلال و لا غالى الكلول سبا الحدّ

إلى أن تذيق الرّوم في عقر دارهم‏* * * زعافا و تسقي المؤمنين جنى الشّهد

*** و لما تولّى المستنصر (4) الخلافة أرسل إلى الكامل محي الدين يوسف‏ (5) بن الشيخ‏

____________

(1) سبقت ترجمته، توفي سنة 656 ه. و نسبته إلى صرصر قرية على فرسخين من بغداد. [شذرات الذهب: 5/ 285].

(2) القشعم: النسر العظيم أو المسن منه و من الرخم.

(3) في معجم البلدان: الصغد: كورة عجيبة قصبتها سمرقند.

(4) تولّى المستنصر بالله أبو جعفر المنصور الخلافة بعد والده الظاهر بأمر اللّه سنة 623 ه. [الكامل لابن الأثير: 9/ 369].

(5) سبقت ترجمته، و كان سفير الخلافة و أستاذ دار المستعصم بالله، ولد سنة 580 ه، قتل شهيدا عند دخول هولاكو بغداد مع أولاده الثلاثة سنة 656 ه. [شذرات الذهب: 5/ 286].

49

أبي الفرج بن الجوزيّ، و معه كتاب عظيم فيه تقليده الملك، و فيه أوامر كثرة مليحة من إنشاء الوزير نصير الدين أحمد بن الناقد؛ رأيت بخطّ قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة، قال: وقفت على نسخة تقليد من الخليفة المنصور أبي جعفر المستنصر بالله أمير المؤمنين بخطّ وزيره أبي الأزهر أحمد بن الناقد في رجب سنة نيّف و عشرين و ستمائة للملك الكامل:

الحمد للّه الذي اطمأنّت القلوب بذكره، و وجب على الخلائق جزيل حمده و شكره و وسعت كلّ شي‏ء رحمته، و ظهرت في كلّ أمر حكمته، و دلّ على وحدانيّته بعجائب ما أحكم صنعا و تدبيرا، و خلق كلّ شي‏ء فقدّره تقديرا، ممدّ الشاكرين بنعمائه التي لا تحصى عددا، و عالم الغيب الّذي لا يظهر على غيبه أحدا؛ لا معقّب لحكمه في الإبرام و النقض، و لا يؤده حفظ السماوات و الأرض، تعالى أن يحيط به الضّمير، و جلّ أن يبلغ وصفه البيان و التفسير؛ ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير.

و أحمد اللّه الذي أرسل محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بالحق بشيرا و نذيرا، و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا منيرا، و ابتعثه هاديا للخلق، و أوضح به مناهج الرّشد و سبل الحقّ، و اصطفاه من أشرف الأنساب و أعزّ القبائل، و جعله أعظم الشّفعاء و أقرب الوسائل، فقذف (صلى اللّه عليه و سلم) بالحقّ على الباطل، و حمل النّاس بشريعته على المحجّة البيضاء و السّنن العادل؛ حتّى استقام اعوجاج كلّ زائغ، و رجع إلى الحقّ كلّ حائد عنه و مائل، و سجد للّه كلّ شي‏ء تتفيّأ ظلاله على اليمين و الشمائل؛ صلى اللّه عليه و على آله و صحبه الكرام الأفاضل، صلاة مستمرّة بالغدوات و الأصائل، خصوصا على عمّه و صنو أبيه العبّاس بن عبد المطلب الّذي اشتهرت مناقبه في المجامع و المحافل، و درّت ببركة استسقائه أخلاف السّحب الهواطل، و فاز من تنصيص الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) في الخلافة المعظّمة بما لم يفز به أحد من الأوائل.

و الحمد للّه الذي حاز مواريث النبوّة و الإمامة، و وفّر من جزيل الأقسام من الفضل و الكرامة، لعبده و خليفته، و وارث نبيّه و محيي شريعته و سنّته.

و لمّا وفّق اللّه نصير الدين محمد بن سيف الدين أبي بكر بن أيّوب من الطاعة المشهورة، و الخدم المشكورة، أنعم عليه بتقليد شريف إماميّ، فقلّده على خيرة اللّه الرّعاية و الصلاة و أعمال الحرب و المعاون و الأحداث و الخراج و الضياع و الصّدقات و الجوالي و سائر وجوه الجبايات، و القرض و العطاء، و النفقة في الأولياء، و المظالم و الحسبة في بلاده، و ما يفتتحه و يستولي عليه من بلاد الفرنج الملاعين، و بلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده من المارقين عن الإجماع المنعقد بين علماء المسلمين. و منه‏

50

أمره بتقوى اللّه تعالى الّتي هي الجنّة (1) الواقية؛ و النعمة الباقية، و الملجأ المنيع، و العماد الرفيع، و الذّخيرة النافعة في السرّ و النّجوى، و الجذوة المقتبسة من قوله تعالى:

وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ [البقرة: 197]، و أن يدرع شعارها في جميع الأقوال، و يهتدى بأنوارها من مشكلات الأمور و الأحوال، و أن يعمل بها سرّا و جهرا، و يشرح للقيام بحدودها الواجبة صدرا، قال اللّه تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق: 5]، و أمره بتلاوة كتاب اللّه تعالى، متدبّرا غوامض عجائبه، سالكا سبيل الرشاد، و الهداية في العمل به، و أن يجعله مثالا يتّبعه و يقتفيه، و دليلا يهتدى بمراشده الواضحة في أوامره و نواهيه؛ فإنّه النّفل الأعظم، و سبب اللّه المحكم، و الدّليل الذي يهدي للتي هي أقوم؛ ضرب اللّه فيه لعباده جوامع الأمثال، و بيّن لهم بهداه مسالك الرّشد و الضّلال، و فرّق بدلائله الواضحة و نواهيه الصادقة بين الحرام و الحلال، فقال عزّ من قائل: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ‏ [آل عمران: 138]، و قال تعالى:

كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ [ص: 29].

و أمره بالمحافظة على مفروض الصّلوات و الدخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع و الإخبات‏ (2)، و أن يكون نظره في موضع نجواه من الأرض، و أن يمثل لنفسه في ذلك موقفه بين يدي اللّه تعالى يوم العرض، و قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ‏ [المؤمنون: 2]، و قال سبحانه: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [النساء: 103]، و ألّا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها الواجبة، و لا يلهو بسبب عن إقامة سنّتها الراتبة، فإنّها عماد الدّين التي سمت أعاليه، و مهاد الشّرع الذي رست قواعده و مبانيه، و قال تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ‏ [البقرة: 438]، و قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45].

و أمره أن يسعى إلى صلاة الجمع و الأعياد، و يقوم في ذلك بما فرضه اللّه عليه و على العباد، و أن يتوجّه إلى المساجد و الجوامع متواضعا، و يبرز إلى المصلّيات الضاحية في الأعياد خاشعا، و أن يحافظ في تشييد قواعد الإسلام على الواجب و المندوب، و يعظّم باعتماده ذلك شعائر اللّه الّتي هي من تقوى القلوب.

و أن يشمل بوافر اهتمامه و اعتنائه، و كمال نظره و إرعائه، بيوت اللّه التي هي محالّ‏

____________

(1) الجنّة: السترة و ما يتّقى به.

(2) الإخبات: الاطمئنان إلى اللّه و الخشوع أمامه.

51

البركات، و مواطن العبادات، و المساجد التي تأكّد في تعظيمها و إجلالها حكمه، و البيوت التي أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه، و أن يرتّب لها من الخدم من يتبتّل لإزالة أدناسها، و يتصدّى لإذكاء مصابيحها في الظلام و إيناسها، و يقوم لها بما يحتاج إليه من أسباب الصلاح و العمارات، و يحضر إليها ما يليق من الدّهن و الكسوات.

و أمره باتّباع سنّة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الّتي أوضح جددها، و ثقّف (عليه السلام) أودها، و أن يعتمد فيها على الأسانيد التّي نقلتها الثقات، و الأحاديث الّتي صحّت بالطرق السليمة و الروايات، و أن يقتدي بما جاءت به من مكارم الأخلاق التّي ندب (صلى اللّه عليه و سلم) إلى التمسك بسببها، و رغّب أمته في الأخذ بها و العمل بأدبها، قال اللّه تعالى: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7]، و قال سبحانه و تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ [النساء: 80].

و أمره بمجالسة أهل العلم و الدين، و أولي الإخلاص في طاعة اللّه و اليقين، و الاستشارة بهم في عوارض الشكّ و الالتباس، و العمل بآرائهم في التمثيل و القياس؛ فإنّ في الاستشارة بهم عين الهداية، و أمنا من الضلال و الغواية و ألّا يلقح عقم الأفهام و الألباب، و يقتدح زناد الرشد و الصواب، قال اللّه تعالى في الإرشاد إلى فضلها، و الأمر في التمسك بحبلها: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159].

و أمره بمراعاة أحوال الجند و العسكر في ثغوره، و أن يشملهم بحسن نظره و جميل تدبيره، مستصلحا شأنهم بإدامة التلطّف و التعهّد، مستوضحا أحوالهم بمواصلة التفحّص عنها و التفقّد، و أن يسوسهم بسياسة تبعثهم على سلوك المنهج السليم، و يهديهم في انتظامها و اتّساقها إلى الصراط المستقيم، و يحملهم على القيام بشرائط الخدم، و التّمسّك منها بأقوى الأسباب و أمتن العصم، و يدعوهم إلى مصلحة التواصل و الائتلاف، و يصدّهم عن موجبات التخاذل و الاختلاف، و أن يعتمد فيهم شرائط الحزم في الإعطاء و المنع، و ما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أسباب الخفض و الرفع؛ و أن يثيب المحسن منهم على إحسانه، و يسبل على المسي‏ء ما وسعه العفو و احتمل الأمر ذيل صفحه و امتنانه، و أن يأخذ برأي ذوي التجارب منهم و الحنكة، و يجتني بمشاورتهم ثمر البركة؛ إذ في ذلك أمن من خطأ الانفراد، و تزحزح عن مقام الزّيغ و الاستبداد.

و أمره بالتبتّل لما يليه من البلاد، و يتّصل بنواحيه من ثغور أولي الشّرك و العناد؛ و أن يصرف مجامع الالتفات إليها، و يخصّها بوفور الاهتمام بها و التطلّع عليها، و أن يشمل ما ببلاده من الحصون و المعاقل بالإحكام و الإتقان، و ينتهي في أسباب مصالحها إلى غاية الوسع و الإمكان، و أن يشحنها بالميرة الكثيرة و الذخائر، و يمدّها من الأسلحة و الآلات بالعدد المستصلح الوافر، و أن يتخيّر لحراستها من الأمناء الثّقات، و يسدّها بمن‏

52

ينتخبه من الشجعان الكماة، و أن يؤكّد عليهم في استعمال أسباب الحيطة و الاستظهار، و يوقظهم إلى الاحتراس من غوائل الغفلة و الاغترار، و أن يكون المشار إليهم ممن تربّوا في ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد، و تدرّبوا في نصب الحبائل للمشركين و الأخذ عليهم بالمراصد، و أن يعتمد هذا القبيل بمواصلة المدد، و كثرة العدد، و التّوسعة في النفقة و العطاء، و العمل معهم بما يقتضيه حالهم و تفاوتهم في التقصير و العناء، إذ في ذلك حسم لمادة الأطماع في بلاد الإسلام، و ردّ لكيد المعاندين من عبدة الأصنام؛ فمعلوم أنّ هذا الفرض أول ما وجّهت إليه العنايات و صرفت، و أحقّ ما قصرت عليه الهمم و وقفت؛ فإنّ اللّه تعالى جعله من أهمّ الفروض التي لزم القيام فيها بحقّه، و أكبر الواجبات التي كتب العمل بها على خلقه، فقال سبحانه و تعالى هاديا في ذلك إلى سبيل الرشاد، و محرّضا لعباده على قيامهم له بفرض الجهاد: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ ... [التوبة: 120]، إلى قوله تعالى: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ [التوبة: 21]، و قال تعالى: وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ‏ [البقرة: 191]، و قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «من نزل منزلا يخيف فيه المشركين و يخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، و أجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، و أجر صام لا يفطر» .. و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «غدوة في سبيل اللّه أو روحة خير ممّا طلعت عليه الشمس»، هذا قوله (صلى اللّه عليه و سلم) في حقّ من سمع هذه المقالة فوقف لديها، فكيف بمن كان قال (عليه السلام): «ألا أخبركم بخير النّاس! ممسك بعنان فرسه في سبيل اللّه، كلّما سمع هيعة (1) طار إليها».

و أمره باقتفاء أوامر اللّه تعالى في رعاياه، و الاهتداء إلى رعاية العدل و الإنصاف و الإحسان بمراشده الواضحة و وصاياه؛ و أن يسلك في السياسة به سبيل الصّلاح و يشملهم بلين الكنف و خفض الجناح، و يمد ظلّ رعايتهم على مسلمهم و معاهدهم، و يزحزح الأقذاء و الشوائب عن مناهلهم في العدل و مواردهم، و ينظر في مصالحهم نظرا يساوي فيه بين الضعيف و القويّ، و يقوم بأودهم قياما تهتدي به و يهديهم إلى الصراط السويّ؛ قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ... [النحل: 90].

و أمره باعتماد أسباب الاستظهار و الأمنة و استقصاء الطاقة المستطاعة و القدرة الممكنة، في المساعدة على قضاء تفث‏ (2) حجّاج بيت اللّه الحرام، و زوّار نبيّه عليه أفضل الصلاة و السلام، و أن يمدّهم بالإعانة في ذلك على تحقيق الرجاء و بلوغ المرام،

____________

(1) الهيعة: صوت تفزع منه و تخافه من عدوّ.

(2) التفث: الوسخ.