دراسات تاريخية من القرآن الكريم‏ - ج2

- محمد البيومي مهران المزيد...
452 /
5

[الجزء الثانى‏]

تقديم‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و الصّلاة و السّلام عليه المبعوث رحمه للعالمين سيّدنا محمّد و آله تحدثنا في الجزء الأول من هذه الدراسة عن النبوات في بلاد العرب، و من ثم فقد قدمنا دراسة تاريخية عن أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام و كذا عن هود و صالح و شعيب (عليهم السلام)، هذا إلى جانب دراسة أحداث تاريخية جاء ذكرها في القرآن الكريم، كقصة سيل العرم و أصحاب الأخدود و أصحاب الفيل.

و قد خصصنا هذا الجزء الثاني من هذه السلسلة «دراسات تاريخية من القرآن الكريم» لدراسة تاريخ النبوات في أرض الكنانة.

و قد قدمنا له بدراسة عن النبوة و الأنبياء، ثم قدمنا بعد ذلك دراسة مفصلة عن تاريخ النبيّين الكريمين يوسف و موسى (عليهما السلام)، فضلا عن تاريخ بني إسرائيل في مصر.

و أملي في اللّه تعالى كبير أن يكون فيها بعض النفع، و اللّه من وراء

6

القصد، و هو الهادي إلى سواء السبيل.

«و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب».

دكتور محمد بيومي مهران استاذ تاريخ مصر و الشرق القديم و رئيس قسم التاريخ و الآثار المصريّة و الاسلامية كلّية الآداب. جامعة الاسكندريّة الإسكندرية في 12 ربيع الأول عام 1408 ه 4 نوفمبر عام 1987 م‏

7

الكتاب الأول دراسات تمهيدية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الأول النّبوّة و الأنبياء

1- النبي و النبوة:

النبيّ: لغة قيل المنبأ المأخوذ من النبأ، أي الخبر المفيد لماله شأن، و يصح فيه معنى الفاعل و المفعول، لأنه منبئ عن اللّه و منبأ عنه، و إن كان الإمام ابن تيمية يفضل أن يكون بمعنى مفعول، فإنه إذا أنبأه اللّه، فهو نبي اللّه‏ (1)، و النبي بالتشديد أكثر استعمالا، أبدلت الهمزة فيه ياء، لأنه من أنبأ عن اللّه فهو ينبئ عنه، و الاسم منه منبئ، أو هو من النبوة، و هي الرفعة و الشرف‏ (2).

و تجمع كلمة «نبي» على «نبيين و أنبياء» (3)، و قد حكى سماعا عن العرب في جمع النبي «النبآء»، و ذلك من لغة الذين يهمزون «النبي‏ء»، ثم يجمعونه على «النبآء»، و من ذلك قول عباس بن مرداس في مدح النبي ((صلى اللّه عليه و سلم)).

____________

(1) ابن تيمية: النبوات- القاهرة 1346 ه ص 166، و انظر: ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل- الجزء الخامس، القاهرة 1964 ص 87.

(2) محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي- القاهرة 1955 ص 37، تفسير الطبري 2/ 140- 141، محمود الشرقاوي: الأنبياء في القرآن الكريم، القاهرة 1970 ص 9، معجم ياقوت الحموي 5/ 259- 360 (بيروت 1957).

(3) انظر: سورة البقرة: آية 61، آل عمران: آية 112، تفسير الطبري 2/ 139- 141، 7/ 116- 118 (دار المعارف).

10

يا خاتم النبآء إنك مرسل‏* * * بالخير كل هدى السبيل هداكا (1)

و النبوة فضل يسبغه اللّه على من يشاء من عباده، و هبة ربانية يمنحها اللّه لمن يريد من خلقه، و هي لا تدرك بالجد و التعب، و لا يتوسل إليها بسبب و لا نسب، و إنما هي بمحض الفضل الإلهي، فاللّه تعالى، يختص برحمته من يشاء، و هي تأتي إلى النبي من تلقاء نفسها، و على غير توقع منه، فهي إذن اصطفاء و اختيار من اللّه سبحانه و تعالى للمصطفين الأخيار من عباده‏ (2)، و «اللّه أعلم حيث يجعل رسالته» (3)، و من ثم فإن اللّه تعالى إنما يختص بهذه الرحمة العظيمة، و المنقبة الكريمة، من كان أهلا لها، بما أهله هو، جل شأنه، من سلامة الفطرة، و علو الهمة، و زكاة النفس و طهارة القلب، و حب الخير و الحق.

هذا، و ليس صحيحا ما ذهب إليه «سيجال» من أن كلمة «نبي» عبرية الأصل، و أن لفظ «النبي» (4) إنما كان خاصا ببني إسرائيل، ذلك لأنه، فيما يرى سيجال هذا، ليست هناك نقوش تثبت وجوده في اللغة الكنعانية و الفينيقية، ثم إن الفعل «نبأ» الذي اشتق منه الاسم «نبي» لا يوجد في عبرية العهد القديم في صورته الأساسية، أي في الثلاثي المجرد، و أن الفعل الذي جاء للدلالة على عمل النبي في العهد القديم (التوراة) إنما جاء في الصيغ المزيدة على زنة «فعل» و «تفعل»، و هي في الحقيقة صيغ مشتقة من الاسم‏

____________

(1) انظر: تفسير الطبري 2/ 141، سيرة ابن هشام 4/ 103، ثم قارن: تفسير البحر المحيط 1/ 220، ياقوت 5/ 259- 260.

(2) تفسير المنار 8/ 33- 34، محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء، بيروت 1980 ص 9- 10.

(3) سورة الأنعام: آية 124.

(4) انظر تعريفات مختلفة للفظة النبي عند بني إسرائيل و عند علماء اللاهوت الأوربيين (محمد بيومي مهران: النبوة و الأنبياء عند بني إسرائيل- الإسكندرية 1978 ص 25- 30.

11

«نبي» نفسه، و هذه الحقيقة تدعونا إلى الاعتقاد بأن الاسم «نبي» قديم جدا في العبرية الإسرائيلية، و أنه يصعد إلى ما قبل التاريخ من حياة بني إسرائيل، و لما كان هذا الاسم يميز عمادا حيا و فعالا لا في حياة الأمة، فإنه حفظ منذ تلك الحقب السحيقة، بعد أن نسي الفعل المجرد «نبأ» الذي اشتق منه، مع توالي العصور، و انتهى أمره و اختفى من اللغة (1).

و في الواقع، فإن كلمة «نبي» ليست عبرية الأصل، كما يقول أدولف لودز (2)، و من ثم فإن علماء اللاهوت الأوروبيين و غيرهم، من أمثال جوستاف هولشر (3)، و شميدت، و لوذر (4)، و كلود سوربري‏ (5)، إنما يتفقون على أن كلمة «نبي»، عربية، و ليست عبرية، في شكلها و معناها، و أن أصل الكلمة سامي قديم موجود في الأكدية بمعنى «يدعو» (Nalu) (6).

غير أن الأمر، كما يقول الأستاذ العقاد (7)، (طيب الله ثراه)، غني عن الخبط فيه بالظنون مع المستشرقين، من يفقه منهم اللغة العربية، و من لا يفقه منها غير الأشباح و الخيالات، فإن وفرة الكلمات التي لا تلتبس بمعنى «النبوة» في اللغة العربية كالعرافة و الكهانة و العيافة و الزجر و الرؤية، تغنيها عن اتخاذ كلمة واحدة للرائي و النبي، و تاريخ النبوات العربية التي وردت‏

____________

(1) م. ص. سيجال: حول تاريخ الأنبياء عند بني إسرائيل- ترجمة الدكتور حسن ظاظا- بيروت 1967 ص 17- 18.

(2).

A. Lods, Israel, From the Beginnings to the middle of the Eight Century,

445.p ، 1962.

(3).

G. Holscher, Die Proften, Untersuchung Zun Religion Geschichte Isreal, Leipzig,

46- 145.p ، 1914.

(4)

A. Lods, The Prophets and the Rise of Judaism, London,

1937.

(5).

C. Saurlrei, The Holy man in Israel, Astudy in the Development of Prophecy, in JNES, 6

216.p ، 1947،.

(6).

P. K. Hitti, The near East in the History, Princeton,

107.p ، 1961.

(7) عباس محمود العقاد: حقائق الإسلام و أباطيل خصومه- بيروت 1966 ص 91- 92.

12

في التوراة سابق لاتخاذ العبريين كلمة النبي بدلا كلمة الرائي و الناظر، و تلمذة موسى لنبي شعيب مذكورة في التوراة قبل سائر النبوات الإسرائيلية، و موسى الكليم، و لا ريب، رائد النبوة الكبرى بين بني إسرائيل.

ثم إن كلمة «النبي» عربية لفظا و معنى، عربية لفظا، لأن المعنى الذي تؤديه لا تجمعه كلمة واحدة في اللغات الأخرى، فهي تجمع معاني الكشف و الوحي و الإنباء بالغيب و الإنذار و التبشير، و هي معاني متفرقة تؤديها في اللغات الحديثة بكلمات متعددة، فالكشف مثلا تؤديه في اللغة الإنجليزية كلمة (Revelation)، و الوحي تؤديه كلمة (Inspiration) و استطلاع الغيب تؤديه كلمة (Divination) أو (Oraclc) و لا تجتمع كلها في معنى «النبوة» كما تجتمع في هذه الكلمة باللغة العربية.

و قد وجدت كلمة «النبوة» في اللغة العربية غير مستعارة من معنى آخر، لأن اللغة العربية غنية بكلمات العرافة و العيافة و الكهانة و ما إليها من الكلمات التي لا تلتبس في اللسان العربي بمعنى النبوة، كما تلتبس في الألسنة الأخرى عن أصل التسمية و اشتقاق المعاني الجديدة عن الألفاظ القديمة، فكلمة «النبي» تدل على معنى واحد لا تدل على غيره، خلافا لأمثالها من الكلمات في كثير من اللغات.

و قد استعار العبريون كلمة «النبي» من العرب في شمال شبه الجزيرة العربية بعد اتصالهم بها، لأنهم كانوا يسمون الأنبياء الأقدمين بالآباء، و كانوا يسمون المطلع على الغيب بعد ذلك باسم الرائي أو الناظر، و لم يفهموا من كلمة «النبوة» في مبدأ الأمر، إلا معنى الإنذار (1) و أما كلمة (Prophet) الإنجليزية و كلمة (Prophete) الفرنسية، و كلمة (Profeten) الألمانية و غيرها، فإنها منقولة عن اليونانية القديمة، ذلك أن‏

____________

(1) عباس العقاد: إبراهيم أو الأنبياء ص 159.

13

الأمم التي كانت تشيع فيها نبوة الجذب، يكثر أن يكون مع المجذوب، مفسر يدعى العلم بمغزى كلامه و لحن رموزه و إشاراته، و قد كانوا من اليونان يسمون المجذوب «مانتي» (Manti) و يسمون المفسر (بروفيت‏Prophet ) أي المتكلم عن غيره، و من هذه الكلمة نقل الأروبيون كلمة «النبوة» بجميع معانيها (1).

2- الفرق بين النبي و الرسول:

هذا و يفرق العلماء بين النبي و الرسول، اعتمادا على عدة أمور، منها ما ورد في كتاب اللّه من عطف النبي على الرسول في قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ‏ (2)، و منها وصف اللّه بعض رسله بالنبوة و الرسالة، مما يدل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة، كقوله تعالى: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى‏ إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا (3)، و كقوله تعالى: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا (4)، و منها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن النبي (ص) أن عدة الأنبياء مائة و أربعة و عشرون ألف نبي، و عدة الرسل ثلاثمائة و بضعة عشر رسولا.

و من هنا ذهب فريق من العلماء إلى أن النبي هو من أوحى إليه بشرع، سواء أمر بتبليغه أو لم يؤمر، و الرسول هو من أوحى إليه بشرع و أمر بتبليغه‏ (5)، قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ الآية،

____________

(1) عباس العقاد، حقائق الإسلام و أباطيل خصومه ص 90.

(2) سورة الحج: آية 52.

(3) سورة مريم: آية 51.

(4) سورة مريم: آية 54.

(5) تفسير القرطبي ص 4472، الإمام الطحاوي، شرح العقيدة الطحاوية، بيروت 1971 ص 167، الديار بكري: تاريخ الخميس ص 7، محمود الشرقاوي: المرجع السابق ص 9.

14

و يرى الإمام ابن تيمية أن اللّه في قوله: مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ قد ذكر إرسالا يعم النوعين، و قد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمر بتبليغ رسالته إلى من خالف اللّه، كنوح (عليه السلام)، و الذي ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض، و قد كان قبله أنبياء كشيث و إدريس، و قبلهما آدم كان نبيا مكلما (1).

على أن العقل، فيما يرى الشرقاوي، لا يستسيغ أن يوحي اللّه العلي القدير إلى نبي بشرع ثم لا يأمره بتبليغه، لأن الشرع أمانة و علم و أداء واجب، و كتمان العلم نقص و رذيله‏ (2)، ثم إن اللّه لا ينزل وحيه ليكتم و يدفن في صدر واحد من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته، هذا فضلا عن الحديث الشريف الذي رواه البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي، و الذي يقول فيه (ص) «عرضت على الأمم فرأيت النبي و معه الرهط، و النبي و معه الرجل و الرجلان و النبي و ليس معه أحد»، فدل هذا على أن الأنبياء مأمورون بالبلاغ، و أنهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم‏ (3).

على أن هناك وجها آخر للنظر يذهب إلى أن الرسول من أوحى إليه بشرع، و أنزل عليه كتاب، كإبراهيم و موسى. و داود و عيسى و محمد، (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، و النبي الذي ليس برسول هو من أوحى إليه بشرع، و لم ينزل عليه كتاب، كإسماعيل و شعيب و يونس و لوط و زكريا و غيرهم من الأنبياء، و هذا التعريف لا يستقيم أيضا لأن اللّه سبحانه و تعالى قد وصف بعض الأنبياء الذين لم تنزل عليهم كتب بالرسالة (4)، فقال عن إسماعيل (عليه السلام). «و اذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد

____________

(1) ابن تيمية: كتاب النبوات ص 173.

(2) محمود الشرقاوي: المرجع السابق 9- 10.

(3) عمر سليمان الأشقر: المرجع السابق ص 14- 15.

(4) محمود الشرقاوي: المرجع السابق ص 10.

15

و كان رسولا نبيا» (1)، و قال تعالى عن لوط (عليه السلام): وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (2)، و قال تعالى عن يونس: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (3).

و هناك وجه ثالث للنظر يذهب إلى أن الرسول من الأنبياء إنما هو من بعثه اللّه بشرع جديد يدعو الناس إليه، أما النبي الذي ليس برسول، فهو من بعث لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى و عيسى (عليهما السلام)، و من ثم فقد قيل إن كل رسول نبي، و ليس كل نبي رسولا (4).

غير أن الإمام ابن تيمية إنما يرى أنه ليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة، فإن يوسف كان رسولا، و كان على ملة إبراهيم، و داود و سليمان كانا رسولين، و كانا على شريعة التوراة (5)، قال تعالى، عن مؤمن آل فرعون: وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا (6).

هذا و يذهب فريق رابع من العلماء إلى أن الرسول إنها يختلف عن النبي، لأن اختلاف الأسماء إنما يدل على اختلاف المسميات، و الرسول أعلى منزلة من النبي، و لذلك سميت الملائكة رسلا، و لم يسموا أنبياء، هذا و قد اختلف من قال بهذا في الفرق بينهما على ثلاثة أقاويل، أحدهما: أن الرسول هو الذي تنزل عليه الملائكة بالوحي، و النبي هو الذي يوحي إليه في‏

____________

(1) سورة مريم: آية 54.

(2) سورة الصافات: آية 133.

(3) سورة الصافات: آية 139.

(4) تفسير البيضاوي 2/ 95- 96، تفسير القرطبي ص 4472، الإمام الطحاوي: المرجع السابق ص 167، عبد الحليم محمود: في رحاب الأنبياء و الرسل- القاهرة 1977 ص 42، تفسير المنار 9/ 194- 195.

(5) ابن تيمية: المرجع السابق ص 173.

(6) سورة غافر: آية 34.

16

نومه، و الثاني أن الرسول هو المبعوث إلى أمة، و النبي هو المحدث الذي لا يبعث إلى أمة، و الثالث أن الرسول المبتدئ بوضع الشرائع و الأحكام، و النبي هو الذي يحفظ شريعة غيره‏ (1).

و من هنا يذهب الإمام الطحاوي في العقيدة (ص 167) إلى أن الرسول أخص من النبي، و أن الرسالة أعم من جهة نفسها فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة و غيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء و غيرهم، بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، و أخص من جهة أهلها.

و أما عدد الأنبياء و الرسل، فعلم ذلك عند ربي جل جلاله، و لكننا نعرف من القرآن الكريم أسماء خمسة و عشرين من هؤلاء المصطفين الأخيار (2)، و نعلم كذلك أنه ما من أمة إلا و جاءها رسول من عند اللّه العلي القدير، فلقد اقتضت حكمة اللّه تعالى في الأمم، قبل هذه الأمة، أن يرسل في كل منها نذيرا، و لم يرسل رسولا للبشرية كلها، إلا سيدنا محمد (ص)، و اقتضى عدله ألا يعذب أحدا من الخلق، إلا بعد أن تقوم عليه الحجة (3)، قال تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (4)، و من هنا كثر الأنبياء و الرسل في تاريخ البشرية كثرة هائلة، قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا

____________

(1) أبو الحسن الماوردي: المرجع السابق ص 38.

(2) هم آدم و إدريس و نوح و هود و صالح و إبراهيم و لوط و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و يوسف و أيوب و شعيب و موسى و هارون و يونس و داود و سليمان و إلياس و السبع و زكريا و يحيى و عيسى، و كذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، و سيدهم محمد (ص)، و في حديث أبي ذر، منهم أربعة من العرب: هود و صالح و شعيب و محمد (ص) (انظر تفسير ابن كثير 2/ 422، تفسير البيضاوي 2/ 312).

(3) عمر سليمان الأشقر: المرجع السابق ص 17.

(4) سورة الإسراء: آية 15.

17

فِيها نَذِيرٌ (1)، و قال تعالى: وَ كَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ‏ (2)، و قال تعالى: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ‏ (3)، و قال تعالى: رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ‏ (4).

و من هنا كان الخلاف على عدد الأنبياء، (عليهم السلام)، فمن قائل إنهم مائة ألف و أربعة و عشرون ألفا، و من قائل إنهم ثمانية آلاف، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل، و أربعة آلاف من سائر الناس، و من قائل إنهم أربعة آلاف، و من قائل إنهم، ثلاثة آلاف، و أن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة و ثلاثة عشر، أولهم آدم و آخرهم محمد (ص) (5).

و على أية حال، فليس من المستحب، فيما أظن، و ليس كل الظن إثما، الخوض في إحصاء الرسل و الأنبياء، فإنه لا يعلم إلا بوحي من اللّه تعالى، و لم يبيّن اللّه ذلك في كتابه‏ (6)، غير أن هناك حديث أبي ذر المشهور، و الذي جاء فيه أنه دخل المسجد النبوي الشريف، فإذا رسول اللّه (ص) جالس وحده، فسأله عن أشياء كثيرة، منها الصلاة و الهجرة و الصيام و الصدقة، ثم سأله: كم الأنبياء؟ فقال: مائة ألف و أربعة و عشرون، قال:

قلت يا رسول اللّه كم الرسل عن ذلك؟ قال: ثلاثمائة و ثلاثة عشر، جم غفير، كثير طيب، قال قلت: فمن كان أولهم، قال آدم، قلت: أ نبي مرسل؟ قال‏

____________

(1) سورة فاطر: آية 24.

(2) سورة الزخرف: آية 6.

(3) سورة غافر: آية 78.

(4) سورة النساء: آية 164.

(5) تفسير ابن كثير 2/ 422- 428 (القاهرة 1971)، تفسير القرطبي ص 2014- 2015 (دار الشعب- القاهرة 1970) تفسير المنار 7/ 500- 507، تفسير روح المعاني 24/ 88- 89، مجمع الزوائد 8/ 210، ابن قتيبة: المعارف، القاهرة 1934 ص 26، أبو الحسن الماوردي: المرجع السابق ص 52.

(6) محمود الشرقاوي: المرجع السابق ص 24.

18

نعم، خلقه اللّه بيده، و نفخ فيه من روحه، و سواه قبيلا» (1).

3- نبوة المرأة:

من المعروف أن النبوة في الإسلام إنما هي مقصورة على الرجال دون النساء، لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ‏ (2)، و هكذا استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن النبوة لا تكون إلا في الرجال، و أما النساء فليس فيهن نبية أبدا (3)، و الحكمة من تخصيص الرجال بالنبوة دون النساء، أن النبوة عب‏ء ثقيل، و تكليف شاق لا تتحمله طبيعة المرأة الضعيفة، لأنه يحتاج إلى مجاهدة و مصابرة، و لهذا كان جميع الرسل في محنة قاسية مع أقوامهم، و ابتلوا ابتلاء شديدا في سبيل تبليغ دعوة اللّه تعالى‏ (4)، يقول اللّه تعالى لنبيه الكريم: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ‏ (5).

غير أن الإمام ابن حزم إنما يتجه إلى أن آية النحل‏ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا، إنما تعني الرسل دون الأنبياء، و من ثم فلم يدع أحد أن اللّه تعالى قد أرسل امرأة، و أما النبوة، و هي لفظة مأخوذة من الإنباء و هو الإعلام، فمن أعلمه اللّه، عز و جل، بما يكون قبل أن يكون، أو أوحى إليه‏

____________

(1) تفسير ابن كثير 2/ 422- 426، و انظر: مسند الإمام أحمد 5/ 265- 266، تفسير روح المعاني 24/ 88، مجمع الزوائد 8/ 210، مشكاة المصابيح 3/ 122، تفسير النسفي 1/ 263- 264.

(2) سورة النحل: آية 43، يوسف: آية 109 و انظر: تفسير الطبري 14/ 108- 109، تفسير روح المعاني 14/ 147- 148، تفسير الطبرسي 14/ 75- 78.

(3) لم تكن النبوة الإسرائيلية مقصورة على الرجال دون النساء، فلقد تنبأت المرأة، كما تنبأ الرجال، و من ذلك: مريم، أخت هارون و موسى (خروج 15/ 20) و دبورة (قضاة 4/ 4) و حنة أم صموئيل النبي (صموئيل أول 2/ 1) و خلدة امرأة شلوم بن تقوة (ملوك ثان 22/ 14) و حنة بنت فتوئيل (لوقا 2/ 26) و بنات فيلبس العذارى الأربع (أعمال الرسل 21/ 9)، كما كانت زوجات الأنبياء يدعون أحيانا نبيات (إشعياء 8/ 3).

(4) محمد على الصابوني: النبوة و الأنبياء ص 10، صفوة التفاسير 2/ 129.

(5) سورة الأحقاف: آية 35.

19

منبئا بأمر ما، فهو نبي بلا شك، فأمرها مختلف، و قد جاء في القرآن الكريم بأن اللّه قد أرسل ملائكة إلى نساء، فأخبروهن بوحي حق من اللّه تعالى، كما حدث مع أم إسحاق و أم موسى و أم المسيح، (عليهم السلام)(1).

و لنقرأ هذه الآيات الكريمة، يقول تعالى: وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى‏ قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَلَمَّا رَأى‏ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى‏ قَوْمِ لُوطٍ، وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ، قالَتْ يا وَيْلَتى‏ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ، وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عَجِيبٌ، قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (2)، فهذا خطاب الملائكة لأم إسحاق عن اللّه عز و جل بالبشارة لها بإسحاق، ثم يعقوب، و لا يمكن أن يكون هذا الخطاب من ملك لغير نبي» (3).

هذا فضلا عن أن اللّه تعالى قد أرسل جبريل إلى مريم أم المسيح، (عليهم السلام)، يقول لها: «إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا» (4)، فهذه نبوة صحيحة بوحي صحيح، و رسالة من اللّه تعالى إليها، و ليس قوله عز و جل: وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ (5). يمانع أن تكون نبيه، فقد قال اللّه تعالى:

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ‏ (6).

و هو مع ذلك رسول نبي‏ (7)، و جاء في تفسير روح المعاني (3/ 154)

____________

(1) ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل 5/ 87.

(2) سورة هود: آية 69- 73، و انظر: تفسير ابن كثير 4/ 264- 266، تفسير الطبري 15/ 381- 400، تفسير القرطبي ص 3290- 3299، تفسير المنار 12/ 105- 108.

(3) ابن حزم: المرجع السابق ص 87.

(4) سورة مريم: آية 19، و انظر تفسير القرطبي ص 4128- 4130.

(5) سورة المائدة: آية 75.

(6) سورة يوسف: آية 46.

(7) ابن حزم: المرجع السابق ص 87- 88.

20

أن القول بنبوة مريم شهير، بل مال الشيخ تقي الدين السبكي في الحلبيات، و ابن السيد، إلى ترجيحه، و ذكر أن ذكرها مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لذلك، و أما الاستدلال بآية وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا، لا يصح، لأن المذكور فيها الإرسال و هو أخص من الاستنباء على الصحيح المشهور، و لا يلزم من نفي الأخص، نفي الأعم. و الأمر كذلك بالنسبة إلى أم موسى، إذ أوحى اللّه تعالى إليها بإلقاء ولدها في اليم، و أنه سوف يرده إليها و يجعله نبيا مرسلا (1)، يقول تعالى:

وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (2)، غير أن هناك من يرى أن ذلك استدلالا خاطئا، لأن الوحي ليس بإنزال ملك، و إنما هو بطريق الإلهام، فقد أخبر اللّه تعالى بأنه أوحى إلى النحل، فقال تعالى: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ‏ (3)، فهل يصح أن نقول أن النحل قد نبأه اللّه تعالى‏ (4).

و يذهب الفخر الرازي في التفسير الكبير إلى أن مريم (عليها السلام) ما كانت من الأنبياء، لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ»، و إذا كان كذلك كان إرسال جبريل (عليه السلام) إليها، إما أن يكون كرامة لها، و هو مذهب من يجوز كرامات الأولياء، أو إرهاصا لعيسى (عليه السلام)، و ذلك جائز عندنا، و عند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا (عليه السلام)، و من الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع و الإلهام و الإلقاء في القلب، كما كان في حق أم موسى (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ (5).

____________

(1) نفس المرجع السابق ص 88.

(2) سورة القصص: آية 7.

(3) سورة النحل: آية 68.

(4) محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء ص 10.

(5) تفسير الفخر الرازي 3/ 54.

21

هذا و قد نقل القاضي عياض عن جمهور الفقهاء أن مريم ليست بنبية، و ذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبيّة، و نسبه في «شرح المهذب» لجماعة، و جاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبيّة، و لا في الجن‏ (1).

4- وظائف الرسل:

بيّن القرآن الكريم و السنّة النبوية المطهرة بوضوح و جلاء وظائف الرسل، (عليهم السلام)، و مهماتهم، ذلك أن اللّه سبحانه و تعالى قد أوكل إلى الأنبياء أهم الواجبات، و أقدس المهمات، و أشرف الغايات، و التي من أهمها (أولا) أنهم الدعاة البررة إلى عبادة اللّه الواحد القهار، و هذه في الحقيقة هي الوظيفة الأساسية، بل هي المهمة الكبرى التي بعث من أجلها الرسل الكرام، و هي تعريف الخلق بالخالق، جل و علاه و تخصيص العبادة له دون سواه‏ (2)، كما قال جل ثناؤه: وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏ (3)، و قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏ (4)، و قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ‏

____________

(1) فتح الباري 6/ 471، 473، عمر سليمان الأشقر: الرسل و الرسالات، الكويت 1985 ص 86- 89.

(2) انظر: محمد بيومي مهران: النبوة و الأنبياء عند بني إسرائيل- الإسكندرية 1978 ص 77- 81، محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء، بيروت 1980 ص 23- 25، عمر سليمان الأشقر: الرسل و الرسالات- الكويت 1985 ص 43- 54.

(3) سورة النحل، آية 36، و انظر: تفسير الطبري 14/ 103، تفسير الفخر الرازي 20/ 26- 27، تفسير أبي السعود 3/ 360- 361.

(4) سورة الأنبياء: آية 25، و انظر كذلك من سورة هود: الآيات 25، 50، 61، 84، تفسير الطبري 15/ 293- 294، تفسير روح المعاني 12/ 35- 37، 77- 80، 88، 114- 115، 17/ 31- 32.

22

عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (1)، و قال تعالى: وَ إِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ‏ (2)، و قال تعالى:

وَ إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ‏ (3)، و قال تعالى: وَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (4).

و منها (ثانيا) إنارة الطريق أمام الناس، و هدايتهم إلى سواء السبيل، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً (5)، و هكذا كان كل رسول يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، و يبيّنه و يهديهم إليه، فضلا عن مقاومة الانحراف الحادث في عهده و مصره، و هكذا أنكر هود على قومه الاستعلاء في الأرض و التجبر فيها، و أنكر صالح على قومه الإفساد في الأرض و إتباع المفسدين، و حارب لوط جريمة اللواط التي استشرت في قومه، و قاوم شعيب في قومه جريمة التطفيف في المكيال و الميزان‏ (6).

و منها (ثالثا) أن من رحمة اللّه على عباده أن يرسل إليهم الرسل قبل أن يقع عليهم عقابه، و من ثم لا تكون للعاصين منهم حجة على اللّه بعد الرسل، قال تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (7)، و قال تعالى:

____________

(1) سورة الأعراف: آية 59، و انظر تفسير ابن كثير 3/ 427- 428، تفسير القرطبي ص 2668- 2670 (ط الشعيب).

(2) سورة هود: آية 50.

(3) سورة الأعراف: آية 73.

(4) سورة العنكبوت: آية 16.

(5) سورة الأحزاب: آية 45- 46.

(6) عمر سليمان الأشقر: المرجع السابق ص 51.

(7) سورة الإسراء: آية 15.

23

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ‏ (1)، و قال تعالى: وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏ (2)، و من ثم ففي يوم القيامة عند ما يجمع اللّه الأولين و الآخرين يأتي اللّه لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنه بلغها رسالة ربه، و أقام عليها الحجة، قال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً، يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (3).

و منها (رابعا) أن الرسل سفراء اللّه إلى عباده و حملة وحيه، فهم الذين يقومون بتبليغ أوامر اللّه تعالى و نواهيه إلى عبادة قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ‏ (4)، و قال تعالى:

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً (5)، و منها (خامسا) تذكير الناس، كل الناس، بيوم الدين‏ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ (6)، ذلك أن من مهمة الأنبياء التبشير و الإنذار، قال تعالى: وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‏ (7)، مبشرين المؤمنين بالحياة الطيبة، و منذرين العصاة بعذاب اللّه في الآخرة (8).

____________

(1) سورة النساء: آية 165.

(2) سورة طه: آية 134.

(3) سورة النساء: آية 41- 42.

(4) سورة المائدة: آية 67.

(5) سورة الأحزاب: آية 39.

(6) سورة الشعراء: آية 88- 89.

(7) سورة الكهف: آية 56.

(8) انظر: سورة النحل: آية 97، طه: آية 123، النور: آية 55، النساء: آية 13- 14، الواقعة: آية 215- 38، 41- 51- 56.

24

و منها (سادسا) أن الرسل، (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، هم الأسوة الحسنة للناس جميعا، قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (1)، و قال تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ‏ (2)، و قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ، وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (3)، و قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ‏ (4)، و قال تعالى: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ‏ (5)، و ذلك لأن الرسل صفوة من خليفته، و خيرته من عبادة (6)، طهرهم، و علمهم ما شاء أن يعلمهم، ثم أرسلهم إلى الناس ليأخذوهم بأسباب الهداية، و ينأوا بهم عن معاهد الضلالة، و لذلك كان من كليات أصول المسلمين، أن شرع من قبلنا شرع لنا، إلا إذا ورد من رسول اللّه (ص) ما ينسخه‏ (7).

____________

(1) سورة الأحزاب: آية 21.

(2) سورة الممتحنة: آية 4.

(3) سورة الممتحنة: آية 6.

(4) سورة الأنعام: آية 90.

(5) سورة الأنبياء: آية 73.

(6) و تصديقا لهذا فلقد جاء في الحديث الشريف، الذي رواه مسلم و الترمذي، أنه (ص) قال: «إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى قريشا من كنانة، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار»، و من مسند الإمام أحمد و سنن الترمذي عن النبي (ص) أنه قال: أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، إن اللّه تعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، و خيركم نفسا» (انظر: صحيح مسلم المواهب للقسطلاني 1/ 13، ابن كثير: السيرة النبوية 1/ 191، عبد الحليم محمود: دلائل النبوة و معجزات الرسول، القاهرة 1973 ص 68، أحمد حسن الباقوري: مع القرآن، القاهرة 1970 ص 21).

(7) محمود أبو رية: دين اللّه واحد على ألسنة جميع الرسل- القاهرة 1970 ص 58.

25

و من هنا فقد أوجب اللّه للرسل العصمة الكاملة، لتصح بهم القدوة، و تقوم بهم الحجة، فلا يكون من أحدهم عمل ينال من كرامته أو يقدح في عدالته أو يحط من منزلته العلية بين ذوي المروءات و العقول الرجحة (1)، ذلك أمر ضروري، إذ لو لم يكن ذلك كذلك، و لما كانوا أهلا لهذا الاختصاص الإلهي الذي يفوق كل اختصاص، اختصاصهم بوحيه، و الكشف لهم عن أسرار حلمه، و لو لم تسلم أبدانهم من المنفرات، لكان انزعاج النفس لمرآهم حجة للمنكر في إنكار دعواهم، و لو كذبوا أو خافوا أو قبحت سيرتهم، لضعفت الثقة فيهم، و لكانوا مضلين لا مرشدين، فتذهب الحكمة من بعثهم، و الأمر كذلك لو أدركهم السهو أو النسيان فيما عهد إليهم بتبليغه من القصائد و الأحكام‏ (2).

و منها سابعا: سياسة الأمة المسلمة، ذلك أن الذين يستجيبون للرسل يكوّنون جماعة و أمة، و بالتالي يحتاجون إلى من يسوسهم و يقودهم و يدبر أمورهم، و الرسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فهم يحكمون بين الناس بحكم اللّه قال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ (3)، و قال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ‏ (4) و في الحديث، الذي رواه البخاري و مسلم و أحمد و ابن ماجة، عن النبي (ص) «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي قام نبي»، و من ثم فقد أوجب اللّه طاعتهم، قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ (5).

____________

(1) كمال أحمد عون: اليهود من كتبهم المقدسة- القاهرة 1970 ص 106.

(2) محمد عبث: رسالة التوحيد- القاهرة 1969 ص 77.

(3) سورة المائدة: آية 48.

(4) سورة (ص): آية 26.

(5) سورة النساء: آية 8.

26

(5) وحدة الهدف في دعوات الرسل:

لا ريب في أن دين اللّه واحد في الأولين و الآخرين، لا يختلف إلا في صورة و مظاهره، و أما روحه و حقيقته، و هو ما طولب به العالمون أجمعون على ألسنة جميع الأنبياء و المرسلين، فلا يتغير، و هو إيمان باللّه الواحد الأحد، و إخلاص له في العبادة، و أن يتعاون الناس على البر و التقوى، و ألا يتعاونوا على الإثم و العدوان، هذا هو دين اللّه الذي أرسل في كل أمة، و لكل قوم على مدى الدهور و الأزمان‏ (1)، و لا ريب كذلك في أن هذا الدين هو الإسلام‏ (2)، و صدق ربنا جل و علا حيث يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ (3) و يقول: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (4)، و الإسلام، في لغة القرآن، ليس اسما لدين خاص، و إنما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء، و انتسب إليه كل أتباع الأنبياء (5)، و من ثم فإن الإسلام شعار عام يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء و أتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر البعثة المحمدية (6).

____________

(1) محمود أبو رية: المرجع السابق ص 35.

(2) الإسلام: هو دين اللّه في الأولين و الآخرين، و هو الطاعة و الامتثال (تفسير الطبري 2/ 510- 511) و يقول الإمام ابن تيمية: الإسلام هو أن يستسلم الإنسان للّه، لا لغيره، فيعبد اللّه و لا يشرك به شيئا، و يتوكل على اللّه وحده، و يرجوه و يخافه وحده، و يحب اللّه المحبة التامة، لا يحب مخلوقا كحبه للّه، بل يحب للّه و يبغض للّه، و يوالي للّه و يعادي للّه، فمن استكبر عن عبادة اللّه لم يكن مسلما، و من يعبد مع اللّه غيره لم يكن مسلما (ابن تيمية: كتاب النبوات- القاهرة 1346 ه ص 87- 88).

(3) سورة آل عمران: آية 19.

(4) سورة آل عمران: آية 85.

(5) محمد الراوي: الدعوة الإسلامية دعوة عالمية ص 51.

(6) محمود الشرقاوي: الأنبياء في القرآن الكريم ص 75- 76.

27

و هكذا أخبر القرآن في غير موضع أن الأنبياء جميعا إنما كان دينهم الإسلام، كما في سورة البقرة و آل عمران و المائدة و الأعراف و يونس و يوسف و الأنبياء و الحج و النمل و القصص و الشورى و غيرها (1)، و هكذا يبدو واضحا أن دين اللّه واحد منذ الأزل إلى مبعث محمد (ص) إلى يوم الدين «إن الدين عند اللّه الإسلام»، فالدين منذ القدم هو دين الإسلام «هو حاكم المسلمين من قبل»، من قبل مبعث محمد، و من قبل مبعث إبراهيم، و قد سمي اللّه منذ الأزل «مسلما» كل من اعتنق أسس هذه الدين، دين اللّه، و سار على مضامينه من: إسلام الوجه للّه، و انقياد له، و توكل عليه، و تسليم الأمر لمدبر الأمر و صرف الكون، و من هذا يتضح أن وصف الإسلام ليس منصبا على كل من آمن بدعوة محمد (ص) في عهد محمد أو من بعده فحسب، بل هو وصف و لقب أطلقه اللّه من قبل على كل من آمن برسوله الذي بعث في زمنه، و بكل من وحّد ربه و أسلم وجهه و قلبه و أمره كله للّه رب العالمين، و المسلم في عرف القرآن هو كل من آمن برسوله و كل من وحّد اللّه من الأزل حتى اليوم، و من هذا يتضح أن محمد (ص). لم يأت بدين جديد مستقل، و إنما جاء ليصلح دين اللّه مما طرأ عليه من مغالاة و زيادة و جهالة، و ليهدي الأمم القادمة على الطريق إلى الدين الأول الذي أرسل اللّه به سائر الرسل، و الذي كمله محمد (ص) و أتمه اللّه على يد محمد (ص) بما جعله‏

____________

(1) انظر: سورة البقرة: آية 128، 132، 136، آل عمران: آية 51- 53، 64- 67، 83- 85، المائدة: آية 3، 44، 11، الأعراف: آية 126، يونس: آية 72، 84، 90، يوسف:

آية 101، الأنبياء: آية 108، الحج: آية 78، النمل: آية 31، 38، 42، القصص: آية 52، الزمر: آية 12، فصلت: آية 33، الشورى: آية 13، و انظر: محمد بيومي مهران:

المرجع السابق ص 134- 135، محمد عبد اللّه دراز: الدين: بحوث ممهدة لدراسة الأديان- القاهرة 1969 ص 183، محمود أبو رية: المرجع السابق ص 60- 67، مناع القطان:

الإسلام شريعة اللّه الخالدة إلى البشر كافة- الرياض 1974 ص 11- 40، تفسير المنار 1/ 67، 477.

28

دينا أزليا للناس كافة إلى يوم الدين‏ (1).

و في هذا يقول سيدنا رسول اللّه (ص)، فيما أخرجه الإمام أحمد و البخاري و مسلم عن أبي هريرة، «مثلي في النبيين كمثل رجل بني دارا فأحسنها و أكملها و أجملها و ترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان و يعجبون منه و يقولون لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» (2)، و في رواية للبخاري. «مثلي و مثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فحسنه و جمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به، و يعجبون و يقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة، و أنا خاتم النبيين» (3).

و من هنا فإن نبوة القرآن الكريم إنما تؤمن بكل ما سبقها من نبوات، لأن الهدف واحد، و العقيدة واحدة، فالأنبياء، (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، دينهم واحد، و إن تنوعت شرائعهم‏ (4)، و قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول اللّه (ص) قال: «إنا معشر الأنبياء ديننا واحد» (5)، قال تعالى:

____________

(1) محمود بن الشريف: الأديان في القرآن- جدة 1979 ص 30- 33.

(2) الحديث: اخرجه أيضا الإمام أحمد و البخاري و مسلم و الترمذي عن جابر بن عبد اللّه، و أخرجه الإمام أحمد و مسلم عن أبي سعيد الخدري.

(3) صحيح البخاري- كتاب المناقب- باب خاتم النبيين- دار الشعب- القاهرة 1378 ه 4/ 226.

(4) مجموعة فتاوي ابن تيمية- الرياض 1381 ه 1/ 357.

(5) روي الحديث الشريف بعدة روايات، فرواية في البخاري و مسلم و أحمد، أنه (ص) قال:

«أنا أولى الناس بعيس بن مريم في الدنيا و الآخرة، و الأنبياء اخوة من علات، أمهاتهم شتى، و دينهم واحد، و في رواية أخرى للبخاري «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، و الأنبياء أولاد علات ليس بيني و بينه نبي»، و في رواية ثالثة «نحن معاشر الأنبياء اخوة لعلات ديننا واحد»، يعني بذلك التوحيد الذي بعث اللّه به كل رسول أرسله و ضمه كل كتاب أنزله، و أبناء العلات أبناء الضرائر، يكون أبوهم رجلا واحدا، و أمهاتهم متعددات و كذلك الرسل ربهم الذي أرسلهم إله واحد، و رسالاتهم متعددة بتعدد بلادهم، أي إن الدين واحد، و هو عبادة اللّه-

29

وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ‏ (1) و قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ‏ (2).

و من هنا كان طلب القرآن الكريم الإيمان بكل الرسل، كما طلب كذلك الإيمان بما أنزل عليهم، و كان الإيمان بالبعض دون البعض الآخر خروجا عن دين اللّه و هديه‏ (3)، يقول سبحانه و تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ‏

____________

- و حدد لا شريك له، و إن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، و المقصود، كما يقول ابن كثير، أن الشرائع و إن تنوعت في أوقاتهما إلا أن الجميع آمرة بعبادة اللّه وحده لا شريك له، و هو دين الإسلام الذي شرعه اللّه لجميع الأنبياء، و هو الدين الذي لا يقبل اللّه غيره يوم القيامة، كما قال تعالى: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ‏، و يقول الإمام محمد عبده: أن القرآن قد صرح بما لا يحتمل الريبة بأن دين اللّه في جميع الأزمات و على ألسن جميع الأنبياء، واحد، و يقول الأستاذ الشاذلي و أما الشرائع فمختلفة في الأوامر و النواهي، فقد يكون الشي‏ء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الأخرى و بالعكس، و خفيفا فيزداد في الشدة في هذه دون هذه، لماله تعالى من الحجة الدافعة و الحكمة البالغة، قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: «لكل جعلنا منكم شرعة و منها جما»، يقول: سبيلا و سنّة، و السنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، و في الإنجيل شريعة و في الفرقان شريعة، يحل اللّه فيها ما يشاء و يحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، و الدين الذي لا يقبل اللّه غيره هو التوحيد و الإخلاص للّه تعالى الذي جاءت به جميع الرسل (انظر: محمد عبده: المرجع السابق ص 163، عبد اللّه شحاتة: تفسير سورة الإسراء، القاهرة 1975 ص 10، الباقوري: المرجع السابق ص 139، عبد المجيد الشاذلي: حد الإسلام و حقيقة الإيمان- جامعة أم القرى- مكة المكرمة ص 100، محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 5- 6، مختصر تفسير ابن كثير 1/ 459، البداية و النهاية 1/ 153- 154، محمود أبو رية: المرجع السابق ص 35- 45)

(1) سورة المؤمنون: آية 52، و انظر تفسير القرطبي ص 4520- 4521 (دار الشعب).

(2) سورة الشورى: آية 13.

(3) محمد أبو زهرة: العقيدة الإسلامية لما جاء بها القرآن الكريم- القاهرة 1969 ص 85- 86، تفسير المنار 10/ 182- 183 خالد محمد خالد: كما تحدث القرآن- القاهرة 1970 ص 99- 122.

30

وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (1)، و يقول تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ، مِنْ رَبِّهِ، وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ (2)، و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (3)، و قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ، وَ ما أُوتِيَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ (4).

و انطلاقا من كل هذا، فإن القرآن الكريم إنما يعلمنا أن كل رسول يرسل، و كل كتاب ينزل إنما قد جاء مصدقا و مؤكدا لما قبله، فالإنجيل مصدق و مؤكد للتوراة (5)، و القرآن مصدق و مؤكد للتوراة و الإنجيل، و لكل ما بين يديه من الكتب‏ (6) يقول سبحانه و تعالى: وَ قَفَّيْنا عَلى‏ آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ، وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ،

____________

(1) سورة النساء: آية 15.

(2) سورة البقرة: آية 285.

(3) سورة النساء: آية 136.

(4) سورة البقرة: آية 136.

(5) من البدهي أننا نعني هنا التوراة و الإنجيل اللذين أنزلهما اللّه على رسوليه موسى و عيسى، (عليهما السلام)، و ليس توراة اليهود و أناجيل النصارى المتداولة اليوم (انظر عن التوراة الحالية: محمد بيومي مهران: إسرائيل- الكتاب الثالث- الإسكندرية 1979 ص 1- 379).

(6) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 185، محمد أبو زهرة: المرجع السابق ص 85- 86.

31

وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏ (1).

و يقول المسيح، (عليه السلام)، كما جاء في العهد الجديد «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس و الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء و الأرض و لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل» (2).

و لا ريب في أن هذا التصديق لا يعني أن الكتب المتأخرة، إنما هي تجديد للمتقدمة و تذكير بها، فلا نبدل فيها معنى و لا نغير حكما، و إنما الواقع غير ذلك، فقد جاء الإنجيل بتبديل بعض أحكام التوراة، كما جاء القرآن بتبديل بعض أحكام الإنجيل، و لكن يجب أن يفهم أن هذا و ذاك لم يكن من المتأخر نقضا للمتقدم، و لا إنكارا لحكمة أحكامه في إبانها، و إنما كان وقوفا عند وقتها الناسب و أجلها المقدر (3)، و من هنا كان قوله (ص) في الحديث الشريف: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، و في رواية الإمام مالك في الموطأ «إن اللّه بعثني لأتمم مكارم الأخلاق». و هكذا فإن اللّه تعالى، بمقتضى حكمته في رسالاته، إنما كان يجعل كل نبي يبشر بمن يجي‏ء بعده، فالتوراة بشرت بالمسيح و بمحمد، عليهما الصلاة و أتم التسليم، و المسيح بشر بمحمد (ص)، يقول تعالى: وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ‏

____________

(1) سورة المائدة: آية 46- 48.

(2) إنجيل متى 5/ 17- 18.

(3) انظر: سورة آل عمران: آية 50، الأعراف: آية 157، محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 185- 186.

32

يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ‏ (1).

و من المعروف أن أحمدا من أسماء رسول اللّه (ص). و من ثم فقد جاء في الحديث الشريف، قوله (ص): «و الذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي أو نصراني و لا يؤمن بي إلا دخل النار» (2)، و في بعض الأحاديث «لو كان موسى و عيسى حيين لما وسعهما إلا أتباعي» (3)، و أن النبي (ص) وقف على «مدراس» اليهود في المدينة المنورة فقال: يا معشر يهود أسلموا، فو الذي لا إله إلا هو لتعلمون أني رسول اللّه إليكم، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، قال: ذلك أريد» (4)، و من ثم فالذي يقطع به في كتاب اللّه و سنّة رسوله، و من حيث المعنى، أن رسول اللّه (ص) قد بشرت به الأنبياء قبله، و أتباع الأنبياء يعلمون ذلك، و لكن أكثرهم يكتمونه و يخفونه‏ (5).

هذا و قد أخذ اللّه الميثاق على كل نبي، إذا جاءه رسول و صدق لما معه أن يؤمن به و ينصره‏ (6)، يقول تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما

____________

(1) سورة الصف: آية 6، و عن بشارات التوراة بسيدنا رسول اللّه (ص) (انظر: سفر التثنية 18/ 15، 18، 23/ 3، أشعياء 60/ 1- 7، 42/ 10- 12، حبقوق 3/ 3- 4) و عن بشارة الإنجيل (انظر: متى 7/ 21- 23، 15/ 8- 9، 23/ 42- 43) ثم انظر: إبراهيم خليل أحمد: محمد في التوراة و الإنجيل و القرآن- الطبقة الخامسة- القاهرة 1983 ص 33- 95، بشرى زخاري ميخائيل: محمد رسول اللّه- هكذا بشرت به الأناجيل- القاهرة 1972، ابن كثير: السيرة النبوية 1/ 286- 340 (القاهرة 1964).

(2) صحيح مسلم 1/ 367 (دار الشعب- القاهرة 1971).

(3) مختصر تفسير ابن كثير 1/ 296.

(4) ابن كثير: شمائل الرسول و دلائل نبوته و فضله و خصائصه- القاهرة 1967 ص 339، ثم قارن: ابن الجوزي: الوفا بأحوال المصطفى- الجزء الأول- القاهرة 1966 ص 36- 37، عماد الدين خليل: دراسة في السيرة- بيروت 1974 ص 319- 322.

(5) ابن كثير: المرجع السابق ص 339، ابن الجوزي: المرجع السابق ص 37.

(6) محمد عبد اللّه دراز: المرجع السابق ص 185.

33

آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (1). قال الإمام علي و ابن عباس، رضي اللّه عنهما، ما بعث اللّه نبيا من الأنبياء، إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث اللّه محمدا: و هو حي، ليؤمنن به و لينصرنه، و قال الحسن البصري و قتادة: أخذ اللّه ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، و هذا لإيضاح ما قاله علي و ابن عباس و لا ينفيه بل يستلزمه و يقتضيه‏ (2).

و صدق سيدنا رسول اللّه (ص) حين صوّر الرسالات السماوية في جملتها أحسن تصوير في قوله (ص): «مثلي و مثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه و جمّله إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون به و يعجبون له و يقولون هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة و أنا خاتم النبيين» (3).

و قريب من هذا ما يراه بعض الباحثين من أن صلاة المصطفى (ص) بالأنبياء، ليلة أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إنما تشير إلى وحدة الرسالات و النبوات، و أنها جميعا من عند اللّه، و أن الأنبياء و المرسلين إنما أرسلوا من أجل هداية الناس، و دعوتهم إلى التوحيد (4).

و بدهي أن ذلك كذلك، لأن دين جميع الأنبياء واحد في التوحيد و روح العبادة، و تزكية النفس بالأعمال التي تقوّم الملكات و تهذب‏

____________

(1) سورة آل عمران: آية 81، و انظر: تفسير المنار 3/ 287- 290، تفسير ابن كثير 2/ 55- 57، تفسير الطبري 6/ 550- 561.

(2) مختصر تفسير ابن كثير 1/ 296.

(3) صحيح البخاري 4/ 226 (دار الشعب- القاهرة 1378 ه).

(4) عبد اللّه شحاتة: المرجع السابق ص 8، و انظر: عماد الدين خليل: المرجع السابق ص 115- 116.

34

الأخلاق، و هكذا فالأنبياء في الأساس العام دعاة إلى توحيد اللّه و هداة إلى الفضائل. و مكارم الأخلاق، و من ثم فإن الديانات إنما تلتقي على فكرة التوحيد و حسن السلوك، و إن اختلفت الوسيلة لتهذيب هذا السلوك من نبي لآخر، و هكذا رأينا من الأنبياء من حارب رذائل معينة انتشرت بين قومه، كتطفيف الكيل الذي حاربه شعيب، و كالانحراف الجنسي الذي وقف أمامه لوط بكل إصرار و حزم‏ (1).

و هنا علينا أن نلاحظ أن هناك فرقا بين الدين في ثباته و عدم تبدله بتبدل الأنبياء، و بين تبدل الشرائع و تغيرها بتبدل الأنبياء و تغيّرهم، بل ينبغي أن يكون هذا الفرق واضحا في الذهن، سائقا في الفهم، و هو كذلك فيما يقرر القرآن الكريم، فأما من ناحية العقل و الفكر، فإن الدين، أي دين، إنما هو قائم على أصول ثلاثة: أولها: الإيمان بأن لهذا الكون إلها خالقا مدبرا، و محيط العلم، بالغ القدرة، لا يغرب عن علمه شي‏ء، و لا يعترض قدرته شي‏ء، و ثاني الأصول الدعوة إلى العمل الصالح الذي يشيع على الإنسانية الأمن و السلام، و ثالث الأصول أن اللّه لم يخلق الناس عبثا، و لن يتركهم سدى، و أنهم لا بد راجعون إليه، و محاسبون بين يديه، و مجازون على ما عملوا إن خيرا فخيرا، و إن شرا فشرا.

هذا ما يتصل بالدين في عدم قبوله التغيير و التبديل، و أما ما يتصل بالشرائع حيث هي مجموعة قوانين تنظم السلوك في المجتمع، فإنها قابلة للتغيير و التبديل، بمقتضى تغيّر البيئات و اختلاف المصالح، و قد أشار إلى ذلك القرآن الكريم و الحديث الشريف‏ (2).

____________

(1) أبو الحسن الماوردي: أعلام النبوة- القاهرة 1971 ص 22، محمود أبو رية: المرجع السابق ص 119، عبد اللّه شحاتة، المرجع السابق 8- 9.

(2) مجموعة فتاوي ابن تيمية 1/ 357، و انظر: الباقوري: المرجع السابق ص 137- 139، خالد محمد خالد: المرجع السابق، ص 115، عبد اللّه شحاتة: المرجع السابق ص 10.

35

بقيت الإشارة هنا إلى أن النبوة فضل يسبغه اللّه على من يشاء من عباده، وهبة ربانية يمنحها اللّه لمن يريد من خلقه، و هي لا تدرك بالجد و التعب، و لا تنال بكثرة الطاعة و العبادة، و لا يتوسل إليها بسبب و لا نسب، و إنما هي بمحض الفضل الإلهي، فاللّه يختص برحمته من يشاء، و هي تأتي إلى النبي من تلقاء نفسها، و على غير توقع منه، فهي إذن اصطفاء و اختيار من اللّه سبحانه و تعالى للمصطفين الأخيار من عباده‏ (1)، و صدق اللّه العظيم حيث يقول: «اللّه أعلم حيث يجعل رسالته» (2).

و من ثم فإن اللّه سبحانه و تعالى إنما يختص بهذه الرحمة العظيمة، و المنقبة الكريمة، من كان أهلا لها، بما أهله، جل شأنه، من سلامة الفطرة، و علو الهمة، و زكاة النفس، و طهارة القلب، و حب الخير و الحق، و كان أذكياء العرب في الجاهلية، على شركهم باللّه تعالى، يعلمون أن الصادقين محبي الحق، و فاعلي الخير من الفضلاء، أهل لكرامته تعالى و عنايته، كما يؤخذ من استنباط أم المؤمنين خديجة في حديث أم المؤمنين عائشة، رضي اللّه عنهما، في بدء الوحي، فإنه (ص) لما قال لخديجة: «لقد خشيت على نفسي»، قالت له: «كلا فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث، و تحمل الكلّ و تكسب المعدوم، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق» (3).

____________

(1) تفسير المنار 8/ 33- 34، محمد علي الصابوني: النبوة و الأنبياء- بيروت 1980 ص 8.

(2) سورة الأنعام: آية 124، و انظر: تفسير روح المعاني 8/ 21- 23، تفسير المنار 8/ 32- 35، تفسير ابن كثير 3/ 323- 326.

(3) صحيح مسلم 1/ 379- 380، و انظر: ابن كثير: السيرة النبوية 1/ 394- 395، تفسير المنار 8/ 34، عبد الحليم محمود: المرجع السابق ص 354.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الكتاب الثّاني سيرة يوسف (عليه السلام)

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

الفصل الأول يوسف فيما قبل الوزارة

(1) يوسف و أخوته في كنعان:

يوسف الصديق (عليه السلام) هو: يوسف النبي بن يعقوب النبي بن إسحاق النبي بن إبراهيم النبي، (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، و قد أثنى عليه ربنا جل جلاله في القرآن الكريم بقوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ‏ كما أثنى عليه سيدنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، حيث وصفه بقوله الشريف «إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» و قد جاءت قصته في سورة كاملة من القرآن الكريم هي سورة يوسف‏ (1).

____________

(1) انظر عن قصة يوسف كاملة من وجهة النظر الإسلامية: سورة يوسف آية 1- 102، تفسير الطبري 15/ 547- 586، 16/ 1- 315 (دار المعارف) تفسير الفخر الرازي 17/ 83- 229، تفسير الطبري 13/ 5- 134، تفسير النسفى 2/ 352- 397، تفسير أبي السعود 3/ 77- 143، في ظلال القرآن 4/ 1949- 2037 (بيروت 1982) تفسير المنثور للسيوطي 4/ 2- 42، تفسير ابن كثير 4/ 294- 349، تفسير القرطبي ص 3347- 3506، تفسير المنار 12/ 213- 268، محمد رشيد رضا، تفسير سورة يوسف (القاهرة 1936)، صفوة التفاسير 2/ 39- 71، تفسير الجلالين ص 302- 320، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 4/ 3- 41، تفسير الخازن 3/ 262- 293، تفسير البغوي (على هامش الخازن)، ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 197- 220، تاريخ الطبري 1/ 330- 364، تاريخ ابن خلدون-

40

هذا و تشير التوراة إلى أن يوسف الصديق قد ولد لأبيه من زوجته الثانية «راحيل»، ابنة خال أبيه لابان في «حاران» (و تقع على نهر بلخ على مبعدة 60 ميلا من اتصاله بالفرات، و إلى الغرب من تل حلفا، و على مبعدة 280 ميلا إلى الشمال الشرقي من دمشق)، و كان يعقوب (عليه السلام) قد تزوج من أختها الكبرى «ليئة»، ثم تزوج من راحيل، ثم من جاريتها بلهة، ثم من زلفة جارية ليئة (1)، و هكذا جمع يعقوب تحته الشقيقتين، فضلا عن جاريتيهما، و كان ذلك، فيما يرى ابن كثير، سائغا في ملتهم، ثم نسخ في شريعة التوراة، و هذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ، لأن فعل يعقوب (عليه السلام) دليل على جواز هذا و إباحته لأنه معصوم‏ (2)، بل إن الطبري‏ (3) يرى في ذلك قوله تعالى: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ‏، و إن كان المفسرون يجمعون أو يكادون، على أن المراد بقوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ‏ أي في الجاهلية قبل الإسلام، و ليس قبل نزول التوراة، كما ذهب ابن كثير، أي أن النسخ كان بالقرآن، و ليس بالتوراة، على أية حال، فلقد ماتت راحيل أم يوسف، و هي تضع ابنها الثاني «بنيامين» و دفنت في بيت لحم (على مبعدة خمسة أميال جنوبي القدس) حيث ولد داود و المسيح عيسى بن مريم، (عليهما السلام). (4) هذا و قد زود يعقوب عن زوجاته الأربع باثنى عشر ولدا، فضلا عن‏

____________

- 2/ 44- 47، تاريخ ابن الأثير 1/ 78- 88، تفسير ابن عباس 2/ 497- 502، حسن محمد باجودة: الوحدة الموضوعية في سورة يوسف (عليه السلام)، جدة- 1983 م.

(1) تكوين 29/ 23، 28، 30/ 5، 79.

(2) تاريخ ابن كثير 1/ 195.

(3) تاريخ الطبري 1/ 320.

(4) تكوين 35/ 19- 20، تاريخ ابن كثير 1/ 197، محمد بيومي مهبران: إسرائيل 2/ 646 (الاسكندرية 1978)، و انظر عن قصة يوسف من الناحية التاريخية و دخول بني إسرائيل مصر (محمد بيومي مهران- إسرائيل 1/ 212- 260- الاسكندرية 1978)

41

ابنته دينة التي ولدتها ليئة، و هكذا «كان بنو يعقوب اثنى عشر، بنو ليئة راؤبين بكر يعقوب و شمعون و لاوى و يهودا و يساكر و زبولوث، و أبناء راحيل يوسف و بنيامين، و أبناء بلهة جارية راحيل، دان و نفتالى، و أبناء زلفة جارية ليئة، جاد و أشير، هؤلاء بنو يعقوب الذين ولدوا في فدان أرام‏ (1)»، ثم هاجر يعقوب ببنيه و زوجاته إلى كنعان (فلسطين) حيث عاشوا في «حبرون» (و تقع على مبعدة 19 ميلا جنوب غرب القدس، و هي مدينة الخليل الحالية، و فيها قبر إبراهيم و سارة و إسحاق و يعقوب، حيث يقوم اليوم مسجد كبير هو الحرم الإبراهيمي) و ظلوا هناك في أرض كنعان حتى هاجروا إلى مصر بدعوة من الصديق (عليه السلام).

و هكذا عاش الصديق مع أبيه و إخوته حينا من الدهر في كنعان، كان الصديق فيها أحب الأخوة إلى أبيه يعقوب النبي (عليه السلام)، لأنه كان، فيما تقول توراة اليهود، «يأتي بنميمتهم الرديئة إلى أبيهم»، و لأنه «ابن شيخوخته» و لأنه صنع له من دونهم قميصا ملونا، و لأنه رأى حلمين فسرهما إخوته على أنه سيكون سيدا عليهم، أما أولهما: « «فها نحن حازمون حزما في الحقل، و إذا حزمتن قامت و انتصبت فاحتاطت حزمكم و سجدت لحزمتي»، و أما الثاني فقد رأى فيه «و إذا الشمس و القمر و أحد عشر كوكبا ساجدة لي، و قصه على أبيه و على إخوته، فانتهره أبوه، و قال له ما هذا الحلم الذي حلمت، هل نأتي أنا و أمك و إخوتك لنسجد لك إلى الأرض، فحسده إخوته، و أما أبوه فحفظ الأمر (2)»، و لم يشر القرآن الكريم إلا إلى الرؤيا الأخيرة، و أن أباه أمره أن يكتم رؤياه عن إخوته، يقول تعالى‏ إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي‏

____________

(1) تكوين 35/ 22- 26.

(2) تكوين 37/ 1- 11.

42

ساجِدِينَ، قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏ (1).

و هكذا عرف يعقوب، كما جاء في تفسير أبي السعود (4/ 252)، من رؤيا يوسف أن اللّه تعالى سيبلغه مبلغا جليلا من الحكمة، و يصطفيه للنبوة، و ينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه حسد الأخوة، و نصحه بأن لا يقص رؤياه عليهم فيكيدوا له، مع أن يعقوب كان يعلم أنهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا عليه، و قد جاء في الأثر «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود».

هكذا بدأ إخوة يوسف يضمرون له الشر، لأنه أحب إلى أبيهم منهم «قالوا ليوسف و أخوه أحب إلى أبينا منا و نحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين»، و الآية الكريمة تشير إلى إيثار يعقوب ليوسف و أخيه عليهم، و هم عصبة (و العصبة و العصابة: العشرة من الرجال فصاعدا سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم) و يقول الشيخ الشعراوي في الفتاوى: إن إيثار فرد بالحب عن الآخرين ينشئ في نفس الآخرين عقدة النقص التي تؤدي إلى أن يكون السلوك غير منطقي على المبدأ الخلقي، و لذلك حين أحس إخوة يوسف بأن يوسف و أخاه أحب إلى أبيهم منهم، فكروا في أن يزيحوا ذلك الحب من طريقهم و قالوا: نحن عصبة، و لو أنهم فهموا بعض الفهم لعرفوا أنهم جاءوا بحيثية امتاز ذلك الصغير بالحب، لأنهم عصبة و لأنهم أشداء، و هو صغير يعطف عليه، فلا يقيسوا العطف و الحب هنا على العطف و الحب عليهم، لأنهم اجتازوا مرحلة العطف و الحب، فالإنسان منا يحب صغيره لأنه يعتقد أن هذا الصغير بالنسبة لأخوته هو أقصرهم عمرا معه،

____________

(1) سورة يوسف آية 4- 5، 554- 559، تفسير المنار 11/ 290- 299، تفسير ابن كثير 4/ 297- 299، تفسير الخازن 3/ 261- 263.

43

و أنه في حاجة مع العجز إلى شي‏ء كثير من الحب، فلو أن الكبار فهموا تلك العلاقة لما جعلوها عيبا في الأب‏ (1).

و على أية حال، فالآية، كما في ظلال القرآن‏ (2)، لا تشير إلى علمهم برؤياه، و لو كانوا قد علموا برؤياه لجاء ذكرها على ألسنتهم‏ (3)، و لكانت أدعى إلى أن تلهج ألسنتهم بالحقد عليه، فما خافه يعقوب على يوسف لو قص رؤياه على إخوته قد تم عن طريق آخر، و هو حقدهم عليه لإيثار أبيهم له، و لم يكن بد أن يتم لأنه حلقة في سلسلة الرواية الكبرى المرسومة لتصل بيوسف إلى النهاية المرسومة، و التي تمهد لها ظروف حياته و واقع أسرته، و مجيئه لأبيه على كبره، و أصغر الأبناء هم أحب الأبناء، و بخاصة حين يكون الوالد في سن الكبر، كما كان الحال مع يوسف و أخيه، و إخوته من أمهات، و هكذا بدأ الحقد يغلي في نفوس إخوة يوسف، و يدخل الشيطان بينهم، فيختل تقديرهم للواقع، و تتضخم في حسهم أشياء صغيرة، و تهون أحداث ضخام، تهون الفعلة الشفعاء المتمثلة في إزهاق روح غلام برى‏ء لا يملك دفعا عن نفسه، و هو أخ لهم، و هم أبناء نبيّ، و إن لم يكونوا هم أنبياء، يهون هذا، و تتضخم في أعينهم حكاية إيثار أبيهم له بالحب، حتى توازى القتل، أكبر جرائم الأرض قاطبة، بعد الشرك باللّه، و هكذا دبروا له مكيدة، كي يخلو لهم وجه أبيهم، و أنجزوا خطتهم للتخلص منه، بأن‏ اقْتُلُوا يُوسُفَ‏

____________

(1) محمد متولي الشعراوي: الفتاوى 10/ 71- 74 (بيروت 1982).

(2) في ظلال القرآن 4/ 1973 (بيروت 1982).

(3) جاء في تاريخ ابن الأثير: أن امرأة يعقوب سمعت ما قال يوسف لأبيه، فقال لها يعقوب:

اكتمي ما قال يوسف و لا تخبري أولادك، قالت نعم، فلما أقبل أولاد يعقوب من الرعي أخبرتهم بالرؤيا، فازدادوا حسدا و كراهة له و قالوا: ما عنى بالشمس غير أبينا و لا بالقمر غيرك و لا بالكواكب غيرنا، إن ابن راحيل يريد أن يمتلك علينا و يقول: أنا سيدكم. (الكامل 1/ 78- 79).

44

أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ‏ (1).

و في الواقع، فإن قصة الصديق، كما جاءت في التوراة و القرآن العظيم، إنما تشير بوضوح إلى أن إخوته إنما ظلوا ردحا من الزمن ضحايا الكبت الذي عانوه، كي يخفوا رغبتهم في التخلص من يوسف رغبة في أن يخلوا لهم حب أبيهم، و لكنهم كانوا يفشلون في إخفائها و كبتها، بل كثيرا ما كانت تبدو فيما يصدر عنهم من مواقف أو كلمات ضد يوسف، مما جعل أباهم يعقوب يشك في حسن نواياهم، عند ما دعوا يوسف ليلعب معهم‏ (2)، فقال لهم‏ وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ‏ (3)، و هو في الواقع إنما كان يتخوف عليه من عدوانهم أكثر مما يتخوف عليه عدوان الذئب، و لكنه أراد أن يصرفهم عنه بتلك الفعلة، و لكن إخوة يوسف كانوا بارعين في الدهاء، فقالوا لأبيهم‏ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ‏ (4).

و هكذا كان من نتيجة الكبت الذي عانوه أن انحرفوا بتفكيرهم، فكل ما كان يهمهم تحقيقه هو أن يحولوا بين يوسف و أبيه فاتفقوا على قتله، و تلطيخ قميصه بالدم، و ادعاء أن الذئب أكله، لما ذهبوا يتسابقون و تركوه عند متاعهم، غير أن التلفيق كان واضحا، أو كان ساذجا، لأن القميص لم يكن ممزقا بآثار أسنان الذئب، أو كما قال يعقوب، في رواية السدى، إن كان هذا الذئب لرحيما، كيف أكل لحمه و لم يخرق قميصه‏ (5)، و هكذا ألهاهم‏

____________

(1) سورة يوسف: آية 9.

(2) التهامى نقرة: سيكولوجية القصة في القرآن- تونس 1974 ص 156 (رسالة دكتوراه).

(3) سورة يوسف آية 13.

(4) سورة يوسف: آية 14.

(5) جاء في تفسير الطبري عن ابن عباس أنه قال: ذبحوا شاة و لطخوا بدمها القميص، فلما جاءوا يعقوب قال: كذبتم لو أكله الذئب لمزق قميصه، و في رواية أخرى، كما في تفسير النسفى-

45

الحقد الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها منذ المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصطحاب يوسف معهم، و لكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، يخشون أن لا تؤاتيهم الفرصة مرة أخرى، كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليلا على التسرع، و قد كان أبوهم يحذرهم فيها أمس و هم ينفونها، و يكادون يتهكمون بها، فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم منه أبوهم أمس، و بمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه في غير إتقان، فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب‏ (1)، الأمر الذي جعل يعقوب لا يصدقهم، و لهذا كان يدعوهم دائما إلى أن يتقصوا آثار أخيهم، و قد وقعوا في حالة «التبرير»، كما يفعل المذنب، إذ يعمد إلى تفسير سلوكه ليبيّن لنفسه و للناس أن لسلوكه هذا أسبابا معقولة (2)، فهم يقولون‏ يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا، فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ‏ (3).

و على أية حال، فلقد كان أخوة يوسف قد أجمعوا أمرهم على أن‏

____________

- و أبي السعود و الخازن، نهم ذبحوا سخلة و لطخوا القميص بدمها، و زل عنهم أن يمزقوا القميص، فلما سمع يعقوب بخبر يوسف صاح بأعلى صوته، و قال: أين القميص و أخذوه و ألقاه على وجهه و بكى حتى خضب وجهه بدم القميص و قال: تاللّه ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكله و لم يمزق عليه قميصه، و في رواية ثالثة في تفسير الخازن أنهم أتوا بذئب و قالوا ليعقوب: هذا أكل ابنك، فقال الذئب حين سأله، و قد أنطقه اللّه، و اللّه ما أكلت و ما رأيت ولدك قط، و لا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فقال يعقوب كيف وقعت في أرض كنعان، قال: أتيت لصلة الرحم فأخذوني و أتوا بي إليك فأطلقه يعقوب (انظر: تفسير الطبري 12/ 164، تفسير أبي السعود 4/ 260، تفسير الخازن 3/ 269، تفسير النسفى 2/ 214- 215، صفوة التفاسير 2/ 44).

(1) في ظلال القرآن 4/ 1975- 1976.

(2) التهامي نقرة: المرجع السابق ص 516- 517.

(3) سورة يوسف: آية 17.

46

يجعلوه في غيابت الجب‏ (1)، و لكنهم سرعان ما غيروا رأيهم حيث أشار يهوذا على أن يبيعوه للإسماعيليين، و لكن الأمور لم تسر كما يرغبون، و كما تقول التوراة «جاء رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف و أصعدوه من البئر، و باعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة، فأتوا بيوسف إلى مصر (2)»، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى‏ وَ جاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى‏ دَلْوَهُ، قالَ يا بُشْرى‏ هذا غُلامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ، وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ، وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ‏ (3).

و هكذا هبط الصديق مصر، كرقيق اشتراه رئيس الشرطة المصري بثمن بخس دراهم معدودة، رأى بعض المفسرين أنها دون الأربعين، على أساس أنها معدودة لا موزونة، و إنما يعدّ القليل، و يوزن الكثير، و كانت العرب تزن ما بلغ الأوقية، و هي أربعون درهما مما فوقها، و تعدّ ما دونها، و لهذا يعبرون عن القليلة بالمعدودة، و ذهب ابن عباس و ابن مسعود و غيرهما إلى أنهم باعوه بعشرين درهما، بينما ذهب فريق ثالث إلى أنهم باعوه بأربعين درهما (4)، و أيا ما كان الأمر، فقد كانت هذه نهاية المحنة الأولى في حياة النبي الكريم.

____________

(1) ذهب بعض المفسرين إلى أنها بئر بأرض الأردن أو هي بين مصر و مدين أو هي على مبعدة ثلاثة فراسخ من منازل يعقوب في كنعان، و هو الأرجح، أو هي بئر المقدس، غير أن التقاط السيارة له و مجيئهم أباهم عشاء يبكون ذلك اليوم، يضعف هذا الإتجاه (تفسير أبي السعود 4/ 258، تفسير النسف 2/ 214).

(2) تكوين 37/ 18- 28.

(3) سورة يوسف: آية 19- 20.

(4) تفسير الطبري 16/ 13- 16، تفسير القرطبي 9/ 155- 157، تفسير المنار 2/ 281، تفسير ابن كثير 4/ 305، تفسير روح المعاني 12/ 204- 205، تفسير أبي السعود 4/ 261، تفسير الخازن 3/ 271، تفسير النسفى 2/ 215، مؤتمر تفسير سورة يوسف 1/ 421- 427، المقدسي: البدء و التأريخ 3/ 68.

47

بقيت الإشارة إلى أن هناك فريقا من المفسرين ذهب إلى أن أخوة يوسف كانوا أنبياء، و استدلوا على ذلك بأنهم الأسباط المذكورون في آية آل عمران (84) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ، و الصحيح أن الأسباط ليسوا أولاد يعقوب، و إنما هم القبائل من ذرية يعقوب، كما نبه عليه المحققون‏ (1)، هذا و قد جاء في المصباح المنير: السبط ولد الولد، و الجمع أسباط، مثل حمل و أحمال، و السبط: الفريق من اليهود، يقال للعرب قبائل، و لليهود أسباط، و من هنا ذهب المفسرون المسلمون إلى أن الأسباط هم بنو يعقوب، كانوا اثنى عشر رجلا، كل واحد منهم ولد سبطا، أمة من الناس، فسموا أسباطا، هذا و قد بعث اللّه منهم عدة رسل، غير أنه لم يصح أن أخوة يوسف بالذات كانوا أنبياء، إذ لو كانوا كذلك لما أقدموا عليه من الأفعال الشنيعة، فالحسد و السعي بالفساد، و الإقدام على القتل، و الكذب، و إلقاء يوسف في الجب، كل ذلك من الكبائر التي تتنافى في عصمة الأنبياء، فالقول بأنهم أنبياء، مع هذه الجرائم، لا يقبله عقل حصيف‏ (2)، و يقول ابن كثير: و ظاهر ما ذكرنا من فعالهم و مقالهم في هذه القصة يدل على أنهم غير أنبياء، و من استدل بنبوتهم بآية آل عمران (84) و زعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلال بقوى، لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل و ما كان يوجد فيهم من الأنبياء ينزل عليهم الوحي من السماء، و مما يؤيد أن يوسف (عليه السلام) هو المختص من‏

____________

(1) يذهب البعض إلى أن الأسباط كانوا من بني إسماعيل الذين أرسل اللّه إليهم رسلا، لم يذكروا أسماءهم و لا أممهم، و بخاصة من بني قحطان، كقوم تبع و أصحاب الرس و سبأ (انظر صابر طيحة: بنو إسرائيل في ميزان القرآن- بيروت 1975 ص 181- 196).

(2) محمد علي الصابوني: صفوة التفاسير 2/ 45- 46 (بيروت 1981)، تفسير الطبري 2/ 121، 3/ 111، 113، 6/ 569، تفسير الكشاف 1/ 195، تفسير روح المعاني 16/ 6، في ظلال القرآن 4/ 1973، محمد بيومي مهران: إسرائيل 1/ 150.

48

بين إخوته بالرسالة و النبوة أنه لم ينص على واحد من إخوته سواه، فدل على ما ذكرناه‏ (1).

(2) يوسف و امرأة العزيز:-

اشترى عزيز مصر يوسف من تجار الرقيق، ثم ذهب به إلى بيته و قال لامرأته «اكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا (2)»، ذلك لأن الرجل إنما توسم في الصديق خيرا، و الخير يتوسم في الوجوه الصباح، و خاصة حين تصاحبها السجايا الملاح، فإذا هو يوصي به امرأته خيرا، و هكذا بدأ الصديق مرحلة جديدة في حياته في قصر عزيز مصر الذي اشتراه، و هو طبقا للرواية العربية، الوزير بمصر، و كان اسمه، فيما يروى عن ابن عباس، «قطفير» و كان على خزائن مصر، و كان الملك يومئذ «الريان بن الوليد» رجل من العماليق، و اسم امرأته راعيل أو زليخا (3).

على أن العجيب من الأمر أن تصف التوراة عزيز مصر بأنه «خصى فرعون رئيس الشرطة» (4)، و لست أدري كيف دار في خلد كاتب نص التوراة هذا، بأن رئيس الشرطة المصري كان خصيا، و من عجب أن هذه الأكاذيب قد انتقلت إلى بعض كتب التفسير، و إن رفضتها جمهرة المفسرين‏ (5)، و كأن‏

____________

(1) ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 198- 199.

(2) سورة يوسف: آية 21: و روى ابن كثير في تفسيره عن عبد اللّه بن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر، حين قال لامرأته «أكرمي مثواه» و المرأة التي قالت لأبيها عن موسى «يا أبت استأجره»، و أبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما (مختصر تفسير ابن كثير 2/ 245).

(3) مختصر تفسير ابن كثير 2/ 244.

(4) تكوين 29/ 1.

(5) تفسير الطبري 16/ 19، تفسير القرطبي ص 3389، تفسير أبي السعود 4/ 286، تفسير الخازن 3/ 293، و انظر: تفسير البيضاوي 1/ 491، تفسير المنار 12/ 272، تفسير روح المعاني 12/ 207، مؤتمر تفسير سورة يوسف 1/ 434، 503- 504، 1/ 525- 526.

49

الرجل لم يكن شافعا له، في نظر كتبة التوراة و من لفّ لفّهم، في دحض هذه الغيرة، أنه كان زوج أجمل سيدة في مجتمع الهكسوس، و لكن ما الحيلة و صاحب سفر التكوين من التوراة إنما يرى أن حاشية القصر كانت كلها من الخصيان، حتى لنجده كذلك يصف رئيس سقاة الملك و رئيس خبازية بأنهما من الخصيان‏ (1).

غير أن الصديق، (عليه السلام)، إنما تعرض في أخريات أيامه في قصر العزيز إلى امتحان رهيب، بدأت به المحنة الثانية في حياته، و هي أشد من المحنة الأولى، تجيئه و قد أوتي صحة الحكم، و أوتي العلم، ليواجهها و ينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله اللّه تعالى في قرآنه، و ذلك حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، لأنها افتتنت بحسنه فأحبته، و ليس لها ما يردعها من خوف زوجها عن خيانته، لأنها تملك قيادة كما يشاء هواها، شأن ربات القصور المترفات اللائي أفسدت طباعهن الحرية و الفراغ، و كادت له لما رفض أن يستجيب، لأن لها من نفاذ الكلمة و من السلطان على زوجها ما مكنها من الانتقام، رغم ما عرف زوجها من آيات صدقه‏ (2). و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى‏ وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ، وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها، لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ‏ (3)، و يقول الأستاذ سيد قطب‏ (4)، (طيب الله ثراه)، إن هذه الدعوة السافرة الجاهرة من امرأة العزيز، لا تكون‏

____________

(1) تكوين 40/ 2.

(2) التهامى نفرة: المرجع السابق ص 512.

(3) سورة يوسف: آية 23- 24، و انظر: تفسير الطبري 16/ 24- 50، تفسير ابن كثير 4/ 306- 309، تفسير المنار 12/ 227- 235، تفسير القرطبي ص 3391- 3399.

(4) في ظلال القرآن 4/ 1980- 1981 (بيروت 1982).

50

أول دعوة من المرأة، إنما تكون هي الدعوة الأخيرة، و قد لا تكون أبدا، إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارا، و الفتى يعيش معها و قوته و فتوته تتكامل، و أنوثتها هي تكمل و تنضج، فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة، قبل هذه المفاجأة العنيفة الغليظة، «قال معاذ اللّه إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون»، و النص هنا صريح و قاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي، المصحوب بتذكير نعمة اللّه عليه، و تذكر حدوده و جزاء من يتجاوز هذه الحدود، فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهرة بعد تغليق الأبواب، و بعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته و روايته و قالت: هيت لك.

هذا و قد حصر المفسرون القدامى منهم و المحدثون نظرهم في الواقعة الأخيرة «و لقد همّت به و همّ بها لو لا أن رأى برهان ربه»، فأما الذين ساروا وراء الإسرائليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة و مندفعا شبقا، و اللّه يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع، صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضا على إصبعه بفمه، و صورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن (نعم القرآن) تنهى عن مثل هذا المنكر، و هو لا يرعوى، حتى أرسل اللّه جبريل يقول له: أدرك عبدي، فجاء فضربه على صدره، إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة، و هي واضحة التلفيق و الاختراع‏ (1).

على أن جمهور المفسرين إنما ساروا على أنها همّت به همّ الفعل، و همّ بها همّ النفس، ثم تجلى له برهان ربه فتركه، و أنكر صاحب تفسير

____________

(1) في ظلال القرآن 4/ 1981 ثم انظر: تفسير النسفى 2/ 217، تفسير الطبري 16/ 33- 48 تفسير ابن كثير 4/ 308- 309 تفسير القرطبي ص 3391- 3398، تاريخ الطبري 1/ 337- 338، الكامل لابن الأثير 1/ 80- 81، و من عجب أن التوراة لم تذكر شيئا مما ذكره المفسرون من هذه الروايات، كما جاءت قصة المراودة في سفر التكوين 39/ 7- 20.

51

المنار على الجمهور هذا الرأي، و يقول الإمام الفخر الرازي: الهم خطور الشي‏ء بالبال أو ميل الطبع، كالصائم يرى في الصيف الماء البارد، فتحمله نفسه على الميل إليه و طلب شربه، و لكن يمنعه دينه عنه، و قال أبو حيان في البحر: نسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق و الذي اختاره أن يوسف (عليه السلام) لم يقع منه همّ البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، و قال أبو السعود: إن همّه إليها بمعنى ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، ميلا جليا، لأنه قصدها قصدا اختياريا، الا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له و نفرته منه، و حكمه بعدم إفلاح الظالمين، و هل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهمّ منه تسجيلا محكما، و ما قيل: إنه حلّ الهميان، و جلس مجلس الختان، فإنما هي خرافات و أباطيل تمجّها الأذان، و تردها العقول و الأذهان‏ (1).

هذا و قد ذهب صاحب تفسير المنار (2) إلى أنها همت بضربه نتيجة إبائه و إهانته لها، و هي السيدة الآمرة، و همّ هو برد الاعتداء، و لكنه آثر الهرب فلحقت به وقدت قميصه من دبر، على أن تفسير الهمّ، فيما يرى صاحب الظلال‏ (3)، بأنه همّ الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة، فهم مجرد رأى لمحاولة البعد بيوسف عن همّ الفعل أو همّ الميل إليه في تلك الواقعة، و فيه تكلف و إبعاد عن مدلول النص، ثم يرى في قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏ نهاية موقف طويل من الإغراء، بعد ما أبى يوسف في أول الأمر و استعصم، و هو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة و الضعف، ثم الاعتصام باللّه في النهاية

____________

(1) تفسير الفخر الرازي 18/ 119، تفسير البحر المحيط 5/ 295، تفسير أبي السعود 2/ 63، تفسير المنار 12/ 231- 136.

(2) تفسير المنار 12/ 229- 231.

(3) في ظلال القرآن 4/ 1981- 1982 (بيروت 1982).

52

و النجاة، و لكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة، لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من تلك اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة، و في محيط الحياة البشرية الكاملة كذلك، فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله و الاعتصام في نهايته، مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما، ليكتمل الصدق و الواقعية و الجو النظيف جميعا، ثم يرى صاحب الظلال بعد ذلك أن ذلك أقرب إلى الطبيعة البشرية و إلى العصمة النبوية، و ما كان يوسف سوى بشر، نعم إنه بشر ممتاز، و من ثم لم يتجاوز همه الميل النفسي في لحظة من اللحظات، فلما رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره و قلبه، بعد لحظة الضعف الطارئة عاد إلى الاعتصام و التأبي.

و لعل هذا قريبا مما ذهب إليه الزمخشري في الكشاف حيث يقول:

فإن قلت: كيف جاز على نبي اللّه أن يكون منه همّ بالمعصية و قصد إليها، قلت (أي الزمخشري) المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة، و نازعت إليها عن شهوة الشباب و قرمه ميلا يشبه الهمّ به و القصد إليه، و كما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول و العزائم، و هو يسر ما به و يرده بالنظر في برهان اللّه المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، و لو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى همّا لشدته، لما كان صاحبه ممدوحا عند اللّه بالامتناع، لأن استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظيم الابتلاء و شدته.

و أيا ما كان الأمر، فلقد آثر الصديق التخلص بعد أن استفاق، و هي عدت خلفه لتمسك به، و هي ما تزال في هياجها الحيواني‏ وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ، قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها، إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ، وَ إِنْ كانَ‏

53

قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى‏ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ، يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ‏ (1).

هذا و قد اختلف المفسرون في هذا الشاهد، قيل هو ابن عم امرأة العزيز، و كان جالسا مع زوجها لدى الباب، و قيل كان حكيما يرجع إليه الملك و يستشيره، و ربما كان بعض أهلها قد بصر بها من حيث لا تشعر فأغضبه اللّه تعالى لنبيه بالشهادة له و القيام بالحق، و إنما ألقى اللّه الشهادة إلى من هو من أهلها ليكون أدل على نزاهته و أنفى للتهمة (2)، قال أبو حيان في البحر: و كونه من أهلها أوجب للحجة عليها، و أوثق لبراءة يوسف، و أنفى للتهمة (3)، و ذهب جماعة من علماء السلف، على رأسهم ابن عباس و الحسن البصري و سعيد بن جبير و الضحاك، أنه كان صبيا في الدار، و اختاره ابن جرير، و فيه حديث مرفوع رواه ابن جرير عن ابن عباس عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «تكلم أربعة و هم صغار» فذكر فيهم شاهد يوسف، و رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «تكلم أربعة و هم صغار، ابن ماشطة بنت فرعون، و شاهد يوسف، و صاحب جريح، و عيسى بن مريم»، و رواه الحاكم عن أبي هريرة (4)، و هكذا ظهرت براءة يوسف (عليه السلام) للعزيز، فقال له «يوسف أعرض عن هذا» أي لا تذكره لأحد، لأن كتمان مثل هذه الأمور، كما يقول ابن كثير، هو الأليق و الأحسن، و أمرها هي بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها، و التوبة إلى ربها، فإن العبد إذا تاب إلى اللّه تاب‏

____________

(1) سورة يوسف: آية 25- 29.

(2) تفسير أبي السعود 4/ 268.

(3) تفسير البحر المحيط 5/ 297.

(4) مختصر تفسير ابن كثير 2/ 247، و انظر: تفسير الطبري 12/ 193، تفسير النسفي 2/ 218، تفسير أبي السعود 4/ 268.

54

اللّه عليه، و أهل مصر، و إن كانوا يعبدون الأصنام، إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب و يؤاخذ بها، هو اللّه وحده لا شريك له في ذلك‏ (1).

غير أن أنباء الفضيحة سرعان ما تترامى إلى الناس، و طفق النساء خاصة يتحدثن بسقطة امرأة العزيز، و يتناقلنها بينهن، و أنها شغفت حبا بفتاها و خادمها، و كيف خرجت على طبع أنوثتها في إدلالها و تمنعها، و نزلت عن كبريائها و سلطانها (2)، وَ قالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (3)، و في ذلك إشباع في اللوم، فإن من لا زوج لها من النساء، أو لها زوج دني‏ء، قد تعذر في مراودة الأخدان، لا سيما إذا كان فيهم علو الجانب، و أما التي لها زوج، و أي زوج، إنه عزيز مصر، فمراودتها لغيره، لا سيما لعبدها الذي لا كفاءة بينها و بينه أصلا، و تماديها في ذلك، إنما هو غاية الغي و نهاية الضلال‏ (4)، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً، وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً، إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ‏ (5).

هذا و تشير الآية الكريمة إلى أن امرأة العزيز إنما أرادت أن ترد على النساء اللواتي أطلقن ألسنتهن فيها بمكر يوقعهن فيما وقعت فيه من طريق ثغرة الضعف الغريزي الشهوي الذي تعرفه فيهن من معرفتها لنفسها، و من ثم فقد أقامت لهن مأدبة في قصرها، و بدهي أنهن كن من نساء الطبقة الراقية اللواتي يهمها أمرهن، و هن اللواتي يدعين إلى الموائد في القصور، و يؤخذ

____________

(1) ابن كثير: البداية و النهاية 1/ 204.

(2) التهامي نقرة: المرجع السابق ص 512.

(3) سورة يوسف: آية 30.

(4) تفسير أبي السعود 4/ 270.

(5) سورة يوسف: آية 31.