دراسات تاريخية من القرآن الكريم‏ - ج3

- محمد البيومي مهران المزيد...
360 /
5

[الجزء الثالث‏]

تقديم‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و الصّلاة و السّلام على المبعوث رحمه للعالمين سيّدنا محمّد و آله تحدثنا في الجزء الأول من هذه الدراسات عن النبوات في بلاد العرب، و من ثم فقد قدمنا دراسة تاريخية عن أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام و كذا عن هود و صالح و شعيب (عليهم السلام)، هذا إلى جانب دراسة أحداث تاريخية جاء ذكرها في القرآن الكريم، كقصة سيل العرم و أصحاب الأخدود و أصحاب الفيل.

ثم خصصنا الجزء الثاني من هذه السلسلة «دراسات تاريخية من القرآن الكريم» لدراسة تاريخ النبوات في أرض الكنانة، و من ثم فقد قدمنا دراسة عامة عن النبوة و النبوات، ثم دراسة مفصلة عن تاريخ النبيّين الكريمين يوسف و موسى (عليهما السلام)، فضلا عن تاريخ بني إسرائيل في مصر.

و في هذا الجزء الثالث من هذه السلسلة نتحدث عن تاريخ النبوات في‏

6

بلاد الشام، و من ثم فإن حديثنا في هذا الجزء إنما سيكون عن الأنبياء الكرام: داود و سليمان، ثم أيوب و إلياس و اليسع و زكريا و يحيى، ثم ختمنا هذا الجزء الثالث بسيرة المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه، صلوات اللّه عليهم أجمعين.

و إني لكبير الأمل في اللّه تعالى أن يكون في هذه الدراسة بأجزائها الثلاثة بعض النفع، و اللّه من وراء القصد، و هو الهادي إلى سواء السبيل.

«و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب».

الإسكندرية في 12 ربيع الأول عام 1408 ه.

4 نوفمبر عام 1987 م.

7

الكتاب الرابع داود و سليمان (عليهما السلام)

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الباب الأول سيرة داود (عليه السلام)

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الفصل الأول بنو إسرائيل فيما بين عهدي و داود (عليهما السلام)

(1) دخول بني إسرائيل كنعان:

آل أمر بني إسرائيل بعد موت موسى (عليه السلام) إلى يوشع بن نون خادم موسى و فتاه‏ (1)، و منذ تلك اللحظة بدأ كتبة التوراة يضعوه في مكانة لا تقل عن مكانة موسى نفسه‏ (2)، فكما كلم الزب موسى من قبل، كلم يوشع من بعد (3)؛ و كما آثر موسى بمعجزة انفلاق البحر في مصر، فقد آثر يوشع بمعجزة شق الأردن في كنعان، هذا فضلا عن معجزة أخرى يتعطل فيها مسير الأفلاك بإشارة من يوشع، فإذا الشمس تتوقف عن مغيبها عند «جبعون»، و إذا القمر لا يبزغ في حينه على وادي أيلون‏ (4).

____________

(1) خروج: 24/ 13، عدد: 27/ 12- 23، تثنية: 1/ 28.

(2) يذهب بعض المفسرين إلى أن يوشع قد بعث بعد موسى نبيا (انظر تفسير الطبري: 10/ 192، تفسير الطبري: 6/ 70، تفسير ابن كثير: 2/ 74، تفسير الكشاف: 1/ 622) و بديهي أن هذا من اجتهادات المفسرين، و لكن الذي يلزمنا هنا هو كلام اللّه عز و جل، و ليس ما درج المفسرون أن يقدموا فإنما هو اجتهاد، و فوق كل ذي علم عليم، و ليس في كتاب اللّه نص صريح على نبوة يوشع أو يشوع هذا.

(3) يشوع: 1/ 1- 2.

(4) خروج: 14/ 21، يشوع: 3/ 14- 17، 10/ 12- 14، مختصر تفسير ابن كثير: 1/ 504، محمد بيومي مهران: إسرائيل: 2/ 601، 610، و كذا.

J. Gray, Israel, In Near Eastern Mythology, N. Y,

111.p ، 1969

12

و قد بدأ يشوع بخطط لغز و كنعان، و بدأ بمدينة أريحا، و من ثم فقد عبر بنو إسرائيل الأردن في «مقابل أريحا» (1)، و هي المخاضة المعروفة بالمغطس أو الحجلة، على مبعدة ميلين جنوبي كوبري النبي، و يبدو أن العبور كان في الربيع عند ما كان النهر ضحلا كما يفهم من بعض نصوص التوراة، و إن ذهب نص آخر إلى أن «المياه المنحدرة من فوق وقفت، و قامت ندا واحدا، بعيدا جدا عن أدام المدينة» (2)، فسار القوم في الأرض الجافة، و أما مدينة «أدام» هذه فيمكن أن توجد «بتل الدامية»، على مبعدة ميل واحد جنوبي اتصال يبوق بالأردن، و هناك يوجد جرف من الحجر الجيري يكوّن عند الزلزال شقا في النهر يسدّه تماما لفترة ما و يمنع تدفق مياه الأردن لمدة تزيد عن عشرين ساعة، الأمر الذي حدث مثيل له في عام 1937 م‏ (3).

و أيا ما كان الأمر، فلقد عبر بنو إسرائيل الأردن، و عسكروا في «الجلجال» عند تخم أريحا الشرقي‏ (4)، ثم سرعان ما تقدموا نحو المدينة الحصينة، ذات الأسوار العالية، و طبقا لرواية التوراة، فلقد دار القوم حول أريحا مرة كل يوم، على مدى سبعة أيام، و في اليوم السابع يدور القوم دورتهم السابعة، و يضرب الكهنة بالأبواق، و تسقط أسوار أريحا، و تحرق المدينة و كل من فيها و ما فيها «من رجل و امرأة و طفل و شيخ، حتى البقر و الغنم و الحمير»، ما عدا «الذهب و الفضة و آنية النحاس فقد جعلوها في خزانة بيت الرب»، و أما «رحاب» الزانية التي خانت قومها و وطنها، و أخفت‏

____________

(1) يشوع: 3/ 16.

(2) يشوع: 3/ 15- 16.

(3)

J. Garstang, Jashua, Judges, The Faundations of Bible. J. Finegan, P. cit, p.

155 و كذاHistory ,London ,F 136.p ، 1931

(4) يشوع: 4/ 19، 24.

13

جواسيس يشوع في بيتها و سهلت مهمتهم، فقد كافأها بنو إسرائيل بأن أبقوا عليها، هي و بيت أبيها، كما أسكنوها في وسط إسرائيل، و لم يكتف يشوع بكل ما فعله بأريحا، و إنما هو يصب اللعنات على من يعيد بناء المدينة، و إلّا «فببكره يؤسسها، و بصغيره ينصب أبوابها» (1)، هذا و يذهب الكثير من العلماء إلى أن سقوط أريحا لم يكن بسبب ضرب كهنة يهود بأبواقهم، ثم الدوران حول المدينة طيلة أيام سبعة، و إنما بسبب زلازل وقعت في المدينة (2).

و كانت الضربة التالية من نصيب «عاي» التي سقطت عن طريق خدعة يهودية، ثم «ضربوهم حتى لم يبق منهم شارد و لا منقلب» (3) و إن كان البعض يعتبر ذلك مجرد خيال يهودي لأنه لم تكن هناك مدينة وقت ذاك باسم «عاي»، و أن حضائر «مدام جوديت ماركيت كروز» في موقع عاي، و هي التل الحالية على مبعدة 13 ميلا شمال غرب أريحا، تشير إلى بقايا مدينة من عصر البرونز المبكر قد دمرت تماما حوالى عام 2200 قبل الميلاد، كما أن اسم «عاي» يعني الخراب، و من هنا يرى العلماء أن التفسير المحتمل لرواية التوراة هو الخلط بين عاي و بيت إيل (بيتين) على مبعدة ميل من عاي‏ (4)، و على أية حال، و طبقا لرواية التوراة، فلقد امتد هذا المد الإسرائيلي سعيرا، فأحرق بالنار المدن الكنعانية، و قتل أهلها برمتهم، من رجال و نساء و أطفال، بل و في حمى لا واعية، انطلق هذا المد مجنونا، فلم يسلم من يده‏

____________

(1) يشوع: 6/ 1- 27.

(2)J .Finegan ,Op .Cit ,P . 158. و كذاT .R .Glover ,Ancient World 134.p ، 1968

(3) يشوع: 7/ 3، 8/ 13- 29.

(4)W .F .Albright ,A J A , 158.p ، 40and B A S O R , 31.p ، 118 و كذا

Judith Marquet- Krause, Les Voulles de Ay( et- tell ),

1949vols 2، 1935- 1944 و كذاJ .Finegan ,Op -Cit ,P . 160- 159

14

شي‏ء، حتى السائمة لم يستبق يشوع من البهائم واحدة، البقر و الغنم و الحمير أحرقها يشوع أباد يشوع كل شي‏ء باستثناء المعادن و سبائك الفضة و الذهب.

و تقدم يشوع فاستولى على جبعون (الجيب الحالية، 8 أميال شمال غرب القدس) و لبنه (تل بورناط شمالي غرب بيت جيرين أو تل الصافية) و لخيش (تل الدوير) و جازر (تل الجزر، 17 ميلا جنوب شرق حيفا) و عجلون (خربة عجلا قرب أربد) و حبرون (مدينة الخليل، 19 ميلا جنوب غرب القدس) و دبير (تل بيت مرسيم، 12 ميلا جنوب غرب الخليل) و حاصور (تل القدح، 9 أميال شمال بحر الجليل)، ثم تزعم التوراة بعد ذلك أن يشوع استولى على أملاك 31 ملكا في كنعان، و أنه أخذ كل الأرض حسب ما كلم الرب موسى و أعطاها ملكا لبني إسرائيل‏ (1)، على أن الباحثين إنما يكادون يجمعون الآن على أن غزو كنعان إنما كان بعيدا عن التمام على أيام يشوع، ذلك لأن هناك كثيرا من المدن الحصينة في طول البلاد و عرضها و لم تخضع لبني إسرائيل، فضلا عن مجموعات من القبائل، بل إن احتلال كنعان حين تم، إنما تم عن طريق جهود كل سبط في الدفاع عن منطقته، و أن ذلك استغرق فترة تزيد عن القرن من الزمان، و من هنا فليس صحيحا ما روته توراة يهود من أن الغزو قد تم في جيل واحد أو في خمسة أو سبعة أعوام، و إنما استمر طوال عهد القضاة، و حتى بداية عصر الملوك الأول، حيث تم الاستيلاء على أورشليم و مجدو و تعناك و بيت شان و منطقة دور و جارز، بل إن أورشليم لم يتم الاستيلاء عليها إلا على أيام داود، و جازر على أيام سليمان و بقوات مصرية (2).

____________

(1) يشوع: 9/ 3- 7، 10/ 1- 11، 11/ 23، 12/ 1- 24، محمد بيومي مهران، إسرائيل:

2/ 612- 622، و كذاA .Lods ,P -cit ,P . 332 و كذاJ .Finegan ,Op .Cit ,P . 164- 160 و كذا،J .B .Pritchard ,BA , 75- 65.p ، 1956، 19and UMB , 24، 12.p ، 1958، 26- 3.p ، 1957، 21

(2) يشوع: 14/ 10- 11، صموئيل ثان: 5/ 6- 9، ملوك أول: 9/ 16، و كذاOp .Cit ,P . 242.I .EPdtein ,Op .Cit ,P .33 و كذاO Roux ,

15

و هكذا يمكننا القول إن ما تمتلئ به صفحات سفر يشوع من غزوات لا تعد و ما اعتاده الرحل أن يمارسوه من غارات قبلية على السكان المستقرين الآمنين في كنعان، و الذين كانوا يعيشون في تلك الفترة شيعا و أحزابا، لا تربطهم رابطة و لا يجمعهم حلف واحد، فإذا أضفنا إلى ذلك حروب رعمسيس الثالث ضد شعوب البحر، و انشغال مصر بتلك الحروب، فضلا عن ضياع دولة الحيثيين على أيدي شعوب البحر، هذا إلى جانب ما كان يمر به العراق القديم من فترة ضعف تشبه تلك التي كانت تمر بها مصر في أخريات أيام الأسرة العشرين، و هكذا كانت الظروف التي كانت تمر بها دول الشرق الأدنى القديم و شعوبه، و التخلخل الموجود في سورية و فلسطين في أعقاب غزوات شعوب البحر، الأمر الذي أعطى بنو إسرائيل فرصة شن بعض الغارات البربرية الناجحة في بعض مدن شرق فلسطين بدرجة تكفي لأن يبدأ يشوع من تنظيم حياة قومه السياسية و الدينية، و أن يقسم الأرض المحتلة بين الأسباط طبقا لعدد كل سبط، و أن يشيد في شيلوه (سيلون الحالية، 17 ميلا شمال القدس) محرابا مركزيا يتخذه مركزا للتابوت الذي كان يستخدم كرمز لوحدة القوم السياسية و الدينية (1).

(2) عصر القضاة:

يبدأ عصر القضاة بموت يشوع بن نون و ينتهي بقيام الملكية على يد طالوت (شاؤل في التوراة) و تستغرق هذه المرحلة من تاريخ بني إسرائيل ما بين أربعة قرون و قرن واحد من الزمان، على اختلاف في الرأي‏ (2)، و الرأي‏

____________

(1)I .Epstein ,Op -Cit ,P .33 .

(2) أعمال الرسل: 13/ 20، شاهين مكاريوس: المرجع السابق ص: 8، فيليب حتى:

المرجع السابق ص: 195، باروخ سبينوزا: المرجع السابق ص: 29- 294، و كذا

O. Eissfeldt, The PeriodF The Judges. In CAH, II, Part,

553.p ، 1975، 2 و كذاGroy ,Op .cit ,P . 112

. M. B. Bowton. The Early period of The Judges in Israel, Cambridge.

1965 و كذا.

16

عندي أنها لا تعدو القرن و نصف القرن، إذا اعتمدنا على الرأي الذي يرجح الخروج على أيام مرنبتاح حوالي عام 1214 ق. م، و قيام ملكية طالوت حوالي عام 1020 ق. م، آخذين في الاعتبار فترة التيه و عهد يشوع بن نون.

و أيا ما كان الأمر، فلقد كانت القبيلة أو السبط هي أساس النظام الاجتماعي عند بني إسرائيل، و طبقا لرواية التوراة فقد كانت الأرض المفتوحة تقسم على إحدى عشرة قبيلة، بينما وزعت القبيلة الاثني عشر، و هي قبيلة لاوي رهط موسى، على القبائل الأخرى للخدمة الدينية، و هذه القبائل كانت بدورها تقسم إلى عشائر، و لكنها تتجمع حول هيكل مركزي في «شيلوه» الأمر الذي دفع بعض العلماء إلى أن يقارن هذا النظام القبلي العبراني بمجلس «الأمفكتيون» اليوناني (Amphictyony) و الذي يقوم على مبدأ مماثل من المركزية الدينية، و كانت سلطة الكاهن الأكبر عظيمة، و لكن من المبالغة أن نزعم وجود حكومة «ثيوقراطية» فإن سلطته لم تكن سياسية، و إنما كان يتصدر القوم أثناء الأزمات الأزمات زعماء محليون هم «القضاة» الذين حكموا بني إسرائيل طوال القرن و نصف القرن التاليين لدخولهم فلسطين، و كانت سلطة القضاة عارضة محدودة المدى و المدة، و هي في هذا النظام تذكرنا بسلطة زعماء النظام البدوي الذي تتميز به الحياة السامية في مراحلها الأقدم عهدا (1).

و لم يكن القضاة قضاة بالمعنى المفهوم، و لم يكونوا مشرعين بالمعنى القديم، و إنما كانوا طبقة من الأبطال المحاربين و المنقذين أقامهم الرب «ليخلصوهم من يد ناهبيهم»، و لم يكونوا خلفاء لبعضهم البعض، بل إننا

____________

(1) يشوع: 8/ 1، 8، 10، موسكاتي: الحضارات السامية القديمة ص: 14- 141، و كذاM .F .Unger و كذاM .Noth ,Das System der Zwolf Staemme Israels , 60- 39.p ، 1930.Op -Cit ,P . 1015.

17

لنشهد أكثر من واحد في وقت واحد، و لم يكن في إسرائيل ملوك في تلك الأيام، حتى إذا كانوا من الكهنة، و كان الواحد من هؤلاء القضاة يطلق عليه أحيانا لقب ملك أو قاض‏ (1)، و الحق أنك لا تجد واحدا من القضاة استطاع أن يبسط سلطانه على جميع بني إسرائيل، فكل واحد من هؤلاء الحكام و الشيوخ كان يتسلم قيادة زمرة واحدة، عند ما تهدد هذه الزمرة تهديدا مباشرا، و هو إذا ما كتب له النصر، لم يحتفظ حتى بقيادة تلك الزمرة (2)، هذا و تفيد روايات التوراة عنهم أنها تختلف بينها بدرجة كبيرة، فبينما يبدوا بعضها ذو أهمية تاريخية مثل شعر انتصار «دبورة» أو قصة «أبيمالك»، يبدو بعضها الآخر ذو صفة أسطورية لا أقل و لا أكثر، و أما أبطال هذه القصص فلا يظهرون أبدا كمصلحين دينيين، بل إن «شمعون» لم يكن حتى زعيما، كما أن هذه الروايات مستقلة تماما إحداها عن الأخرى، و لم يعد ممكنا أن نقول بالتأكيد ما هو الترتيب التاريخي للأحداث المسجلة (3) من عصر القضاة، و الذين بلغ عددهم خمسة عشر قاضيا، أولهم «عثنيئيل» و آخرهم صموئيل النبي‏ (4).

و من حوالي منتصف القرن الحادي عشر قبل الميلاد، أصبح «عالي» الكاهن قاضيا لإسرائيل في «شيلوه» و لمدة 40 سنة، لم يستطع فيها بنو إسرائيل أن يوقفوا قوة الفلسطينيين‏ (5)، و كان أولى المعارك بينهما في أفيق‏

____________

(1) نجيب ميخائيل: المرجع السابق ص: 325.

(2) جوستاف لوبون: المرجع السابق ص: 35.

(3)A .Lods ,P -Cit ,P . 335.

(4) انظر: محمد بيومي مهران إسرائيل: 2/ 630- 657.

(5) الفلسطينيون هم: «برست» (بلستي) أحد شعوب البحر، و قد اختلف العلماء في مواطنهم الأصلي، فمن قائل أنهم شعب هندي أو ربي أتى من كريت، و لكنه لم ينشأ بها أصلا، و من قائل إن موطنهم الأصلي كريت، و من قائل إنهم ساميون، و لكن الإسرائيليون يشيرون إلى‏

18

(تل المخمر، أكيلا شرقي حيفا) فلقد تجمع الإسرائيليون في «أبنزير» على حافة الجبال في مواجهة أفيق، و أحضروا معهم التابوت المقدس من شيلوه ليضمنوا وجود ربهم بينهم، و لكن المعركة انتهت بهزيمتهم، و سقط من بني إسرائيل ثلاثون ألف رجل، و أخذ التابوت، و مات ابنا عالي الكاهن، مما أثار في نفوس بني إسرائيل التشاؤم و الذعر، و لما وصل الخبر إلى عالي سقط عن الكرسي فانكسرت رقبته و مات‏ (1).

و قد كانت نتيجة الهزيمة مروعة، فلقد دمر الفلسطينيون المعبد الرئيسي في شيلوه، و الذي كان يجمع القبائل الإسرائيلية جميعا، فضلا عن إخضاع‏

____________

- أنهم قوم لا يختنون، و هذا ينأى بهم عن الساميين و المصريين، و من قائل إنهم ينتسبون إلى القومية الإليرية، و من قائل إنهم يتشابهون مع البلاسجيين و أن لغتهم لهجة لوية، و من قائل إنهم من آسيا الصغرى من منطقة سيليسيا الغربية، و الأكثر احتمالا، المنطقة أعلى و أسفل نهر كاليكادنوس في الجزء الشرقي، و من قائل غير ذلك، و يبدو لي أن الذين يرجعون بهم إلى آسيا الصغرى أقرب الآراء إلى الاحتمال، لأن أغلب شعوب البحر من هذه المنطقة، و لأن الأدلة العلمية في صالح هذا الرأي أكثر من غيره، و قد اشترك الفلسطينيون مع غيرهم من شعوب البحر في غزو الامبراطورية المصرية و مصر نفسها على أيام رعمسيس الثالث، و قد هزموا هزيمة منكرة في معركتين، بحرية و برية، و قد صورت المناظر المصرية رؤساءهم ملتحين، و جنودهم دون لحى، و بأغطية رأس ذات ريش، و سيوف طويلة عريضة و خناجر و حراب مثلثة و تروس مستديرة و حراب، و قد سمح لهم الفرعون بعد هزيمتهم بالاستقرار في ساحل فلسطين فيما بين يافا و غزة، و كانت أهم مدنهم غزوة و عسقلان و أشدود و عقرون و جت، و قد نظمت بشكل ممالك أو دويلات مدن، و لكنها كانت تشكل جميعا اتحاد تحت زعامة أشدود، و قد احتفظ التاريخ باسمهم على فلسطين، لا لأنهم أصبحوا غالبية السكان فيها و لأنهم بسطوا نفوذهم عليها جميعا، و لكن ربما لأنهم آخر من نزلها و لكثرة ترديد التوراة لاسمهم بسبب تهديدهم ليهود و غلبتهم عليهم، و قد بلغوا ذروة قوتهم عليهم جميعا، و لكن ربما لأنهم آخر من نزلها و لكثرة ترديد التوراة لاسمهم بسبب تهديدهم لليهود و غلبتهم عليهم، و قد بلغوا ذروة قوتهم في النصف الثاني من القرن الحادي عشر قبل الميلاد (انظر عن التفصيلات و المراجع: محمد بيومي مهران: إسرائيل 2/ 587- 596).

(1) صموئيل أول: 4/ 4- 1، و كذاC .Roth ,OP .Cit .,P . 14 و كذاM .Noth ,Op .Cit .,P . 166- 165

W. F. Albright, Archaeology and the religion of Israel, Baltimore,

188- 104.p ، 1953 و كذا

19

قبائل بني إسرائيل نفسها لسلطانهم، و إقامة الثكنات العسكرية الفلسطينية في المناطق الإسرائيلية، و احتلال الجبال الرئيسية في غرب الأردن، و إقامة النصب التذكارية لنصرهم في «جبعة بنياوين» (تل الفول، 5 كيلا شمالي القدس)، و أخيرا فلقد نزعوا سلاح إسرائيل حين منعوهم من صناعة أسلحة جديدة، و هكذا قوى الفلسطينيون امتيازاتهم السياسية عن طريق تفوقهم في السلاح، و ضعف أعدائهم فيه، بل منعه عنهم، فضلا عن القضاة على فكرة الثورة بين بني إسرائيل ضدهم‏ (1).

(3) قيام ملكية طالوت:

يذهب الباحثون إلى أنه من أخريات القرن الحادي عشر قبل الميلاد، و بعد هزيمة أفيق المروعة تجمعت كل العوامل الضرورية لإنهاء نظام حكم القضاة و قيام الحكم الملكي عند بني إسرائيل، و التي كان منها (أولا) ضغط الفلسطينيين على الإسرائيليين، و الذي كان أقوى العوامل لتجميع قوى بني إسرائيل و إنشاء مملكة، بل ربما كان الأصح أن تهديد الفلسطينيين للكيان الإسرائيلي من أساسه هو السبب في قيام الملكية الإسرائيلية، و منها (ثانيا) أن بني إسرائيل كانوا يعيشون بين أقوام يحكمون بملوك، فالآدميون و العمونيون و المؤابيون كان لهم ملوك و الفلسطينيون كان لهم أقطاب أشبه بالملوك، كما كان للفينيقيين ممالك مدن، مما دفع بني إسرائيل إلى المطالبة بملك يحارب حروبهم، و يكون لهم قاضيا كذلك، و منها (ثالثا) أن الكهنوت الإسرائيلي كانت قد تسلمته أياد ضعيفة منذ أيام «فيخاض» و مما

____________

(1) صموئيل أول: 10/ 5، 13/ 3- 22،O .Eissfeld Op .Cit ,p . 572- 571 و كذاM .Noth Op .Cit ,P . 167- 166H .Kjaer ,The Exavation of Shilo و كذاW .F :Albright Op .Cit ,P .F 103 و كذاIn J Pos , 1930، 10،G .E .Wright ,Biblical .

20

يؤيد هذا أن «عالي» الكاهن لم يكن من بيت «العازار» الابن الأكبر لسيدنا هارون (عليه السلام)، و الذي يجب أن تستمر الخلافة في نسله، و إنما كان من بيت الابن الأصغر «إيثمار) و منها (رابعا) أن ولدي عالي الكاهن (حفني و فيخاض) لم يكتفيا بطمعهما الجشع، بل كانا يرتكبان أقذر أنواع العبادة الوثنية وسط كروم شيلوه، حتى أنهما، رغم أنهما متزوجين، لم يترددا عن إفساد النسوة اللاتي كن يترددن على المعبد للقيام بالخدمات التي كانت تتطلب عملا لا يليق بالنساء (1).

و منها (خامسا) أن هناك نصا في التوراة يجعل الحكم في إسرائيل ملكيا (2)، و منها (سادسا) التهديد العموني لحدود إسرائيل الشرقية، و لعل هذا السبب، بجانب التهديد الفلسطيني و تدمير للكثير من مدن إسرائيل، كان السبب المباشر لقيام الملكية الإسرائيلية (3)، و هكذا أدى التهديد الخارجي، و الاضطراب الداخلي إلى أن يضطر شيوخ إسرائيل إلى الاجتماع و المطالبة بتتويج ملك على شعب إسرائيل، و هكذا اختار لهم «صموئيل النبي» ملكا على إسرائيل هو «شاؤل بن قيس» من سبط بنيامين، و مع ذلك، فإن رواية التوراة إنما تشير إلى أنه تردد كثيرا في إجابة شيوخ إسرائيل إلى ما يطلبون، بل‏ (4) لقد ساء الأمر في عيني صموئيل»، و حذر قومه من غضب الرب، إن هو رضي فملك عليهم ملكا، و لكن احتجاج صموئيل كان عديم الجدوى، إذ أصرّ شيوخ إسرائيل على رأيهم، و مع ذلك فما كان عند صموئيل النية في إقامة ملك مستقل حقيقة، بل كان كل ما يرجوه أن يكون قائدا حربيا و زعيما

____________

(1) صموئيل أول: 2/ 22- 25، ف. ب. ماير: حياة صموئيل النبي- القاهرة 1967 ص 35، 65 (مترجم).

(2) تثنية 17/ 14- 15.

(3) انظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 2/ 661- 667.

(4) تثنية 17/ 14- 15.

21

و سندا لكل الشعب يخلصهم من سيطرة الفلسطينيين ثم بعد ذلك يخضع لصموئيل طوال حياته‏ (1).

على أن الاتجاه القرآني، كما بين ذلك بشي‏ء من التفصيل فيما بعد، يذهب إلى أن الملأ من بني إسرائيل قد طلبوا من نبيهم أن يختار لهم ملكا يقاتلون معه عدوهم، فحذرهم نبيهم من أن السوابق التاريخية تفيد أنهم ليس لهم صبر على القتال، و لا شجاعة يقفون بها أمام أعدائهم، و مع ذلك فقد أعلمهم أن اللّه تعالى قد اختار لهم طالوت ملكا.

هذا و قد وصف طالوت في التوراة بأنه «شاب حسن، و لم يكن في بني إسرائيل أحسن منه، من كتفه فما فوقه، كان أطول من كل الشعب»، و في الواقع فإن اختيار شخص بالذات ليكون ملكا على إسرائيل، ليس امرا سهلا، لأن اختياره من إحدى القبائل القوية فيه ما فيه من مساس بقدر القبائل الأخرى، و قد يثير حربا أهلية، كما أن المعارك الأخيرة بين بني إسرائيل و الفلسطينيين قد حطمت من قوة «أفرايم» و هي التي كانت سيادتها على القبائل الأخرى حتى ذلك الوقت أمرا لا نزاع عليه، و من ثم فإن اختيار طالوت «شاؤل في التوراة» كان موفقا، فبالإضافة إلى مميزاته الجسمانية، و كذا العلمية كما جاء في القرآن الكريم، فقد كان من سبط «بنيامين» أضعف الأسباط الإسرائيلية، الأمر الذي كان لا يسبب له حقدا من الأسباط الأخرى، هذا إلى أن خيامه إنما كانت تقع بين أفرايم و يهوذا، أي أنها تقع في مكان وسط إلى حد ما بين القبائل الشمالية و الجنوبية (2).

____________

(1) صموئيل أول: 8/ 1- 22، حسن ظاظا: الفكر الدين الإسرائيلي ص 40، و كذا.H .R .Hall ,Op .Cit ,P . 292 و كذا.Lods ,Op .Cit ,P . 395.

(2) صموئيل أول: 9/ 1- 2، محمد بيومي مهران: إسرائيل 2/ 668- 674 و كذاW .Kelle ,TTe Bibleas History 179.p ، 1967.

22

و من عجب أن يزعم الحاخام «أبشتين» أن اختيار شاؤل (طالوت) ملكا على إسرائيل إنما يعتبر أول ملك دستوري في التاريخ، لأنه تم برضى عام من بني إسرائيل‏ (1)، و الحق أن الأحداث التاريخية لا تتفق و مزاعم «أبشتين»، فالنبي صموئيل و ليس بنو إسرائيل، هو الذي اختار شاؤل ملكا، اعتمادا على سلطته الدينية، حيث فرضه عليهم كممثل معتمد لرب إسرائيل هذا إلى أن القوم لم يقبلوه جميعا، فلقد رفضه «بنو بليعال» الذين ازدروه و قالوا: كيف يخلصنا هذا فاحتقروه، و لم يقدموا له هدية فكان كأصم، «على حد تعبير التوراة» (2)، و كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم‏ (3)، كما أن اختياره كان تجنبا لحرب أهلية يمكن أن تنشب، لو وقع الاختيار على واحد من أبناء القبائل القوية دون الأخرى، و من هنا كان اختياره من أضعف أسباط بني إسرائيل.

و أما أنه كان أول ملك دستوري في التاريخ، فيكذبه، أننا حتى لو صدقنا ذلك، فإن شاؤل قد اختير ملكا قبيل بداية الألف الأولى قبل الميلاد بأعوام قلائل، بينما نعرف أن هناك ما يدل على تواجد التفكير الديمقراطي منذ الألف الثالثة قبل الميلاد في العراق القديم، و أن انتخاب الحاكم الذي كان يرأس حكومة المدينة إنما كان يتم بناء على قرارات الجمعية العمومية، و التي تتكون من جميع المواطنين، و ربما بما فيهم النساء كذلك‏ (4)، هذا فضلا عن أن مصر الفرعونية قد عرفت منذ النصف الثاني من الألف الثالثة قبل الميلاد، إنما لها من الديمقراطية و من العدالة الاجتماعية على أيام الثورة الاجتماعية الأولى، حتى أصبح الملك يوصف بأنه ليس أكثر من «ابن امرأة

____________

(1).I .Epstein Judaism , 35.p ، 1970.

(2) صموئيل أول 10/ 11- 27.

(3) سورة البقرة آية 247.

(4).

T. Jacolison, Primitive Democracy in Ancient Mesopotamis, JNES, II,

165.p ، 1943.

23

من تاتسي، طفل من نخن» مرة، و بأنه «ابن الإنسان» مرة أخرى، لإقناع القوم بأن حاكمهم ليس من بيوت الإمارة و الملك، و إنما هو من الشعب و ربيب الشعب و صديق الشعب، ثم هو قبل ذلك و بعده، رجل يخدم مصالح الدولة و يرعى شئونها، و يعمل على وحدتها، و يمتلئ قلبه بحب رعاياه، و الرغبة في العمل من أجل مصالحهم‏ (1)، و هكذا يبدو واضحا أن ما ادعاه الحاخام «أبشتين» من تمجيد لقومه اليهود، إنما كان ادعاء عريضا إلى حد كبير.

هذا و قد اختلف المؤرخون في فترة حكم طالوت (شاؤل) فهناك من يرى أنها في الفترة (1030- 1004 ق. م.) و من يرى أنها في الفترة (1025- 1013 ق. م.) و من يرى أنها في الفترة (1020- 1004 ق. م.) و من يرى أنها في الفترة (1020- 1000 ق. م.) و من يرى أنها في الفترة (1000- 985 ق. م.) (2) و أما قصة طالوت في القرآن الكريم فقد جاءت في سورة البقرة، قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا، قالُوا وَ ما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَ أَبْنائِنا، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ‏

____________

(1) محمد بيومي مهران: الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفراعنة ص: 200- 210، أحمد بدوي: في موكب الشمس: 2/ 120، و كذاJ .A .Wilson , و كذاA .Gardiner Op .-cit ,P . 120Op .cit -,P . 116- 115,ANET , 415.p ، 1960.

(2) محمد بيومي مهران: إسرائيل: 2/ 673- 674، و كذا

W. Albright, The Archaeology of W. Keller, Op- cit, p.

181 و كذاHistorical AtlasF The Holy Land ,N .Y , 415.p ، 1959 و كذاPaletine ,P . 120I .Epstein ,Op .Cit ,P . 35 و كذاO .Eissfeld ,Op .citP . 575 و كذا.

24

اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى‏ وَ آلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (1).

و قد اختلف المفسرون في نبيّ إسرائيل الذي طلبوا منه أن يبعث لهم ملكا، فروي عن قتادة أنه يوشع بن نون، قال ابن كثير في تفسيره: هو بعيد لأن هذا كان بعد موسى بزمن طويل، و كان ذلك في زمن داود (عليه السلام)، و قد كان بين داود و موسى ما يزيد على ألف سنة، و قول ابن كثير صحيح، لكنه بالغ كثيرا في تقديره الفترة بين موسى و داود، و هي التي يحددها الباحثون المحدثون ما بين أربعة قرون و قرن و نصف، و قد رجحنا من قبل أنها تقارب القرنين من الزمان، و قال السدّى إنه شمعون، و قال مجاهد و غيره إنه شمويل‏ (2) (صموئيل) و هو الأرجح، هذا و قد ذهب بعض المفسرين إلى أن سبب تنصيب ملك على بني إسرائيل أن جالوت رأس العمالقة و ملكهم، و هو جبار من أولاد عمليق، أو ملك الكنعانيين على رأي آخر، و كان قومه يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر و فلسطين، قد ظهروا على بني إسرائيل و سبوا أولادهم و أسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة و أربعين نفسا، و ضربوا عليهم الجزية و أخذوا توراتهم، فلما كتب على بني إسرائيل القتال تولوا،

____________

(1) سورة البقرة آية: 246- 248، و انظر تفسير الطبري: 5/ 291- 328، تفسير النسفي: 1/ 124- 125، تفسير روح المعاني: 2/ 166- 168، تفسير الكشاف: 1/ 378- 379، تفسير الفخر الرازي: 6/ 181- 193، تفسير القرطبي ص: 1051- 1058، تفسير الطبرسي: 3/ 275- 284، تفسير القاسمي: 2/ 641- 674، في ظلال القرآن: 2/ 266- 269، تفسير المنار: 2/ 372- 373، تفسير ابن كثير: 1/ 449- 452 (دار الكتب العلمية- بيروت 1986) تفسير الجلالين ص: 43- 44، صفوة التفاسير: 1/ 156- 158.

(2) تفسير ابن كثير: 1/ 449 (ط 1986)، تفسير البحر المحيط: 1/ 370، تفسير النسفي: 1/ 124.

25

إلا ثلاثمائة و ثلاثة عشر، بعدد أهل بدر، و قد رفض بنو إسرائيل طالوت ملكا لأنه من سبط بنيامين، و النبوة كانت عندهم في سبط لاوي، و الملكية في سبط يهوذا، و لكن اختياره إنما كان بسبب علمه ليتمكن من معرفة أمور السياسة، و جسامة بدنه ليعظم خطره في القلوب، و يقدر على مقاومة الأعداء و مكابدة الحرب‏ (1).

و أما آية ملكه أن يأتيهم التابوت فيه سكينة من ربهم و بقية مما ترك آل موسى و آل هارون، قال النسفي: هي رضاض الألواح و عصا موسى و ثيابه و شي‏ء من التوراة و نعلا موسى و شمامة هارون (عليهما السلام)، تحمله الملائكة قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء و الأرض حتى وضعته بين يدي طالوت و الناس ينظرون، و قال السدي:

أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون و أطاعوا طالوت، و قال عبد الرزاق عن بعض أشياخه: جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة، و قيل على بقرتين، و ذكر غيره أن التابوت كان بأريحا، و كان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير، فأصبح التابوت على رأس الصنم فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسور القوائم ملقى بعيدا، فعلموا أن هذا أمر من اللّه‏

____________

(1) تفسير البحر المحيط: 1/ 371- 372، و نلاحظ على هذا الرأي عدة أمور، منها (أولا) أن جالوت هو ملك الفلسطينيين، و ليس العماليق أو الكنعانيين، و منها ثانيا أن بحر الروم و هو البحر الأبيض المتوسط لم يكن يسمى في تلك الفترة «بحر الروم» بل إن الروم حتى ذلك الوقت لم يكونوا قد ظهروا في العالم كقوة لها كيان يسمى باسمها البحر المتوسط، و على أي حال، فقد كان المصريون يسمون البحر المتوسط باسم «الأخضر العظيم» (وأج- ور: و في الدولة الوسطى سموه «واج ور إن حاونبو» و في الدولة الحديثة «بايم خاروه»، و منها ثالثا أن الكهانة، و ليس النبوة، هي التي كانت في سبط لاوي فقط، بل أن صموئيل النبي الذي أختار طالوت ملكا من سبط أفرايم، كما أن الملك لم يكن بعد في يهوذا، فالقضاة لم يكونوا جميعا من يهوذا إن أول ملك لإسرائيل كان من سبط بنيامين و هو طالوت.

26

لا قبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به، لا يقر به أحد إلا مات، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين و رجعتا، و جاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل إنه تسلمه داود (عليه السلام) و أنه لما قام إليهما حجل من فرحه بذلك، و قيل شابان منهم فاللّه أعلم، و قيل كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها «أذدوه» (1).

(4) حروب طالوت و ظهور داود:

بدأ طالوت يعد العدة لقتال أعدائه الفلسطينيين الذين كانوا يسيطرون على البلاد، منذ انتصارهم في معركة أفيق، و استيلائهم على التابوت‏ (2)، و تجريدهم من السلاح، فضلا عن إقامة القلاع في أماكن مختلفة من البلاد

____________

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 451 (ط 1986).

(2) التابوت: و تطلق عليه التوراة تابوت العهد أو تابوت الشهادة أو التابوت المقدس أو تابوت إله إسرائيل أو تابوت يهوه، و هو عبارة عن صندوق صنعه موسى بأمر ربه من خشب السنط، طوله ذراعان و نصف و عرضه ذراع و نصف، و ارتفاعه ذراع و نصف، و مغشى بذهب نقي من الداخل و الخارج، و عليه إكليل من ذهب و أربع حلقات ذهبية، و له عصوان من السنط مغشيان بالذهب لحمل التابوت، و كانت مسئولية حراسته لبني فهات من اللاويين رهط موسى، و يذهب البعض إلى أن فكرة التابوت مستعارة من المصريين، بينما يرى آخرون أنها مستعارة من الكنعانيين، و على آية حال، فلقد كان للتابوت مكانة ممتازة عند بني إسرائيل، و طبقا للتقاليد الإسرائيلية فقد كانوا يحملونه معهم أثناء المعارك الحربية، حتى عصر داود، على الأقل، و كان يستقبل بالتهليل و التكبير ليتحقق النصر، و يقع الذعر في قلوب الأعداء الذين كانوا يخافون منه و يقولون «جاء اللّه إلى المحلة»، و في أوقات الهدنة كان التابوت يودع في أحد أماكن العبادة أو في خيمة، في بيت إيل و شيلوه و بيت شمس و يعاريم و أورشليم، و طبقا لوجهة نظر سفر التثنية، فإن قدسية التابوت كانت في كونه يحمل ألواح الشريعة، و من ثم سمي «تابوت العهد أو تابوت الشريعة أو الشهادة»، و طبقا لرواية التوراة فهو عرش يهوه، و كان التابوت على رأس الإسرائيليين عند ما دخلوا كنعان بقيادة يوشع بن نون، و أنهم حملوه عند ما عبروا الأردن، فانشق تيار النهر فوق المياه المنحدرة، و عبر الشعب-

27

للسيطرة عليها تماما، و التي كان من أهمها تلك التي عند «بيت شان» (بيسان) للسيطرة على الطريق الموصل بين نهر الأردن و وادي يزرعيل، و التي عند «مخماس» و «جبعة» بين جبل أفرايم و أورشليم، و التي في جنوب القدس عند «بيت لحم» هذا فضلا عن تعيين موظفين فلسطينيين لجمع الضرائب المفروضة على شعب بني إسرائيل المهزوم، كما كانوا يراقبونهم من مراكز المراقبة الثابتة (1)، و على أية حال، فلقد بدأ طالوت في أعداد العدة، فجهز جيشا كثيفا، بالغ المفسرون و المؤرخون في تقدير اعداده حتى وصلوا به إلى ثمانين ألفا (2)، غير أن طالوت إنما أجرى لهم اختبارا، كان من نتيجته أن ترك الجيش و تقاعس عن القتال جميع رجال إسرائيل، إلا أقل القليل ممن عصم اللّه، و إلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَ مَنْ لَمْ‏

____________

- على اليابسة، ثم بقي مدة في خيمة في الجلجال ثم في شيلوه، حيث بقي فيها أكثر من ثلاثة قرون، ثم وقع في أيدي الفلسطينيين في موقعة أفيق، و عند ما أعاده الفلسطينيون لهم بقي في قرية يعاريم، ثم نقل منها على أيام داود إلى القدس، ثم وضع في هيكل سليمان بعد بنائه حتى أزاله «منسى» و وضع بدله تمثالا، ثم أعاده «يوشيا» و بقي حتى مرحلة السبي البابلي عام 586 ق. م، ثم اختفى، و لا يعلم أحد هل أخذه البابليون أم أن اليهود أخفوه في مكان ما ثم ضاع، و هناك تقاليد أثيوبية تذهب إلى أنه نقل إلى أكسوم في أثيوبيا، و ليس هناك دليل على صحة تلك التقاليد (انظر عن التفصيلات و المراجع، محمد بيومي مهران إسرائيل: 4/ 124- 133).

(1)H .R .Hall ,P -cit ,P . 423.

(2) تذهب رواية التوراة إلى أن هذا الحدث كان مع جدعون أحد قضاة إسرائيل، و ليس مع طالوت، و أن عدد جنوده كانوا اثنين و ثلاثين ألفا، بقي منهم على العهد ثلاثمائة، و أن الحرب كانت ضد المدينيين، و ليس الفلسطينيين، و أن المدينيين كانوا قد أذاقوا الإسرائيليين العذاب ألوانا، حتى اضطروهم إلى ترك قراهم و منهم إلى الكهوف و المغاور و الحصون، و مع ذلك فإن جدعون استطاع بمئاته، الثلاث أن يقتل من أعدائه في الجولة الأولى 120 ألف، و في الجولة الثانية 15 ألف، و بدهي أن هذا من تحريفات التوراة (انظر محمد بيومي مهران:

إسرائيل: 2/ 635- 640، قضاة: 6/ 7- 8/ 21).

28

يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ، قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏ (1).

و قال ابن عباس: من اغترف بيده روى، و من شرب منه لم يرو، و قال السدي: كان الجيش ثمانين ألفا، فشرب منه ستة و سبعون ألفا، و تبقى معه (أي طالوت) أربعة ألاف، على أن هناك روايات أخرى تذهب إلى أن من بقي على العهد مع طالوت ثلاثمائة و بضعة عشر نفرا، قيل ثلاثمائة و تسعة عشر، أو ثلاثمائة و ثلاثة عشر، عدة أهل بدر، روى البراء بن عازب: كنا نتحدث أن أصحاب محمد (صلى اللّه عليه و سلم) الذين كانوا معه يوم بدر ثلاثمائة و بضعة عشر، عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، و ما جاوزه معه إلا مؤمن، و أما النهر ففي رواية عن ابن عباس أنه نهر بين الأردن و فلسطين، يعني نهر الشريعة المشهور (2).

و على أية حال فلقد دارت رحى الحرب بين بني إسرائيل و الفلسطينيين، و كادت الهزيمة تحقيق بالأولين، لو لا نصر اللّه و شجاعة داود (عليه السلام) الذي قتل جالوت قائد الفلسطينيين، و طبقا لرواية التوراة فلقد كان جالوت (جليات) يخرج إلى الميدان صباح مساء طيلة أربعين يوما دون أن يجرؤ واحد من بني إسرائيل على منازلته، حتى اضطر طالوت أن ينادي بين قومه «إن من يقتل هذا الرجل يغنيه الملك غنى جزيلا، و يعطيه بنته‏

____________

(1) سورة البقرة آية: 249.

(2) تفسير الكشاف: 1/ 294- 296، تفسير الطبري: 5/ 246- 248، تاريخ الطبري: 1/ 467- 472، تفسير القرطبي ص: 1062- 1063، تفسير المنار: 2/ 382- 389، تفسير النسفي: 1/ 125- 126، تفسير ابن كثير: 1/ 452 (بيروت 1986)، صحيح البخاري: 8/ 228، مسند الإمام أحمد: 4/ 290، تاريخ ابن الأثير: 1/ 123.

29

و يجعل بيت أبيه حرا في إسرائيل» و من ثم فقد خرج له داود بن يسى، و هو ما يزال بعد غلاما، و يتغلب على جالوت «فتمكن داود من الفلسطينيين بالمقلاع و الحجر، و ضرب الفلسطيني و قتله و لم يكن سيف بيد داود» (1)، و يشير القرآن الكريم إلى هذا الحادث في قوله تعالى: وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَ جُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ، وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ‏ (2).

و هكذا استطاع داود (عليه السلام) بمقلاعه، و هو ما يزال بعد غلاما، أن يقتل بطل الفلسطينيين جالوت‏ (3)، و أن يكون سببا في انتصار قومه على الفلسطينيين،

____________

(1) صموئيل أول: 17/ 1- 54، محمد بيومي مهران إسرائيل: 2/ 680- 687، ثم قارن: 2/ 635- 640.

(2) سورة البقرة آية: 250- 251، و انظر تفسير الطبري: 5/ 354- 376، تفسير الطبرسي: 2/ 289- 292، تفسير الكشاف: 1/ 296- 297، تفسير روح المعاني: 2/ 172- 174، الجواهر في تفسير القرآن الكريم: 1/ 229- 230، محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف: 2/ 382- 383، تفسير المنار: 2/ 389- 394، تفسير القرطبي ص: 1064- 1069، الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 1/ 318- 319، تفسير النسفي: 1/ 125- 126، تفسير ابن كثير: 1/ 452- 454، هذا و روى في تفسير قوله تعالى‏ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ‏ أخرج ابن جرير عن ابن عمر قال، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء» و أخرج ابن مردوية عن عبادة بن الصامت مرفوعا قال، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «الأبدال في أمتي ثلاثون، بهم ترزقون، و بهم تمطرون، و بهم تنصرون»، قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم (تفسير ابن كثير:

1/ 453- 454).

(3) يروي تاريخ النبوة الشريف حادثا يشبه ذلك، فبينما كان المسلمون محاصرين في غزوة الأحزاب (5 ه- 1627 م) و قد و جاءتهم جنود من فوقهم و من أسفلهم، حتى زاغت الأبصار، و بلغت القلوب الخناجر، و ظن الناس باللّه الظنون، و زلزل المؤمنون زلزالا شديدا، و بدأ فريق من المنافقين يستأذنون النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في العودة إلى بيوتهم لأنها عورة، و ما هي بعورة،

30

____________

و لكنهم يريدون الفرار من المعركة، في هذا الجو الملي‏ء بالخوف و الفزع، اقتحم عمرو بن ود، و كان أشجع قريش، و يحسب نفسه كفؤا لألف رجل، اقتحم الخندق بجواده مع مجموعة من فرسان قريش، فركز رمحه في للأرض، و أخذ يصول و يجول، و يطلب المبارزة، فما برز له أحد، فقد كان مقاتلا غادرا فاتكا و بطلا مغوار، لم يبارز أحد إلا صرعه، و هكذا أخذ ينادي من يبارز، فلا يتقدم أحد غير الإمام علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)، قائلا: أنا لها يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): اجلس إنه عمرو، ثم نادى عمرو: أ لا رجل يبرز، ثم جعل يؤنبهم فيقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها، أ فلا تبرزون إليّ رجلا، فقام علي فقال: أنا يا رسول اللّه، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): إنه عمر، ثم نادى الثالثة فقام على (كرم اللّه وجهه) في الجنة، فقال يا رسول اللّه أنا، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): إنه عمرو، فقال علي: و إن كان عمرا، فأذن له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال له: أدن مني فعمّمه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده الشريفة، و قال: اللهم احفظه من بين يديه و من خلفه، و عن يمينه و عن شماله، ثم رفع (صلى اللّه عليه و سلم) يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه و قال: «اللهم إنك أخذت مني حمزة يوم أحد، و عبيدة يوم بدر، فاحفظ اليوم عليا، رب لا تذرني فردا و أنت خير الوارثين»، و برز الإمام علي لعمر، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «الآن برز الإيمان كله للشرك كله»، فقال عمرو لعلي: من أنت، قال علي بن أبي طالب، فقال عمرو، و قد أعرض عن الإمام علي استخفافا به، إن أباك كان صديقي و نديمي، و إني و اللّه ما أحب أن أقتلك، فقال الإمام: لكني و اللّه ما أكره أن أقتلك، ثم قال يا عمرو: قد كنت تعاهد اللّه لقريش، ألا يدعوك رجل إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها، قال أجل، قال: فإني أدعوك إلى اللّه عز و جل و إلى رسوله و الإسلام فتشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، فقال عمرو: لا حاجة لي في ذلك، هات الثانية، قال الإمام: فترجع إلى بلادك، فإن يك محمدا صادقا كنت أسعد الناس به، و إن يك كاذبا كان الذي تريد، قال عمرو: إذن تتحدث عني نساء قريش أنني جبنت و خنت قوما رأسوني عليهم، هات الثالثة، قال الإمام: الحرب، قال عمرو: هذه خصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يروّعني بها، فقال الإمام: كيف أقاتلك و أنت فارس، و أنا راجل، فاقتحم عن فرسه و عقره و سل سيفه كأنه شعلة نار، ثم اندفع نحو الإمام علي مغضبا، و استقبله عليّ برقبته فضربه في الدرقة فشقها و أثبت فيها السيف، و ضربه الإمام علي (كرم اللّه وجهه) في الجنة، على حبل العاتق فسقط عمرو، و ثار العجاج و بانت سوأة عمرو، و سمع سيدنا و مولانا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) التكبير، فعرف أن عليا قتل عمرا، و أقبل الإمام علي رضي اللّه عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و وجهه يتهلل، فعانقه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و دعا له، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لعلي: هلا سلبته درعه، فإن ليس في العرب درع خير منها، فقال الإمام علي: إني حين ضربته استقبلني بسوأته و استحيت ابن عمي أن استلبه، على أن رواية أخرى تذهب إلى أن الإمام علي ضرب عمرا على ساقيه فقطعهما جميعا، فسقط على الأرض فأخذ علي بلحيته فذبحه و أخذ رأسه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)-

31

و من ثم فقد أخذ يملأ أعين الناس و آذانهم و قلوبهم، ثم يصبح ذا مكانة عالية بين قومه الإسرائيليين، مما أثار عليه حقد طالوت و أخذ يسعى إلى قتله، بينما هو في مسيس الحاجة إليه و إلى أمثاله من الرجال الشجعان، و لم تشفع له صداقته لولده ناثان و إصهاره للملك، و على أي حال، فما أن يمضي حين من الدهر، حتى يقتل طالوت و أولاده الثلاثة في معركة جبل جلبوع (حوالي عام 1000 ق. م) (1) و يصبح داود (عليه السلام) ملكا على بني إسرائيل.

و أما متى كانت سنوات حكم داود، فذلك موضع خلاف بين المؤرخين، فهناك من يرى أنها كانت في الفترة (1010- 955 ق. م) و من يرى أنها في الفترة (1004- 962 ق. م) و من يرى أنها في الفترة (985- 963 ق. م) و من يرى أنها في الفترة (1012- 972 ق. م) و من يرى أنها في الفترة (1000- 960 ق. م) و هذا ما نميل إليه و نأخذ به‏ (2).

____________

- فألقاها بين يديه، فقام أبو بكر و عمر فقبلا رأس علي، و روى أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال في قتل علي لعمرو: لضربة علي يوم الخندق أفضل من عمل الثقلين، و روى أن حذيفة بن اليمان قال:

لو قسمت فضيلة علي بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين أجمعهم لو سعتهم، و قال ابن عباس في قوله تعالى: وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ‏، و قال: بعلي بن أبي طالب (سورة الأحزاب آية: 9- 27، تفسير القرطبي ص: 5210- 5244، ابن كثير: السيرة النبوية 2/ 202- 207، ابن هشام: سيرة النبي ص: 224- 226، تاريخ الطبري: 2/ 573- 574، الواقدي: المغازي: 2/ 470- 472، البلاذري: أنساب الأشراف: 1/ 345، ابن سعد:

الطبقات الكبرى: 2/ 49، السهيلي الروض الأنف: 6/ 316- 320، عماد الدين خليل:

دراسة في السيرة ص: 212- 213، السيرة النبوية للندوي ص: 287- 288).

(1) صموئيل أول: 28/ 3- 25، 31/ 7- 12، جيمس فريزر المرجع السابق ص: 43- 51، محمد بيومي مهران إسرائيل: 2/ 687- 689، و كذاM .Noth ,Op .-cit ,P . 178- 177. و كذاH .R .Hall ,P -cit ,P . 359.

(2) فيليب حتى: المرجع السابق ص 303.

W. F. Albright, The Biblical

و كذاHistorical Atlas of The Holy Land ,N .Y , 81.p ، 1959 و كذاG .Raux ,Ancient Iraq , 454.p ، 1966 و كذاPeriod From Abrahamo Ezra ,N .Y . 122- 120.p ، 1963I .Epstin ,Judaism , 35.p ، 1970 و كذا

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الفصل الثّاني داود الرّسول النّبيّ‏

لمع اسم داود (عليه السلام)، كما رأينا من قبل، و سطع نجمه، و تعلق الشعب به و التفوا حوله، و تنادوا بزعامته، و أصبح مل‏ء أسماع الناس و أبصارهم، و هم عن طالوت منصرفون، و ما أن يمضي حين من الدهر حتى يقتل طالوت و ولداه و يصبح داود ملكا على بني إسرائيل‏ (1)، ثم تمضي فترة لا ندري مداها على وجه اليقين، يختار اللّه تعالى بعدها عبده داود رسولا نبيا (2)،

____________

(1) تروي التوراة أن داود كان ابن ثلاثين سنة حين ملك، و ملك أربعين سنة، في حبرون ملك على يهوذا سبع سنين و ستة أشهر، و في أورشليم ثلاثا و ثلاثين سنة على جميع إسرائيل و يهوذا (صموئيل ثان: 5/ 4- 5).

(2) هناك فروق بين النبوة و الملك، منها أن النبوة لا تكون بالإرث، فولد النبي لا يكون نبيا بطريق الإرث عن أبيه، بل هي بمحض الفضل الإلهي و الاصطفاء الرباني، و منها أن النبوة لا تعطي لكافر أبدا، و إنما تعطي لمؤمن فحسب، بخلاف الملك فقد يعطي لغير المؤمن، و منها أن النبوة خاصة بالرجال، و لا تكون للنساء، لقوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ‏ و إن كان ابن خزم يرى أن هذه الآية الكريمة خاصة بالرسل دون الأنبياء، و من ثم فلم يدع أحد أن اللّه تعالى قد أرسل امرأة، و أما النبوة و هي لفظة مأخوذة من الإنباء و هو الإعلام، فمن أعلمه اللّه عز و جل بما يكون قبل أن يكون، أو أوحى إليه منبئا بأمر ما فهو نبي بلا شك، فأمرها مختلف، و قد جاء في القرآن الكريم بأن اللّه تعالى قد أرسل ملائكة إلى نساء فأخبرهن بوحي حق من اللّه تعالى، كما حدث مع أم إسحاق و أم موسى و أم المسيح (عليهم السلام)، و منها أن النبوة مجالها الدعوة إلى الإيمان باللّه و اليوم الآخر و العمل الصالح، و الملك قد يتعارض مع هذه الدعوة لأنه مظهر من مظاهر العظمة الدنيوية التي جاءت بالتزهيد عنها الأنبياء (عليهم السلام)، و لكن قد يجمع اللّه النبوة و الملك لرجل واحد، كما حدث مع-

34

و كان قد بلغ سن الكمال أربعين سنة (1) و أنزل عليه الزبور، فيه مواعظ و أذكار، و آتاه اللّه الحكمة و فصل الخطاب، و هكذا أسس داود، و كذا ولده سليمان من بعده، مملكة التوحيد، تؤمن باللّه ربا، و بالإسلام دينا، وسط عالم مشرك، و لم يجتمع النبوة و الملك لأحد قبلهما أو بعدهما من بني إسرائيل، هذا و قد ذكرت قصتهما في القرآن الكريم مطولة أحيانا (2)، و مختصرة أحيانا أخرى، و أحيانا يذكران معا، و أحيانا يفرد أحدهما عن الآخر، ففي سورة البقرة يحكي اللّه تعالى أن داود كان في جيش طالوت، و أنه قتل جالوت، و أن اللّه آتاه من أجل ذلك الكتاب و الحكمة و علمه مما يشاء (3)، و في سورتي النساء و الأنعام يذكران معا على أنهما من الأنبياء الذين أوحى اللّه إليهم و أنهما من نسل إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏ (4).

[معجزات داود (عليه السلام)‏]

هذا و قد خص اللّه تعالى داود (عليه السلام) بكثير من المعجزات، منها (أولا) تسخير الجبال معه يسبحن بكرة و عشيا قال تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ‏ (5)، و منها (ثانيا) ترجيع الطير معه كلما قرأ

____________

- داود و سليمان (عليهما السلام) (انظر ابن حزم: الفصل في الملك و الأهواء و النحل: 5/ 87، محمد بيومي مهران: النبوة و الأنبياء عند بني إسرائيل ص: 71- 77، محمد علي الصابوني:

النبوة و الأنبياء ص: 10- 11).

(1) يكاد يجمع العلماء على أن النبوة لا تكون إلا بعد بلوغ سن الأربعين، و قد أبطل ابن قيم الجوزية ما ذهب إليه البعض من أن عيسى بعث و هو في الثلاثين من عمره، و أما قوله تعالى في حق يحيى: وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا فالمراد الفهم و الفقه في الدين كما فسره ابن عباس، و هو غير الحكمة المفسرة بالنبوة في آية البقرة: 251، و سنعود للموضوع ثانية عند الحديث عن يحيى و عيسى (زاد المعاد: 1/ 21، تفسير الكشاف: 2/ 504، عويد المطرفي: داود و سليمان في القرآن و السنة- مكة المكرمة: 1979 ص: 33).

(2) سورة الأنبياء آية: 78- 82، النمل آية: 15- 44، سبأ آية: 10- 14، ص آية: 17- 26.

(3) سورة البقرة آية: 249- 251.

(4) سورة النساء آية: 163- 164، الأنعام آية: 84.

(5) سورة ص آية: 18.

35

الزبور، قال تعالى: وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ‏ (1)، و قال تعالى:

وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فاعِلِينَ‏ (2)، و يقول المفسرون عن هذه الآية إن اللّه تعالى قد وهب داود من الصوت ما لم يهبه لأحد، حتى أنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه الزبور يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه، و يسبح بتسبيحه، و كذا الجبال تجيبه و تسبح معه كلما سبح بكرة و عشيا، و في الصحيح أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» (3).

و يقول الأستاذ سيد قطب، (طيب الله ثراه) كان داود (عليه السلام) أوابا رجاعا إلى ربه بالطاعة و العبادة و الذكر و الاستغفار، و قد آتاه اللّه من فضله مع النبوة و الملك، قلبا ذاكرا، و صوتا رخيما يرجع به تراتيله التي يمجد فيها ربه، و بلغ من قوة استغراقه في الذكرى، و من حسن حظه في الترتيل، أن تزول الحواجز بين كيانه و كيان هذا الكون، و تتصل حقيقته بحقيقة الجبال و الطير في صلتها كلها ببارئها، و تمجيدها له و عبادتها، فإذا الجبال تسبح معه، و إذا الطير مجموعة عليه، تسبح معه لو ملاها و مولاه‏ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ، وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ‏، و لقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ: الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشى و الإشراق، حينما يخلو إلى ربه يرتل تراتيله في تمجيده و ذكره، و الطير تتجمع على نغماته لتسمع له و ترجع معه أناشيده، لقد يقف الناس مدهوشين للنبإ، إذ يخالف مألوفهم، و يخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين‏

____________

(1) سورة ص آية: 19.

(2) سورة الأنبياء آية: 79.

(3) صحيح البخاري: 9/ 241، صحيح مسلم: 2/ 192.

36

جنس الإنسان و جنس الطير، و جنس الجبال، و لكن فيم الدهش؟ و فيم العجب؟ إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة وراء تميز الأجناس و الأشكال و الصفات و السمات، حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارئ الوجود كله، أحيائه و أشيائه جميعا، و حين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص و الإشراق و الصفاء، فإن تلك الحواجز تنزاح، و تنساح الحقيقة المجردة لكل منهم، فتتصل من وراء حواجز الجنس و الشكل و الصفة و السمة التي تميزهم و تعزلهم في مألوف الحياة، و قد وهب اللّه عبده داود هذه الخاصية، و سخر الجبال معه يسبحن بالعشى و الإشراق، و حشر عليه الطير ترجع مع ترانيمه تسبيحا للّه، و كانت هذه هبة فوق الملك و السلطان، مع النبوة و الاستخلاص‏ (1)، قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إذا سبح، و كان إذا قرأ لم تبق دابة إلا استمعت لقراءته، و بكت لبكائه‏ (2).

و منها (ثالثا) إلانة الحديد له، فكان بين يديه كالعجين أو كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار، و لا ضرب بمطرقة، و قيل لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة (3)، قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ، وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ، وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)، و في قوله تعالى‏ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ قال الحسن البصري و قتادة و الأعمش و غيرهم: كان اللّه تعالى قد ألان الحديد لداود حتى كان يفتله بيديه لا يحتاج إلى نار و لا مطرقة، و قال الإمام الفخر الرازي: ألان اللّه لداود الحديد حتى كان في يده كالشمع و هو في قدرة اللّه يسير، فإنه يلين بالنار حتى يصبح كالمداد الذي يكتب به، فأي عاقل يستبعد

____________

(1) في ظلال القرآن: 5/ 3017 (بيروت 1982).

(2) زاد المسير: 6/ 436.

(3) تفسير النسفي: 3/ 319.

(4) سورة سبأ: آية: 10- 11.

37

ذلك على قدرة اللّه، قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد، و إنما كانت قبل ذلك من صفائح، و في سياق الآية العاشرة من سورة سبأ، التي ابتدأها اللّه تعالى بقوله: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا، ثم ذكر في آخرها وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، ما يشعر بأن اللّه تعالى قد ألان الحديد تفضلا منه و كرما، و آية على الإعجاز من الآيات التي يمنحها اللّه لأنبيائه، و لو أن إلانة الحديد بالنار، كما يقع للناس جميعا، لما ذكرها اللّه في سياق الامتنان على داود، و لما جعلها اللّه نعمة يختصه بها، و قد يقال إنه أول من اهتدى إلى أثر النار في إلانة الحديد، و لم يكن ذلك معروفا قبل داود، فكان هذا من نعم اللّه على داود أولا، ثم أصبح من سنن الطبيعة ثانيا أو بعد ذلك، و لكننا لا نذهب كما يقول الدكتور النجار، لمثل هذا المذهب ما دام فضل اللّه على أنبيائه بالمعجزات الخارقة أمرا مقررا لهم، و واجبا في حقهم‏ (1).

و من ثم يذهب العلامة سيد قطب إلى أنه في ظل هذا السياق يبدو أن الأمر كان خارقة ليست من مألوف البشر، فلم يكن الأمر أمر تسخين الحديد حتى يلين و يصبح قابلا للطرق، إنما كان و اللّه أعلم معجزة يلين بها الحديد من غير وسيلة اللين المعهودة، و إن كان مجرد الهداية لإلانة الحديد بالتسخين يعد فضلا من اللّه يذكر، و لكننا إنما نتأثر بجو السياق و ظلاله، و هو جو معجزات، و هي ظلال خوارق خارقة على المألوف، ثم يقول تعالى:

أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ و السابغات الدروع، روى أنها كانت تعمل قبل داود (عليه السلام) صفائح، الدرع صفيحة واحدة فكانت تصلب الجسم و تثقله، فألهم اللّه داود أن يصنعها رقائق متداخلة متموجة لينة يسهل تشكيلها و تحريكها بحركة الجسم، و أمر بتضيق تداخل هذه الرقائق لتكون‏

____________

(1) تفسير ابن كثير: 3/ 838- 839، تفسير الفخر الرازي: 25/ 245، تفسير النسفي: 3/ 319- 320، تفسير القرطبي: 14/ 266، محمد الطيب النجار تاريخ الأنبياء في ضوء القرآن الكريم و السنة النبوية- الرياض 1983 ص: 234- 235.

38

محكمة لا تنفذ فيها الرماح، و هو التقدير في السرد، و كان الأمر كله إلهاما و تعليما من اللّه‏ (1).

هذا و قد روى الحافظ ابن عساكر عن وهب بن منبه أن داود (عليه السلام) كان يخرج متنكرا، فيسأل الركبان عنه و عن سيرته، فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا في عبادته و سيرته و عدله، قال وهب: حتى بعث اللّه ملكا في صورة رجل فلقيه داود (عليه السلام)، فسأل كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه و لأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه لكان كاملا، قال:

ما هي، قال: يأكل و يطعم عياله من مال المسلمين، يعني بيت المال، فعند ذلك نصب داود إلى ربه عز و جل في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به و يغني به عياله، فألان اللّه عز و جل له الحديد، و علمه صنعة الدروع، فعمل الدروع و هو أول من عملها، فقال اللّه تعالى: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ، يعني مسامير الحلق، قال: و كان يعمل الدرع فإذا ارتفع من عمله درع باعها، فتصدق بثلثها، و اشترى بثلثها ما يكفيه و عياله، و أمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها (2).

هذا و قد كشفت حفريات «سير فلندرز بتري» عن مناجم للحديد في جمة و عصيون جابر (3)، على مقربة من خليج العقبة، ترجع إلى أيام داود و سليمان (عليهما السلام)، و يبدو أن داود قد استولى عليها من الآدوميين بعد هزيمته إياهم.

____________

(1) في ظلال القرآن: 5/ 2897- 2898.

(2) تفسير ابن كثير: 3/ 839.

(3) وليم أولبرايت: آثار فلسطين- ترجمة زكي اسكندر و محمد عبد القادر، القاهرة 1971 م ص: 128، و كذاW .Keller ,The Bible as History , 199- 198.p ، 1967.

39

و منها رابعا قوّى اللّه تعالى ملكه و جعله منصورا على أعدائه، مهابا في قومه، قال تعالى: وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ‏، و يذهب بعض المفسرين في معنى الآية الكريمة أن اللّه قواه و جعله منصورا على جميع أعدائه و مناوئيه، فكان لا يقوم له معارض إلا غلبه، قال مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانا، و قال السّدي: كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف، و قال بعض السلف بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة و ثلاثون ألفا، و قال غيره أربعون ألفا، و قد ذكر ابن جرير و ابن أبي حاتم رواية عن ابن عباس أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه الصلاة و السلام أنه اغتصبه بقرا، فأنكر الآخر و لم يكن للمدعي بيّنة فأرجأ أمرهما، فلما كان الليل أمر داود (عليه السلام) في المنام بقتل المدعي، فلما كان النهار طلبهما و أمر بقتل المدعي، فقال يا نبيّ اللّه علام تقتلني و قد اغتصب هذا بقري، فقال له إن اللّه تعالى أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة، فقال و اللّه يا نبي اللّه إن اللّه لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه، و إني لصادق فيما ادعيت، و لكني كنت قد اغتلت أباه و قتلته و لم يشعر بذلك أحد، فأمر به داود (عليه السلام) فقتل، قال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل، و هو الذي يقول اللّه عز و جل: وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ‏ (1)، و على أي حال فإن التاريخ يحدثنا أن اللّه تعالى كتب له النصر المبين على الفلسطينيين أقوى أعدائه و أكثرهم أهمية، و أشدهم خطرا كما كتب له نجحا بعيد المدى في طردهم من مناطق بني إسرائيل، بل إنه وصل إلى مدنهم ذاتها، كما كتب له نصرا مؤزرا على ممالك مؤاب و عمون و أدوم، فضلا عن الآراميين‏ (2)، كما سنفصل ذلك في الفصل التالي.

____________

(1) تفسير ابن كثير: 4/ 46- 47 (دار الكتب العلمية- بيروت 1986)، تفسير النسفي: 4/ 36 (ط دار الفكر).

(2) انظر التفصيلات عن دولة داود (عليه السلام) (محمد بيومي مهران إسرائيل: 2/ 693- 734).

40

و منها خامسا أن اللّه تعالى آتاه الحكمة و فصل الخطاب، و الحكمة، فيما يرى كثير من المفسرين النبوة (1) أو هي في رأي آخر، الزبور و علم الشرائع أو هي كل كلام وافق الحق فهو حكمة (2)، و أما فصل الخطاب فهو الحكم في القضايا التي تقع بين الناس في عهده، و قد بيّنه اللّه تعالى في قوله جل ثناؤه: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ‏ (3)، و قال مجاهد و السّدي: هي إصابة القضاء و فهم ذلك، و قال مجاهد أيضا: هي الفصل في الكلام و في الحكم و هذا يشتمل كل ذلك، و هو المراد، و قد اختاره ابن جرير، و قيل فصل الخطاب قطعه و الجزم فيه برأي لا تردد فيه، و ذلك مع الحكمة و مع القوة غاية في الكلام و السلطان في عالم الإنسان، و عن أبي موسى أول من قال: «أما بعد» داود (عليه السلام) و هو فصل الخطاب، و كذا قال الشعبي: فصل الخطاب «أما بعد»، فإن من تكلم في الأمر الذي له شأن، يفتتح بذكر اللّه و تمجيده فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق له فصل بينه و بين ذكر اللّه بقوله (أما بعد) (4).

[قصة الخصمين‏]

و لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الآيات الكريمة من سورة «ص» (21- 25) و التي ثار جدل حول تفسيرها، يقول تعالى: وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلى‏ داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَ لا تُشْطِطْ وَ اهْدِنا إِلى‏ سَواءِ الصِّراطِ، إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها

____________

(1) انظر تفسير ابن كثير: 4/ 47، تفسير روح المعاني: 2/ 173، تفسير أبي السعود: 1/ 186، فتح القدير للشوكاني: 1/ 266، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 300، الراغب الأصفهاني المفردات في غريب القرآن ص: 128.

(2) تفسير النسفي: 4/ 36- 37.

(3) سورة ص آية: 26.

(4) تفسير ابن كثير: 4/ 47، تفسير النسفي: 4/ 37، في ظلال القرآن: 5/ 3017، عويد المطرفي المرجع السابق ص: 50.

41

وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ نِعاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ، وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ، فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى‏ وَ حُسْنَ مَآبٍ‏ (1).

و تفسير الآيات الكريمة أن رجلين يمتلك أحدهما تسعا و تسعين نعجة، و يمتلك الآخر نعجة واحدة، و قد نازعه فيها صاحب التسع و التسعين، و قد دخل الخصمان على داود من غير المدخل المعتاد، فقد دخلا عليه من فوق الجدران، و هي طريقة توحي في أعراف الناس بشر يقع من هذا التسوّر، فما يتسوّر المحراب هكذا مؤمن و لا أمين، كما أن دخولهما كان في غير وقت جلوسه للحكم، و إنما في وقت خلوته إلى نفسه، و اعتزال مجتمعه و أمته في هذا اليوم، إرضاء لرغبة نفسه في حبه لعبادة ربه، فقد كان داود يخصص بعض وقته للتصرف في شئون الملك، و للقضاء بين الناس، و يخصص البعض الآخر للخلوة و العبادة و ترتيل أناشيده تسبيحا للّه في المحراب، و كان إذا دخل المحراب للعبادة و الخلوة لم يدخل إليه أحد حتى يخرج هو إلى الناس، روى عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن الحسن البصري قال: إن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء، يوما لنسائه، و يوما للعبادة، و يوما للقضاء بين بني إسرائيل، و يوما لبني إسرائيل، و روى نحوه عن السّدي فيما أخرجه الحكم في المستدرك و الطبري في التفسير (2).

و من ثم فقد فزع داود من الخصمين ظنا منه أنهما يريدان به شرا، فلما

____________

(1) سورة ص آية: 21- 25.

(2) انظر تفسير الطبري: 23/ 147- 148، تفسير الدر المنثور: 5/ 301، تفسير الظلال: 5/ 3018، المستدرك للحاكم: 2/ 586، تاريخ الطبري: 1/ 482، عويد المطرفي المرجع السابق ص: 52- 53.

42

ظهر أنهما جاءا من خصومة ليحكم بينهما فيها، استغفر ربه من هذا الظن و خر ساجدا منيبا إلى اللّه تعالى، فغفر اللّه له ذلك الظن، لأنه ما كان ينبغي من مثله و كما هو معلوم حسنات الأبرار سيئات المقربين، و ربما كان استغفاره لأن انقطاعه للعبادة يوما كاملا عن أمته، و اختلاءه بنفسه ذلك اليوم كله، يؤدي حتما تركه النظر في ذلك اليوم في أمر رعيته و أمته التي استودعه للّه عز و جل رعاية مصالحها، فجاءه مثال من حاجتها إليه في كل وقت ليقوم بإصلاح ذات بينها، و إقرار التراحم و التآخي بين أفرادها حتى يكونوا على هدى من ربهم، كما يدل على ذلك قول الخصمين له «و اهدنا إلى سواء الصراط» ثم بيّن اللّه تعالى لداود (عليه السلام) مهمته في هذه الحياة الدنيا، باعتباره ملكا على بني إسرائيل، و نبيّا مرسلا، إذ الملك يقتضي خلافته للّه تعالى في الأرض بالنظر في مصالح رعيته و الحكم بينهم بالعدل، و فصل قضاياهم بما يرفع الظلم و البغي عن ضعفائهم، إذا حاوله كبراؤهم و أقوياؤهم‏ (1)، و ذلك لا يتم على الوجه المطلوب إلا إذا وضع نفسه قريبا منهم في كل آن، قال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ‏ (2)، فأخبره أنه جعله خليفة في الأرض و أمره بالحكم بين الناس و الفصل في قضاياهم بالحق، و النبوة تعود الملك و تحرسه عن أن تندبه مطالب الدنيا عن سبيل الحق و العدل، و تسلك به مسالك الطهر و التزام الهدى‏ (3).

على أن رواية أخرى تذهب إلى أن الخطأ الذي وقع من داود أنه سمع‏

____________

(1) جاء في بعض الآثار «السلطان ظل اللّه في أرضه»، و قال الخليفة عثمان بن عفان: «إن اللّه ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» البداية و النهاية: 2/ 10.

(2) سورة ص آية: 26.

(3) عويد المطرفي المرجع السابق ص: 53- 54.

43

أحد الخصمين و هو صاحب النعجة الواحدة، و لم يسمع حجة الخصم الآخر و هو صاحب التسع و التسعين نعجة، و تسرع من أجل ذلك في الحكم دون أن يمعن النظر و يرى حجة الخصم الآخر، و من أجل ذلك استغفر ربه من هذا الخطأ الذي وقع فيه نتيجة السهو، و هو خطأ لا يتنافى مع العصمة (1)، و لعل عذر داود (عليه السلام)، أن القضية كما عرضها أحد الخصمين تحمل ظلما صارخا مثيرا لا يحتمل التأويل، و من ثم اندفع داود يقضي على أثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة، و لم يوجه إلى الخصم الآخر حديثا، و لم يطلب إليه بيانا، و لم يسمع له حجة، و لكنه مضى يحكم «قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه و إن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم»، و يبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان فقد كانا ملكين جاء للامتحان امتحان النبي الملك الذي ولاه اللّه أمر الناس ليقضي بينهم بالحق و العدل، و ليتبين الحق قبل إصدار الحكم، و قد اختارا أن يعرضا عليه القضية في صورة صارخة مثيرة، و لكن القاضي عليه ألا يستثار، و عليه ألا يتعجل، و عليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله و حجته، فقد يتغير وجه المسألة كله أو بعضه، و ينكشف أن ذلك الظاهر كان خادعا أو كاذبا أو ناقضا، و عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء، «و ظن داود إنما فتناه»، و هنا أدركته طبيعته إنه أواب «فاستغفر ربه و خر راكعا و أناب» (2).

على أن بعض كتب التفسير قد خاضت مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضا كبيرا تتنزه عنه طبيعة النبوة، و لا يتفق إطلاقا مع حقيقتها، حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطا، و هي لا

____________

(1) محمد الطيب النجار المرجع السابق ص: 39.

(2) في ظلال القرآن: 5/ 3018.

44

تصلح للنظر من الأساس، و لا تتفق مع قول اللّه تعالى: وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى‏ وَ حُسْنَ مَآبٍ‏، كما أن التعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة، و يحدد التوجيه المقصود بها من اللّه لعبده الذي ولاه القضاء و الحكم بين الناس‏ يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ‏، فهي الخلافة في الأرض، و الحكم بين الناس و عدم اتباع الهوى، و اتباع الهوى، فيما يختص بنبي، هو السير مع الانفعال الأول، و عدم التريث و التثبت و التبيّن مما ينتهي إلى الاستطراد فيه إلى الضلال، أما عقب الآية المصور لعاقبة الضلال فهو حكم عام مطلق على نتائج الضلال عن سبيل اللّه، و هو نسيان اللّه و التعرض للعذاب الشديد يوم الحساب‏ (1).

على أن بعض المفسرين و المؤرخين قد أسرفوا على أنفسهم، فذهبوا إلى أن هذين الخصمين اللذين تسوّرا المحراب على داود (عليه السلام)، إنما هما ملكان أرسلهما اللّه تعالى إليه لينتبه إلى خطئه من محاولة ضم امرأة «أوريا» إليه، و عنده تسع و تسعون امرأة، و من ثم فهم يرون أن أهل زمان داود (عليه السلام) كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته فتزوجها إذا أعجبته، و كان لهم عادة في المواساة بذلك، و كان الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك، فاتفق أن داود (عليه السلام) وقعت عينه على امرأة أوريا فأحبها فسأله النزول له عنها، فاستحى أن يرده ففعل فتزوجها، و هي أم سليمان، فقيل له إنك، مع عظم منزلتك و كثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة النزول عنها لك، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك و قهر نفسك و الصبر على ما امتحنت به، على أن رواية

____________

(1) في ظلال القرآن 5/ 3018.

45

أخرى تذهب إلى أوريا خطب تلك المرأة، ثم خطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن، مع كثرة نسائه‏ (1)، على أن هناك رواية ثالثة تذهب إلى أن خطئه داود كانت أنه لما بلغه حسن امرأة أوريا، فتمنى أن تكون له حلالا، فاتفق أن أوريا سار إلى الجهاد فقتل، فلم يجد له من الهم ما وجده لغيره‏ (2).

على أن هناك رواية رابعة اندفعت في هذه الحماقة، جريا وراء إسرائيليات باطلة، و قد نسي أصحابها ما في هذا الصنيع من إلصاق تهمة شنيعة برسول كريم، و نبي جليل، تقول هذه الرواية أنه بينما كان داود (عليه السلام) في خلوة عباده، جاءه الشيطان و قد تمثل في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه و هو يصلي، فمدّ يده ليأخذه فتنحى فتبعه، فتباعد حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه فطار من الكوة، فنظر أين يقع فيبعث في أثره، فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة (و في رواية أخرى، فما زال يتبع الحمامة حتى أشرف على امرأة تغتسل، فأعجبه خلقها و حسنها، فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك أيضا إعجابا بها، فسأل عنها فأخبر أن لها زوجا غائبا بمسلحة كذا و كذا، فبعث إلى صاحب المسلحة أن يبعث أوريا (أهريا) إلى عدو كذا و كذا، فبعثه ففتح له، ثم بعثه إلى أخرى حتى قتل في الثالثة، و تزوج داود امرأته‏ (3)، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث اللّه ملكين في‏

____________

(1) تفسير النسفي 4/ 37- 38، تفسير البيضاوي 5/ 17- 19.

(2) الكامل لابن الأثير 1/ 126.

(3) قال مقاتل بلغنا أنها أم سليمان (تاريخ الطبري 1/ 482) و قال ابن كثير: و كانت لداود مائة امرأة، منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة (البداية و النهاية 2/ 15).

46

صورة إنسيّين، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسوّرا عليه المحراب، ففزع منهما فقالا: لا تخف خصمان بغي بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط و اهدنا إلى سواء الصراط، قال قصا على قصتكما، فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فهو يريد أن يأخذها ليكمل بها نعاجه مائة، فقال للآخر ما تقول، فقال إن لي تسعا و تسعين نعجة، و لأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة، قال: و هو كاره، قال و هو كاره، قال: إذا لا ندعك و ذاك، قال: ما أنت على ذلك بقادر، قال: إن ذهبت تروم ذلك ضربنا مئات هذا و هذا (الأنف و الجبهة) فقال يا داود، أنت حق أن يضرب منك هذا و هذا حيث لك تسع و تسعون امرأة، و لم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتل، و تزوجت امرأته، قال فنظر فلم ير شيئا، فعرف ما وقع فيه، و ما ابتلى به، فخر ساجدا فبكى، فمكث يبكى ساجدا أربعين يوما، لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها، حتى أوحى اللّه إليه بعد أربعين يوما، يا داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك ...» (1).

و قريب من هذا ما رواه السيوطي في الدر المنثور، و خلاصته أن داود (عليه السلام) أمر في يوم عبادته ألا يدخل عليه أحد، و بينما هو يقرأ في الزبور، إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون الطير من كل لون، و لما حاول داود (عليه السلام) الإمساك به طار منه على كوة المحراب، و لما أراد مرة ثانية الإمساك به طار خارج الحجرة، فنظر داود ليراه أي ذهب فإذا به يرى امرأة تستحم عارية، فلما رأت ظله حركت رأسها فغطت كل جسدها، فأرسل إليها و عند ما جاءت علم منها أنها امرأة رجل محارب يدعى أوريا، فأرسل إلى قائد الجيش أن يجعل أوريا من حملة التابوت، الذين كانوا في مقدمة

____________

(1) في تاريخ الطبري 1/ 479- 481، و انظر روايات أخرى في: تاريخ الطبري 1/ 481- 484، الكامل لابن الأثير 1/ 125- 126، تاريخ اليعقوبي 1/ 52- 53.

47

الجيش، و كان من يوضع أمامه لا يرجع حتى يقتل، و لما قتل زوجها و انقضت عدتها خطبها داود لنفسه، و لكنها اشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة من بعده، و كتبت بذلك كتابا أشهدت عليه خمسة من بني إسرائيل، و قد أنجبت له سليمان، فإنما شبّ تسوّر عليه الملكان المحراب، فكان شأنهما ما قص اللّه في كتابه، و خر داود ساجدا، فغفر اللّه له و تاب عليه‏ (1).

و هكذا تابع بعض المؤرخين و المفسرين رواية توراة اليهود المتداولة اليوم، إلى حد ما، حين صورت النبي الأواب الذي آتاه اللّه الحكمة و فصل الخطاب، و هو يتمشى فوق سطح قصره، فيرى امرأة رائعة الجمال، و هي تستحم عارية، فيسأل عنها بعضا من بطانته، و يعرف أنها «بتشبع» امرأة أوريا الحثي، فيرسل إليها من يأتيه بها، ثم ينال منها وطره، و هي مطهرة من طمثها، و سرعان ما تحبل المرأة من فورها، و حين تتأكد من حملها تخبر داود بالأمر، فيرسل إلى زوجها يستدعيه من ميدان القتال، حتى إذا ما ظهر الحمل بعد ذلك على المرأة ظن الناس أنه من زوجها، غير أن أوريا يأبى أن يدخل على امراته، و يصر على العودة إلى ميدان القتال، و من ثم يأمر داود بأن يوضع أوريا في وجه العدو، و أن له مثلا برجل يملك نعجة واحدة، و آخر يملك غنما و بقرا كثيرا، ثم جاء للغني ضيف فأخذ نعجة الرجل الفقير، و هيأ منها طعاما لضيفه، فحكم داود بأن يقتل الرجل الفاعل ذلك، و يرد النعجة أربعة أضعاف فقال ناثان لداود: أنت هو الرجل‏ (2).

و هكذا تنتهي رواية العهد القديم الكذوب عند هذا الحد المحزن، فهل كان النبي الأواب كذلك؟ و هل هذا الاتهام يتجسم مع ما هو معروف عن‏

____________

(1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 5/ 300- 306.

(2) صموئيل الثاني 11/ 1- 27، 12/ 1- 25، و انظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 203- 205.

48

داود (عليه السلام)، من خلق كريم منذ حداثة سنه؟ و هل من البر أن يخون الإنسان، أي إنسان، رجالا في أعراضهم في وقت تدق فيه الحرب طبولها، إنه التناقض إذن، و هو لحن يميز اليهود عن سائر البشر، و لا بأس على الذين يقتلون الأنبياء بغير حق‏ (1)، أن يدمروا سمعه من لم يقتلوهم أيضا بغير حق، و كم من حوادث رهيبة تسجلها التوراة من هذا النوع دون تعقيب عليها، مع أن أحداثها تدور في بيوت الأنبياء (2).

و من عجب أننا نقرأ في سفر صموئيل الثاني، نفس السفر الذي روي القصة الكذوب، نقرأ على لسان داود (عليه السلام) «يكافئني الرب حسب بري، حسب طهارة يدي، يرد علي، لأنني حفظت طرق الرب، و لم أعصي إلهي، لأن جميع أحكامه أمامي و فرائضه لا أحيد عنها، و أكون كاملا لديه، و أتحفظ من إثمي، فيرد الرب على كبرى، و كطهارتي أمام عينيه» (3)، هذا فضلا عن نصوص أخرى من التوراة نفسها تصف داود (عليه السلام)، و كأنه يعمل المستقيم في عيني الرب، و أنه الأسوة الحسنة لغيره‏ (4)، و أنه كان «يجري قضاء و عدلا لكل شعبة» (5)، و أن الرب كان معه حيث توجه‏ (6)، لأنه‏

____________

(1) انظر: سورة البقرة: آية 61، 87، 91، آل عمران: آية 112، المائدة: آية 70، و انظر:

تفسير الطبري 2/ 139- 142، 323- 324، 350- 354، 7/ 116- 118، 10/ 447، تفسير ابن كثير 1/ 145- 147، 175- 179، 2/ 77- 86، 3/ 148، تفسير المنار 1/ 273- 276، 311، 317- 318.

(2) تكوين 12/ 14- 20، 19/ 30- 38، 20/ 1- 18، 26/ 1- 11، 34/ 1- 30، 35/ 22، 38/ 306، صموئيل ثان 13/ 1- 39، 15/ 1- 16/ 23، و انظر: محمد بيومي مهران:

إسرائيل- الكتاب الثالث- التوراة و الأنبياء ص 162- 218.

(3) صموئيل ثان 22/ 21- 25.

(4) ملوك أول 11/ 38، 15/ 3، ملوك ثان 18/ 3، هوشع 3/ 5.

(5) صموئيل ثان 8/ 15.

(6) ملوك أول 3/ 3- 6.

49

كان يسير أمام الرب بأمانة و بر و استقامة، و أنه كان يحفظ فرائضه و وصاياه و يسلك طريقه‏ (1)، و أنه كان الناقل لشريعة الرب لشعبه إسرائيل‏ (2)، هذا إلى أن التوراة إنما تشير بوضوح إلى أن الرب إنما قد اصطفى من شعبه إسرائيل سبط يهودا، و من سبط يهودا بيت داود، ثم اصطفى من بيت داود، داود نفسه، و من أولاد داود ولده سليمان‏ (3)، هذا إلى أن داود (عليه السلام) إنما هو صاحب المزامير المشهورة في التوراة، و أخيرا فهو، في مقام النبوة عند بني إسرائيل، إنما يأتي مباشرة بعد إبراهيم و موسى (عليهما السلام)(4).

و أما في القرآن الكريم، فقد وصف داود (عليه السلام) بأنه‏ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ‏ (5)، وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ (6)، وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (7)، وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى‏ كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ‏ (8) وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (9)، وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ‏ (10)، و في هذه‏

____________

(1) ملوك أول 3/ 14.

(2) إشعياء 55/ 3- 6.

(3) أخبار أيام أول 28/ 4- 5.

(4) محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 203- 210.

(5) سورة ص: آية 30.

(6) سورة البقرة: آية 251. و انظر: تفسير الطبري 5/ 371- 372، تفسير المنار 2/ 392- 393، تفسير روح المعاني 2/ 173- 174، الدر المنثور 1/ 319، تفسير الطبرسي 2/ 291- 292، الجواهر في تفسير القرآن الكريم 1/ 230، تفسير ابن كثير 1/ 447، تفسير الكشاف 1/ 296.

(7) سورة النساء: آية 163.

(8) سورة النمل: آية 15.

(9) سورة سبأ: آية 10- 11.

(10) سورة ص: آية 17.

50

الآية يذكر اللّه تعالى عن عبده و رسوله داود عليه الصلاة و السلام أنه كان ذا أيد، و الأيد: القوة في العلم و العمل، قال ابن عباس: الأيد القوة، و قال مجاهد: الأيد القوة في الطاعة، و قال قتادة: أعطى داود (عليه السلام) قوة في العبادة وفقها في الإسلام، و قد ذكر لنا أنه (عليه السلام) كان يقوم ثلث الليل، و يصوم نصف الدهر، و هذا ثابت في الصحيحين عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال:

«أحب الصلاة إلى اللّه تعالى صلاة داود، و أحب الصيام إلى اللّه عز و جل صيام داود، كان ينام نصف الليل و يقوم ثلثه و ينام سدسه، و كان يصوم يوما و يفطر يوما، و لا يفر إذا لاقى»، و إنه كان أوابا، و هو الرجاع إلى اللّه عز و جل في جميع أموره و شئونه‏ (1).

و انطلاقا من كل هذا، فالقصة التوراتية و ما سار على نهجها من قصص، عن علاقة داود (عليه السلام)، بزوجة «أوريا» الحشي، لا يتصور صدق وقائعها من رجل عادي ذي خلق، و فضلا عن نبي كريم و رسول جليل، و من هنا فقد أخطأ بعض المفسرين خطأ كبيرا، إذ فسروا ما جاء في سورة ص عن الخصمين اللذين اختصما إليه على نحو قريب مما جاء في التوراة (2)، مع أن العبارة التي ذكرت بها القصة في القرآن لا تدل على شي‏ء من ذلك، و من هنا فقد ختمت هذه الآيات الكريمة بقوله تعالى: وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى‏ وَ حُسْنَ مَآبٍ‏، و بدهي أنه لا يمكن أن تكون الزلفى و حسن المآب للزناة القتلة، و من هنا رأينا السّدى يروي عن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، (كرم اللّه وجهه) في الجنة، أنه قال: «لو سمعت رجلا يذكر أن داود (عليه السلام) قارف من تلك المرأة محرما لجلدته ستين و مائة»، لأن حد قاذف الناس ثمانون، و حد قاذف الأنبياء ستون و مائة، و في رواية النسفي‏

____________

(1) تفسير ابن كثير 4/ 45- 46، تفسير النسفي 4/ 36.

(2) انظر: تفسير مقاتل 3/ 1266- 1268.

51

قال الإمام علي «من حدثكم بحديث داود (عليه السلام) على ما يرويه القصاص جلدته مائة و ستين»، و هو حد الفرية على الأنبياء، بل إن ابن العربي يرى أن من قال إن نبيّا زنى فقد كفر (1)، كما أنكرت جمهرة المفسرين هذه التهمة الكذوب بالإجماع، كما أن أحدا على الإطلاق لم يقل بأن النبي المعصوم قد قارف من تلك المرأة محرما (2).

و روى النسفي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز، و عنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به و قال: إن كانت القصة على ما في كتاب اللّه فما ينبغي أن يلتمس خلافها، و أعظم بأن يقال غير ذلك، و إن كانت على ما ذكرت و كف اللّه عنها سترا على نبيّه، فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر:

لسماعي هذا الكلام أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، و قال النسفي:

و الذي يدل عليه المثل الذي ضربه اللّه بقصته (عليه السلام) ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب، و إنما جاءت على طريق التمثيل و التعريض دون التصريح لكونهما أبلغ في التوبيخ من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه و أشد تمكنا من قلبه و أعظم أثرا فيه، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة (3).

____________

(1) تفسير القرطبي ص 5625- 5626، على عبد الواحد وافي: الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام- القاهرة 1964 ص 43- 44.

(2) انظر: تفسير ابن كثير 4/ 47- 50، تفسير البحر المحيط 7/ 393، تفسير القاسمي 14/ 5089- 5090، تفسير البيضاوي 2/ 107- 110، تفسير الفخر الرازي 26/ 188- 198، تفسير القرطبي 15/ 166، الدر المنثور 5/ 300- 306، الإكليل للسيوطي ص 185، ابن خرم:

المرجع السابق 4/ 18، تفسير النسفي 4/ 37- 39.

(3) تفسير النسفي 4/ 38.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الفصل الثّالث داود- ملك بني إسرائيل‏

1- داود فيما قبل الملكية:

تروي التوراة أن داود كان حامل سلاح شاؤل (طالوت)، كما كان طلق اللسان فصيحا، خفيف الروح، شجاعا بل مقاتلا جبارا، و داود بن يس من سبط يهوذا، موطنه بيت لحم، و نسبه ينتهي إلى يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السلام)، و قد أرسله اللّه حين غضب على شاؤل ليكون ملكا على إسرائيل، مختارا إياه من بين أولاد يس الستة على رأي، و السبعة على رأي آخر، بل و الثلاثة عشر، فيما تروي المصادر العربية، و كان أشقر مع حلاوة العينين، و حسن المنظر، و في المصادر العربية عن وهب بن منبه كان قصيرا أزرق قليل الشعر، طاهر القلب نقيّه‏ (1)، و كان قبل اشتراكه في الحرب ضد جالوت و قومه مكلفا بالعناية بأغنام أبيه، و قد أظهر في القيام بهذه المهمة إخلاصا نادرا، و شجاعة فائقة فقد قتل أسدا و دبّا هاجما القطيع‏ (2)، و قد جاء في تاريخ الطبري أنه أتى أباه ذات يوم فقال يا أبتاه: ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرمته، قال أبشر يا بني إن اللّه جعل رزقك‏

____________

(1) صموئيل أول 16/ 1- 17/ 12، أخبار أيام أول 2/ 15، تاريخ الطبري 1/ 472، 476، ابن كثير: البداية و النهاية 2/ 10، الكامل لابن الأثير 1/ 123.

(2) صموئيل أول 17/ 34- 36.

54

في قذافتك، ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبت عليه و أخذت بأذنيه فلم يهجني، فقال أبشر يا بني، فإن هذا خير يعطيكه اللّه، و كان داود راعيا، و كان أبوه خلّفه يأتي إلى أبيه و إلى أخوته بالطعام‏ (1).

و قد بدأ نجم داود يسطع بين قبائل بني إسرائيل منذ أن قتل جالوت، فقرّت به عين الملك، و وعده بأن يزوجه، ابنته الكبرى «ميرب» و لكنه زوجها إلى «عدريئيل المحولي» و لما أحبته أختها «ميكال» وعده بها على أن يمهره إياها مائة غلفة من الفلسطينيين‏ (2)، و لكن يبدو أن الشعبية التي اكتسبها داود قد جعلت الملك يعدل عن الإصهار إليه، و إن كانت الرواية العربية تذهب إلى أن طالوت رجع فأنكح داود ابنته، و أجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود و أحبوه‏ (3)، و من ثم فقد بدأ طالوت يخاف داود «و صار شاؤل (طالوت) عدوا لداود لكل الأيام» (4) بل «و كلم، شارل يوناثان ابنه و جميع عبيده أن يقتلوا داود»، و لكنه سرعان ما يعفو عنه نتيجة توسلات ولده يوناثان، صديق داود، غير أنه سرعان ما يغير رأيه مرة أخرى و يفكر في قتل داود، فيطعنه بالرمح و لكنه يخطئه، فيفر داود من أمامه، فيزداد غضب طالوت، و تتأجج نار الغيرة في صدره فيرسل إلى داود من يقتله في بيته «فأخبرت داود ميكال امرأته قائلة إن كنت لا تنجو بنفسك هذه الليلة فإنك تقتل غدا، فأنزلت ميكال داود من الكوة فذهب هاربا و نجا»، و وضعت في مكانه على الفراش الترافيم و لبدة المغري و غطته بثوب‏ (5)، و في الرواية

____________

(1) تاريخ الطبري 1/ 472، تاريخ ابن الأثير 1/ 123.

(2) صموئيل أول 18/ 7- 29.

(3) تاريخ الطبري 1/ 473، تاريخ ابن الأثير 1/ 124.

(4) صموئيل أول 18/ 29.

(5) صموئيل أول 19/ 1- 17.