هداية المسترشدين - ج1

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
735 /
3

الجزء الاول‏

[مقدمة الناشر]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه الّذي أرشدنا إلى معالم دينه بهداية رسوله الأمين و نوّر قلوبنا بضياء كتابه المبين و أتمّ نعمته علينا بولاية مولانا عليّ أمير المؤمنين و أولاده المعصومين- (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)- و عصمنا عن متابعة أهل البدع و الأهواء المنحرفين الضالّين.

و بعد، لا يخفى على من ألقى السمع و هو شهيد: أنّ علم الاصول من أشرف العلوم الإسلاميّة و أنفعها حيث يتعرّف به طرق استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيلية، على صعوبة مداركها و دقّة مسالكها، و هو العلم الّذي ازدوج فيه العقل و السمع، فليست مباحثه عقليّة صرفة بحيث لا يتلقّاها الشرع بالقبول و لا نقليّة محضة لا تؤيّدها و لا تسدّدها العقول، و هو من العلوم المبتكرة للمسلمين، لا يساهمهم في إبداعه و توسّعه غيرهم من الملاحدة الكافرين.

و لقد اعتنى علماؤنا الإماميّة بدراسة هذا العلم أكثر ممّا اعتنى به علماء سائر الفرق، لشدّة اهتمامهم بالتفقّه و معرفة الحلال و الحرام و تعهّدهم و التزامهم العمل بأحكام الإسلام، و لهذا اشتدّت عنايتهم عبر القرون و الأعصار بالهداية إلى معالمه و إحكام قوانينه و تهذيب اصوله و ترتيب فصوله و بيان بدائعه و نقد فرائده، إلى أن أصبح هذا الفنّ عدّة وافية و زبدة شافية.

و ناهيك شاهدا- ممّا ألّفوه و صنّفوه- هذه الموسوعة المنيفة و الجوهرة النفيسة الّتي صنّفها فخر الفقهاء العظام و استاذ العلماء الأعلام محيي معالم الدين و مشيّد قوانين سيّد المرسلين، الموفّق بهداية المسترشدين، العلّامة الربّاني الشيخ محمّد تقي‏

4

الرازي النجفي الإصبهاني، تغمّده اللّه برضوانه و أسكنه في أعلى غرفات جنانه.

و نحن التزاما بالعهد الّذي أخذناه على عاتقنا منذ تأسيس مؤسّستنا في بسط المعارف الدينيّة و إحياء المواريث الإسلاميّة أقدمنا على تحقيق هذا السفر القيّم بتقويم نصوصه و تدقيق متونه و مقابلته كرارا على الأصل و تخريج الآيات المستدلّ بها و الأحاديث المستند إليها، و لم نشر إلى مواضع الأقوال المنقولة فيه، حرصا على التسرّع في إصداره و لئلّا يضخم حجم الكتاب بعد أن قرّرنا طبعه و نشره في ثلاث مجلّدات.

و في الختام يجب علينا أن نقدّم ثناءنا الجميل و شكرنا الجزيل إلى سماحة الخلف الصالح من آل المؤلّف حجّة الإسلام و المسلمين الحاج الشيخ مهدي مجد الإسلام النجفي- دام ظلّه- كفاء ما تفضّل به علينا من نسخة الأصل لهذا المجلّد، مع تقدمة مشتملة على التعريف بالهداية و أثرها في علم الاصول.

و نشكر أيضا نجله الفاضل سماحة الحجّة الشيخ هادي النجفي- حفظه اللّه- حيث ساعدنا في إعداد مقدّمات التحقيق و أعاننا في شتّى المجالات إلى أن خرج الكتاب بهذه الحلّة القشيبة.

و نقدّم أيضا الشكر الجزيل للمتتبّع البصير و المحقّق الخبير سماحة حجّة الإسلام و المسلمين السيّد أحمد الحسيني الأشكوري بما سمح لنا بترجمة المؤلّف (قدّس سرّه‏) من كتابه: «المفصّل في تراجم الأعلام».

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين‏

مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

5

تقديم: بقلم سماحة آية اللّه الشيخ مهدي مجد الإسلام النجفيّ آل العلّامة التقيّ صاحب الهداية

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين و اللعن الدائم على اعدائهم اجمعين من الآن الى قيام يوم الدين.

امّا بعد، فإنّ ائمة اهل البيت- (سلام اللّه عليهم اجمعين) - و لا سيما الامام محمد ابن على بن الحسين الباقر (عليه السّلام) و نجله الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام) هم المبتكرون و المؤسّسون لعلم الاصول.

لأنّهم ألقوا على تلاميذهم و رواة أحاديثهم، اسس التفكير الاصولي، و أنت تجد في رواياتهم بذرتها، فإن شئت راجع إلى المجلّد الأوّل من كتاب جامع أحاديث الشيعة.

ثمّ لعلم الاصول أدوار و عصور قد مرّ منّا إجماله في مقدّمتنا على كتاب جدّنا العلّامة المحقّق آية اللّه العظمى أبي المجد الشيخ محمّد الرضا النجفي الإصفهاني- طاب ثراه- الموسوم- ب «وقاية الأذهان» نشر مؤسّسه آل البيت- لا زالت مؤيّدة لنشر تراث أهل البيت (عليهم السّلام) و من أراد فعليه بالمراجعة. تدرّج هذا العلم إلى أن انتهت النوبة إلى جدّنا الأعلى، العلّامة المحقّق، التقي النقي، الإمام في الفقه و اصوله آية اللّه العظمى الحاج الشيخ محمد تقى الرازى النجفى الاصفهاني (قدّس سرّه‏) المتوفّى عام 1248 المدفون في بقعته الخاصة في مقبرة تخت فولاد بمدينة

6

إصبهان، فألّف هذا السفر القيّم و الأثر الخالد المسمّى ب «هداية المسترشدين» ألّفه في ثلاث مجلدات، فرغ من المجلّد الأوّل المنتهى إلى مبحث المرّة و التكرار ليلة الجمعة 10 ربيع الثاني 1237 و انتهى المجلّد الثاني إلى آخر مفهوم الوصف و جمع ابن اخته و تلميذه الشيخ محمّد بن محمّد عليّ الطهراني النجفي‏ (1) من مسوّداته مجلدا ثالثا أنهاه إلى مباحث الاجتهاد و التقليد.

الأقوال في الهداية

1- قال تلميذه و ابن اخته و صهره الشيخ محمد الطهراني النجفي (رحمه اللّه) جامع المجلد الثالث من الكتاب و مصحّحه الأوّل: إنّ هذا الكتاب المستطاب الموسوم بهداية المسترشدين من مصنّفات الإمام الهمام، و المولى القمقام، العالم العامل، و الفاضل الكامل، بحر الفواضل و الفضائل، و فخر الأواخر و الأوائل، قدوة المحقّقين و نخبة المدققين، و اسوة العلماء الراسخين، و رئيس الفقهاء و المجتهدين، مخيّم أهل الفضل و الحجى، و محط رحال أرباب العلم و النهى، قطب رحى المجد الأثيل، و محيط دائرة الفعل الجميل، منبع العدل، و سبّاق غايات الفضل، ملاذ الشيعة، و موضح أحكام الشريعة، كاشف أسرار الآثار و ابن بجدتها و مبدع أبكار الأفكار و أبو عذرتها، الزكي الذكي و التقي النقي، و المهذب الصفي، و الحبر الألمعي مولاي و عمادي و خالي و استاذي الشيخ محمد تقي ...

إنّ الذي برز في حياة المصنف طاب مرقده من هذا التأليف، و أفرغه في قالب التنضيد و الترصيف، و كان هو الذي باشر جمعه و ترتيبه و نظمه و تهذيبه مجلدان، أنهى الأول منهما الى أول مسألة المرّة و التكرار، و بلغ من الثاني الى مسألة مفهوم الوصف، فبينا يكتب المسألة المذكورة و هو يومئذ في محروسة اصبهان و الطلبة

____________

(1) راجع في ترجمته كتاب بيان سبل الهداية في ذكر أعقاب صاحب الهداية، أو «تاريخ علمى و اجتماعى إصفهان در دو قرن اخير» 3/ 260.

7

مجتمعون عنده من كلّ مكان، يقتبسون منه أنوار العلوم الدينية، و يرتوون من رحيق المعارف اليقينية، إذ أشار الدهر إلينا بالبنان و أصابتنا عين الزمان، فاختفى بعد أن كان ظاهرا مشهورا، و أصبح لفقده العلم كأن لم يكن شيئا مذكورا. ثم إنّي عثرت له- أعلى اللّه مقامه- على أوراق متشتّة و مسودّات متفرقة قد كتبها في سالف الزمان من مسألة الأمر بالشي‏ء مع علم الآمر بانتفاء شرطه الى مباحث الاجتهاد، فصرفت برهة من الزمان في جمع شتاتها، و ترتيب متفرقاتها، و لم أقتصر على إيراد المسائل التامّة، بل نقلت من المباحث كلّ ما وجدت منه جملة وافية بتحقيق مقام، كافية في توضيح مرام، و إن كان المبحث غير تام، و أسقطت كل مسألة لم أجد منها إلّا قليلا لا يروي غليلا، فبلغ المجلد الذي جمعته قريبا من عشرين ألف بيت، و بلغ الكتاب بأجمعه ما يقرب من خمسة و أربعين ألف بيت، و كان المصنف (قدّس سرّه‏) يقول: إنّ الكتاب لو تمّ يكون نحوا من ثمانين ألف بيت، فيكون الناقص منه اذن نحوا من خمسة و ثلاثين ألف بيت‏ (1).

2- قال تلميذه الآخر صاحب روضات الجنّات في ترجمة المؤلف: و له من المصنفات الرشيقة و المؤلفات الأنيقة كتاب شرحه لاصول معالم الدين المسمّى بهداية المسترشدين في ما ينيف على ستّين ألف بيت في ظاهر التخمين إلّا أنّ البارز منه الى البياض مجلدان الى آخر مسألة مفهوم الوصف، و الباقي منه متخلّف في المسوّدة على ما كان أو خارج منها بتدوين بعض تلامذته الأعيان ... (2).

3- و قال في كتابه الآخر المسمّى بعلماء الاسرة في عدّ اساتذته: و تطفلت بعد ذلك برهة من الأوان على المشتغلين و المستمعين من مجلس شيخنا المحقّق المدقّق النحرير، و الجامع الفقيه الخبير، خاتمة المجتهدين، و رئيس الموحّدين إمامنا البارع الورع التقي النقي الأوحدي الربّاني الشيخ محمد تقي بن عبد الرحيم‏

____________

(1) هداية المسترشدين/ آخر صفحة من الطبعة الحجرية.

(2) روضات الجنات 2/ 124.

8

الرازي الطهراني أصلا، و الحائري النجفي منشأ و تحصيلا، الإصفهاني موطنا و مقبلا و مدفنا، رزقه اللّه في أعلى غرف الجنان منزلا و مسكنا. و كان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في الفقه و الاصول، حاوي مراتب المعقول و المنقول، له شرح على اصول المعالم مبسوط كبير جدّا يقرب كلّه من مائة ألف بيت، و لم يخرج منه إلّا ثلاث مجلدات تبلغ نصفه، فوا أسفا على باقيه إذ لن نكونن من بعد بملاقيه ... (1).

4- قال ثالث المجلسيين الشيخ الميرزا حسين النوري في خاتمة المستدرك:

عن قدوة المحققين و ترجمان الاصوليين الشيخ محمد تقي بن عبد الرحيم الطهراني المتوطن في إصفهان المتوفّى سنة 1248 صاحب التعليقة الكبيرة على المعالم التي هي بين كتب الاصول كالربيع من الفصول و غيرها من الرسائل في الاصول و الفقه ....

5- قال العلّامة الشيخ عبد الكريم الجزي في تذكرة القبور ما نصّه بالفارسية:

... در ميان علماء حاشيه شيخ و حاشيه مطلق كه گويند اين كتابست، بس است در بلندي تحقيق و بلندي و تبحر ذهن و فكر او كه مى‏توان گفت أكثر تحقيقات اصوليه اين زمانها در پيش علماء مأخوذ از آن بزرگوار است‏ (2).

6- قال ثقة الاسلام التبريزي الشهيد في مرآة الكتب في عدّ شارحي المعالم:

و منهم: المحقق الشيخ محمد تقي بن محمد رحيم الإصفهاني المتوفّى سنة 1248، شرح شرحا وافيا كافيا مبسوطا، و له تحقيقات أنيقة خصوصا في مباحث الألفاظ اطال الكلام، و حقّق المقام بما مثله لا يرام يسمّى بهداية المسترشدين، إلّا أنه لم يتمّ، بل خرج الى مبحث حجّية مفهوم الوصف مرتبا، و جمع ما علّق على بعض باقي المباحث الشيخ محمد ابن اخته ... (3).

7- قال العلّامة الطهراني في ترجمة المؤلف في الكرام البررة: و للمترجم‏

____________

(1) علماء الاسرة/ 180.

(2) تذكرة القبور المطبوع ضمن رجال اصفهان/ 73.

(3) مرآة الكتب 4/ 78.

9

آثار هامة جليلة أشهرها حاشية المعالم سمّاها هداية المسترشدين في شرح اصول معالم الدين، فرغ من المجلد الأول المنتهي الى مبحث المرّة و التكرار ليلة الجمعة 10 ربيع الثاني 1237، و عبّر عن نفسه هناك بمحمد تقي بن محمد رحيم، و انتهى المجلد الثاني الى آخر مفهوم الوصف، و جمع ابن اخته الشيخ محمد بن محمد علي من مسوّداته مجلدا ثالثا أنهاه إلى مباحث الاجتهاد و التقليد، و قد حظي هذا الكتاب بالقبول، و لاقى استحسان الأكابر و الفحول من المحقّقين و الأعلام، حتى اشتهر المترجم بصاحب الحاشية، و بذلك يلقّب آله حتى التاريخ، و إذا اطلق بين العلماء في عصرنا لم يتبادر الذهن الى غير هذا الكتاب.

و الحقّ أنّه يكفي للاستدلال على مدى إحاطة المترجم و تبحره و تحقيقه في علم الاصول، ففيه تحقيقات عالية خلت منها جملة من الأسفار الجليلة، و لم تزل آراؤه و نظرياته محطّ أنظار الأفاضل و محور أبحاثهم الى الآن ... (1).

8- قال صاحب ريحانة الأدب في ترجمة المؤلف ما نصّه بالفارسية:

بالخصوص در اصول فقه كه تبحرى بى‏نهايت داشته و گويا كه طينت او از افكار دقيقه و أنظار عميقه سرشته بوده، و با قطع نظر از همه چيز همين كتاب هداية المسترشدين او كه در اصول فقه تا مبحث مفهوم وصف و حاشيه معالم الاصول [است‏] داراى تحقيقات عميقه مبتكره بوده ... (2).

9- قال المؤرخ المحقق الشيخ محمد علي المعلم صاحب مكارم الآثار في ترجمة المؤلّف ما نصّه بالفارسية: و حاشيه‏اى بر اصول معالم تأليف شيخ حسن ابن شهيد ثاني أعلى اللّه مقامه به نام هداية المسترشدين دارد كه بغايت مشهور و مورد تدريس و تدرس علماء أعلام و فضلاء كرام قرار گرفته ... (3).

10- قال العلامة السيد مصلح الدين المهدوي في كتابه الخاصّ المدون لترجمة المؤلف و تراجم العلماء من بيته المسمّى ب «بيان سبل الهداية في ذكر

____________

(1) الكرام البررة 1/ 216.

(2) ريحانة الادب 2/ 449 الطبعة الاولى.

(3) مكارم الآثار 4/ 1329.

10

أعقاب صاحب الهداية» يا تاريخ علمى و اجتماعى اصفهان در دو قرن اخير:

همانگونه كه قبلا گفته شد كتاب هداية المسترشدين مورد توجه و عنايت و قبول و استحسان جميع علماء و بزرگان قرار گرفته، و مؤلف بزرگوار آن به صاحب حاشيه معروف مى‏باشد و همچنين وى را صاحب الهداية مى‏خوانند. (1)

نسخ الهداية و أساس هذا الطبع‏

لمّا كان الكتاب موردا للعناية من كافّة أهل التحقيق و فضلاء أهل العلم فلذا كثرت نسخه و توجد في أكثر المكتبات العامّة و الخاصّة:

منها: نسخة خطّ المؤلّف من المجلّد الأوّل توجد في مكتبة ابن عمّتنا العلّامة المحقّق آية اللّه السيد محمّد علي الروضاتي- مدّ ظلّه- بإصبهان ارسلها الينا مشكورا و صححنا المجلد الأوّل من الكتاب عليها.

و منها: نسخة اخرى من المجلّد الأوّل لمكتبته العامرة أرسلها أيضا إلينا.

و منها: اثنتا عشرة نسخة في مكتبة سيّدنا و إمامنا علي بن موسى الرضا عليه آلاف التحية و الثناء (2) و قد اخترت منها نسختين لتصحيح المجلد الثاني و الثالث.

و منها: نسختان من المجلد الأول كلتاهما مخرومة الآخر في مكتبة سيدتنا فاطمة بنت موسى بن جعفر عليها و على آبائها الصلاة و السلام بقم‏ (3).

و منها: خمس نسخ في مكتبة مدرسة الفيضية العامرة بقم المقدسة (4).

و منها: أربع نسخ في مكتبة آية اللّه الگلپايگاني (قدّس سرّه‏) بقم المقدسة، عرّف واحدة منها في فهرسها (5).

____________

(1) تاريخ علمى و اجتماعى اصفهان در دو قرن اخير 1/ 173.

(2) فهرست الفبائى كتب خطى آستان قدس رضوى/ 610.

(3) فهرست نسخه‏هاى خطى آستانه مقدسه حضرت معصومه (عليها السّلام)، دانش‏پژوه/ 181 و 1/ 233 الرقم 226.

(4) فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه مدرسه فيضيه 1/ 298.

(5) فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه آية اللّه گلپايگاني 2/ 194 الرقم 930.

11

و منها: نسختان في المكتبة العامة بإصبهان‏ (1).

و منها: نسخة من المجلّد الأوّل و قطعة من المجلد الثاني في مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي (قدّس سرّه‏) العامة، عرّف خطأ بأنّها نسخة المؤلف‏ (2).

و منها: نسخة من المجلّد الأوّل في مكتبة المسجد الأعظم بقم المقدسة (3).

و منها: نسخة من المجلد الأوّل في مكتبة الإمام الهادي (عليه السّلام) العامة في المشهد الرضوي على ساكنه آلاف التحية و الثناء (4).

طبعات الهداية

طبع كتاب «هداية المسترشدين» غير مرّة في إيران لشدّة اهتمام العلماء به و احتياجهم إليه، فقد طبع أوّل مرّة في عام 1269 ثم اعيد طبعه في عام 1272 ثم طبع ثالثا في عام 1281 و طبع رابعا 1282 و خامسا سنة 1310 ه. ق و محلّ الطبع في جميع الطبعات طهران‏ (5).

و أعادت طبعها بالافست، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قبل عشر سنوات بقم المقدسة.

و أشرف الشيخ محمد الطهراني ابن اخت صاحب الهداية على الطبع في عام 1283 و طبعته أصحّ الطبعات، و صحّحها و علّق عليها.

و يعتبر اوّل من جمع كتاب الهداية و صححه بعد مؤلّفه (قدّس سرّه‏) الشيخ محمد الطهراني النجفي المذكور.

____________

(1) فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه عمومى اصفهان 1/ 326 الرقم 618 و 617.

(2) فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه آية اللّه مرعشى 23/ 280 الرقم 9153.

(3) فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه مسجد اعظم قم/ 423.

(4) فهرست نسخه‏هاى خطى كتابخانه عمومى امام هادى (عليه السّلام)- مشهد مقدس/ 7.

(5) فهرست كتابهاى چاپى عربى/ 104- معجم المطبوعات العربية في ايران/ 204- تاريخ علمى و اجتماعى اصفهان در دو قرن اخير 1/ 173.

12

و هو أوّل من علّق عليه أيضا، و هو تلميذ المصنّف و ابن اخته و كان صهرا على بنته رحمة اللّه عليهما.

و أنت تجد ترجمته في كتاب: بيان سبل الهداية في ذكر أعقاب صاحب الهداية (1).

شرح الهداية

أوّل من شرح قسما من كتاب الهداية نجل المؤلف العلامة الفقيه المحقق الرئيس آية اللّه العظمى الحاج الشيخ محمد باقر النجفي الاصفهاني المعروف بحجّة الإسلام طاب ثراه المتوفّى عام 1301، فإنّه شرح بحث حجّية المظنة من هداية والده، و قد طبع مع الهداية في عام 1283 في قريب من مائة و ثلاثين صفحة كبيرة من الطبع الحجري.

قال (قدّس سرّه‏) في أول كتابه: إنّي لمّا رأيت الرسالة الشريفة بل الجوهرة النفيسة التي ادرجت في كتاب هداية المسترشدين في شرح اصول معالم الدين التي صنّفها و هذّبها والدي الامام عماد الاسلام فقيه أهل البيت (عليهم السّلام) مشكاة حنادس الظلام و مربّي الفضلاء الكرام، بل استاذ العلماء الأعلام و فخر الفقهاء العظام، كشّاف غوامض عويصات العلوم بفهمه الثاقب، و حلّال مشكلاتها بفكره الصائب، محيي ما درس من سنن المرسلين و محقّق حقائق السابقين، طود العلم الشريف و عضد الدين الحنيف مالك أزمّة التصنيف و التأليف الذي جمع من أنواع الفنون، فانعقد عليه الإجماع، و تفرّد بأصناف الفضائل، فبهر النواظر و الأسماع، فما من فنّ إلّا و له فيه القدح المعلّى و المورد العذب المحلّى.

إن قال لم يدع قولا لقائل، أو أطال لم يأت غيره بطائل، أو صنّف ألف أشتات الفنون كالدرّ المكنون، و إذا جلس مفيدا في صدر ناديه جثت بين يديه طلّاب فوائده و أياديه مل‏ء أصداف الأسماع من الدرّ الفاخر، و بهر الأبصار و البصائر

____________

(1) تاريخ علمى و اجتماعى اصفهان در دو قرن اخير 3/ 260.

13

في المحاسن و المفاخر، فهو علّامة البشر و مجدّد المذهب في القرن الثالث عشر، (قدّس اللّه سبحانه نفسه الزكية)، و افاض على تربته المراحم الرحمانية و رفع مقامه في بحبوحة جنّته، و جمع بينه و بين ائمّته، وجدتها مشتملة على تحقيقات فائقة تفرّد بها عن السابقين، و تدقيقات رائقة لم يسبقه إليها أحد من الأولين و الآخرين، قد عملها في إبطال القول بالظنّ المطلق، و إثبات المذهب الحق، كشف فيها عن مشكلات هذه المسألة نقابها، و ذلّل صعابها، و ملك رقابها، و حلّل للعقول عقالها، و أوضح قيلها و قالها، ففوائدها في سماء الإفادة نجوم، و للشكوك و الشبهات رجوم، غير أنها قد استصعبت على علماء هذا العصر حتى اختفت عليهم دقائقها، و انطوت عنهم حقائقها، فجعلوها غرضا لسهام النقض و الإبرام، و ليس ذلك إلّا من زلل الأفهام.

و حيث وجدت الأمر بهذه المثابة مع كون المسألة من أعظم المسائل التي تعمّ بها البلية و تشتدّ إليها الحاجة، بل يبتني عليها أساس استنباط الأحكام الشرعية رأيت أن أكتب عليها شرحا وافيا بإيضاح مبهماتها كافيا في بيان مشكلاتها متكفّلا بدفع الشكوك و الشبهات عنها و تنقيح مطالبها و تهذيب مقاصدها (1).

أقول: بعون اللّه تعالى و منّه سوف يطبع هذا الشرح للمرّة الثانية بعد إكمال طبع هداية المسترشدين إن شاء اللّه تعالى، و هو المستعان.

الحواشي على الهداية

شهرة الكتاب في أندية العلم و قبوله لدى الفطاحل، دعا جماعة من العلماء إلى كتابة حواش و تعاليق عليه، لا بأس بالإشارة إلى ما اطّلعنا عليه:

منها: حاشية الشيخ محمد بن محمد علي الطهراني النجفي (قدّس سرّه‏) ابن اخت صاحب الهداية و تلميذه. فهو صحّح الهداية و علّق عليه، و طبعت حواشيه على الكتاب في الطبعة الحجرية عام 1282 و في الطبعة الآتية ستطبع باسمه.

____________

(1) شرح حجّية المظنّة/ 1 من الطبعة الحجرية.

14

و منها: حاشية الشيخ ميرزا أحمد بن علي أكبر المراغي التبريزي.

كان عالما جليلا من تلاميذ الشيخ الأعظم الأنصاري و كتب تقريراته في الفقه ثم نزل تبريز و توفى بها بالوباء خامس محرم سنة 1310، و حمل نعشه الى وادي السلام في الغري الشريف.

و له: تفسير مشكلات القرآن [على حواشيه‏] و شرح نهج البلاغة [على حواشيه‏] و حاشية القوانين و غيرها من الكتب.

ترجم له في نقباء البشر (1)، و من مصنفاته حاشية هداية المسترشدين، و هي غير مدونة توجد نسختها في حاشية نسخة مطبوعة من الكتاب في خزانة مخطوطات مكتبة آية اللّه المرعشي (قدّس سرّه‏) العامة برقم 10095، و قد عرف في فهرس مخطوطاتها (2).

تدريس الهداية و استحضارها

قام بتدريسها الشيخ الأعظم الانصاري- طاب ثراه- في بيته الشريف في جامعة النجف الدينية و حضر عليه نجل صاحب الهداية الشيخ الكبير الشيخ محمد باقر أعلى اللّه مقامه.

يحدّثنا العلّامة الشيخ عباس القمي (رحمه اللّه) عن هذا الدرس: تلمذ مرحوم حاج شيخ محمد باقر در نزد مرحوم شيخ أنصاري در أوائل أمر تدريس مرحوم شيخ انصارى بوده و آن مرحوم به خانه جناب استاد مشرف شده، و حاشيه پدرش بر معالم را نزد آنجناب مى‏خوانده است و او از شاگردان طبقه أول مرحوم شيخ أنصارى مى‏باشد كه علاوه بر فوائد علمى كه از آنجناب حاصل كرده به مناسبت صحبت و معاشرت با ايشان نيز تكميل مراتب تقوى و تزكيه نفس و اخلاق نموده است‏ (3).

قال الشيخ الأعظم في إجازته لنجل صاحب الهداية المكتوبة في شهر صفر

____________

(1) نقباء البشر 1/ 114 الرقم 255.

(2) فهرس مخطوطات مكتبة آية اللّه المرعشي 26/ 65 الرقم 10095.

(3) فوائد الرضويه 2/ 409- تاريخ علمى و اجتماعى اصفهان در دو قرن اخير 1/ 316.

زندگانى و شخصيت شيخ انصارى/ 108.

15

من شهور سنة 1262: ... فقد أجزت للأعز الأمجد و الأتقى الأوحد العالم العامل و الفاضل الكامل صاحب التدقيقات الرائعة بالذهن، و التحقيقات الفائقة بالفهم المستقيم، سلالة الفحول، و متقن الفروع و الاصول الألمعي المؤيد، و اللوذعي المسدّد، جناب الشيخ محمد باقر وفّقه اللّه لمرضاه و بلغه أقصى مناه ...

أقول: و قد طبعت صورة خط الشيخ الأعظم الانصاري في كتاب تاريخ علمي و اجتماعى اصفهان در دو قرن اخير 1/ 319 و 318 فراجعها إن شئت.

و كان بعض العلماء مغاليا للهداية و مستحضرا لأقواله، و منهم العلّامة الشيخ مهدي المازندراني النجفي طاب ثراه.

قال تلميذه الشيخ جعفر آل محبوبة في ماضي النجف و حاضرها: و من مشايخي الشيخ مهدي المازندراني النجفي أحد مشايخي الذين حضرت عندهم كتاب كفاية الاصول خارجا. كان محققا ماهرا في الاصول، مغاليا في حاشية الشيخ محمد تقي على المعالم، مستحضرا لأقواله في كلّ آن. كان من تلامذة العلّامة الحاج ميرزا حبيب اللّه الرشتي، و اختصّ بعد وفاته بآية اللّه الخراساني و كان من مقرّري درسه، استقلّ بالتدريس بعد وفاة شيخه الخراساني، حضرت درسه أول قراءتي للكفاية، توفي في النجف سنة 1341 (1).

الهداية في كتب علم الاصول المدونة في بيت صاحبها

رزق اللّه تعالى صاحب الهداية نسلا طيبا و بيتا جليلا، نشأ فيهم كثير من العلماء و الفقهاء و المراجع بحيث كتب العلّامة السيد مصلح الدين المهدوي (رحمه اللّه تعالى) ثلاث مجلدات كبيرة في تراجمهم، و قد طبع الكتاب‏ (2).

قال العلّامة الطهراني في شأنهم: آل صاحب الحاشية بيت علم جليل في‏

____________

(1) ماضي النجف و حاضرها 3/ 287.

(2) راجع بيان سبل الهداية في ذكر اعقاب صاحب الهداية او تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير.

16

اصفهان يعد من أشرفها و أعرقها في الفضل، فقد نبغ فيه جمع من فطاحل العلماء و رجال الدين الأفاضل كما قضوا دورا مهما في خدمة الشريعة، و نالوا الرئاسة العامّة لا في إصفهان فحسب، بل في إيران مطلقا (1) ...

و أمّا كتب الاصول المدوّنة في بيته كثيرة نشير الى بعضها، و من الواضح أنّهم تعرّضوا لمباني جدّهم (قدس اللّه أسرارهم):

منها: الفصول: تأليف شقيق صاحب الهداية و تلميذه الأكبر العلّامة المحقق الشيخ محمد حسين الإصفهاني طاب ثراه، فانّه استفاد بعض المباني من أخيه و استاذه صاحب الهداية، و حيث إنّ كتابه دورة كاملة اصولية أصبح برهة من الزمن من الكتب الدراسية، و قد طبع غير مرة في إيران.

و منها: شرح حجّية المظنّة: تأليف نجله الشيخ محمد باقر (رحمه اللّه) و قد مرّ منّا أنّه شرح الهداية لوالده العلّامة و طبع مع الهداية في عام 1282.

و منها: وقاية الأذهان: تأليف جدّنا العلّامة الأكبر أبي المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الإصفهاني (قدّس سرّه‏) فإنّه تعرّض لمباني جدّه، و دافع عنها أشدّ الدفاع، و أجاب مناقشات الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني عليها، و قد طبع الكتاب للمرّة الثانية أخيرا بقم من قبل مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

و قال في ديوان شعره:

وقيت كلّ الرزايا* * * لما أتتك الوقاية

خذها و دع ما سواها* * * فإنّ فيها الكفاية

إنّ الهداية منّا* * * بداية و نهاية (2)

و من جملة كتب الاصول المدوّنة في بيته:

لبّ الاصول: من مؤلفات نجل صاحب الهداية الشيخ محمد باقر النجفي الإصفهاني.

و منها: رسالة في أصل البراءة: من مؤلّفات جدّنا صاحب مجد البيان في‏

____________

(1) نقباء البشر 2/ 748.

(2) ديوان أبي المجد/ 146.

17

تفسير القرآن، الشيخ محمد حسين ابن الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي صاحب الهداية. الّفها بالتماس ابن أخيه و تلميذه الشيخ جلال الدين ابن الشيخ محمد تقي الآقا نجفي. مجلد كبير. مخطوط صورة نسختها عندنا موجودة.

و منها: أرائك الاصول: تأليف العلّامة الزاهد الشيخ مهدي ابن الشيخ محمد علي بن الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي صاحب الهداية. طبع الكتاب بإصفهان.

و منها: غير ذلك من الكتب و الرسائل، و الحمد للّه على جميع ما أنعم.

الهداية في رسائل الشيخ الأعظم و تقريراته‏

1- قال الشيخ الأعظم الانصاري (قدّس سرّه‏) في دليل العقل على حجّية خبر الواحد:

الثالث: ما ذكره بعض المحقّقين من المعاصرين في حاشيته على المعالم لإثبات حجّية الظنّ الحاصل من الخبر لا مطلقا، و قد لخّصناه لطوله [ثم ذكر حاصل كلامه و قال‏]: و قد أطال (قدّس سرّه‏) في النقض و الإبرام بذكر الإيرادات و الأجوبة على هذا المطلب‏ (1).

2- قال الشيخ في وقوع التعبّد بالظنّ: الوجه الثاني: ما ذكره بعض المحقّقين من المعاصرين مع الوجه الأول، و بعض الوجوه الاخر قال: [ثم نقل كلام صاحب الهداية في أكثر من صفحتين‏] (2).

3- ثم بعد أوراق نقل أكثر من صفحة من هداية المسترشدين في بحث لزوم الأخذ بمظنون الاعتبار في تنبيهات دليل الانسداد (3).

4- و قال في تقريراته في بحث مقدمة الواجب: و لهم في التفصّي عن هذه العويصة طريقان: الأول: ما سلكه بعض أعاظم المحقّقين في تعليقاته على المعالم و ... (4).

____________

(1) فرائد الاصول/ 172 طبع جماعة المدرسين.

(2) فرائد الاصول/ 221.

(3) فرائد الاصول/ 233.

(4) مطارح الانظار/ 50.

18

5- و قال في تقريرات بحثه: و هل يصحّ أن يكون الواجب مشروطا بمقدمة محرّمة مقارنة للفعل في الوجود أو لا؟ وجهان، بل قولان، الذي يظهر من ثاني المحقّقين في جامع المقاصد هو الأول و تبعه في ذلك الشيخ الأجل الفيلسوف في مقدّمات الكشف، و تبعه في ذلك صهره الصفي التقي في تعليقاته على المعالم و تبعه أخوه الجليل في الفصول فحكم فيه بصحّة الوضوء فيما إذا انحصر الماء في آنية مغصوبة و توقّف الوضوء على الاغتراف فيها (1) ...

6- ثمّ بعد صفحة قال: و لذلك سلك بعض أصحاب هذا القول مسلكا آخر في تعليقاته على المعالم و محصّله‏ (2) ...

7- قال مقرّره في مطارح الأنظار: هداية: زعم بعض الأجلّة أنّ المعتبر في وقوع الواجب الغيري على صفة الوجوب ترتّب الغير عليه، بحيث لو لم يترتّب عليه يكشف عن عدم وقوعه على صفة الوجوب، و اذا ترتّب عليه الغير يكشف عن كونه واقعا على صفة الوجوب، و لعلّه أخذه ممّا احتمله أخوه البارع في تعليقه على المعالم حيث جعل ذلك من محتملات كلام المعالم‏ (3) ...

8- قال في حجج المجوّزين لاجتماع الأمر و النهي: ... أوضحه بعض المحقّقين في حاشية المعالم حيث قال‏ (4): ... [و نقل نصف صفحة من كلامه‏].

9- و قال بعد صفحات: و هو صريح المجيب الأوّل في حاشية المعالم حيث إنّه بعد ما أورد الجواب المذكور في المقام الأول طرد الكلام في المقام أيضا (5) ...

10- أقول: و قد نقلوا لنا غير مرّة أسباط الشيخ الأعظم طاب ثراهم الذين يوجد فيهم إلى الآن- بحمد اللّه- من لهم مراتب عالية من العلم و العمل من جدّهم الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه‏) أنّه قال في جواب من سأل عنه: لما ذا لا يكتب الشيخ في مباحث الألفاظ بقلمه الشريف شيئا؟

____________

(1) مطارح الانظار/ 56.

(2) مطارح الانظار/ 57.

(3) مطارح الانظار/ 74.

(4) مطارح الانظار/ 131.

(5) مطارح الانظار/ 135.

19

اجاب الشيخ الأعظم: هل الشيخ محمّد تقي صاحب هداية المسترشدين بقّى لنا شيئا حتى نكتبه‏ (1).

الهداية في تقريرات المجدّد الشيرازي‏

فقيه الطائفة و مرجعها آية اللّه العظمى السيد محمد حسن الحسيني الشيرازي أعلى اللّه مقامه كان من أعاظم تلاميذ شيخنا الأعظم، و انتقلت الزعامة الدينية إليه بعد استاذه و قد تتلمذ على العلّامة التقي صاحب الهداية برهة من الزمان في بلدة إصفهان.

نقل العلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني عنه: حدّثني (قدّس سرّه‏) أنّه صار يحضر درس الشيخ المحقّق محمد تقي صاحب الحاشية و لكثرة الجمعية ما كنت أتمكّن من التكلّم معه، فقلّ انتفاعي بالدرس العمومي، فاجتمعت مع بعض إخواني من أهل الفهم و قلت لهم: هلّا نمضي الى الشيخ و نلتمس منه أن يعيّن لنا وقتا يقرّر لنا فيه درسه العمومي حتى نتمكّن من التكلّم معه و نذكر له إشكالاتنا، فوافقوا فيه، و كنّا أربعة، و ذكر لي أسماءهم، فمضوا إليه و التمسوه على ذلك، فأجابهم الى ذلك و استأنس منهم، و عيّن لهم وقتا مخصوصا، فصاروا يحضرون الدرس العام و الخاص قال: فانتفعت كثيرا، غير أنّه لم تطل أيامه و توفّي بعد أشهر في سنة 1248 (2).

و لمّا كان المجدّد الشيرازي ممّن تتلمذ على المحقق صاحب الهداية عموما و خصوصا كثيرا ما ينقل عنه في درسه الشريف، و تقريراته بقلم تلميذه العلّامة المولى علي الروزدري تدلّ عليه، فإنّه ينقل من صاحب الهداية قريبا من ستين مورد نشير الى بعضها، و بعضها الاخر مفوضة الى مراجعتك:

1- أوّلها أنّه قال في مجلس بحثه على ما حكى عنه تقريراته: و منها ما عن الآخرين منهم الشيخ محمد تقي من أنّها هي الكلمة المستعملة في ما وضعت له من حيث إنّه ما وضعت له‏ (3).

____________

(1) زندگانى و شخصيت شيخ انصارى/ 109.

(2) هدية الرازي الى الامام المجدد الشيرازي/ 38.

(3) تقريرات آية اللّه المجدد الشيرازي 1/ 10 طبع مؤسسة آل البيت.

20

2- قال: ثم إنّ بعض مهرة الفنّ و هو الشيخ محمد تقي (قدّس سرّه‏) احتجّ على اعتبار الأصل في الموارد الثلاثة (1).

3- قال: ثمّ إنّ الأقرب عندي في تعريف الاطّراد و عدمه و بيان موردهما هو ما ذكرته نقلا عن الشيخ محمد تقي (قدّس سرّه‏)، و هو المعتمد بجريان مناط الاعتبار (2).

4- قال: و قد تصدّى بعض المحقّقين في حاشيته على المعالم لبيان الضابط بأنّه ما يجمع شروطا ثلاثة ... (3).

5- و قال: و قد أجاد بعض المحقّقين من المتأخّرين في ما علّقه على المعالم‏ (4).

قد مرّ منّا بأنّ المجدّد الشيرازي ينقل عن استاذه صاحب الهداية في تقريرات بحثه في الاصول قريبا من ستّين مورد و حتى نقل من فقه صاحب الهداية، فقال:

و قد ذهب بعض من المحقّقين من متأخّري المتأخّرين في فقهه على ما حكي عنه الى كون الإجازة كاشفة و التزم باللازم الأول و هو جواز تصرّف الأصيل و ...

ثم جاء في هامش الأصل: و هو الشيخ محمد تقي (قدّس سرّه‏) على ما حكى عنه‏ (5).

أقول: قد استخرجت مواقع نقل المجدد الشيرازي عن صاحب الهداية في ستّين موردا، و لكن لا فائدة لنقل الأعداد، و الأمر واضح لمن أراد.

الهداية في الكفاية للمحقّق الخراساني‏

المحقّق الأوحدي العلّامة آية اللّه الشيخ محمد كاظم الخراساني (قدّس سرّه‏) صاحب كفاية الاصول أشهر من أن يوصف و أعرف من أن يذكر، و مسلّم عند الكلّ مهارته و تبحّره و دقّته في علم الاصول، فإنّه ينقل من الهداية في الكفاية خمس مرّات نشير فيما يلي الى مواضعها:

____________

(1) التقريرات 1/ 44.

(2) التقريرات 1/ 125.

(3) التقريرات 1/ 242.

(4) التقريرات 2/ 56.

(5) التقريرات 2/ 282.

21

1- قال في بحث وضع الحروف: ... و لذا التجأ بعض الفحول الى جعله جزئيا إضافيا (1).

أقول: مراده من بعض الفحول العلّامة التقي صاحب الهداية (2) و أخذ منه أخوه العلّامة الشيخ محمد حسين الإصفهاني في الفصول‏ (3).

2- و في بحث مقدمة الواجب نقل إشكال صاحب الهداية في كون الأجزاء مقدّمة للمركّب و قال: و ربّما يشكل في كون الأجزاء مقدّمة له و سابقة عليه بأنّ المركّب ليس إلّا نفس الأجزاء بأسرها (4).

3- و في بحث الضدّ أشار الى قول صاحب الهداية و إشكاله فيه‏ (5).

4- ثم قال في الوجوه العقلية التي اقيمت على حجّية خبر الواحد: ثالثها:

ما أفاده بعض المحقّقين بما ملخّصه‏ (6): [ثم نقل كلام صاحب الهداية ملخّصا].

5- و قال في بحث دليل الانسداد: ثانيهما ما اختصّ به بعض المحقّقين قال‏ (7):

[ثمّ نقل كلام صاحب الهداية في أكثر من نصف صفحة].

الهداية في مدرسة المحقّق النائيني‏

آية اللّه الميرزا محمد حسين الغروي النائيني من أعاظم الفقهاء و الاصوليين المتوفّى عام 1355، و من الفحول الذين حضروا على المحقق الخراساني، و كان (رحمه اللّه) قد تتلمذ على حفيد صاحب الهداية جدّنا الشيخ محمد حسين صاحب التفسير ثم على نجل صاحب الهداية، الشيخ محمد باقر في اصفهان و قال في شأن استاذه على منبر تدريسه على ما نقله لنا من حضر بحثه: كان الشيخ محمد باقر فقيها كبيرا كان فقيها كبيرا، كان فقيها كبيرا، (ثلاث مرّات). و قد طبع له دورتين كاملتين من تقريرات بحثه في الاصول:

____________

(1) كفاية الاصول/ 11 طبع مؤسسة آل البيت.

(2) هداية المسترشدين/ 30 الطبعة الحجرية.

(3) الفصول/ 16.

(4) الكفاية/ 90.

(5) الكفاية/ 130.

(6) الكفاية/ 306.

(7) الكفاية/ 319.

22

الاولى: فوائد الاصول: تأليف العلّامة المحقّق الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني الذي توفي بعد استاذه بعشر سنين، يعني عام 1365.

الثانية: أجود التقريرات: تأليف مرجع الطائفة و فقيه الامة آية اللّه العظمى السيد أبي القاسم الخوئي (قدّس سرّه‏).

1- قال في فوائد الاصول: في بحث المقدمة الموصلة من ابحاث مقدمة الواجب: ... و هذا و ان لم يمكن ان ينطبق عليه مقالة صاحب الفصول لتصريحه بأخذ التوصل قيدا إلّا انه يمكن ان ينطبق عليه كلام اخيه المحقق صاحب الحاشية حيث انه قد تكرر في كلامه نفي اعتبار قيد التوصل و مع ذلك يقول ان الواجب هو المقدمة من حيث الايصال‏ (1) ...

2- و في مسألة الترتب نقل كلام صاحب الحاشية ورد اشكال المحقق الرشتي عليه‏ (2).

3- و قال في تقريب مقدمات الانسداد الصغير: و تقريب مقدمات الانسداد الصغير على هذا الوجه يقرب مما سيأتي من المحقق صاحب الحاشية و اخيه صاحب الفصول من تقريب مقدمات الانسداد الكبير (3) ...

4- قال في بحث تقرير حكم العقل بحجية الخبر الواحد: الوجه الثاني: هو ما ذكره المحقق صاحب الحاشية و حاصله‏ (4) [ثم نقل حاصل كلامه‏].

5- و قال في نتيجة بحث دليل الانسداد: فقيل: ان مقدمات دليل الانسداد انما تقتضي اعتبار الظن في خصوص المسألة الاصولية و هي كون الشي‏ء طريقا، ذهب اليه صاحب الفصول تبعا لاخيه المحقق صاحب الحاشية (5).

6- و قال فيه ايضا: الوجه الثاني: ما افاده المحقق صاحب الحاشية مضافا الى الوجه الاول و حاصله يتألف من مقدمات‏ (6) [ثم نقل حاصل كلامه في اكثر

____________

(1) فوائد الاصول 1/ 293 طبع جماعة المدرسين.

(2) فوائد الاصول 1/ 391.

(3) فوائد الاصول 3/ 206.

(4) فوائد الاصول 3/ 212.

(5) فوائد الاصول 3/ 280.

(6) فوائد الاصول 3/ 287.

23

من صفحة] و بحث عنه في ست صفحات.

7- قال في بحث دوران الامر بين الاقل و الاكثر الارتباطيين: منها: ما حكى عن المحقق صاحب الحاشية (قدّس سرّه‏)(1) [ثم نقل حاصل كلامه في اكثر من صفحة].

8- و قال في أجود التقريرات في بحث وضع الحروف: اما القول الاوّل فقد اختاره المحقق صاحب الحاشية (2).

9- و قال في بحث مقدّمة الواجب: إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المحقّق صاحب الحاشية (قدّس سرّه‏) أخرج المقدّمات الداخليّة بالمعنى الأخص عن حريم النزاع و قد استدلّ عليه‏ (3).

10- و قال فيه أيضا: بقي الكلام في ما افاده المحقّق صاحب الحاشية في المقام من أنّ المقدّمة إنّما وجبت من حيث الإيصال لا مقيّدة بكونها موصلة. و قد أصرّ على ذلك في مواضع من كلامه و أنكر وجوب المقدّمة الموصلة (4).

ثمّ بعد البحث عنه ارتضاه المحقّق النائيني (قدّس سرّه‏).

11- و اعترف بذلك في بحث الترتّب حيث قال: فإنّ المقدّمة إنّما وجبت من حيث الإيصال كما أفاده المحقّق صاحب الحاشية (قدّس سرّه‏)(5).

12- و قال في أواخر بحث الترتّب: يتّضح لك بطلان الإيراد المذكور و إن توقّف المحقّق المذكور (قدّس سرّه‏) عن القول بالترتّب لأجله، و تشنيعه على المحقّق صاحب الحاشية (قدّس سرّه‏) لأجل ذهابه الى الترتّب ليس في محلّه‏ (6).

13- قال في الوجوه العقليّة على حجّية الخبر الواحد: الوجه الرابع: ما ذكره المحقّق صاحب الحاشية (قدّس سرّه‏) و هو. (7)

14- و قال في نتيجة دليل الانسداد: أو تختصّ بما إذا تعلّق بحجّية طريق‏

____________

(1) فوائد الاصول 4/ 152.

(2) اجود التقريرات 1/ 26.

(3) اجود التقريرات 1/ 216.

(4) اجود التقريرات 1/ 240.

(5) اجود التقريرات 1/ 321.

(6) اجود التقريرات 1/ 326.

(7) اجود التقريرات 2/ 122.

24

أو أصل كما ذهب إليه المحقّق صاحب الحاشية و صاحب الفصول (قدّس سرّهما‏) (1).

15- و قال فيه أيضا: ... أمّا الوجه الثاني فهو الذي أفاده المحقّق صاحب الحاشية (قدّس سرّه‏)(2).

تذييل: و لمّا كان آية اللّه الخوئي (قدّس سرّه‏) من أعاظم تلاميذ المحقّق النائيني نشير الى ما ذكره في تقريرات بحثه في الاصول هنا:

قال المحقّق الخوئي: الوجه الثالث من الوجوه العقليّة [التي اقيمت على حجّية الخبر الواحد] ما حكي عن صاحب الحاشية و ملخّصه‏ (3) ...

و في تعليقه على أجود التقريرات أيضا اعترض على استاذه المحقّق النائيني حيث ارتضى قول صاحب الهداية في وجوب المقدّمة من حيث الإيصال، فراجع كلامه إن شئت‏ (4).

الهداية في مدرسة المحقق العراقي‏

الفقيه المحقّق و الاصولي المدقّق آية اللّه الشيخ ضياء الدين العراقي طاب ثراه من أعلام تلاميذ المحقّق الخراساني، و قد تتلمذ في إصفهان على نجل صاحب الهداية الشيخ محمد باقر، و خرج من عنده مجتهدا الى الغري الشريف.

و قد ينقل من صاحب الهداية في كتبه و تقريرات بحثه بقلم العلّامة الشيخ محمد تقي البروجردي (رحمه اللّه) المسمّاة ب «نهاية الأفكار».

1- نقل المحقّق العراقي قول صاحب الهداية من التفصيل في موجدية المعنى بين بعض الحروف عن بعض‏ (5).

2- و نقل عنه هذا المعنى في تقريرات بحثه نهاية الأفكار (6).

3- قال في تقريراته في الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بدليل العقل:

____________

(1) اجود التقريرات 2/ 139.

(2) اجود التقريرات 2/ 142.

(3) مصباح الاصول 2/ 214.

(4) اجود التقريرات 1/ 242.

(5) مقالات الاصول 1/ 24 (1/ 94 الطبعة الحديثة).

(6) نهاية الافكار 1/ 47 طبعة جماعة المدرسين.

25

الثالث من وجوه تقرير دليل العقل: ما ذكره بعض المحقّقين في حاشيته على المعالم لإثبات حجّية خصوص الظنّ الحاصل من الخبر، و ملخّص ما أفاده هو (1).

4- قال في تنبيهات دليل الانسداد: ثمّ إنّ في المقام تقريبا آخر لصاحب الحاشية (قدّس سرّه‏) في وجه تخصيص النتيجة بالظنّ بالطريق بلا احتياج فيه الى دعوى العلم الإجمالي بجعل الطرق قال (قدّس سرّه‏)(2): [ثمّ نقل كلام صاحب الهداية في أكثر من صفحة و بحث عنه في أكثر من صفحتين‏].

5- و قال في تعليقته على فوائد الاصول تقريرات المحقّق النائيني: و كان وجهه حينئذ ممتازا عن كلام المحقّق صاحب الحاشية (3).

تذييل: و من أعلام تلاميذ المحقّق العراقي و مقرّري بحثه العلّامة المحقّق آية اللّه الميرزا هاشم الآملي النجفي طاب ثراه، فإنّه نقل عن صاحب الهداية في تقريرات بحثه المسمّاه ب «مجمع الأفكار و مطرح الأنظار»:

قال (قدّس سرّه‏) في دلالة العقل على حجّية الخبر الواحد: الوجه الثالث من حكم العقل ما ذكره المحقّق صاحب الحاشية على المعالم (قدّس سرّه‏) لإثبات حجّية الظنّ الحاصل من الخبر لا مطلقا و ملخّصه‏ (4).

الهداية في مدرسة المحقّق الإصفهاني‏

الاصولي المدقّق و الفيلسوف المحقّق آية اللّه الحاج الشيخ محمد حسين الإصفهاني صاحب نهاية الدراية في شرح الكفاية المتوفّى عام 1361 من أعلام تلاميذ المحقق الخراساني نقل عن صاحب الهداية عدّة مرّات في شرحه منها:

1- ما ذكره في حاشية شرحه: و حينئذ يرد عليه ما أوردناه في المتن على المحكي من شيخ المحقّقين صاحب حاشية المعالم (قدّس سرّه‏) من أنّ الكلام في مانعية

____________

(1) نهاية الافكار 3/ 143.

(2) نهاية الافكار 3/ 170.

(3) تعليقة العراقي المطبوع في ذيل فوائد الاصول 4/ 159 طبعة جماعة المدرسين.

(4) مجمع الافكار و مطرح الانظار تقرير ابحاث المحقق الآملي 3/ 198.

26

الضدّ عن الضدّ للتضادّ (1).

2- نقل كلام صاحب الهداية على حجّية الظنّ بدليل الانسداد و بحث عنها في سبع صفحات من شرحه نهاية الدراية (2).

3- ثم عقد تنبيها و ذكر كلام نجل صاحب الهداية، المحقّق الشيخ محمد باقر في شرح كلام والده و قال: تنبيه: ذكر بعض الأجلّة (رحمه اللّه) في شرح كلام والده المحقّق (قدّس سرّه‏)(3).

4- و طرح كلام صاحب الهداية في بحث وضع الحروف‏ (4).

5- و قال في رسالته في الطلب و الإرادة: ... و إلّا فيرد عليه ما أورده شيخ المحقّقين في هداية المسترشدين من وقوع الفرض المعلّق عليه، فيستحيل الأمر و الإرادة بعده كما يستحيل وجود النقيض بعد ثبوت نقيضه‏ (5).

الهداية في مدرسة المحقق الحائري‏

العلّامة المؤسس آية اللّه العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي طاب ثراه المتوفّى عام 1355 صاحب درر الفوائد في علم الاصول نقل عن الهداية في كتابه و مجلس درسه الشريف:

1- قال في بحث الوجوه العقليّة التي اقيمت على حجّية الخبر الواحد: الوجه الثالث: ما ذكره بعض الأساطين في حاشيته على المعالم و ملخّصه‏ (6).

2- و قال في تنبيهات دليل الانسداد: الوجه الثاني ما أفاده بعض المحقّقين و محصّل كلامه (قدّس سرّه‏)(7) [ثمّ نقل أكثر من صفحة من كلامه ثمّ بحث عنه أيضا

____________

(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 2/ 197 طبعة مؤسسة آل البيت.

(2) نهاية الدراية 3/ 319.

(3) نهاية الدراية 3/ 326.

(4) نهاية الدراية 1/ 59.

(5) الطلب و الارادة/ 42 المطبوع ضمن بحوث فى الاصول، طبعة جماعة المدرسين بقم.

(6) درر الفوائد/ 397 طبعة جماعة المدرسين.

(7) درر الفوائد/ 411.

27

في أكثر من صفحة].

3- و نقل تلميذه الأكبر آية اللّه الشيخ محمد علي العراقي المقرّر لأبحاثه:

و الوجه الثالث: ما ذكره الشيخ محمد تقي طاب ثراه في حاشية المعالم و حاصله‏ (1).

4- و هكذا قال في مجلس درسه الشريف على ما حكي في تقريراته: و الوجه الثاني ما ذكره الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية و هو مركّب من مقدّمات‏ (2): [ثمّ نقل حاصل كلامه في أكثر من صفحة ثمّ بحث عنه‏].

تذييل: من أعاظم تلاميذ المحقق الحائري، آية اللّه السيد محمد رضا الگلپايگاني (قدّس سرّه‏) فإنّه كتب تعليقة على درر استاذه و طبع في مجلّدين بإسم إفاضة العوائد تعليق على درر الفوائد، فوافق فيها مع صاحب الهداية و خالف استاذه الحائري، و اختار تقريب صاحب الهداية في بحث دلالة العقل على حجّية الخبر الواحد، فراجع تمام كلامه في كتابه‏ (3) (قدس اللّه سره القدوسى) .

تنبيه: يأتي عنوان الهداية في آثار السيّد الإمام الخميني (رحمه اللّه) في ما بعد إن شاء اللّه تعالى.

الهداية في تقريرات المحقق البروجردي‏

آية اللّه العظمى الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي من أعاظم تلاميذ المحقق الخراساني، و كان فقيه الامة و مرجع الطائفة في زمانه، نقل عن صاحب الهداية في تقريراته المسمّاة بنهاية الاصول:

1- قال: و قال المحقق صاحب الحاشية على المعالم: إنّ معاني الأسماء معان متحصّلة في نفس الأمر و معاني الحروف معان إنشائية إيقاعية توجد بإنشاء المتكلّم‏ (4).

____________

(1) اصول الفقه 1/ 636.

(2) اصول الفقه 1/ 675.

(3) افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد 2/ 99.

(4) نهاية الاصول/ 19 الطبعة الحديثة.

28

2- و نقل عن صاحب الهداية الحكم بتغاير الطلب و الارادة و تخيّل أنّه وافق في هذه المسألة الأشاعرة، و خالف المعتزلة و الإمامية، فراجع الى نهاية الاصول‏ (1).

و لكن تفطّن مقرّره المحقّق في ذيل عبارة استاذه و ردّ هذه المقالة بما ذكره العلّامة الجدّ في الوقاية.

أقول: قال العلّامة الجدّ أبو المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الإصفهاني في كتابه وقاية الأذهان: العلّامة الجدّ (صاحب الهداية)، لم يخالف العدلية في ذلك و لم يجنح الى قول الأشاعرة قطّ، بل هو من ألدّ أعداء هذه المقالة، و أشدّ من خاصمهم، و قد قال في بحث مقدّمة الواجب بعد ما بيّن مذهب العدلية من أنّ حقيقة الطلب عندهم هي الإرادة المتعلّقة بفعل الشي‏ء أو تركه ما نصّه: و قد خالف في ذلك الأشاعرة فزعموا أنّ الطلب أمر آخر وراء الإرادة و جعلوه من أقسام الكلام النفسي المغاير عندهم للإرادة و الكراهة. و قد عرفت أنّ ما ذكروه أمر فاسد غير معقول مبنيّ على فاسد آخر أعني الكلام النفسي‏ (2) انتهى.

فلينظر المنصف الى هذا الإمام كيف يجعل مقالة الأشاعرة أمرا فاسدا غير معقول مبنيا على فاسد آخر ثمّ ليعجب ممّن نسب إليه موافقتهم، و يخالف في كلامه سنّة الأدب، و هو لم يعرف صحيح مرامه من صريح كلامه‏ (3).

الهداية في آثار السيد الإمام الخميني‏

آية اللّه الإمام السيد روح اللّه الخميني (قدّس سرّه‏) من أعاظم تلاميذ المحقّق الحائري و استفاد و استجاز أيضا من جدّنا العلّامة أبي المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الإصفهاني صاحب وقاية الأذهان و غيرهما حتى نال مراتب عالية في الفقه و اصوله، و صار من المراجع العظام و وفّقه اللّه تعالى لتأسيس الحكومة الإسلامية في إيران و أمره كالشمس في رابعة النهار.

____________

(1) نهاية الاصول/ 91.

(2) هداية المسترشدين/ 133 الطبعة الحجرية.

(3) وقاية الاذهان/ 188 طبعة مؤسسة آل البيت.

29

1- قال في كتابه في مباحث الألفاظ: و منها: ما نسب الى بعض الفحول من كون معانيها جزئيا إضافيا (1).

2- و قال: إلّا ما عن المحقّق صاحب الحاشية نقلا عن بعض من أنّ الرجوع إلى الهيئة مستلزم لرجوعه الى المادّة دون العكس‏ (2) ...

3- و قال في تعليقه على المجلد الثاني من الكفاية: و من مواقع النظر فيه:

أنّه قال: إن تقريب مقدّمات الانسداد، على هذا الوجه الثاني يقرب ممّا أفاد صاحب الحاشية و أخوه في الانسداد، و إن كان فرق بينهما، و تصدّى لبيان الفرق بما لا يرجع الى محصّل، و ظنّي أنّه من قصور العبارة (3).

4- و قال فيها: و أمّا ما أفاده صاحب الفصول (رحمه اللّه) تبعا لأخيه المحقّق (رحمه اللّه) من الاختصاص بالطريق فهو مبتن على مقدّمات‏ (4).

5- و في المجلد الثاني من كتابه‏ (5) نقل كلام صاحب الهداية فراجعه إن شئت.

فذلكة القول في الهداية

فظهر لك ممّا ذكرنا منزلة هداية المسترشدين في علم الاصول و أنّه كتاب نفيس و مورد لعناية أهل التحقيق و روّاد العلم، و صاحبه الإمام العلّامة التقي الشيخ محمد تقي النجفي الإصفهاني الرازي من أعاظم المحقّقين الذين قلّ نظيرهم في علم الاصول.

تنبيه: و للعلّامة الجدّ صاحب الهداية غير حاشيته على المعالم المسمّاة بهداية المسترشدين على اصول معالم الدين، رسالة في مسألة الأقل و الأكثر ردّ فيها قول العلّامة السيد محسن الكاظمي طاب ثراه.

____________

(1) مناهج الوصول الى علم الاصول 1/ 83.

(2) مناهج الوصول الى علم الاصول 1/ 365.

(3) انوار الهداية في التعليقة على الكفاية 1/ 325.

(4) انوار الهداية في التعليقة على الكفاية 1/ 383.

(5) انوار الهداية في التعليقة على الكفاية 2/ 288.

30

قال حفيده العلّامة أبو المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الإصفهاني في شأنها:

و له ردود على العلّامة السيد محسن الكاظمي (قدّس سرّه‏) في مسألة الأقلّ و الأكثر رأيتها بخطّه الشريف‏ (1).

تبصرة: قال صاحب الروضات في ترجمة صاحب الهداية: ... و له أيضا كتاب في الفقه الاستدلالي كبير جدّا كان يشتغل به أيّام تشرّفنا بخدمته المقدّسة إلّا أنّه بقي في المسوّدات و لم يدوّن منه مجلّد بعد (2).

و استدرك عليه جدّنا العلّامة أبو المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الاصفهاني: خرج منه كتاب الطهارة و هو في الفقه كالهداية في الاصول، و له شرح كتاب الوافي على ما نقل لي والدي طاب ثراه‏ (3).

أقول: وجدنا نسخة كتاب فقه صاحب الهداية في قريب من خمسمائة صفحة، سمي ب «تبصرة الفقهاء»، و فيه جلّ مسائل الطهارة و بحث مواقيت الصلاة، و بعض الزكاة، و قسم من البيع.

و هذا الكتاب تبصرة الفقهاء في الفقه، كالهداية في الاصول كما نقلناه عن جدّنا العلّامة أبي المجد في شأنه.

و إن شاء اللّه و بأذنه و عونه سوف يطبع لأوّل مرّة بعد هداية المسترشدين، و إنّه على كلّ شي‏ء قدير.

خاتمة المطاف: شكر و تقدير

و في الختام يجب علينا أن نشكر كل من سعى لإخراج الهداية بهذه الصورة الزاهية و نخصّ بالذكر:

1- سماحة آية اللّه السيّد محمّد علي الروضاتي (مدّ ظلّه) من أسباط صاحب الهداية، تفضّل علينا بإرسال نسخة خطّ المؤلّف التي تشمل المجلّد الأوّل من‏

____________

(1) تعليقته على روضات الجنات المسماة بأعلاط الروضات/ 10.

(2) روضات الجنات 2/ 124.

(3) اعلاط الروضات/ 10.

31

الكتاب، و استفدنا منها و صحّحنا الكتاب عليها، فلم نحتج إلى ذكر النسخ و اختلافها.

2- المحقّق الخبير حجّة الإسلام و المسلمين السيّد أحمد الحسيني الأشكوري (مد ظلّه) كتب بالتماس منّا حياة صاحب الهداية (قدّس سرّه‏).

3- قرّة عيننا و ولدنا البارّ، سماحة الحجّة الشيخ هادي النجفي- كان اللّه له- حيث بذل الجهد في إعداد مقدّمات التحقيق و أشرف على طبع الكتاب و إخراجه بهذه الحلّة القشيبة.

4- أصحاب مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة سيّما حجج الاسلام و المسلمين الشيخ محمّد رضا الفاكر و الشيخ محمد مهدي نجف، و الشيخ رحمت اللّه رحمتي دامت بركاتهم حيث ساعدونا على طبع الكتاب و نشره بهذه الطبعة الزاهية، أيّدهم اللّه تعالى و وفقهم لطبع التراث.

تمّت هذه المقدمة في يوم السبت غرّة ثاني الجمادين عام 1418 ببلدتنا إصفهان صانها اللّه تعالى عن الحدثان.

و أنا العبد الشيخ مهدي ابن الشيخ مجد الدين بن الشيخ محمد الرضا بن الشيخ محمد حسين بن الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي النجفي الإصفهاني صاحب هداية المسترشدين.

و الحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا، و صلّى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

32

ترجمة المؤلّف:

من كتاب «المفصل في تراجم الأعلام» للمحقق الخبير السيد أحمد الحسيني (مدّ ظلّه)

العلّامة الكبير، الفقيه الاصولي الشهير، استاذ الفقهاء و المجتهدين، مولانا الشيخ محمد تقي بن محمد رحيم بن محمد قاسم الأيوان كيفي الرازي الاصبهاني النجفي‏ (1).

كان والده يعرف ب «محمد رحيم بيك استاجلو» و قد سمّاه بعض «عبد الرحيم»، و لكن الموجود بخطّ صاحب الترجمة «محمد رحيم» و هو الأصحّ.

عشيرته و اسرته:

ينتهي نسب الاسرة الى عشيرة تعرف ب «استاجلو» التي كان لها صلة وثيقة بالسلاطين الصفوية منذ بداية حكومتها في ايران، و تصدّى بعض رجالها وظائف‏

____________

(1) الأيوان كيفي نسبة الى قرية «ايوان كي» و «أيوان كيف» من قرى ورامين في شرقي طهران، اشتهرت بذلك لبناية فيها أثرية قديمة يقال: إنها من أبنية سلاطين إيران الكيانية.

و «استاجلو» عشيرة كبيرة اتصلت بالأعمال الحكومية منذ سلطنة الشاه اسماعيل الصفوي.

و نسبة النجفي، لاعتزاز الاسرة بمنشأ صاحب الترجمة العلمي النجف الأشرف، و لم تزل تعرف بهذه النسبة، و هي تعرف «بالمسجد شاهي» أيضا نسبة الى مسجد شاه حيث كان علماؤها يقيمون صلاة الجماعة فيه.

33

حكومية هامّة في أيّام الصفويين و القاجاريين كما جاء في تواريخ تلك العصور.

أشغل والد الشيخ صاحب الترجمة بعض الوظائف الحكومية في «ايوان كيف»، إلّا أنه ترك الوظيفة و هاجر الى العتبات المقدسة بالعراق، و أقام بالنجف الأشرف منصرفا الى العبادة حتى وافاه الأجل في سنة 1217.

جدّه الأعلى ميرزا مهدي، أرسله السلطان نادر شاه الى النجف لتولّي شؤون تعمير الصحن العلوي الشريف، فتصدّى ذلك و سجّل اسمه على القاشي لبعض الكتائب.

بزغ نجم هذه الاسرة العلمي في إصبهان منذ نحو سنة 1225، حيث هاجر الشيخ في ما يقرب من هذا التاريخ من يزد اليها، و اشتهر بالمقام العلمي الرفيع و الزهد و التقوى، و التفّ حوله الخاصّة و العامّة، و انتهت إليه الزعامة العلمية و الإمامة.

اشتهر من الاسرة علماء مشاهير و فضلاء ذوي الأقدار و المكانة، كانوا و لم يزالوا موضع احترام العلماء و حفاوة سائر الطبقات المؤمنة في إصبهان و غيرها، نذكر أسماء بعضهم كنماذج بارزة لا للحصر:

1- أخو صاحب الترجمة، الشيخ محمد حسين الاصبهاني (ت 1261)، العالم الكبير مؤلّف الكتاب السائر في الأوساط العلمية «الفصول الغروية».

2- ابنه الشيخ محمد باقر المسجد شاهي الإصبهاني (ت 1301)، من أعاظم علماء إصبهان الفقهاء.

3- الشيخ محمد حسين النجفي الإصبهاني (ت 1308)، من وجوه تلامذة الإمام المجدّد ميرزا محمد حسن الشيرازي و مؤلّف التفسير القيّم «مجد البيان».

4- الشيخ أبو المجد محمد الرضا المسجد شاهي الإصبهاني النجفي (ت 1362)، العالم الكبير و الأديب الشاعر المشهور، مفخرة القرن الرابع عشر في العلم و الفضل و الأدب.

5- الشيخ محمد تقي آقا نجفي الإصبهاني (1332)، حفيد الشيخ و صاحب‏

34

المؤلّفات الكثيرة المطبوعة الذائعة و المتقدّم على علماء عصره بإصبهان.

6- الحاج آقا نور اللّه النجفي الإصبهاني (ت 1346) من تلامذة المجدّد الشيرازي و المشارك في النهضة المعروفة بإيران.

7- الاستاذ محمد باقر النجفي الإصبهاني المعروف بالفت (ت 1384)، العلّامة الأديب الفاضل المشهور.

8- الشيخ محمد علي النجفي الإصبهاني (ت 1318).

9- الشيخ مهدي بن الشيخ محمد علي النجفي (ت 1393)، صاحب المؤلّفات الكثيرة المتجاوزة على الثلاثين.

10- الشيخ جمال الدين النجفي الإصبهاني (ت 1354)، من أعلام علماء إصبهان و ذي المكانة المحترمة في مختلف الأوساط.

11- الشيخ محمد اسماعيل النجفي الإصبهاني (ت 1370).

12- الشيخ مجد الدين الملقّب بمجد العلماء النجفي الإصبهاني (ت 1403)، العالم الجليل الوجيه عند العامة.

يتّصل بيت النجفي مصاهرة ببيوتات علمية كبيرة معروفة في الأوساط العراقية و الإيرانية، بواسطة: بنت الشيخ جعفر الكبير النجفي صاحب كشف الغطاء المسمّاة «نسمة خاتون» أو «حبابة»، و هي زوجة الشيخ صاحب الترجمة، و توفّيت سنة 1295 و دفنت بجوار قبر زوجها في «تخت فولاد».

و العلوية بنت السيد صدر الدين العاملي، زوجة الشيخ محمد باقر النجفي.

و العلوية «ربابة سلطان بيگم» بنت السيد محمد علي المعروف بآقا مجتهد، حفيدة السيد محمد باقر حجة الاسلام الشفتي، زوجة الشيخ محمد حسين الإصبهاني و امّ أبي المجد.

قال الشيخ آقا بزرك الطهراني:

(آل صاحب الحاشية) بيت علم جليل في إصفهان، يعدّ من أشرفها و أعرقها في الفضل، فقد نبغ فيه جمع من فطاحل العلماء و رجال الدين الأفاضل، كما قضوا

35

دورا مهمّا في خدمة الشريعة، و نالوا الرئاسة العامّة لا في إصبهان فحسب، بل في إيران مطلقا، ففيهم علماء و فضلاء و أجلّاء.

مولده و شي‏ء عن نشأته:

لم يتعرّض أصحاب التراجم لتاريخ ولادة الشيخ و محلّها على التحديد، إلّا أنّ السيد المهدوي يحتمل أن تكون الولادة نحو سنة 1185- 1187 في قرية «أيوان كيف» (1) حيث كانت مسكن والده قبل هجرته الى العتبات المقدّسة.

و السيد الخوانساري صاحب الروضات يصرّح أنّه انتقل في عنفوان الشباب الى عتبات الأئمّة الأطياب، و هذا يعني أنّه ولد في القرية المذكورة.

كانت دراسته في الحوزات العلمية بالنجف الأشرف و كربلا و الكاظمية، فبقي أكثر من اثنتي عشرة سنة في كربلاء قبل وفاة المولى محمد باقر الوحيد البهبهاني (ت 1205)، و يذكر المترجمون له من أساتذته الذين درس لديهم في المراحل العالية و استفاد من علمهم جماعة لم نعرف تفصيل ما تتلمذ لديهم‏ (2)، و هم:

1- السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي النجفي، استفاد منه علما و عملا.

2- الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي، و له منه إجازة الحديث و الاجتهاد، و صاهره على بنته كما سبق ذكره.

3- المولى محمد باقر الوحيد البهبهاني.

4- السيد علي الطباطبائي الحائري.

5- السيد محسن الأعرجي الكاظمي.

____________

(1) «ايوان كي» أو «ايوان كيف» من توابع دماوند، و هي قرية كبيرة في الجنوب الشرقي من مدينة طهران و تبعد عنها 71 كم.

(2) نقل المرحوم الحبيب‏آبادي في مكارم الآثار عن شخص مجهول أن الشيخ صاحب الترجمة أخذ في العرفان و تهذيب النفس من درويش كافي النجف‏آبادي الإصبهاني، و أنكر بعض الأعلام أخذ الشيخ منه في السير و السلوك، و الانكار في محله.

36

6- الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي‏ (1).

يبدو من بعض القرائن في أحوال الشيخ أنه كان ذا جدّ و سعي كبير في تحصيل العلم و اكتساب الفضائل أيّام الدراسة و التحصيل، فإنّه كما يظهر من قائمة أسماء أساتذته و شيوخه- كان يختار أحسن رجال العلم و أشهر المدرّسين المتقدّمين في التدريس، و لو أدّى ذلك الى التنقّل في الحوزات العلمية و عدم الإخلاد الى الاستقرار و الطمأنينة في حوزة ما. بهذا و بما نرى من مؤلّفاته العلمية المتناهية في الدقّة و الإحاطة و الموقع الدراسي و العلمي الذي حصله زمن الإفادة، نستشف مدى جهده أيّام الطلب و ذكائه في تلقّي العلوم و تقدّمه على كثير من أترابه و معاصريه.

اضطرّ الى الهجرة من العتبات المقدّسة الى إيران على أثر صدمة الوهابيين و ابتلائه بمرض القلب، و لو كان باقيا بها لكان له شأن عظيم أكثر ممّا حصل له في إصبهان، و لكن اللّه تعالى يقدّر الامور و ليس ممّا قدر من مفرّ.

الهجرة الى ايران:

هاجر الشيخ من العراق الى إيران بعد سنة 1216 التي كان فيها واقعة حملة الوهابيين على كربلاء و المجزرة الدموية التى أجروا فيها و هتكوا الحرم الحسيني، و ظهرت منهم فضائح و جرائم لا يسع المقام شرحها، و ربّما كانت هجرته بعد وفاة والده سنة 1217، و يقال في سبب هجرته كثرة ديونه و ابتلائه بمرض القلب و اضطراب الوضع في كربلاء و النجف بسبب الحملة الوهابية عليهما.

قصد أول دخوله إيران زيارة الإمام الرضا (عليه السّلام)، فنزل بالمشهد في بيت الحاجّ ميرزا داود الخراساني الإصبهاني الذي كان من أجلّاء فضلاء المدينة (ت 1240)،

____________

(1) علّق السيد المهدوي هنا ما ملخّصه: يظهر أنّ حضور الشيخ لدى الأحسائي لم يكن للاستفادة العلمية، بل للوقوف على آرائه و أقواله التي كانت سببا لإقبال جمع عليه و تكفير آخرين له.

37

و أقام في ضيافته لمدّة أربعة عشر شهرا بكلّ تجلة و احترام، و كان الميرزا يدرس لديه في هذه المدّة علم الفقه و الاصول، و يذكرون أنّه أدّى كلّ ديون شيخه البالغة في ذلك الوقت ألف تومان.

ثمّ انتقل الشيخ من المشهد الرضوي الى يزد، و اشتغل فيها بتدريس الفقه و الاصول العاليين، و اجتمع عليه طلّاب العلوم الدينية للاستفادة من علمه و فضله.

بعد بقاء مدّة في يزد- لا نعلم مقدارها بالتحديد- انتقل الشيخ الى إصبهان مهد العلم يومذاك و مجمع كبار العلماء و الفحول، و كان ذلك نحو سنة 1225 احتمالا، فاحتفى به العلماء و الطلاب و بقية الطبقات المؤمنة، و بقي بها الى حين وفاته معزّزا مكرّما.

كان الشيخ- كما علمنا مما سبق- موضع حفاوة العلماء و الطّلاب أينما حلّ و حيثما ارتحل، يهتمّ بالتدريس و إفادة الطّلاب ممّا رزقه اللّه تعالى من العلم و الدراية، حريصا على وقته أن يضيع في ما لا طائل تحته، و على علمه أن لا يؤدي زكاته بتعليم الآخرين، و بهذا كان منبعا فياضا أينما اقام و مأسوفا عليه حيث انتقل.

الإقامة بإصبهان:

أوّل ما ورد الشيخ المترجم له مدينة «إصبهان»، سكن في محلّة «أحمد آباد»، و هي من المحلّات القديمة بهذه المدينة.

كوّن بعد استقراره حوزة تدريسية في مسجد المحلّة «مسجد ايلچي»، و شاع ذكره و عرف مقامه العلمي في أوساط الأفاضل و الطلّاب، فاجتمعوا عليه للاستفادة من درسه و تحقيقاته العلمية المعمّقة، و خاصّة في اصول الفقه الذي اشتهر بأنّه صاحب آراء خاصّة فيه.

كان يقيم صلاة الجماعة أيضا بهذا المسجد، و أمّه كثير من المؤمنين عند ما عرفوا مكانته الرفيعة في الزهد و التقوى و الإعراض عن زخارف الدنيا و التوجّه‏

38

التامّ الى اللّه تعالى، فكانت الصفوف مزدحمة بالمؤمنين المؤتّمين بصلاته جماعة.

كثرة الطلاب في مجالس التدريس و ازدياد عدد المصلّين في الجماعة بعد مرور مدّة على ورود الشيخ، سببا الشعور بالضيق و ضرورة الانتقال الى مكان أوسع، فانتقل الى محلّة مسجد شاه و الصلاة و التدريس في «مسجد شاه»، و هو من أبنية الشاه عباس الصفوي الكبير.

المؤهّلات العلمية في الشيخ و شدّة ممارسته لعلمي الفقه و الاصول و حسن الإلقاء في محاضراته، كانت أسبابا لنجاحه في التدريس لأعلى المراحل العلمية المسمّى ب «الخارج»، حتى نقلوا أنّ مجلس درسه كان يحضره ثلاثمائة الى أربعمائة طالب، و لازدحامهم طلب الميرزا محمد حسن المجدّد الشيرازي و بعض رفاقه من متقدّمي شباب الطلبة الذين كانوا يحضرون في مجالس الدرس آنذاك، طلبوا وقتا خاصّا بهم يستفيدون به أكثر لحلّ مشاكلهم العلمية، فأجابهم الاستاذ على ذلك و عيّن لهم ساعة يحضرون لديه و يطرحون ما أشكل عليهم، ثمّ يجدون الحلّ على أحسن ما يكون، و كان السيد المجدّد يتباهى بذلك و يأسف على قصر مدّته و مفاجأتهم بوفاة الاستاذ.

بعض تلامذته البارزين‏

لقد ذكرنا سابقا شيئا عن رفيع مقام الشيخ التدريسي و ازدحام الطلّاب على محاضراته العلمية، حتى ذكر بعض أنّ محضر درسه كان يحتوي على ثلاثمائة أو أربعمائة طالب، و كان في عصره المدرس الأول في حوزة إصبهان للدروس العالية، و العدد المذكور لا يعني الحصر فيه، بل كان التلامذة يتجددون حيثما تنتهي دورتهم الدراسية، فيكون العدد عاليا جدّا و العطاء العلمي و فيرا لا يمكن حصره في هذه الفئة خاصّة.

و في ما يلي نسرد أسماء المشاهير من تلامذة الشيخ من دون تعرّض لتراجمهم، و ذلك تبعا لطريقتنا في الأخذ بجانب الاختصار و عدم التطويل في الكلام:

39

1- ملا أحمد بن عبد اللّه الخوانساري.

2- ميرزا محمد باقر الخوانساري الإصبهاني صاحب الروضات.

3- الشيخ محمد تقي الگلپايگاني.

4- المولى محمد تقي الهروي الإصبهاني.

5- السيد محمد حسن الخواجوئي الإصبهاني.

6- مير سيد حسن المدرس الإصبهاني.

7- ميرزا محمد حسن المجدّد الشيرازي.

8- السيد ميرزا حسن الرضوي المشهدي.

9- آقا حسين اللنجاني الإصبهاني.

10- الشيخ محمد حسين الاصبهاني، أخوه صاحب الفصول.

11- الحاج ملا حسين علي التويسركاني.

12- ميرزا داود الشهيد الإصبهاني الخراساني.

13- المولى زين العابدين الگلپايگاني.

14- السيد محمد صادق الموسوي الخوانساري.

15- ملا عبد الجواد التوني الإصبهاني.

16- الشيخ عبد الجواد الخراساني.

17- ملا علي قاربوزآبادي الزنجاني.

18- الشيخ فتح اللّه الشاروي القزويني.

19- مير محمد بن محمد حسين الشهرستاني الحائري، و له منه إجازة.

20- الحاج آقا مهدي المهدوي الكرمانشاهي.

21- الشيخ مهدي الكجوري الشيرازي.

22- المولى هادي الأسرار السبزواري، مؤلّف شرح المنظومة المعروف في الفلسفة.

23- ميرزا هداية اللّه ابرسجي الشاهرودي.

40

24- الشيخ محمد الطهراني النجفي‏ (1).

قالوا فيه:

لقد طفحت كتب التراجم بعبارات تنم عن عظيم مكانة الشيخ بين معاصريه و جليل منزلته عند من ترجمه بعد عصره، فقد بجلوا بمقامه العلمي و مجدوا زهده و تقواه بشتى التعابير و مختلف الألفاظ، و في ما يلي نورد بعض ما قالوه اكتفاء باليسير عن الكثير:

قال السيد الخوانساري في «روضات الجنات»:

«فأصبح أفضل أهل عصره في الفقه و الاصول، بل أبصر أهل وقته في المعقول و المنقول، و صار كأنّه المجسم في الأفكار الدقيقة، و المنظم من الأنظار العميقة، استاذا للكلّ في الكلّ، و في اصول الفقه على الخصوص، و جنّات الفضل الدائمة الاكل في مراتب المعقول و المنصوص، فجعل أفئدة طلّاب العصر تصرف إليه، و أخبية أصحاب الفضل تضرب لديه، بحيث لم ير في الدنيا مدرس أخصّ بأهله من مدرسه الشريف، و لا مجلس أفيد لنهله من مجلسه المنيف ...».

و قال الشيخ القمي في «الفوائد الرضوية» ما تعريبه مختصرا:

«الشيخ العالم الفاضل المحقّق المدقّق، قدوة المحقّقين و ترجمان الاصوليين، صاحب تعليقة كبيرة على المعالم. اختصّ بالشيخ جعفر الكبير صاحب كشف الغطاء حتى زوّجه بابنته ...».

و قال المدرّس الخياباني في «ريحانة الأدب» ما تعريبه:

«من أكابر فحول علماء الإمامية أواسط القرن الثالث عشر الهجري، فقيه اصولي محقّق مدقّق عابد زاهد، عميق الفكر دقيق النظر .. جلالته العلمية و العملية

____________

(1) الشيخ محمد بن محمد علي الخراساني الطهراني، ابن اخت صاحب الترجمة و من المدرسين المجيدين، رتب الجزء الثالث من كتاب «هداية المسترشدين» و أخرجه من المسودة الى المبيضة، صاهر خاله على ابنته الصغرى و لكن لم تدم حياتهما الزوجية طويلا فافترقا.

41

مشهورة، بل تقدّم على معاصريه في المعقول و المنقول بشهادة بعض المترجمين له، خصوصا في اصول الفقه الذي كان فيه بغاية التبحّر .. انتهت اليه المرجعية بإصبهان، و كان يحضر في حلقة درسه قريبا من ثلاثمائة طالب ..».

و قال الشيخ آقا بزرك الطهراني في «الكرام البررة» ص 215:

«أحد رؤساء الطائفة و محقّقي الإمامية المؤسّسين في هذا القرن (القرن الثالث عشر). فاز بدرجة عالية من العلم و العمل، معقولا و منقولا فقها و اصولا.

و قد حظي هذا الكتاب (حاشية المعالم) بالقبول، و لاقى استحسان الأكابر و الفحول من المحقّقين و الأعلام .. و الحقّ أنّه يكفي للاستدلال على مدى إحاطة المترجم و تبحّره و تحقيقه في علم الفصول، ففيه تحقيقات عالية خلت منها جملة من الأسفار الجليلة، و لم تزل آراؤه و نظرياته محطّ أنظار الأفاضل و محور أبحاثهم الى الآن».

آثاره العلمية:

بالرغم من اشتغال الشيخ بالتدريس و تربية الطلّاب و القيام بالشؤون الاجتماعية و قضاء حوائج الناس، دبّجت يراعته آثارا علمية اشتهر بعضها في الحوزات و عند العلماء، و بقي بعضها الآخر غير معروف لدى الجهابذة، و فيما يلي نذكر هاتيك الآثار مع الإجمال في وصفها:

1- أجوبة المسائل، جوابات على استفتاءات بعضها مختصر و في بعضها تفصيل.

2- أحكام الصلاة، في مكتبة السيد المرعشي رسالة فارسية في أحكام الصلاة برقم 655، الفت سنة 1245 نظنها له.

3- تبصرة الفقهاء، استدلالي نجز منه كتاب الطهارة و أوقات الصلاة و كتاب الزكاة و بعض البيع.

4- تقرير أبحاث بحر العلوم، كتاب الطهارة شرحا على كتاب «الوافي»، كتبه‏

42

حين دراسته على السيد محمد مهدي بحر العلوم النجفي.

5- حجّية المظنّة. طبع مع حاشية معالم الاصول.

6- عدم مفطرية التتن. ردّ على بعض معاصري الشيخ.

7- الرسالة العملية.

8- فساد الشرط ضمن العقد. في شرط الضمان لو ظهر المبيع مستحقا للغير.

9- شرح الأسماء الحسنى.

10- كتاب الطهارة، و هو غير شرحه على الوافي المذكور سابقا، توجد نسخته في مكتبة السيد المرعشي العامة بقم.

11- الفقه الاستدلالي. الظاهر أنه نفس كتابه الاستدلالي في الطهارة و ليس كتابا غيره، و قد صرّح بعض أنّه لم يخرج من المسودّة و ذكر أنّه كتاب كبير جدّا.

12- هداية المسترشدين في شرح معالم الدين. و هو شرح أو حاشية موسّعة على قسم اصول الفقه من كتاب «معالم الدين» للشيخ حسن بن زين الدين العاملي، و قد اشتهر في الحوزات العلمية الشيعية و تلّقاه العلماء بعين الإكبار.

13- مسألة الظنون. ذكرها كذلك تلميذه السيد الخوانساري و قال: إنّه مستخرج من كتاب الهداية، و لعلّها هي رسالته «حجّية المظنّة».

أمّا فوائد الامة في ردّ شياطين الكفرة فهو للشيخ محمد تقي المعروف بآقا نجفي الإصبهاني، و قد نسبوه الى صاحب الترجمة اشتباها.

موقع هداية المسترشدين:

شرح استدلالي كبير على القسم الاصولي من كتاب «معالم الدين» للشيخ أبي منصور حسن بن الشهيد زين الدين العاملي (ت 1011)، الذي أصبح منذ تأليفه مدارا للتدريس في الحوزات العلمية في المرحلة الوسطى، و قد شرحه كثير من العلماء المشتغلين بالاصول دراسة و تدريسا، و كتبوا عليه حواش مختصرة و مفصّلة يصعب عدّ أساميها و تعداد النسخ الموجود منها في المكتبات العامّة و الخاصّة.

43

و لعلّ من أبرز هذه الشروح و الحواشي ذكرا الكتاب القيّم الذي نحن بصدد التعريف به، و قد ذكره جماعة من المؤلّفين في التراجم و المفهرسين للكتب و أشادوا به، حتى قال عنه العلّامة الحاج ميرزا حسين النوري في كتابه السائر «مستدرك وسائل الشيعة- الخاتمة»: هذا الكتاب في الاصول كفصل الربيع في الفصول.

و هو حاشية مفصّلة بعناوين «قوله- قوله» بلغ تبييض المؤلّف فيها الى مبحث مفهوم الوصف في جزأين تمّ الأول منهما في ليلة الجمعة عاشر ربيع الثاني سنة 1237، و يصرح شيخنا الطهراني في كتابه الكرام البررة ص 216 أنّ ابن اخت المؤلّف- و هو الشيخ محمد بن محمد علي الخراساني الطهراني- جمع مواد الجزء الثالث من مسودّاته، و لم يكن قد خرج هذا الجزء الى البياض.

و لشهرة هذا الكتاب عرف مؤلّفه ب «صاحب الحاشية» و «صاحب الهداية»، و هكذا سمّي في جملة من كتب اصول الفقه.

طبع هذا الكتاب على الحجر مكررا؛ منها في سنوات 1269 و 1272 و 1281 و 1282 و 1310، و لتداوله بين الطلاب و المحصّلين نجد منه نسخا مخطوطة كثيرة في المكتبات العامّة و الخاصّة، و قد علّق عليه جماعة من العلماء تعاليق لا نطول المقام بذكرها.

يشتمل هذا الكتاب على تحقيقات ممتازة مع التعرّض لمختلف الآراء و الأدلّة مع المناقشات الطويلة لما ينقل عن أعلام العلماء و الاصوليين، و خاصّة في مباحث الألفاظ التي لقيت منه عناية أكثر من المباحث العقلية، و يهتمّ فيه بشكل ملحوظ بآراء العالم الاصولي الشهير ميرزا أبو القاسم الجيلاني القمي المدرجة في كتابه القيم «قوانين الاصول»، و يتصدّى لها بمناقشات فيه الشي‏ء الكثير من التحقيق.

نظرة خاطفة على كلّ تعليقة من هذه الحاشية، تبين مدى إحاطة المؤلّف على جمع مختلف الآراء و تمحيصها تمحيصا دقيقا و دراستها من مختلف جوانبها،

44

فهو لا يقنع بنقل قول ما كيفما كان، و لكنه يقلّبه ظهرا لبطن و يحسب له حساب الخبير المتمرّس المحقّق. و يكفي لمعرفة مدى فحص الشيخ في الآراء اللغوية و الاصولية و الاستنتاج الصحيح من مجموعها، النظر بدقّة في التعليقة الاولى على قول صاحب المعالم «الفقه في اللغة الفهم».

و من الجانب الفقهي:

عرف شيخنا المترجم له- في عصره و بعد عصره- بتبحّره في اصول الفقه لانتشار كتابه «هداية المسترشدين» و تداوله بين العلماء في الحوزات العلمية، و الاصول من المقدّمات التي لا بدّ للفقهاء من النظر فيها توطئة للاجتهاد و استنباط الأحكام الشرعية و التصدّي للفتوى، و ليس هذا الفنّ مقصودا بالذات كما يعلمه المشتغلون بالدراسات العالية، و توفر آلات الاجتهاد يمهّد للشخص طريق الاستنباط، فكلّما كانت هذه الآلات أوفر يكون سبيل الوصول الى الهدف الغائي أيسر و أسهل. و من هنا نجد كثيرا من أعلامنا المجتهدين يتوغّلون في القواعد الاصولية، و به يكون استنباطهم للمسائل الفقهية أوفق و أركز دعامة.

اشتغل الشيخ في أيام الدراسة و الطلب بالفقه و الاصول معا، ثم درّس فيهما طيلة حياته ممارسا لهما معا و فاحصا عن أدلتهما سوية، و لذا نراه في كتابه «تبصرة الفقهاء» مستوعبا لجوانب المسائل الفقهية، كما هو الحال في كتابه «هداية المسترشدين».

لم يوفّق الشيخ الى إكمال الشوط لكلّ أبواب الفقه في كتابه «تبصرة الفقهاء»، بل كتب منه نبذا من كتاب الطهارة و الصلاة و الزكاة و البيع، و بهذه النبذ دلّنا على قوّة عارضته في الاجتهاد الفقهي و تسلّطه على الأقوال و الآراء و قدرته الفائقة على نقدها و تمحيصها، ثمّ لباقته الممتازة في عرض الأدلة من الكتاب الكريم و السنّة المأثورة عن أهل البيت (عليهم السّلام) و استخراج الحكم الأوفق بها.

نرى شيخنا الفقيه عند ما يتعرّض لموضوع ما، يبدأ بما ذكره اللغويون مع‏

45

الجرح و التعديل لما ذكروه و تطبيقه بالذوق العرفي، ثمّ يستعرض أهمّ الآراء لكبار الفقهاء و يتناولها بالفحص و النقد العلمي، ثمّ يأتي بالأدلّة الفقهية من الآيات و الأحاديث و يسندها بما يؤدي اليه نظره، و يستخرج بالتالي فتواه غير مشوبة بالضعف على الأغلب. و بهذه الطريقة المتأنية يدلّنا على تمكّنه من الاجتهاد و يعرّفنا الطريقة الصحيحة للاستنباط.

وفاته:

توفي شيخنا صاحب الترجمة وقت الزوال من يوم الجمعة منتصف شهر شوال لسنة 1248 بإصبهان، و صلّى عليه الشيخ محمد إبراهيم الكلباسي أو السيد محمد باقر حجة الإسلام الشفتي، و اقتدى في الصلاة جماعة كبيرة من العلماء و بقية الناس.

دفن في المقبرة المعروفة ب «تخت فولاد» و اقبر في «بقعة مادر شاهزاده» التي عرفت بعد ذلك عند بعض المؤرخين «بقعة الشيخ محمد تقي».

أبّنه جماعة من الادباء و رثاه جملة من الشعراء و أرخوا وفاته بالعربية و الفارسية، منها قصيدة تلميذه ميرزا محمد باقر الخوانساري التي يقول فيها:

يا للذي أضحى تقيا نهتدي‏* * * بهداه كالبدر المنير الأوقد

أسفا لفقد إمامنا الحبر الذي‏* * * حتى الزمان لمثله لم نفقد

أسفا عليه و ليس يعقوب الأسى‏* * * في مثل يوسف هجره بمفنّد

لهفي على من لا يفي لثنائه‏* * * رفش الأجام على مجال القدقد

العلم أمسى بعده مترحلا* * * و الشرع لم ير بعده بمؤيّد

مهما أخال زحام حلقة درسه‏* * * ينشق قلبي من شديد تجلدي‏

واحسرتا أهل المدارس إذ جنت‏* * * أيدي الحوادث في إمام المسجد

وا كربتاه لمسلمي هذي الحمى‏* * * من ثلمة الإسلام في المتجدد

من ثلمة لا يسددنّ و بددت‏* * * شمل الفضائل و العلى و السؤدد

46

نقصت طلاع الأرض من أصرافها* * * في موت مولانا التقي محمد

لا يوم للشيطان كاليوم الذي‏* * * ينعى بمثلك من فقيه أوحدي‏

لما مضيت مضت صبابة من هوى‏* * * مجدا و أنت من السليل الأمجد

علّامة العلماء من في جنبه‏* * * أركانهم بمكان طفل الأبجد

مولاي أي قطب الأنام و طودهم‏* * * و مشيد الشرع المنير الأحمدي‏

لا سقي ربع ملت عنه و حبذا* * * رمس أحلك طاهرا من مشهد

جسد لك العفر المعطر ضمه‏* * * أم لحدوا جدثا لكنز المسجد

من ذا يحل المعضلات بفكرة* * * تفري و من لاولي الحوائج من غد

و من الذي يحيي الليالي بعدكا* * * بتفقّه و تضرّع و تهجّد

أين الذي ما زال سلسل خلقه‏* * * لذوي عطاش الخلق اروى مورد

طابت ثراه كما أتى تاريخه‏* * * طارت كراك الى النعيم السرمدي‏

مصادر الترجمة:

روضات الجنات 2/ 123، مستدرك وسائل الشيعة 3/ 400، أعيان الشيعة 9/ 198، الفوائد الرضوية ص 434، قصص العلماء ص 117، مرآة الأحوال 1/ 138، مكارم الآثار ص 1327، ريحانة الأدب 3/ 403، الكرام البررة ص 215، نجوم السماء 1/ 477، تذكرة القبور ص 72، الروضة البهية ص 262، لباب الألقاب ص 50، ترجمة هدية الرازي ص 32، الذريعة في مختلف الأجزاء، الأعلام للزركلي 6/ 62، معجم المؤلفين 9/ 131، هدية العارفين 2/ 362، تاريخ علمي و اجتماعي إصفهان 1/ 125 (و منه أكثر هذه الترجمة).

47

() صورة الصفحة الاولى من نسخة الأصل‏

48

() صورة الصفحة الأخيرة من نسخة الأصل‏

49

معالم الدين:

فصل‏

الفقه في اللغة: الفهم و في الاصطلاح هو: العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة. فخرج بالتقييد بالأحكام العلم بالذوات كزيد مثلا، و بالصفات ككرمه و شجاعته، و بالأفعال ككتابته و خياطته.

و خرج بالشرعيّة غيرها كالعقليّة المحضة و اللّغويّة. و خرج بالفرعيّة الاصوليّة. و بقولنا: «عن أدلّتها» علم اللّه سبحانه، و علم الملائكة و الأنبياء، و خرج بالتفصيليّة علم المقلّد في المسائل الفقهيّة؛ فانّه مأخوذ من دليل إجماليّ مطّرد في جميع المسائل؛ و ذلك لأنّه إذا علم أنّ هذا الحكم المعيّن قد أفتى به المفتي، و علم أنّ كلّما أفتى به المفتي، فهو حكم اللّه تعالى في حقّه، يعلم بالضرورة أنّ ذلك الحكم المعيّن هو حكم اللّه. سبحانه في حقّه. و هكذا يفعل في كلّ حكم يرد عليه.

و قد أورد على هذا الحدّ: أنّه إن كان المراد بالأحكام البعض لم يطّرد؛ لدخول المقلّد إذا عرف بعض الأحكام كذلك؛ لأنّا لا نريد به العاميّ، بل من لم يبلغ رتبة الإجتهاد. و قد يكون عالما متمكّنا من تحصيل ذلك، لعلوّ رتبته في العلم، مع أنّه ليس بفقيه في الاصطلاح.

و إن كان المراد بها الكلّ لم ينعكس؛ لخروج أكثر الفقهاء عنه، إن لم يكن كلّهم؛ لأنّهم لا يعلمون جميع الأحكام، بل بعضها أو أكثرها.

50

ثمّ إنّ الفقه أكثره من باب الظنّ؛ لابتنائه غالبا على ما هو ظنّيّ الدلالة او السند. فكيف اطلق عليه العلم.

و الجواب: أمّا عن سؤال الأحكام، فبأنّا نختار أوّلا: أنّ المراد البعض. قولكم: «لا يطّرد لدخول المقلّد فيه» قلنا: ممنوع، أمّا على القول بعدم تجزّي الاجتهاد، فظاهر؛ اذ لا يتصوّر على هذا التقدير، انفكاك العلم ببعض الأحكام كذلك عن الاجتهاد؛ فلا يحصل للمقلّد، و إن بلغ من العلم ما بلغ. و أمّا على القول بالتجزّي، فالعلم المذكور داخل في الفقه، و لا ضير فيه؛ لصدقه عليه حقيقة و كون العالم بذلك فقيها بالنسبة إلى ذلك المعلوم اصطلاحا و إن صدق عليه عنوان التقليد بالاضافة إلى ما عداه.

ثمّ نختار ثانيا: أنّ المراد بها الكلّ- كما هو الظاهر؛ لكونها جمعا محلّى باللّام، و لا ريب أنّه حقيقة في العموم- قولكم: «لا ينعكس لخروج أكثر الفقهاء عنه»، قلنا: ممنوع، إذ المراد بالعلم بالجميع التهيّؤ له، و هو أن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه من المآخذ و الشرائط، بأن يرجع إليه، فيحكم. و إطلاق «العلم» على مثل هذا التهيّؤ شايع في العرف؛ فانّه يقال في العرف: «فلان يعلم النّحو» مثلا، و لا يراد أن مسائله حاضرة عنده على التفصيل. و حينئذ فعدم العلم بالحكم في الحال الحاضر لا ينافيه.

و امّا عن سؤال الظنّ، فبحمل «العلم» على معناه الأعمّ، أعني ترجيح أحد الطرفين، و إن لم يمنع من النقيض، و حينئذ فيتناول الظنّ.

و هذا المعنى شايع في الاستعمال، سيّما في الأحكام الشرعيّة.

و ما يقال في الجواب أيضا- من أن الظنّ في طريق الحكم، لا فيه نفسه، و ظنّية الطريق لا تنافي علميّة الحكم- فضعفه ظاهر عندنا. و أمّا عند المصوّبة القائلين بأنّ كلّ مجتهد مصيب- كما سيأتي الكلام فيه، إن شاء اللّه تعالى، في بحث الاجتهاد- فله وجه. و كأنّه لهم. و تبعهم فيه من لا يوافقهم على هذا الأصل، غفلة عن حقيقة الحال.

51

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين محمّد و عترته الأطائب الأكرمين.

[تعريف الفقه‏]

قوله: (الفقه في اللغة: الفهم)

كما نصّ عليه الجوهري و غيره، قال اللّه تعالى: «وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (1) و خصّه بعضهم بفهم غرض المتكلّم من كلامه، و آخر بفهم الأشياء الدقيقة. و في مفردات الراغب: أنّه التوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد.

و الفهم مطلق الإدراك؛ و لذا فسّره الجوهري بالعلم. و قيل: هو جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب المطالب و سرعة انتقاله من المبادئ إلى المقاصد.

و الظاهر ثبوت الإطلاقين، و كأنّ الأوّل هو الأصل في معناه و الثاني مأخوذ منه.

و كيف كان، فالظاهر هنا هو الأوّل، إذ إطلاق الفقه على الثاني بعيد جدّا، و على فرضه فالظاهر أنّه مجاز فيه، كما لا يخفى.

قوله: (و في الاصطلاح)

الظاهر أنّ ذلك من مصطلحات الفقهاء، و ليس معنى شرعيّا ليكون حقيقة شرعيّة فيه بناء على القول بثبوتها. نعم قد اطلق التفقّه في الدين على معرفة أحكام‏

____________

(1) الإسراء: 44.

52

الشرع في الآية الشريفة (1)، و كذا في الأخبار المأثورة. و الظاهر أنّ المراد به مجرّد العلم بالأحكام الشرعيّة، فاستعماله في الآية فيما عدا المعنى اللغوي غير معلوم، و كذا في عدّة من الأخبار المسوقة سوق الآية. إلّا أنّ الظاهر شيوع إطلاقه على خصوص المعرفة بالأحكام الشرعية بعد شيوع الإسلام في أعصار الأئمّة (عليهم السّلام)، غير أنّ استعماله في خصوص المعنى المشهور غير معلوم، فقد يكون المراد به مطلق المعرفة بالأحكام الشرعية، سواء كانت بطريق النظر أو الضرورة على وجه السماع من المعصوم أو غيره على سبيل الاجتهاد أو التقليد، كما في قوله (عليه السّلام):

«الفقه ثمّ المتجر» (2) فإنّ الظاهر أنّ المراد به معرفة أحكام التجارة و لو بطريق التقليد، حتّى أنّ إطلاقه على علومهم (عليهم السّلام) بالمسائل الفقهيّة غير بعيد. و إطلاق «الفقيه» على الكاظم (عليه السّلام) معروف في كلام الرواة.

و كان يطلق أيضا في الصدر الأوّل على علم الآخرة و معرفة دقائق آفات النفوس و مفسدات الأعمال و مصلحاتها و قوّة الإحاطة بحقارة الدنيا و شدّة التطلّع على نعيم الآخرة و استيلاء الخوف على القلب، نصّ على ذلك بعض أفاضل المتأخّرين‏ (3) و قال: إنّ اسم الفقه في العصر الأوّل إنّما كان يطلق على ذلك، و جعل آية التفقّه شاهدة عليه.

و يظهر من كلام بعض المحدّثين كون المعنى الأوّل من المعاني الشرعيّة؛ و لذا ناقش في المقام في إخراج الضروريّات عن الفقه بالمعنى المذكور قائلا:

بأنّ الإجماع على بعض الأحكام من فرق الإسلام كلّها لا يخرجها عن كونها مسألة فقهيّة بحسب إطلاق الشرع، ألا ترى أنّ كثيرا من الفرعيّات ممّا قد انعقد إجماع المسلمين عليها مع أنّها دوّنت في الكتب، و ذكروا مدارك أحكامها. و نصّ بأنّ الفقهاء لم يزعموا أنّ هذا الإصطلاح اخترعوه من عند أنفسهم، بل قالوا:

____________

(1) و هي قوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ... التوبة: 122. اثبتناه من المطبوع [1].

(2) الوسائل 12: 282، الباب 4 من أبواب آداب التجارة، ح 1.

(3) الظاهر أنّ هذا من كلام الغزالي (منه (رحمه اللّه)).