هداية المسترشدين - ج2

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
783 /
3

الجزء الثاني‏

[تتمة المطلب الثاني فى الاوامر و النواهى‏]

[تتمة البحث الاول في الاوامر]

[كلمة مهمّة حول الكتاب‏]

تنبيه‏ قد وردت في آخر المطبوع الّذي أشرف على طبعه الشيخ محمّد الطهراني- ابن اخت المؤلّف (قدّس سرّهما‏)- كلمة مهمّة حول الكتاب، رأينا أن نوردها في أوّل هذا المجلّد لنكتة، و هي أنّ الجزء الأوّل من هذا السفر الشريف من أوّله إلى آخره وصل إلينا بخطّ المؤلّف، و هو (قدّس سرّه‏) بنفسه باشر نظمه و ترتيبه و تهذيبه. و أمّا الجزء الثاني و الثالث- من المأسوف عليه- ليسا بهذا الشأن، فاللازم علينا أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى تلك الكلمة ليكون على بصيرة قبل الشروع في المطالعة، و إليك نصّها:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه في الأوّل و الآخر، و الباطن و الظاهر، و الصلاة و السلام على محمّد و أهل بيته، اولي المناقب و المفاخر.

و بعد فيقول أحوج المحتاجين الى عفو ربّه الغنيّ، محمّد بن محمّد عليّ سقاهما اللّه كأس الغفران، و هداهما رياض الرضوان:

إنّ هذا الكتاب المستطاب الموسوم بهداية المسترشدين- المعلّق على اصول معالم الدين للفاضل المحقّق الشيخ حسن بن الشيخ زين الدين حشرهما اللّه مع الأئمّة الطاهرين- من مصنّفات الإمام الهمام، و المولى القمقام، العالم العامل، و الفاضل الكامل، بحر الفواضل و الفضائل، و فخر الأواخر و الأوائل، قدوة المحقّقين، و نخبة المدقّقين، و اسوة العلماء الراسخين، و رئيس الفقهاء و المجتهدين، مخيّم أهل الفضل و الحجى، و محطّ رحال أرباب العلم و النهى، قطب‏

4

رحى المجد الأثيل، و محيط دائرة الفعل الجميل، منبع العدل، و سبّاق غايات الفضل، ملاذ الشيعة، و موضح أحكام الشريعة، كاشف أسرار الآثار و ابن بجدتها، و مبدع أبكار الأفكار و أبو عذرتها، الزكي الذكي، و التقي النقي، و المهذّب الصفي، و الحبر الألمعي، مولاي و عمادي، و خالي و استاذي، الشيخ محمّد تقي- أسكنه اللّه فراديس الجنان، و أفاض على تربته السنيّة شآبيب الرحمة و الغفران بها- إنّ هذا الكتاب العزيز السنيّ، بل الدرّ البهيّ و النور الجليّ، كأنّه كوكب درّي، كتاب لو أنّ الليل يرمى بمثله لقلت: بدا من حجرتيه ذكاء من أجلّ الكتب و أعلاها، و أنفسها و أغلاها، قد تضمّن مطالب شريفة و مباحث لطيفة لم يتنبّه لها أحد من علمائنا المتبحّرين من المتقدّمين و المتأخّرين، و اشتمل على تنبيهات فائقة، و إشارات رائقة، خلت عنها كتب السابقين و زبر السالفين و احتوى من التحقيقات الرشيقة و التدقيقات الأنيقة ما لم يسمح بها خواطر اولي الأفكار العميقة، و لم يعثر عليها بصائر ذوي الأنظار الدقيقة.

للّه درّ صحيفة تهدي الورى‏* * * سبل الهدى و مسالك الإرشاد

لو شاهدت صحف الفضائل فضلها* * * شهدت به في محضر الأشهاد

كالماء صفوا غير انّ وراءها* * * نارا تذيب جوانح الحسّاد

ذرفت بأمطار الفضائل بعد ما* * * شرفت برشح أنامل الاستاد

و لعمري أنّه لحريّ بأن يوضع فوق العينين، و يقام مقام النيّرين، و يناط على قمم البدور و يعلّق على ترائب الحور. فجزاه اللّه عن العلم و أهله خيرا، و أعطاه بكلّ حرف منه يوم القيامة نورا.

ثمّ إنّ هذا المصنّف الشريف و المؤلّف المنيف- على ما هو عليه من علوّ الشأن و سموّ المحلّ و المكان- قد طرأه القصور لأمرين، و تطرّق إليه الخلل من وجهين:

أحدهما: خلوّه عن جملة من المباحث و نقصانه جملة اخرى ممّا اشتمل عليه من المسائل، و السبب فيه أنّ الّذي برز في حياة المصنّف- طاب مراقده- من هذا التأليف و أفرغه في قالب التنضيد و الترصيف و كان هو الّذي باشر جمعه و ترتيبه‏

5

و نظمه و تهذيبه مجلّدان أنهى الأوّل منهما إلى أوّل مسألة المرّة و التكرار، و بلغ من الثاني إلى مسألة مفهوم الوصف، فبينا يكتب المسألة المذكورة و هو يومئذ في محروسة إصبهان، و الطلبة مجتمعون عنده من كلّ مكان يقتبسون منه أنوار العلوم الدينيّة، و يروون من رحيق المعارف اليقينيّة إذ أشار الدهر إلينا بالبنان و أصابتنا عين الزمان، فاختفى بعد أن كان ظاهرا مشهورا، و أصبح لفقده العلم كأن لم يكن شيئا مذكورا.

ثمّ إنّي عثرت له أعلى اللّه مقامه على أوراق متشتّة، و مسودّات متفرّقة قد كتبها في سالف الزمان، من مسألة الأمر بالشي‏ء مع علم الآمر بانتفاء شرطه إلى مباحث الاجتهاد، فصرفت برهة من الزمان في جمع شتاتها و ترتيب متفرّقاتها، و لم أقتصر على إيراد المسائل التامّة، بل نقلت من المباحث كلّ ما وجدت منه جملة وافية بتحقيق مقام كافية في توضيح مرام و إن كان المبحث غير تامّ، و أسقطت كلّ مسألة لم أجد منها إلّا قليلا لا يروي غليلا، فبلغ المجلّد الّذي جمعته قريبا من عشرين ألف بيت.

و بلغ الكتاب بأجمعه ما يقرب من خمسة و أربعين ألف بيت. و كان المصنّف (قدّس سرّه‏) يقول: إنّ الكتاب لو تمّ يكون نحوا من ثمانين ألف بيت، فيكون الناقص منه إذن نحوا من خمسة و ثلاثين ألف بيت.

و ثانيهما: أنّ أكثر نسخ الكتاب قد كثر فيها تحريف النسّاخ و تصحيف الكتّاب حتّى كاد أن لا ينتفع بالنسخ المذكورة لأجلها، و تحصل المباينة الكلّية بين الفروع و أصلها، و لا سيّما المجلّد الثالث فقد كان أسوء حالا و أشدّ اختلالا من المجلّدين الأوّلين، بل لم يوجد منه نسخة صحيحة في البين. و على ذلك جرت النسخ المطبوعة و إن كانت أصحّ من جملة من النسخ المكتوبة، فأضحت نسخ هذا الكتاب المستطاب الّذي قرن به عيون اولي الألباب غير صالحة لكامل الانتفاع و لا مقبولة لدى الطباع، إذ كانت لا تشفي العليل و لا تروي الغليل بل لا ينتفع بها إلّا أقلّ قليل، لكثرة ما فيها من السقط و التغيير و التبديل. فعظم ذلك على الراغبين‏

6

و ضاقت به صدور الطالبين. و حيث تصدّى لتجديد طبعه في هذا الزمان بعض أهل الصلاح التمسني جماعة من الإخوان أن اجيل فيه قلم الإصلاح، فلم أر بدّا من إسعاف مسؤولهم و إنجاح مأمولهم، فشمّرت عن ساق الجدّ، و بلغت أقصى درجة المجد، و أخذت في ملاحظة الكتاب و مطالعته و تصحيحه و تنقيحه، فمتى عثرت على لفظ غلط أو كلام في البين سقط وضعت الصحيح موضع السقيم و أتيت عن الساقط بما يستقيم، فكأنّه عين أصله أو شي‏ء كمثله، و نبّهت على جملة ممّا كان من هذا الباب في حواشي الكتاب. و هناك مواضع يسيرة و مواقع غير كثيرة، و منها بعض أخبار مرويّة و عبارات محكيّة بقيت على حالها و طويت على اختلالها، حيث لم تحضرني النسخة و لم تساعدني الفرصة. و ربما زاغ البصر و أخطأ النظر فحصل الذهول عن بعض ما يجب أن يغيّر، فإنّ الإنسان ليس بمأمون عن الخطأ و النسيان، إلّا أنّ ما كان من هذا القبيل قليل، و مع ذلك فليس بحيث يخلّ بالفهم أو يوقع الناظر في الوهم.

و أسأل اللّه الكريم المنّان أن ينفع بتصحيحه كما نفع بتصنيفه، و أن يكون هذا إتماما لتلك النعمة و إكمالا لهاتيك المنّة، و أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، فإنّه البرّ الرؤوف الرحيم.

و قد وافق الفراغ عنه يوم الغدير سنة اثنتين و سبعين بعد الألف و المائتين من الهجرة النبويّة على هاجرها ألف ألف سلام و تحيّة.

7

معالم الدين:

أصل [: المرّة و التكرار]

الحقّ أنّ صيغة الأمر بمجرّدها، لا إشعار فيها بوحدة و لا تكرار، و إنّما تدلّ على طلب الماهيّة. و خالف في ذلك قوم فقالوا: بإفادتها التكرار، و نزّلوها منزلة أن يقال: «إفعل أبدا»، و آخرون فجعلوها للمرّة من غير زيادة عليها، و توقّف في ذلك جماعة فلم يدروا لأيّهما هي.

لنا: أنّ المتبادر من الأمر طلب إيجاد حقيقة الفعل، و المرّة و التكرار خارجان عن حقيقته، كالزمان و المكان و نحوهما. فكما أنّ قول القائل: «إضرب» غير متناول لمكان و لا زمان و لا آلة يقع بها الضرب، كذلك غير متناول للعدد في كثرة و لا قلّة. نعم لمّا كان أقلّ ما يمتثل به الأمر هو المرّة، لم يكن بدّ من كونها مرادة، و يحصل بها الامتثال، لصدق الحقيقة الّتي هي المطلوبة بالأمر بها.

و بتقرير آخر: و هو أنّا نقطع بأنّ المرّة و التكرار من صفات الفعل، أعني المصدر، كالقليل و الكثير؛ لأنّك تقول: اضرب ضربا قليلا، أو كثيرا، أو مكرّرا، أو غير مكرّر، فتقيّده بالصفات المختلفة. و من المعلوم أنّ الموصوف بالصفات المتقابلة لا دلالة له على خصوصيّة شي‏ء منها. ثمّ إنّه لا خفاء في أنّه ليس المفهوم من الأمر إلّا طلب إيجاد الفعل أعني المعنى المصدريّ؛ فيكون معنى «إضرب» مثلا طلب ضرب مّا، فلا يدلّ على صفة الضرب، من تكرار أو مرّة أو نحو ذلك.

8

و ما يقال: من أنّ هذا إنّما يدلّ على عدم إفادة الأمر الوحدة أو التكرار بالمادّة، فلم لا يدلّ عليهما بالصيغة؟

فجوابه: أنّا قد بيّنا انحصار مدلول الصيغة بمقتضى حكم التبادر في طلب إيجاد الفعل. و أين هذا عن الدلالة على الوحدة أو التكرار؟

احتجّ الأوّلون بوجوه:

أحدها: أنّه لو لم تكن للتكرار، لما تكرّر الصوم و الصلاة. و قد تكرّرا قطعا.

و الثاني: أنّ النهي يقتضي التكرار، فكذلك الأمر، قياسا عليه، يجامع اشتراكهما في الدلالة على الطلب.

و الثالث: أنّ الأمر بالشي‏ء نهي عن ضدّه، و النهي يمنع عن المنهيّ عنه دائما؛ فيلزم التكرار في المأمور به.

و الجواب عن الأوّل: المنع من الملازمة؛ إذ لعلّ التكرار إنّما فهم من دليل آخر. سلّمنا، لكنه معارض بالحجّ؛ فإنّه قد امر به، و لا تكرار.

و عن الثاني من وجهين: أحدهما- أنّه قياس في اللغة، و هو باطل، و إن قلنا بجوازه في الأحكام. و ثانيهما- بيان الفارق، فإنّ النهي يقتضي انتفاء الحقيقة، و هو إنّما يكون بانتفائها في جميع الأوقات، و الأمر يقتضي إثباتها و هو يحصل بمرّة، و أيضا التكرار في الأمر مانع من فعل غير المأمور به. بخلافه في النهي، إذ التروك تجتمع و تجامع كلّ فعل.

و عن الثالث: بعد تسليم كون الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضدّه، أو تخصيصه بالضدّ العامّ و إرادة الترك منه، منع كون النهي الّذي في ضمن الأمر مانعا عن المنهيّ عنه دائما، بل يتفرّع على الأمر الّذي هو في ضمنه؛ فإن كان ذلك دائما فدائما، و إن كان في وقت، ففي وقت. مثلا الأمر بالحركة دائما يقتضي المنع من السكون دائما، و الأمر بالحركة في ساعة يقتضي المنع من السكون فيها، لا دائما.

9

و احتجّ من قال بالمرّة بأنّه إذا قال السيّد لعبده: ادخل الدار، فدخلها مرّة عدّ ممتثلا عرفا، و لو كان للتكرار لما عدّ.

و الجواب: أنّه إنّما صار ممتثلا، لأنّ المأمور به- و هو الحقيقة- حصل بالمرّة، لا لأنّ الأمر ظاهر في المرّة بخصوصها، إذ لو كان كذلك لم يصدق الامتثال فيما بعدها. و لا ريب في شهادة العرف بأنّه لو أتى بالفعل مرّة ثانية و ثالثة لعدّ ممتثلا و آتيا بالمأمور به. و ما ذاك إلّا لكونه موضوعا للقدر المشترك بين الوحدة و التكرار، و هو طلب إيجاد الحقيقة، و ذلك يحصل بأيّهما وقع.

و احتجّ المتوقّفون: بمثل ما مرّ، من أنّه لو ثبت، لثبت بدليل، و العقل لا مدخل له، و الآحاد لا تفيد، و التواتر يمنع الخلاف.

و الجواب: على سنن ما سبق بمنع حصر الدليل فيما ذكر؛ فإنّ سبق المعنى إلى الفهم من اللفظ أمارة وضعه له، و عدمه دليل على عدمه.

و قد بيّنا أنّه لا يتبادر من الأمر إلّا طلب إيجاد الفعل، و ذلك كاف في إثبات مثله.

10

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و به ثقتي‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين و أفضل المتّقين محمّد الصادق الأمين و على سيّد الوصيّين و إمام المتّقين عليّ أمير المؤمنين و على آلهما الطاهرين و أولادهما المعصومين الأئمّة المختارين.

قوله: (الحق أنّ صيغة الأمر ... الخ) قد يتراءى في المقام أنّ القائل بكون الأمر للمرّة أو التكرار قائل بكون المطلوب بالأمر الفرد، و النافي لدلالته عليهما قائل بتعلّقه بالطبائع، حيث يقول بدلالته على مجرّد طلب مطلق الحدث من غير دلالة على مرّة و لا تكرار.

و ليس كذلك، بل يصحّ القول بكلّ من الأقوال المذكورة على كلّ من الوجهين المذكورين، إذ يمكن ملاحظة المرّة و التكرار قيدا للطبيعة أو الفرد، تقول: أوجد الطبيعة مرّة أو مكرّرا، و أوجد الفرد كذلك.

نعم إيجادها مرّة أو مكرّرا- كمطلق إيجادها- إنّما يكون بإيجاد الفرد، و هو لا يستلزم تعلّق الأمر بالفرد.

و كذا النافي لدلالته على الأمرين، يصحّ له القول بكون المطلوب للأمر هو الفرد في الجملة من غير دلالة على الوحدة و التكرار، و هو ظاهر.

نعم القائل بوضع الأمر للمرّة أو التكرار لا يقول بوضعه للطبيعة المطلقة، ضرورة تقييدها عنده بأحد القيدين المذكورين، و هو غير القول بتعلّقه بالفرد.

11

و ذلك لا يستلزم أيضا أن يكون القائل المذكور قائلا بتقييد الحدث المتعلق للطلب بذلك، بل يقول بكون المقصود بالحدث نفس الطبيعة المطلقة و يكون الدلالة على المرّة أو التكرار من جهة الصيغة؛ و هذا هو الظاهر من القائل بالتكرار، إذ لا وجه للقول بإفادة مدلوله الحدثي ذلك. و أمّا القول بالمرّة فيتصوّر على كلّ من الوجهين المذكورين.

ثمّ إنّه يمكن تقرير النزاع في المقام في بيان ما وضع له صيغة الأمر على نحو ما مرّ في الأصل السابق، و هو الظاهر من كلماتهم في عنوان المسألة، و يستفاد من ملاحظة أدلّتهم و مطاوي كلماتهم و قد يقع التصريح منهم بذلك في بعض المقامات.

و يمكن أن يكون النزاع فيما يستفاد من الصيغة حين الإطلاق، سواء كان من جهة الوضع له بخصوصه أو انصراف الإطلاق إليه. و هو الّذي يساعده ملاحظة الاستعمالات، إذ القول بوضع الصيغة لخصوص المرّة- حتّى يكون الأمر بالفعل مرّتين أو ما يزيد عليه مجازا- في غاية البعد، بل لا يبعد القطع بفساده. و كذا لو علّق الفعل بالمرّة بناءا على القول بوضعه للتكرار، بل قد لا تكون المادّة قابلة للتكرار، فينبغي أن تكون تلك الصيغة مجازا دائما. فتأمّل.

قوله: (و إنّما يدلّ على طلب الماهيّة ... الخ).

يعني: من غير أن يدل على ما يزيد على ذلك، فلا يفيد كون‏ (1) الماهيّة مطلوبة في ضمن المرّة أو دائما.

قوله: (فقالوا بإفادتها التكرار ... الخ).

القول به محكي عن أبي حنيفة و المعتزلة و الاستاذ أبي إسحاق و أصحابه.

ثمّ إنّ الدوام و التكرار يفترقان بحسب المفهوم، من حيث إنّ التكرار ظاهر في الأفراد المتعدّدة المنفصلة، و الظاهر من الدوام هو الفرد الواحد المستدام أو الأعمّ منه و من الأوّل. و الظاهر أنّ المراد بهما في المقام أمر واحد. فعلى القول به يتحقّق بكلّ من الوجهين، و لا يبعد اختلاف الحال فيه على حسب اختلاف الأفعال.

____________

(1) العبارة في ف: يعني من غير زيادة عليه، فلا يصدق بكون الماهيّة.

12

قوله: (و نزّلوها منزلة أن يقال: افعل أبدا) القول بالتكرار يتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن يراد به مطلق التكرار الشامل للمرّتين و ما فوقهما أو خصوص المرّتين.

ثانيهما: أن يراد به التكرار على وجه الدوام، و هو المحكيّ عن القائل بالتكرار، حكاه السيّد و الغزالي و العضدي و غيرهم، و هو الّذي يقتضيه ملاحظة أدلّتهم.

و على كلّ من الوجهين فإمّا أن يكون التكرار مأخوذا في المأمور به على وجه لا يحصل الامتثال أصلا إلّا بالإتيان به مكرّرا على الوجه المفروض، أو يكون عنوانا عن الأفعال المتكرّرة، فيكون كلّ من تلك الأفراد واجبا مستقلّا يحصل بكلّ واحد منها امتثال الأمر و يكون الإتيان بكلّ منها واجبا، فينحلّ التكليف المذكور إلى تكاليف عديدة. و كذا الحال في الفعل الواحد المستدام إذا لوحظ تجزئته على أبعاض الزمان.

و الظاهر بناؤهم على الثاني على حسب التكرار الملحوظ في النهي، فإنّ كل ترك للمنهيّ عنه امتثال مستقلّ من غير أن يتوقّف حصول الامتثال ببعضها.

ثمّ إنّ المنصوص به في كلام بعضهم تقييد التكرار المدلول بالصيغة بما يكون ممكنا، و نصّ الآمدي: بأنّ المراد بالتكرار الممكن عقلا و شرعا. و لا يبعد أن يريد بالممكن العقلي ما يعمّ العادي فيما لو بلغ إلى حدّ يتعسّر الإتيان به جدّا بحيث يعدّ متعذّرا في العرف، بل لا يبعد انصرافه إلى التكرار على النحو المتعارف، فلا ينافي الاشتغال بالأكل المعتاد و النوم المعتاد و نحوهما.

و كيف كان: فلو زاحمه واجب آخر لم يمنع أحدهما من أداء الآخر، بل إن كان الآخر واجبا مرّة أو مرّات معيّنة لزم تكرار المأمور به على وجه لا يزاحم الإتيان به كذلك و إن كان مطلوبا أيضا كان الحال فيهما سواء، فيعتبر تكرارهما على نحو واحد، لعدم الترجيح.

و كذا الحال في الأوامر المطلقة العديدة. و يمكن أن يكون ذلك و نحوه من‏

13

تقييد الإطلاق، فيكون كلّ من الأمرين أو الأوامر مقيّدا لإطلاق الدوام المستفاد من الآخر. و لو كان أحد الأمرين مطلقا و الآخر مقيّدا بالدوام احتمل كونهما كالمطلقين و ترجيح المقيّد بالدوام فيؤتى بالآخر مرّة.

قوله: (فجعلوها للمرّة ... الخ).

القول به محكيّ عن جمع كثير، و حكي عن أبي الحسين أيضا، و كذا عن ظاهر الشافعي.

ثمّ إنّ القول بالمرّة يتصوّر على وجوه:

أحدها: أن يراد به المرّة بشرط لا، و هي المرّة المقيّدة بالوحدة، فينحلّ الأمر إلى أمر و نهى، أعني طلب إيجاد الفعل مرّة و طلب تركه زائدا عليها، و يتصوّر ذلك على وجهين:

أحدهما: أن يكون كلّ من طلب الفعل و الترك مستقلّا حتّى أنّه إذا أتى بالفعل مرّتين كان مطيعا عاصيا.

ثانيهما: أن يكون طلبه للفعل مقيّدا بترك الزائد، فيكون فعله الثاني عصيانا و مانعا من حصول الامتثال بالأوّل، فيكون الحكم بحصول الامتثال بالأوّل مراعى بعدم الإتيان به ثانيا و حينئذ فإمّا أن يقال: بعدم إمكان الامتثال أصلا إذ لا يمكن الإتيان به مرّة بعد ذلك أو يقال: بكون فعله الثاني مبطلا للأوّل، فكأنّه لم يأت به، لعدم العبرة بالباطل، فلابدّ من الإتيان بالثالث، و حينئذ إن أتى بالرابع أبطل الثالث، و هكذا الحال في سائر المراتب‏ (1).

ثانيها: أن يراد به المرّة بشرط لا أيضا، لكن من دون أن ينحلّ الأمر إلى أمر و نهي، بل بأن يكون المطلوب هي المرّة المقيدة بعدم الزائد حتّى أنّه إذا أتى بالزائد لم يتحقّق الامتثال بالأوّل، لفوات شرطه من دون أن يكون مجرّد الإتيان بالثاني منهيّا عنه بنفسه، و في تحقّق الامتثال حينئذ بالمرّة الثالثة و الخامسة مثلا الوجهان المتقدّمان.

ثالثها: أن يكون المراد به المرّة لا بشرط شي‏ء، بأن يفيد كون المرّة مطلوبة

____________

(1) في ق: سائر المرّات.

14

من غير أن يراد ترك الزائد، فالمقصود هو الإتيان بالمرّة، سواء أتى بالزائد أو لا، لكن يفيد عدم مطلوبيّة القدر الزائد على المرّة، فالمأمور به هو المرّة مع عدم إرادة ما يزيد عليها، فيرجع في الزائد إلى حكم الأصل.

رابعها: الصورة بحالها لكن مع عدم دلالته على عدم مطلوبيّة الزائد، بل غاية ما يفيده الأمر المذكور مطلوبيّة المرّة من غير أن يفيد مطلوبيّة ما زاد عليها و لا عدمها، فلا يفى ذلك الطلب إلّا بمطلوبيّة القدر المذكور. و الفرق بينه و بين سابقه ظاهر، فإنّه لو دلّ دليل على مطلوبيّة الزائد كان معارضا للأمر المفروض بناء على الأوّل بخلاف الثاني، إذ عدم وفاء الطلب المذكور بالدلالة على وجوب الزائد لا ينافي ثبوت الوجوب من الخارج.

و الظاهر من مقالة أهل المرّة هو الوجه الأخير، و عليه يشكل الحال في الثمرة بين القول بالمرّة و القول بالطبيعة، حيث إنّه مع تعلّق الأمر بالطبيعة يحصل الامتثال بالمرّة قطعا و مع الإتيان بها يسقط التكليف، فلا بقاء لذلك الطلب، فلا يشمل ذلك الطلب ما عدا المرّة، و إن صحّ كون الزائد عليها مطلوبا بطلب آخر، كما هو الحال في القول بالمرّة. و قد يدفع ذلك بإبداء الثمرة بين القولين بوجوه لا يخفى شي‏ء منها عن البحث، و سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (و توقّف جماعة) القول بالتوقّف يقرّر بوجهين:

أحدهما: التوقف في تعيين ما وضع له من المرّة و التكرار و هو صريح كلام المصنّف (رحمه اللّه)، فهم حاكمون بدلالته على أحد الأمرين متوقّفون في التعيين.

ثانيهما: التوقّف في المراد دون الوضع، و هو من لوازم القول بالاشتراك. و قد نزّل عليه السيّد كلام أصحاب الوقف، و لا يمكن تنزيل ما حكاه المصنّف (رحمه اللّه) هنا عليه، و لا يوافقه الاحتجاج المنقول عنهم، فإنّه قاض بالوقف في أصل الوضع.

و ربما يزاد فيه وجه ثالث و هو حمل كلام الواقف على إرادة الوضع لمطلق الطبيعة، فيتوقّف إرادة المرّة أو التكرار على قيام الدليل عليها، حيث لا دلالة في الصيغة على شي‏ء منهما. و ربما يستفاد ذلك من العلّامة في النهاية في تقرير قول‏

15

السيّد حيث حمل كلامه على إرادة الوضع لمطلق الطبيعة، و هو قد حمل كلام الواقف على ما اختاره، لكنّه حمل كلام الواقف على أحد الوجهين الأوّلين، كما ردّد قوله بينهما في المنية ... و كيف كان فحمل كلامه على الوجه المذكور بعيد جدّا، إذ مع عدم موافقته لدليلهم المعروف‏ (1) ليس من القول بالوقف في شي‏ء، و لا يقتضي التوقّف في مقام الحمل حسب ما نقرّره في بيان ثمرة الأقوال؛ و كأنّ ما ذكره السيّد كان مذهبا لواقف آخر غير من حكى عنه القول و الدليل المذكوران، قد أطلق عليه الوقف في غير هذا المقام. فيكون الأقوال في المسألة على بعض الوجوه المذكورة ثلاثة و على بعضها أربعة و على بعضها خمسة. و كلام السيّد في المقام يحتمل إرادة الاشتراك اللفظي و قد حمله على ذلك في التهذيب، و يقتضيه التمسّك في المقام بأصله المشهور، لكن أوّل كلامه كالصريح في إرادة الوضع للطبيعة. فتأمّل.

بقي الكلام في المقام في بيان الثمرة بين الأقوال المذكورة، فنقول: إنّ الثمرة بين القول بالمرّة و التكرار ظاهر على كلّ من وجوه القولين، لوضوح الاجتزاء بالمرّة على جميع وجوهها و عدم الاجتزاء بها على القول بالتكرار كذلك. و القول بالأشتراك اللفظي على فرض ثبوته تابع في الثمرة لأحد القولين المذكورين من المرّة و التكرار في أكثر وجوهها، ففي بعضها يتبع القول بالمرّة، و في بعضها يأخذ بمقتضى القول بالتكرار، و في بعض وجوه القولين لا بدّ له من التوقّف، حيث لا يقتضي الأصل حصول البراءة بشي‏ء من الوجهين، و قد يرجع حينئذ إلى التخيير.

و لا ثمرة بين القول بالاشتراك اللفظي و الوقف، لتوقّفهما في مقام الاجتهاد و الرجوع إلى اصول الفقاهة في مقام العمل.

و الثمرة بين القول بالطبيعة و القول بالتكرار ظاهرة و كذا بينه و بين القول بالمرّة على وجوهها، عدا الوجه الأخير حسب ما مرّ وجه الإشكال فيه.

و قد يقرّر الثمرة بينهما في حصول الامتثال بالمرّة الثانية و الثالثة و هكذا على‏

____________

(1) في ق: المذكور.

16

القول بالطبيعة، نظرا إلى حصول الطبيعة في ضمن الواحد و المتعدّد؛ بخلاف ما لو قيل بالمرّة، إذ لا يعقل حصول الامتثال بما يزيد عليها. كذا ذكره المصنّف في جواب احتجاج القائل بالمرّة حسب ما يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى.

و أورد عليه بأنّه بعد الإتيان بالطبيعة في ضمن المرّة يتحقّق أداء المأمور به قطعا، فيحصل الامتثال و هو قاض بسقوط الأمر، و مع سقوطه لا مجال لصدق الامتثال ثانيا و ثالثا.

نعم يمكن تقرير الثمرة إذا فيما إذا أتى بالأفراد المتعددة من الطبيعة دفعة، فعلى القول بالمرّة لا امتثال إلّا بواحد منها، و على القول بالطبيعة يتحقّق الامتثال بالجميع، لحصول الطبيعة في ضمن الجميع، و لا يجري فيه الإشكال المذكور، لحصولها في ضمن الجميع دفعة.

و فيه: أنّ الطبيعة و إن حصلت في ضمن الجميع دفعة و كان حصولها في ضمن كلّ من الأفراد قبل سقوط الأمر بها، لكن حصول الطبيعة في ضمن الجميع ليس بحصول واحد، بل هناك حصولات متعدّدة، و الإتيان بالطبيعة حاصل بواحد منها فلا داعي إلى الحكم بوجوب الجميع مع حصول الطبيعة بواحد منها القاضي بسقوط التكليف بها.

و الحاصل: أنّه ليس حصولها في ضمن الجميع إلّا عين حصولها في ضمن كلّ منها، فبعد الاكتفاء في حصول الطبيعة بواحد منها لا داعي إلى اعتبار كلّ من حصولاتها و لا باعث لوجوبها، فيتخيّر في التعيين أو يستخرج ذلك بالقرعة إن احتيج إلى التعيين.

و يمكن دفعه بأنّه لمّا كانت نسبة الطبيعة إلى الواحد و الجميع على نهج واحد و كان حصولها في ضمن الواحد كالحصول في ضمن المتعدّد و كان الحاصل في المقام هو المتعدّد، كان الجميع واجبا، لحصول الطبيعة في ضمنه. و حينئذ و إن أمكن القول بحصول الطبيعة بالبعض الحاصل في ضمن الجميع إلّا أنّه لمّا كان ترجيح البعض على البعض ترجيحا من غير مرجّح قلنا بوجوب الجميع؛ و أيضا

17

صدق حصول الطبيعة في ضمن البعض لا ينافي صدق حصولها في ضمن الجميع، بل يحقّقه، إذ ليس حصولها في ضمن الكلّ إلّا عين حصولاتها في ضمن الأبعاض كما عرفت؛ و قضيّة ذلك وجوب الجميع، لصدق حصول الطبيعة الواجبة به القاضي بوجوبه، و لا ينافيه صدق حصول الطبيعة بالبعض أيضا، إذ غاية الأمر أن يكون ذلك أيضا واجبا و لا مانع منه، بل قضيّة وجوب الجميع هو وجوب كلّ منها، إذ ليس وجوب الجميع إلّا عين وجوب الأبعاض.

و من هنا ينقدح ابتناء ما ذكرناه على القول بتعلّق الأوامر بالكلّيّات دون الأفراد؛ فيتفرّع الحال في هذه المسألة على تلك المسألة. فإن قلنا بتعلّقها بالطبائع- حسب ما قرّرناه- صحّ ما ذكرناه و اتّصف الجميع بالوجوب، لحصول الطبيعة الواجبة به. و أمّا إن قلنا بتعلّقها بالأفراد تعيّن حصول الامتثال بواحد منها، إذ ليس المطلوب على القول المذكور إلّا واحدا من الأفراد أو جميعها على سبيل التخيير بينها حسب ما بيّن في تلك المسألة. و أيّا ما كان: فمقتضاه وجوب واحد ممّا أتى به من الأفراد دون جميعها، سواء أتى بها دفعة أو متعاقبا، من غير فرق بين الصورتين.

و فيه: أنّه ليس المقصود من تعلّق الأمر بالفرد إلّا مطلوبيّة الأمر الخارجي- أعني الطبيعة المتشخّصة في الخارج- سواء كان واحدا أو متعدّدا، فلا وجه لالتزام القائل به كون الامتثال بإيجاد فرد واحد من الأفراد، بل يصحّ له القول بحصول الامتثال بالجميع أيضا على نحو القائل بوضعها للطبيعة، من غير فرق.

نعم توهّم بعض الأفاضل خلاف ذلك و زعم أنّه إنّما يقول بوجوب أحد الأفراد أو الجميع على سبيل التخيير. و لا وجه له حسب ما نشير إليه في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّه يرد على البيان المذكور: أنّه إمّا أن يراد بذلك وجوب البعض في ضمن الكلّ تبعا لوجوب الكلّ أو يراد وجوبه استقلالا. فإن اريد الأوّل تمّ ما اريد من الحكم بوجوب الكلّ، إلّا أنّه لا وجه له بعد حصول الطبيعة به استقلالا، فإنّه قاض‏

18

بوجوبه استقلالا لا تبعا للكلّ. و إن أريد الثاني لم يجامع وجوب الكلّ، لأداء الواجب إذا بالبعض. و التزام وجوبين في المقام يتعلّق أحدهما بالكلّ فيجب البعض تبعا له و اخرى بالبعض فيجب استقلالا أيضا ممّا لا وجه له، بل هو مخالف للتقرير المذكور، حيث اريد به بيان حصول الواجب و أدائه في ضمن المتعدّد كما أنّه يحصل تارة في ضمن الواحد.

و قد يقرّر الثمرة بين القولين بتخيير المكلّف بين قصده أداء الواجب بالتكرار و أدائه بالمرّة على القول بوضع الصيغة للأعمّ، نظرا إلى صدق أداء المأمور به في الصورتين سواء أتى بالجميع دفعة أو على التعاقب، فإن قصد الامتثال بالمرّة اكتفى بها، و إن قصده بالتكرار لم يجز له الاقتصار على المرّة، بل لابدّ من الإتيان بما قصده من مراتب التكرار. بخلاف القول بوضعها للمرّة، فإنّه يتعيّن عليه المرّة و ليس له قصد الامتثال بالتكرار.

و فيه: أنه إذا أتى بالمرّة فقد أتى بالواجب، لحصول الطبيعة الواجبة بأدائها و إن قصد امتثال الأمر بالتكرار، إذ لا ربط للقصد المذكور بأداء الواجب حسب ما عرفت تفصيل القول فيه، غاية الأمر أن يسلّم حينئذ عدم صدق امتثال الأمر بالإتيان بالمرّة على الوجه المذكور، و أمّا أداء الواجب فلا ريب في حصوله، و حينئذ فلا وجه للحكم بوجوب الكلّ.

و الحاصل أنّ النيّة لا أثر لها في أداء الواجب على ما هو الملحوظ في المقام؛ مضافا إلى أن تعيّن المنوي بعد قصده الامتثال بالمرّة أو التكرار فرع جواز كلّ من الشقّين و أداء الواجب بكل من الوجهين، و قد عرفت المناقشة فيه؛ و حينئذ فكيف يثمر النيّة في جواز قصد الامتثال بالتكرار على القول بوضعه للطبيعة؟!

و الّذي يتخيّل في تحقيق المقام أن يقال: إنّا إذا قلنا بوضع الأمر لطلب الطبيعة فلا ريب في حصولها في ضمن الفرد الواحد و المتعدّد؛ فكما أنّه يتخيّر عقلا بين آحاد الأفراد كذلك يتخيّر عقلا بين الإتيان بالواحد و المتعدّد؛ فيرجع الأمر حينئذ إلى التخيير بين الأقلّ و الأكثر، فالتخيير الثابت بحكم العقل- بعد الحكم بحجّيّته شرعا- بمنزلة التخيير الثابت بالنصّ.

19

و الحال في التخيير بين الأقل و الأكثر يدور بين وجوه:

أحدها: أنّه يؤول الحال فيه إلى الحكم بوجوب الأقلّ و استحباب الأكثر، لكون القدر الزائد مطلوبا على وجه يجوز تركه، بخلاف الأقلّ، لعدم جواز تركه على أيّ حال، فلا تخيير في الحقيقة.

ثانيها: أن يكون التخيير فيه على نحو غيره و يكون تعيين وجوب الأقلّ أو الأكثر منوطا بقصد الفاعل، فإن نوى الإتيان بالأقلّ و شرع فيه كان هو الواجب، و إن نوى الأكثر و شرع فيه على الوجه المذكور تعيّن عليه و لم يجز الاقتصار على الأقلّ.

ثالثها: أن يقال أيضا بكون التخيير فيه على نحو التخيير الحاصل بين ساير الأفعال من غير أن يتعيّن عليه الأقلّ أو الأكثر بالنيّة، فإن اقتصر على الأقلّ أجزأه و إن نوى الإتيان بالأكثر، و إن أتى بالأكثر كان أيضا واجبا؛ و الاجتزاء بالأقلّ و جواز ترك الزائد لا يقضي باستحباب الزائد، نظرا إلى جواز تركه، فإنّ مجرّد جواز الترك لا يقضي بالاستحباب، فإنّ جواز الترك إلى بدل- كما في المقام- لا ينافي الوجوب، بل حاصل في الواجبات المخيّرة و إنّما ينافيه جواز الترك مطلقا، فلا داعي إلى التزام البناء على الاستحباب في القدر الزائد مع منافاته لظاهر الأمر.

و الحاصل: أنّه إن أتى بالأكثر كان واجبا، و إن اقتصر على الأقلّ و ترك ما زاد عليه كان كافيا أيضا، لقيامه مقام الزائد على مقتضى التخيير.

فإن قلت: إذا كان المكلّف بمقتضى الأمر مخيّرا بين الأقلّ و الأكثر و أتى بالأقلّ كان ذلك على مقتضى الأمر مجزيا مسقطا للتكليف، للإتيان بأحد فردي المخيّر، فكيف يتصوّر مع ذلك بقاء الوجوب حتّى يقوم بالأكثر لو أتى بالزيادة؟!

قلت: قيام الوجوب بالأقلّ مبنيّ على عدم الإتيان بالأكثر، فإن أتى بالأكثر قام الوجوب بالجميع، و إن اقتصر على الأقلّ قام الوجوب به، ألا ترى أنّه لو قال:

«يجب عليك ضرب زيد إمّا سوطا أو سوطين أو ثلاثة» فإن ضربه سوطا و اقتصر عليه كان ذلك هو الواجب، و ان ضربه بعد ذلك سوطا آخر و اقتصر عليهما قام‏

20

الوجوب بهما، و إن أتى بالثالث قام الوجوب بالثلاثة، و ليس شي‏ء من الأسواط الثلاثة مندوبا، إذ ليس هناك إلّا تكليف واحد دائر بين الوجوه الثلاثة فالسوط الأوّل إنّما يجزي لو اقتصر عليه، و أمّا لو كان في ضمن الاثنين أو الثلاثة كان جزءا من المجزي، فيكون الحكم بإجزائه أوّلا مراعى بعدم الإتيان بالثاني على حسب ما يقتضيه ظاهر الأمر. و جواز الاقتصار عليه لا يقضي باستحباب الزائد، لما عرفت من كون الأقلّ إذا بدلا عن الأكثر، و جواز الترك إلى بدل لا ينافي الوجوب.

و لا فرق فيما قرّرنا بين ما إذا كان الأقلّ مع الزيادة فعلا واحدا كما إذا قال:

«امسح قدر إصبع أو إصبعين أو ثلاثة» فإنّ المسح بقدر إصبعين أو ثلاثة يعدّ مسحا واحدا و إن جاز الاقتصار على بعضه- أعني قدر الإصبع- أو عدّ أفعالا عديدة، كما في المثال المتقدّم.

و قد يتخيّل الفرق حيث إنّ كلّا من الزائد و الناقص في الصورة الاولى فعل واحد مستقلّ مغاير للآخر، بخلاف الصورة الثانية، فإنّ الناقص فعل مستقلّ على التقديرين، نظرا إلى انفصال البعض عن البعض، و بالتأمّل فيما قرّرنا يظهر فساد ذلك و انتفاء الفرق بين الوجهين؛ هذا.

و قد ظهر ممّا ذكرنا ضعف الوجه الأوّل و كذا الوجه الثاني. فالتحقيق في المقام هو الوجه الثالث.

فالواجب بمقتضى الأمر نفس الفعل الدائر بين الوجهين، و قصد الإتيان بالأكثر لا يقضي بتعيين الإتيان به، بل يجوز العدول عنه و لو بعد الإتيان بمقدار الأقلّ بل و لو لم يعدل عنه أيضا، إذ بعد الإتيان بالأقلّ يصدق الإتيان بالواجب فلا مانع من الاقتصار عليه.

نعم إذا قصد الإتيان بالأقلّ و أتى به اتّجه القول بسقوط الواجب و عدم جواز الإتيان بالزائد على وجه المشروعيّة؛ و ليس ذلك من جهة تعيين الأقلّ بالنيّة، بل لصدق الامتثال مع الإتيان به كذلك، فيحصل به أداء الواجب من غير أن يكون مراعى بالإتيان بالزائد.

21

نعم لو قام دليل من الخارج على مطلوبيّة الزيادة أيضا كان ذلك مندوبا، إذ ليس مطلوبيّة فعله إذا من جهة الأمر المتعلّق به على وجه التخيير.

و أمّا إذا نوى الإتيان بالأكثر أو خلا عن القصدين جاز له الاقتصار على الأقلّ و الإتيان بالأكثر.

إذا تقرّر ذلك فنقول بجريان ذلك بعينه في المقام، فإنّه كما عرفت من قبيل التخيير بين الأقلّ و الأكثر، فإن شاء اقتصر على المرّة و إن شاء أتى بالتكرار.

و لا يرد عليه أداء الواجب بالمرّة فلا يبقى أمر حتّى يشرع الإتيان بالزائد، لما عرفت من كون أداء الواجب و سقوط الأمر مراعى بعدم الإتيان بالزائد، فكلّ ما أتي به من أفراد الطبيعة انضمّ إلى ما تقدّمه منها و كان الجميع مصداقا لحصول الطبيعة. فجواز الاقتصار على المرّة لا ينافي قيام الواجب بالتكرار على فرض الإتيان به.

نعم إن قصد أداء الواجب بالمرّة و أتى بها اتّجه القول بعدم مشروعيّة الزائد حسب ما عرفت و لا يقضي ذلك بسقوط الثمرة، لحصولها في الصورتين الأخيرتين.

و أنت خبير بأنّه لو صرّح الآمر بالتخيير بين الأقلّ و الأكثر جرى فيه ما ذكر، لتعلّق الأمر بكلّ منهما بالخصوص، و أمّا إذا تعلّق الأمر بمطلق الطبيعة الحاصلة بالمرّة فلا وجه لجعل أداء المكلّف به مراعى بفعل غيره، إذ الواجب حينئذ شي‏ء واحد و هو الطبيعة الحاصلة بالمرّة؛ غاية الأمر ثبوت التخيير عقلا بين حصولاتها بحسب أفرادها، و أمّا إذا تحقّق حصولها ببعض تلك الحصولات فلا وجه لارتكاب حصولها بغيره، فمع الإتيان بها مرّة يحصل الطبيعة المطلقة المطلوبة قطعا، و حينئذ فحصولها في ضمن المتعدّد ليس عين الحصول الأوّل، بل غيره، فلا وجه لمراعاته في المقام.

نعم يتمّ ما ذكر فيما لو أتى بالفردين أو الأفراد دفعة فإنّه يكون حينئذ حصول الطبيعة ابتداء في ضمن المتعدّد، فيحصل به الامتثال كأدائها في ضمن المرّة.

22

و يشكل ذلك بما مرّ من صدق حصول الطبيعة حينئذ بالمرّة أيضا، فقضيّة حصول الطبيعة بها وجوبها استقلالا، و قضيّة وجود الطبيعة بالكلّ وجوب الكلّ و وجوب المرّة في ضمنه تبعا لوجوبه، و لا وجه لالتزام وجوبين.

و يدفعه: أنّ ما ذكر إنّما يتمّ إذا قلنا بوجوب الجميع من حيث هو و جعلنا حصول الطبيعة في ضمنه حصولا واحدا كحصولها في ضمن المرّة، و ليس كذلك، فإنّ حصول الطبيعة في ضمن الأفراد المتعدّدة ليس حصولا واحدا لها، بل حصولات عديدة يكون كلّ منها إيجادا للطبيعة الواجبة، و اعتبار وجودها في ضمن الجميع عين تلك الوجودات قد اعتبرت جملة، فليس أداؤها في ضمن الجميع أداءا مغايرا لأدائها في ضمن الآحاد، فالمتّصف بالوجوب حقيقة هو كلّ من تلك الآحاد، لاتّحاده بالطبيعة الواجبة قبل فراغ ذمّة المكلّف عن أدائها، و حيث إنّ المطلوب بالأمر مطلق إيجاد الطبيعة عمّ الإيجاد الواحد و المتعدّد و اتّصف الكلّ بالوجوب، و لا يقتضي ذلك تعدّد الواجب، و إنّما يقتضي تعدّد إيجاده و لا مانع منه، فإنّ كلّا من أفراده المتقارنة أداء للواجب، فيحكم بوجوب الكلّ و أداء الطبيعة في ضمن الجميع.

نعم لو كان الواجب إيجاد الطبيعة مرّة- كما يقوله القائل بالمرّة- لم يتحقّق الامتثال إلّا بحصول واحد منها حسب ما قرّرناه في الثمرة، و على الأوّل لا فرق بين ما إذا نوى الامتثال بأحدهما أو بهما، إذ قد عرفت أنّ النيّة المذكورة ممّا لا مدخل لها في أداء الواجب و هذا بخلاف ما لو تعاقبت الأفراد، إذ بالإتيان بالأوّل يحصل أداء الطبيعة الواجبة قطعا و بأدائها يسقط الوجوب. و لا فرق حينئذ أيضا بين ما إذا نوى أوّلا أداء الطبيعة في ضمن المرّة أو التكرار، حسب ما عرفت.

فتلخّص بما ذكرنا ظهور الثمرة بين القولين فيما لو أتى بالمتعدّد دفعة دون ما إذا أتى بها متعاقبا، حسب ما عرفت تفصيل القول فيه. فتأمّل في المقام.

قوله: (و المرّة و التكرار خارجان عن حقيقته ... الخ).

أنت خبير بأنّه بعد بيان كون المتبادر من الصيغة هو طلب إيجاد حقيقة الفعل‏

23

يثبت كون الصيغة حقيقة في طلب إيجاد الطبيعة المطلقة القابلة للتقييد بكلّ من التكرار و المرّة و غيرهما، فلا دلالة فيها على خصوص شي‏ء منهما لوضوح خروج كلّ من تلك الخصوصيّات عن الطبيعة اللابشرط من غير حاجة إلى إثبات ذلك بالدليل.

و لو قيل: بأنّ المقصود بالمقدّمة المذكورة بيان كون الطبيعة المتبادرة من الصيغة هي الطبيعة المطلقة دون المقيّدة بالتكرار أو المرّة بناءا على كون المقدّمة الأولى لبيان كون المتبادر من الصيغة هو طلب إيجاد الطبيعة في الجملة. فبعد ملاحظة المقدّمتين يتمّ المدّعى.

ففيه: أنّ ذلك ممّا لا يمكن إثباته بالبيان المذكور، إذ خروج كلّ من الأمرين عن الطبيعة المطلقة لا يقضى بخروجه عن مدلول الصيغة الّذي هو طلب الطبيعة في الجملة الحاصلة بكلّ من الوجوه الثلاثة.

و يمكن أن يقال: إنّه و إن كان خروج المرّة و التكرار عن الطبيعة المطلقة أمرا ظاهرا إلّا أنّه لابدّ من ملاحظته في المقام، لتوقّف الاحتجاج عليه؛ و وضوح المقدّمة لا يقتضي عدم اعتبارها في الاحتجاج.

نعم لم يكتف المصنّف (رحمه اللّه) بمجرّد ظهورها، بل أراد بيانها، ليتّضح الحال في الاستدلال، فلمّا أثبت أوّلا بكون المتبادر من الأمر بعد الرجوع إلى العرف هو طلب حقيقة الفعل كون الصيغة حقيقة في طلب نفس الحقيقة بيّن بذلك كون خصوص كلّ من المرّة و التكرار خارجا عن حقيقة الفعل غير مأخوذ فيها كالزمان و المكان، ليندفع به احتمال كون أحدهما مأخوذا في حقيقة الفعل فيكون الدالّ على الحقيقة دالّا عليه؛ فالغرض من ذلك إيضاح الحال ليكون آكد في إثبات المطلوب.

و يمكن أن يقرّر الاحتجاج بوجهين آخرين يتّضح الحاجة فيهما إلى بيان المقدّمتين المذكورتين:

أحدهما: أنّ المقصود من كون المتبادر من الأمر طلب حقيقة الفعل، هو طلب حقيقة الفعل بمعناه الحدثي- أعني المصدري- كما سنشير إليه في التقرير الثاني؛

24

فيثبت بالمقدّمة الاولى كون الصيغة حقيقة في طلب معناه المادّي من دون إفادة الهيئة لما يزيد على ذلك، فيثبت بذلك عدم دلالة الأمر بهيئته على شي‏ء من المرّة و التكرار.

ثمّ بيّن بقوله: «و المرّة و التكرار خارجان ... الخ» أنّ معناه الحدثي لا دلالة فيه على شي‏ء من الأمرين، فإنّه بعد الرجوع إلى العرف لا يفيد خصوص شي‏ء منهما كما هو الحال في الزمان و المكان، فيثبت بذلك كون مدلوله المادّي هو الطبيعة المطلقة، فيفيد ذلك عدم دلالته على شي‏ء من الأمرين بمادّته؛ و به يتمّ المدّعى: من عدم دلالة الأمر على شي‏ء من الأمرين مطلقا.

و ثانيهما: أنّ المقصود بالتبادر المدّعى عدم دلالة الأمر بالمطابقة أو التضمّن على شي‏ء من المرّة أو التكرار، حيث إنّ مدلوله ليس إلّا طلب حقيقة الفعل؛ و من البيّن خروج المرّة و التكرار عن نفس الطبيعة. و المراد بقوله: «و المرّة و التكرار خارجان ... الخ» بيان انتفاء الدلالة الالتزاميّة. فإنّ الخارج من الحقيقة قد يكون مدلولا التزاميا لها، و لا يفيد خروجه عن المدلول انتفاء الدلالة عليه، فقال: «إنّ المرّة و التكرار خارجان عن حقيقته على نحو الزمان و المكان» يعني: أنّه ليس ممّا لا يمكن انفكاك تصوّر الطبيعة عن خصوص واحد منها إذ يتصوّر طلب الفعل من دون ملاحظة شي‏ء منهما، كما هو الحال في الزمان و المكان و الآلة؛ فعلى هذا يكون قوله: «كالزمان و المكان» قيدا مأخوذا في المقدّمة المذكورة، و هذا الوجه بعيد عن سياق العبارة كما لا يخفى.

قوله: (نعم لمّا كان ... المرّة).

قد يتراءى من ذلك كون المرّة ملحوظة على وجه اللابشرط مستفادة من الصيغة، نظرا إلى الوجه المذكور؛ غاية الأمر أن يكون مدلولا التزاميا للصيغة لا وضعيّا، و ذلك لا يقضي بالفرق في نفس المدلول، إذ أقصى ذلك الفرق بينهما في كيفيّة الدلالة، و لا فائدة فيه بعد حصول أصل الإفادة على ما هو المقصود في المقام.

25

و فيه: أنّ كون المرّة أقلّ ما يمتثل به الأمر يفيد حصول الامتثال بالأكثر أيضا، و ذلك ممّا لا يقوله القائل بكون الأمر للمرّة، فقضيّة البيان المذكور حصول الامتثال بالمرّة قطعا و إن قضت الصيغة بحصوله بالأكثر أيضا، و لا ربط له بما يقوله القائل بالمرّة؛ و مع الغضّ عنه فالقائل بالمرّة يجعل خصوص المرّة مندرجة في المأمور به بخلاف ما يستفاد من الوجه المذكور فإنّ أقصى ما يفيده حصول المطلوب بها لا أنّها مطلوبة بخصوصها و فرق بيّن بين الصورتين‏ (1).

قوله: (و بتقرير آخر).

الفرق بين هذا التقرير و التقرير الاوّل ظاهر من حيث البيان على ما هو الشأن في اختلاف التقريرين، و بينهما مع ذلك اختلاف آخر في بيان عدم دلالة المصدر على خصوص المرّة و التكرار، حيث إنّه احتجّ عليه في الأوّل بمجرّد خروجه عن الطبيعة كالزمان و المكان و قد احتجّ عليه هنا بكونه أعمّ من الأمرين، حيث إنّه يصحّ تقييده بكلّ من القيدين، و العامّ لا دلالة فيه على الخاصّ.

قوله: (و من المعلوم أنّ الموصوف ... الخ).

لا يخفى أنّ التقابل المذكور إنّما هو بين الوحدة المعتبرة بشرط لا و التكرار دون الوحدة الملحوظة لا بشرط شي‏ء، لحصولها في ضمن التكرار أيضا؛ فغاية ما يلزم من البيان المذكور أن يكون مفاد الأمر قابلا للتقييد بالقيدين المذكورين، و كما أنّ الطبيعة المطلقة قابلة للتقييد بالقيدين المذكورين فكذا الطبيعة المأخوذة بملاحظة الوحدة المفروضة الملحوظة لا بشرط شي‏ء، لوضوح أن اللابشرط يجامع ألف شرط، فلا يفيد مجرّد ما ذكره كون الوحدة المفروضة غير مأخوذة في الفعل بمعنى المصدر.

ثمّ إنّه يمكن أن يقال: إنّ تقييد المصدر بالصفات المتقابلة لا يفيد كونه حقيقة في الأعمّ، إذ قد يكون التقييد قرينة على التجوّز فصحّة التقييد بالقيدين دليل على‏

____________

(1) الوجهين، خ ل (هامش المطبوع).

26

جواز إرادة الأعمّ و صحّة إطلاقه عليه، و هو أعمّ من الحقيقة. فقد يكون إذن حقيقة في خصوص المتّصف بأحد القيدين؛ و مع ذلك يصحّ تقييده بالآخر من باب المجاز.

و يمكن دفعه بأنّ مراد المصنّف بذلك أنّ حقيقة الفعل إذا لوحظت على إطلاقها مع قطع النظر عن ملاحظة شي‏ء آخر معها كانت قابلة للتقييد بالوصفين، فذلك دليل على كونها أعمّ من الأمرين، إذ لو كانت مختصّة بأحدهما لم تكن بذاتها قابلة للتقييد بالآخر، و إنّما تقبله مع ملاحظتها بوجه آخر قابل لذلك و هو خلاف المفروض.

و يمكن الاحتجاج على ذلك أيضا بأنّ الأفعال مشتقة من المصادر الخالية عن التنوين، فإنّها من عوارض الاستعمال، و ما يؤخذ منها الأفعال ليست جارية في الاستعمال حتّى يلحقها التنوين.

و قد تقرّر أن المصادر الخالية عن التنوين موضوعة للطبيعة من حيث هي فإنّها من أسامي الأجناس، على أنّه قد حكى السكاكي في المفتاح أنّه لا نزاع في وضع غير المنوّن من المصادر للطبيعة من حيث هي، و أنّ ما وقع فيه النزاع من أسامي الأجناس في وضعه للطبيعة المطلقة أو المأخوذة بشرط الوحدة إنّما هو فيما عدا غير المنوّن من المصادر، و يشهد بذلك أنّ إبن الحاجب- مع اختياره في الإيضاح على خلاف التحقيق كون الجنس موضوعة للطبيعة المقيّدة بالوحدة- حكم هنا بأنّ المطلوب بالصيغة إنّما هي الحقيقة من حيث هي.

قوله: (طلب ضرب ما).

أراد به مطلق الضرب المبهم الشامل للواحد و الكثير لا فردا ما من الضرب، إذ لا يتبادر من المصدر إلّا مطلق الطبيعة دون الفرد المنتشر، حسب ما قرّره.

قوله: (و ما يقال ... الخ).

كأنّ هذا المورد غفل عن انحصار المتبادر من الهيئة في طلب إيجاد المادّة حسب ما أخذ في الاحتجاج، فنبّه عليه في الجواب، أو إنّه غفل عن إفادة التبادر نفي اعتبار أمر آخر مع ذلك في الوضع، لتوهّمه أنّ مقتضى التبادر وضعها لطلب‏

27

الطبيعة في الجملة فيكون مثبتا لما يتبادر من أجزاء المعنى و قيوده لا نافيا لما لا يتبادر منها، و ضعفه أيضا ظاهر ممّا قرّره في الجواب.

قوله: (إنّا قد بيّنا انحصار مدلول الصيغة بحكم التبادر ... الخ).

قد يجاب عنه أيضا بأنّه إذا ثبت عدم دلالة المادّة على الوحدة فالقدر المسلّم من مدلول الهيئة هو طلب إيجاد المادّة.

و دعوى وضعها لما يزيد على ذلك مخالفة للأصل مدفوعة به، و حينئذ يقرّر الاحتجاج من دون حاجة إلى التمسّك إلى التمسّك إلى التبادر في إثبات وضعه الهيئي لطلب إيجاد المهيّة أو الانحصار في ذلك على ما قرّره المصنّف.

و قد تمسّك به بعض الأفاضل في المقام و هو بمكان من الوهن، إذ لا مسرح للأصل في نحو هذه المقامات، لوضوح أنّ الامور التوقيفيّة إنّما تتبيّن من توقيف الواضع، فلو دار اللفظ بين كونه موضوعا لمعنى مفرد أو مركّب أو دار اللفظ الموضوع بين كونه مفردا أو مركّبا لم يمكن الحكم بالأوّل من جهة الأصل و هو واضح. هذا.

و قد احتجّ للقول بوضعه للماهيّة بوجوه اخر:

منها: أنّه قد استعمل تارة في المرّة و اخرى في التكرار، و الأصل فيما استعمل في الأمرين أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما، دفعا للاشتراك و المجاز.

و يرد عليه أنّه مع البناء على كونه حقيقة في القدر المشترك يلزم المجاز أيضا، لكونه مجازا عند استعماله في خصوص كلّ من القسمين و ضعفه ظاهر ممّا مرّ غير مرّة سيّما ما ذكرناه عند احتجاج القائل بكون الأمر حقيقة في الطلب نظير ما ذكر؛ فالظاهر أنّ التمسّك بالأصل في أمثال هذا المقام ممّا لا غبار عليه.

و منها: أنّه يصحّ تقييد الأمر تارة بالمرّة و اخرى بالتكرار من دون تناقض و لا تكرار، فيكون للأعمّ منهما.

و يرد عليه أنّه لا باعث على لزوم التناقض في المقام، غاية الأمر لزوم التجوّز و هو غير عزيز في الاستعمالات، و كذا التأكيد ممّا لا مانع منه، فالتجوّز جايز و التأكيد واقع.

28

و فيه: أنّ جواز الأمرين ممّا لا كلام فيه، و إنّما المقصود أنّ كلّا منهما على خلاف الأصل فلا باعث على الالتزام به من غير دليل مع إمكان القول بما لا يلزم منه شي‏ء من الأمرين.

و فيه: أنّ ما ذكر لا يفي بإثبات الوضع فإنّه من الامور التوقيفيّة و بمجرّد ذلك لا يحصل التوقيف و ما يقوم مقامه ليصحّ إثبات الوضع به.

و يمكن دفعه بأنّ المقصود أنّا نرى مدلول الأمر حال إطلاقه قابلا- بحسب العرف- للتقييد بكلّ من الأمرين من دون لزوم تناقض في الظاهر حتّى يلزم بسببه الخروج عن ظاهر اللفظ و لا تكرار حتّى يلتزم من جهته بحصول التأكيد، بل المعنى المنساق من الصيغة قابل في نفسه لكلّ من الأمرين، فيفيد ذلك كون معناه هو الأمر الجامع بين الأمرين.

و يرد عليه: أنّ غاية ما يثبت بذلك عدم وضعه لخصوص المرّة الملحوظة بشرط لا على أحد الوجهين المتقدّمين و لا للتكرار، و أمّا وضعه للمرّة لا بشرط فممّا لا ينفيه الدليل المذكور، فإنّها أيضا قدر جامع بين المرّة الملحوظة على الوجه المتقدّم و التكرار، إلّا أن يقال: إنّا نأخذ في الاحتجاج تقييده بالمرّة المأخوذة على الوجه المذكور لكن القول بعدم حصول التأكيد حينئذ محلّ منع، و مع الغضّ عن ذلك فلو تمّ ما ذكر فإنّما ينفي القول بوضعه لخصوص المرّة أو التكرار دون القول بالاشتراك اللفظي، فلا ينهض حجّة على المطلوب. فتأمّل.

و منها: حسن الاستفهام عن إرادة المرّة أو التكرار و هو دليل على كونه للأعمّ، و ضعفه ظاهر إذ الاستفهام إنّما يحسن مع قيام الاحتمال و هو حاصل على القول بوضعه للأعمّ و غيره على أنّ حسن الاستفهام ليس عن التكرار و المرّة الملحوظة لا بشرط فلا يفي ذلك بإثبات المقصود.

و منها: أنّه لو كان للتكرار لكان استعماله في المرّة غلطا و كذا العكس، لانتفاء العلاقة بينهما.

و هو ضعيف جدّا، لوضوح كون الطلب المطلق جامعا بين الأمرين، فغاية

29

الأمر إسقاط الوحدة أو التكرار من المستعمل فيه، و استعمال الأمر في المطلق و إرادة الخصوصيّة الاخرى من القرينة و لا حاجة في تصحيحه إلى ملاحظة علاقة التضادّ، إذ مع ضعف تلك العلاقة لا مسرح لها في المقام، على أنّ ذلك على فرض صحّته لا يجري بالنسبة إلى المرّة الملحوظة لا بشرط شي‏ء، لكونها أعمّ من القيدين المفروضين، و لا يقضي ذلك أيضا ببطلان القول بالاشتراك.

و منها: أنّه نصّ أهل اللغة أنّه لا فارق بين «افعل» و «يفعل» إلّا كون الأوّل إنشاء و الثاني خبرا و من البيّن صدق الثاني مع كلّ من الوحدة و التكرار فيكون للأعمّ، فيكون الأوّل أيضا كذلك، و إلّا ثبت هناك فرق آخر بينهما. و ضعفه أيضا ظاهر، لعدم ثبوت النقل المذكور و على فرض صحّته فلا ينافي القول بوضعه للمرّة اللابشرط، على أنّه قد يناقش في وضع المضارع للأعمّ مع ما اشتهر من دلالته على التجدّد و الحدوث.

و منها: ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و اله): أنّه لمّا قال له سراقة في الحجّ: ألعامنا هذا يا رسول اللّه أم للأبد؟ فقال (صلّى اللّه عليه و اله): «بل لعامنا هذا، و لو قلت نعم لوجب» (1) فأفاد (صلّى اللّه عليه و اله) أنّ الزيادة تثبت بقوله: «نعم» و لو كان للتكرار لما احتاج إلى ذلك، ذكر ذلك الشيخ (رحمه اللّه).

و فيه بعد ضعفه: أنّه لا ينهض حجّة للقول بوضعه للطبيعة، إذ قد يكون للمرّة.

و لو دفع ذلك بسؤال سراقة- و هو من أهل اللسان- ففيه: أنّه حينئذ تمسّك بحسن الاستفهام، و قد عرفت ما فيه.

قوله: (لما تكرّر الصوم و الصلاة).

كأنّه أراد بذلك أنّه لو لا ذلك لما فهموا التكرار من الأمر بالصوم و الصلاة، و قد فهموه منه قطعا، فدلّ ذلك على كونه حقيقة فيه؛ و جوابه الآتي يشير إلى ذلك.

قوله: (إذ لعلّ التكرار ... الخ).

يريد أنّهم لو فهموا التكرار من نفس الأمر أفاد كونها حقيقة فيه، و إن استندوا فيه إلى القرائن المنضمّة و شواهد الحال فلا، و حينئذ فالاحتجاج مبنيّ على الوجه‏

____________

(1) مشكل الآثار للطحاوي: ج 2 ص 202.

30

الأوّل، فلابدّ من إثباته حتّى يتمّ الاحتجاج، و مجرّد الاحتمال لا يكفي في صحة الاستدلال، سيّما مع وجود الدليل على التكرار من إجماع الأمّة و الأخبار الواردة.

لا يقال إنّ الأصل عدم ضمّ القرائن و عدم استناد الفهم إليها، إذ من البيّن عدم جواز إثبات الامور التوقيفيّة بمثل ذلك، بل نقول: إنّ الأصل عدم حصول الفهم من نفس اللفظ و عدم وضع اللفظ لذلك.

قوله: (و هو باطل و إن قلنا بجوازه في الأحكام).

و ذلك لأنّ أحكام الشرع مبتنية على الحكم و المصالح، فقد يقال حينئذ بعد استنباط وجه الحكمة و العلة في الحكم بثبوت الحكم في ساير موارده؛ و أمّا الأوضاع اللفظيّة فلا يرتبط بالحكم و المصالح؛ غاية الأمر أن يلاحظ فيها بعض المناسبات القاضية باختيار بعض الألفاظ للوضع لمعناه دون آخر، و من البيّن أنّ مثل ذلك لا يعتبر فيه الاطراد حتّى يمكن القول بثبوت الوضع في موارد تلك المناسبة، فلذا لا يمكن تحصيل الظنّ بالوضع من مجرّد القياس بحسب الغالب، و لو أمكن حصول الظنّ منه في مباحث الأوضاع لم يبعد القول بحجّيّته في المقام، لما تقرّر من حجّية مطلق الظنّ في مباحث الألفاظ، إلّا أنّه نادر جدّا، فلذا منع من حجّيّته في مباحث الأوضاع من قال بحجّية القياس في الأحكام.

قوله: (فإنّ النهى يقتضي انتفاء الحقيقة ... الخ).

لا يخفى أنّ هذا الفارق لو قضى بالفرق فإنّما يقتضي عدم وضع النهي للتكرار، للزوم اللغو في ارتكاب الوضع لعدم الحاجة إلى وضعه للتكرار، للاكتفاء في إفادته بمجرّد وضعه لطلب الترك. فلو كان الواضع مع ذلك لم يهمل الوضع له و وضعه لخصوص التكرار كان ملاحظته ذلك في وضع الأمر مع عدم استفادته من اللفظ أولى، فلا يصحّ جعل ذلك فارقا في المقام.

و الظاهر أنّ مقصود المصنّف بذلك تسليم دلالة النهي على التكرار من جهة الوضع في الجملة، نظرا إلى وضعه لما يستلزمه حسب ما عرفت لا تسليم وضعه لخصوص التكرار، و لا يجري ما ذكر في الأمر فيكون ذلك هو الفارق بين الأمر و النهي، حيث يدلّ النهي عليه دون الأمر.

31

قوله: (و أيضا التكرار في الأمر مانع من فعل غير المأمور به).

أورد عليه: بأنّ من قال بالتكرار إنّما يقول بكونه للتكرار الممكن عقلا و شرعا، فلا يكون للتكرار على نحو يمنع من فعل غيره ممّا يجب عليه فعله.

و يمكن دفعه بأنّ مقصوده بذلك أنّ التكرار الّذي وضع له النهي هو الدوام و هو يجتمع و يجامع كلّ فعل، و لا يمكن اعتبار مثله في الأمر فلا يمكن قياس الأمر عليه، و ملاحظة التكرار على وجه آخر حسب ما ذكر يتوقّف على قيام دليل آخر عليه غير القياس على النهي، و مع الغضّ عن ذلك فيمكن أن يقال: إنّ مراده إبداء الفرق بين إرادة الدوام من النهي، فإنّه ممّا لا حرج فيه أصلا، نظرا إلى أنّه يجامع كلّ فعل من الواجبات و المباحات و غيرهما بخلاف الأمر، فإنّه و إن اريد به التكرار على نحو يمكن اجتماعه مع ساير الواجبات إلّا أنّه لمّا لم يجتمع مع غيره من ساير الأفعال كان فيه من الحرج ما لا يليق بحال الأمرين، و لا يحتاجون إلى التعبير عنه إلّا نادرا، فلم يوضع اللفظ بإزائه، و الفرق المذكور كاف في نظر الحكيم.

و قد يجاب عنه أيضا بأنّ النهي يضادّ الأمر و يناقضه فلا وجه لقياس أحد الضدّين على الآخر، و لو سلّم صحّة القياس حينئذ فقضيّة ذلك أن يقال: إنّ الأمر نقيض النهي فإذا كان مقتضى النهي الدوام فينبغي أن يكون قضيّة الأمر عدمه.

قوله: (بعد تسليم كون الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضدّه ... الخ).

أراد بذلك المنع من كون الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضدّه أولا و بعد تسليمه أورد عليه بما ذكره.

قوله: (أو تخصيصه).

عطف على التسليم و ترديده بين الوجهين من جهة عدم جريان المنع المذكور على التقدير الثاني.

قوله: (منع كون النهي الّذي في ضمن الأمر للدوام).

لا يخفي أن المسلّم عند المستدلّ كون صيغة النهي موضوعة للدوام، و ليس على القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه حصول صيغة النهي في ضمن‏

32

الأمر حتّى يقال: بدلالتها على الدوام؛ و القدر المسلّم من حصول معنى النهي فيه هو طلب ترك الضدّ على نحو الطلب المتعلّق بالفعل، فإن كان الطلب الحاصل في الأمر للدوام كان النهي عن ضدّه كذلك و إلّا فلا، فلا يتّجه الاحتجاج إلّا أن يقال:

إنّ قضيّة القول بكون الأمر بالشي‏ء مقتضيا للنهي عن ضدّه أنّ مقتضى الأمر حصول ما يقتضيه لفظ النهي المتعلّق بضدّه، فيكون دلالتها على مطلوبيّة ترك الضدّ على سبيل الدوام اللازمة للأمر- على حسب ما يدّعيه- كاشفا عن كون طلب الفعل أيضا كذلك، فإذا سلّم هذا الاقتضاء تمّ المدّعى.

و الجواب عنه منع هذا الاقتضاء، فإنّ غاية ما يسلّم من ذلك دلالته على النهي عن ضدّه على نحو الطلب الحاصل في الأمر حسب ما ذكرنا.

فإن قلت بتبعيّة النهي للأمر حسب ما ذكره المصنّف ممّا لا كلام فيه، لوضوح أنّه إذا تعلّق الأمر بفعل دائما قضي بكون النهي عنه كذلك، و إن كان مرّة كان النهي عنه كذلك، لكن نقول: إنّ قضيّة ذلك كون الأمر المتعلّق بطبيعة الفعل قاضيا بتعلّق النهي أيضا بطبيعة ضدّه و قضيّة النهي المتعلّق بالطبيعة هو الدوام و الاستمرار، لعدم تحقّق الترك إلّا به.

قلت: لمّا كان قضيّة الأمر المتعلّق بالطبيعة هو الإتيان بتلك الطبيعة في الجملة و لو في ضمن المرّة كان قضيّة النهي اللازم له هو طلب ترك ضدّه كذلك، فإنّه القدر اللازم للأمر المفروض، و كما أنّ إيجاد طبيعة الفعل يتحقّق بفعله مرّة فكذلك ترك طبيعة الفعل؛ و إنّما لا نقول به في النهي الصريح، نظرا إلى قضاء ظاهر الإطلاق و للزوم اللغو في غالب الاستعمالات لقيام الضرورة على حصول الترك في الجملة؛ و لا يجري شي‏ء منهما في النهي التابع للأمر، كما لا يخفى هذا.

و قد ذكر للقائل بالتكرار حجج اخر موهونة جدّا على نحو الحجج المذكورة:

منها: أنه يتبادر منه الدوام، ألا ترى أنّك لو قلت: «أكرم أباك و أحسن إلى صديقك و تحذّر من عدوّك» لم يفهم منها عرفا إلّا الدوام. و هو أمارة الحقيقة.

و ضعفه ظاهر، فإنّ الدوام فيها إنّما يستفاد من المقام.

33

و منها: أنّه لو لم يكن للتكرار لكان الإتيان به في الزمان الثاني متوقّفا على قيام الدليل عليه و لكان قضاء لا أداءا. و وهنه ظاهر سيّما الأخير.

و منها: أنّه لا دلالة في الأمر على خصوص الوقت فإمّا أن لا يجب في شي‏ء من الأوقات أو يجب في الجميع أو يجب في البعض دون البعض، لا سبيل إلى الأوّل و إلّا لم يجب الفعل، و لا إلى الأخير لبطلان الترجيح بلا مرجّح، فتعيّن الثاني و هو المطلوب.

و جوابه ظاهر فإنّا نقول بوجوبه في جميع تلك الأزمان بحيث لو اتي به في أيّ جزء منها كان واجبا، و لا يلزم من ذلك وجوبه في الجميع على سبيل التكرار.

و منها: أنّه لو لم يكن للتكرار لما صحّ نسخه و استثناء بعض الأزمان منه مع وضوح جواز الأمرين.

و اجيب عنه بأنّ ورود النسخ و الاستثناء قرينة على التعميم و لا يمنعه أحد و الأولى أن يقال: إنّ شمول الوجوب للأزمان غير التكرار، كما عرفت في الجواب السابق.

و منها: قوله (عليه السّلام): «إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم» فإنّه يفيد التكرار مدّة استطاعته.

و يدفعه بعد الغضّ عن سنده أنّه على فرض دلالته فإنّما يفيد كون أوامره يراد بها التكرار من جهة القرينة المذكورة، و أين ذلك من دلالته عليه بحسب اللغة؟ كما هو المقصود؛ و مع الغضّ عنه فدلالة الرواية على إرادة التكرار غير ظاهرة، إذ قد يكون «ما» موصولة أو موصوفة، فيراد به أنّه إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا من أفراده الفرد الّذي تستطيعونه، فلا يراد منكم ما لا تستطيعونه و لا تقدرون عليه، و أين ذلك من الدلالة على التكرار؟ و قد مرّ الكلام في بيان الرواية عند احتجاج القائل بكون الأمر للندب.

قوله: (و لو كان للتكرار لما عدّ ممتثلا).

لا يخفى أنّ القائل بكونه للتكرار إن جعل الجميع تكليفا واحدا- كما هو أحد

34

الوجهين فيه- تمّ ما ذكره، و أمّا إن جعله تكاليف شتّى على حسب التكرار الحاصل فيه فما ذكره ممنوع، لحصول الامتثال على القول به أيضا.

و يدفعه: أنّ القائل بالتكرار و إن قال بحصول الامتثال حينئذ إلّا أنّه لا يقول بفراغ ذمّة المكلّف و أداء التكليف به، فمقصود المستدلّ من حصول الامتثال امتثاله بأداء ما هو الواجب عليه القاضي بسقوط التكليف به، و لا يتمّ ذلك على القول بالتكرار مطلقا.

فالحقّ في الجواب: أنّه إن أراد بذلك عدّه ممتثلا بأداء خصوص المرّة فهو ممنوع، و إن أراد به عدّه ممتثلا عند الإتيان به مرّة فمسلّم، و هو إنّما يدفع القول بالتكرار، و لا يثبت به الوضع للمرّة، لإمكان الوضع للأعمّ- أعني مطلق طلب الطبيعة- فيتحقّق الامتثال بالمرّة من جهة حصولها به، كما سيشير إليه المصنّف.

قوله: (و لا ريب في شهادة العرف بأنه لو أتى ... الخ).

لا يخفى أنّه لا حاجة في دفع الاحتجاج إلى هذه الضميمة لاندفاعه بمجرّد قيام الاحتمال المذكور حسب ما قرّرنا، و إنّما ذكره المصنّف لتكميل الإيراد و بيان كون الامتثال بحصول الطبيعة دون خصوص المرّة فيكون شاهدا على مقصوده.

و قد عرفت تفصيل الكلام فيما فيه من النقض و الإبرام، فلا حاجة إلى إعادته.

و قد يقال: إنّ مقصوده بذلك صدق الامتثال بالفعل الأوّل مع الإتيان به ثانية و ثالثة، و لو كان للمرّة لما حصل الامتثال به، لانتفاء صدق المرّة مع التكرار، و هذا الوجه بعيد عن كلامه، إذ سياق عبارته صريح في كون الثاني و الثالث أيضا محققّا للامتثال إلّا أنّ ما ذكره واضح لا مجال لإنكاره؛ غير أنّه لا يتمّ إلّا على اعتبار المرّة بشرط لا على الوجه الأوّل، و هو أضعف الوجوه في المرّة و أمّا على سائر الوجوه فيها فلا يتمّ ذلك أصلا.

و قد يحتجّ للقول بالمرّة أيضا بوجوه اخر موهونة:

منها: أنّ الأمر كسائر المشتقات من الماضي و المضارع و اسم الفاعل و المفعول و غيرها، و لا دلالة في شي‏ء منها على الدوام و التكرار فكذا الأمر.

35

و فيه: أنّه إن اريد بذلك قياس الأمر على غيره من المشتقّات فوهنه واضح، و إن اريد به الاستناد إلى الاستقراء، فإفادته الظنّ في مثل المقام غير ظاهر حتّى يصحّ الاستناد إليه.

ثمّ إنّ أقصى ما يفيده عدم الدلالة على التكرار و أمّا إفادته المرّة فلا، بل يمكن القول بدلالته على نفي المرّة أيضا، فإنّه كما لا يدلّ سائر المشتقّات على التكرار فلا دلالة فيها على المرّة أيضا، و إنّما يفيد مطلق الطبيعة، فينبغي أن يكون الأمر أيضا كذلك؛ فهو في الحقيقة من شواهد القول بالطبيعة.

و منها: أنّ صيغة الأمر إنشاء كسائر الإنشاءات و الإيقاعات، و كما أنّ الحاصل من قولك: «بعت» و «أجرت» و «هي طالق» ليس إلّا بيع واحد و إجارة واحدة و طلاق واحد، فكذا الحاصل من قولك: «اضرب» ليس إلّا طلب ضرب واحد.

و ضعفه ظاهر للخلط في الاحتجاج بين المنشئات بالإنشاءات و الأمر المتعلّق للإنشاء، فإنّ البيع و الإجارة و الطلاق هي الامور المنشئات بالإنشاءات المذكورة و هو أمر واحد و كذا المنشأ بقوله: «اضرب» طلب الضرب و ليس إلّا طلب واحد، و إنّما الكلام في المطلوب و متعلّق الطلب المفروض و لا ربط له باتّحاد الأمر الحاصل بالإنشاء.

و منشأ الخلط في المقام كون المنشأ في الإنشاءات المذكورة هو نفس المبدأ، فزعم كون المنشأ في الأمر أيضا ذلك فلاحظ الوحدة فيه، و ليس كذلك لوضوح كون المنشأ هنا نفس الطلب دون المبدأ، و سيأتي توضيح القول في ذلك إن شاء اللّه.

و منها: أنّه لو أمر الرجل وكيله بطلاق زوجته لم يكن له أن يطلّقها إلّا مرّة واحدة بلا خلاف بين الفقهاء، و لو كان للتكرار لجازت الزيادة عليها.

و يدفعه: أنّ غاية ما يلزم من ذلك دفع القول بالتكرار دون القول بالطبيعة و إنّما لم يجز الزيادة على المرّة من جهة أنّها المتيقّن في المقام و ما زاد عليه غير معلوم فلا يجوز الإقدام عليه من دون دلالة الكلام عليه، و فيه تأمّل يظهر من ملاحظة ما قدّمناه في بيان ثمرة الأقوال.

36

و منها: أنّه لو كان للتكرار لكان قولك: «صلّ مرارا» لغوا خاليا عن الفائدة و كان قولك: «صلّ مرّة واحدة» تناقضا. و وهنه ظاهر، إذ لو تمّ ما ذكر فلا يثبت بذلك وضع الأمر للمرّة غاية الأمر أن لا يكون موضوعا للتكرار فيوافق القول بوضعه لطلب الطبيعة.

و منها: أنّه لو كان للتكرار لاستلزم أن يكون الأمر بكلّ عبادة ناسخا لما تقدّمه إذا كانت مضادّة للأوّل، نظرا إلى أنّ الثاني يقتضي استيعاب الأوقات كالأوّل و يدفعه- بعد ما عرفت من عدم دفعه القول بالطبيعة- أنّ القائل بالتكرار لا يقول به إلّا على حسب الإمكان العقلي و الشرعي و العادي فمع وجود واجب آخر إنّما يكرّران على وجه لا يزاحم أحدهما الآخر.

و منها: أنّه لو كان للتكرار لكان الأمر بعبادتين مختلفتين لا يمكن الجمع بينهما، إمّا لكونه تكليفا بما لا يطاق أو يكون الأمر بكلّ منهما متناقضا للأمر بالاخرى. و وهنه ظاهر ممّا عرفت فلا حاجة إلى إعادته.

تتميم: اختلف القائلون بعدم إفادة الأمر للتكرار في الأمر المعلّق على شرط أو صفة هل يفيد تكرّره بتكرّر الشرط أو الصفة أو لا، على أقوال:

أحدها: القول بإفادته ذلك مطلقا حكي القول به عن جماعة.

ثانيها: عدم إفادته التكرار كذلك، و عزي القول به إلى بعضهم، و ربما يحكى ذلك عن السيّد لإطلاقه القول أوّلا بنفي اقتضائه للتكرار إلّا أنّه نص في أثناء الكلام في الأدلّة بأنّ الشرط قد يصير مع كونه شرطا علّة، فيتكرّر من حيث إنّه كان علّة لا من حيث إنّه كان شرطا و يعزى إلى الآمدي- مع حكايته الاتفاق و الإجماع على إفادته التكرار في العلّة- أنّه قال: و الأصوليون من الحنفيّة قالوا:

إنّ الأمر المطلق يفيد المرّة و لا يدلّ على التكرار و إذا علّق بالعلّة لم يجب تكرار الفعل بتكرّر العلّة، بل لو وجب تكرّره كان مستفادا من دليل آخر. و العضدي مع حكايته الاتفاق فيها أيضا ذكر احتجاج المنكرين للتكرار في العلّة، فظهر بذلك أنّ هناك جماعة ينكرون إفادته التكرار في المعلّق على العلّة أيضا.

37

ثالثها: التفصيل بين العلّة و غيرها فيفيد التكرار في الأوّل من جهة العلّيّة دون غيره و حكى القول به من جماعة من العامّة و الخاصّة، منهم الشيخ و السيّدان و الديلمي و الفاضلان و فخر المحقّقين و شيخنا البهائي و الآمدي و الحاجبي و الرازي و البيضاوي و عزاه بعضهم إلى المحققّين.

و النزاع في المقام إمّا في وضع الصيغة حينئذ حتّى يقال بحصول وضع خاصّ لها عند تعليقها على الشرط أو الصفة أو من جهة استفادة ذلك من التعليق إمّا لقضاء وضعها التركيبي بذلك أو لكون التعليق ظاهرا فيه من جهة إفادته الإناطة بين الشرط و الجزاء و الاقتران بينهما. و المختار عندنا هو القول بالتفصيل.

و توضيح المقام أن يقال: إنّه إن كان الشرط مشتملا على أداة العموم كقولك:

«كلّما جاءك زيد فأكرمه» فلا إشكال في إفادته التكرار، قال بعض الأفاضل: إنّه ممّا لم يختلف فيه اثنان و هو واضح، نعم من أنكر وضع لفظ للعموم ربما ينكر ذلك.

هذا إذا كان عموما استغراقيّا و أمّا لو كان بدليّا كما في قولك: «أيّ وقت جاءك فأكرمه» لم يكن الحال فيه على ما ذكر و كان دلالته على التكرار محلّ نظر.

و منه «متى» كما في قولك: «متى جاءك زيد فأكرمه» و يظهر من بعض أساطين اللغة إنكار دلالته على التكرار، لوقوعه موقع «إن» و هي لا تقتضيه، و لكونه ظرفا لا يقتضي التكرار في الاستفهام فلا يقتضيه في الشرط.

و عن بعض النحاة: أنّه إن زيد عليه «ما» كانت للتكرار نحو: «متى ما جاءك فأكرمه» و اورد عليه: أنّ «ما» الزائدة لا يفيد غير التوكيد. و يردّه ملاحظة العرف، فإنّ المنساق منه عرفا هو العموم، بل و كذا مع الخلوص عن «ما» الزائدة، نعم هو مع «ما» أظهر في ذلك جدّا.

و إن خلا عن أداة العموم فإن كان المعلّق عليه علّة في ثبوت الحكم أفاد تكرّره بتكرّرها، إذ هو المنساق منه عرفا. و كون العلل الشرعيّة معرّفات لا يمنع منه، فإنّ المتّبع فهم العرف؛ و فهم التكرار حينئذ إمّا من جهة السببيّة، حيت إنّ تكرّر السبب قاض بتكرّر المسبّب، أو من جهة التعليق و السببيّة معا، و كأنّ الثاني‏

38

هو الأظهر، و هو الّذي يناسب المقام، إذ دلالة السببيّة على تكرّر المسبّب بتكرّره أمر آخر لا ربط له بالأمر و لا بتعليقه على الشرط، و لا ينافي ذلك دلالة ما دلّ على السببيّة على التكرار، فإنّ الدلالة تتقوّى بملاحظة التعليق كما لا يخفى عند التأمّل في الاستعمالات.

و كيف كان: فدلالته على التكرار ممّا لا مجال للتأمّل فيه؛ مضافا إلى الإجماع المحكيّ عليه في كلام جماعة من الأصوليّين، منهم الآمدي و الحاجبي و الرازي و العضدي. و لا يبعد القول بذلك بالنسبة إلى التعليق على الوصف، و الاتّفاق محكيّ بالنسبة إليه أيضا.

و المراد بالعلّة في المقام ما يكون مناطا لثبوت الحكم باعثا على حصوله لا مجرّد السبب في الجملة و لو كانت ناقصة كالجزء الأخير من العلّة و نحوه، فإنّ غالب التعليقات مبنيّة عليه.

و إن لم يثبت كونه علّة للجزاء فالظاهر عدم إفادته التكرار بتكرّر الشرط أو الصفة، لما عرفت من كون الأمر موضوعا لطلب الطبيعة من غير دلالة على التكرار. فحصول الدلالة في المقام إمّا لوضع جديد يتعلّق بالأمر أو بالهيئة التركيبيّة الخاصّة و هو مدفوع بالأصل و التبادر، أو من جهة كون التعليق قرينة على ذلك و هو أيضا فرع الفهم منه عرفا، و هو غير ظاهر بعد ملاحظة الاستعمالات العرفيّة، بل الظاهر خلافه، ألا ترى أنّه لو قال السيّد لعبده أو المالك لوكيله: «إن جاءك زيد فأعطه درهما» لم يفهم منه إلّا إعطاء درهم واحد، فلو أعطاه لكلّ مجي‏ء درهما كان له أن يعاقب العبد على ذلك و كان للمالك أن لا يحتسبه مع الوكيل و يغرمه لذلك؛ كيف و المعنى المستفاد منه قابل للتقييد بكلّ من المرّة و التكرار؟ و لو كان المنساق منه بملاحظة التعليق المفروض هو التكرار لما كان المفهوم منه حينئذ قابلا لذلك.

حجّة القول بإفادته التكرار أمور:

أحدها: أنّ الغالب في التعليق على الشروط هو إفادة التسبيب و كون الأوّل‏

39

قاضيا بترتّب الثاني عليه، ألا ترى أنّ قولك: «إن جاءك زيد فأكرمه» و «إن ضربك فاشتمه» و «إن قاتلك فاقتله» و «إن أعانك فأعنه» و «إن زارك فزره» إلى غير ذلك من الأمثلة إنّما يفيد ترتّب الثاني على الأوّل و تسببّه عنه، ألا ترى أنّه نصّ المنطقيّون بأنّ وضع المقدّم ينتج وضع التالي و رفع التالي ينتج رفع المقدّم، إذ وجود العلّة يستلزم وجود المعلول و رفع المعلول يستلزم ارتفاع علّته من دون العكس في المقامين، إذ قد يخلف العلّة علّة اخرى فإذا كان المعلّق عليه علّة لحصول المعلّق قضى تكرّره بتكرّره، قضاء لحقّ العلّيّة.

و حينئذ يمكن تقرير هذا الاحتجاج لإثبات الوضع الهيئي، ليكون الهيئة المفروضة حقيقة في ذلك، لدعوى أنّه المتبادر منه عند الإطلاق و إن يقرّر لأجل الحمل عليه مع الإطلاق؛ مع كون وضعه للأعمّ، نظرا إلى الغلبة المدعاة القاضية بظهوره فيه حين الإطلاق، فكان الثاني أوضح في المقام، إذ دعوى الوضع في المقام لا يخلو عن البعد.

و كيف كان فيدفعه: أنّه لو سلّم الغلبة المدعاة و بلوغها إلى حيث يقضى بفهم ذلك حال الإطلاق فالمفهوم منه إنّما هو التسبيب في الجملة، يعني: أنّ وجود الشرط في الجملة علّة لحصول الجزاء، و قضيّة ذلك أنّ تحقّق الشرط أوّلا قاض بتفرّع الجزاء عليه فحصوله مرّة علّة لحصول الجزاء، و لا يفيد ذلك كون كلّ حصول من حصولاته علّة لحصوله مطلقا، فإنّ ذلك ممّا لا يستفاد من مجرّد التعليق أصلا و لا غلبة له في الاستعمالات و لا يوافقه فهم العرف قط حسب ما عرفت.

نعم لو قام دليل من الخارج على كون الشرط علّة مطلقة لترتّب الجزاء تكرّر على حسب تكرّره كما ذكرنا، كما هو الحال في الأخبار الواردة في ثواب الأعمال و العقوبات المتفرّعة عليها، و ما يذكر في المواعظ و نحوها و ما ذكر من كلام المنطقيّين إنّما أرادوا به ما ذكرناه من دون أن يدّعوا إفادته كون الأوّل علّة للثاني مطلقا كيف و قد صرّحوا بأنّ «ان» و «إذا» من أدوات الإهمال؟ فلا تفيد كليّة ثبوت الجزاء عند تحقّق الشرط، و لو أفاد كونه علّة له مطلقا لأفاد ذلك قطعا،

40

و إنّما قالوا به مع وجود أداة العموم في التعليق كقولك: «كلّما جاءك زيد فأكرمه» و لا كلام حينئذ في إفادته ذلك كما مرّ.

ثانيها: أنّه لو لم يفد تكرّر الجزاء بتكرّر الشرط، و كان المستفاد منه هو الإتيان به عند حصول الشرط أوّل مرّة لكان الإتيان به مع الثاني أو الثالث إذا ترك عند حصوله أوّلا، قضاءا لفوات محله من الإتيان به عقيب المرّة الأولى، و حينئذ فلا يجب الإتيان به إلّا بأمر جديد بناء على ما هو التحقيق في القضاء.

و وهنه ظاهر فإنّ كون الوجوب حاصلا عند الحصول الأوّل من الشرط خاصّة لا يقضي بتوقيت الوجوب بحصوله الثاني حتّى يكون ذلك قاضيا بانتفاء الوجوب الثابت له من جهة حصوله الأوّل عند حصوله الثاني بل نقول: إنّ قضيّة وجوبه الأوّل هو بقاء الوجوب إلى أن يؤدّيه المكلّف، نظرا إلى إطلاق الأمر، فغاية الأمر أن لا يتكرّر الوجوب على حسب تكرّر الشرط، لا أنّه ينتهي الأمر به بحصوله الثاني، و هو ظاهر. نعم لو كان الشرط مفيدا للتوقيت، كما في «إذا» التوقيتيّة صحّ القول بلزوم ذلك و لا مانع من الالتزام به.

ثالثها: أنّ تكرّر العلّة قاض بتكرّر المعلول فكذا الشرط قياسا عليه. و وهنه واضح سيّما بعد وضوح الفرق بينهما.

رابعها: أنّ الشرط المستدام يدوم الجزاء بدوامه، كما إذا قلت: «إذا وجد شهر رمضان فصمه» فكذا ما بمنزلته من التكرار فيقترن الجزاء بكلّ حصول من حصولاته، كما يقترن حصوله بحصوله المستدام.

و ضعفه ظاهر أيضا، لمنع استدامة الجزاء بحصول الشرط المستدام. أ لا ترى أنّه لو قيل: «إن كان زيد في البلد فأعطه درهما» أو «إن كان حيّا فتصدّق من مالي دينارا» و نحو ذلك من الأمثلة لم يفد إلّا حصول ذلك مرّة عند حصول الشرط. نعم لو كان هناك قرينة على إرادة التطبيق أفاد ذلك، و هو أمر آخر لا كلام فيه و نقول بمثله في المقام عند قيام القرينة عليه كذلك.

***

41

معالم الدين:

أصل [: الفور و التراخي‏]

ذهب الشيخ (رحمه اللّه) و جماعة إلى أنّ الأمر المطلق يقتضي الفور و التعجيل؛ فلو أخّر المكلّف عصى، و قال السيّد- رضي اللّه- هو مشترك بين الفور و التراخي؛ فيتوقّف في تعيين المراد منه على دلالة تدلّ على ذلك.

و ذهب جماعة، منهم المحقّق أبو القاسم ابن سعيد، و العلّامة- رحمهما اللّه تعالى- إلى أنّه لا يدلّ على الفور، و لا على التراخي، بل على مطلق الفعل، و أيّهما حصل كان مجزيا. و هذا هو الأقوى.

لنا: نظير ما تقدّم في التكرار، من أنّ مدلول الأمر طلب حقيقة الفعل، و الفور و التراخي خارجان عنها، و أنّ الفور و التراخي من صفات الفعل، فلا دلالة له عليهما.

حجّة القول بالفور امور ستّة:

الأوّل: أنّ السيّد إذا قال لعبده: اسقني؛ فأخّر العبد السقي من غير عذر، عدّ عاصيا، و ذلك معلوم من العرف. و لو لا إفادته الفور، لم يعدّ عاصيا.

و أجيب عنه: بأنّ ذلك إنّما يفهم بالقرينة؛ لأنّ العادة قاضية بأنّ‏

42

طلب السقي إنّما يكون عند الحاجة إليه عاجلا، و محلّ النزاع ما تكون الصيغة فيه مجرّدة.

الثاني: أنّه تعالى ذمّ إبليس لعنه اللّه، على ترك السجود لآدم (عليه السّلام)، بقوله سبحانه:

(ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)

و لو لم يكن الأمر للفور لم يتوجّه عليه الذمّ، و لكان له أن يقول: إنّك لم تأمرني بالبدار، و سوف أسجد.

و الجواب: أنّ الذمّ باعتبار كون الأمر مقيّدا بوقت معيّن. و لم يأت بالفعل فيه. و الدليل على التقييد قوله تعالى:

(فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ)

.

الثالث: أنّه لو شرع التأخير لوجب أن يكون إلى وقت معيّن، و اللازم منتف. أمّا الملازمة، فلأنّه لولاه لكان إلى آخر أزمنة الإمكان اتفاقا، و لا يستقيم؛ لأنّه غير معلوم، و الجهل به يستلزم التكليف بالمحال؛ إذ يجب على المكلّف حينئذ أن لا يؤخّر الفعل عن وقته، مع أنّه لا يعلم ذلك الوقت الّذي كلّف بالمنع عن التأخير عنه. و أمّا انتفاء اللّازم فلأنّه ليس في الأمر إشعار بتعيين الوقت، و لا عليه دليل من خارج.

و الجواب: من وجهين: أحدهما- النقض بما لو صرّح بجواز التأخير؛ إذ لا نزاع في إمكانه. و ثانيهما- أنّه إنّما يلزم تكليف المحال لو كان التأخير متعيّنا، إذ يجب حينئذ تعريف الوقت الّذي يؤخّر إليه. و أمّا إذا كان ذلك جائزا فلا، لتمكّنه من الامتثال بالمبادرة، فلا يلزم التكليف بالمحال.

الرابع: قوله تعالى:

(وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)

فإنّ المراد بالمغفرة سببها، و هو فعل المأمور به، لا حقيقتها، لأنّها فعل اللّه سبحانه،

43

فيستحيل مسارعة العبد إليها، و حينئذ فتجب المسارعة إلى فعل المأمور به. و قوله تعالى:

(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)

فإنّ فعل المأمور به من الخيرات؛ فيجب الاستباق إليه. و إنّما يتحقق المسارعة و الاستباق بأن يفعل بالفور.

و اجيب: بأنّ ذلك محمول على أفضليّة المسارعة و الاستباق، لا على وجوبهما، و إلّا لوجب الفور، فلا يتحقّق المسارعة و الاستباق؛ لأنّهما إنّما يتصوّران في الموسّع دون المضيّق، ألا ترى أنّه لا يقال لمن قيل له «صم غدا» فصام: «إنّه سارع إليه و استبق». و الحاصل: أنّ العرف قاض بأنّ الإتيان بالمأمور به في الوقت الّذي لا يجوز تأخيره عنه لا يسمّى مسارعة و استباقا؛ فلابدّ من حمل الأمر في الآيتين على الندب، و إلّا لكان مفاد الصيغة فيهما منافيا لما تقتضيه المادّة. و ذلك ليس بجائز فتأمّل!.

الخامس: أنّ كلّ مخبر كالقائل: «زيد قائم، و عمرو عالم» و كلّ منشئ كالقائل: «هي طالق، و أنت حرّ» إنّما يقصد الزمان الحاضر.

فكذلك الأمر، إلحاقا له بالأعمّ الأغلب.

و جوابه: أمّا أوّلا فبأنّه قياس في اللّغة، لأنّك قست الأمر في إفادته الفور على غيره من الخبر و الإنشاء، و بطلانه بخصوصه ظاهر. و أمّا ثانيا فبالفرق بينهما بأنّ الأمر لا يمكن توجّهه إلى الحال، إذ الحاصل لا يطلب، بل الاستقبال، إمّا مطلقا، و إمّا الأقرب إلى الحال الّذي هو عبارة عن الفور، و كلاهما محتمل؛ فلا يصار إلى الحمل على الثاني إلّا لدليل.

السادس: أنّ النهي يفيد الفور، فيفيده الأمر؛ لأنّه طلب مثله.

و أيضا الأمر بالشي‏ء نهي عن أضداده، و هو يقتضي الفور بنحو ما مرّ في التكرار آنفا.

44

و جوابه: يعلم من الجواب السابق؛ فلا يحتاج إلى تقريره.

احتجّ السيّد (رحمه اللّه) بأنّ الأمر قد يرد في القرآن و استعمال أهل اللّغة و يراد به الفور، و قد يرد و يراد به التراخي. و ظاهر استعمال اللّفظة في شيئين يقتضي أنّها حقيقة فيهما و مشتركة بينهما. و أيضا فإنّه يحسن بلا شبهة أن يستفهم المأمور- مع فقد العادات و الأمارات-: هل اريد منه التعجيل أو التأخير؟ و الاستفهام لا يحسن إلّا مع الاحتمال في اللفظ.

و الجواب: أنّ الّذي يتبادر من إطلاق الأمر ليس إلّا طلب الفعل.

و أمّا الفور و التراخي فإنّهما يفهمان من لفظه بالقرينة. و يكفي في حسن الاستفهام كونه موضوعا للمعنى الأعمّ، إذ قد يستفهم عن أفراد المتواطي لشيوع التجوّز به عن أحدها، فيقصد بالاستفهام رفع الاحتمال. و لهذا يحسن فيما نحن فيه أن يجاب بالتخيير بين الأمرين، حيث يراد المفهوم من حيث هو، من دون أن يكون فيه خروج عن مدلول اللفظ. و لو كان موضوعا لكلّ واحد منهما بخصوصه، لكان في إرادة التخيير بينهما منه خروج عن ظاهر اللّفظ و ارتكاب للتجوّز، و من المعلوم خلافه.

45

قوله: (ذهب الشيخ (رحمه اللّه) و جماعة ... الخ).

اختلفوا في دلالة الأمر على الفور أو التراخي على أقوال. و هذا الخلاف بين من نفى دلالته على التكرار، و أمّا كلّ من قال بدلالته على التكرار فهو قائل بكونه للفور حسب ما نصّ عليه جماعة و كان ذلك لاستلزام التكرار للفور بزعمه، حيث إنّ أوّل أزمنة الإمكان ممّا يجب الإتيان بالفعل عنده بمقتضى الدوام و إلّا فالملازمة الاتّفاقيّة بين القولين لا يخفى عن بعد؛ مضافا إلى أنّه لو كان الفور مدلولا آخر للصيغة عندهم غير الدوام على حسب ما تخيّله القائل بالمرّة لزم اعتبار الدوام حينئذ بالنسبة إلى مصداق الفور لا إلى آخر أزمنة الإمكان و لا يقول به القائل بكونه للدوام، فاللازم حينئذ عدم كون الفوريّة مدلولا آخر للصيغة، بل ليس مفاد الصيغة عنده إلّا طلب طبيعة الفعل على وجه الدوام، و يتبعه لزوم الفور حسب ما قرّرناه. و فيه تأمّل سيظهر الوجه فيه.

و قد يقال: إنّه كما يقول القائل المذكور بوجوب الفور كذا يقول بالتراخي أيضا، بل بوجوبه فإنّه كما يحكم بوجوب الفعل في أوّل الأزمنة كذا يقول بوجوبه في آخرها، فيتساوى نسبته إلى القولين و يكون قائلا بوجوب الفور و التراخي معا، و ذلك غير ما هو الظاهر من القول بالفور و التراخي، فإنّه يراد به حصول تمام المطلوب بأدائه على الفور أو التراخي.

ثمّ إنّ الخلاف في المقام إمّا في وضع الصيغة و دلالتها على الفور أو التراخي من جهة الوضع أو في مطلق استفادة الفور أو التراخي منها و لو من جهة انصراف الإطلاق و دلالة الظاهر من غير تعلّق الوضع بخصوص شي‏ء منهما أو في الأعمّ من ذلك و من انصراف الأوامر المطلقة إليه و لو من جهة قيام القرائن العامّة عليه حسب ما يشير إليه المصنّف في القائدة الآتية.

و هذا الوجه إنّما يتمّ بالنسبة إلى الأوامر الواردة في الشريعة دون مطلق الأمر، فإنّ القرائن العامّة إنّما يقال بنصب الشارع إيّاها في الشريعة و لا يجري القول به في مطلق الأوامر، و قد يقال بجريانه فيها مطلقا لما يأتي الإشارة إن شاء اللّه.

46

ثمّ إنّ لهم في المسألة أقوالا عديدة:

أحدها: القول بالفور،

ذهب إليه جماعة من المتقدّمين، منهم الشيخ منّا و الحنفيّة و الحنابلة و القاضي و جماعة من الأصوليين من العامّة و اختاره أيضا جماعة من المتأخّرين. و المراد بالفور إمّا ثاني زمان الصيغة أو أوّل أوقات الإمكان أو الفوريّة العرفيّة فلا ينافيه تخلّل نفس أو شرب ماء و نحو ذلك أو الفوريّة العرفيّة المختلفة بحسب اختلاف الأفعال، كطلب الماء و شراء اللحم و الذهاب إلى القرية القريبة أو البلاد البعيدة على اختلافها في البعد و تهيّؤ الأسباب.

أو المراد به ما لا يصل إلى حدّ التهاون و عدم الاكتراث بالأمر، و الظاهر أنّ أحدا لا يقول بجواز التأخير إلى الحدّ المذكور إن أفاد التأخير ذلك، و ذلك ممّا لا ربط له بدلالة الصيغة، بل للمنع من التهاون بأوامر الشرع و عدم الاكتراث بالدين، و هو أمر خارج عن مقتضى الأمر حتّى أنّه لو اخّر إليه لم يسقط منه التكليف على القول المذكور و إن قلنا بسقوط التكليف بفوات الفور فليس ما ذكر تحديدا للفور إنّما هو بيان لحدّ التأخير في التراخي من الخارج لا بمقتضى الصيغة، إذ لا إشعار في نفس الصيغة بذلك أصلا، فجعله بيانا لحدّ الفور كما يظهر من بعض المتأخّرين ليس على ما ينبغي.

و كيف كان فالقول بالفور ينحلّ إلى أقوال عديدة:

فإنّ منهم من فسّره بأوّل أزمنة الإمكان. و فسّره بعضهم بالفوريّة العرفيّة المختلفة بحسب اختلاف الأفعال. و فسّره بعضهم بما لا يصل إلى حدّ التهاون.

و أطلق بعضهم فيحتمل كلّا من الوجوه الأربعة (1) و ربما يحمل على الفوريّة العرفيّة بأحد التفسيرين المذكورين.

ثمّ إنّ ظاهر القائل بالفوريّة تعيّنه، و عن القاضي التخيير بينه و بين العزم على الفعل في ثاني الحال.

____________

(1) كذا، و الظاهر: الوجوه الثلاثة.

47

ثمّ إنّ الظاهر من بعضهم- كما يظهر عن بعض الأدلة الآتية- دلالته عليه بالوضع. و ذهب بعضهم إلى دلالته عليه من جهة انصراف الإطلاق إليه و مدلوله بحسب الوضع هو طلب مطلق الطبيعة. و ذهب بعضهم إليه من جهة قيام القرائن العامّة عليه.

و هل يكون الفور حينئذ واجبا أوّلا؟ فإذا أخّر و عصى سقط الفور و بقى وجوب الفعل على إطلاقه من غير لزوم التعجيل فلا يعصى بالتأخير إلى الزمان الثالث و ما بعده، أو أنّه يجب التعجيل أيضا فيعصي بالتأخير إلى الثالث و منه إلى الرابع و هكذا؟ قولان محكيّان. و هناك قول ثالث و هو سقوط الفعل بالتأخير عن الأوّل، كما سيشير إليه المصنّف.

فهذه أقوال تسعة في القول بالفور، و لكن يقوم الاحتمال فيه بما يزيد على ذلك كثيرا، كما يظهر من ملاحظة الاحتمالات بعضها مع بعض.

ثانيها: القول بدلالته على التراخي،

ذهب إليه جماعة من العامّة، و حكي القول به عن الجبائيين و الشافعيّة و القاضي أبي بكر و جماعة من الأشاعرة و أبي الحسين البصري.

و المراد بالتراخي هو ما يقابل القول بالفور على أحد الوجوه الأربعة المتقدّمة دون الوجه الخامس، لما عرفت، و قد عرفت أنّ ذلك لم يكن تحديدا لمفاد الفوريّة حتّى يقابله التراخي.

ثمّ إنّ المقصود به جواز التراخي بأن يكون مفاد الصيغة جواز التأخير دون وجوبه إذ لا قائل ظاهرا بدلالته على وجوبه.

نعم ربما يحكى هناك قول بوجوب التراخي، حكاه شارح الزبدة عن بعض شرّاح المنهاج قولا للجبائيين و بعض الأشاعرة، لكن المعروف عن الجبائيين القول بجواز التراخي و هو المحكي أيضا عن الشافعيّة.

فالقول المذكور مع وهنه جدّا- حيث لا يظنّ أنّ عاقلا يذهب إليه- غير ثابت الإنتساب إلى أحد من أهل الأصول.

48

نعم ربما يقرب وجود القائل، و يرفع الاستبعاد المذكور ما عزاه جماعة منهم الإمام و الآمدي و العلّامة (رحمه اللّه) إلى غلاة الواقفيّة من توقّفهم في الحكم بالامتثال مع المبادرة أيضا، لجواز أن يكون غرض الآمر هو التأخير، فإذا جاز التوهّم المذكور فلا استبعاد في ذهاب أحد إلى وجوبه أيضا، بل و في ما ذكر إشعار بوجود القائل به، إذ لو اتّفقت الكلمة من الكلّ على الحكم بالامتثال مع التعجيل لم يحتمل الوجه المذكور حتّى يصحّ التوقّف فيه لكن نصّ في الإحكام و النهاية بأنّ المتوقّف المذكور خالف إجماع السلف.

و كيف كان فلو ثبت القول المذكور فهو مقطوع الفساد، إذ كون أداء المأمور به على وجه الفور قاضيا بأداء الواجب ممّا يشهد به الضرورة بعد الرجوع إلى العرف، فهذا القول على فرض ثبوت القول المذكور ينحلّ إلى قولين و يقوم فيه وجوه عديدة حسب ما أشرنا.

ثمّ إنّ مقصود القائل بجواز التراخي أنّ الصيغة بنفسها دالّة على جواز التأخير، ما حسب نصّ عليه غير واحد منهم و يقتضيه ظاهر التقابل بين الأقوال، و إلّا فعلى القول بدلالته على طلب مطلق الطبيعة- كما سيجي‏ء الإشارة إليه- يفيد ذلك جواز التراخي أيضا من جهة الإطلاق أو بضميمة الأصل، و لو كان مراد القائل بجواز التراخي ما يعمّ ذلك لاتّحد القولان.

ثالثها: أنّه حقيقة لغة في طلب مطلق الطبيعة من غير دلالة في الصيغة على الفور و لا التراخي،

فإذا أتى به على أيّ من الوجهين كان ممتثلا من غير فرق، و هذا هو الّذي اختاره المحقّق و العلّامة و السيّد العميدي و أطبق عليه المتأخّرون كالشهيدين و المصنّف و شيخنا البهائي و تلميذه الجواد و غيرهم و اختاره جماعة من محقّقي العامّة كالرازي و الآمدي و الحاجبي و العضدي.

و قد ذهب بعض القائلين به إلى حمل الأوامر الشرعيّة على الفور، لقيام القرائن العامّة عليه في الشرع، و بعضهم إلى انصراف إطلاق الطلب إليه من غير وضعه له و قد أشرنا إليه في القائلين بالفور.

49

رابعها: القول بالوقف، فلا يدري أهو للفور أو لا؟

ذهب إليه جماعة من العامّة و عزاه في النهاية إلى السيّد، و كلامه في الذريعة يأبى عنه؛ و هم فريقان:

أحدهما: من يقطع بحصول الامتثال بالمبادرة و يتوقّف في جواز التأخير و خروجه حينئذ عن عهدة التكليف، و هو الّذي اختاره إمام الحرمين حاكيا له عن المقتصدين في الوقف.

ثانيهما: من يتوقّف في حصول الامتثال بالمبادرة أيضا، و هم الغلاة في الوقف.

خامسها: القول بالاشتراك اللفظي بين الفور و التراخي،

و عزى المصنّف و غيره ذلك إلى السيّد، و احتجاجه في الذريعة باستعماله في الفور و التراخي و ظهور الاستعمال في الحقيقة يشير إليه إلّا أنّ كلامه في تحرير المذهب صريح في اختياره القول بالطبيعة.

و يمكن حمل احتجاجه بما ذكر على أنّ طلب ترك الطبيعة على سبيل الفور أو التراخي نحوان من الطلب، و على القول بوضعه لمطلق الطلب يكون كلّ من الإطلاقين حقيقة، فيوافق أصالة الحقيقة، بخلاف ما لو قيل بوضعه لخصوص أحدهما، فالمقصود إذن بيان أصالة الحقيقة في كلّ من الإطلاقين حسب ما ذكرنا لا فيما إذا استعمل في خصوص كلّ من الأمرين، فإنّ ذلك غير معلوم، و لا مفهوم من كلامه، فلا يكون ما ذهب إليه قولا خامسا إلّا أنّه ذهب إلى حمل أوامر الشرع على الفور كحملها على الوجوب، نصّ عليه في بحث دلالة الأمر على الوجوب أو غيره، و ظاهره كونه حقيقة شرعا في خصوص الفور فيكون إذا مذهبا آخر إلّا أنّه يندرج إذن في جملة أقوال القائلين بالفور حسب ما ذكرنا؛ فيرتقي الأقوال في المسألة إلى خمسة عشر قولا و بملاحظة الوجوه المحتملة فيها يحتمل الزيادة على ذلك بكثير.

بقي الكلام في الثمرة بين الأقوال المذكورة

فنقول: إنّ الثمرة بين القول بالفور و التراخي ظاهرة، و كذا بينه و بين القول بالطبيعة، و بينه و بين القول بالوقف‏

50

على الوجه الأوّل، إن قلنا بكون كلّ من الفور و الطبيعة مطلوبا مستقلّا لا يسقط طلب الطبيعة بسقوطه و إلّا فلا يبعد القول بلزوم الفور على القول المذكور تحصيلا ليقين الفراغ بعد اليقين بالاشتغال، و يحتمل دفع احتمال وجوب الفور حينئذ بالأصل، إلّا أنّه خلاف التحقيق بعد إجمال اللفظ و الشكّ في المكلّف به و على الوجه الثاني فالظاهر وجوب الإتيان به على الوجهين، تحصيلا لليقين بالفراغ بعد اليقين بالاشتغال.

هذا إذا أمكن تكرار الفعل و إلّا تخيّر بين الوجهين و بما قرّرنا يظهر الفرق بينه و بين القول بالاشتراك اللفظي أيضا إن ثبت القول به.

و أمّا الثمرة بين القول بجواز التراخي و القول بالطبيعة فقد يقرّر فيما إذا أخّر الفعل عن أوّل الأزمنة و مات فجأة أو لم يتمكّن من الإتيان به بعده، فعلى القول بالتراخي لا عقاب لترتّب الترك حينئذ على إذن الآمر و على القول بالطبيعة يستحقّ العقوبة، لتفويته المأمور به عمدا و إن كان ذلك من جهة ظنّه الأداء في الآخر، فإنّ ذلك الظنّ إنّما يثمر مع أداء الواجب و أمّا مع عدمه فهو تارك للمأمور به، و قضيّة وجوبه ترتّب استحقاق العقوبة على تركه. و هذا هو الذي ذهب إليه الحاجبي و اختاره بعض محقّقي مشايخنا (قدّس سرّه‏).

و يشكل ذلك بأنّ جواز التأخير حينئذ و إن كان بحكم العقل إلّا أنّ حكم العقل يطابق حكم الشرع فيثبت جواز التأخير في الشرع أيضا، فلا فرق بينه و بين الوجه الأوّل. و هذا هو الأظهر، إذ أقصى الفرق بين الوجهين تنصيص الشارع في الأوّل بجواز التأخير و عدمه هنا، لكن بعد حكم العقل بجوازه و قيامه دليلا على حكم الشرع يثبت الجواز في المقام بحكم الشرع أيضا، و الفرق بين التجويزين ممّا لا وجه له.

و قد يقرّر الثمرة بين القولين بوجه آخر، و ذلك أنّه على القول بالتراخي يجوز التأخير ما لم يظنّ الفوات به، و أمّا على القول بالطبيعة فإنّما يجوز التأخير مع ظنّ التمكّن من أدائه في الآخر، و أمّا مع الشكّ فيه فلا، إذ المفروض إيجاد الطبيعة

51

فإذا شكّ المكلّف في تفريغ ذمّته مع التأخير لم يجز الإقدام عليه، إذ قضية حصول الاشتغال هو تحصيل الفراغ و لا اطمينان إذن بحصوله، فلا يجوز له إلّا الاشتغال به، إذ لا أقلّ في حكم العقل بجواز التأخير من الظنّ بأداء الواجب معه.

و فيه أيضا تأمّل.

و الثمرة بين القول بالتراخي و القول بالوقف على مذهب أهل الاقتصاد ظاهرة، بناء على الوجه الثاني منه، للزوم الفور على ذلك القول على المختار حسب ما أشرنا إليه، و على الوجه الأوّل فالحال فيه على نحو ما ذكر في الثمرة بينه و بين القول بالطبيعة، و على قول أهل الغلوّ، فالثمرة أيضا ظاهرة على ما مرّ.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في الثمرة بينه و بين القول بالاشتراك اللفظي إن ثبت القول به، و كذا بين القول بالطبيعة و القول بالوقف أو الاشتراك و بين قولي الوقف و بين كلّ منهما و القول بالاشتراك، كما لا يخفى على المتأمّل فيما قرّرناه.

قوله: (و أيّهما حصل كان مجزئا).

يعني: من دون عصيان للأمر المذكور، نظرا إلى الإتيان بمقتضاه، و لا ينافي ذلك حصول العصيان بالتأخير من جهة اخرى فيما إذا دلّ العقل على وجوب المبادرة أو حكم به العرف، كما إذا حصل له ظنّ الوفاة فأخّره ثمّ أخطأ ظنّه.

قوله: (لنا نظير ما تقدّم في التكرار).

ما مرّ من الكلام هناك جار في المقام فلا حاجة إلى إعادته.

و قد يورد في المقام بأنّ القول بكون الأمر موضوعا لمطلق طلب الفعل من غير دلالة على الفور و لا التراخي لا يوافق ما تقرّر عند النحاة من دلالة الفعل على أحد الأزمنة الثلاثة، و قد جعلوه ما يزا بين الأسماء و الأفعال، فكيف يقال بخروج الزمان عن مدلوله على نحو المكان حسب ما ذكره المصنّف و غيره في المقام؟

و يمكن الجواب عنه بوجوه:

أحدها: أنّ ما ذكر في حدّ الفعل إنّما هو بالنسبة إلى أصل وضع الأفعال و إلّا فقد يكون الفعل منسلخا عن الدلالة على الزمان، كما هو الحال في الأفعال‏

52

المنسلخة عن الزمان، فلا مانع من أن يكون فعل الأمر أيضا من ذلك، حسبما يشهد به فهم العرف على ما قرّره، إذ ليس المتبادر منه إلّا طلب الفعل مطلقا من غير دلالة على زمان إيقاع المطلوب، كمكانه و آلته.

و فيه: أنّهم لم يعدّوا فعل الأمر و النهي من الأفعال المنسلخة عن الزمان، و لو قيل بعدم دلالتهما على الزمان لكان اشتهارهما بالانسلاخ أولى من سائر الأفعال المنسلخة، بل نصّوا على خلافه و جعلوا مدلوليهما خصوص الحال.

و ربما حكي عليه إجماع أهل العربيّة، ففي ذلك منافاة اخرى، لما ذكر في الاحتجاج من عدم دلالته على الزمان حيث إنّه مناف لما ذكر من إجماع أهل العربيّة على دلالته على خصوص زمان الحال، بل نقول: إنّ قضيّة ما ذكروه دلالته على خصوص الفور و قيام إجماعهم على ذلك، حيث إنّهم خصّوه بالحال دون الاستقبال.

فيقوم من هنا إشكال آخر و هو أنّ اتفاق أهل العربيّة على دلالته على الحال كيف يجامع هذا الخلاف المعروف بين أهل الأصول؟ و سيظهر لك الجواب عن جميع ذلك بما سنذكره من تحقيق المقام إن شاء اللّه تعالى.

ثانيها: أنّ المقصود ممّا ذكر في الاحتجاج عدم دلالة الأمر على خصوص الحال و الاستقبال، و ذلك لا ينافي دلالته على القدر الجامع بينهما، فيفيد طلب إيقاع الفعل في أحد الزمانين، و معه يحصل دلالته على الزمان ليتمّ به مدلول الفعل و لا يفيد خصوص شي‏ء من الفور و التراخي، كما هو المدّعى.

و فيه مع منافاته لكلام أهل العربيّة من دلالته على خصوص الحال أنّه لا يوافق ما أخذ في حدّ الفعل من دلالته على أحد الأزمنة الثلاثة؛ مضافا إلى ما فيه من توهّم كون الفور و التراخي بمعنى الحال و الاستقبال، و هو فاسد.

ثالثها: أنّ القول بنفي دلالة الأمر على خصوص الفور أو التراخي لا ينافي دلالته على الزمان أصلا، و ما ذكره المصنّف من عدم دلالته على الزمان إنّما أراد به عدم دلالته على خصوص الفور أو التراخي، كما هو المدّعى لا مطلق الزمان،