هداية المسترشدين - ج3

- الشيخ محمد تقي الأصفهاني النجفي المزيد...
732 /
3

الجزء الثالث‏

معالم الدين:

[تتمة المطلب الثانى‏]

البحث الثاني في النواهي‏

أصل‏

اختلف الناس في مدلول صيغة النهي حقيقة، على نحو اختلافهم في الأمر. و الحقّ أنّها حقيقة في التحريم، مجاز في غيره؛ لأنّه المتبادر منها في العرف العامّ عند الإطلاق؛ و لهذا يذمّ العبد على فعل ما نهاه المولى عنه بقوله: لا تفعله، و الأصل عدم النقل؛ و لقوله تعالى:

وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا،

أوجب سبحانه الانتهاء عمّا نهى الرسول (صلّى اللّه عليه و اله)، عنه؛ لما ثبت من أنّ الأمر حقيقة في الوجوب، و ما وجب الانتهاء عنه حرم فعله.

و ما يقال: من أن هذا مختصّ بمناهي الرسول (صلّى اللّه عليه و اله)، و موضع النزاع هو الأعمّ؛ فيمكن الجواب عنه: بأنّ تحريم ما نهى عنه الرسول (صلّى اللّه عليه و اله)، يدلّ بالفحوى على تحريم ما نهى اللّه تعالى عنه. مع ما في احتمال الفصل من البعد، هذا. و استعمال النهي في الكراهة شايع في أخبارنا المرويّة عن الأئمّة (عليهم السّلام)، على نحو ما قلناه في الأمر.

4

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين‏

[صيغة النهي‏]

قوله: (في النواهي.)

لفظ النهي قد يكون مصدرا لقولك: «نهى» كما أنّ لفظ الأمر يكون مصدرا ل «أمر» و حينئذ قد يراد مطلق طلب الترك على النحو الخاصّ كما تقول: «أنهاك عن كذا» أي: أطلب منك تركه، و حينئذ يصدق النهي على طلب الترك بالإشارة و الكتابة أيضا، و قد يراد به خصوص طلب الترك بالقول المخصوص، و قد يراد قول القائل «لا تفعل» على الوجه المخصوص، و قد يكون اسما يراد به القول المخصوص الدالّ على طلب الترك.

و الظاهر أنّه حقيقة في الأمرين كما هو الحال في لفظ الأمر، و ظاهر حكمهم بجريان ما مرّ في الأمر دعوى على كون النهي حقيقة في الصيغة المذكورة حسب ما مرّ من دعوى الاتّفاق عليه في الأمر. هذا.

و التعاريف المذكورة له في كلام الاصوليّين مختلفة على حسب اختلاف الوجوه المذكورة فيوافق كلّ منها بعض الوجوه المذكورة، ففي المعارج أنّه قول القائل لغيره: «لا تفعل» أو ما جرى مجراه على سبيل الاستعلاء مع كراهة المنهيّ عنه، و قريب منه ما في العدّة و في النهاية: أنّه طلب الترك بالقول على جهة الاستعلاء، و في منية اللبيب: أنّ النهي القول الدالّ على طلب الترك على جهة الاستعلاء، و في غاية المأمول: أنّه طلب كفّ عن فعل بالقول استعلاءا، إلى غير ذلك من حدودهم المذكورة في الكتب الاصوليّة، و قد يطلق على الصيغة المعروفة

5

سواء استعمل في الطلب أو غيره، و هو من اصطلاح بعض أهل العربيّة و لا ربط له بالمقام.

ثمّ إنّه قد وقع الكلام في كونها حقيقة في خصوص الطلب الواقع على وجه التحريم أو الصيغة المستعملة فيه، أو أنّها موضوعة لمطلق طلب الترك أو الصيغة المستعملة فيه، على نحو ما مرّ في الأمر.

و الحقّ أنّها تفيد مطلق طلب الترك سواء كان على وجه التحريم أو الكراهة مع ظهوره في التحريم و انصراف الإطلاق إليه، حسب ما مرّ الكلام فيه في الأمر من غير فرق بينهما في ذلك.

نعم يأتي لفظ الأمر اسما بمعنى الشي‏ء و الشأن- كما عرفت- سواء كان مجازا فيه كما هو المعروف أو حقيقة أيضا كما هو المختار و لا يأتي له لفظ النهي أصلا و فيه إشارة إلى ما اخترناه، إذ لو كان استعماله فيه من جهة العلاقة بينه و بين الصيغة أو الطلب لجرى في النهي أيضا، و الكلام في اعتبار العلوّ في معناه أو الاستعلاء أو هما معا أو أحدهما و عدم اعتباره مطلقا نظير ما مرّ في الأمر، و المختار منها ما اخترناه هناك من غير فرق بينهما في ذلك، و بذلك يحصل الفرق بينه و بين الدعاء و الالتماس نظير ما مرّ في الأمر، و الدليل الدليل، فلا حاجة إلى التطويل.

قوله: (اختلف الناس ... الخ.)

قد استعملت صيغة النهي كالأمر في معاني عديدة: أنهاها في النهاية إلى سبعة:

التحريم و الكراهة و التحقير نحو لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... الخ‏ (1) و بيان العاقبة نحو وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ‏ (2) و الدعاء و الالتماس نحو لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ‏ (3) و الإرشاد نحو لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏ (4) و يجي‏ء أيضا لمعان اخر منها: طلب الترك الجامع بين التحريم و الكراهة و منها:

____________

(1) الحجر: 88.

(2) إبراهيم: 42.

(3) التحريم: 7.

(4) المائدة: 101.

6

رفع الحرج عن الترك فيفيد الإذن في الفعل، كالنهي الوارد عقيب الإيجاب و منها الإلتماس و منها: التهديد، كقول المولى لعبده لا تطعني فيما آمرك به و منها: الإنذار، كقولك لمن يريد أن يصنع شيئا يترتّب عليه بعض المعايب: «لا تقع في هذه البليّة و لا تسع في هتك عرضك و سفك دمك» و منها: التشفّي كما تقول لمن حذرته عن شي‏ء و قد أبى عن تركه فتواردت عليه الأهوال «لا تتعرّض لهذه الأهوال» و منها:

السخريّة و الاستهزاء، كما تقول لمن يدّعيك بألف و أنت تنكره «لا تأخذه منّي إلّا بسكّة واحدة» و منها: التسلية، كقولك للمصاب «لا تحزن» و منها: الامتنان، كما تقول لمن أجرته في مقام إظهار النعمة «لا تخف في داري و لا تتعب و لا تستعن بأحد و لا تخسر درهما و لا دينارا» إلى غير ذلك من المعاني المناسبة له، و ملخّصها يرجع إلى الاستعمال في الطلب مطلقا أو في خصوص أحد قسميه أو في صورة الطلب لإفادة أحد الامور المذكورة، من الإذن أو الإرشاد أو التهديد أو التحقير أو غيرها، على حسب ما يفهم منها بملاحظة المقام حسب ما مرّت الإشارة إليه، و لا خلاف في عدم كونها حقيقة في جميع تلك المعاني.

قال في الغنية بعد ذكر عدّة من المعاني المذكورة: ليست حقيقة في الجميع إجماعا، و إنّما وقع الخلاف في عدّة منها، نظير ما ذكرناه في الأمر.

و قد أطلق جماعة منهم المصنّف أنّ الحال هنا في الخلاف كالحال في اختلافهم في الأمر و هو كذلك إلّا أنّه لم ينقل جميع الأقوال المنقولة هناك في المقام، بل ذكر بعض الأفاضل أنّه لم يقل بوضع النهي للتهديد أحد. و كيف كان فالأقوال المنقولة هنا أيضا عديدة.

أحدها: أنّه حقيقة في التحريم مجاز في غيره، و هو المعروف و عزي إلى الأكثر و قد اختاره الشيخ و المحقّق و العلّامة في التهذيب و المبادئ و السيّد العميدي و شيخنا البهائي و تلميذه الجواد و المصنّف و غيرهم.

ثانيها: أنّها حقيقة في الكراهة و عزاه في غاية المأمول و غيره إلى بعض.

ثالثها: أنّها مشتركة لفظا بين التحريم و غيره و عزي القول به إلى ظاهر

7

الذريعة و الغنية، و ذكر أنّه يظهر من الأخير أنّها مشتركة بين التحريم و التهديد و التوبيخ.

قلت: الّذي يظهر من السيّد في الذريعة أنّ صيغة لا تفعل ليست مخصوصة بالنهي لورودها في التهديد أيضا كقول المولى لعبده «لا تطعني و لا تفعل ما آمرك به» فليس عنده للنهي صيغة تخصّه، فظاهره كون الصيغة حقيقة في صورة إرادة التحريم و غيره، بل و في التهديد أيضا، و قد نصّ هناك باشتراك الصيغة بين الأمر و الإباحة و قد نصّ في المقام أيضا بأنّ الكلام في أنّه لا صيغة للنهي تخصّه كالأمر، فلا وجه لإعادته، و ذهب في مبحث الأمر إلى أنّ صيغة الأمر يفيد كون الآمر مريدا لفعل المأمور به.

و ظاهر كلامه دلالتها على ذلك بالوضع فقد يراد به الوجوب و قد يراد به الندب إمّا بالاشتراك اللفظي أو المعنوي، و قد نصّ هنا أيضا بدلالة النهي على كون الناهي كارها للمنهي عنه، فيكون صيغة النهي دالّة عليه وضعا، على حسب ما ذكر في الأمر، لتنظيره بين المقامين فيفترق الحال عند السيّد بين مطلق افعل و لا تفعل و بين صيغة الأمر و النهي، و الأوّلان لا يخصّان طلب الفعل أو الترك، و الأخيرتان تخصّان به إمّا على سبيل الاشتراك اللفظي أو المعنوي بين الوجوب و الندب و التحريم و الكراهة، حسب ما مرّ الكلام فيه في الأوامر، لكنه نصّ في المقام بأنّ نهيه تعالى يفيد وجوب الترك و إنّ لم يكن أمره مفيدا لوجوب الفعل، لأجل أنّه يقتضي قبح الفعل، و القبيح يجب أن لا يفعل.

و ظاهر كلامه هذا يفيد دلالة نواهي الشرع على التحريم، مع قطع النظر عمّا ذكر لحمل أوامر الشرع على الوجوب من جهة حمل الصحابة و التابعين و إجماع الشيعة عليه، حسب ما ذكره فهو أيضا يقول بتعيّن حمل نواهي الشرع على التحريم، بل حملها على ذلك أولى من حمل أوامره على الوجوب، لاستناده في ذلك إلى قيام الدليل عليه من الخارج بخلاف المقام كما عرفت.

فالظاهر أنّ مختار السيّد في المقام كمختاره في الأمر إلّا أنّه يقول بكون‏

8

نواهي الشرع للتحريم و لو مع الغضّ عمّا ذكره في الأمر. و قريب منه ما ذكره السيّد ابن زهرة في الغنية، و الظاهر موافقته للسيّد في المقام في جميع ما قرّره كما هو شأنه في معظم المسائل.

رابعها: أنّها للقدر المشترك بين التحريم و الكراهة. ففي النهاية: أنّ من جعل الأمر للقدر المشترك بين الوجوب و الندب جعل النهي مشتركا بين التحريم و الكراهة. و الظاهر أنّه أراد وضعه للقدر المشترك بينهما.

خامسها: القول بذلك مع حمل نواهي الشريعة مع الإطلاق على التحريم لقيام قرائن عامّة عليه، و هو مختار صاحب الوافية نظير ما ذكره في الأمر.

سادسها: القول بذلك أيضا مع القول بانصراف الطلب مطلقا إلى التحريم كما هو المختار في المقام نظير ما مرّ في الأمر.

سابعها: القول بالتوقّف كما يظهر من جماعة حكاية القول به حيث جعلوا القول بالتوقّف هنا نظير ما ذكروه في الأمر. هذا و حجّة المختار هنا نظير ما مرّ في الأمر من غير فرق فلا حاجة إلى الإعادة، و يظهر حجج سائر الأقوال بالمقايسة فلا حاجة إلى الإعادة.

قوله: (و لهذا يذمّ العبد ... الخ.)

هذا تقرير و توضيح لكون المفهوم و المنساق من النهي عند الإطلاق هو التحريم، لملاحظة استحقاق الذمّ عند كون الآمر ممّن يجب إطاعته على المأمور، إذ لو لا مفاده التحتيم و الإلزام لما تفرّع عليه استحقاق الذمّ، و ربما يعدّ ذلك دليلا آخر سوى التبادر، و لا وجه له. ثمّ إنّ الكلام على الدليل المذكور نظير ما مرّ ذكره في الأمر فلا حاجة إلى إعادته.

قوله: (و ما وجب الانتهاء عنه حرم فعله.)

فإنّ الانتهاء عن الشي‏ء هو تركه و الاجتناب عنه، و وجوب الاجتناب عن الفعل و لزوم تركه هو مفاد حرمته.

و قد يورد على الاحتجاج المذكور بامور:

9

أحدها: ما أشار إليه المصنّف من أنّه مختصّ بمناهي الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) فلا يثبت به الحال في مناهيه تعالى و مناهي الأئمّة (عليهم السّلام) فضلا عن مفاد النهي بحسب اللغة كما هو المدّعى.

ثانيها: أنّ أقصى ما يفيده الآية حمل نواهيه على التحريم و لا يفيد وضع النهي لذلك، غاية الأمر أن يكون ذلك قرينة عامّة على استعمال النهي في التحريم كما هو مختار البعض و لا تفيد وضعه لذلك.

ثالثها: أنّها ظاهرة في عدم وضع الصيغة للتحريم، إذ لو كانت موضوعة لما احتيج إلى بيانه تعالى، إذ ليس من شأنه تعالى بيان الأوضاع اللفظيّة، للرجوع فيها إلى أهل اللسان.

فالظاهر من بيانه ذلك عدم دلالة الصيغة عليه، ليكون حكمه بوجوب الانتهاء قاضيا به، فهي بالدلالة على خلاف المدّعى أولى.

رابعها: أنّها إنّما تفيد كون لفظ النهي مفيدا للتحريم أي موضوعا للصيغة المستعملة في التحريم، سواء كان استعمال الصيغة فيه من جهة وضعها له أو على سبيل المجاز أو الاشتراك، فأقصى ما يفيده كون لفظ النهي موضوعا للصيغة المستعملة في التحريم و هو غير المدّعى.

خامسها: المنع من استعمال قوله «فانتهوا» في الوجوب و إن سلّمنا وضع الأمر للوجوب، و ذلك لأنّ جملة من مناهي الرسول يراد بها الكراهة قطعا، فإن اريد الوجوب من الأمر المذكور لزم التخصيص في قوله و ما نهاكم عنه فانتهوا، إذ لا يتصوّر وجوب الانتهاء من المكروه، فلابدّ إذن من حمله على الأعمّ من الوجوب و الاستحباب فلا يفيد المدّعى، أو يقال بالتوقّف من التزام المجاز المذكور، أو التخصيص فلا ينهض أيضا بإثبات المطلوب.

سادسها: المنع من دلالته على عموم الحكم لمناهي الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم)، فإنّ الأمر المذكور من الخطاب الشفاهي فلا مانع من أن يكون إشارة إلى مناهي معهودة صدرت من الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) بالنسبة إليهم.

10

سابعها: أنّ المراد بالانتهاء قبول النهي و التديّن به و الأخذ بمقتضاه، إن تحريما فتحريم و إن كراهة فكراهة، فالمقصود وجوب تلقّيهم أوامره و نواهيه بالقبول، و أين ذلك من الدلالة على استعمال نواهيه في التحريم فضلا عن وضعها له و لا أقلّ من احتمال حمله على ذلك و معه لا يتمّ الاستدلال.

ثامنها: أنّ لفظ الإيتاء ظاهر في الإعطاء و هو ظاهر في التعلّق بالأعيان كما هو الظاهر من لفظ الأخذ أيضا فيكون المراد بالنهي في مقابلته بمعنى المنع منه كما في قوله: و لقد أتيتك اكماء و عساقلا و لقد نهيتك عن بنات الأوبر. و الآية إنّما وردت بعد ذكر الغنائم، فالمراد على هذا: أنّ ما أعطاكم الرسول من الغنيمة و عيّن لكم من السهم فخذوه، و ما ذاد عنكم و منعكم منه فانتهوا عنه، و لا تزاحموه في القسمة و لا تطلبوا منه زيادة عمّا عيّنه لكم، كما ورد نظيره في غيره من الآيات و لا ريب في لزوم اتّباعه في ذلك، فلا ربط للآية بالخطابات الشرعيّة.

تاسعها: أنّ أقصى ما تفيده الآية بعد الغضّ عن جميع ما ذكر دلالة صيغة النهي مجرّدة عن القرائن على التحريم، و لا يستلزم ذلك وضع الصيغة له، إذ قد يكون ذلك من جهة انصراف الإطلاق إليه على نحو ما مرّ في الأمر حسب ما اخترناه في المقامين.

و يمكن الجواب عن الأوّل: أنّه إذا ثبت كون نواهيه للتحريم ثبت ذلك بالنسبة إلى العرف و اللغة بأصالة عدم النقل. و أجاب عنه المصنّف بوجهين:

أحدهما: أنّ تحريم ما نهى عنه الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) يدلّ بالفحوى على تحريم ما نهى اللّه سبحانه عنه، و كان الوجه فيه: أنّه إذا دلّ ذلك على وجوب طاعة الرسول في نواهيه أفاد وجوب طاعته تعالى بالأولى، لظهور أنّ وجوب طاعة الرسول إنّما يأتي من وجوب طاعته تعالى.

و أنت خبير بوهن التعليل فإنّ وجوب الطاعة إنّما يقضي بوجوب ترك ما أراد تركه على سبيل الحتم، دون ما كان على سبيل الكراهة، فإن كان مفاد الآية مجرّد وجوب الطاعة لم يرتبط بالمقصود، و إلّا كان الاحتجاج بما دلّ على وجوب‏

11

طاعته تعالى و طاعة الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السّلام) من الآيات و الأخبار أولى، و ربما استدلّ به بعضهم إلّا أنّه موهون جدّا كما مرّت الإشارة إليه في بحث الأوامر. فغاية الأمر حمل دلالة الآية حسب ما ادّعاه المستدلّ على كون النهي موضوعا في لسان النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) للتحريم، و لذا يجب الاجتناب عن الفعل بمجرّد نهيه فأيّ أولويّة لكون النهي في كلامه تعالى أيضا موضوعا لذلك، كيف! و الأوضاع امور اصطلاحيّة تتبع وضع الواضع، و لا وجه لأولويّة ثبوته في مقام من ثبوته في مقام آخر.

نعم، لو قيل: إنّ مفاد الآية حمل نواهي الرسول (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) مع الإطلاق على التحريم فربما يدّعى أنّ دلالتها بالفحوى على حمل نواهيه تعالى على ذلك أيضا.

بل قد يقال بدلالته على حمل نواهي الشريعة مطلقا عليه. لكن ذلك مخالف لما هو بصدده من إثبات الوضع، و لو لوحظ حينئذ مع ظهور ذلك في ثبوت الوضع اندفعت به الأولويّة المدّعاة، إذ لو كان الحمل من جهة لم يتّجه الأولويّة كما عرفت.

ثانيهما: أنّ احتمال القول بالفصل بعيد مخالف للظاهر فبعد ثبوته بالنسبة إلى كلامه (عليه السّلام) يثبت إلى غيره من جهة بعد التفصيل. و كأنّه أراد بذلك بعد التفصيل في ذلك بين كلام اللّه تعالى إذ لم نر أحدا ذهب إليه.

و فيه: أنّه أقصى ما يفيده القول بعدم الفصل هو ثبوت ذلك بالنسبة إلى نواهيه تعالى بل نواهي الأئمّة (عليهم السّلام) و لا يفيد ذلك ثبوت الحكم في اللغة إلّا أن يستند حينئذ إلى أصالة عدم النقل، و حينئذ فالأولى الاستناد إليه من أوّل الأمر حسب ما ذكرنا. و قد ينزّل كلامه على إرادة ذلك فاستبعاده التفصيل من جهة مخالفته للأصل، و لا يخلو عن بعد.

و عن الثاني: أنّ تعليق وجوب الانتهاء على مجرّد النهي يفيد كون النهي بنفسه مفيدا للتحريم، إذ لو لا ذلك لم يحسن تعليقه على مجرّد ذلك.

و فيه أنّه لو علّق استفادة التحريم على مجرّد النهي تمّ ما ذكر في الجواب، و ليس كذلك، بل إنّما علّق أمره بالانتهاء على مجرّد نهيه، و لا دلالة في ذلك على‏

12

كون النهي بنفسه مفيدا للتحريم، بل أقصى الأمر أن يراد منه التحريم و لو كان استفادته منه بعد ضمّ الأمر المذكور إليه، و الفرق بين الوجهين المذكورين واضح، فتكون الآية المذكورة قرينة عامّة لإفادة نواهيه التحريم. و لذا استدلّ بها صاحب الوافية على مذهبه.

فالأولى الجواب عنه: بأنّ ذلك بيان للازم الوضع فإنّه إذا دلّ ذلك على حمل نواهيه المطلقة على التحريم أفاد عرفا حصول الوضع له- كما إذا قال القائل: متى وجدت اللفظ الفلاني خاليا عن القرينة في العرف فاحمله على كذا أفاد كونه موضوعا بإزائه- و احتمال كون ذلك قرينة عامّة لحمل النهي عليه و بيانا للمراد منه بعيد في المقام، و ليس ذلك من شأنه تعالى.

و عن الثالث: أنّه ليس المقصود بالآية الشريفة بيان مقصود النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) من نواهيه و لا بيان وضعه لذلك، بل المراد به الحثّ على طاعته و الاجتناب عن مخالفته كسائر الآيات الدالّة عليه، إلّا أنّ التعبير بلزوم الاجتناب عند نهيه دليل على كون نهيه للتحريم، حيث إنّ الاجتناب عن مخالفته لترك مناهيه المطلقة يفيد كون نواهيه المطلقة مفيدا للتحريم، إذ لو كان نهيه لمطلق الكراهة أو الأعمّ منها لم يلزم من الإتيان بالمنهيّ عنه مخالفته.

و عن الرابع: أنّ الصيغة المطلقة الصادرة من العالي نهي قطعا، كما هو ظاهر من ملاحظة العرف، فمقتضى الآية الشريفة حينئذ وجوب الاجتناب و هو قاض بكون الصيغة للتحريم.

و عن الخامس: انّ وجوب الانتهاء إنّما علّق على ما تعلّق به النهي على سبيل الحقيقة، و عند القائل بكون النهي للتحريم لا يكون المكروه منهيّا عنه، نعم لو كان لفظ النهي موضوعا للأعمّ صحّ الإيراد المذكور، إلّا أنّ المستدلّ لا يقول به و إنّما يرد ذلك على من يلتزم به، و هو وجه ضعيف بعد القول بكون الصيغة حقيقة في التحريم، و مع الغضّ عنه يفيد الدوران بين التخصيص و المجاز تقدّم التخصيص عليه، و دعوى كونه من قبيل التخصيص بالأكثر فعلى فرض جوازه يقدّم المجاز عليه، ممنوع.

13

و عن السادس: أنّ الظاهر من الآية كون الخطاب للامّة لا لخصوص الحاضرين في المجلس، و سيأتي تفصيل الكلام فيه في محلّه، و على فرض اختصاصه بهم فالظاهر عموم الحكم لجميع نواهيه المتعلّقة بهم، و كون اللام فيه للعهد بعيد عن الظاهر.

و عن السابع: أنّه بعيد عن الظاهر إن صحّ الحمل عليه، و الاحتجاج مبني على الظاهر.

و عن الثامن: أنّ حمله على خصوص ذلك خلاف الظاهر و إن ذكر بعض المفسّرين و ظاهر غيره عمومه للنهي و غيره، و العبرة بعموم اللفظ، فيعمّ ما منعهم منه من الغنائم أو غيرها، و فيه تأمّل.

نعم في الأخبار الخاصّة دلالة على ورودها في الأوامر و النواهي و قد استمرّت الطريقة بين الاصوليّين على الاحتجاج بها في المقام.

و عن التاسع: أنّه إذا دلّت الآية على كون مفاد النهي عند الإطلاق هو التحريم كان قضيّة الأصل وضعه بإزائه، إلّا أن يدلّ دليل على خلافه. و فيه: أنّه إنّما يتمّ إذا قلنا بكون الأصل في التبادر أن يكون مستندا إلى الوضع، و هو على إطلاقه محلّ منع، و مع الغضّ عنه ففي بعض الشواهد دلالة على استناد الانصراف إلى غير الوضع، فالوجه المذكور دافع للاحتجاج بالآية و قد مرّ توضيح القول في ذلك.

ثمّ إنّه قد يحتجّ للقول بكون النهي للتحريم بوجوه اخر:

منها: أنّ فاعل المنهيّ عنه عاص، و كلّ عاص مستحقّ للعقوبة- كما دلّت عليه الآية الشريفة- و يمكن الإيراد عليه تارة بمنع المقدّمة الاولى، إذ هي في مرتبة الدعوى. و فيه: أنّ العرف شاهد على صدق العصيان بذلك. و اخرى بأنّ أقصى ما يثبت بذلك حمل النواهي الشرعيّة على التحريم، و هو أعمّ من وضعها له شرعا فضلا عن الوضع له لغة. و فيه: أنّ قبح العصيان عند أيّ آمر كان معلوم في العرف، غاية الأمر دلالة الآية على خصوص قبحه عند الشارع فيستفاد منه دلالته على التحريم عند الإطلاق و الخلوّ عن القرينة فيفيد وضعه له. فالأولى في الإيراد عليه‏

14

أن يقال: إنّ أقصى ما ثبت من ذلك ظهور النهي المجرّد عن القرائن في التحريم، و نحن نقول به- حسب ما عرفت- و لا دلالة فيه على المدّعى.

و منها: أنّ الأمر للوجوب فيكون النهي للتحريم، لعدم القول بالفصل أو للقطع باتّحاد مفادهما في العرف، سوى أنّ الأوّل متعلّق بالفعل و الثاني بالترك أو الكفّ.

و يضعّفه ما عرفت من عدم ثبوت وضع الأمر للوجوب.

و منها: أنّ الصحابة و التابعين كانوا يستدلّون بالنواهي على التحريم كما كانوا يستدلّون بالأوامر على الوجوب، حسب ما مرّ من تصريح جماعة به هناك، و قد نصّ عليه هنا أيضا غير واحد من العامّة. و ربما يمنع ذلك في المقام إذ لا يوجد ذلك في كلام من يوثق به عندنا، لكنّ الإنصاف أنّه لا فرق في ذلك بين الصيغتين.

فالأولى في الجواب أن يقال: إنّ أقصى ما يفيده ذلك ظهور النهي في التحريم، و هو أعمّ من وضعه له كما عرفت.

قوله: (و استعمال النهي في الكراهة شائع ... الخ.)

قد عرفت ما يرد مفصّلا في بحث الأوامر فلا حاجة إلى إعادته.

***

15

معالم الدين:

أصل‏

و اختلفوا في أنّ المطلوب بالنهي ما هو؟ فذهب الأكثرون إلى أنّه هو الكف عن الفعل المنهيّ عنه، و منهم العلّامة (رحمه اللّه) في تهذيبه. و قال في النهاية: المطلوب بالنهي نفس أن لا تفعل. و حكى: أنّه قول جماعة كثيرة. و هذا هو الأقوى.

لنا: أنّ تارك المنهيّ عنه كالزنا، مثلا، يعدّ في العرف ممتثلا، و يمدحه العقلاء على انّه لم يفعل، من دون نظر إلى تحقّق الكفّ عنه، بل لا يكاد يخطر الكفّ ببال أكثرهم. و ذلك دليل على أنّ متعلّق التكليف ليس هو الكفّ، و إلّا لم يصدق الامتثال، و لا يحسن المدح على مجرّد الترك.

احتجّوا: بأنّ النهي تكليف، و لا تكليف إلّا بمقدور للمكلّف. و نفي الفعل يمتنع أن يكون مقدورا له، لكونه عدما أصليّا، و العدم الأصليّ سابق على القدرة و حاصل قبلها، و تحصيل الحاصل محال.

و الجواب: المنع من أنّه غير مقدور، لأنّ نسبة القدرة إلى طرفي الوجود و العدم متساوية. فلو لم يكن نفي الفعل مقدورا، لم يكن إيجاده مقدورا، اذ تأثير صفة القدرة في الوجود فقط، وجوب، لا قدرة.

16

فان قيل: لابدّ للقدرة من أثر عقلا، و العدم لا يصلح أثرا، لأنّه نفي محض. و أيضا فالأثر لابدّ أن يستند الى المؤثّر و يتجدّد، و العدم سابق مستمرّ، فلا يصلح أثرا للقدرة المتأخّرة.

قلنا: العدم إنّما يجعل أثرا للقدرة باعتبار استمراره. و عدم الصلاحية بهذا الاعتبار في حيّز المنع؛ و ذلك لأنّ القادر يمكنه أن لا يفعل فيستمرّ، و أن يفعل فلا يستمرّ. فأثر القدرة إنّما هو الاستمرار المقارن لها، و هو مستند إليها، و متجدّد بها.

17

[المطلوب بالنهي ما هو؟]

قوله: (فذهب الأكثرون إلى أنّه هو الكفّ.)

و قد اختار ذلك الحاجبي و العضدي، و كأنّه المراد بما عزى إلى الأشاعرة من كون المطلوب فعل ضدّ المنهي عنه. ثمّ قد يتخيّل أنّ المراد بالكفّ هو زجر النفس عن فعل الشي‏ء عند حصول الشوق إليه و قيام الداعي إلى فعله، بملاحظة ما يقاوم ذلك أو يغلب عليه فيمنع من حصول مقتضاه، و حينئذ فهو أخصّ مطلقا بحسب الوجود من الترك الّذي هو عدم الإتيان بالفعل، فإنّ الكفّ بالمعنى المذكور يستلزم الترك بخلاف الترك، فإنّه لا يستلزم حصول الكفّ، إذ قد لا يكون له شوق إلى الفعل من أوّل الأمر، فلا يصدق معه اسم الكفّ مع حصول الترك، فعلى القول المذكور يكون المطلوب بالنهي خصوص ذلك، فلو لم يكن للمكلّف شوق إلى الفعل و لم يقم له داع إليه لم يكن الترك الحاصل منه مطلوبا للناهي عند القائل المذكور و لا يتعلّق النهي به. و الظاهر أنّه يقول حينئذ بسقوط النهي تنجيزا و إن تعلّق به معلّقا على حصول الشوق، فعلى هذا يكون النواهي المتعلّقة بالمكلّفين مشروطة بشوقهم إلى الفعل و رغبتهم فيه لا مطلقا، إذ لا مجال للقول بوجوب الكفّ على الوجه المذكور مطلقا حتّى يجب عليه تحصيل الشوق إلى الفعل ليتصوّر منه حصول ما وجب من الكفّ. و يمكن توجيه القول بسقوط التكليف مع انتفاء الشوق إلى الفعل و عدم الداعي إليه بأنّه لمّا كان مقصود الشارع من تحريم الفعل عدم حصوله في حيّز الوجود كان ميل المكلّف عن الفعل و عدم شوقه إليه مغنيا عن التكليف بتركه، للاكتفاء به في الصرف عن الفعل، و المنع عن إدخاله في الوجود، فلا حاجة إلى تكليفه به، و إنّما الحاجة إلى التكليف المفروض فيما إذا كان مائلا إلى الفعل راغبا فيه ليتعلّق التكليف إذا بالكفّ. و يرد عليه أنّ فيه خروجا عن ظاهر الإطلاق من غير جهة باعثة عليه، و ما ذكر من الوجه يتمّ مع إمكان ورود التكليف على الوجه المذكور لا وقوعه، كيف و لم يعتبره الشارع في جانب الأمر، إذ لم يقل أحد بعدم شمول الأوامر لمن يريد المأمور به و يرغب إليه و يأتي به، مع قطع النظر عن أمر الشارع به، و حينئذ فالتزام القائل المذكور بذلك في‏

18

جانب النهي بعيد جدّا، سيّما و قد ذهب جماعة من الأجلّة إلى إطلاقه على نحو الأمر، كما هو الظاهر المفهوم من النهي في العرف. بل الظاهر أنّه لا مجال لتوهّم عدم تحريم المحرّمات على غير الراغب فيها، فيظهر من ذلك وهن القول المذكور جدّا إن حمل على ظاهره. و يمكن أن يقال في توجيهه: إنّ المراد بالكفّ هو الميل عن الفعل و الانصراف عنه عند تصوّر الطرفين، سواء حصل له الرغبة إلى الفعل أو لا، فإنّ العاقل المتصوّر للفعل و الترك لابدّ من ميله إلى أحد الجانبين، فالمراد بالكفّ هو ميله إلى جانب الترك و يجعل متعلّق الطلب الحاصل في النهي هو ذلك الميل، نظرا إلى ما يتوهّم من عدم قابليّة نفس الترك لأن يتعلّق الطلب به بخلاف الإيجاد، إذ لا مانع من تعلّق الطلب به فيكون الميل المذكور من جملة مقدّماته، و حينئذ فلا فرق بين القولين المذكورين إلّا بالاعتبار، حيث يقول القائل بتعلّق الطلب بالكفّ بكون المطلوب هو ميل النفس عن الفعل و انصرافه عنه. و يقول القائل بتعلّقه بالترك: بكون المكلّف به نفس الترك المسبّب من ذلك المتفرّع عليه، و كأنّه الى ذلك نظر بعض شرّاح المنهاج حيث عزّي إليه القول بعدم الفرق بين القولين المذكورين، و يشير إليه ما ذكره التفتازاني في المطوّل من تقارب القولين و كيف كان فالمختار ما اختاره المصنّف من كون متعلّق الطلب في النهي هو الترك، إذ هو المتبادر من الصيغة بعد ملاحظة العرف و التأمّل في الاستعمالات، و لأنّ الذمّ و العقوبة إنّما يترتّب على مخالفة المأمور لما طلب منه، فإن كان المطلوب بالنهي هو الكفّ لزم أن لا يتعلّق الذمّ أو العقوبة لفعل المنهي عنه، بل على ترك الكفّ عنه، و من الواضح خلافه، و على القول بكون المطلوب هو الترك يصحّ وقوع الذمّ و العقوبة على الفعل، إذ هو في مقابلة الترك، و يشهد له أيضا أنّ مفاد المادّة هو الطبيعة المطلقة، كما مرّ في الأمر و حرف النهي الواردة عليها إنّما يفيد نفيها و مفاد الهيئة الطارئة على تلك المادّة هو إنشاء الطلب، فالمتحصّل من المجموع هو طلب عدم ذلك الفعل- أعني طلب الترك- و يعضده أيضا أنّ الأمر طلب لإيجاد الفعل فيكون النهي المقابل له طلبا لتركه. و ما يتخيّل في دفع ذلك و لزوم صرف الطلب‏

19

إلى الكفّ بدعوى عدم مقدوريّة العدم فلا يمكن تعلّق التكليف به واه جدّا، كما سيجي‏ء الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (يعدّ في العرف ممتثلا [و يمدحه العقلاء] على انّه لم يفعل.)

لا يخفى أنّ صدق الامتثال موقوف على كون الترك لأجل النهي لا لجهة اخرى، و حينئذ يمدح على ترك الفعل من جهة قصده الترك لأجل النهي، و هو مفاد الكفّ عن الفعل، فلا دلالة في ذلك على كون المطلوب نفس الترك. و فيه: أنّ حيثيّة الكفّ مغايرة للجهة المذكورة و إن كان صادقا، له فحصول المدح على الجهة المذكورة شاهد على كون المطلوب نفس الترك حتّى عدّ الترك الحاصل من جهة النهي امتثالا، فإنّ حقيقة الامتثال هو الإتيان بما كلّف به من جهة كونه مكلّفا به، فلو كان المكلّف به هنا هو الكفّ لكان الامتثال حاصلا به من الجهة المذكورة لا من جهة الترك، فلمّا وجدنا حصول الامتثال بمجرّد الترك الحاصل على الوجه المذكور دلّ على كونه هو المكلّف به في النهي هذا، و مرجع الدليل المذكور إلى ما ذكرناه من التبادر.

و قد يستدلّ عليه أيضا بأنّه كثيرا ما يترك الحرام مع إرادة الفعل على وجه لو حصل له القدرة عليه لأتى به أو من دون إرادة أصلا، و على الوجهين لا يحصل الكفّ، فلو كان المكلّف به هو الكفّ لزم حينئذ فواته و يلزمه ترتّب العقاب.

و اورد عليه: بالتزام ترتّب العقاب في المقام، لكون العزم على ترك الحرام من أحكام الإيمان و المفروض انتفاؤه في الصورتين، فيترتّب العقاب عليه. و ضعفه ظاهر، فإنّ العصيان حينئذ- على فرض تسليمه- إنّما يترتّب على مخالفة تكليف آخر، دون ترك المكلّف به بالتكليف المفروض، إذ لا يصدق مخالفته للنهي المذكور قطعا، و إن حصل عزمه على المخالفة في الصورة الاولى و ترك العزم على الطاعة في الثانية، فلو كان المطلوب بالنهي الكفّ لصدق مخالفته لنفس النهي المذكور أيضا، لانتفاء مطلوبه الّذي هو الكفّ، و من الواضح خلافه.

20

قوله: (احتجّوا بأنّ النهي تكليف ... الخ.)

محصّله أنّ النهي تكليف، و لا شي‏ء من التكليف متعلّقا بغير المقدور، فلا شي‏ء من النهي يتعلّق بغير المقدور، و كلّ عدم غير مقدور، فلا شي‏ء من النهي متعلّقا بالعدم. و المقدّمات المأخوذة في الاحتجاج المذكور مسلّمة، إلّا الكبرى الأخيرة فبيّنه بقوله: «لكونه عدما أصليّا ... الخ».

هذا و قد يستدلّ أيضا على ذلك بوجه آخر أشار إليه في غاية المأمول و حاصله: أنّ الامتثال إنّما يتحقّق بالكفّ عن الفعل، و الثواب إنّما يترتّب عليه دون مجرّد الترك، فما تعلّق الطلب به هو الّذي ترتّب الامتثال و الثواب عليه.

و أجاب عنه بالمنع من ترتّب الثواب على الكفّ، بل إنّما يترتّب الثواب على الترك من دون مدخليّة الكفّ.

و أنت خبير: بأنّ حصول الامتثال و ترتّب الثواب إنّما يتصوّر فيما إذا ترك المنهيّ عنه لأجل نهيه عنه، و أمّا إذا تركه لأجل أمر آخر مع علمه بالنهي أو عدمه فليس ذلك قاضيا بصدق الامتثال و لا باعثا على ترتّب الثواب، حسب ما مرّ بيانه، لكن لا يقضي ذلك بعدم حصول المطلوب بالترك المفروض، لما عرفت من الفرق بين أداء الواجب و ترك المحرّم و حصول الامتثال. فقوله: إنّ تحقّق الامتثال و ترتّب الثواب إنّما هو في صورة الكفّ- على فرض تسليمه- لا يقضي بتعلّق النهي بالكفّ، إذ تعلّق النهي بالترك لا يستدعي حصول الامتثال بمجرّد الترك، كما أنّ تعلّق الأمر بالفعل لا يقضي بحصول الامتثال بمجرّد الإتيان به، بل يتوقّف أيضا على كون أدائه من جهة أمر الآمر به، و بدونه يكون أداءا للواجب من غير أن يكون امتثالا كما مرّ تفصيل القول فيه. فما زعمه المستدلّ من الملازمة ممنوعة، و لو سلّم ذلك نقول: إنّ حصول الامتثال و ترتّب الثواب حينئذ إنّما هو من أجل الترك دون الكفّ و إن كان مجامعا له، إذ مجرّد حصول الكفّ حينئذ لا يستدعي كون الامتثال من جهته، لما عرفت من الفرق بين الأمرين. و كون الامتثال حاصلا من جهة الترك، فإن أراد المجيب بترتّب الامتثال على الترك ترتّبه عليه في‏

21

الصورة المفروضة المجامعة للكفّ فهو كذلك، و إن أراد ترتّبه على مجرّد الترك كيف ما حصل فهو بيّن الفساد لما عرفت.

قوله: (المنع من أنّه غير مقدور.)

لمّا كانت المقدّمة المذكورة مستدلا عليه في كلام المستدلّ و لم يتعلّق المنع المذكور بشي‏ء من مقدّمات دليله لم يتّجه الإيراد عليه بالمنع، و لذا وجّهه المحقّق المحشّي (رحمه اللّه) بأنّ المراد بالمنع هنا غير المنع المصطلح، بل المنع اللغوي، فالمقصود إبطال ما ذكره من كون العدم غير مقدور، نظرا إلى ما أقام عليه من الدليل، فيكون ذلك معارضة للدليل المذكور، و يكون قوله «فإن قيل» معارضة على المعارضة، و قد صرّح بعضهم بجوازه. نعم وقعت المعارضة الثانية بعين ما ذكر في الدليل و لا يخفى قبح إعادته.

قلت: يمكن حمل المنع في كلامه على المنع المصطلح و الوجه فيه: أنّه لمّا كانت المقدّمة المذكورة مستدلا عليها في كلامه توقّف ورود المنع عليها على إبطال دليلها، فجعل ما يبطل به الدليل المذكور على وجه المعارضة سندا للمنع، فيكون ذكر السند في المقام مصحّحا لورود المنع، إذ بعد إبطال ما أقامه من الدليل عليها يبقى المقدّمة المذكورة خالية عن الدليل، فيصحّ توجيه المنع إليها. فلمّا كانت قضيّة المعارضة المذكورة لما ذكره من الدليل على إيجاب تلك المقدّمة ثبوت تأثير القدرة في كلّ من الوجود و العدم- حيث ذكر أنّ تأثير صفة القدرة في الوجود فقط وجوب لا قدرة- أورد عليه: بأنّه لا بدّ للقدرة من أثر عقلا، ضرورة كون التأثير مستلزما للأثر و العدم غير صالح لذلك لكونه نفيا محضا، و لأنّه لا بدّ من استناد الأثر إلى المؤثّر و هو غير ممكن في المقام، حسب ما قرّره، فالملحوظ في المقام نفي كون العدم أثرا للقدرة، ليلزم من ذلك نفي تأثير القدرة فيه، ليتفرّع عليه نفي كونه مقدورا، إذ المقدوريّة يستدعي تأثير القدرة فيه، حسب ما اعترف المستدلّ به.

و الوجه الأوّل من هذين الوجهين غير مذكور في كلام المستدلّ. و الثاني و إن كان عين ما ذكره المستدلّ إلّا أنّه إنّما ذكر في المقام لدفع كون العدم أثرا للقدرة ليتفرّع عليه عدم مقدوريته، و المستدلّ إنّما أخذ ذلك حجّة على عدم المقدوريّة

22

من أوّل الأمر، و هذا القدر كاف في التفاوت مضافا، إلى اشتمال ما ذكره ثانيا على بيان جواب آخر عن أصل الاستدلال: فلا يخلو إعادته عن فائدة. فتحصّل بما ذكر جوابان عن الاستدلال: أحدهما المنع من عدم مقدوريّة العدم حسب ما قرّرناه، و الآخر إثبات مقدوريّته في الزمان المتأخّر عن الصيغة و إن جعلهما جوابا واحدا أو جعل الجواب الثاني رفعا لما يورد على الجواب الأوّل فتأمّل.

قوله: (باعتبار استمراره ... الخ.)

هذا الوجه جواب عن الإيراد الآخر و كأنّه لم يتعرّض للجواب عن الأوّل اكتفاءا بما ذكر في الجواب عنه، فإنّ لاستمرار العدم حظّا من الوجود، و لذا يستند في ملاحظة العقل إلى اختيار المكلّف و يترتّب ذلك عليه، فلا يكون أثر القدرة نفيا محضا، حسب ما ادّعاه المستدلّ، لكنك خبير بأنّ عدم الفعل نفي محض بحسب الخارج لا تأثير و لا تأثّر فيه أصلا، و ليس استمرار العدم أمرا حاصلا بحسب الواقع و إنّما هو اعتبار عقليّ محض، ثبوته في العقل كمفهوم العدم، فتأثير صفة القدرة فيه بحسب الخارج غير معقول.

و الحقّ أن يقال: إنّ مقدوريّة الفعل إنّما يكون باقتدار الفاعل على قطع استمرار العدم بالتأثير في الوجود، لا بتأثيره في العدم أيضا، و إن صحّ بذلك حكم العقل باستناد عدم المعلول الى عدم علّته، فإنّ مناط الحكم بالاستناد المذكور هو عدم حصول الأثر عند عدم حصول التأثير لا بتأثير الفاعل في عدمه، فالمراد باستناد عدم المعلول إلى علّته و الترتّب العقليّ الحاصل بينهما في لحاظ العقل هو ذلك، لا بتأثير العدم في العدم. كيف! و حصول التأثير و التأثّر غير معقول بين الأعدام، فليس تأثير القدرة في المقام إلّا في جهة الوجود و يكون العدم مقدورا بذلك أيضا، و حينئذ فما ادّعاه المجيب «من لزوم تأثير القدرة في كلّ من جانبي الوجود و العدم و إلّا لكان وجوبا لا قدرة» كما ترى. و يمكن تنزيل كلامه على ما ذكرنا فيكون مقصوده بالتأثير في العدم هو مفاد الترتّب العقليّ المذكور، و هو لا ينافي كون عدم الفعل نفيا محضا بحسب الخارج.

***

23

معالم الدين:

أصل‏

قال السيد المرتضى رضى اللّه عنه و جماعة منهم العلّامة في أحد قوليه: «إنّ النهي كالأمر في عدم الدلالة على التكرار، بل هو محتمل له و للمرّة».

و قال قوم: بافادته الدوام و التكرار، و هو القول الثاني للعلّامة (رحمه اللّه)، اختاره في النهاية، ناقلا له عن الأكثر و إليه أذهب.

لنا: أنّ النهي يقتضى منع المكلّف من إدخال ماهيّة الفعل و حقيقته في الوجود، و هو إنّما يتحقّق بالامتناع من إدخال كلّ فرد من أفرادها فيه؛ إذ مع إدخال فرد منها يصدق إدخال تلك الماهيّة في الوجود؛ لصدقها به؛ و لهذا إذا نهى السيّد عبده عن فعل، فانتهى مدّة كان يمكنه إيقاع الفعل فيها ثمّ فعل، عدّ في العرف عاصيا مخالفا لسيّده، و حسن منه عقابه، و كان عند العقلاء مذموما بحيث لو اعتذر بذهاب المدّة التي يمكنه الفعل فيها و هو تارك، و ليس نهي السيّد بمتناول غيرها، لم يقبل ذلك منه، و بقي الذمّ بحاله. و هذا ممّا يشهد به الوجدان.

احتجّوا: بأنّه لو كان للدوام؛ لما انفكّ عنه، و قد انفكّ. فانّ الحائض نهيت عن الصلاة و الصوم، و لا دوام. و بأنّه ورد للتكرار، كقوله تعالى:

وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏

و بخلافه، كقول الطبيب: لا تشرب اللّبن،

24

و لا تأكل اللحم. و الاشتراك و المجاز خلاف الأصل، فيكون حقيقة في القدر المشترك. و بأنّه يصحّ تقييده بالدوام و نقيضه، من غير تكرار و لا نقض؛ فيكون للمشترك.

و الجواب عن الأوّل: أنّ كلامنا في النهي المطلق. و ذلك مختصّ بوقت الحيض، لأنّه مقيّد به، فلا يتناول غيره. ألا ترى أنّه عامّ لجميع أوقات الحيض.

و عن الثاني أنّ عدم الدوام في مثل قول الطبيب، إنّما هو للقرينة، كالمرض في المثال. و لو لا ذلك، لكان المتبادر هو الدوام. على أنّك قد عرفت في نظريه سابقا: أنّ ما فرّوا منه بجعل الوضع للقدر المشترك- أعني: لزوم المجاز و الاشتراك- لازم عليهم، من حيث انّ الاستعمال في خصوص المعنيين يصير مجازا فلا يتمّ لهم الاستدلال به.

و عن الثالث: أنّ التجوّز جائز، و التأكيد واقع في الكلام مستعمل، فحيث يقيّد بخلاف الدوام يكون ذلك قرينة المجاز، و حيث يؤتى بما يوافقه يكون تأكيدا.

فائدة:

لمّا أثبتنا كون النهي للدوام و التكرار، وجب القول بأنّه للفور؛ لأنّ الدوام يستلزمه. و من نفى كونه للتكرار، نفى الفور أيضا. و الوجه في ذلك واضح.

25

[هل في النهي دلالة على المرّة أو التكرار؟]

قوله: (إنّ النهي كالأمر في عدم الدلالة على التكرار ... الخ.)

يمكن تقرير النزاع في ذلك على نحو الأمر فيكون الكلام في وضع الصيغة له، فالقائل بدلالتها على الدوام يقول بوضعها لخصوص ذلك، و القائل بكونها للأعمّ يجعل مفادها مجرّد ترك الطبيعة في الجملة. و يمكن تقريره في الدلالة الالتزاميّة فيقال: إنّ النهي موضوع لطلب ترك الطبيعة، لكن هل يستلزم ذلك الدوام و التكرار أو لا بل هو أعمّ من الأمرين؟ و على هذا فيجري الكلام في كلّ طلب متعلّق بالترك و إن كان بصيغة الأمر ك «اترك» و «انته» و «كفّ» و نحوها و كذا في مادّة النهي ك «أنهاك عن كذا» أو «نهانا عن كذا» و نحو ذلك، و يخرج عنه ما يكون أمرا بصورة النهي نحو «لا تترك» و يمكن تقرير النزاع في الأعمّ من الوجهين المذكورين فيصحّ للقائل بدلالتها على الدوام الاستناد إلى كلّ من الوجهين المذكورين فلابدّ للنافي من إبطال كلّ منهما، و الظاهر البناء في تحرير محلّ النزاع على أحد الوجهين الأخيرين.

ثمّ إنّ المقصود بالتكرار هنا هو خصوص الدوام، لا مسمّى التكرار كما مرّ احتماله في الأمر، و إن كان الظاهر هناك أيضا خلافه، و لذا عبّروا هنا عن التكرار بالدوام. ثمّ إنّ المقصود بالدوام هل هو خصوص التأبيد و الدوام مدّة العمر أو يرجع فيه إلى العرف؟ فيختلف بحسب اختلاف الأفعال و الأحوال وجوه: أظهرها الأخير.

و هل المطلوب حينئذ خصوص الترك المستدام فيتوقّف حصول الامتثال على ترك الكلّ من غير أن يحصل هناك امتثال بالنسبة إلى خصوص التروك الحاصلة في كلّ من الأزمنة، أو أنّ كلّ ترك منها مطلوب في نفسه مع قطع النظر عن انضمام الآخر إليه؟ فينحلّ ذلك إلى تكاليف عديدة، و إن عبّر عن الكلّ بتعبير واحد، وجهان: أظهرهما الثاني كما يشهد به العرف.

و هل الكلام في وضع الصيغة المطلقة للدوام أو لما يستلزمه؟ فلا تجري في النواهي المقيّدة بزمان خاصّ، أو في وضع مطلق الصيغة؟ فيلزم التجوّز في بادئ‏

26

الرأي فيما يقيّد بخصوص بعض الأزمنة بناء على القول بوضعه لذلك، و على هذا يلزمه التزام التجوّز في معظم النواهي الواردة، و سنبيّن لك ما هو الحقّ في المقام هذا. و لهم في المسألة قولان معروفان أشار المصنّف (رحمه اللّه) إليهما.

أحدهما: اقتضاؤه للدوام ذهب إليه الآمدي و الحاجبي و العضدي، و اختار جماعة من علمائنا- منهم المصنّف (رحمه اللّه)، و العلّامة في النهاية، و السيّد العميدي، و شيخنا البهائي، و تلميذه الفاضل الجواد، و غيرهم- و عزاه في النهاية و المنية و الزبدة إلى الأكثر، و حكاه الشيخ عن أكثر المتكلّمين و الفقهاء ممّن قال بأنّ الأمر يفيد المرّة، و من قال بأنّه يفيد التكرار، و قال الآمدي في الإحكام اتّفق العلماء على أنّ النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما، و قال العضدي النهي يقتضي دوام ترك المنهي عنه عند المحقّقين اقتضاءا ظاهرا فيحمل عليه إلّا إذا صرف عنه دليل.

ثانيهما: نفي دلالتها على ذلك، ذهب إليه جماعة من علمائنا: منهم السيّد و الشيخ و المحقّق و العلّامة في التهذيب، و عزاه الآمدي إلى بعض الشاذّين، و العضدي إلى شذوذ، و السيّد العميدي إلى الأقلّ.

و حينئذ فإمّا أن يكون موضوعا لمطلق طلب الترك الشامل للوجهين كما هو المصرّح به في كلام بعض هؤلاء، أو يكون موضوعا لخصوص المرّة، و حكاه في غاية المأمول حيث قال: إنّ القائلين بعدم الدوام منهم من ذهب إلى أنّه للمرّة فقط، و منهم من يجعله مشتركا بينها و بين التكرار، بحيث يتوقّف العلم بأحدهما على دليل من خارج كما في الأمر، فيكون الأقوال حينئذ ثلاثة، و ربما يحكى هنا قول رابع: و هو وضعه لهما على سبيل الاشتراك اللفظيّ، و قد يعزى ذلك إلى السيّدين، كما هو قضيّة مذهبهما من أصالة الاشتراك اللفظيّ فيما يستعمل في معنيين.

و خامس: و هو القول بالتوقّف حكاه الشيخ في العدّة عن بعض.

و الحقّ عندنا وضع الصيغة لمجرّد طلب ترك مطلق الطبيعة المعرّاة عن الوحدة و الكثرة على حذو ما مرّ في الأمر، و قد تقدّم الدليل عليه، و حينئذ نقول: إنّ النهي‏

27

إن لم يقيّد بقيد أفاد طلب ترك الطبيعة المطلقة، أعني المفهوم اللا بشرط، و لا يمكن حصوله إلّا بترك جميع الأفراد، بخلاف طلب إيجاد الطبيعة فإنّه يحصل أداؤه بإيجاد فرد من أفرادها، و الفرق بين الأمرين أنّ إيجاد المطلق حاصل بإيجاد فرد منه، فإذا حصل ذلك حصل به أداء المأمور به و الإتيان بالمنهيّ عنه، فيحصل امتثال الأمر و مخالفة النهي بإيجاد فرد من الطبيعة، فلابدّ إذن في حصول امتثال النهي من ترك المخالفة الحاصلة بترك كلّ فرد من أفراد المنهيّ عنه و هو ما أردناه.

و ليس تركها في ضمن بعض الأفراد تركا للطبيعة المطلقة، و إنّما هو ترك الطبيعة المقيّدة و ترك المقيّد لا يستلزم ترك المطلق، كما أنّ فعله يستلزم فعله حسب ما عرفت، هذا مع إطلاق النهي. و أمّا إذا قيّد الطبيعة بزمان مخصوص أو قيد خاصّ لم يكن هناك تجوّز في الصيغة، و لا في المادّة، لصدق اللا بشرط على ذلك أيضا.

و الحاصل: أنّ النهي موضوع لطلب ترك مطلق الطبيعة، و هو قدر جامع بين طلب ترك الطبيعة المطلقة و المقيّدة، فإن وجد هناك قيد انصرف إلى الثاني و كان حصوله في ضمن المقيّد، و إلّا انصرف إلى المطلق، إذ مع عدم القيد لا يكون مفاد اللفظ إلّا المطلق، فلا يكون النهي مع الإطلاق دائرا بين الأمرين، ليكون مجملا غير منصرف بحسب اللفظ إلى أحد الوجهين.

فإن قلت: إنّ المراد بالطبيعة في المقام إمّا الطبيعة من حيث هي أو من حيث حصولها في ضمن الفرد، لا سبيل إلى الأوّل، فإنّ الأحكام الشرعيّة بل و غيرها من الأحكام المتداولة بين أهل العرف و اللغة بل و أرباب العلوم العقليّة إنّما ينتسب إلى الطبائع من حيث وجودها في ضمن الفرد، لعدم العبرة بالقضيّة الطبيعيّة. و أمّا الثاني فإمّا أن يراد من حيث حصولها في ضمن الفرد في الجملة أو في ضمن جميع الأفراد، و لا يثبت إرادة الدوام إلّا في الصورة الثانية، و إرادتها في المقام أوّل الدعوى، غاية ما يسلّم إرادة ترك الطبيعة في ضمن الفرد في الجملة.

قلت: قد عرفت أنّ المبادئ المأخوذة في الأفعال بمعنى الطبائع المطلقة و حيث إنّ الطلب الحاصل في الأمر و النهي إنّما يتعلّق بالإيجاد و الترك لا حاجة

28

إلى اعتبار حيثية الحصول في ضمن الفرد في مدلول المادّة، فإنّ إيجاد الطبيعة إنّما يكون بإيجاد فردها، و تركها إنّما يكون بترك جميع أفرادها- حسب ما عرفت- فمرجع الأمر في ذلك إلى المحصورة و إن لم يلاحظ الحصول في ضمن الفرد في خصوص مواردها، و لو سلّم كون الطبائع المدلولة لمواردها ملحوظة من حيث وجودها في ضمن الفرد فهو أيضا كاف في المقام، لأنّ المرجع فيها إلى النكرة و هي تفيد العموم في المقام، فإنّ ترك مطلق الطبيعة في ضمن الفرد إنّما يكون بترك جميع أفرادها، لعين ما مرّ. نعم لو كان مفاد ذلك حصول الترك في ضمن الفرد في الجملة تمّ ذلك، إلّا أنّه ليس من مدلول الصيغة في شي‏ء هذا.

و مع الغضّ عن كون الدوام لازما عقليّا للنهي على الوجه المذكور، فلا شكّ في كون ذلك هو المنساق منه عرفا، فلا أقلّ إذا من الظهور العرفيّ لو لم نقل باللزوم العقليّ، و منع انفهام ذلك منه في العرف يكاد يشبه إنكار الضروريّات، كما لا يخفى على من تأمّل في الاستعمالات و موارد الإطلاقات.

ثمّ إنّ بعض الأفاضل بعد ما أنكر ثبوت الدلالة على كلّ من الوجهين المذكورين تمسّك في دلالة النواهي المطلقة على الدوام بوجه ثالث، و ذلك بالرجوع إلى دليل الحكمة إذ لا وجه لإرادة النهي عن الفعل في وقت غير معيّن، لما فيه من الإغراء بالجهل و لا معيّن، لانتفاء التعيين إذ المفروض إطلاق النهي فتعيّن إرادة النهي عنه على وجه العموم.

و أنت خبير بما فيه: فإنّه مدفوع أوّلا: بالنقض بالأمر فإنّه لا وجه لإرادة الإتيان به في زمان معيّن، لانتفاء التعيين، و لا في زمان غير معيّن، لما فيه من الإغراء بالجهل، فتعيّن إرادة الدوام، مع أنّه لا يقول به. و ثانيا بأنّ هناك احتمالا آخر و هو إرادة التخيير في أداء المطلوب بالنسبة إلى الأزمنة كما هو الحال في الأمر، فإذا كان الحال في النهي نظير الأمر في عدم الدلالة على الدوام جرى فيه التخيير الّذي يثبت في الأمر.

قوله: (إنّ النهي يقتضي منع المكلّف من إدخال ماهيّة الفعل ... الخ.)

29

يمكن تقرير هذه الحجّة بوجهين:

أحدهما: ما أشرنا إليه من الرجوع إلى العقل بعد إثبات دلالة اللفظ على المنع من إدخال طبيعة الفعل في الوجود، و هذا هو الّذي يقتضيه ظاهر الآية.

و يرد عليه حينئذ أنّ ذلك إنّما يقتضي كون الدوام مدلولا التزاميّا لطلب ترك الطبيعة، سواء ادّي ذلك بصيغة النهي أو بغيره، فلا يفيد وضع الصيغة للدوام، فإن اريد بذلك بيان وضع الصيغة له فهو ظاهر الفساد، و إن اريد به بيان الدلالة الالتزاميّة فهو متّجه، كما مرّ القول فيه، إلّا أنّه مخالف لما يظهر من كلامه في آخر المبحث، لظهوره في دعوى الوضع للدوام.

و قد يورد عليه أيضا بأنّه إن اريد بالمنع من إدخال الماهيّة في الوجود دائما فهو أوّل الكلام، و إن اريد بالمنع من إدخاله في الوجود في الجملة فغاية ما يقتضيه عدم إدخال شي‏ء من أفراد الماهيّة في الوجود في بعض الأوقات، لصدق عدم إدخال الماهيّة في الوجود مع عدم إيجاد شي‏ء من أفرادها في بعض الأزمنة.

و يدفعه ما عرفت من أنّ عدم إيجاد الطبيعة المطلقة لا يصدق إلّا بتركها بالمرّة، دون ما إذا تركها في وقت و أتى بها في آخر، لظهور صدق إتيانه حينئذ بالطبيعة و هو لا يجامع صدق تركه لها.

غاية الأمر أن يصدق تركه للطبيعة في الزمان المفروض و هو لا يستلزم صدق ترك الطبيعة مطلقا كما عرفت. و يشهد له أنّ المنع من الترك الحاصل بإيجاب الفعل إنّما يقتضي عدم ترك الفعل مطلقا، كيف! و لو صدق ترك الفعل مع ترك جميع أفرادها في آن من الأوان لزم القول بالملازمة بين الأمر و النهي في الدلالة على الدوام، مع أنّهم لا يقولون به، فإنّ وجوب الشي‏ء يستلزم المنع من تركه أو يتضمنه- حسب ما مرّ- و مع البناء على حصول ترك الشي‏ء بتركه في آن مّا يلزم تركه أن يكون تركه في كلّ آن متعلّقا للمنع، بناء على استلزام المنع من الشي‏ء المنع من جميع أفراده في جميع الأزمنة- كما هو مختار القائل بدلالة النهي على الدوام- فلا يصحّ البناء على الفرق بين الأمرين.

30

و دعوى كون المنع من الترك تابعا لإيجابه فلو لم يكن إيجابه على سبيل التكرار لم يكن المنع منه كذلك، مدفوع: بأنا نقرّر الكلام على فرض دلالة الأمر على طلب مطلق الطبيعة- كما هو مختار معظم المحقّقين- فيكون المنع من الترك التابع للأمر هو المنع من ترك نفس الطبيعة- كما هو مدلول سائر النواهي الواردة من غير فرق أصلا- فإذا صدق ترك الطبيعة بترك جميع أفرادها في آن واحد لزم أن يكون متعلّقا للمنع، إذ المفروض تعلّق المنع بترك الطبيعة و قضاء ذلك بتركها في جميع الأزمان، فلزم من ذلك أن يكون إيجادها مطلوبا في كلّ زمان.

نعم لو قلنا بدلالة الأمر على المرّة تمّ ما ذكر، إلّا أنّه غير ما هو المفروض في التقرير المذكور. فظهر بما قرّرنا صحّة ما ذكرنا من كون مفاد ترك الطبيعة تركها في جميع الأزمان، و هو الّذي يتعلّق به الأمر (1) عند الأمر بالفعل و يحصل امتثاله بأداء المطلوب و لو مرّة واحدة- كما مرّ بيانه في محلّه- و قد تبيّن بملاحظة جميع ما بيّناه ضعف ما أورده المحقّق المحشّي (رحمه اللّه) من منع اقتضاء النهي سلب جميع الأفراد، فإنّ ورود النفي على المفهوم خبرا و إنشاءا يتصوّر على وجهين: وروده في ضمن جميع أفراده، و وروده عليه في الجملة، بحيث يصلح تحقّقه في ضمن السلب الكلّيّ و السلب الجزئيّ، فلا يلزم ترك جميع الأفراد و لو في آن واحد أيضا انتهى ملخّصا. كيف! و صريح العرف ينادي بخلاف ما ذكره و ليس المطلوب بالنهي إلّا عدم إيجاد الفعل- كما مرّ- و هو رفع لما هو المطلوب بالأمر، و كيف يعقل رفع إيجاد الفعل مع فرض الإتيان به ممّا لا يتناهى من أفراده، فيكون مفاد النهي أمرا هو واجب الحصول. فما ذكره من الاحتمال فاسد قطعا لا مجال للخلاف فيه.

فدلالة النهي على كون المطلوب ترك جميع أفراد المنهيّ عنه و لو في زمان واحد مقطوع به غير قابل للنزاع، إنّما الكلام في دلالته على اعتبار دوام الترك المفروض و عدمه، و قد عرفت دلالته على ذلك حسب ما بيّناه.

ثانيهما: أن يكون مقصوده بذلك الرجوع إلى التبادر بدعوى أنّ المتبادر من‏

____________

(1) كذا في نسخة «ق 1» و في سائر النسخ: المنع.

31

الصيغة هو المنع من إدخال ماهيّة الفعل في الوجود مطلقا، و ذلك إنّما يتحقّق بعدم إدخال شي‏ء من أفرادها في الوجود. فيكون قوله: «و لذا إذا نهى السيّد ... الخ» استشهادا بالمثال المذكور على حصول التبادر، و عدّ جماعة منهم الآمدي و العلّامة في النهاية و الفاضل الجواد ذلك دليلا برأسه على المطلوب، و هو رجوع إلى التبادر المدّعى.

و يدفعه حينئذ المنع من استناد التبادر إلى نفس اللفظ، و إنّما ذلك من جهة استلزام مدلول اللفظ، فالانتقال إليه إنّما يكون بتوسّط ذلك، فإن اريد بذلك الاستناد إليه في وضع النهي للدوام فهو ممنوع، و إن اريد التمسّك به في استفادة الدوام منه في الجملة فمسلّم و مرجعه إلى ما قرّرناه، و قد يمنع من حصول التبادر و فهم العرف للدوام و هو ضعيف كما عرفت.

نعم، لو قام هناك قرينة على إرادة عدم الدوام لم يفهم منه ذلك- كما لو اشتغل أحد بضرب زيد فنقول له لا تضرب زيدا فإنّ المستفاد حينئذ من اللفظ نهيه عمّا يقع منه من الضرب دون منعه منه على سبيل الدوام كما هو الحال في نواهي الطبيب بالنسبة الى المريض- فالاستشهاد بذلك على المنع من حصول التبادر بالنسبة الى المجرّد عن القرينة كما هو محطّ النظر في المقام كما ترى.

هذا و قد يستدلّ أيضا على القول المذكور بوجوه اخر:

منها: دعوى الإجماع عليه، فإنّ العلماء لم يزالوا يستدلّون بالنواهي على الدوام من غير نكير، و قد حكى ذلك عنهم جماعة من الخاصّة و العامّة، فمن الخاصّة العلّامة في النهاية و السيّد العميدي في المنية و شيخنا البهائي في الزبدة و الفاضل التوني في الوافية و غيرهم، و من العامّة الحاجبي و العضدي و غيرهما.

و يرد عليه مثل ما مرّ من عدم دلالة ذلك على حصول الوضع. غاية الأمر حصول الاستفادة و لو من جهة الالتزام العقليّ أو العرفيّ، فإن اريد بذلك بيان حصول مجرّد الدلالة في الجملة فهو متّجه، و إن اريد الاستناد إليه في حصول الوضع فهو ضعيف.

32

و دعوى أصالة كون الدلالة تضمّنية عند الدوران بينها و بين الالتزاميّة ممّا لا يعرف الوجه فيه.

و القول بأنّ الدلالة الالتزاميّة مغايرة بالذات للدلالة المطابقيّة بخلاف التضمّنية لاتّحادهما بالذات و تغايرهما بحسب الاعتبار فبأصالة عدم تعدّد أصل الدلالة يترجّح كون الدلالة في المقام تضمّنية، ممّا لا يصغى إليه، لو سلّم قضاء الأصل بذلك، لدوران الأمر في المقام مدار الظنّ. و عدم حصوله من التخريج المذكور واضح جدّا.

ثمّ إنّه قد يمنع في المقام من جريان طريقتهم على ذلك، أو من دلالته على فرض ثبوته على استفادته من اللفظ، فقد يكون ذلك من جهة انضمام القرائن، و لا وجه له بعد نقل الجماعة استنادهم في فهم الدوام إلى مجرّد النواهي الواردة.

و منها: أنّ مبادئ الأفعال نكرات في المعنى فإذا وردت في سياق النفي أو النهي أفادت العموم.

و اورد عليه: بالمنع من جريان ذلك في المصادر الّتي في ضمن الأفعال سيّما في المقام، غاية الأمر ان يسلّم ذلك في النكرة المصرّحة. و يدفعه فهم اشتراك العرف.

و قد يورد عليه أيضا: بأنّ غاية ما يستفاد من النكرة في سياق النفي نفي الحكم عن جميع الأفراد، و أمّا في جميع الأوقات و الأزمان فلا، ألا ترى أنّ قولك:

لا رجل في الدار لا يفيد نفي وجود الرجل فيها في كلّ زمان.

و فيه: أنّه إنّما يتبع الزمان الّذي وقع الحكم بالنسبة إليه من الماضي و الحال و الاستقبال، و يفيد عدم الحكم بالنسبة إلى ذلك الزمان إن كان قابلا له. و أمّا قولك:

لا رجل في الدار فلا يفيد إلّا النفي في الحال، كما هو قضيّة الجملة الاسميّة في الإثبات‏ (1). فالأولى الإيراد عليه: بأنّه لا دلالة في ذلك على ثبوت الوضع لما سيجي‏ء بيانه إن شاء اللّه من عدم وضع النكرة في سياق النفي للعموم، فإن اريد بما ذكر إفادة الموضوعيّة للعموم لم يتّجه ذلك و إلّا كان وجها كما عرفت.

____________

(1) الإيجاب- خ ل.

33

و منها: ما أشار إليه شيخنا البهائي في حاشية الزبدة و حكاه الفاضل الجواد في الشرح و هو: أنّ ترك الفعل في وقت من الأوقات أمر عاديّ للمكلّف حاصل منه بحسب العادة فلا حاجة إلى النهي عنه، فلو لم يكن النهي مفيدا للدوام لكان صدوره من الحكيم لغوا.

و أورد عليه تارة: بأنّ من قال بأنّ النهي للمرّة قال بالفور، كما هو ظاهر من كلام بعضهم حيث صرّح بأنّ النهي لا يفيد إلّا الانتهاء في الوقت الّذي يلي وقت النطق بالنهي، فلا يلزم عبث على مذهبهم، و كذا عند من يجعله مشتركا، فإنّه يتوقّف في الحكم إلى أن يظهر دليل، و حينئذ فلا يلزم من كون الترك عاديا في بعض الأوقات أن يكون النهي عبثا. كذا ذكره الفاضل الجواد.

و يدفعه عدم دلالة النهي على الفور عند القائل بكونه للمرّة أو لمطلق الطبيعة، حسب ما سيشير إليه المصنّف (رحمه اللّه): من أنّ القائل بنفي دلالته على الدوام ينفي الدلالة على الفور، و هو و إن لم يكن متّجها كما سنشير إليه، إلّا أنّ القائل المذكور لا يلزمه القول بدلالته على الفور قطعا، فلا وجه للإيراد المذكور عند من نفى الدلالة على الفور كما هو المختار.

و تارة: بأنّه يثمر ذلك في حصول الامتثال فإنّه و إن حصل الترك مع انتفاء النهي إلّا أنّه لا يتفرّع عليه حصول الامتثال بالترك إلّا مع حصول النهي فيمكن معه قصد الامتثال.

و أورد عليه: بانّه لا اعتبار لقصد الامتثال في جانب النهي، إذ ليس المقصود من تشريعه قصد التقرّب المعتبر في العبادات، لوضوح عدم اندراج النواهي الشرعيّة في العبادة إلّا ما ورد من النواهي المأخوذة في بعض العبادات- كالصوم- فالمراد به في الحقيقة بيان حقيقة تلك العبادة المأمور بها، و اعتبار الوجه فيه إنّما هو من جهة الأمر فلا ربط له بالمقام.

و فيه: أنّ مقصود المورد إمكان قصد الامتثال حينئذ، فيترتّب عليه الثواب على فرض حصول القصد المذكور، و هو كاف في الخروج عن اللغويّة، لا لزوم‏

34

حصوله، و اعتباره في نفس التكليف ليكون القصد المذكور مأخوذا في النواهي ليعتبر القربة في التروك المطلوبة بها ليلزم اندراجها في العبادة، و هو ظاهر.

فالحقّ في دفعه: أن يقال: إنّ ذلك لا يكفي في تصحيح التكليف، إذ لا بدّ في صحّة التكليف بالفعل أو الترك كونه في حيّز الإمكان، فيكون خارجا عن درجتي الوجوب و الامتناع، فلو كان الفعل أو الترك واجبا لم يصحّ تعلّق الأمر أو النهي به.

غاية الأمر أنّه إذا كان تركه واجبا كان تعلّق الأمر به قبيحا من قبح التكليف بما لا يطاق، و إن كان فعله واجبا كان قبحه من جهة الهذرية، و هي أيضا إحدى الجهات في امتناع التكليف- حسب ما تقرّر في محلّه- و كذا الحال لو كان الفعل أو الترك واجبا في تعلّق النهي به، لكن على عكس الحال في الأمر، و ليس مجرّد صحّة قصد الامتثال في صورة وجوب الفعل بالنسبة إلى الأمر و امتناعه بالنسبة إلى النهي كافيا في صحّة التكليف، فإنّ صحة القصد المذكور فرع تحقّق التكليف، فإذا كان التكليف قبيحا لم يصحّحه ذلك و لو اخذ ذلك قيدا في الفعل. و توضيح القول في ذلك يتوقّف على إطالة الكلام و لا يناسبه المقام، سيّما مع وضوح المرام و لعلّنا نتعرّض في المقام اللائق به. و بالجملة فقبح ما ذكر في الجملة من الامور الظاهرة عند العقل. ألا ترى وضوح قبح أمر المكلّف بالكون في المكان و الزمان و نهيه عن الجمع بين النقيضين و الطيران في الهواء مطلقا أو مقيّدا بقصد التقرّب؟

مع جريان ما ذكره المستدلّ هنا فيها أيضا. و التحقيق في الإيراد على الدليل المذكور ما عرفته في الجواب عن غيره: من عدم دلالة ذلك على وضع الصيغة للدوام، إذ لو كان موضوعا لما يستلزم الدوام مع الإطلاق- حسب ما قرّرنا- كان كافيا في حصول الثمرة المطلوبة.

و منها: ظهور التناقض عرفا بين قولنا: اضرب زيدا و لا تضربه، و قد عرفت أنّ مفاد اضرب هو طلب حقيقة الضرب في الجملة الحاصلة بمرّة واحدة، فلو كان النهي أيضا موضوعا لذلك لم يكن بينهما مناقضة، لرجوعهما حينئذ إلى قضيّتين مهملتين هما في قوّة الجزئيّة، و لا تناقض بين الجزئيّتين بوجه من الوجوه.

35

و فيه: أنّ المناقضة بينهما قد تكون من جهة أنّ تعلّق الأمر بالطبيعة يفيد مطلوبيّة الفعل في كلّ آن من الآنات مع عدم فعله في الأوّل، كما هو قضيّة الإطلاق فيرجع إلى العموم لكن على سبيل التخيير بين جزئيّاته، و هو لا يجامع الجزئيّة المستفادة من النهي، و مع الغضّ عن ذلك فقد يكون مبنى المناقضة على انصراف إطلاق النهي إلى الدوام لا وضعه له، فإن كان المقصود من الدليل المذكور إفادة الوضع له لم يتمّ ذلك. و دعوى أصالة كون الدلالة تضمّنيّة عند الدوران بينها و بين الالتزاميّة و قد عرفت وهنها. و هناك حجج اخرى للقول المذكور موهونة جدّا فهي بالإعراض عنها أحرى.

قوله: (بأنّه لو كان للدوام لما انفكّ عنه ... الخ.)

قد يورد عليه: بأنّ الكلام حينئذ في الدلالة اللفظيّة، و التخلّف جائز، واقع بالنسبة إليها، كيف! و باب المجاز واسع حتّى قيل بأغلبيّته على الحقيقة، فالملازمة المدّعاة فاسدة جدّا.

و يمكن دفعه تارة بأن الكلام هنا في الملازمة العقليّة- حسب ما مرّ- و يحتمله الدليل المتقدّم في كلامه، بناء على أنّ ترك الطبيعة لا يتحقّق إلّا بترك جميع أفرادها، فيقال لو تمّ ذلك لجرى في جميع النواهي و ليس كذلك. و اخرى بأنّ التخلّف في الدلالات اللفظيّة إنّما يكون بالنسبة إلى الإرادة دون نفس الدلالة، و المفروض حصول الثاني فيما ذكره من المثال، إذ لا يدلّ نهي الحائض عن الصلاة و الصيام على المنع منهما على سبيل الدوام، فذلك وجهان في تقرير الاحتجاج المذكور.

و يمكن الإيراد عليهما: بأنّ أقصى ما يلزم منها عدم وضع الصيغة لخصوص الدوام و عدم استلزام مدلول الصيغة للدوام مطلقا، حيث حصل الانفكاك بينهما، و لا يلزم منهما عدم وضع الصيغة لما يستلزم الدوام حال الإطلاق، و إن أمكن الانفكاك بينهما بعد قيام القرينة متّصلة أو منفصلة على عدم إرادة المطلق، بل هي حينئذ قد تفيد الدوام أيضا على حسب القيد.

36

و الحاصل: أنّ النهي يفيد الدوام مطلقا مع الإطلاق و الدوام على حسب القيد مع التقييد، و لا يفيد الدوام أصلا مع قيام القرينة على ارادة الترك في الجملة من دون لزوم المجاز في شي‏ء من الصور، حسب ما مرّ بيانه.

و قد يقرّر الاحتجاج بوجه ثالث: و هو أنّه لو كان حقيقة في خصوص الدوام لما كان مستعملا في غيره على وجه الحقيقة، و الملازمة ظاهرة، و التالي باطل، لنهي الحائض عن الصلاة و الصوم مع كون النهي المتعلّق بهما على وجه الحقيقة دون المجاز.

و فيه: أنّ الدعوى المذكورة محلّ خفاء، إذ كون النهي عنهما على وجه الحقيقة أوّل الكلام.

و أورد عليه أيضا برجوعه حينئذ إلى الدليل الثالث.

و أنت خبير بما فيه لاختلاف كيفيّة الاستدلال في المقامين و إن اتّحدت المقدّمات المأخوذة فيهما. على أنّ ذلك أيضا ممنوع بناءا على حمل المناقضة في الدليل الآتي على المناقضة الحقيقيّة دون الصوريّة الحاصلة في المجازات الباعثة على صرفها من الحقيقة.

و قد يقرّر ذلك بوجه رابع حاصله: أنّ بعض صيغ النهي ورد لا للتكرار و مجيئه للتكرار أمر مقرّر معلوم، فيجب أن يكون للقدر المشترك بينهما دفعا للاشتراك و المجاز.

و أنت خبير ببعده عن العبارة جدّا فحملها على ذلك تعسّف ركيك، مضافا إلى أنّه عين الدليل الثاني. فلا وجه لحمل العبارة عليه، ثمّ الإيراد بعدم الفرق بين الدليلين- كما فعله المدقّق المحشّي (رحمه اللّه)-.

و قد يقرّر بوجه خامس: و هو أنّه لو كان للتكرار لما انفكّ عنه مع إطلاق النهي، و التالي باطل فالمقدّم مثله.

و هو أيضا خارج عن ظاهر العبارة و لا يوافقه الجواب المذكور في كلامه، و إنّما يناسبه منع الملازمة إن اريد بإطلاق النهي إطلاقه بحسب الظاهر و إن ورد

37

التقييد بعد ذلك، لجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. و منع بطلان التالي إن اريد إطلاقه بحسب الواقع. فاحتمال حمل العبارة كما صنعه المدقّق المحشّي (رحمه اللّه) ليس على ما ينبغي، و هو ظاهر.

قوله: (و بأنّه ورد للدوام) إن اريد بذلك دفع وضعه لخصوص أحد المعنيين و كلّ منهما ليكون مجازا في الآخر أو مشتركا لفظيّا بينهما فله وجه بناءا على صحّة الاستناد في إثبات الأوضاع إلى الأصل المذكور إلّا أنّه لا يفيد عدم دلالته على الدوام و لو على سبيل الالتزام، و إن اريد به دفع دلالته على الدوام مطلقا فلا إشعار في الدليل المذكور على دفعه، أقصى الأمر أن يفيد عدم وضعه للدوام.

قوله: (و بأنّه يصحّ تقييده بالدوام ... الخ.)

يمكن تقرير ذلك بوجهين:

أحدهما: أن يراد به أنّ مدلول النهي على ما هو المنساق منه في العرف قابل للتقييد بالدوام و نقيضه، من غير أن يعدّ ذلك تكرارا و لا تناقضا في الظاهر ليلزم به الخروج عن ظاهر النهي، بل مفاده أمر قابل للأمرين، فيعلم بذلك كون المفهوم منه أعمّ منهما.

ثانيهما: أن يقال إنّه يجوز تقييد النهي بكلّ من القيدين، و الأصل فيما يقيّد أن يكون حقيقة في كلّ منهما هربا من التأكيد و المجاز- حسب ما مرّ بيانه في محلّه-.

قوله: (و الجواب عن الأوّل ... الخ) يمكن تقرير الجواب عن كلّ من الوجهين الأوّلين المذكورين في تقرير الاستدلال، أمّا على الأوّل: فبأن يقال: إنّ ما يدّعى من الملازمة المذكورة العقليّة إنّما هو بالنسبة إلى النواهي المطلقة، إذ اقتضاء ترك الطبيعة على سبيل الإطلاق قاض بعدم إدخال شي‏ء من أفرادها في الوجود، إذ لا يعقل ترك الطبيعة المطلقة إلّا بذلك كما مرّ. أمّا إذا قيّد النهي أو المنهيّ عنه بشي‏ء فإنّما يكون قضيّة النهي حينئذ عدم إدخال شي‏ء من أفراد المنهيّ عنه في الوجود- على حسب ما ذكر من القيد- فالدلالة على الدوام حينئذ حاصلة

38

أيضا، لكن على حسب ما حصل من النهي أو على النحو الّذي تعلّق به النهي عن الفعل.

و أمّا على الثاني: فبأنّ الصيغة إنّما وضعت لإفادة الدوام بالنسبة إلى ما تعلّقت به، فإن تعلّقت بالمطلق أفادت إطلاق الدوام- كما هو المقصود في المقام- و إن تعلّقت بالمقيّد أفادت دوامه- على حسب ذلك القيد- ففي المثال المفروض إنّما تعلّق النهي بالصلاة و الصيام الواقعين في أيّام الحيض لا مطلقا، فليس هناك خروج عن مقتضى وضع الصيغة، و إنّما حصل الخروج عن الظاهر في تقييد المادّة حيث إنّ مقتضاه الإطلاق و قد التزم تقييدها بما ذكر من القيد، و الصيغة تفيد الدوام في الصورتين.

قوله: (إنّ عدم الدوام في مثل قول الطبيب ... الخ.)

أراد بذلك أنّه بعد تسليم قضاء الأصل بما ذكر فإنّما يفيد ما أراده إذا لم يقم دليل على خلافه و قد قام في المقام، حيث إنّ المتبادر من النهي هو الدوام و لا يفهم منه غيره إلّا لقيام القرينة عليه- كما في نهي الطبيب- فيكون ذلك دليلا على كونه حقيقة في الأوّل مجازا في غيره.

و أنت خبير: بأنّ التبادر المدّعى في المقام ليس مستندا إلى نفس اللفظ ليفيد كونه حقيقة في خصوص الدوام فلا يتمّ ما ذكره، بل لو قيل بكون المتبادر من نفس الطبيعة طلب ترك الطبيعة مطلقا- كما أنّ المتبادر من الأمر طلب إيجادها كذلك من غير دلالة في نفس اللفظ على مرّة أو تكرار و دوام- كان أولى.

قوله: (من حيث إنّ الاستعمال في خصوص المعنيين يصير ... الخ.)

قد عرفت فيما مرّ أنّ ما ذكره يتمّ إذا ثبت استعمال اللفظ في خصوص كلّ من المعنيين، فاريد من ذلك إثبات كونه حقيقة في القدر الجامع بينهما من غير ثبوت استعماله فيه أو مع ثبوته أيضا، إلّا أنّه مع عدم الثبوت أوضح فسادا، و أمّا إذا علم استعماله في القدر الجامع و علم استعماله في مقام إرادة الدوام تارة و غيره اخرى من غير أن يعلم استعمال الصيغة في خصوص الدوام أو المرّة، بل لكونه قسما من‏

39

الطلب كما هو الحال في المقام فلا يلزم ما ذكره، إذ قضيّة الأصل حينئذ كونه حقيقة في القدر الجامع، و تنزيل الإطلاقات الخاصّة على كونها من قبيل إطلاق الكلّي على الفرد، و إطلاق طلب ترك الطبيعة على قسم خاصّ منه، مع فهم الخصوصيّة من القرينة المنضمّة إليه أو غيرها، لاندفاع المجاز و الاشتراك إذا، و فرض جواز استعماله حينئذ في خصوص كلّ من المعنيين فيلزم المجاز و الاشتراك أيضا لا يثمر في المقام، إذ المقصود التخلّص من المجاز و الاشتراك في الاستعمالات الواردة، حيث إنّ الأصل فيها الحقيقة المتّحدة لا فيما يفرض الاستعمال فيه، بل لا يبعد القول بما ذكرنا فيما إذا لم يعلم حينئذ استعماله في مطلق طلب الترك أيضا، و دار الاستعمال بين كونه في المطلق أو الخاصّ. و قد مرّ تفصيل القول في ذلك في محلّه.

قوله: (بأنّ التجوّز جائز ... الخ.)

لا يخفى أنّ الجواب المذكور بظاهره لا يلائم شيئا من الوجهين المتقدّمين في تقرير الاحتجاج، إذ ليس مبنى التقريرين المذكورين على عدم جواز التجوّز و التأكيد حتّى يجاب بجوازهما و وقوعهما في الكلام، بل مبنى الأوّل على كون ما يستفاد من إطلاق النهي عرفا قابلا للقيدين المذكور من غير أن يخرج النهي به من ظاهره، فلا وجه لدفعه بجواز كلّ من الأمرين المذكورين. و مبنى الثاني على كون ما ذكر من الأمرين على خلاف الأصل، فمهما أمكن البناء على انتفائهما تعيّن البناء عليه، فيكون ذلك تمسّكا بالأصل، فلا وجه لدفعه بجواز وقوع الأمرين.

و يمكن الجواب بإمكان قطعيّته على كلّ من الوجهين، أمّا على الأوّل: فبأنّ المقصود منه منع ما ادّعاه من قبول المفهوم من إطلاق النهي لكلّ من القيدين و ما يرى من استعماله على الوجهين فمبنيّ على الخروج عن الظاهر من التزام التجوّز أو التأكيد.

و أمّا على الثاني: فبأن يقال: إنّ التجوّز و التأكيد و إن كانا على خلاف الأصل إلّا أنّهما شائعان في الاستعمالات، فمجرّد كونهما على خلاف الأصل لا يثبت‏

40

الوضع، لأنّه أمر توقيفيّ لابدّ في ثبوته من الرجوع إلى توقيف الواضع لا إلى مجرّد الاصول المذكورة.

غاية الأمر أن يرجع إليها في تعيين المراد و يقال: إنّ المقصود أنّهما و إن كانا على خلاف الأصل لكنّهما واقعان في الكلام فلا مانع من الالتزام به بعد قيام الدليل عليه، لما مرّ من بيان ما يفيد دلالته على الدوام. هذا. و قد يذكر للقول المذكور حجج موهونة اخرى لا بأس بالإشارة إلى جملة منها:

منها: أنّه لو كان موضوعا للدوام لكان قولنا: «لا تضرب زيدا غدا» غلطا، و التالي واضح الفساد، أمّا الملازمة فلانحصار استعمال الصحيح في الحقيقة و المجاز، و الأوّل منفيّ قطعا و كذا الثاني، إذ لا علاقة بينه و بين الدوام، و لذا لا يجوز أن يطلق لفظ الدوام و يراد به خصوص الغد- مثلا- و يوهنه أنّه لو تمّ ذلك فإنّما يتمّ لو كان الدوام تمام مفاد الصيغة، و أمّا إذا كان بعض مفاده كما هو واضح فأقصى الأمر إسقاط قيد الدوام، و استعماله في الباقي فيكون من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للكلّ في الجزء، و لا يتصوّر إذن مانع من صحّة الاستعمال.

و منها: أنّه لو كان للدوام لكان مفاد قوله: «لا تفعل» لا تفعل في شي‏ء من الأوقات، فإذا قلت: «لا تفعل غدا» صار من قبيل تخصيص العامّ بأكثر من النصف و هو غير جائز. و ضعفه ظاهر ممّا عرفت، إذ أقصى الأمر حينئذ إسقاط قيد الدوام فلا يكون من تخصيص العامّ في شي‏ء.

و منها: أنّ «لا تفعل» مركّب من حرف و فعل و شي‏ء منهما لا يفيد العموم انفرادا قطعا، و الأصل عدم دلالة الهيئة التركيبيّة زيادة على ما هو من مقتضيات التركيب و لوازمه عقلا، و من الظاهر أنّ الدوام ليس منها.

و فيه: بعد الغضّ عن عدم جريان الأصل في مداليل الألفاظ أنّ أقصى ما يفيده ذلك عدم وضع الهيئة لإفادة الدوام، و أمّا عدم كون الدوام مدلولا التزاميّا له مع الإطلاق حسب ما بيّناه فلا، و يجري ذلك في دفع الوجهين الأوّلين أيضا.

[هل يدلّ النهي على الفور أم لا؟]

قوله: (لمّا أثبتنا كون النهي للدوام ... الخ) إذا قلنا بكون النهي موضوعا

41

لطلب ترك الطبيعة و قلنا بكون ذلك مستلزما للدوام لزمه الفور قطعا، و هو ظاهر، و أمّا إذا قلنا بدلالة صيغة النهي على جواز التراخي و وجوبه كما قد يقال بذهاب شاذّ إليه في الأمر كما مرّ فلا منافاة بينه و بين القول بدلالتها على الدوام، فإنّها إنّما تفيد الدوام على حسب الطلب الحاصل في المقام، فإذا كان الطلب على سبيل التراخي جوازا أو وجوبا كان الدوام الملحوظ فيه كذلك أيضا، سيّما إذا قلنا بكون دلالتها على الدوام على سبيل الالتزام، فإنّ دلالته على التراخي بحسب الوضع، فيكون الدوام المعتبر فيه تابعا للطلب الحاصل. فما ذكره من «أنّ القول بدلالتها على الدوام يستلزم القول بالفور» غير ظاهر على إطلاقه.

قوله: (و من نفى كونه للتكرار) لا يخفى أنّه لا ملازمة بين الأمرين المذكورين. فما ذكره من أنّ النافي للتكرار ناف للفور إن أراد به أنّه يلزمه ذلك- حسب ما ذكره في الصورة الاولى- فهو واضح الفساد و دعوى وضوح الوجه فيه أوضح فسادا. و إن أراد النافي للتكرار نافيا للفوريّة على سبيل الاتّفاق، ففيه أيضا أنّه خلاف الواقع. إذ الشيخ (رحمه اللّه) من النافين لدلالتها على التكرار و يقول بدلالتها على الفور كما ذهب إليه في الأمر، بل قال في غاية المأمول: إنّ من قال بأنّ النهي للمرّة قال بالفوريّة كما هو ظاهر من كلام بعضهم حيث صرّح بأنّ النهي لا يفيد إلّا الانتهاء في الوقت الّذي يلي وقت النطق بالنهي. انتهى.

***

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

معالم الدين:

أصل‏

الحقّ امتناع توجّه الأمر و النهي إلى شي‏ء واحد. و لا نعلم في ذلك مخالفا من أصحابنا. و وافقنا عليه كثير ممّن خالفنا. و أجازه قوم.

و ينبغي تحرير محلّ النزاع أوّلا فنقول:

الوحدة تكون بالجنس و بالشخص. فالأوّل يجوز ذلك فيه، بأن يؤمر بفرد و ينهى عن فرد، كالسجود للّه تعالى، و للشمس، و القمر. و ربّما منعه مانع، لكنه شديد الضعف، شاذّ. و الثاني إمّا أن يتّحد فيه الجهة، أو تتعدّد. فان اتّحدت، بأن يكون الشي‏ء الواحد من الجهة الواحدة مأمورا به منهيّا عنه؛ فذلك مستحيل قطعا. و قد يجيزه بعض من جوّز تكليف المحال- قبّحهم اللّه- و منعه بعض المجيزين لذلك؛ نظرا إلى أنّ هذا ليس تكليفا بالمحال، بل هو محال في نفسه؛ لأنّ معناه الحكم بأنّ الفعل يجوز تركه، و لا يجوز. و إن تعدّدت الجهة، بأن كان للفعل جهتان، يتوجّه إليه الأمر من إحديهما، و النهي من الاخرى، فهو محلّ البحث؛ و ذلك كالصّلاة في الدار المغصوبة، يؤمر بها من جهة كونها صلاة، و ينهى عنها من حيث كونها غصبا؛ فمن أحال اجتماعهما أبطلها، و من أجازه صحّحها.

44

لنا: أنّ الأمر طلب لايجاد الفعل، و النهي طلب لعدمه؛ فالجمع بينهما في أمر واحد ممتنع. و تعدّد الجهة غير مجد مع اتّحاد المتعلّق؛ إذ الامتناع إنّما ينشأ من لزوم اجتماع المتنافيين في شي‏ء واحد. و ذلك لا يندفع إلّا بتعدّد المتعلّق، بحيث يعدّ في الواقع أمرين، هذا مأمور به و ذلك منهيّ عنه. و من البيّن أنّ التعدّد بالجهة لا يقتضي ذلك بل الوحدة باقية معه قطعا؛ فالصلاة في الدار المغصوبة، و إن تعدّدت فيها جهة الأمر و النهي، لكن المتعلّق الذي هو الكون متّحد؛ فلو صحّت، لكان مأمورا به- من حيث انّه أحد الأجزاء المأمور بها للصلاة و جزء الجزء جزء و الأمر بالمركّب أمر باجزائه- و منهيّا عنه، باعتبار أنّه بعينه الكون في الدار المغصوبة، فيجتمع فيه الأمر و النهي و هو متّحد. و قد بيّنا امتناعه؛ فتعيّن بطلانها.

احتجّ المخالف بوجهين، الأوّل: أنّ السيّد إذا أمر عبده بخياطة ثوب، و نهاه عن الكون في مكان مخصوص، ثمّ خاطه في ذلك المكان، فانّا نقطع بأنّه مطيع عاص لجهتي الأمر بالخياطة و النهي عن الكون.

الثاني: أنّه لو امتنع الجمع، لكان باعتبار اتّحاد متعلّق الأمر و النهي، إذ لا مانع سواه اتّفاقا. و اللازم باطل؛ إذ لا اتّحاد في المتعلّقين. فانّ متعلّق الأمر الصلاة، و متعلّق النهي الغصب، و كلّ منهما يتعقّل انفكاكه عن الآخر، و قد اختار المكلّف جمعهما، مع إمكان عدمه. و ذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما اللتين هما متعلّقا الأمر و النهي، حتّى لا يبقيا حقيقتين مختلفتين؛ فيتّحد المتعلّق.

و الجواب عن الأوّل: أنّ الظاهر في المثال المذكور إرادة تحصيل خياطة الثوب بأيّ وجه اتّفق. سلّمنا، لكن المتعلّق فيه مختلف، فانّ الكون ليس جزء من مفهوم الخياطة، بخلاف الصلاة. سلّمنا، لكن نمنع‏

45

كونه مطيعا و الحال هذه. و دعوى حصول القطع بذلك في حيّز المنع، حيث لا يعلم إرادة الخياطة كيف ما اتّفقت.

و عن الثاني: أنّ مفهوم الغصب، و إن كان مغايرا لحقيقة الصلاة، إلّا أنّ الكون الذي هو جزؤها بعض جزئيّاته؛ إذ هو ممّا يتحقّق به. فاذا أوجد المكلّف الغصب بهذا الكون، صار متعلّقا للنهي، ضرورة أنّ الأحكام إنّما تتعلّق بالكلّيّات باعتبار وجودها [في ضمن الأفراد]، فالفرد الذي يتحقّق به الكلّيّ هو الذي يتعلّق به الحكم حقيقة. و هكذا يقال في جهة الصلاة، فانّ الكون المأمور به فيها و إن كان كلّيّا، لكنه إنّما يراد باعتبار الوجود. فمتعلّق الأمر في الحقيقة إنّما هو الفرد الذي يوجد منه، و لو باعتبار الحصّة التي في ضمنه من الحقيقة الكلّية، على أبعد الرأيين في وجود الكلّيّ الطبيعيّ.

و كما أنّ الصلاة الكلّيّة تتضمّن كونا كلّيّا، فكذلك الصلاة الجزئيّة تتضمّن كونا جزئيّا؛ فاذا اختار المكلّف إيجاد كلّيّ الصلاة بالجزئيّ المعيّن منها، فقد اختار إيجاد كلّيّ الكون بالجزئي المعيّن منه الحاصل في ضمن الصلاة المعيّنة. و ذلك يقتضي تعلّق الأمر به. فيجتمع فيه الأمر و النهي، و هو شي‏ء واحد قطعا؛

فقوله: «و ذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما، الخ»، إن أراد به خروجهما عن الوصف بالصلاة و الغصب، فمسلّم، و لا يجديه؛ إذ لا نزاع في اجتماع الجهتين، و تحقّق الاعتبارين؛ و إن أراد أنّهما باقيان على المغايرة و التعدّد بحسب الواقع و الحقيقة، فهو غلط ظاهر و مكابرة محضة، لا يرتاب فيها ذو مسكة.

و بالجملة فالحكم هنا واضح، لا يكاد يلتبس على من راجع وجدانه، و لم يطلق في ميدان الجدال و العصبيّة عنانه.

46

[اجتماع الأمر و النهي‏]

[بيان محلّ النزاع‏]

قوله: (الحقّ امتناع توجّه الأمر و النهي ... الخ.)

هذه المسألة أيضا من المسائل المتعلّقة بالأحكام، و لذا ذكرها هناك جماعة من الأعلام فلا ربط لخصوصيّة الأمر و النهي بمحلّ الكلام، و إنّما يناط البحث في المقام باجتماع الوجوب و التحريم في شي‏ء واحد، فترتبط المسألة بمباحث الأوامر و النواهي من جهة كون الوجوب و التحريم مدلولا للأمر و النهي على نحو غيرها من المقامين المتقدّمة، فالكلام في جواز اجتماع الوجوب و التحريم بأيّ لفظ وردا، هذا بالنظر إلى الكلام في الجواز العقليّ. و أمّا بالنسبة إلى الفهم العرفيّ الّذي هو أحد المقامين اللذين وقع البحث فيهما فإنّما تقدّم البحث في الظواهر و الإطلاقات دون النصوص و التصريحات، و سيجي‏ء الكلام أيضا في اجتماع سائر الأحكام بعضها مع بعض و اجتماع كلّ منها مع كلّ من الوجوب و التحريم و نحن نفصّل القول في جميع ذلك في آخر المسألة إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ نقول: إنّ الأمر و النهي إمّا أن يتعلّقا بشيئين أو بشي‏ء واحد، و على الأوّل فإمّا أن يكونا متباينين أو متساويين أو يكون بينهما عموم و خصوص مطلق مع تعلّق النهي بالأخصّ أو الأعمّ أو عموم من وجه، و على الأوّل فإمّا أن يكونا متلازمين بحسب الوجود أو متفارقين، أو يكون المأمور به ملازما للمنهيّ عنه أو بالعكس، و على الثاني فإمّا أن يكون تعلّق الأمر و النهي من جهة واحدة أو من جهتين، و الجهتان إمّا أن تكونا تعليليّتين أو تقييديّتين، أو يكون الجهة المأخوذة في المأمور به تقييديّة و الاخرى تعليليّة أو بالعكس، ثمّ إنّ الجهتين إمّا أن تكونا متباينتين أو متساويتين أو يكون بينهما عموم مطلق أو من وجه، و على فرض التباين يجري فيهما. و التلازم من الجانبين أو من جانب واحد. و التفارق حسب ما مرّ. ثمّ إنّ الوحدة الملحوظة في متعلّق الأمر و النهي إمّا أن تكون شخصيّة أو نوعيّة أو جنسيّة. و الوجوب و التحريم المتعلّقتين بالشي‏ء الواحد أو الشيئين إمّا أن يكونا نفسيّين أو غيريّين أو الوجوب نفسيّا و الحرمة غيريّا أو بالعكس، و إمّا أن يكونا أصليّين أو تبعيّين أو الوجوب أصليّا و الحرمة تبعيّا أو بالعكس، و إمّا أن‏

47

يكونا تعيينيّين أو تخييريّين أو الوجوب عينيّا و الحرمة تخييريّا أو بالعكس، و كذا يجري الكلام بالنسبة إلى العينيّ و الكفائيّ.

فهاهنا مسائل:

منها: ما لا إشكال فيه أصلا.

و منها: ما يقع فيه الإشكال و إن كان خارجا عن محلّ البحث في المقام و نحن نشير إلى الحال في جميع ذلك. فمن الصورة الاولى تعلّق الأمر و النهي بشيئين متباينين متفارقين في الوجود فإنّه لا إشكال في جوازه سواء كانا متعاندين كالصلاة و الزنا أو غير متعاندين كالصلاة و النظر إلى الأجنبيّة.

و منها: أن يتعلّقا بأمر واحد جنسيّ بالنظر إلى قيدين منوّعين له كعبادة اللّه تعالى و عبادة الصنم و هذا ممّا لا خلاف في جوازه و مرجعه إلى الصورة الاولى.

و منها: أن يتعلّقا بأمر واحد نوعيّ باعتبار قيدين مصنّفين له أو مشخّصين و لا تأمّل عندنا في جوازه و مرجعه أيضا إلى القسم الأوّل، إلّا أنّه قد يجي‏ء على قول من يجعل الحسن و القبح ذاتيّين للأفعال غير مختلفين بحسب الاعتبارات المنع من ذلك، كما سيجي‏ء الإشارة إليه في كلام المصنّف، و هو قول ضعيف كما فصّل الكلام فيه في محلّه، و تفريع ذلك عليه غير متّجه أيضا، كما سنشير إليه إن شاء اللّه.

و منها: توجيه الأمرين إلى شي‏ء واحد شخصيّ من جهة واحدة، و لا إشكال في المنع منه، كما سيشير إليه المصنّف (رحمه اللّه)، و كذا الحال إلى واحد نوعي أو جنسي من جهة واحدة فإنّ مآله إلى التوجيه إلى الواحد الشخصي.

و منها: تعلّقهما بشيئين متساويين و لا تأمّل أيضا في المنع منه، فإنّ ما يجب على المكلّف بحسب الخارج المتعلّق هو إيجاد المأمور به و ترك المنهيّ عنه، و المفروض اتّحادهما بحسب الوجود فيتّحد متعلّق الطلبين مضافا إلى عدم إمكان الخروج عن عهدة التكليفين.

و منها: أن يكون بين متعلّقهما عموم مطلق مع تعلّق الأمر و النهي بشي‏ء واحد من جهتين متلازمتين.

48

و منها: تعلّقهما بشي‏ء واحد شخصي أو نوعي أو جنسي من جهتين متلازمتين و إن كانت الجهتان مميّزتين لمتعلّق الأمر و النهي، إذ عدم الانفكاك بينهما في الوجود يقضي بامتناع الخروج عن عهدة التكليفين، فيكون توجيه الخطابين إلى المكلّف من قبيل التكليف بالمحال، إذ لا فرق في استحالة التكليف بالمحال بين التكليف الواحد و التكاليف العديدة. و منه يظهر الحال في امتناع تعلّقهما بشي‏ء واحد من جهتين مع ملازمة جهة الأمر لجهة النهي لا لاستحالة الخروج عن عهدة التكليفين- كما أشرنا إليه- و كذا الحال في تعلّقهما بشيئين متلازمين أو ما يلازم المأمور به منهما للمنهيّ عنه.

و منها: تعلّقهما بشي‏ء واحد من جهتين تعليليّتين و إن أمكن تفارق الجهتين، فإنّ تعدّد العلّة لا يقضي باختلاف المتعلّق، فلا فرق إذن بين الواحد الشخصي و غيره.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من المنع ظاهر بالنسبة إلى الوجوب العيني التعييني سواء كان نفسيّا أو غيريّا أصليّا أو تبعيّا، نعم لو كان وجوبه مشروطا بحصول الحرام المفروض فيما إذا تعدّد المتعلّق فلا مانع- حسب ما مرّت الإشارة إليه-.

و أمّا بالنسبة إلى الوجوب التخييري أو الكفائي فقد يقع فيه الإشكال، سيّما فيما إذا كان الوجوب تبعيّا أو غيريّا أو هما معا خصوصا إذا كان التحريم كذلك أيضا، و الحقّ فيه أيضا المنع، كما سنفصّل القول فيه إن شاء اللّه تعالى. و بعض الصور المذكورة هو موضوع البحث في المقام- على ما ذكره جماعة من الأعلام- و ستعرف حقيقة الحال فيه. هذا و بقيّة الوجوه المذكورة ممّا يقع الكلام في جوازها و منعها. و نحن بعد ما نفصّل القول في المسألة نبيّن الحال في كلّ من الوجوه المذكورة إن شاء اللّه تعالى.

قوله: (الوحدة قد يكون بالجنس ... الخ.)

المراد بالجنس هنا يعمّ النوع كما هو المتداول بين علماء المنقول و يشير إليه مقابلته بالوحدة الشخصية.

49

قوله: (و ربما منعه مانع لكنّه شديد الضعف ... الخ.)

الظاهر أنّه مبنيّ على القول بكون حسن الأفعال و قبحها ذاتيّا لها غير منفكّ عنها- حسب ما عزي إلى قدماء المعتزلة- لا بحسب الوجوه و الاعتبارات، فاذا ثبت الحسن أو القبح لطبيعة في ضمن بعض الأفراد كان منوطا بنفس الذات- أعني الطبيعة النوعيّة- فلا يمكن انفكاكه عنها بالعوارض المصنّفة أو المشخّصة، لأنّ ما بالذات لا يزول بالغير، و منه يعرف اختصاص المنع بالوحدة النوعيّة و لا يجري في غيرها، لكن المبنى المذكور ضعيف جدّا، فإنّ التحسين و التقبيح العقليّين يدور غالبا مدار الوجوه و الاعتبارات، كما سيجي‏ء الكلام فيه مفصّلا إن شاء اللّه تعالى، و مع الغضّ عن ذلك و تسليم كونهما ذاتيّين للأفعال فليس الأمر و النهي دائرا مدار ذلك قطعا، لوجوب الأمر بأقلّ القبيحين حينئذ عند دوران الأمر بينهما، فأيّ مانع إذا من أن يكون بعض أصناف الطبيعة المنهيّ عنها مأمورا به؟

فيرتفع النهي بالنسبة إليه لدوران الأمر بين ارتكاب القبح الحاصل فيه و ما هو أقبح منه و إن لم نقل حينئذ بانقلاب القبيح حسنا فتأمّل.

قوله: (و منعه بعض المجيزين لذلك نظرا إلى أنّه ... الخ) يمكن أن يقرّر كونه تكليفا محالا لا تكليفا بالمحال من وجوه:

أحدها: أنّ الوجوب مشتمل على جواز الفعل و عدم جواز الترك و الحرمة مشتملة على جواز الترك و عدم جواز الفعل، و جواز الفعل يناقض عدم جوازه كما أنّ جواز الترك يناقض عدم جوازه، فجنس الوجوب يناقض فصل الحرمة كما أنّ جنس الحرمة يناقض فصل الوجوب، فيكونان في اجتماع الحكمين في محلّ واحد من جهة واحدة اجتماع النقيضين من وجهين. و لو لوحظ اجتماع المجموع مع المجموع أعني نفس الحكمين كان من اجتماع الضدّين.

و يدفعه: أنّ مفاد الوجوب ليس إلّا مطلوبية الفعل على سبيل الحتم كما أنّ مفاد الحرمة هو مطلوبية الترك على الوجه المذكور، و من البيّن أنّه لا منافاة بين الطلبين من حيث أنفسهما، و استلزام مطلوبيّة الفعل لجوازه بحسب الواقع‏

50

و مطلوبيّة الترك كذلك أوّل المسألة، و القائل بجواز التكليف بالمحال لا يقول به.

ثانيها: أنّ إيجاب الشارع للفعل يفيد حسنه و نهيه عنه يفيد قبحه، فيلزم من اجتماع الأمر و النهي كذلك اجتماع الحسن و القبح في شي‏ء واحد من جهة واحدة و هو جمع بين الضدّين.

و يضعفه: أنّه إنّما يتمّ عند العدليّة القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين.

و أمّا الأشاعرة المجوّزون للتكليف بالمحال فلا يقولون به، و ليس مفاد الحسن عندهم إلّا ما تعلّق به أمر الشارع و القبيح إلّا ما تعلّق به نهيه، و لا يتفرّع على أمره و نهيه تعالى حسن عقلي للفعل و لا قبح كذلك، فإنّه كما ينكر الحسن و القبح العقليّين مع قطع النظر عن أمر الشارع و نهيه كذا ينكرهما بعد تعلّق الأمر و النهي أيضا، بل ينكر ذلك و لو على فرض تسليمه للأوّل، حيث إنّه يمنع وجوب شكر المنعم الحقيقي على فرض تسليم الحسن و القبح العقليّين، فلا يحصل للفعل من تعلّق أمر الشارع به إلّا كونه مأمورا به و لا من تعلّق النهي به سوى كونه منهيّا عنه، و هو مفاد الحسن و القبح الشرعيّين عنده. و من البيّن أنّه لا تضادّ بين الأمرين المذكورين بحسب أنفسهما ليلتزم القائل بجواز التكليف بالمحال بالمنع منه.

نعم لا يمكن ذلك عند العدليّة القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين.

ثالثها: أنّ اجتماع الأمر و النهي يقتضي اجتماع الضدين بالنظر إلى الآمر فإنّ الآمر مريد للفعل كما أنّ الناهي مريد للترك، و اجتماع الإرادتين بالنسبة إلى شي‏ء واحد في زمان واحد اجتماع للضدّين.

و يدفعه: أنّه إنّما يتمّ إذا قلنا باشتمال الأمر و النهي على إرادة الفعل و الترك و ليس الحال كذلك عند القائل المذكور، إذ ليس الأمر و النهي عندهم إلّا نوعين من الطلب، و الطلب عندهم يغاير الإرادة النفسيّة، إذ ليس الطلب عندهم إلّا نفس الاقتضاء الإنشائي الحاصل بالأمر و النهي دون الإرادة النفسيّة الحاصلة مع قطع النظر عن الأمر و النهي، و قد مرّ بيان ذلك في مقامات عديدة. هذا على مذهب هؤلاء الجماعة. و قد عرفت أنّ التحقيق عندنا اتّحاد الطلب و الإرادة الفعليّة

51

التشريعيّة الحاصلة بإنشاء الصيغة و إثبات التضادّ بين هاتين الإرادتين محلّ نظر، إلّا على قواعد العدليّة من ثبوت التحسين و التقبيح العقليّين. فظهر ممّا قرّرنا أنّه لا مانع من اجتماع الحكمين المذكورين في شي‏ء واحد من جهة واحدة على قواعد الأشاعرة. فالّذي ينبغي أن يقال به على اصولهم هو الجواز، فما عزي إلى جماعة منهم من القول بالمنع غير متّجه على اصولهم. و أمّا على اصول العدليّة فلا يجوز ذلك مع قطع النظر عن امتناع التكليف بالمحال عندهم، لكونه حينئذ تكليفا محالا حسب ما قرّر من الوجهين الأوّلين، إذ لا مجال للمناقشة فيهما على اصول الجماعة، نعم لا يتمّ الوجه الآخر على اصولهم أيضا إلّا مع القول باتّحاد الطلب و الإرادة النفسيّة، كما هو ظاهر من كلامهم كما مرّ، إلّا أنّه موهون بما فصّلنا القول فيه في محلّه.

قوله: (لأنّ معناه الحكم بأنّ الفعل يجوز ... الخ.)

كأنّه إشارة إلى الوجه الأوّل و هو اجتماع الجواز و عدمه في شي‏ء واحد فإنّ حكم الشارع بالجواز و عدمه في شي‏ء واحد يقتضي ثبوتهما بحسب الواقع لعدم جواز الكذب عليه تعالى فيلزم الجمع بين الضدّين.

و أنت خبير: بأنّه بعد تسليم إرجاع الأمر و النهي إلى الحكمين الخبريّين أنّهم لا يثبتون الكذب عليه تعالى بناءا على اصولهم، فلا يقتضي حكمه بثبوت الضدّين وجودهما بحسب الواقع ليلزم المحال. و قد يقال: إنّ المراد لزوم حكمنا بثبوت الجواز و عدمه يعني أنّ اللازم من اجتماع الأمر و النهي ثبوت المتنافيين- حسب ما أشرنا إليه- فينطبق على الوجه الأوّل و قد عرفت ما فيه.

قوله: (فهو محلّ البحث في المقام.)

لا يخفى أنّه لا فرق في ذلك بين تعلّقهما بواحد شخصي أو كلّي إذا لم يكن هناك ما يميّز مورد الأمر عن مورد النهي بأن يجعلهما شيئين، و مرجع ذلك إلى الواحد بالشخص كما مرّت الإشارة إلى نظيره.

ثمّ إنّ المختار عند جماعة من المتأخّرين في تحرير مورد النزاع- حسب‏

52

ما يستفاد من الدليل الآتي- أنّ البحث في تعلّق الأمر و النهي بكلّيين يكون النسبة بينهما عموما من وجه و أنّ ذلك هل يقتضي تقييد أحدهما بالآخر؟ فيكون المأمور به و المنهيّ عنه غير مورد الاجتماع، أو أنّه لا حاجة إلى الالتزام بالتقييد؟ بل يؤخذ بمقتضى الإطلاقين غاية الأمر اجتماع المأمور به و المنهيّ عنه في مورد اجتماع الطبيعتين.

و أمّا توارد الأمر و النهي على خصوص الفرد فلا يصحّ و لو تعدّدت جهتا الأمر و النهي، إذ بعد فرض تعلّقهما بخصوص الشخص لا يجدي تعدّد الجهة، و لذا نصّ بعضهم بابتناء النزاع في المقام على تعلّق الأمر و النهي بالطبائع أو الأفراد فيقال بالجواز على الأوّل و يتعيّن المنع على الثاني.

فعلى هذا يشكل الحال فيما قرّره المصنّف في بيان محلّ النزاع، إلّا أنّ ما ذكره موجود في كلام جماعة من الاصوليّين منهم العلّامة في النهاية و القاضي عبد الوهّاب في جمع الجوامع و الزركشي في شرحه و الآمدي و الحاجبي و العضدي حيث حرّروا محلّ النزاع على الوجه المذكور، و يمكن الجمع بين الوجهين و إرجاع أحدهما الى الآخر، بأن يقال: إنّ المقصود من تعلّق الأمر و النهي بالواحد الشخصي من جهتين هو تعلّق التكليفين المفروضين بالفرد بملاحظة الجهتين الحاصلتين فيه، فيكون المطلوب بالذات فعلا أو تركا هو نفس الجهتين، و يكون الفرد مطلوبا كذلك تبعا بملاحظة حصول الجهة المفروضة فيه و انطباقها عليه سراية من الجهة المفروضة إلى الفرد. و هذا بعينه مقصود الجماعة من المتأخّرين من تقرير النزاع في بقاء إطلاق التكليفين عند تعلّقهما بالطبيعتين اللتين بينهما عموم من وجه، لاجتماع الأمر و النهي حينئذ في الفرد الّذي يكون مصداقا للطبيعتين من الجهتين المفروضتين. فإن شئت قلت: إنّه هل يجوز تعلّق الأمر و النهي بالفرد الواحد من جهة تعلّقه بالجهتين الحاصلتين فيهما- أعني الطبيعتين المفروضتين- أولا؟ و إن شئت قلت: إنّه لو تعلّق الأمر بالطبيعتين اللتين بينهما عموم من وجه فهل يبقيان على إطلاقهما ليكون المكلّف آتيا بالمأمور به و المنهيّ‏