رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - ج1

- كارستن نيبور المزيد...
398 /
5

الجزء الأول‏

المحتويات‏

المقدمة 11

الرحلة من كوبنهاغن إلى القسطنطينية 15

ملاحظات من القسطنطينية 30

الرحلة من القسطنطينية إلى الإسكندرية 39

ملاحظات من الإسكندرية 44

الرحلة من الإسكندرية إلى القاهرة 52

رحلة دمياط، و العودة إلى القاهرة 57

ملاحظات حول خط سير الرحلة بين الرشيد، و القاهرة و دمياط 66

أسماء المدن و القرى التي ذكرها السيد فورسكال خلال رحلته من القاهرة إلى الإسكندرية 81

مواقع بعض المدن المصرية القديمة 83

وصف القاهرة، و بولاق، و مصر العتيقة و الجيزة 90

سكان مدينة القاهرة و شكل الحكم و التجارة فيها 106

الآلات التي تعمل على الماء، الطواحين، معاصر الزيت، آلات الزراعة، أفران النشادر و آلات تفقيس البيض في مصر 117

لباس أهل الشرق 127

التمارين و التسليات التي يقوم بها الشرقيون في أوقات فراغهم 141

6

آثار مصر 158

سير الرحلة من القاهرة إلى السويس، و إلى جبل سيناء 184

الرحلة من السويس إلى جدة 218

ملاحظات في جدّة 231

الرحلة من جدة إلى مخيّة 241

رحلة من مخيّة إلى بيت الفقيه 261

رحلة من بيت الفقيه إلى غلفقة و الحديدة و الزبيد و التحيتا(Tahate) و القحمة(Kahhma) و هدية و إلى الجبال المنتجة للبنّ 269

سير الرحلة من بيت الفقيه إلى عدن، و جبلة و تعز و حاس 281

الرحلة من بيت الفقيه إلى المخا 293

الرحلة من المخا إلى تعز 302

الرحلة من تعز إلى صنعاء 315

الرحلة من صنعاء إلى المخا 341

سير الرحلة من المخا إلى بومباي 353

سير رحلة هولندي في مناطق يمنية لم تذكر في الصفحات السابقة 359

ملاحظات حول الجو في كل من القسطنطينية و القاهرة، و شبه الجزيرة العربية و بومباي 365

7

رائحة اللوحات‏

فهرس اللوحات الصفحة

1- منظر الشواطى‏ء قرب جبل طارق و سبتة(Ceuta) 23

2- منظر لمدينة مرسيليا 25

3- خارطة مدينة القسطنطينية، و غالاتا(Galata) ، و صودار(Scudar) 33

4- كتابات هيروغليفية على مسلّة في القسطنطينية 36

5- قياس بعض المسلّات و أهرام مصر 47

6- منظر لمدينة الرشيد 53

7- خارطة مدينة دمياط 59

8- منظر لمدينة دمياط 62

9- قلعة على مصب النيل 64

10- بعض الآثار المصرية 85

11- منظر لباب الفتوش، أحد أبواب القاهرة 94

12- مخيم الحجاج قبل انطلاقهم إلى مكة 100

13- بعض الآلات المائية في مصر 118

14- رسم و صورة لطاحون في القاهرة 120

15- صورة لفرن ملح النشادر، و آلات أخرى مختلفة 122

16- صورة فرن، لتفقيس البيض 124

8

17، 18، 19، 20- لباس الرأس عند الشرقيين 129، 131، 133، 134، 136

22- لباس نساء الإغريق في الإسكندرية 139

23- ألعاب الشرقيين المختلفة 143

24- الآلات الموسيقية عند الشرقيين 147

25- رسم للراقصات في القاهرة 151

26- رسم لموكب عرس في القاهرة 155

27- رسم لعرب مصر 160

28- كتابات هيروغليفية على صندوق قرب قلاع الكبش 166

29، 30، 31، 32، 33- كتابات هيروغليفية على صندوق من الرخام في بولاق 168، 170، 172، 173، 175

34- كتابات هيروغليفية على مسلّات مكسورة 176

35، 36- كتابات هيروغليفية على أوان صغيرة من المرمر 177، 178

37- كتابات هيروغليفية و رموز على صندوق مومياء 179

38- كتابات هيروغليفية نقشت على الخشب و الحجر 180

39- رموز و أشكال من الكتابات الهيروغليفية 182

40- رسم لبعض الآلهة عند المصريين 183

41- منظر للصخور في الطريق نحو جبل سيناء 196

42- موقع الدير على جبل سيناء، و إحدى المقابر 199

43، 44- كتابات هيروغليفية على مقابر في الصحراء 202، 206

45، 46- منظر للدير على جبل سيناء 208، 209

47، 48- كتابات على طريق السويس نحو جبل سيناء 212، 214

49- منظر لمدينة السويس و الطور(To ?r) 216

50- محيط الطور 221

51- منظر لمدينة ينبع(Janbo) و لمدينة جدّة 227

9

52- صورة لحاج تركي 228

53- خارطة مدينة جدة 235

54- صورة لصياد في جدة 239

55- صورة لامرأة من جدة 242

56- وضع مدينة ينبع و القنفذة(Ghچ‏nfude) 247

57- صورة لامرأة عربية من تهامة 254

58- خارطة لمدينة مخيّة 257

59- منظر لمدينة بيت الفقيه و محيطها 262

60- خارطة لمدينة بيت الفقيه و محيطها 267

61- منظر في محيط قرية بلقاص(Bulg ce) ، و للجبال التي تنتج البن 278

62- صورة لامرأة عربية من الجبال المنتجة للبن 279

63- منظر لهدية(H die) . 282.

64- خارطة مدينة تعز 305

65- منظر لمدينة تعز 306

66- منظر لقصر يريم، و لمنزل في بير القصب 329

67- تصوير لجلسة بحضور إمام صنعاء 331

68- خارطة لمدينة صنعاء 338

69- لباس أصحاب الشأن من العرب في اليمن 339

70- وضع مدينة المخا(Mochha) و مرفئها 346

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدمة

شغلت هذه الرحلة الشهيرة حيّزا مهما في التاريخ الأدبي لقرننا هذا، حتى أن إحدى الإمم التي حاولت أن تستأثر بالفنون و العلم حسدت عظمة هذه الرحلة. و اهتم علماء البلاد قاطبة بنجاح هذه المهمة فحاولوا قطف ثمارها دون أن يقاسمونا مخاطرها. و عاد السيد نيبور وحده من شبه الجزيرة العربية من بين الخمسة الذين تشرفت الدانمارك بإرسالهم بكنوز علمية أهم من فروة كولشيد الذهبية الشهيرة، و قد حاول بعض النمامين الحسّاد الادعاء أن موت زملاء الأول أودى بثمار الأبحاث كافة، لكن ما إن أصدر وصفه لشبه الجزيرة العربية حتى سارع العلماء البارزون إلى مدحه و الثناء على ملاحظاته المفيدة و البنّاءة.

و لا يجهل أحد في عالم الأدب انطلاقة هذه الرحلة و تطوراتها و نتائجها، كما نجد هذه المعلومات مفصلّة في مقدمة أسئلة السيد ميكائيليس و مقدمة وصف شبه الجزيرة العربية، مما دفعنا إلى الاكتفاء بما لم يرد في مقدمة الأعمال السابقة التي انتشرت و نالت الإعجاب.

استهل السيد نيبور عمله بالإشارة إلى أن «سكان اليمن، أي سكان الجزء الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، الذي يعرفه الأوروبيون باسم العربية السعيدةFelix Anabia ، كانوا في العصور الغابرة متحضرين و مشهورين بتجارتهم مع الأجانب». و أضاف إن «هذا البلد لا يزال الأهم بنظر العلماء، لذا استحق أن يعرف بدقة أكبر. و كنا قد استفدنا من اللغة العربية في ترجمة مقاطع عدة من الكتاب المقدّس، لكن هذه اللغة تنقسم إلى لهجات محلية عدّة شأنها في ذلك شأن اللغات القديمة المستخدمة في بلاد شاسعة، و تبقى لهجة اليمن لغزا يحيّر علماء أوروبا. و يمكن لشبه الجزيرة العربية أن تشكل حقلا واسعا للاكتشافات بالنسبة لعلماء الطبيعيات، فقد يجد مترجمون في الأسماء التي يطلقها العرب على النبات و الأحجار و غيرها تفسيرا لأسماء كثيرة وردت في الكتاب المقدس. و تحصد الجغرافيا فوائد عدة من رحلة كهذه، إذ تكثر عندنا الكتب العربية القديمة حول التاريخ و الجغرافيا التي ينبغي معرفة وضع الجزيرة الحالي لفهمها، كما أتت الكتابات المقدّسة

12

على ذكر مدن عربية عدة. و يمكننا ذكر أسباب أخرى، جعلت محبي العلوم يتمنون أن تقوم بعثة علماء برحلة كهذه».

و بعد ذكر أسباب الرحلة و نتائجها في مقدمة وصف شبه الجزيرة العربية، يضيف الكاتب: «بالرغم من أن الموت غيّب رفاقي، فلا ينبغي اعتبار أعمالهم و كأنها هباء منثورا، إذ إن السيد فورسكال قد قام بعمل جبّار حتى مرض، و زوّدني بمعلومات مهمّة حول التاريخ الطبيعي، كما ترك السيد دي هافن معلومات دقيقة حول الرحلة من كوبنهاغن إلى القاهرة، و من السويس إلى جبل سيناء».

و يضيف السيد نيبور: «إن الذين يقرؤون العمل للتسلية و إزجاء الوقت، يستمتعون حين يروي المسافر قصصا هزلية عن طريقة حياة الغرباء، و عن المصاعب التي واجهها الخ». و يعترف قائلا «إن هذا أكثر إمتاعا من وصف جاف للمدن و الطرقات التي مرّت بها البعثة، و ليسهل علي جمع عدد كبير من هذه القصص اللافتة و الممتعة، فلقد تكبّدت مشقة كبيرة حين رسمت خرائط المدن و وضعت تفاصيل الطرق. لكن محاولة تسلية القارى‏ء ستدفعني إلى إهمال الأبحاث المفيدة هدف الرحلة. لكني لم أتمكن من كبت شعوري حين وجدت أن العرب لا يقلّون إنسانية عن الأمم الأخرى التي تدّعي الأدب و التهذيب، و لقد أمضيت في البلاد التي زرتها (كما ينبغي أن يتوقع كل مسافر) أياما ممتعة و أخرى مزعجة. و كنت قد كلّفت دراسة الجغرافيا، و الذين يعرفون هذا الميدان، يقدرون ما ينبغي تكبّده من متاعب لجمع معلومات في بلد غريب، و لا يجهلون أهمية مهمتي، و بالتالي يستطيعون إطلاق حكم سليم حول مدى إنجازي لها».

و أدرج السيد نيبور في نهاية عمله، رواية رحلات المرتد الهولندي الذي جال في مناطق عدة من اليمن و هي المناطق التي لم يتمكن من زيارتها بنفسه، ثم أتت ملاحظاته حول الجو لاحقا، على أن يتركها للجزء الثاني، و هي ملاحظات سجلها بين كوبنهاغن و بومباي.

ثم تواجه عالمنا مع عدد من الصحافيين الذين أوردوا مقتطفات من عمله، فأثنى على الذين تحدثوا عنه بإنصاف و عقلانية و منطق، و لكنه لم يتوان عن تشبيه الذين أطلقوا عليه حكمهم- دون أن يسمعوه- بالسراج(Seradji) ، فقال: «لا يحق لهم أن ينصبّوا حكّاما شرعيين على الآداب، على غرار السراج بين قضاة مصر». و استفاض بلوم الصحافي دي لمغو(de Lemgo) الذي أسند إليه ملاحظات بعيدة كل البعد عن تلك التي عرضها، و قد أورد أمثلة عدة على ذلك. يقول الصحافي «نستنتج من روايات الكاتب أن الجو في شبه الجزيرة أقل صفاء من جو أوروبا، و أنّ أهل الزوج يعتبرون الزوجة إرثا لا ينتقل إلى أيد غريبة، و أنّ بطليموس لم يلغ لغة الفراعنة كما فعل بلغة الأقباط، و أنّ القرآن كتب على الأرجح بأحرف قبطية، و أنّ الأفاعي خطيرة بوجه الإجمال في شبه الجزيرة، و أن العرب لا يحتاطون من البرص انطلاقا من قناعة دينية، و أن المنّ يكثر بعد تساقط الأمطار بغزارة، و أنّ الخصوبة تضاعف بألف، الخ ...». و إن راجعنا

13

وصف شبه الجزيرة العربية، لكونّا فكرة مغايرة عن الموضوع. و يبرهن كاتبنا بفصاحة أن مقتطفات كهذه تسي‏ء إلى العمل، و يجب ألا تقتضب أقوال كاتب بهذه الطريقة العنيفة، و ينبغي أن نتوقع أن يقوم البعض بإسدال ستار خداع على أسلوب كتاب يريدون مدحه، انطلاقا من تحيز أعمى و متصلّب، فيما يقوم آخرون بالسخرية من العمل عبر إظهار نقاط ضعفه و حسب. و للردّ على هؤلاء، طلب السيد نيبور من السيد ميكائيليس إصدار حكمه، و يبدو لنا أنّ هذا الأخير أجدر الناس بالحكم على العمل لاطلاعه، و بالتالي يمكننا إلقاء نظرة على المقتطف الذي كتبه عن وصف شبه الجزيرة العربية و الذي ورد في آخر أسئلته.

نأمل أن يلاقي هذا العمل إعجاب القراء. و أن يسعى أبناء عصرنا وراء الاكتشافات العظيمة، و أن يهتموا بالأمور المفيدة، و لا نشك في أنّ كتابا كهذا يسلّط الضوء على جزء من الكرة الأرضية مثير للاهتمام و مجهول، لذا سيلاقي بين هواة المعلومات الحقيقيين التقدير و الإعجاب.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الرحلة من كوبنهاغن إلى القسطنطينية

إلى القسسطنطينية

اجتمعت بعثتنا التي أعدّت العدة للسفر إلى شبه الجزيرة العربية في كوبنهاغن، و تلقت الأمر من الملك بالتوجه إلى أزمير على متن أسطول حربي فركبنا السفينة في 4 كانون الثاني 1761. و تبين لنا أولا أننا نتمتع بكافة وسائل الراحة و التسلية الممكنة أثناء هذه الرحلة. و كانت السفينة بقيادة السيد هنري فيشر، فجهز لنا غرفتين واسعتين بقدر ما تسمح به السفينة، و اعتدنا تناول طعام الغداء و العشاء في غرفة القبطان، و قد برهن هذا الأخير فضلا عن ضباط الطاقم عن لطف و تهذيب فائقين. و لقد اضطررنا إلى البقاء في المرفأ ليومين بانتظار رياح مؤاتية فلم نبحر إلا في السابع من شهر كانون الثاني، ففي ذاك اليوم هبّت رياح جنوبية مواتية لكنها كانت هادئة فبلغنا بصعوبة مرفأ هلسنيوري(Helsingo ?r) عند المساء بالرغم من التيار. و في الأيام التالية، استحالت الرياح قوية، و بالرغم من أننا رفعنا الأشرعة في 4 كانون الثاني، لم تدم الرياح المواتية طويلا، فهبّت في الليلة التالية عاصفة هوجاء استمرت دون توقف حتى صباح السادس عشر من الشهر نفسه. و دهمنا في هذا الوقت خطر شديد، فالجو مظلم، و قد استحال علينا تحديد موقعنا بسبب التيار الذي يتجه في الكاتغيت(Kattegat) تارة نحو الشمال و طورا نحو الجنوب. و في صباح السادس عشر من كانون الثاني، خشينا أن نكون قرب شواطى‏ء السويد، لكن الشمس التي بانت قليلا عند الظهر سمحت لنا بتحديد موقعنا قرب جزيرة ليسويه(Lesso ?e) . و بما أن الريح لم تكن مواتية، عاد الجو مظلما من جديد، قررنا في السابع عشر العودة إلى هلسنغر، فوجدنا في المرفأ السفن التي غادرته معنا، و اعتقدنا

16

أن السفن التي لم تعد إما التجأت إلى مرافى‏ء أخرى أو غرقت. و عند ما غادرنا هلسنيوري، عبرنا سوند(Sund) ، أطلقنا ثلاث طلقات مدفع تحية، ردّت، عليها قلعة كورنبرغ(Corenberg) بثلاث طلقات، و قلعة هلسنيوري بأربع طلقات، فالسويديون يحيون بطلقات مزدوجة، فيما يحيي الدنماركيون بطلقات مفردة، لكن هذه العادة لم تتبع عند عودتنا، لأننا حاولنا مرارا المغادرة، فالأساطيل الحربية التي تمرّ في سوند لا تحيي إلا في المرة الأولى التي تبحر فيها و بعد العودة من رحلتها.

و لقد حرصت في الرحلات كلها على قياس ارتفاع القطب عند الظهر و في المساء، و استخدمت لهذه الغاية ثمنية (1) هادلي(Hadley) . و للملاحظات المسجلة فوق البحر فائدة كبرى و إن كانت لا تتمتع بدقة تلك التي تسجل على الأرض و بالتحديد حين يكون الطقس شتاء حيث لا ترتفع الشمس كثيرا فوق الأفق. و يمكننا تحديث الخرائط الجغرافية و البحرية و جعلها أكثر دقة إذا ما تأكدنا من موقع الأماكن الرئيسة و يسعدني أني تمكنت من تحديدها بدقة كبيرة، و لكن لا جدوى من إدراج الملاحظات و الحسابات الفلكية التي سجلتها في عرض البحر هنا، و سأكتفي بذكر تلك التي سجلتها قرب الشواطى‏ء و أولها في 18 كانون الثاني حيث كنا قرب هلسنيوري جنوبا. و حدّدت ارتفاع القطب على 55؟ 57؟، و كانت الإبرة الممغنطة تميل 14 درجة نحو الشمال.

ثم في 26 كانون الثاني (يناير) غادرنا هلسنيوري للمرة الثانية، و كانت الرياح مواتية، و في اليوم التالي حل الضباب طيلة النهار فرأينا في الشمال عند الظهر قوس قزح ضبابيا، لا يختلف عن القوس قزح العادي إلا بكونه أبيض و من غير ألوان. و عند ظهر اليوم التالي، في 28 كانون الثاني، تبين لي أن ارتفاع القطب يبلغ 57؟ 74؟، و استنتجت ذلك من انحراف الإبرة الممغنطة التي تميل في هذا المحيط نحو الشمال إلى 14 درجة و نصف. و حين يبعد المكان الذي نحاول تحديد ارتفاع القطب منه، ينبغي التحلي بنظرة ثاقبة و خبرة لتحديد المسافة الفاصلة بين المكان و السفينة، و بما أنها رحلتي الأولى راجعت الضباط و الملاحين مرارا لأنهم أصحاب خبرة أكثر مني في هذا الميدان. و اعتبروا أننا نبعد 3 أميال و نصف عن مارشراند(Marstrand) ، لذا، تم تحديد ارتفاع قطب قلعة مارشراند على 57؟ و 49؟، فيما قطب صكاغن(Skagen) على 57؟ و 38؟ حسب تقديرنا.

و ساعدتنا الرياح حتى أواخر كانون الثاني (يناير)، فتمكنا من اجتياز الكاتغيت(Kattegat) و وصلنا بحر الشمال. و في بداية شهر شباط (فبراير) عاكستنا الرياح، و عصفت بقوة في 2 شباط (فبراير) و الليلة التالية حتى أننا لم نجرؤ على إشغال النار في السفينة. لكننا جالدنا، لأننا علمنا أنه لا بد من تحمل هذه المشقات في البحر، و تأسفنا لفقداننا أحد البحارة بعد أن وقع عن السفينة و لم نتمكن من إنقاذه بسبب الظلام الدامس و الأمواج العاتية. و هدأت العاصفة، لكن الرياح بقيت معاكسة فتراجعنا بدلا من أن نتقدم.

____________

(1) آلة قياس.

17

و صعد على متن السفينة في 5 و 6 شباط/ فبراير ربّان من براكفياد(Brackefiad) و آخر من فلكرو(Fleckero ?e) ، لكن قائد السفينة رفض المساعدة التي عرضاها عليه لاعتقاده بأن السفينة في مأمن و لا داعي للجوء إلى أيّ مرفأ. و في 8 شباط/ فبراير تعرّضنا لعاصفة هو جاء أخرى، و طلبنا المساعدة، فما لبثنا أن رأينا مركبا صغيرا يتجه نحونا من الشاطى‏ء، لكن العاصفة ازدادت حدة و تساقطت الثلوج بغزارة فاضطررنا إلى العودة نحو عرض البحر و لم نعد نرى المركب. و استمرت الرياح تعصف في اليوم التالي، و لم نعد نتوقع تحسنا في حال الطقس، أو نأمل باللجوء إلى أحد مرافى‏ء النروج، فاجتزنا بحوالي 30 ساعة المسافة التي أخذت منا 15 يوما عند الانطلاق، فرسونا في 10 شباط/ فبراير قرب حصن كروننبرغ(Cronenburg) .

في 12 شباط/ فبراير، تبين لي أن ارتفاع القطب، على بعد ربع ميل إلى الجنوب من كرننبرغ هو 55؟ و 59؟، لذا نستنتج أن ارتفاع قطب هذه القلعة الواقعة إلى الشمال و قرب مدينة هلسنيوري هو 56؟.

و عانى البحارة الأمرّين من جراء الطقس الردي‏ء، فمات بعضهم و مرض بعضهم الآخر، و بما أنه لا يجوز القيام برحلة طويلة كهذه مع كل هؤلاء المرضى، كتب قائد السفينة إلى كوبنهاغن طالبا النصح، فتلقى الأمر بالعودة. و في أثناء ذلك، تحوّلت الرياح جنوبية- شرقية و جنوبية كما تمنينا منذ فترة، فأرسلوا إلينا بسرعة المزيد من المؤن و البحارة كي لا نتأخر. لكن يبدو أنه كتب علينا أن نكون لعبة في يد الرياح التي عصفت غربا قبل أن نتمكن من رفع المرساة. و يدّعي البعض أن الهواء في هذا المحيط يعصف من الجهة الغربية للهاجرة خلال تسعة أشهر من السنة، و هذا الأمر محتمل للغاية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار كم أرجأت هذه الرياح رحلتنا.

و أصيب رفاقي الأربعة بدوار البحر، لكنهم رفضوا ترك المركب باستثناء السيد دي هافن الذي لم يتأقلم مع السفر بحرا. و بما أن السفينة سترسو في مرسيليا، طلب إذنا من الملك كي يسافر إلى هذه المدينة برا، و ما إن حصل على الإذن حتى غادر السفينة في 17 شباط/ فبراير. و لم أعان كالآخرين لأنني لم أصب بدوار البحر حتى خلال العواصف الهوجاء، كما سلّمت أمري للرب و اتكلت على مهارة ضباطنا و بحارتنا، فكنت آوي إلى فراشي كلما هبّت عاصفة في حين كان هؤلاء يجاهدون للحفاظ على السفينة رغم البرد و المطر و الرياح.

و في 19 شباط/ فبراير مساء، تركنا مرفأ هلسنيوري للمرة الثالثة، آملين أن تساعدنا الرياح المواتية، لكن ما إن وصلنا صكاغن(Skagen) ، حتى تحولت الرياح إلى غربية و أجبرتنا على الإبحار في قناة الكاتغيت.

و في 22 ظهرا، كان رأس كول(Kull) على بعد خمسة أرباع الميل إلى الشرق، و كان ارتفاع القطب 56؟ و 20؟، و بالتالي ارتفاع قطب الرأس 56؟ و 19؟؛ و عند المساء، ألقينا المرساة قرب هلسنغر.

منذ غادرنا كوبنهاغن، قطعنا 450 ميلا لكننا لم نقترب من البحر المتوسط إلا 4 أميال، و نكتشف مما

18

تقدم المخاطر التي يتعرض لها من يسافر بحرا و كم يصعب على البحار تحديد زمن وصوله و لا سيما في هذه المناطق الشمالية حيث الرياح غير منتظمة بعكس المناطق المدارية.

و استأنا لعودتنا للمرة الثالثة، لكن ما لبثنا أن سررنا لوجودنا في مرفأ لأن عاصفة هو جاء هبّت في اليوم التالي، فحمتنا الشواطى‏ء من غضب الطبيعة، لكننا اضطررنا إلى إنزال عارضات الصاري و الصواري كي لا تعاني السفينة من الرياح العاتية. و أخذت الأمواج تلطم السفينة بعنف كما لو كنا في بحر الشمال، فأنزلنا مرساة ثالثة خوفا من ألّا تكفي الأوليان لإيقاف الباخرة. و هبّت الرياح من الغرب و دامت حتى الخامس من شهر آذار/ مارس ثم هدأت تدريجيا.

كان لا بد لنا، بحسب تقديرنا و بحسب يوميات المسراع‏ (1)، من أن نتقدم أكثر نحو الشمال عند مغادرتنا، و نحو الجنوب عند عودتنا، فراقبت المسراع، و تبين لي أن خطه قصير بعض الشي‏ء و أن الرمل لا يسيل إلا 29 دقيقة، و اعتقدت أن في الأمر خطأ ما، لكن تبين أن البحارة قلصوا خط المسراع عمدا لأنه يتمدد لاحقا بعد الاستعمال، و بالتالي يتم تصحيح الخطأ الناتج عن قصره تلقائيا. أما سبب عدم سيلان رمل النصف دقيقة 30 ثانية فيعود إلى عدم إمكانية إيقاف الخط في الوقت المحدد الذي تعطى فيه الإشارة و لا سيّما حين تكون السفينة مسرعة. إذا، لهذه التصحيحات فائدتها، خاصة في عرض البحر و حين تكون الرياح مواتية، و تجعل البحار أكثر انتباها حين يخشى المرور في مكان خطر، أو حين يدفع التيار السفينة بشكل ملحوظ. لكن حين تكون القناة ضيقة كالكاتغيت، و حين تعاكس الرياح سير السفينة كما حصل معنا، قد تؤدي هذه الوسائل إلى نتائج غير محمودة، لأننا نردّ الخطأ عادة إلى قوة التيار و تنوعه. و مهما حاولنا اتباع القواعد الواردة في كتب الملاحة بدقة، تطالعنا صعوبات جمّة عمليا فلا يمكننا تحديد مكان تواجدنا بدقة حين تتعدد الرياح المعاكسة. و حريّ بالملاحين اعتماد الملاحظات الفلكية للتأكد من تقديراتهم، فمراقبة القمر تسمح بتحديد خط الطول في عرض البحر بدقة. و اعتمد البروفسور ماير هذه الطريقة التي تنتشر بين الإنكليز، فقد صادفت في بومباي ربّان سفينة و بحارا من مركبين مختلفين تابعين لشركة الهند الغربية يستعملان هذه الطريقة بنجاح كبير. و قد قمت بنفسي بدراسات عدة خلال الرحلة، فأرسلتها من مرسيليا إلى البروفسور ماير الذي سعد بتلقيها، و أمر بإرسالها إلى إنكلترا و هو على فراش الموت ليبرهن فائدة ألواحه القمرية. و طبعت هذه الدراسات في إنكلترا مرفقة بلوائح السيد ماير المصححة.

في 10 آذار/ مارس غادرنا مرفأ هلسنيوري للمرة الرابعة، و عند الظهر أصبح رأس كول على مسافة ميلين و ثلاثة أرباع منا، ما بين الجنوب الشرقي و جنوب الجنوب الشرقي، و أضحى ارتفاع القطب 56؟

و 27؟، مما يعني أن ارتفاع قطب رأس كول يبلغ 56؟ و 18؟. و في 12 آذار/ مارس، أضحى ارتفاع القطب 57؟، 58؟، على بعد 40 ميلا نحو الغرب، إلى الشمال من صكاغن(Skagen) ، و تبين لنا هنا

____________

(1) مقياس السرعة على متن السفينة.

19

أن الإبرة المغنطة تميل نحو الشمال 17؟؛ كما لاحظنا أن المياه أصبحت أكثر ملوحة كلما اقتربنا من بحر الشمال. و أشار المكحال لديّ في المياه العذبة إلى 326 د و في مرفأ كوبنهاغن إلى 330، و قرب هلسنيوري إلى 331، و قرب رأس كول إلى 332، و قرب نسّ(Nesse) إلى 3/ 4 333 و إلى 338 حيث كنّا. و بما أن السيد فورسكال كان يملك مكحالا أكثر دقة من مكحالي و يعمل على تسجيل درجة ملوحة المياه بدقة، لم آبه كثيرا بالموضوع. كما بحث عن سبب و ميض المياه المالحة و أظنه اكتشف السبب خلال الرحلة، فقد اعتاد أن يجمع أنواعا عدة من الحيوانات البحرية و من بينها أنواع مختلفة من الميدوزا (قنديل البحر) (1)، و بعد رمي بعض منها من النافذة ليلا لاحظنا أن شرارات صغيرة تظهر على كل ما تلمسه المياه التي تعيش فيها هذه الحيوانات. ثم أعاد تجربته و تأكد ظنه بأن و ميض مياه البحر ناتج عن هذه الحيوانات الصغيرة اللزجة التي تكثر في البحار.

و بما أن ارتفاع القطب بلغ 60؟ و 29؟، و حوالي 8؟ و 43؟، نحو غرب هاجرة باريس، لاحظنا في 16 آذار/ مارس أن الإبرة المغنظة تميل نحو 22؟ و 30؟. أما في 18 آذار/ مارس فمالت 25؟، وفقا لدراستنا، علما أن ارتفاع القطب 60؟ و 24؟، و حوالي 11؟ و 10؟ نحو غرب هاجرة باريس.

و استمرت الرياح مواتية لنا أكثر مما كانت عليه في الرحلات السابقة العقيمة، و عند ما اقتربنا من نسّ، و بدلا من أن نعود إلى هلسنيوري كما فعلنا سابقا، هبّت في 12 آذار/ مارس عاصفة مناسبة جعلتنا نتقدم ميلين و نصف الميل في بعض الأحيان. لكن في 19 آذار/ مارس هبّت رياح معاكسة استمرت حتى آخر الشهر و عنفت في بعض الأحيان، و وقع بحاران عن الصاري فكسر ساق أحدهما و جرح الآخر لكنه ما لبث أن عاد إلى أعماله. و لم نتعرض لخطر عظيم لأننا في عرض البحر و على متن باخرة متينة، و لم نشعر بعنف حركة المركب إلا حين هدأت العاصفة فجأة، فعند ما تعصف الرياح لا يميل المركب إلا من جهة واحدة، لكن حين تتوقف الرياح فجأة، لا يمكن للسفينة إلّا أن تتبع حركة المياه حتى يهدأ البحر الذي أثارته العاصفة.

و دفعتنا الرياح المعاكسة حتى 63؟ و نصف من ارتفاع القطب أي قرب شواطى‏ء إيسلنده، و بدأت طلائع الربيع تظهر في 31 آذار/ مارس فعرفنا أجمل وقت في العالم، لكن الهدوء ساد طويلا فلم نتمكن من التقدم. و بلغ ارتفاع القطب 61؟، 18؟، و خط الطول الغربي في باريس حوالي 14؟

و 30؟، و تبين لنا وفقا لدراسات عدة و للنتيجة الوسطية أن الإبرة الممغنطة تميل نحو 23؟، 16؟.

و ربما أن السماء في المناطق الشمالية نادرا ما تكون صافية، لم نر أي شفق قطبي شمالي، علما أن رؤيته أمر شائع على اليابسة في هذه المنطقة. و في 3 نيسان/ أبريل مساء، شاهدنا قوس قزح متعدد الألوان، لكن السحب ما لبثت أن غطّته و حرمتنا من هذه المشهد الرائع. في 5 نيسان/ أبريل، و أثناء عاصفة هوجاء، لاحظنا من أعلى الصاري نورا خفيفا يطلق عليه البحارة عادة اسم القديس جرمان أو

____________

(1) جنس من الحيوانات البحرية الهلامية.

20

نار القديس ألم(St .Elme) ، لأن الاعتقاد ساد في الماضي أن هذه الشعلة الخافتة هي علامة ظهور القديسين، لكن منذ اختراع الكهرباء توصلوا إلى تحديد هذه الظاهرة بشكل أصح. و عصفت الرياح الجنوبية الغربية التي منعتنا من التقدم ميلا واحدا طويلا، لكن في 6 نيسان/ أبريل أصبحت الرياح مواتية فقطعنا 39 ميلا و نصف الميل خلال 24 ساعة. و في اليوم التالي، قطعنا مسافة أطول، لأننا في السابع من الشهر نفسه، عند الظهر، كنا على خط عرض 57 و خط طول 36، و في الثامن من نيسان/ أبريل كنا على خط عرض 54 و خط طول 49. و في 16 نيسان/ أبريل لاحظت أن الإبرة الممغنطة تميل إلى 16؟، 17؟، و نحن على خط عرض 42 و خط طول 39. في 18 نيسان/ أبريل رأينا سنونو البحر و سمكا يعرف باسم نوردكابر(Nordkaper) ، فاستنتج الضابط معنا أنها دلائل عاصفة قادمة، ما لبثت أن هبّت بعد الظهر. و خلال هذه العاصفة، لاقى أحد البحارة حتفه بعد أن سقط في البحر، و منعتنا الأمواج العاتية و سرعة السفينة من إنقاذه.

ثم مرت أيام لم نر فيها اليابسة، لكن في 21 نيسان/ أبريل، و عند المساء، شاهدنا رأس القديس فنسان في الجنوب الشرقي، على بعد خمسة أميال و نصف الميل. و كان الضباط و التلامذة البحريون و الملاحون قد حدّدوا موقع السفينة استنادا إلى يوميات المسراع، لكن تقدير قائد السفينة كان الأكثر دقة لأنه لم يخطى‏ء إلا بحوالي 44 دقيقة و هي تعادل ثلاثة أرباع الدرجة. و أعطاني القائد نسخة عن تقديراته تظهر موقع السفينة اليومي عند الظهر منذ الحادي عشر من شهر آذار/ مارس و حتى الحادي و العشرين من شهر نيسان/ أبريل، و سأدرجه هنا حتى يتمكن من تحديد مسارنا عبر بحر الشمال على الخارطة كل من أراد ذلك. زد على ذلك، أني لا أرى ضرورة رسم خارطة هذه الرحلة و بالتالي زيادة عدد الرسوم، علما أني وضعت تقديرا للطريق التي سلكنا و سجلته على الخارطة الهيدروغرافية.

تحديد لموقع السفينة، يظهر موقعها يوميا عند الظهر منذ الحادي عشر من آذار/ مارس 1761 و حتى الحادي و العشرين من شهر نيسان/ أبريل:

في 14 آذار، نقل الرأس من الخارطة المسطّحة إلى خارطة بحر أسبانيا المصغرة. و تواجدت على خط عرض 61؟ 18؟ شمالا و خط طول 16؟ 8؟.

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

في هذا الوقت عينه، كان رأس القديس فنسان على بعد 5 أميال إلى الجنوب الشرقي. و سجل موقع هذا الرأس على الخارطة على خط عرض 6؟ 45؟، أي إن الفرق 44؟ و صفر؟

أضحت رحلتنا أكثر إمتاعا في البحر المتوسط، فبعد أن أمضينا شتاء عاصفا في الكاتغيت و بحر الشمال، دخلنا هذا المناخ اللطيف في أجمل فصل من فصول السنة. و في حين لم نر في المناطق الشمالية- حيث أمضينا الشتاء- إلا بعض الجبال البعيدة، شاهدنا هنا جبالا تارة على الساحل الأوروبي و طورا على الساحل الإفريقي، و أحيانا على الساحلين في آن واحد، و تضفي هذه الجبال على المنظر العام جمالا. و إن ضايقتنا العواصف في بحر الشمال، فلقد أزعجنا الهدوء التام أحيانا في البحر المتوسط، و لا سيّما و أن المياه العذبة شحّت على متن السفينة، لكن ضباطنا لم يجدوا هذا الأمر سببا كافيا لدخول مرفأ ما. و اكتفى السيد بورانفند(Baurenfeind) برسم بعض المناظر و منها جبل طارق و سبتة اللذان رسما على اللوحة الأولى. و في 14 أيار/ مايو، رسونا قرب سان أستاش(St .Estache) ، على بعد ميل و نصف إلى الغرب من مرسيليا، و صادفنا هناك سفنا حربية من إسبانيا و هولندا و السويد و مالطا. و كان مرفأ مرسيليا يعجّ بالسفن التجارية الفرنسية التي لم تكن تجرؤ على مغادرته بسبب الحرب بين فرنسا و إنكلترا. فضلا عن سفن البلاد المحايدة التي استأثرت بالتجارة بين فرنسا و الشرق و بلاد أفريقيا، كما صادفنا مركبا إنكليزيا يعيد إلى مرسيليا سجناء حرب فرنسيين. دخلنا المدينة عند المساء، و التقينا رفيقنا السيد دي هافن الذي غادر السفينة في 17 شباط/ فبراير و وصل مرسيليا عبر البر بعد أن اجتاز ألمانيا و فرنسا.

سعدنا بالإقامة في مرسيليا بعد هذه الرحلة الطويلة، و عملنا على زيارة المكاتب و متاحف الهواة و أولئك الذين يجمعون حيوانات البحر و يبيعونها للهواة و صيادي المرجان الأحمر، فضلا عن الأبوين‏

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

اليسوعيين الشهيرين السيد بزيناس(Pezenas) و السيد لاغرانج(La Grange) اللذين يملكان مرصدا مجهزا بأفضل المعدّات الإنكليزية. و لا حاجة هنا للحديث عن التجارة المزدهرة بين مرسيليا و الشرق، و عن وضع هذه المدينة، و مرفئها و حصونها و جنائنها الغنّاء و غير ذلك من الأمور، لأنها وصفت سابقا بشكل مفصّل، لكن السيد بورنفند رسم المدينة قبل مغادرتنا سان استاش، فطلبت تثبيت هذا المنظر على اللوحة رقم 11 لأني لم أشاهده في مكان آخر.

صادفنا هنا ثلاثة مراكب تجارية دانماركية على استعداد لمرافقتنا إلى أزمير، صعدنا على متن السفينة في أواخر شهر أيار/ مايو. على أن نبحر من سان أستاش مع هذه المراكب الثلاثة، لكن أبجر سفينتنا انقطع و مضى النهار بأكمله قبل أن نتمكن من رفع المرساة. و في اليوم التالي، عاكستنا الريح، فلم نتمكن من الإبحار قبل 3 حزيران/ يونيو، و في الخامس منه، من بعد الظهر شاهدنا من بعيد أربع سفن و تبين لنا من الأعلام المرفوعة أنها سفن إنكليزية. و كنا قد صادفنا خارج مضيق جبل طارق إحدى سفن الأسطول التابع للأميرال سندرز(Saunders) ، و توقعنا أن نصادف سفنا أخرى تابعة لهذا الأسطول في البحر المتوسط. و لم تكن الحرب معلنة بين الدانمارك و إنكلترا، لذا لم نتوقع أي اعتداء على سفينتنا، لكن بما أن سفننا التجارية كانت في مرفأ فرنسي، و لم نكن نعلم إن كان الإنكليز سيفتشونها، اتخذ قائد السفينة الإجراءات اللازمة لمنعهم. و بقيت سفننا التجارية ملازمة لنا، و تمّ تحضير المدافع، و توزيع الأسلحة، و وضعت الأسرّة بما في ذلك أسرّة الضباط و المسافرين في شباك المتاريس، و وزعت المرشات حيث يجب وضعها، و باختصار تحضّرنا للقتال. عند المساء، سمعنا صوت مدفع، رددنا عليه في الحال، لكن الهدوء منع الإنكليز من الوصول إلينا في ذاك اليوم، و بعد منتصف الليل، وصلت إحدى سفن الأميرال سندرز الأربع بقربنا، و بعد مفاوضات قليلة تابع كل منا طريقه. و في السابع من الشهر نفسه، عند المساء، تحضّرنا مجددا للقتال، لأننا رأينا عشر سفن في البعيد، لكنها ابتعدت خلال الليل و لم نرها منذ ذلك الحين. و في اليوم الثاني، طلب قبطان إنكليزي، و هو آمر سفينة بحرية، زيارة سفننا التجارية، لكن قائد سفينتنا رفض السماح له بذلك. و عند ما رآنا على استعداد للدفاع عنها، انسحب على مضض.

في 6 حزيران/ يونيو، راقب علماء الفلك ظاهرة نادرة و هي مرور كوكب الزهرة أمام الشمس، و تحضّر العلماء لدراسة هذه الظاهرة في أوروبا، كما أرسل علماء إلى أماكن مختلفة من العالم، و تلقيت الأمر بمراقبة هذه الظاهرة أينما كنت. و بما أن السفينة لم تكن قد ابتعدت كثيرا عن اليابسة، لن تكون لملاحظاتي فائدة كبيرة كما لو كنت على اليابسة، و صعب عليّ القيام بهذه الدراسة بالدقة المطلوبة، فحركة السفينة و إن كانت بطيئة تؤثر في عمل كهذا. و بما أن البحر كان ساكنا لأيام عدة، فإنني استعديت لدراسة هذه الظاهرة بأفضل طريقة ممكنة، و سأورد ملاحظاتي، علما أن الخبراء لن يستفيدوا منها إلا إذا أرادوا معرفة مدى خطئي. و في 6 حزيران/ يونيو، و عند شروق الشمس، كان كوكب الزهرة

25

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

26

أمام قرص الشمس، و بما أنه كان مغطى بغيمة سميكة عند انجلاء القسم الأول لهذا الكوكب، لم أر سوى انجلاء القسم الأخير منه. بعد مراقبة الكوكب، قست ارتفاع الشمس مرارا، و احتسبت ارتفاع القطب حيث كنا، ثم صححت الساعة بعد مراقبة القطب في اليوم الثاني عند الظهر. و تبين لي من هذه الدراسة، الوقت الصحيح أن انجلاء الجزء الأخير لكوكب الزهرة عن قرص الشمس هو الساعة 9 و 3 دقائق، و 53 ثانية، على خط العرض 40؟ 6؟، قرب خط هاجرة مدينة مارسيليا.

وصلنا جزيرة مالطا في 14 حزيران/ يونيو، ورسونا في المرفأ الكبير، بالمدينة، لأن عاصمة هذه الجزيرة مقسّمة إلى مدن عديدة صغيرة، محاطة بمجموعة خلجان تشكّل مرافى‏ء آمنة. و يبدو منظر المدينة رائعا من هذه الناحية، و قد بنيت منازلها على الطريقة الشرقية، أيّ مسطّحة من الأعلى و تستند إلى مرتفعات و عرة، و هي من الحجر المقصوب، حتى الحصون بنيت بالطريقة نفسها أو حفرت في الصخر. أما الصخر الذي تقوم عليه الجزيرة فمن الحجر الكلسي الليّن الذي يمكن حفره بسهولة كالخشب. و لا ينبغي أن نستغرب إن وجدنا الكثير من الكنائس و القصور الرائعة لأن الجزيرة غنية بالمال و بالمهندسين الماهرين‏ (1).

و تبقى كنيسة القديس يوحنا أبهى كنائس مالطا، فقد سخا عليها سادة المدينة الكبار و زينوها بقبورهم الرائعة. و يقال إنها جمعت كنزا لا يصدّق، من ضمنه زينة ذهبية و فضية ثقيلة الوزن كالتماثيل و الثريات و غيرها فضلا عن شمعدان كبير مع سلسلة ذهبية يقال إنها كلّفت 000، 500 قطعة نقدية من نقد مالطا. و نجد العديد من الأشياء الثمينة ضمن الكنوز المحفوظة في الكنائس المتاخمة، و من بينها صليب من الذهب الصافي، يزن 24 ليبرة، و جزء من مهد يسوع المسيح المرصّع بالأحجار الكريمة. باختصار؛ فإن ثروة هذه الكنيسة تفوق كنوز الكعبة في مكة، كما تفوق كنوز ضريح محمد في المدينة. و نجد في المدينة مستشفى جيدا، يستقبل كافة المرضى من دون استثناء و يعنى بهم، و يقال إن الطعام يقدم بأطباق من فضة، و لعل هذا الأمر الأخير يخصّ به الفرسان المرضى أو ذوي الشأن. أما اهراءات الحنطة الكبرى فمحفورة في الصخر، و يتم جرّ المياه إلى المدينة من نبع يبعد عنها ثلاثة أميال تقريبا، و ذلك بواسطة أنابيب بنيت في بداية القرن السابع عشر. يبلغ طول جزيرة مالطا أربعة فراسخ و ثلاثة أرباع أما عرضها ففرسخان و ربع. و تتميز الجزيرة بشاطئها المتعرّج في الجنوب و شاطئها المستقيم في الشمال، حيث نجد العديد من الخلجان، و حيث تمّ بناء العديد من الأبراج و الحصون لصد هجوم الأعداء، فأصبحت الجزيرة بالتالي محصّنة كليا. و لا نجد سوى مساحة صغيرة مزروعة، لكنها أرض غنية بكافة الفواكه الشهية، و يكثر

____________

(1) نجد في الحجر الكلسي في مالطا الكثير من الأصداف و الحلزونات المتحجرة و ألسنة الأفعى التي يظن علماء الطبيعة أنها أسنان أسماك، و أخيرا عيون الأفعى التي يركّبها صائغو المدينة في الخواتم، أو في السلاسل الذهبية المشغولة بطريقة بارعة و التي يبيعونها للأجانب. يقال إن ألسنة الأفعى هذه و عيونها تبرهن أن القديس بولس طرد هذه الحيوانات السامّة من مالطا، لكن لعل هذه الأفاعي لا يمكن أن تعيش على هذه الأتربة الجافة و المغطاة بالصخور و لا بد من وجود جزر صغيرة أخرى لم يطأها القديس، و لكن لا وجود للأفاعي فيها.

27

السكان في هذه الجزيرة بسبب الحرية التي يتمتعون بها.

و شاهدنا في مرفأ مالطا السفينة الحربية التركية، التي فرّ بها العبيد المسيحيون من جزيرة ستانشيو(Stanchio) في 19 أيلول/ سبتمبر 1760، حين كان القبطان التركي و مساعدوه على اليابسة. و بقي العبيد الفارون في جوار هذه الجزيرة، حتى بعث إليهم أهالي مالطا الذين لم يفهموا كيف تجرأت سفينة تركية على الاقتراب من جزيرتهم. و وعد العبيد بتسليم السفينة و المدافع شرط أن يسمح لهم بمقاسمة باقي الغنائم، فدخلت السفينة المرفأ في 6 تشرين الأول/ أكتوبر من السنة نفسها. و عاد العقلاء من العبيد إلى موطنهم مع حصتهم من الغنيمة، في حين بقي قسم آخر منهم في مالطا و عملوا جاهدين على تبديد حصتهم. و عثر على متن السفينة على 83 مدفعا، 66 منها من البرونز، وضع عدد منها في الامبراطورية و عدد آخر في البندقية و عدد في المصانع التركية. و قد بني المركب على الطراز التركي و بطريقة متينة للغاية، و نجد قرب الصاري مجلسا صغيرا، اعتاد الضباط الجلوس فيه، كما نجد في وسط السفينة و من الجهتين مقاعد مشابهة، لأن الأتراك لا يحبون التنزه على متن السفينة أو على اليابسة. أما متن السفينة فضيّق، و نجد بين الغرفة السفلية و العليا للقبطان عشرات المدافع، و نصب بعض منها على الكوثل‏ (1) حيث ينام العبيد. صوّب المسيحيون هيكل السفينة و جعلوها على النمط الأورويي، لكننا علمنا لاحقا في مصر، أن فرنسا اشترتها و أعادتها للسلطان كهدية. و بدا هذا الأمر مستغربا حتى لفرنسيي الشرق، نظرا إلى أن أمّتهم بأمسّ الحاجة للمال و السفن لمتابعة الحرب ضد الإنكليز، لكن الفرنسيين يسعون إلى مراعاة السلطان بغية تسهيل تجارتهم مع الشرق. و يبدو أن ديانة مالطا، التي لا تسعى إلى القضاء على الكفّار، لم تمانع كثيرا في إعادة السفينة. و يتخوف أهالي مالطا كثيرا من غضب السلطان، لذا يعملون جاهدين على ترميم القلاع الصغيرة الواقعة على شاطى‏ء البحر، و يمرنون سكان الجزيرة، و نجد لديهم ثلاث سفن حربية فيها 64 و 62 و 20 مدفعا و 4 سفن شراعية حربية فضلا عن السفينة التركية، و قد جهزت كل سفينة شراعية بثلاثة مدافع و خمسين مجذافا يحركها سجناء قيّدوا بها و هم من الأشقياء و من العبيد المسلمين من أفريقيا و تركيا.

و قلّما نسمع بمالطيين يأسرون أتراكا أو يتغلبون عليهم منذ أن حرّمت عليهم المعاهدات بين ملك نابولي و السلطان دخول الأرخبيل، لكننا نجد بين المسيحيين أناسا لا يطلبون أكثر من القتال من أجل الدين حين لا يجدون فرصة أخرى لجمع ثروة، لأن الأمل بالغنيمة يفوق عندهم حماستهم الدينية المسيحية. يقال في الشرق، إنهم حين يحصلون على سفينة مجهزة لا ينقصهم سوى إذن مرور أو أمر من أمير موناكو أو أي أمير إيطالي آخر يعرف باستعداده لمحاربة المسلمين المسالمين الذين لا يعرفونهم على الأرجح، كما قيل لي إنه يسمح لكل صاحب سفينة مسيحي بإحضار غنائمه إلى مالطا. و لا ينبغي أن‏

____________

(1) مؤخر السفينة.

28

نستغرب أن ينسب المسلمون إلى المالطيين ما ننسبه نحن إلى المغاربة، و الجزائريين و التونسيين و الطرابلسيين، إذ يعيش هؤلاء البرابرة على الأقل بسلام مع بعض الأمم المسيحية في حين أن فرسان مالطا يعادون الأمم الإسلامية كلها.

زرت و السيد فورسكال الملّاحات التي تبعد أميال و 3/ 4 الميل عن المدينة، و هي مؤلفة من 16 مربعا، يبلغ طول و عرض الواحد منها 100 قدم و كلها مطلية. يتم ملؤها بماء البحر مرتين سنويا، فتتبخر المياه خلال شهر تاركة الملح في القعر، و يقال إنه يتم جمع 700 سلم كل مرة، و يبلغ ثمن السلم الواحد 4 سكودي(Scudis) . و بالتالي، يكسب السيد الأكبر الذي يعود إليه هذا المردود حوالي 5600 سكودي سنويا من ماء البحر. و نجد بالقرب من هذه المربعات، ملاحات أخرى غير مطلية و تنتج بالتالي ملحا سيى‏ء النوعية يستخدم لتمليح السمك و دفع أجور العمّال. و نرى الفقراء في أماكن أخرى، يحملون مياه البحر إلى الصخور و يجمعون القليل من الملح الذي تتركه بعد تبخرها. و نلاحظ قرب الملاحات وجود قبة صغيرة.

على ضفاف البحر يمكن وضع زورق صغير تحتها، و يقال إن سفينة القديس بولس غرقت في هذه المنطقة، فتمّ بناء كنيسة تحمل اسمه و يبلغ طولها 55 قدما و عرضها 45 قدما. و قصدنا في يوم آخر سان أنطوان بوسكيه(St .Antoine ,Bousquet) ، و هما منزلان ريفيان للسيد الأكبر، تحيط بهما الحدائق و أشجار الليمون، و بقربهما كهف جميل للغاية.

لا تبعد سيتا- فتشيا، عاصمة الجزيرة كثيرا، لكنها لم تعد آهلة بالسكان، و يلفت الأنظار فيها معبد رائع يعلوه كهف صغير، يقال إن القديس بولس التجأ إليه خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد غرق سفينته.

و لا نرى في هذا الكهف لصغره سوى تمثال للقديس و كومة من الحجر الصخري الذي حفرت فيه المغارة، و يدعي البعض أن لهذه الحجارة قدرة عجائبية، و أن من يحمل معه قطعة منها لا يخشى عليه من لسعة الأفاعي، لذا ترسل قطع من هذه الحجارة إلى كافة بلاد العالم التي تدين بالديانة الكاثوليكية- الرومانية. كما يعرض في المعبد تمثال الكونت روجر النورماندي الذي طرد العرب من مالطا. و تقع في جوار المعبد تلة يقال إن القديس بولس وعظ من أعلاها و دعا الناس إلى الدين، و إحياء لهذه الذكرى أقيم له تمثال و هو يعظ. و نجد في محيط سيتا- فتشيا الكثير من المساكن المحفورة في الصخر، و قد سدّت مداخل العديد من الممرات كي لا يضيع المرء داخلها. و تتألف هذه المساكن من عدة غرف صغيرة، فضلا عن قبو كبير يبدو و كأنه استخدم للتجمعات، و تطالعنا آثار طاحونة صغيرة في مكان آخر. و مهما كان هدف هذه المساكن المحفورة في الصخور، لا بد أنها كانت مأوى مناسبا للسكان قديما في زمن القيظ و لا سيّما و أنهم لم يعتادوا العيش في ترف و لم يكونوا ليخشوا النهب و السرقة. و حافظ أهالي مالطا على كتابة فينيقية نقشت على حجر لكني لم أرها بنفسي. و جمعنا ملاحظات حول طول جزيرة مالطا و عرضها، أوردنا ذلك في يوميات و ملاحظات الفيزياء و الرياضيات و علم النبات للأب فاي(Feuille) ،

29

و قد حصلت على نسخ من خارطة المدينة و خارطة لجزيرة مالطا و جزيرة غوزن(Gosen) ، لكني أعتقد أن هناك خرائط دقيقة مطبوعة، و لم أشأ زيارة اللوحات المحفورة.

غادرنا جزيرة مالطة في 20 حزيران/ يونيو و لم نر الأرض حتى الخامس و العشرين من الشهر نفسه.

و عند ظهر ذاك اليوم، كنا على خط عرض 36؟، 11؟ و كانت جزيرة سابينزا(Sapienza) بحسب تقديرات الربان على بعد سبعة أميال نحو الشمال، نستنتج من ذلك أن ارتفاع قطب هذه الجزيرة هو 36؟ 39؟. و دخلنا مجموعة الجزر في 26 حزيران/ يونيو، و بعد مراقبة دقيقة للشمس في الهاجرة، تبين أننا كنا على 36؟، 10؟ في ذاك اليوم. و قدّر الربّان المسافة التي تفصلنا عن الجزر المجاورة، و وفقا لتقديراته تقع جزيرة سريغوتّو(Serigotto) على خط عرض 35؟، 52؟، أما جزيرة أوفو(Ovo) فعلى 36؟، 9؟، و رأس سان أنجيلو(St .Angelo) على 36؟، 26؟. و نجد هذه الجزر على مسافة أبعد نحو الشمال على خارطة الأرخبيل التي وضعها السيد دانفيل(D`Anville) بانتباه و ذكاء و التي نشرت في باريس سنة 1756. و كنت أتمنى أن أتابع ملاحظاتي و دراساتي الجغرافية، لكن نزيفا حادا أصابني، حتى أني فقدت الأمل في رؤية القسطنطينية و حتى شبه الجزيرة العربية. لكني شكرت القدر الذي أصابني بعلة، في وقت أمكنني فيه الحصول على المساعدة و الراحة، و بالرغم من أنني عانيت من الحرارة لكني كنت بين أوروبيين، و قد قدّم لي قائد السفينة كل المساعدة التي يمكن الحصول عليها على متن سفينة. في 3 تموز/ يوليو، وصلنا و المراكب الثلاثة التي رافقتنا من مرسيليا إلى مرسى أزمير، و نزل رفاقي إلى اليابسة، لكني لم أتمكن من مغادرة السفينة و اكتفيت بمشاهدة هذه المدينة الشهيرة بتجارتها من زجاج غرفتنا. في 10 تموز/ يوليو، رفعنا المرساة و وصلنا في 13 من الشهر نفسه قرب جزيرة تنادوس(Tenados) حين رأينا بعض الآثار التي نظن أنها تعود لطروادة(Troye) . و هنا تلقينا الأمر بمغادرة السفينة و التوجه إلى عاصمة الأمبراطورية العثمانية برفقة المترجم الذي أرسله للقائنا سفير الملك في القسطنطينية السيد دي غابلر(De G bler) . و لم أتجرأ على القيام بهذه الرحلة على متن مركب صغير مكشوف يمكّننا من الوصول بسرعة، كما لم نتمكن من إيجاد مركب مزوّد بغرفة في جزيرة تنادوس، فاضطررنا إلى انتظار مركب آخر من الدردنيل. و ما إن وصل، حتى استأذنا قائد السفينة و ضباطها الذين شاركناهم أوقاتا صعبة وسط العواصف الهوجاء و الرياح المعاكسة و أوقاتا طيبة أخرى. و جرّينا للمرة الأولى السفر مع المسلمين، إذ صعد العديد من الأتراك على متن المركب حين كنا قرب تنادوس و من بينهم رجل ذو شأن جاء لتذوق خمر قائد سفينتنا. بدت لنا لغتهم، و لباسهم و طريقة عيشهم غريبة للغاية حتى أننا لم نعد نأمل بقضاء وقت ممتع بين الشرقيين. و لم تساعدنا الرياح في رحلتنا بين تنادوس و القسطنطينية التي لم نصلها إلا في 30 تموز/ يوليو، و رسونا قرب غلطة(Galata) و منها رافقنا المترجم إلى منزل السيد دي غابلر في بيرا(Pera) مباشرة. و قد قابلنا هذا الوزير بلطف و طيبة لا مثيل لهما، حيث قام بإيوائنا جميعا في بيته، و قدّم لي كل ما يمكنه أن يساعدني على استرداد صحتي و عافيتي.

30

ملاحظات من القسطنطينية

وردنا الكثير من الوصف للقسطنطينية أو اسطمبول، كما يسميها الأتراك، فلا يسعني إضافة أشياء جديدة و مهمة و لا سيّما أني لم أبق في المدينة لوقت طويل، كما لم تتسنّ لي فرصة رؤية الكثير فيها. و ما إن تحسنت صحتي حتى انتقلنا إلى مصر، لكن بما أني تعرفت عن كثب و في طريق العودة على مكان إقامة السلطان سأورد هنا بعض الملاحظات و يسرني أن أذكر أمورا لم تكن معروفة من قبل.

إن مدينة القسطنطينية كبيرة بلا شك، لكن إذا ما اعتبرنا كاراغاش(Kara Ag sch) ، و غلطه(Galata) و بيرا(Pera) ، و دولما باغش(Dolma Bagsche) و غيرها، و هي واقعة في الجهة الأخرى للخليج فضلا عن أسكدار(Scudar) قاضي كوي(Kadi Kaj) الواقعتين في الجهة الأخرى للبحر و بالتالي في آسيا، مدنا أو قرى بحد ذاتها، لا يمكننا عندها مقارنة مساحة القسطنطينية مع ضاحيتها أجيب(Ajub) ، و الأحياء الواقعة خارج الأسوار على ضفاف البحر بمساحة لندن أو باريس. و لا يمكن تحديد عدد سكان مدن الشرق، لأن عادة إحصاء المواليد و الوفيات غير متبعة بعد، و أقصى ما يمكن أن يفعله المسافر في هذا الإطار هو تحديد مساحة المدينة و معرفة إذا ما كانت مسكونة بالكامل. أعتقد أن مدننا مكتظة بالسكان أكثر من مدن الشرق، أما سقوف المنازل في الشرق فمنخفضة مقارنة مع المنازل الأوروبية، و يحلو للشرقيين ترك مساحات خضراء وراء منازلهم. أما المسافرون الذين يعتبرون مدن الشرق مكتظة للغاية فيعتمدون في حكمهم هذا على العدد الهائل للأشخاص الذين نصادفهم في الشوارع التجارية. لكن ينبغي الانتباه إلى أن الشرقيين لا يحبون اصطحاب الأجانب إلى المنازل التي تقيم فيها عائلاتهم، مما منع دخول التجار و الحرفيين إليها. و يعمل هؤلاء الأخيرون في محال صغيرة على طول الشوارع التجارية، لذا لا نرى في بعض الأحيان سوى نجارين في أحد الشوارع، و حدادين في شارع آخر، أو صائغين أو تجار حرير أو تجار جوخ أو صانعي أمشاط أو غيرهم. و يتوجه الآلاف من هؤلاء إلى القسطنطينية صباحا، ليغادروها عند المساء إلى منازلهم القائمة في ضواح بعيدة أو في قرى واقعة على المضيق قرب البحر الأسود. هذا الكم الهائل من الأشخاص الذي لا نرى إلا القليل منه في شوارع أوروبا، هذا الحشد من الرجال و النساء الذي يؤم الشوارع التجارية للعمل أو للتسلية يبدو استثنائيا بالنسبة لأجنبي لأن الشوارع ضيقة للغاية، لكن لو اعتاد المسافرون زيارة الأحياء البعيدة لما صادفوا الكثير من الناس كما في مدن أوروبا.

و تبقى خارطة القسطنطينية التي وضعها القبطان الأفضل بين الخرائط التي شاهدتها كلها، لكن‏

31

المقياس الذي اعتمده صغير بحسب رأيي مما أظهر المدينة أكبر من حجمها الطبيعي. و قد تبدو الطريقة التي اعتمدتها لقياس المدينة غير دقيقة بالنسبة لعلماء الرياضيات لأني لم أستخدم إلا البوصلة و أقدامي.

و بما أنني قست الخطوط الأساسية كلها أي محيط المدينة و العديد من الشوارع في القسطنطينية و الضواحي و المدن المتاخمة، لا أظن أن الخطأ سيكون فادحا، و لعلّي أخطأت ببضعة أقدام و حسب، لكن هذا الخطأ ليس بحجم الخطأ الذي يمكن أن أرتكبه لو اكتفيت بتحديد مساحة المدينة استنادا إلى الزاوية المقاسة من خارج الأسوار. أظن أنه لا يمكن الطلب من المسافرين إلى بلاد الشرق قياس المدن بدقة أكبر من نتيجة القياس الذي يعتمد البوصلة و القدم، لأنه يصعب وضع خارطة للمدن دون إذن من القاضي.

و لن يبحث أحد عن كافة الشوارع في خارطة مدينة شرقية، لكن ينبغي أن تكتفي بمساحتها و موقعها و ساحاتها الكبرى، و هذا ما نجده في الخارطة التي وضعتها للقسطنطينية على اللوحة الثالثة، فضلا عن خرائط مدن الشرق الأخرى، و أعترف أن معظم الشوارع في خارطة القسطنطينية مسجلة اعتباطا و لمل‏ء الفراغ. و إليكم تفسيرا للأرقام المدوّنة على هذه اللوحة. 1) باغجه قبو، 2) بالف بازار قبو، 3) زندان قبو، 4) أودون قبو، 5) أيازمه قبو، 6) أون قباني، 7) جبالي قبو، 8) أيا قبو، 9) يكي قبو، 10) يذري قبو، 11) فنر قبو، 12) يالاد قبو، 13) عيوان سداي قبو، 14) أكري قبو، 15) أدرنة قبو، 16) طوب قبو، 17) يكي قبو، 18) سلوري قبو، 19) يدي قلله قبو، 20) أدرنه قبو، 21) ساماطيه قبو، 22) داود باشا قبو، 23) يكي قبو، 24) قوم قبو، 25) غاتلادي قبو، 26) أخور قبو، 27) بالوق خان قبو، 28) داغرمان خان قبو، 29) طوب قبو، 30) يالي يوسف قبو، 31) دمير قبو، 32) سالوق جيسم قبو، 33) بابا حمام قبو، 34) دامو قبو، 35) وليد يامع، 36) مسرجرشي(Misrtscharschi) 37) قصر الوزير أو الباب، 38) مسجد آيا صوفيا، 39) مسجد آيا صوفيا الصغير، 40) السلطان أحمد الجمزي و الميدان، 41) حظيرة للحيوانات المتوحشة، 42) الترسانة، 43) العمود المحروق، 44) علي باشا الجمزي(J masi) ، 45) عثماني جمزي، 46) السلطان بجزات جمزي، 47) وزير خان، 48) بزستان أو شوارع تجارية مقببة و محال تجارية، 49) السراي القديم، 50) سليماني جمزي، 51) قصر آغا الإنكشاري، 52) القناة، 53) شاه زاد جمزي، 54) السلطان سليم جمزي، 55) كنيسة البطريركية للروم، 56) فاتي جمزي، 57) آثار قصر قسطنطين، 58) أدرن قبو جمزي، 59) السلطان محمد جمزي، 60) الميدان أو حيّ الانكشاريين، 61) حيّ آخر للانكشاريين، 62) مستشفى المجانين، 63) علي باشا جمزي، 64) داود باشا جمزي، 65) الأبراج السبعة، 66) دفتردار أسكاله سي، 67) مسجد وب، 68) الماء العذب، 69) بانيو، مكان حجز العبيد، 70) ميت أسكاله سي، 71) مقر إقامة سفير الدانمارك، 72) مقر إقامة سفير السويد، 73) مقر إقامة سفير إنكلترا، 74) مقر إقامة سفير بروسيا، 75) مقر إقامة سفراء نابولي و روسيا و هولندا و البندقية و فرنسا و فيينا، 76) أج أغلان سروج، قصر يربى فيه عدد كبير من الخدم، 77) خزان مياه لقناة السلطان محمود، 78) كوجك قولله قيوسي و بيوك قولله‏

32

قيوسي، و نجد في غلطه عشرات أبواب أخرى و هي: طوب خانه قبو، كرج قبو، أكري قبو، موم خانه قبو، قور بشونلي مخزن، قره كوي قبو، بالق بازار قبو، أسكي ياغ قبان، كور كجي قبو، أزاب قوبسي 79). منازل السلطان الريفية،L L إشارة إلى المقابر.

و يبلغ ارتفاع قطب سراي السلطان 41؟، 1؟، لأن ارتفاع قطب بيرا، بحسب دراساتي، يبلغ 41؟، 2؟ 26؟. أما شكل مدينة القسطنطينية فمثلث، غير متساوي الأضلاع و غير مستو، و لا يتعدى حرم المدينة، وفقا لقياسي 13000 قدم مزدوج، علما أن معظم الرحلات تعتبره أكبر. و تحيط بالمدينة أسوار، لا تنفع للدفاع عنها، و يظن الأتراك أنهم محصنون بفضل الحصون الأربعة الصغيرة الواقعة على القناة من جهة الأرخبيل، و الأربعة الأخرى الواقعة على القناة من جهة البحر الأسود علما أنها حصون غير ذات أهمية. و نجد على طول المرفأ أو الخليج، خارج أسوار المدينة، و من ضاحية أيوب و حتى السراي طريقا واحدا، كما تطالعنا من حين إلى آخر منازل بنيت الواحدة وراء الأخرى، و بعضها في الماء جزئيا. و يتم ردم المرفأ يوميا في بعض الأحيان، لزيادة المساحة و بالتالي للبناء مما يجعل الأسوار غير مجدية للدفاع عن الشعب و المدينة. و في السنوات الأخيرة، قام الأتراك بردم مساحات شاسعة و بناء أحياء كبيرة قرب بعض الأبواب، انطلاقا من السراي و حتى الأبراج السبعة، لكن أسوار المدينة في معظم هذه الأمكنة لا زالت قربية من البحر. و يحيط بالمدينة من جهة اليابسة بدءا من الأبراج السبعة و حتى ضاحية أيوب سور مزدوج و حفرة واسعة، و اكتفى السكان منذ زمن اليونان بتصليح السور، أما الحفرة فقد ردمت تقريبا. و أما القصر المسمى الأبراج السبعة فصغير و يصلح في حاله اليوم، كسجن، أكثر مما يصلح للذود عن المدينة. و يبقى مدخل المرفأ و المضيق الواقع من جهة البحر الأسود الأكثر تحصينا، فقد جهزا بالمدافع التي نصبت بجانب السراي قرب طوب خان و في كيس كلّسي،(Kiss Kچ‏lesi) ، لكنها غير قادرة على الدفاع عن المدينة بشكل فعّال ضد أسطول، يهاجمها من الجهة الأخرى، بعد أن يجتاز الدردنيل. و يعتبر هذا الجزء من القسطنطينية الواقع من جهة المرفأ و البحر كثير السكان، و يعزز هذا الشعور باكتظاظ المدينة البيوت المتكئة على التلال التي تبدو و كأنها متلاصقة. أما من جهة اليابسة، بين أدرن قبو و الأبراج السبعة فنجد العديد من الحدائق الكبيرة داخل الأسوار. و تغطي سراي السلطان، و السراي القديم و هو مسكن ارامل السلاطين، فضلا عن المساجد الكبيرة و العديدة مساحة شاسعة، كما يعملون على بناء مساجد جديدة، لكن عدد السكان لن يتزايد مع تزايد عدد دور العبادة. و يؤكد البعض أن القسطنطينية اكتظت بالسكان في السنوات الأخيرة مما اضطر السلطان إلى إبعاد عدد من الناس إلى المقاطعات و الريف.

و تطل هذه المدينة على مناظر رائعة لا سيما من جهة البحر، و تتكى‏ء القسطنطينية و المدن و القرى المجاورة على التلال حيث يبنى على قمتها أجمل المساجد، و يفصل بين المنازل عدد من الحدائق المزروعة بالأشجار. لكن هذا المنظر الجميل لا يتفق و داخل المدن حيث الأزقة ضيقة و طريقة البناء سيئة و عشوائية،

33

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

34

و تبنى المنازل من الخشب الرقيق حتى ليظن المرء أن هيكلها أقفاص للطيور، أما الجدران فمن الآجر غير المشوي. و تبنى القصور و الأبنية العامة من الحجارة و بشكل متين، لكن لا يظهر منها من جهة الشارع إلا الجدران الشاهقة، و للقصور و المنازل العادية مساوئها، فالمنازل المبنية من الآجر تدفن من فيها عند أقلّ هزّة أرضية، و القصور المضاءة بالمشاعل تحرق ساكنيها. و هذان النوعان من الحوادث شائعان في هذه المدينة. و يبقى مرفأ القسطنطينية أجمل مرفأ في العالم، و هو يمتد على مساحة شاسعة، و يمكن للمراكب أن ترسو في أي جهة منه و بأمان تام، كما يمكنها الاقتراب من الشاطى‏ء و تحميل ما جاءت من أجله. إن موقع القسطنطينية بين البحر الأسود و الأرخبيل، فضلا عن الأعمال المزدهرة التي تجذب سكان الضواحي و المدن المجاورة تجعل من هذه المدينة محطة للسفن و المراكب، حتى أن البحر يبدو و كأنه مرصّع بها.

يقع سراي السلطان على مرتفع عند الطرف الشرقي للمدينة، عند مدخل المرفأ، أمام المضيق الممتد إلى البحر الأسود أي البوسفور، و هو بالتالي مطلّ على مناظر جميلة من كافة الجهات، كما نستنتج من الخارطة التي أوردتها هنا. و يفصله عن المدينة سور عال، يمكنه أن يدفع عن السلطان غضب رعاياه لكنه لا يحمي المدينة، لكن تحيط به من جهة المياه مجموعة من المدافع القادرة على الدفاع عن مدخل المرفأ و المضيق الممتد نحو البحر الأسود. و يمتد السراي على مساحة شاسعة و يضم الكثير من الجنائن، و تبدو الأبنية العامة كلها و كأنها مطلية بالرصاص. لم ألج سوى الفناء الخارجي للسراي، فلا يسمح بالدخول إلى حرمه، لم أر فيه ما يلفت الأنظار سوى بيت المال السيى‏ء البنيان فضلا عن بعض الإسطبلات. نقرأ في بعض الأعمال التي وصفت القسطنطينية أن عبارة «الباب» أو «الباب العثماني» المستخدمة في أوروبا تأتي من مدخل هذا الفناء الخارجي لكن لست أدري عمّا استندوا في حكمهم هذا. يطلق الأتراك على الباب اسم قبو كما يطلقون الاسم نفسه على القصر، لكن يشار بهذا الاسم في القسطنطينية إلى قصر الوزير. و قيل لي إنه إذا ما أرادوا استخدام هذه الكلمة للدلالة على قصر السلطان، ينبغي أن يقال سلطان قبوسي، كما يقال آغا قبوسي للدلالة على قصر آغا الانكشاريين.

و يقصد مترجمو السفراء الأوروبيين يوميا تقريبا الباب أي قصر الوزير، لأنه محل إقامة مترجم السلطان كي يبقى قريبا من الوزير أو الريس أفندي إذا ما أراد محادثته أو التكلم مع مترجم أوروبي. و لعل الأوروبيين الذين سمعوا أولا بالباب أو بمحكمة الوزير، ظنوا أن المقصود هو بلاط السلطان، لذا أطلق اسم الباب العثماني على بلاط سلطان العثمانيين. و لست على اطلاع على اللغة التركية للادعاء بأنه من الخطأ الإشارة إلى بلاط السلطان باسم الباب، لكن لا أظن أن أصل الكلمة يعود إلى الباب الخارجي لبلاط السلطان.

إليكم أسماء المساجد الكبرى أو مساجد السلطان كما تسمى هناك: آيا صوفيا: حوّل الأتراك هذا

35

المعبد الذي بناه الأمبراطور جوستنيان إلى مسجد، و نجد في كتب عدة رسومات لهذا المسجد، و يمكن انطلاقا من هذه الرسوم تكوين فكرة واضحة عن شكل المساجد الأخرى التي سآتي على ذكرها، إذ يبدو أن هذا المسجد يشكل نموذجا لكافة المساجد التركية. مسجد السلطان أحمد وليد، و قد بنت هذا المسجد والدة السلطان. مسجد السلطان عثمان، السلطان بايزيد.(B jazet) ، السلطان سليمان، شاه زاد و قد بني هذا المسجد في عهد السلطان سليمان، السلطان سليم، السلطان محمد، مسجد بناه محمد الثاني الذي فتح القسطنطينية، و قد دمره الزلزال كليا في عام 1766. أدرن قبو جمزي، مسجد بنته إحدى بنات السلطان سليمان و قد تضرر كثيرا من جرّاء الزلزال نفسه. و لا يمكن مقارنة أي من هذه المساجد مع آيا صوفيا من حيث البناء، لكن العديد منها يفوق الأخير من حيث المساحة. و تضفي هذه المساجد على المدينة جمالا، و قد بنيت على أعلى مرتفعاتها، و طليت قببها و مناراتها المتعددة بالرصاص.

و تقوم هذه المساجد وسط ساحات عامة واسعة، محاطة بحائط أو بمساكن لأولئك الذين يهتمون بها و للفقراء، و تبنى المدارس قرب المساجد حيث توزع يوما الصدقة إما من الخبز و إما من المأكولات. و يتم دفن مشيدي المساجد فيها، حتى أننا قلّما نجد اليوم أضرحة رائعة للعائلات الكبرى في أية مدينة من العالم كما نجد في القسطنطينية. كما نرى في هذه المدينة العديد من المساجد التي بناها السلاطين و زخرفوها، لكنها ليست محط أنظار كتلك التي أتيت على ذكرها. نجد في مدينة أسكودار(Scudar) و حدها أربعة مساجد بنتها سيدات مسنات من العائلة الحاكمة، و بالرغم من أن السلاطين غير ملزمين ببناء مسجد إلّا حين ينتصرون على أعدائهم و يستولون على مساحات كبيرة من أرضهم كافية للإنفاق على المسجد و على الأشخاص الذين يخدمونه، بنى السلطان مصطفى، الحاكم اليوم، مسجدين، الأول في أسكودار على مرتفع يواجه السراي و بيرا و الثاني في القسطنطينية، و هو مسجد صغير. أما مسجد أيوب فأهمها لأن السلاطين الجدد يقلّدون فيه السيف عند وصولهم إلى العرش، و نجد في القسطنطينية العديد من مساجد الوزراء و الأغنياء الجميلة، فضلا عن كنائس الروم التي حوّلت إلى مساجد، و نجد مسجدا صغيرا في كل حيّ تقريبا. و تنتشر في المدينة الخانات أو الفنادق العامة، و البزستان أو الشوارع التجارية المقببة، فضلا عن الحمامات الرائعة مما يزيد من جمالها و يسهل الحياة فيها. كما نجد في المدينة منازل توزّع المياه مجانا، و يقع أحد هذه المنازل أمام الباب الخارجي للسراي، و قد بني بذوق رفيع و هندسة رائعة، فهو مفتوح من كافة الجهات و طليت قضبانه الحديدية بالذهب، و نجد في داخله أناسا يحملون أوان من النحاس الذهبي مربوطة بسلاسل و مليئة بالماء.

إن هذه المدينة تتغذى بالمياه العذبة من ثلاثة خزانات كبيرة، يبعد الواحد منها عن الآخر ثلاثة أميال، و كل خزان منها هو صورة مصغّرة عن سدّ مأرب الشهير، لأن المياه المتدفقة من الجبال المجاورة و المتجمعة في الوادي يحجزها حائط متين، و يتم تصريفها تدريجيا. لكن كلفة بناء السدود أمام الخزانات لا تقارن مع الكلفة الباهظة لنقل المياه إلى قصور الحكّام، فالأرض غير مستوية، مما يتطلب جرّ المياه تارة عبر التلال‏

36

و طورا من حولها، و حيث توجد الوديان، تمّ بناء سدود عالية و متينة، لنقل المياه إلى خزانات أخرى كبيرة في القسطنطينية، و تتم صيانة هذه المنشآت على نفقة السلطان. و لعل البعض يعتقد أن الأتراك يدينون لليونان بهذه المنجزات الرائعة، لكن أكّدوا لي أن أحد الخزانات التي ذكرتها- الواقع إلى شمال قرية برغاس(Burg s) - قد بناه السلطان الحاكم حديثا، و أن خزان الماء قرب بانجه قوي و القناة الممتدة حتى القرى قرب البوسفور و حتى غلطه بنيا في عهد السلطان محمد. و الدليل الآخر على أن سلاطين الأتراك لا يهملون رعاياهم كليا، أمر السلطان مصطفى، الحاكم حاليا، ببناء ممرّات عند طرف السراي و من الحصن الأخير في الجهة الآسيوية و حتى البحر الأسود، كي يتمكن البحارة من سحب المراكب بسهولة، و لا سيما و أن التيار قويّ للغاية.

37

و نعلم من الروايات التي وصلتنا بوجود مسلّة ضخمة و أفعى ثلاثية مشوّهة في الميدان قرب مسجد السلطان أحمد، كما وردت في الكتب الرسوم المنقوشة على قاعدة المسلة، فضلا عن الكتابات اليونانية الممحوة جزئيا لأنها مغطاة بالتراب. لكننا لا نجد نسخة عن الحروف الهيروغليفية، و لعل السبب يعود إلى أن أحدا لم يجرؤ على نقلها في ساحة عامة وسط المدينة و قرب السراي. و أعترف أني خلال إقامتي الأولى في القسطنطينية، لم أجرؤ على تفحص هذا النصب التاريخي، بسبب الأخبار التي سمعتها عن المسلمين، لكن في طريق العودة، نقلت الحروف الهيروغليفية المنقوشة على المسلة كلها (اللوحة الرابعة) من دون أن أخشى أكثر من 150 تركيا تجمعوا حولي لمشاهدة عملي. و تكفي الإشارة في خارطة القسطنطينية إلى موقع الصرح الذي تحفظ فيه الحيوانات البرية، و إلى الميدان، و قصر قسطنطين، و العمود المحروق و ساحات أخرى استفاض الآخرون في وصفها. و نجد في القسطنطينية منازل فسيحة تحت الأرض أو أقبية تسندها أعمدة عدة يطلق عليها اسم «ألف عمود و عمود»، و يعيش الحائكون في هذه الأقبية التي تبدو و كأنها كانت فيما مضى خزانات مياه. و شاهدت في أحد الأقاليم 32 عمودا من الرخام على الطراز الكورنثي، كما رأيت في إقليم آخر عددا من الأعمدة العالية غير المتناسقة أشك في أن تكون من صنع مهندس معماري يوناني، أو من عمل الأتراك، و قد رسمتها على اللوحة الخامسة، أ. و نجد في جوارها بابا مسدودا، و يؤكد البعض أنه يمكن الانتقال منها إلى غاليبولي عبر ممر تحت الأرض، و هذا ما أعتبره تضخيما لكل ما يتعلق بالعصور القديمة.

و يحيط بمدينة غلطه سور، لكن نرى فيها آثار حائطين قديمين و متينين، يقسمانها إلى ثلاثة أحياء أو إلى ثلاثة حصون خاصة. و تستند هذه المدينة إلى مرتفع و عر، قبالة القسطنطينية و هي مكتظة بالسكان، و يعيش فيها معظم التجار الأوروبيين و المسيحيين الشرقيين. و يقيم السفراء الأوروبيون في بيرا و هي ضاحية من ضواحي غلطه، و منهم سفير بلاط فرنسا و سفير بلاط إنكلترا، و سفير جمهورية الأقاليم المتحدة فضلا عن بايلو البندقية(Bailo) (1)، و سفراء الدانمارك، و السويد، و نابولي و بروسيا و القاصد الرسولي، و سفير روسيا المقيم. و لقد قدّم أول سفير بروسيا أوراق اعتماده إلى السلطان في العام 1761 قبيل وصولنا و يقيم مندوبو الجزائر و تونس و طرابلس و راغوز(Raguse) في القسطنطينية و إنما ليس بشكل مستديم، و لا يعتبرهم الأتراك سفراء أجانب شأنهم في ذلك شأن مفوضي أمراء مولدافيا اليونانيين و والاشيا. و يرسو أسطول السلطان في ترس خانه(Ters Ch na) (قرب الترسانة)، في خط مستقيم قرب الشاطى‏ء، و هو في حالة مزرية بالرغم من أن المراكب مطلية بشكل جميل، و نجد في طوب خانه، مبنى كبيرا تصنع فيه المدافع، يجاوره مسجد رائع. إن عدد السكان في أيوب، و قاره أغاش، و غاسكوف، و قاسم باشا، و بيرا، و سان ديمتري، و طوب خانه، و فندقلي، و قبداش قليل للغاية.

____________

(1) يطلق شعب البندقية اسم بايلو على سفيرهم في القسطنطينية، و شاء القناصلة الأوروبيون في الشرق أن يعتبروا سفراء فاتخذوا لنفسهم اللقب نفسه، لأن العرب (على الأقل سكان البصرة) يطلقون اسم بايلو على القناصلة حتى اليوم.

38

و يقع قسم من إسكودار في واد، و قسم آخر يستند إلى تلال و القسم الثالث يعلوها، و تكثر في هذه المدينة الحدائق، و نجد خارج أسوارها مداخن واسعة مزروعة بالسرو. و يقع قس قولي أو البرج على صخرة صغيرة في الماء، أما قاضي كوي(Kadi Koj) ، فيما بعد خلقدونية، فلم تعد سوى قرية كبيرة، و أجمل ما فيها كنيستها اليونانية، حيث عقد المجمع الديني الشهير.

و يملك السلطان العديد من المنازل الريفية في أيوب، و قره آغاش قرب الترسانة، و منزل السلطان محمود في دلمه باغجه، و منزل السلطان مراد بين إسكودار و قاضي كوي، كما يملك العديد منها على مضيق البحر الأسود. لكن السلطان الحالي قلما يزور هذه المنازل باستثناء منزل قره آغاش حيث المياه عذبة، و لأنه منفرد و بالتالي كئيب مما يتلاءم و مزاج السلطان. و تتداعى المنازل الريفية الأخرى، حتى أن السلطان أمر بهدم بعض منها بغية استخدام المواد لبناء المساجد و الحمامات.

و للروم في القسطنطينية 23 كنيسة، أما الأرمن فلهم ثلاث، كما تملك هاتان الأمتان كنائس في غلطة و الضواحي. و يقيم في بيرا رجل دين برتبة مطران. و يقيم في بيرا و غلطه رهبان من الروم الكاثوليك يتبعون 6 رهبانيات مختلفة، لكل منها كنيستها التي تقع تحت حماية أحد سفراء أوروبا، كما يملك كل من سفير انكلترا و هولندا و السويد كنيسته الخاصة. و يملك اليهود العديد من المعابد في القسطنطينية و المدن و القرى الأخرى المذكورة أعلاه، و غالبية يهود تركيا من التلموديين، لكن القّرائين(Karaites) يملكون معبدا في غاسكوف، و يقال إنه يمنع على أي طائفة أجنبية، إسلامية أو وثنية، بناء معابد فيها، لكن العديد من الطوائف تجتمع هناك من دون أن تكترث الحكومة للأمر.

39

الرحلة من القسطنطينية إلى الإسكندرية

ما إن تحسنت صحتي حتى أخذنا بالأهبة لمغادرة القسطنطينية، قاصدين مصر، و كان بإمكاننا الحفاظ على لباسنا الأوروبي في الإسكندرية، لأن سكّان هذه المدينة اعتادوا رؤية الإفرنج أي الأوروبيين. لكن لباسنا هذا و المغاير لبساطة لباس العرب يمكن أن يعرضّنا في القاهرة و في شبه الجزيرة لأسئلة مزعجة و لسخرية السكان، فضلا عن أنه سيشكل عبئا علينا في غياب المقاعد و وسائل الراحة الأخرى التي نجدها في أوروبا. و حصلنا في القسطنطينية على ملابس طويلة كتلك التي يرتديها الشرقيون. و اشترينا عدة للطبخ، و مؤنا ضرورية لرحلتنا المقبلة. و زوّدنا السيد دي غابلر، الذي أحسن وفادتنا في القسطنطينية، بإذن مرور من السلطان، و رسائل توصية، و نقود مصرية، و في 8 أيلول/ سبتمبر، أبحرنا على متن سفينة من دلسينيو(Dulcigno) ، و هو مرفأ بحري على الخليج الأدرياتيكي، غير بعيد عن جمهورية راغوس. و كنا نأمل بالانطلاق في اليوم التالي، لكن الرياح المعاكسة أعاقتنا و أخّرنا القبطان الذي لم تكتمل حمولة مركبه. و غادرت السفينة المرفأ و ابتعدت عنه، لكن البضائع استمرت تصل إليه حتى في أثناء الليل. و لم ننطلق بالفعل إلّا في 11 أيلول/ سبتمبر، لكن الرياح لم تسعفنا، فلم نصل إلى الدردنيل و لم نرس قرب قوم قلّة أي الحصن الواقع في الجهة الآسيوية إلّا في 15 من الشهر نفسه. و يصعد على متن السفن الآتية من القسطنطينية، رجال من الجمارك لمعرفة ما إذا كانت تحمل عبيدا فارين أو بضائع لم يبلّغ عنها لجمرك القسطنطينية. و مرّ اليوم الثاني في التفتيش مما سرّني، لأننا لم نتوقف إلا لساعات قليلة في هذا المكان، في طريقنا إلى القسطنطينية، و كنت مريضا للغاية فلم أتمكن من النزول إلى اليابسة، فحملت عدّتي، و تمكنت من دراسة هذا المكان الشهير.

و مساحة قصور الدردنيل ليست بالكبر الذي نتوقعه، فالقصر الواقع من جهة آسيا لا يتعدى كونه مربعا صغيرا من الأسوار السميكة و المحاطة بالأبراج. أما المدافع التي تحميه فضخمة للغاية، بيد أنها نصبت على الأرض مباشرة أو على أخشاب غليظة، و قد عاينت بعضها فتبين لي أنها لم تعمل منذ أمد بعيد، وحشي بعضها الآخر بقذائف من حجارة مغطاة بالرمل و التراب. و مضيق الدردنيل ضيق فإذا ما قصفت المدافع من جهة وصلت القذائف إلى الجهة الأخرى، و هو متعرج للغاية، فيصعب اجتيازه في ليلة واحدة حتى و إن كانت الرياح مؤاتية. و بوسع الأتراك تصويب مدافعهم على تعرجات المضيق بكلفة متدنية، و بالتالي لا يمكن لأسطول معاد أن يمرّ و يهاجم القسطنطينية من جهة البحر، و إذا افترضنا أن جيوشا ساندت الأسطول برا و هدمت القصور و مدافع المضيق و أمّنت تراجعه، يخشى على الأسطول الغرق عند

40

أدنى عاصفة إذ تكثر المواقع غير المنخفضة القعر بين الدردنيل و القسطنطينية. و إذا ما أرادت القوى المسيحية إسقاط عاصمة الأمبراطورية العثمانية من جهة البحر، ينبغي أن تفرض عليها حصارا و تمنع عنها المؤن التي تصلها من ما وراء البحر الأسود أو الأرخبيل، فإذا ما شحّت بعض المواد الضرورية و ارتفعت الأسعار قد يستسلم الأتراك. و تبقى خرائط السيد دي أنفيل التي تحمل عنوان: شواطى‏ء اليونان و الأرخبيل أفضل الخرائط التي وصلتنا عن تلك البلاد. و تقع قتيم قاله على خط عرض 40؟، 80؟.

ثم أبحرنا مجددا في 17 أيلول/ سبتمبر، و في الثامن عشر من الشهر نفسه مررنا أمام القصرين الواقعين عند مدخل المضيق، و قيل لي إن اسمهما القصر القديم و القصر الجديد، و يبعدان عن الدردنيل حوالي 36 ميلا وفقا للقياس التركي. و صادفنا قرب تندوس(Tenedos) سفينتين حربيتين تركيتين جاءتا لنقل هذا السفير إلى القسطنطينية، إذ اتفق السلطان و جمهورية البندقية، على أن لا تتجاوز أية سفينة حربية مضيق الدردنيل و أن ينقل السفير الذي يتغير كل ثلاث سنوات إلى تندوس و منها إلى القسطنطينية على متن سفن تركية، و ذلك إثر خلاف حول بعض السفن من البندقية في مرفأ القسطنطينية.

في 19 أيلول/ سبتمبر ظهرا، تبين لي أن جزيرة ساموس(Samos) تقع على خط عرض 37؟، 46؟، و جزيرة فورنا(Furna) على خط عرض 37؟، 42؟، و جزيرة أيكاريا(Icaria) على خط عرض 37؟، 44؟. و في 20 أيلول/ سبتمبر، مررنا أمام جزيرة ستنشيو(Stanchio) ، و أراد قبطان السفينة التزود بالمياه العذبة، لكننا لم نتوقف لأننا ننقل على متن سفينتا قبطانا ينبغي أن يتسلم قيادة سفينة حربية في رودس، و لأن الرياح مواتية للغاية. و في 21 أيلول/ سبتمبر، رسونا في مرفأ مدينة رودوس، و التقينا الكابتن باشا أو قائد أسطول السلطان، مع بعض السفن البحرية، فحييناه بثلاث طلقات مدفع و ردّ بطلقة واحدة.

و لا تحب أية مدينة في الشرق تلقي زيارة أسطول السلطان، لأنه ينبغي تقديم هدايا قيّمة لقائده، و لعدم انضباط البحارة. و لقد نزلت و السيد فورسكال و السيد بورفيندر إلى اليابسة ما إن وصلنا إلى رودوس و ذلك بغية التحدث إلى قنصل فرنسا، لكن منزله كان مقفلا لتجنب سوء تصرف البحارة، و ما سمحوا لنا بالدخول لأننا نرتدي الثياب التركية لو لم نلتق مصادفة براهب كبوشي ردّنا من حيث جئنا. و أرسل القنصل معنا مرافقا للتجوال في المدينة، لكننا سمعنا الكثير من الأخبار السيئة حول الأتراك فتجنبنا كثرة التجوال.

لاحظنا أن منازل هذه المدينة مبنية بشكل متين، و في الشارع المسمى شارع الفرسان، رأينا البعض يرتدي درعا، أما قصر السيد الأكبر فمهدّم تقريبا. و بما أن الأتراك لا زالوا يذكرون كلفة الاستيلاء على هذه المدينة، و يعتبرونها صعبة المنال، بالرغم من أنهم تركوا التحصينات في الحالة نفسها التي أضحت عليها حين استولوا على المدينة، و تركوها فيما بعد لتصبح أنقاضا. لكن تبقى رودوس أمنع قلاع الامبراطورية العثمانية، و كان التمثال الشهير المخصص للشمس يقوم قرب هذه المدينة فيما مضى، لكن يصعب تحديد موقعه حاليا، و يقوم عند مدخل المرفأ برج من كل جهة، و يعتقد أن هذين البرجين قاعدة لقدمي التمثال، لكن يبعد الواحد عن الآخر حوالي 400 إلى 500 قدم، و هي مسافة كبيرة تجعل الأمر غير قابل للتصديق.

41

و قررنا للمرة الأولى أن نأكل في مقهى تركي، كان الطعام شهيا إنما مكلفا، أكلنا على منضدة واسعة من الخشب، في الشارع، من دون سكين أو شوكة و في طبق من الآجر السيئ، ثم انتقلنا لزيارة يهودي، يزوّد الأوروبيين بالنبيذ. كانت عنده فتاتان، يدّعي أنهما ابنتاه، و هما تتكلمان الإيطالية، و قد قدمتا لنا أكياسا صغيرة صنعتاهما بنفسهما، وفاقت كلفة هذه الزيارة اليهودية كلفة الغداء التركي.

لا زال العديد من اليونان يعيشون على الجزيرة، لكن لا يحق لهم البقاء في مدينة رودوس(Rhodus) . في اليوم التالي، رافق السيد دي هافن و السيد كرامر بعض اليونانيين الذين أرادوا زيارة المطران المقيم في قرية قرب المدينة، و ما إن وصلوا، حتى لحق بهم بعض الموسيقيين الأتراك، لكن المطران لم يكن يهتم بموسيقاهم، فرفضوا المغادرة من دون أن يكسبوا بعض المال. و قام خلاف بينهم، و قبل أن يغادروا، استبدل أحد الموسيقيين حذاء السيد دي هافن الجديد بحذائه القديم. و لو عدنا إلى أوروبا مباشرة بعد ذلك، لما شكرنا بهذه العادة- عند الشرقيين- التي تقضي بنزع الحذاء قبل دخول المنزل. لكن أمرا مماثلا لم يحصل لأي من رفاقنا فيما بعد، فلم نعد ننظر إلى هذه الحادثة كأمر كبير.

و أراد قبطان سفينتنا الإبحار في 22 أيلول/ سبتمبر صباحا، مما منعني من تحديد ارتفاع بعض النجوم ليلا، أما على متن السفينة فيقتصر أفقنا على الهاجرة، لأن جزيرة رودوس تقع إلى الجنوب و اليابسة قريبة منا نحو الشمال. لكن بما أننا لم نبحر إلّا قرابة الظهر، استخدمت الثمنية لتحديد ارتفاع الشمس في أوقات مختلفة، كما سجّلت الوقت بين ارتفاع و آخر استنادا إلى ساعتي التي تعمل بالثواني، و تبين لي أن سفينتنا قرب رودوس كانت على خط عرض 36؟، 26؟.

و لم نبتعد طوال الرحلة عن شواطى‏ء القارة أو الجزر منذ القسطنطينية و حتى رودوس، لذا لم أجد داعيا لتسجيل ملاحظات حول الطريق الذي اتخذته السفينة. و عند ما لم أعد أرى اليابسة بين هذه الجزيرة و مصر، ظننت أن قائد السفينة سيستخدم الثمنية، لكن تبين لي أن الأتراك لا يستخدمون هذه الوسائل.

و لقد كان المركب مزودا بخرائط بحرية جيدة، و رمال، و مسراع، و بوصلة عادية فضلا عن بركار سمتي، لكنهم لم يستخدموا المعدات التي أخذوها عن قبطان أوروبي منذ سنوات.

و لعل قبطان سفينتنا سرق هذه المعدات كلها، لأن الأتراك متهمون بأنهم يدعون كونهم جزائريين أو تونسيين أو طرابلسيين فيستولون على سفن الأمم الأوروبية العاقدة معاهدات سلام مع الأتراك، و حين لا يتجرؤون على سرقة السفينة بأكملها، يعملون على سلب الخرائط، و البوصلات و بعض المؤن، و قد تحدّثت في الإسكندرية إلى قبطان تعرّض لعملية سطو كهذه. و كان قبطان سفينتنا يخشى أن يقع في المصيدة نفسها على هذه الطريق، لأن الشائعات تسري أن مالطيين أو بالأحرى قراصنة، يحملون جوازات مرور و يرفعون علم بعض الأمراء الإيطاليين، يجولون شواطى‏ء مصر و سوريا. و لقد كان مركبنا مثقلا بالحمولة، و لم تكن المدافع الموجودة على متنه لتنفعنا لأنها مربوطة جزئيا بحبال، و سلك القبطان الطريق مباشرة من رودوس نحو الإسكندرية، و كان الهواء مواتيا، و إلّا لما وصلنا إلى المرفأ دون التعرض‏

42

لمخاطر عدة، لأن شواطى‏ء مصر منخفضة للغاية مما يجعلها خطرة جدا بالنسبة إلى المراكب القادمة.

و اعتدت قياس ارتفاع الشمس كل يوم عند الظهر، و كنت أدلّ القبطان على مكان وجودنا على الخارطة و أحدد له كم نبعد عن الإسكندرية، مما أسعده، فطلب من أمين سره أن يراقب هو أيضا الشمس ليحدد المسافة التي تفصلنا عن المدينة، لكن حين رأى هذا الأخير أن هذه الدراسة تتطلب جهدا كبيرا و الكثير من الحسابات لتحديد ارتفاع القطب فضّل الاكتفاء بالوسائل القديمة.

يتكلم كل من القبطان و أمين سره و البحارة القليل من الإيطالية، و قد زار أمين سرّه البندقية و مرافى‏ء أخرى في إيطاليا حتى أنه وصل إلى فيينا. و روى له الكاثوليك أخبارا عن غيرهم من المسيحيين أغرب مما يرويه السنّة عن غيرهم من المسلمين. و سألته يوما، إن كان هناك و ثنيون في البلاد الواقعة تحت حكم السلطان فأجابني بوجود الكثيرين منهم في ألمانيا و هنغاريا، و يطلق عليهم هناك اسم اللوثريين، و ليس لديهم أدنى فكرة عن الله و أنبيائه، الخ. و أظهر، خلال النقاشات حول الدين، أنه مسلم حقيقي، و حاول أحد العلماء في بعثتنا إقناعه بحقيقة الدين المسيحي، فغادر قائلا إن من يؤمن بغير الله هو ثور و حمار. و هكذا أعلمنا الرجل بضرورة ترك كل شخص لإيمانه، و لاعتقاده بأن ديانته هي الأفضل طالما لا يشك هو بالأمر، لكن حين راجعت لا حقا بعض المسلمين حول مبادى‏ء دينهم، أطلعتهم بعض الشي‏ء على الديانة المسيحية، من دون أن أشير إلى أنها أفضل من مبادى‏ء القرآن، و لم يغضب بالتالي أحد منهم.

و كان أمين السر يقوم بمهام الإمام على متن السفينة، فبعد أن يتحضر المسلمون للصلاة، أي بعد الاغتسال وفقا لأصول معينة، يبسط الإمام أمام الآخرين سجادته على أن يستقبل مكة. يصطف الآخرون جنبا إلى جنب، وراء الإمام، كي يتمكنوا من رؤية حركاته، و يوجهوا وجوههم شطر مكة. و عند بدء الصلاة، يضع الإمام إبهاميه وراء أذنيه، للإشارة إلى أنه يتعالى عن الأمور الدنيوية و يحصر فكره بالله وحده، و يقلّده كل من يصلي وراءه. كما يقلدونه حين يركع و يسجد، و يرددون وراءه كلمة الله أكبر حين يقولها. و باختصار، يقلّد المسلمون في أثناء الصلاة من يؤمّهم، و بما أنني، لم أكن أعرف هذه الأمّة عن كثب، خشيت أن أثير استياءهم إن حضرت صلاتهم. لكنهم لا يخجلون من تواضعهم أثناء الصلاة و لا من الشعائر التي يتبعونها عند ذكر الله، و لهذا السبب، لا ينشغلون عن صلاتهم بوجود أجانب يتبعون ديانة مختلفة عن ديانتهم. و كنت مرة في منزل حاكم السويس، و عند وصول الإمام، و فيما أخذ الحضور في التحضر للصلاة، أردت المغادرة، لكن الحاكم نفسه أشار بإمكانية البقاء. و يبقى الشعب هو الوحيد الذي لا يحتمل وجود مسيحي في المسجد و لا سيما في أوقات الصلاة. و نرى الكثير من المسلمين الذين يصلّون في منازلهم، فلا يتوجهون دائما إلى المساجد أو إلى أماكن التجمع حيث يكون الإمام، إنما يصلّون في مكان تواجدهم ساعة الصلاة و إن كانوا في الشارع. و هكذا يصلي كل منهم على متن السفينة حين يتسنى له ذلك أثناء النهار. و كانت صلاة المساء تتم جماعة، بعد مغيب الشمس مباشرة، و يختمونها قائلين: «اللهم اجعل رحلتنا سعيدة!».

43

حجزنا لأنفسنا حجرة القبطان، مع حجرة أخرى طويلة وضيقة تجتاز السفينة، مما يسمح لنا بالابتعاد كليا عن الأتراك حين نملّ رفقتهم. و تقع فوق حجرتنا، حجرة أخرى مخصصة للنساء من القيان المميزات أي اللواتي يريين كنساء كريمات النسب في تركيا. كان لقائد السفينة و البحارة حجراتهم تحت حجرة القبطان التي نقيم فيها و أمام تلك التي تقيم فيها النساء. و يبقى التجّار و الركاب الآخرون أياما بأكملها، على سطح المركب. و تجلس القيان في زاوية تحت سطح السفينة، أما الرجال فيحاولون إيجاد أماكن لهم من دون إزعاج الآخرين، و تتم معاملتهن بشكل جيد، لأنهن أعددن للبيع في مصر، لذا يحاول صاحبهن الوصول بهن إلى مصر معافين. كنت و السيد فورسكال نجلس غالبا بين متاعنا للقراءة أو للكتابة، و في يوم ما، سمعنا فوقنا صوت بعض النساء، و لم نتمالك أنفسنا من النظر عبر النافذة لاكتشاف المزيد، و بما أن القيان لم يعتدن هذه الحشرية، و حين اكتشفن أننا أجانب (لأننا لم نعتد اعتمار العمامة في غرفتنا كما يفعل الشرقيون) أخذن بالصراخ، و بإطلاق الشتائم. لكن ذلك لم يخفنا، حين رأينا إحداهن تحاول تهدئة الأخريات، و اعتدن تدريجيا على رؤيتنا. و عرضنا عليهن أنواعا عديدة من الفواكه و السكاكر المصنّعة في أوروبا، فكنّ ينزلن محارمهن من النافذة كي نضع فيها ما استطيبن، و قدمّن لنا بدورهن بعض الهدايا البسيطة. و لم نكن نتكلم التركية و لم يكنّ يتكلمن أية لغة أوروبية فاكتفينا بالإشارات، و رددت لي أجملهن بعض الكلمات، فسألنا أمين سرّ السفينة عن معنى بعض الكلمات التركية، لنفهم ما قالته، فعلمنا أنها أشارت إلينا بضرورة توخي الحذر و بعدم الظهور إلا في أوقات الصلاة، و حتى في وقت كهذا قد نتعرض لمفاجأة. أخيرا، اعتدن إعلامنا عند ما يكنّ وحيدات بالضرب على نوافذهن، و هكذا تسليت و السيد فورسكال مرارا، لكن لا أنصح أحدا بأن يحاول التعرّف على القيان التركيات و إن كان بهدف التسلية مثل ما فعلناه. و لم يكن من السهل أن يرانا ركاب السفينة و طاقمها لأن نوافذها من جهة الكوثل، و لو اكتشف أمرنا، لأوقعتنا حشريتنا في مأزق.

في 25 أيلول/ سبتمبر ظهرا، و بعد أن قست ارتفاع القطب، علمت أننا لا زلنا بعيدين عن الشواطى‏ء المصرية، لكن قائد السفينة اعتقد أننا اقتربنا، فأمر بإنزال الأشرعة في الليلة التالية. و لم نر اليابسة إلا في السادس و العشرين ظهرا، و كنا إلى الشرق فيما الرياح تتحول نحو الغرب فلم نصل ميناء الإسكندرية إلا في المساء و بعد جهد جهيد. و للمدينة مرفآن، أحدهما يسمى القديم و هو الأكبر و الأعمق و الآمن، فرسونا فيه، فيما تضطر السفن الأوروبية إلى الرسو في المرفأ الشرقي السيى‏ء. و لم نغادر السفينة إلّا في اليوم التالي، بينما نزل معظم الركاب الآخرين فور رسونا، أمّا النساء العبيد، فتمّ نقلهن ليلا و بسريّة تامة. و توفي ستة إلى ثمانية أشخاص من ركاب السفينة أثناء هذه الرحلة القصيرة و من بينهم ملّاح اعتاد التردد علينا في الأيام الأولى، و يعتقد أن الطاعون قضى عليهم، لكن لعل أسبابا أخرى عجّلت بموتهم. و لم تصب بعثتنا، بفضل الرب، بأي مرض معد بالرغم من أن طبيبنا عاد العديد من المرضى.

44

ملاحظات من الإسكندرية

تقع مدينة الإسكندرية أو سكندرية كما يسميها العرب و الأتراك على لسان أرض، بين شبه الجزيرة و أسوار المدينة القديمة و بين المرفأين، على خط العرض 31، 21؟؟؟. أما الأرض التي بنيت عليها المدينة فمنخفضة حتى ليقال إن القسم الأكبر منها غمرته المياه فيما مضى، و تضفي المساجد، و أبراج المعابد، و بعض الصروح الكبيرة، و بقايا أسوار المدينة القديمة، و عمود بومبي(Pompe ?e) ، و مسلّة كليوباترا، و أشجار النخيل حلّة جميلة على المدينة، كما يراها القادم من أوروبا. و لقد أشرت سابقا إلى أن المرفأ القديم واسع و عميق و آمن، على عكس المرفأ الجديد حيث ترسو السفن القادمة من أوروبا، فهو غير سالك تقريبا، و يزداد سوءا يوما بعد يوم. أما قاعه فملي‏ء بالحجارة، حتى أن البحارة يضطرون إلى ربط العارضات و العوامات بالمرساة لإبقائها ممدودة و لمنع احتكاكها بالحجارة. و نجد في المحيط بقايا أسوار قديمة، و أعمدة مكسورة و حجارة ضخمة، لكن هذه الأمكنة الرائعة و غيرها التي ذكرها الكتّاب القدامى، تغيرت للغاية فلم أتمكن من التعرّف إلّا على القليل القليل من الأشياء استنادا إلى وصف هؤلاء الكتّاب، مما يجبرني على ردّ الذين يتوقعون الحصول على تفاصيل حول هذا الموضوع إلى كتب أخرى و لا سيما كتاب بوكوك(Pocok) الذي درس الآثار بحرص و انتباه.

و تقع أمام الإسكندرية الحديثة و مرفأيها شبه جزيرة كبيرة، يطلق حاليا على الجزء الغربي منها و الواقع أمام المرفأ القديم اسم رأس التين. و لم أقع فيها على أثر يستحق الذكر سوى قلعة صغيرة، هي مسكن متداع، و ملّاحة و الكثير من أشجار التين، و منها نال هذا الجزء من الجزيرة اسمه. و نجد في الطرف الشرقي لشبه الجزيرة حصنا يرابط فيه 500 انكشاري، و يقع هذا الحصن على صخرة صغيرة، و يشغل على الأرجح حاليا مكان القناة القديمة الشهيرة. و يمتد سدّ يبلغ طوله حوالي مئة قدم من هذا الحصن حتى مدينة الإسكندرية الجديدة، و بما أن الأمواج ترتطم بهذا السد بعنف عند هبوب الرياح الشمالية، تمّ بناء جسور كي تصب المياه في المرفأ. و نجد قبالة هذا الحصن، و عند مدخل المرفأ حصنا آخر صغيرا قائما على صخرة، و يمكن العبور إلى اليابسة من فوق سور يبلغ طوله 1500 إلى 1600 قدم، و تمّ فتح ثغرات فيه كي تنسكب المياه فلا تهدمه.

و لقد بحثنا عبثا عن دلائل على مساحة مدينة الإسكندرية كما كانت حين أسست. لأن الأسوار الحالية للمدينة القديمة بناها العرب، و يتجلى ذلك في الكتابات العربية المنقوشة عليها، و في هندستها، و في أبراجها المزوّدة بأعمدة رخامية. إن مساحة حرم الأسوار القديمة، كما هي عليه اليوم، أصغر من المساحة

45

التي نسبها المؤرخون للإسكندرية الكبرى، لكن هذه الأسوار التي بناها العرب عظيمة و عالية و طويلة.

و وجدت أن ارتفاعها يبلغ 43 قدما، إلى 50 قدما، بما في ذلك الحاجز أي قرب باب الرشيد، لكن هذه الأسوار مهدمة في مواقع عدة، و تتم الحراسة في بعض الأبراج كما أشار نوردن و بوكوك و غيرهما (*).

و لم تهجر الإسكندرية فجأة، إنما تراجعت تدريجيا، مع تراجع عدد السكان و افتقارهم. و لم يتركوا من القصور القديمة الرائعة إلّا ما لم يكن بالإمكان نقله أو استخدامه في أبنية جديدة، كما تمّ نبش أساسات الأسوار، لذا نرى الكثير من الآثار القديمة، و بما أن الإسكندرية الجديدة تفتقر للمياه العذبة باستثناء تلك التي تجمع من النيل و الأمطار، يضطر السكان إلى الاهتمام بعدد كبير من الخزانات تكفي مياهها لحاجتهم السنوية، و لهذا السبب، يعملون على منع انسداد القنوات التي تحمل مياه النيل إلى الخزانات. و بالرغم من أن القناة الممتدة من النيل و التي تجري قرب أسوار المدينة غير قابلة للملاحة منذ سنوات، يقومون بتنظيفها سنويا و فتحها، بعد أن يرتفع منسوب النيل إلى حدّ معين. و تمّ جرّ المياه من الجهة الشرقية للمدينة عبر قناة صغيرة تحت الأرض لتصب في الخزانات و حين تمتلى‏ء هذه الخزانات، تجرّ المياه الزائدة في قناة صغيرة عبر أسوار المدينة القديمة لتصبّ في المرفأ القديم.

أما أفضل أثر من الآثار القديمة الموجودة داخل حرم المدينة و الذي لم يتمكن المسلمون من نقله هو مسلّة كيلوباترا، و هي من الغرانيت الصلب الأحمر اللون، مكونة من قطعة واحدة ككل المسلات التي اكتشفت قرب قصور و معابد المصريين القدامى. و قد غاص قسم من المسلّة في الأرض، لكن بقي منه 61 قدما، و 11 بوصة من حيث الارتفاع، و 7 أقدام و 3 بوصات من حيث العرض‏ (**). و يبلغ عمق بعض الكتابات الفرعونية المنقوشة على المسلّة بوصة واحدة، و يبدو من ذلك، أن المصريين القدامى سعوا لتخليد كتاباتهم، لكن خلفاءهم لم يتمكنوا من قراءتها، و قد رسم السيد نوردن هذه المسلّة بشكل جيد. و نجد مسلّة أخرى قرب الأولى، و يبلغ عرض كل جهة منها 6 أقدام و 3 بوصات، و هي غير منتصبة بل مكسورة و مغطاة جزئيا بالتراب.

و لم يبق من معابد الإسكندرية القديمة الرائعة ما يستحق الاهتمام سوى كنيسة سان الباناز(St .Albanase) ، و هي كنيسة واسعة للغاية، و يدّعي البعض أنها مزينة بعدد كبير من الأعمدة الجميلة، و أنها تضمّ مجموعة غنية من الكتب اليونانية. لكن تمّ تحويل هذه الكنيسة الجميلة، منذ زمن، إلى مسجد، لذا يمنع دخولها على المسيحيين. و نلاحظ قرب الكنيسة على بعض الأعمدة الغرانيت الحمراء، و بقايا قصر واسع.

____________

(*) لا بدّ أن هذه الأسوار كانت في حالة أفضل منذ 300 عام، لأن رفاق السيد بريدنباش الذين صعدوا على السور الخارجي لرؤية الخنادق و الأبراج و المواقع المحصنة، أكدوا أنهم لم يروا يوما مدينة أكثر تحصينا من الإسكندرية. و كان داخل المدينة فارغا بمعظمه أو تكثر فيه المنازل المتداعية.

(**) لا يمكنني التأكيد، إذا ما كان عرض كل جهة من المسلة 6 أقدام و 3 بوصات، و إذا ما كان عرض ذاك الجزء الواقع في الأرض قرب الأول 7 أقدام و 3 بوصات من كل جهة. و بالتالي، يبلغ ارتفاع المسلة المنتصبة 60 قدما.

46

و لا تتميز كنيسة القديسة كاثرين التابعة للروم، بكبرها أو بروعة هندستها، إنما بحجر الرخام الأبيض المرقّط بالأحمر الذي بنيت منه، و يدّعي الرهبان الروم أن رأس القديسة كاثرين قطع على هذا الحجر، و هنا تكمن أهميته، و ما النقاط الحمر إلّا دليل على ذلك. و تقع كنيسة القديس مرقس الإنجيلي، التابعة للأقباط على مقربة من الأولى، و يعرض فيه قبر هذا القديس الذي لم يعد يفتحه الأقباط، لأنهم يقولون إن رجالا من البندقية استولوا على رأس الإنجيلي، فيما يؤكد الروم الكاثوليك أنهم تمكنوا من تخليص الجثة بأكملها من سجن الملحدين و أن الأقباط يسيئون إليهم حين يدّعون أن رجال الدين من الروم لم يأخذوا إلّا رأس القديس، و يتذكرون التدابير الحذرة التي اتخذها إخوانهم للنجاح في هذه المهمة. يقال إنهم قطّعوا الجثة و لفوها، و أوهموا الجميع أنها لحم خنزير كي لا يكتشف المسلمون و اليهود عند الجمارك هذا الكنز العظيم فيستردّوه من جديد. و يصعب إرسال الجثث من الإسكندرية إلى البلاد المسيحية، و قد منع الأتراك نقل المومياء لأنهم يعتبرون ذلك حشرية لا طائل تحتها هي التي تدفع الأوروبيين إلى نقل هذه الجثث القديمة من مكان دفنها، لكن، بما أن اليهود يسيطرون حاليا على الجمارك في الإسكندرية أصبح نقل الجثث إلى خارج مصر أسهل من إرسالها إلى أوروبا على متن المراكب الإيطالية. و قد وصلت صناديق عدة، تحمل مومياءات إلى متن المركب بأمان، لكن البحارة أرادوا مغادرة المراكب إن لم يعد القبطان جثث الكفرة هؤلاء، لذا اضطر السيد ماريون المكلّف بإيصال المومياء إلى أوروبا إعادتها، كما اضطر القبطان الإيطالي الآخر الذي نقلها إلى إخفاء أمرها و حقيقتها عن بحارته. و يعرض في كنيسة القديس مرقس كرسي، يقال إنه صنع تماما كالكرسي الذي جلس عليه الإنجيلي و هو يعظ و يبشر، و تجدر الإشارة إلى أن بعض البروتستانت دفنوا في هذه الكنيسة. و نجد ضمن حرم أسوار الإسكندرية التي بناها العرب ديرا لرهبان الفرنسيسكان و بعض منازل العرب المتداعية فضلا عما ذكرته عن المسجد الكبير و الكنيستين، أما باقي المدينة فموحش.

كان عمود بومبي جزءا لا يتجزأ من المدينة في زمن اليونان، لكنه حاليا خارج الأسوار و على بعد ربع ساعة من مدينة الإسكندرية التي بناها العرب، و قد أحسن نوردن رسم هذا العمود. و بما أن الجميع غير متفق حول ارتفاع هذا الصرح، عمدت إلى قياسه بنفسي و وجدت أن طوله (من دون الأساسات) يبلغ 88 قدما و 10 بوصات‏ (*). إذا، و استنادا إلى رأيي الخاص، لا يبلغ هذا العمود الارتفاع الذي يدعيه المسافرون الآخرون، لكن هذا لا يمنع اعتباره قطعة رائعة من العصور القديمة لأنه مصنوع كليا من‏

____________

(*) تبلغ المسافة من وسط الآلة حتى الأساسات 74 قدما، 7 بوصات و حوالي قدمين، و 5 بوصات انطلاقا من الأساسات و حتى أسفل تاج العمود الذي أردت قياس ارتفاعه، أي إن مسافة القاعدة تبلغ 77 قدما. و كانت الزاوية من طرف القاعدة حتى تاج العمود 48، 50؟؟؟. و بالتالي يبقى العمود أطول من الآلة بثمانية و ثمانين قدما. و كان أفق الآلة عند قاعدة العمود من صفر إلى 10 بوصات، أي إن ارتفاع العمود 88 قدما، 10 بوصات. أما الأساسات من الجهة الجنوبية فبلغت 4 أقدام، بوصتين، و في جهة الشمال 4 أقدام، 9 بوصات.

47

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

48

الغرانيت الأحمر، و قسم هذا العمود إلى ثلاثة أقسام، كل منها ضخم للغاية؛ لم أستطع تمييز إلا القليل من الكتابات المحفورة على الجهة الجنوبية الغربية من العمود، و لقد حاول السيد دي هافن جاهدا، اكتشاف المزيد، لكنه لم يتمكن من معرفة القدر الذي يدّعي الآخرون اكتشافه قبلنا. و يبدو أن المهندس المعماري اليوناني لم يشأ تخليد اسمه بهذه الكتابات أو أنه لم يكن يعرف طبيعة الحجر كما عرفها المصريون القدامى، لأن اليونان لو حفروا هذه الكتابات على العمق نفسه الذي حفر فيه المصريون الحروف الهيروغليفية على المسلّات لأمكن قراءتها. و نلاحظ أن قدماء المصريين اعتادوا الكتابة على جهات المسلّات الأربع، أما اليونان فقد كتبوا على الجهة الوحيدة من العمود التي عانت الأكثر من عوامل الزمن. و كانت أساسات العمود قد تعرّضت للكثير من الأضرار، عند وصول نوردن، و قد عمل تشربتشي على إصلاحها، لكن لا يمكننا أن نستنتج أن العمود الكبير قائم على عمود آخر أصغر حجما كما يؤكد بعض المسافرين. و هذا دليل على أن المسلمين لا يعملون جميعا على إلحاق الضرر بالأثريات، و تجدر الإشارة إلى أن العديد منهم يحاول الاستفادة من هذه الآثار، و لا يختلفون في ذلك عن الأوروبيين. و لنفترض أن رجلا فقيرا وجد في حديقة منزله عمودا أثريا جميلا، إذن لآثر جعله رحى يستفيد منه. و توازي زوايا مسلّة كليوباترا الأربع أركان العالم الأربعة، لكن زوايا قاعدة عمود بومبي تنحرف حوالي 12 درجة، إذا، يحتمل أنهم اعتمدوا على موقع الصروح المحيطة ببناء هذا العمود و ليس على موقع الهاجرة كما حصل عند بناء الأهرام.

و لقد لا حظت خلال إقامتنا في الإسكندرية، أن العرب يتسكعون حول المدينة و بين الآثار، و لم أشأ التعرض للسلب عند وضع خارطة للمدينة، و لا سيما و أننا نملك واحدة ممتازة و هي تلك التي وصفها السيد نوردن. و بما أنني أستطيع رؤية جزء كبير من أسوار المدينة القديمة من على المرتفع الذي يقوم عليه عمود بومبي، قمت بقياس بعض الزوايا من هذا المكان، على أمل أن أسجل قياسات أخرى من أماكن مختلفة. و دفعت الحشرية أحد التجار الأتراك الحاضرين للنظر عبر المنظار الذي وجهته نحو المدينة، فتخوّف من رؤية برج مقلوب، و شاعت الأخبار أني جئت المدينة لأقلبها رأسا على عقب، و وصلت الشائعة إلى أذني الحاكم. و رفض الانكشاري المخصص لحراستي مرافقتي و أنا أحمل معي معداتي، و بما أني كنت أعتقد أنه لا يسمح لأوروبي الخروج في المدينة دون أن يرافقه انكشاري، لم أكمل عملياتي الحسابية. و في وقت لاحق، رأى عربي في رشيد مركبا مقلوبا عبر منظاري فكاد يرميه في الأرض، مما دفعني إلى توخي الحذر في أعماقي، و اضطررت إلى ذلك طالما لم أتمكن من التحدث معهم لجهلي لغتهم. و حضر فلاح شريف ورزين الدراسات الفلكية التي قمت بها على الطرف الجنوبي للدلتا، و لكي يرى أمرا مثيرا، أدرت المنظار ناحية القرية، فهلع عند رؤيته المنازل المقلوبة، و سأل خادمي عن السبب فأجابه أن الحكومة مستاءة من سكّان القرية فأرسلتني لأدمرها، فأصيب الرجل بالجزع و طلب مني الانتظار كي يضع زوجته و أولاده و بقرته في مكان آمن، و أكّد له خادمي أن أمامه ساعتين فأسرع عائدا

49

إلى منزله، و أفلت عائدا إلى الباخرة ما إن اجتازت الشمس الهاجرة. و لا ينبغي أن يفاجأ المرء من ردة فعل المسلمين إزاء أمور كهذه، إذا ما فكّر في أن الأوروبيين، منذ وقت غير بعيد، كانوا يعتبرون أي شي‏ء لا يفهمونه سحرا.

كان يتمّ دفن الموتى فيما مضى غرب الإسكندرية، و نجد حاليا الكثير من المدافن هناك. أما نوعية التربة فكنوعية التربة في مالطا، كلسية و لزجة مغطاة بطبقة خفيفة من التراب و الرمل، لذا يتبين لنا عند التجوال على ظهر جواد أن الأرض مفرّغة في بعض الأمكنة. و على مقربة من عمود بومبي، و قرب مصلى صغير، دخلت سراديب للأموات، شبيهة بتلك التي وصفها بوكوك في هذا المكان، أصغر من التي شاهدتها.

و تتألف السراديب من غرفتين محفورتين في الصخر، إحداها خلف الأخرى، و للأولى 12 فجوة من كل جهة على مستويين، و يبلغ ارتفاع كل فجوة قدمين و نصف، أما عرضها فقدمان و عمقها حوالي ستة أقدام، و قد صممت كلها كمدافن، ل 48 شخصا. أما في الغرفة الثانية فلم أجد سوى 6 فجوات، و رأيت في عمق الغرفة قبالة المدخل، فجوة صغيرة في الحائط، يصل ارتفاعها إلى 4 أقدام و عرضها إلى قدمين و نصف. و على بعد فرسخ من الإسكندرية، نحو الغرب، زرنا سراديب أوسع و أبهى، و كان المدخل شبه مسدود بالردميات، و حتى في داخل السراديب اضطررنا أحيانا إلى الزحف لتجنبها. و لقد رأينا في أعلى الممر الأول، بعض الكوى التي يمكن أن تكون قد استعملت لوضع الشموع أو القناديل منحوتة في الصخر، ثم انتقلنا إلى غرفة مربعة، لها من كل جهة باب، و بعض الزينة الهندسية البسيطة. أما الباب الشمالي فيختلف عن الأبواب الأخرى لوجود بابين صغيرين بجانبه، لكن بما أن الركائز التي تفصلها عن الأول قد دمّرها الزمن، لم يعد يشكل معه سوى مدخل وحيد. و بدت الغرفة من هذه الجهة مستديرة و مقببة، و يبلغ قطرها 20 قدما. و شاهدنا ثلاث غرف صغيرة إلى جانب الغرفة الكبرى، و هي تشبه المقابر السورية القديمة و مقابر الملوك قرب القدس، لأن هناك فجوات في الجوانب، يتم وضع الموتى فيها، و قد رسمتها على اللوحة الخامسة، الحرف ب. ثم انتقلنا من الغرفة، التي ذكرتها، عبر باب آخر و ممرات عدة يصعب سلوكها حاليا، إلى ساحة واسعة للغاية، لكنها استحالت واطئة بسبب كميات الغبار و الرمال التي ملأتها و التي دخلتها من فتحات غير معروفة، و لعلهم اعتادوا تخزين القمح في هذا المكان.

و بما أن هذه الساحة كبيرة جدا، سنّدت بصفوف من الركائز التي يبلغ حجمها 3 أقدام مربعة، صنعت من الصخر دون أية زخرفات. و نجد هنا أيضا العديد من الممرات و الأقبية التي حفرت في الصخر، لكنها أضحت ملجأ للحيوانات المفترسة فقررت عدم المخاطرة. و ينبغي التزود بضوء لزيارة هذه السراديب، كما يتم إطلاق النار قبل دخولها لطرد الحيوانات المفترسة التي قد تتواجد فيها. و نجد غرب هذه السراديب مرفأ صغيرا أو خليجا، و يبدو و كأن قصرا قد شيّد على أحد شواطى‏ء الخليج فيما مضى، لأننا نعثر على الكثير من قطع الرخام التي استخدمت على الأرجح لرصف الأرض أو تزيين الجدران. و نشاهد هنا أيضا غرفتين حفرتا في الصخر و كأنهما خزانان للمياه، لأن النزول إليهما، يتمّ عموديا عبر فتحة صغيرة، تعلو

50

درجات تمتد على جهتي الصخرة التي حفرت فيها بعض الأماكن للجلوس بعيدا عن الشمس و القيظ مع التمتع بمنظر البحر. كما تطالعنا أدراج طويلة أخرى حفرت في الصخرة نفسها، و لعل أهم الآثار حمامات بومبي(Pompe ?e) ، و هي مؤلفة من ثلاث غرف متحاذية و محفورة في الصخر، و لكل غرفة باب من جهة المرفأ تدخل منه مياه البحر، أما الغرفة الأخيرة ففي آخرها فتحة صغيرة في الصخر تسمح للمياه بأن تسيل، و تركت مقاعد حفرت في الصخر. و لم أنتبه إلى نسبة ارتفاع أو انخفاض المياه في هذه الأماكن، لكني أعتقد أنها تصل إلى مستوى المقاعد، و نستنتج من ذلك، أن منسوب المياه لا ينخفض كثيرا قرب الإسكندرية.

و لا يتعامل الأجانب مع سكان الإسكندرية، لكن السفن التجارية القادمة من أوروبا و أفريقيا إلى مصر ترسو أمام هذه المدينة فضلا عن تلك التي تأتي لتحميل البضائع من مصر لتنقلها إلى أفريقيا و أوروبا، مما يجعل مردود الجمارك مهما للغاية. و يقيم في الإسكندرية العديد من التجّار الأوروبيين، فضلا عن قنصل فرنسا و البندقية و هولندا و راغوز، و يمثّل إنكلترا قنصل هولندا أيضا، أما السيد ماريون فنائب قنصل الدانمارك و السويد و توسكانه و البندقية. و يتكلم أهالي الإسكندرية و مصر عامة اللغة العربية، أما الأجانب الذين يجهلون هذه اللغة فيعتمدون اللغة الإيطالية، و قد صادفت في الإسكندرية وحدها مسلمين يتكلمون الفرنسية، و الدانماركية و السويدية كما لو أنهم ولدوا في تلك البلاد. و هذا ما يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن أهالي الإسكندرية أكثر قابلية لتعلم اللغات الأجنبية من باقي المسلمين، لكن يبدو أن أمل الكسب و الربح فضلا عن عدم التعلّق بالدين يدفعانهم لتعلم هذه اللغات. و يستحيل أن يمارس مسلم شعائر دينه بين البحارة الأوروبيين، و بالرغم من ذلك نجد إسكندرانيين يعملون لسنوات تحت أمرة قبطان مسيحي، و حين يتعلمون اللغة يكسبون بالتالي الكثير من المال، و بسهولة.

يخضع حاكم الإسكندرية لوصاية القاهرة، و بالتالي لسلطان القسطنطينية. و تدفع القبائل العربية التي تجول في مصر مبالغ معينة للحاكم التركي، و هي مسالمة أحيانا، تتصرف كحليف للأتراك لكنها تعود و تتمرد فيضطر الحاكم إلى إرسال المئات بل الآلاف من العسكر لطردها إلى داخل البلاد. و خلال إقامتنا في الإسكندرية، اقترب هؤلاء الرحّل من المدينة و أخذوا يزعجون الفلاحين العرب. و في 11 تشرين الأول/ أكتوبر، ضرب المئات منهم خيامهم على بعد نصف فرسخ من المدينة، و عند الصباح، أراد قبطانان من البندقية رؤية عمود بومبي، فأوقفوهما البدو و أمروهما بنزع ثيابهما و بتسليم كل ما يملكان، فقال لهم الانكشاري الذي يرافقهما، إنّ هذين الأوروبيين لم يسيئا لهم و إن كان هناك حساب بينهم و بين الحاكم فليصفوه، فتركوا القبطانين و شأنهما و حاولوا سلب الانكشاري الذي لم ينج منهم إلا بعد أن تمزقت ثيابه. و حين يأتي هؤلاء العرب المدينة للتسوق، يدخلونها الواحد تلو الآخر كي لا يلاحظهم السكّان، لكن في ذاك اليوم، دخلوا الإسكندرية بأعداد كبيرة، و جرت حادثة لم أر مثلها في رحلاتي كلها، و قد

51

تابعنا ما جرى من شرفة منزلنا أو من على سطحه: يقول البعض إن سكان الإسكندرية أخبث شعب في الأمبراطورية العثمانية، فحين رأوا أعداءهم، أرادوا الانتقام من الفوضى التي خلّفها هؤلاء خارج المدينة، فيما يعتقد البعض، أن ابن أحد الشيوخ، اشترى رصاصا و بارودا، و أراد تجربة بندقيته في المدينة، فأطلق النار على المنزل المقابل للمتجر الذي اشترى منه. عندئذ، وجّه إليه صاحب المنزل كلاما فظا كما لو أنه من العامة، وردّ عليه الشيخ الشاب كما لو أنه يخاطب أحد أتباعه في الصحراء، فدبّ الخلاف بينهما أولا. و هبّ عرب آخرون لمساندة الشيخ، و سارع سكان المدينة لمساعدة جارهم، فتجمعوا في ساحة كبيرة قرب منزلنا و من الجهة التي ينبغي أن ينسحب العرب منها. و كان يمكن للفرسان بينهم أن ينسحبوا بسهولة، لكنهم رفضوا ترك رفاقهم الراجلين، فأخذوا يكرّون بأفراسهم على جماعات الأعداء فيشتتونها، لكن ما أن ينسحبوا حتى يرشقهم أهالي الإسكندرية بالحجارة إلى أن يصل بعضهم مسلحا. و عند ما تبيّن للعرب البدو أن أهالي الإسكندرية يفوقونهم عددا، حاولوا ألّا يقتلوا أحدا، لكن أعداءهم لم يعاملوهم بالمثل، فقتلوا فارسا رشقا بالحجارة و آخر بالرصاص. و أخيرا، فرّ البدو بعد أن فقدوا خمسة عشر رجلا و بعض الجياد، و أساء الإسكندريون معاملة السجناء، فتوفي اثنان منهم من كثرة الضرب. عندها، حاصر العرب المدينة، و سلبوا السكّان الكثير من المواشي، لكن السلام استتب بعد يومين و أعيدت الغنائم إلى الطرفين.

52

الرحلة من الإسكندرية إلى القاهرة

يسلك الأوروبيون، الذين نشروا أخبار رحلاتهم من الإسكندرية إلى القاهرة، الطريق نفسه، فيقصدون رشيد أولا ثم ينتقلون إلى القاهرة، مبحرين نحو عالية النيل، و كنا نودّ السفر برا لرؤية المناطق المصرية التي لا تزال مجهولة. لكننا نعلم مما تقدّم أن العرب الرحّل يجعلون هذه الرحلة مستحيلة، إلّا إذا كنا لا نكترث إن تعرّضنا للنهب. و هذا ما عانى منه لاحقا أحد رفاقنا، و هو السيد فورسكال الذي أراد التوجه من القاهرة إلى الإسكندرية برا، فأجبر على إعطاء اللصوص الأعراب كل ما يملك. و لم يعيدوا إليه سوى ثيابه الداخلية.

استأجرنا مركبا صغيرا للتوجه من الإسكندرية إلى رشيد، و غادرنا المدينة في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، لكن الرياح المعاكسة لم تسمح لنا بالتقدم كثيرا، فتوقفنا في أبوقير(Abukir) على بعد أربعة فراسخ من الإسكندرية. و يوجد هنا خليج، ترسو فيه السفن التي لا تستطيع الوصول إلى مرفأ الإسكندرية، فضلا عن حصن صغير فيه بعض الجنود قرب القرية. ثم في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، كانت الرياح ما تزال معاكسة، مما دفع رفاقي إلى الانضمام إلى بعض الأتراك الذين انتظروا الرياح المواتية طويلا، و متابعة الطريق عبر البرّ، فاستأجروا زورقا صغيرا لعبور بحيرة تصب فيها مياه النيل و تصب هي في البحر المتوسط، ثم اجتازوا منطقة رملية على ظهور الجياد و الحمير، و لم يجدوا فيها ما يلفت الانتباه سوى عشرة إلى اثني عشر عمودا حجريا، تدل على الطريق حتى رشيد. و على الرغم من ذلك، لم يصلوا قبلي بكثير، فقد هبت رياح مواتية، و وصلت إلى المدينة في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر.

إن الطريق من الإسكندرية إلى رشيد خطيرة جدا في الشتاء، إذ يغرق العديد من السفن في مصب النيل. و بالرغم من أن منسوب المياه في النهر لم ينخفض كثيرا، فاعتذر قبطاننا قائلا إن مجرى النهر يتغيّر غالبا في هذا المكان. و لا خوف على المصريين من هجوم سفن معادية عبر ساعد النهر هذا، و لذا أعتقد أنّ المصريين، تركوا الحصون المحيطة تتداعى. لكن، بقي حصن على الضفة الغربية للنيل بين المصب و رشيد، و هو حصن قديم و عال، إنما مهجور كليا، و لا يلفت الأنظار فيه سوى بعض الكتابات العربية و بعض المدافع الحديدية القديمة، كما نجد حصنا صغيرا، غير جدير بالاهتمام، على الضفة الشرقية للنهر.

و اشتهرت مدينة رشيد، أو روزويت كما يقول الأوروبيون، في تاريخ شبه الجزيرة العربية منذ القدم، لكن يبدو أنها ازدهرت بعد تراجع التجارة في مدينة فوه الواقعة على النيل نحو الشمال. و هي اليوم مخزن للبضائع التي تنقل من القاهرة إلى الإسكندرية إلى القاهرة، لأن السفن الآتية من‏

53

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

54

القاهرة تصل حتى رشيد فقط، و ينطبق الأمر نفسه على تلك المنطقة من الإسكندرية. و رشيد مدينة كبيرة، تقع على الضفة الغربية للنيل، و على مرتفع يطل على النهر من جهة و على مصبه من الجهة الأخرى، و هي على خط عرض 31؟، 24؟. و نجد في جنوبها مرقبا قائما على مرتفع، رسم من أعلاه السيد بورنفند منظرا للمدينة حفر على اللوحة السادسة. و على مقربة من هذا المكان، قرب قرية أبي مندور، يتعرّج النيل بشكل جلي، و في هذا المكان، تمّ اكتشاف 20 عمودا من الرخام فنقلت إلى القاهرة، و ظنّ الأوروبيون المقيمون في رشيد أنهم وجدوا في هذا المكان مدينة كانوبوس(Canopus) . و تقول الروايات المصرية إن ساعدا كبيرا للنيل يمتد من هذه المنطقة نحو الغرب، و يمرّ عبر بحيرات صغيرة أشرنا إليها في اللوحة العاشرة، ليصب أخيرا في البحر قرب أبو قير (*)، لكن هذا الممر مسدود كليا بالرمال التي تحملها الرياح بسهولة و التي تكثر في هذه المنطقة.

و يقيم في رشيد قنصل فرنسا و البندقية و بعض التجّار الأوروبيون الذين يؤمّنون نقل بضائع أصدقائهم بين القاهرة و الإسكندرية، و قد أقمنا في المدينة عند الآباء الفرنسيسكان. و يشيد الأوروبيون بتهذيب و لياقة سكّان هذه المدينة، لذا يمكن أن نقيم فيها لمدة أطول من تلك التي نمضيها في المدن المصرية الأخرى حيث لا يتمتع الأوروبيون بالاحترام اللازم. لكننا سارعنا بالوصول إلى القاهرة، ففي 6 تشرين الثاني/ نوفمبر، غادرنا رشيد على متن مركب صغير و وصلنا في اليوم نفسه إلى منتود(Mentچ‏des) ، و أجبرنا الهواء المعاكس على الإرساء هناك.

في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر مساء، بلغنا بلدة ديروط، فحملت ساعتي و نزلت إلى اليابسة، لأن الجو صاف و لا يخشى عليّ من سكان المنطقة، و بعد مراقبة ارتفاع نجمة في الهاجرة، وجدت أن ديروت تقع على خط العرض 31؟، 13؟، و حاولت مرارا القيام بدراسات فلكية، لكن محاولاتي باءت بالفشل، فاضطررت إلى الاكتفاء بملاحظة تعرجات النيل و الوقت الذي لزمنا للانتقال من مكان إلى آخر، و لسوء الحظ التقيت بأصحاب مراكب رفضوا إعطائي أسماء القرى أو كانوا يجهلونها، إذ ينبغي اجتياز هذه المنطقة مرارا لحفظ كافة الأسماء. و سافرنا في بعض الأحيان ليلا، فلم أستطع رؤية القرى كلها. و بما أن المسافة بين ديروط و القاهرة أكبر من أن يضع المرء خارطة جيدة لمجرى النيل من دون أن يسجل ارتفاعات القطب المختلفة، حددت خلال رحلات قصيرة قمت بها لاحقا، عند ما كنت في القاهرة، موقع وردان على خط عرض 30؟، 3؟، و سأوردها لاحقا بشكل أوضح في الدراسات الفلكية.

____________

(*) و لعل السيد بريتنباخ‏(Breitenbach) أبحر على هذا الساعد من رشيد إلى «أبو قير» عام 1483، و هو الذي أمضى عليه الأمير رادزيفيل‏(Radzivil) مئة عام من القاهرة إلى الإسكندرية. و لعلهم مروا على هذا الساعد الذي يصب، بحسب رواية غرانجر(Granger) ، في البحيرة الواقعة قرب «أبو قير». و لم ألا حظ ساعد النهر هذا، لأنني على الأرجح مررت قربه ليلا أو إن بعض الجزر حجبته عني.