مُسكّن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد

- الشهيد الثاني المزيد...
164 /
1

-

2

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله الذي حكم بالفناء و الزوال على جميع عباده و أنفذ حكمه و أمره فيهم على وفق حكمته و مراده و وعد الصابرين على قضائه و قدره جميل ثوابه و إسعاده و أوعد الساخطين جزيل نكاله و شديد وباله في معاده و لذذ قلوب العارفين بتدبيره فبهجت نفوسهم في تسليمها بقياده هذا مع عجز كل منهم عن دفاع ما أمضاه و إن تمادى الجاهل في عناده فإياه سبحانه أحمد على كل حال و أسأله الإمداد بتوفيقه و إرشاده و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أستدفع بها الأهوال في ضيق المحشر و وهاده و أشهد أن محمدا (ص) عبده و رسوله أفضل من بشر و حذر و أعلم من رضي بالقضاء و صبر و خدم به سلطان معاده (صلى الله عليه و على آله) الأخيار-

3

أعظم الخلائق بلاء و أشدهم عناء و أسدهم تسليما و رضاء صلاة دائمة واصلة إلى كل واحد بانفراده و بعد فلما كان الموت هو الحادث العظيم و الأمر الذي هو على تفريق الأحبة مقيم و كان فراق المحبوب يعد من أعظم المصائب حتى كاد يزيغ له قلب ذي العقل و الموسوم بالحدس الصائب خصوصا و من أعظم الأحباب الولد الذي هو مهجة الألباب و لهذا رتب على فراقه جزيل الثواب و وعد أبواه شفاعته فيهما يوم المآب فلذلك جمعت في هذه الرسالة جملة من آثار النبوية و أحوال أهل الكلمات العلية و نبذة من التنبيهات الجلية ما ينجلي به إن شاء الله الصداء عن قلوب المحزونين و تنكشف به الغمة عن المكروبين بل تبتهج به نفوس العارفين و يستيقظ من اعتبره من سنة الغافلين و سميتها مسكنة الفؤاد عند فقد الأحبة و الأولاد و رتبتها على مقدمة و أبواب و خاتمة- أما المقدمة فاعلم أنه ثبت أن العقل هو الآلة التي بها عرف الله [الإله‏] سبحانه و حصل به تصديق الرسل و التزام الشرائع و أنه المحرص على طلب الفضائل و المخوف من الاتصاف بالرذائل فهو مدبر أمور الدارين و سبب لحصول‏

4

الرئاستين و مثله كالنور في الظلمة فقد يقل عند قوم فيكون كعين الأعمى الأعشى و يزيد عند آخرين فيكون كالنهار في وقت الضحى فينبغي لمن رزق العقل أن لا يخالفه فيما يراه و لا يخلد إلى متابعة غفلته و هواه بل يجعله حاكما له و عليه و يراجعه فيما يرشده إليه فيكشف [فينكشف‏] له حينئذ ما يوجب الرضا بقضاء الله تعالى سيما فيما نزل به من هذا الفراق من وجوه كثيرة نذكر بعضها الأول أنك إذا نظرت إلى عدل الله و حكمته و تمام فضله و رحمته و كمال عنايته ببريته إذ أخرجهم من العدم إلى الوجود و أسبغ عليهم جلائل النعم و أيدهم بالألطاف و أمدهم بجزيل المعونة و الإسعاف كل ذلك ليأخذوا حظهم من السعادة الأبدية و الكرامة السرمدية لا لحاجة منه إليهم و لا لاعتماد في شي‏ء من أمره عليهم لأنه الغني المطلق و الجواد المحقق و كلفهم [تبارك و تعالى‏] بالتكاليف الشاقة و الأعمال النقلية ليأخذوا منه حظا و أملا و ليبلوهم‏ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا و ما فعل ذلك إلا لغاية منفعتهم و تمام مصلحتهم و أرسل عليهم الرسل‏ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ‏ و أنزل عليهم الكتب و أودعها ما فيه بلاغ للعالمين و تحقيق هذا المرام [المقام‏] مستوفى في باب العدل‏

5

من علم الكلام و إذا كانت أفعاله تعالى و تقدس كلها لمصلحتهم و ما فيه تمام شرفهم و الموت من جملة ذلك كما نطق به الوحي الإلهي في عدة آيات كقوله تعالى‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا و قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ‏ و أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ و اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها إلى غير ذلك من الآيات فلو لا أن في ذلك غاية المصلحة و نهاية الفائدة للعبد الضعيف الغافل عن مصلحته التائه في حيرة جهله و غفلته لما فعله الله تعالى به لما قد عرفت من أنه أرحم الراحمين و أجود الأجودين فإن حدثتك نفسك بخلاف ذلك فاعلم أنه الشرك الخفي و إن أيقنته و لم تطمئن نفسك و تسكن روعتك فهو الحمق الجلي و إنما نشأ ذلك من الغفلة عن حكمة الله تعالى في بريته و حسن قضائه في خليقته حتى إن العبد ليبتهل و يدعو الله تعالى أن يرحمه و يجيب دعاءه في أمثال ذلك فيقول الله تعالى لملائكته كيف أرحمه من شي‏ء به أرحمه فتدبر رحمك الله تعالى في هذه الكلمات الإلهية تكفيك في هذا الباب إن شاء الله تعالى الثاني أنه إذا نظرت إلى أحوال الرسل (ع) و صدقتهم فيما أخبروا به من الأمور الدنيوية و الأخروية و عدوا به‏

6

من السعادة الدائمة الأبدية و علمت أنهم إنما أتوا بما أتوا به عن الله جل جلاله و اعتقدت أن قولهم معصوم عن الخطإ محفوظ عن الغلط و الهوى و سمعت ما وعدوا به من الثواب على أي نوع من أنواع المصائب كما ستراه و تسمعه سهل عليك موقعه و علمت أن لك في ذلك غاية الفائدة و تمام السعادة الدائمة و أنك قد أعددت لنفسك كنزا من الكنوز مذخورا بل حرزا و معقلا و جنة من العذاب الأليم و العقاب العظيم الذي لا يطيقه بشر و لا يقوى به أحد مع أن وليك [ولدك‏] شاركك في هذه السعادة فقد فزت أنت و هو فلا ينبغي أن تجزع و مثل لنفسك أنه لو وهمك أمر عظيم أو وثب عليك سبع أو حية أو هجمت عليك نار مضرمة و كان عندك أعز أولادك و أحبهم إلى نفسك و بحضرتك نبي من الأنبياء لا ترتاب في صدقه و أخبرك أنك إذا افتديت بولدك سلمت أنت و ولدك و إن لم تفعل عطبت و الحال أنك لا تعلم هل يعطب ولدك أو يسلم أ يشك العاقل أن الافتداء بالولد الذي يتحقق معه سلامة الولد و يرجى معه أيضا سلامة الوالد هو عين المصلحة و أن عدم ذلك و التعرض لعطب الأب و الولد هو عين المفسدة-

7

بل ربما قدم كثير من الناس نفسه على ولده و افتدى به و إن تيقن عطب الولد كما اتفق ذلك في المفاوز و المخمصة هذا كله و إن كان في نار و عطب ينتفي [ينقضي‏] ألمه في ساعة واحدة و ربما ينتقل بعده إلى الراحة و الجنة فما ظنك بألم يبقى أبد الآباد و يمكث سنين [سنوات‏]- وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ‏ منها- كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ و لو يراها أحدنا [و لو رآها راء] و أشرف عليها لود أن يفتدي‏ بِبَنِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ. وَ فَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ كَلَّا إِنَّها لَظى‏ نَزَّاعَةً لِلشَّوى‏. تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى وَ جَمَعَ فَأَوْعى‏ و من هنا جاء

مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ (ص)

أَنَّهُ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ قَدْ مَاتَ وَلَدُهُ فَاشْتَدَّ حُزْنُهُ وَ جَزَعُهُ عَلَيْهِ يَا ابْنَ مَظْعُونٍ إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ وَ لِلنَّارِ

سَبْعَةُ أَبْوابٍ‏

أَ فَمَا [أَ فَلَا] يَسُرُّكَ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَاباً مِنْهَا إِلَّا وَجَدْتَ ابْنَكَ إِلَى جَنْبِكَ [إِلَى جَنْبِهِ‏] آخِذاً بِحُجْزَتِكَ لِيَسْتَشْفِعَ لَكَ إِلَى رَبِّكَ حَتَّى يُشَفِّعَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ سَيَأْتِي لَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ

الثالث أنك إنما تحب بقاء ولدك لينفعك في دنياك أو في آخرتك و لا تريد في الأغلب بقاءه لنفسه فإن هذا هو المجبول على طبع الخلق على أن منفعته لك على تقدير بقائه غير معلومة-

8

بل كثيرا ما يكون المظنون عدمها فإن الزمان قد صار في آخره و الشقوة و الغفلة قد شملت أكثر الخلائق و قد عز السعيد و قل الصالح الحميد فنفعه لك بل لنفسه على تقدير بقائه غير معلوم و انتفاعه الآن و سلامته من الخطر و نفعه لك قد صار معلوما فلا ينبغي أن تترك الأمر المعلوم لأجل الأمر المظنون بل الموهوم و تأمل أكثر الخلف لأكثر السلف هل تجد منهم نافعا لأبويه إلا أقلهم أو مستيقظا إلا واحدهم حتى إذا رأيت واحدا كذلك فعد ألوفا بخلافه و إلحاقك ولدك الواحد بالفرد النادر الفذ دون الأغلب الكثير عين الغفلة و الغباوة فإن الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم كما ذكره سيد الوصيين و ترجمان رب العالمين (ص) مع أن ذلك الفرد الذي تريده مثله أنما هو صالح نافع بحسب الظاهر و ما الذي يدريك بباطنه و فساد نيته و ظلمه لنفسه فلعلك لو كشفت عن باطنه ظهر لك أنه منطو على معاصي و فضائح لا ترضاها لنفسك و لا لولدك و تتمنى أن ولدك لو كان على مثل حالته يموت فإنه خير له هذا كله إذا كنت تريد أن تجعل ولدك واحدا في‏

9

العالمين و وليا من الصالحين فكيف و أنت لا تريده إلا ليرث بيتك أو بستانك أو دوابك و أمثال ذلك من الأمور الخسيسة الزائلة عما قريب و تترك [تركه‏] يرث الفردوس الأعلى في جوار أولاد النبيين و المرسلين مبعوثا مع الآمنين الفرحين مربا إن كان صغيرا في حجر سارة أم النبيين كما وردت به الأخبار عن سيد المرسلين ما هذا إلا معدودا من السفه لو عقلت و لو كان مرادك أن تجعله من العلماء الراسخين و الصلحاء المتقين و تورثه علمك و كتبك و غيرها من أسباب الخير فاذكر أيضا أن ذلك كله لو تم معك فما وعد الله من العوض على فقده أعظم من مقصدك كما هو ستسمعه إن شاء الله تعالى مثل-

مَا رَوَاهُ الصَّدُوقُ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

وَلَدٌ وَاحِدٌ يُقَدِّمُهُ الرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ وَلَداً يَبْقُونَ بَعْدَهُ يُدْرِكُونَ الْقَائِمَ (ع)

- و اعتبر أنه لو قيل إن رجلا فقيرا معه ولد عليه خلقان الثياب قد أسكنه في خربة مغفرة ذات آفات كثيرة و فيها بيوت حيات و عقارب و سباع ضارية و هو معه على خطر عظيم فاطلع عليه رجل حكيم جليل ذو ثروة و حشمة [حشم‏] و خدم و قصور

10

عالية و رتب سامية فرق لهذا الرجل و لولده فأرسل إليه بعض غلمانه أن سيدي يقول لك إني قد رحمتك مما بك في هذه الخربة و هو خائف عليك و على ولدك من العاهات و قد تفضلت عليك بهذا القصر ينزل به ولدك و يوكل به جارية عظيمة من كرائم جواريه تقوم بخدمته إلى أن تقضي أنت أغراضك التي في نفسك ثم إذا قدمت و أردت الإقامة أنزلتك معه في القصر بل في قصر أحسن من قصره فقال الرجل الفقير أنا لا أرضى بذلك و لا يفارقني ولدي في هذه الخربة لا لعدم وثوقي بالرجل الباذل و لا زهدا مني في داره و قصره و لا لأماني على ولدي في هذه الخربة بل طبعي اقتضى ذلك و ما أريد أن أخالف طبعي أ فما كنت أيها السامع لوصف هذا الرجل تعده من أدنياء السفهاء و أخساء الأغبياء فلا تقع [فإياك أن تقع‏] في خلق لا ترضاه لغيرك فإن نفسك أغر عليك من غيرك و اعلم أن لسع الأفاعي و أكل السباع و غيرهما من آفات الدنيا لا نسبة له إلى أقل محنة من محن الآخرة المكتسبة في الدنيا بل لا نسبة لها إلى إعراض الخالق سبحانه و توبيخه‏

11

ساعة واحدة في عرصة القيامة أو عرضة واحدة على النار مع الخروج منها بسرعة فما ظنك بتوبيخ يكون ألف عام أو أضعافه و بنفخة من عذاب جهنم يبقى ألمها ألف عام و لسعة من حياتها و عقاربها يبقى ألمها أربعين خريفا و أي نسبة لأعلى قصر في دار الدنيا إلى أدنى مسكن في الجنة و أي مناسبة بين خلقان الثياب في الدنيا إلى فاخرها إلى أعلى ما في الدنيا بالإضافة إلى سندس الجنة و إستبرقها و هلم جرا ما فيها من النعيم المقيم بل لو تأملت بعين بصيرتك في هذا المثل و أجلت فيه رؤيتك علمت أن ذلك الكريم الكبير بل جميع العقلاء لا يرضون من ذلك الفقير بمجرد تسليم ولده و رضائه بأخذه بل لا بد في الحكمة من حمده عليه و شكره و إظهار الثناء عليه بما هو أهله لأن ذلك هو مقتضى حق النعمة الرابع أن في الجزع بذلك و السخط انحطاطا عظيما عن مرتبة الرضا بقضاء الله و في فوات ذلك خطر وخيم و فوات نبيل عظيم فقد ذم الله تعالى من سخط بقضائه-

وَ قَالَ‏

مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَعْبُدْ رَبّاً سِوَايَ‏

وَ فِي كَلَامِهِ لِمُوسَى (ع) حِينَ قَالَ لَهُ دُلَّنِي عَلَى أَمْرٍ فِيهِ رِضَاكَ قَالَ‏

12

إِنَّ رِضَايَ فِي رِضَاكَ بِقَضَائِي‏

و في القرآن الكريم‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‏

وَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وَ أُرِيدُ وَ إِنَّمَا يَكُونُ مَا أُرِيدُ فَإِنْ سَلَّمْتَ لِمَا أُرِيدُ كَفَيْتُكَ مَا تُرِيدُ وَ إِنْ لَمْ تُسَلِّمْ مَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ ثُمَّ لَا يَكُونُ [إِلَّا] مَا أُرِيدُ

و قال تعالى‏ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‏ و اعلم أن الرضا بقضاء الله تعالى ثمرة المحبة لله إذ من أحب شيئا رضي بفعله و رضا العبد عن الله دليل على رضا الله تعالى عن العبد- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‏ و صاحب هذه المرتبة مع رضا الله تعالى عنه الذي هو أكمل السعادات و أجل الكمالات لا يزال مستريحا لأنه لم يوجد منه أريد و لا أريد كلاهما عنده واحد و رضوان الله أكبر- إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ و سيأتي لذلك بحث آخر إن شاء الله تعالى في باب الرضا و اعلم أن البكاء لا ينافي الرضا و لا يوجب السخط و إنما مرجع ذلك إلى القلب كما ستعرفه إن شاء الله تعالى و من ثم بكاء الأنبياء و الأئمة (ع) على أبنائهم و أحبائهم فإن ذلك أمر طبيعي للإنسان لا حرج فيه إذا لم يقترن بالسخط و

13

سيأتي الخامس أن ينظر صاحب المصيبة إلى أنه في دار قد طبعت على الكدر و العناء و جبلا على المصائب و البلاء فما يقع فيها من ذلك هو مقتضى جبلتها و موجب طبيعتها و إن وقع خلاف ذلك فهو على خلاف العادة لأمر آخر خصوصا على الأكابر و النبلاء من الأنبياء و الأوصياء و الأولياء فقد نزل بهم من الشدائد و الأهوال ما يعجز عن حملة الجبال كما هو معلوم في المصنفات التي لو ذكر بعضها لبلغ مجلدات-

وَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ (ص)

أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ‏

وَ قَالَ النَّبِيُّ (ص)

الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ

و قد قيل إن الدنيا ليس فيها لذة على الحقيقة إنما لذاتها راحة من مؤلم و هذا أحسن لذاتها و أبهى بهجاتها مباشرة النساء المترتب عليه حصول الأبناء كم يعقبه من قذى أقله ضعف القوى و تعب الكسب و العناء و متى حصل محبوب كانت آلامه تربو على لذاته و السرور به لا يبلغ معشار حسراته و أقل آفاته في الحقيقة الفراق الذي ينكث الفؤاد و يذهب الأجساد فكلما تظن في الدنيا أنه‏

14

شراب سراب و عمارتها و إن حسنت إلى خراب و مالها و إن اغتر بها الجاهل إلى ذهاب و من خاض الماء الغمر لا يجزع من بلل كما أن من دخل بين الصفين لا يخلو من وجل و من العجب من أدخل يده في فم الأفاعي كيف ينكر اللسع و أعجب منه من يطلب من المطبوع على الضر النفع و ما أحسن قول بعض الفضلاء في مرثية ابنه-

طبعت على كدر و أنت تريدها* * * صفوا من الأقذار و الأكدار

و مكلفو الأيام ضد طباعها* * * متطلب في الماء حذوه نار

و إذا رجوت المستحيل فإنما* * * تبني البناء على شفير هار

قال بعض العارفين ينبغي لمن نزلت به مصيبة أن يسهلها على نفسه و لا يغفل عن تذكر ما يعقبه من وجوب الفناء و تقضي المسار و إن الدنيا دار من لا دار له و مال من لا مال له يجمعها من لا عقل له و يسعى لها من لا ثقة له و فيها يعادي من لا علم له و عليها يحسد من لا فقه له من صح فيها سقم و من سقم فيها برم و من افتقر فيها حزن و من استغنى فيها فتن و اعلم أنك قد خلقت في‏

15

هذه الدار لغرض خاص لأن الله تعالى منزه عن العبث و قد قال الله تعالى- وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ و قد جعلها مكتسبا لدار القرار و جعل تعالى بضاعتها الأعمال الصالحة و وقتها العمر و هو قصير جدا بالنظر إلى ما يطلب من السعادة الأبدية التي لا انقضاء لها فإن اشتغلت بها و استيقظت استيقاظ الرجال و اهتممت بشأنك اهتمام الأبدال رجوت أن تنال نصيبك منها فلا تضيع عمرك في الاهتمام بغير ما خلقت له يضيع وقتك و يذهب عمرك بلا فائدة فإن الغائب لا يعود و الميت لا يرجع و تفوتك السعادة التي خلقت لها فيا لها حسرة لا تفنى و غبن لا يزول إذا عاينت درجات السابقين و أبصرت منازل المقربين و أنت مقصر من الأعمال الصالحة خلى من المتاجر الرائحة فقس ذلك الألم على هذه الآلام و ادفع أصعبهما عليك و أضرهما لك مع أنك تقدر على دفع سبب هذا و لا تقدر على دفع سبب ذاك-

كَمَا قَالَ (ع)

إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَضَاءُ وَ أَنْتَ مَأْجُورٌ وَ إِنْ لَمْ تَصْبِرْ جَرَى عَلَيْكَ الْقَضَاءُ وَ أَنْتَ مَأْزُورٌ

فاغتنم شبابك قبل هرمك-

16

و صحتك قبل سقمك و اجعل الموت نصب عينيك و استعد له بصالح العمل و دع الاشتغال بغيرك فإن الموت يأتي إليك دونه و تأمل قوله تعالى‏ وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏. وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ فقصر أملك و أصلح [أحسن‏] عملك فإن [فإنما] السبب الأكثري الموجب للاهتمام بالأموال و الأولاد طول الأمل-

وَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ (ص) لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ وَ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ وَ خُذْ مِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ وَ مِنْ صِحَّتِكَ لِسُقْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَداً

وَ قَالَ عَلِيٌّ (ع)

إِنَّ أَشَدَّ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ خَصْلَتَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَعْدِلُ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْحُبَّ لِلدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ أَلَا إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا لِمَنْ يُحِبُّ وَ يُبْغِضُ وَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً أَعْطَاهُ الْإِيمَانَ أَلَا إِنَّ لِلدِّينِ أَبْنَاءً وَ لِلدُّنْيَا أَبْنَاءً فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدِّينِ وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُوَلِّيَةً أَلَا إِنَّ الْآخِرَةَ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ عَمَلٍ لَيْسَ فِيهِ حِسَابٌ أَلَا وَ إِنَّكُمْ تُوشِكُونَ فِي يَوْمِ حِسَابٍ لَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ‏

و اعلم أن محبوبا يفارقك-

17

و يبقى على نفسك حسرته و ألمه و في حال إيصاله كدك و كدحك و جدك و اجتهادك و مع ذلك لا يخلو زمانك معه من تتغيظ به أو عليه لأجل أن تتسلى عنه و تطلب لنفسك محبوبا غيره و تجتهد في أن يكون موصوفا بحسن الصحبة و دوام الملازمة و زيادة الأنس و تمام المنفعة فإن ظفرت به فذلك هو الذي ينبغي أن يكون بغيتك التي تحفظها و تهتم بها و تنفق وقتك عليها و هو غاية كل محبة و منتهى كل مقصد و ما ذاك إلا الاشتغال بالله و صرف الهمة إليه و تفويض ما خرج من ذلك إليه فإن ذلك دليل على حب الله تعالى‏ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ‏- وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ‏ و قد جعل النبي (ص) الحب لله من شرط الإيمان-

فَقَالَ‏

لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا

و لا يتحقق الحب في قلب أحدكم [لأحد] مع كراهته لفعله و سخطه به بل مع رضاه به على كل وجه بل على وجه الحقيقة لا على وجه التكلف و التعنت-

وَ فِي أَخْبَارِ دَاوُدَ (ع)

يَا دَاوُدُ أَبْلِغْ أَهْلَ أَرْضِي أَنِّي حَبِيبُ مَنْ أَحَبَّنِي وَ جَلِيسُ مَنْ جَالَسَنِي وَ

18

مُؤْنِسٌ لِمَنْ آنَسَ بِذِكْرِي وَ صَاحِبٌ لِمَنْ صَاحَبَنِي وَ مُخْتَارٌ لِمَنِ اخْتَارَنِي وَ مُطِيعٌ لِمَنْ أَطَاعَنِي مَا أَحَبَّنِي أَحَدٌ أَعْلَمُ ذَلِكَ يَقِيناً مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا قَبِلْتُهُ لِنَفْسِي وَ أَحْيَيْتُهُ حَيَاةً لَا يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِي مَنْ طَلَبَنِي بِالْحَقِّ وَجَدَنِي وَ مَنْ طَلَبَ غَيْرِي لَمْ يَجِدْنِي فَارْفُضُوا يَا أَهْلَ الْأَرْضِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ غُرُورِهَا وَ هَلُمُّوا إِلَى كَرَامَتِي وَ مُصَاحَبَتِي وَ مُجَالَسَتِي وَ مُؤَانَسَتِي وَ آنِسُوا بِي أُوَانِسْكُمْ وَ أُسَارِعْ إِلَى مَحَبَّتِكُمْ‏

وَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى بَعْضِ الصِّدِّيقِينَ أَنَّ لِي عِبَاداً مِنْ عِبَادِي يُحِبُّونِّي وَ أُحِبُّهُمْ وَ يَشْتَاقُونَ إِلَيَّ وَ أَشْتَاقُ إِلَيْهِمْ وَ يَذْكُرُونِّي وَ أَذْكُرُهُمْ فَإِنْ أَخَذْتَ طَرِيقَتَهُمْ أَحْبَبْتُكَ وَ إِنْ عَدَلْتَ عَنْهُمْ مَقَتُّكَ فَقَالَ يَا رَبِّ وَ مَا عَلَامَتُهُمْ قَالَ يُرَاعُونَ الظِّلَالَ بِالنَّهَارِ كَمَا يُرَاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ وَ يَحِنُّونَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ كَمَا يَحِنُّ الطَّيْرُ إِلَى أَوْكَارِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَإِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ وَ اخْتَلَطَ الظَّلَامُ وَ فُرِشَتِ الْمَفَارِشُ وَ نُصِبَتِ الْأَسِرَّةُ وَ خَلَا كُلُّ حَبِيبٍ بِحَبِيبِهِ نَصَبُوا إِلَيَّ أَقْدَامَهُمْ وَ افْتَرَشُوا إِلَيَّ وُجُوهَهُمْ وَ نَاجَوْنِي بِكَلَامِي وَ تَمَلَّقُونِي بِأَنْعَامِي مَا بَيْنَ صَارِخٍ وَ بَاكٍ وَ مَا بَيْنَ مُتَأَوِّهٍ وَ شَاكٍ وَ بَيْنَ قَائِمٍ وَ قَاعِدٍ

19

وَ بَيْنَ رَاكِعٍ وَ سَاجِدٍ بِعَيْنِي مَا يَتَحَمَّلُونَ مِنْ أَجْلِي وَ بِسَمْعِي مَا يَشْكُونَ مِنْ حُبِّي أَقَلُّ مَا أُعْطِيهِمْ ثَلَاثاً الْأَوَّلُ أَقْذِفُ مِنْ نُورِي فِي قُلُوبِهِمْ فَيُخْبِرُونَ عَنِّي كَمَا أُخْبِرُ عَنْهُمْ وَ الثَّانِي لَوْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ وَ مَا فِيهِمَا فِي مَوَازِينِهِمْ لَاسْتَقْلَلْتُهَا لَهُمْ وَ الثَّالِثُ أُقْبِلُ بِوَجْهِي عَلَيْهِمْ أَ فَتَرَى مَنْ أَقْبَلْتُ بِوَجْهِي عَلَيْهِ أَ يَعْلَمُ مَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَهُ‏

و هاهنا نقطع الكلام في المقدمة و نشرع في الأبواب‏

الباب الأول في بيان الأعواض الحاصلة من موت الأولاد و ما يقرب من هذا المراد

اعلم أن الله سبحانه عدل كريم و أنه غني مطلق لا يليق بكمال ذاته و جميل صفاته أن ينزل بعبده المؤمن في دار الدنيا شيئا من البلاء و إن قل ثم لا يعوضه عنه ما يزيد عليه إذ لو لم يعطه شيئا بالكلية كان له ظالما و لو عوضه بقدره كان عابثا تعالى الله عنهما علوا كبيرا و قد تظافرت بذلك الأخبار النبوية

وَ مِنْهَا

أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَوْ يَعْلَمُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ عَلَى الْبَلَاءِ لَتَمَنَّى أَنَّهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا قُرِّضَ بِالْمَقَارِيضِ‏

و نقتصر منها على ما يختص بما نحن فيه‏

فَقَدْ رَوَاهُ‏

20

عَنِ النَّبِيِّ (ص) أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثِينَ صَحَابِيّاً رَوَى الصَّدُوقُ (رحمه الله) بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُتْبَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ‏

أَيُّمَا رَجُلٍ قَدَّمَ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَوِ امْرَأَةٍ قَدَّمَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فَهُمْ حُجَّابٌ يَسْتُرُونَهُ عَنِ النَّارِ

وَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ‏

مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُقَدِّمَانِ عَلَيْهِمَا ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ‏

الحنث بكسر الحاء المهملة و آخره ثاء مثلثة الإثم و الذنب و المعنى أنهم لم يبلغوا السن الذي يكتب عليهم فيه الذنوب و الآثام قال الخليل بلغ الغلام الحنث أي جرى عليه القلم‏

وَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ‏

مَنْ قَدَّمَ أَوْلَاداً يَحْتَسِبُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَجَبُوهُ مِنَ النَّارِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ مُيَسِّرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ‏

وَلَدٌ وَاحِدٌ يُقَدِّمُهُ الرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ يُخَلِّفُهُمْ مِنْ بَعْدِهِ كُلُّهُمْ قَدْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

وَ عَنْهُ (ع)

ثَوَابُ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَلَدِهِ الْجَنَّةُ-

21

صَبَرَ أَوْ لَمْ يَصْبِرْ

وَ عَنْهُ (ع)

مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ جَزِعَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَجْزَعْ صَبَرَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَصْبِرْ كَانَ ثَوَابُهُ مِنَ اللَّهِ الْجَنَّةَ

وَ عَنْهُ (ع)

وَلَدٌ وَاحِدٌ يُقَدِّمُهُ الرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ وَلَداً يَبْقُونَ بَعْدَهُ يُدْرِكُونَ الْقَائِمَ ع‏

وَ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى النَّبِيِّ (ص) أَنَّهُ قَالَ‏

مَا نَزَلَ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَ الْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَ وَلَدِهِ وَ مَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ‏

إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْزِلَةٌ وَ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلٍ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ثُمَّ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ‏

بَخْ بَخْ خَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَ الْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى لِلرَّجُلِ فَيَحْتَسِبُهُ‏

بخ بخ كلمة تقال عند المدح و الرضا

22

بالشي‏ء و تكرير للمبالغة و ربما شددت و معناها تفخيم الأمر و تعظيمه و معنى يحتسبه أي يجعله حسبة و كفاية عند الله عز و جل أي يحتسب تصبره على مصيبته بموته و رضاه بالقضاء

وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) قَالَ‏

إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ عَجَباً فَذَكَرَ حَدِيثاً طَوِيلًا وَ فِيهِ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي قَدْ خففت [خَفَ‏] مِيزَانُهُ فَجَاءَ أَفْرَاطُهُ فَثَقَّلُوا مِيزَانَهُ‏

الفرط بفتح الفاء و الراء هو الذي لم يدرك من الأولاد الذكور و الإناث و يتقدم وفاته على أبويه أو أحدهما يقال فرط القوم إذا تقدمهم و أصله الذي يتقدم الركب إلى الماء و يهيئ لهم أسبابه‏

وَ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى إِنَّ السِّقْطَ لَيَظَلُّ مُحْبَنْطِئاً عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلْ يَقُولُ حَتَّى يَدْخُلَ أَبَوَايَ‏

السقط مثلث السين و الكسر أفضل [أكثر] هو الذي يسقط من بطن أمه قبل إتمامه و محبنطئا بالهمز و تركه هو المغضب المستبطئ للشي‏ء

وَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جيدة [صيدة] [حَيْدَةَ] الْقُشَيْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ (ص) قَالَ‏

سَوْدَاءُ وَلُودٌ

23

خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ لَا تَلِدُ إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ حَتَّى إِنَّ السِّقْطَ لَيَظَلُّ مُحْبَنْطِئاً عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَنَا وَ أَبَوَايَ فَيُقَالُ أَنْتَ وَ أَبَوَاكَ‏

وَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَمْرٍو عَمَّنْ حَدَّثَهُ‏

أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ (ص) فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَنْهَا ثُمَّ أَتَاهُ ثَانِيَةً فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَنَهَاهُ عَنْهَا ثُمَّ أَتَاهُ ثَالِثَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) سَوْدَاءُ وَلُودٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَاقِرٍ حَسْنَاءَ ثُمَّ قَالَ (ص) أَ مَا عَلِمْتَ أَنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ حَتَّى إِنَّ السِّقْطَ لَيَبْقَى مُحْبَنْطِئاً عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلْ فَيَقُولُ لَا حَتَّى يَدْخُلَ أَبَوَايَ فَيَشْفَعَ فِيهِمَا فَيَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ

وَ عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلَةِ

وَ كَانَ لَا يُولَدُ لَهُ وَ هُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَ لَأَنْ يُولَدَ لِي فِي الْإِسْلَامِ وَلَدٌ وَ يَمُوتَ سِقْطاً فَأَحْتَسِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِيَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا

وَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ‏

النُّفَسَاءُ يَجُرُّهَا وَلَدُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسِرَرِهَا إِلَى الْجَنَّةِ

النفساء بضم النون و فتح الفاء امرأة إذا ولدت و السرر بكسر السين المهملة و فتحها ما تقطعه القابلة من سرة المولود التي هي‏

24

موضع القطع و ما بقي بعد القطع فهو سرة و كأنه يريد الولد الذي لم تقطع سرته‏

وَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

مَنْ قَدَّمَ مِنْ صُلْبِهِ وَلَداً لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يُخَلِّفَ مِنْ بَعْدِهِ مِائَةً كُلُّهُمْ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تَسْكُنُ رَوْعَتُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

وَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

لَأَنْ أُقَدِّمَ سِقْطاً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُخَلِّفَ مِائَةَ فَارِسٍ كُلُّهُمْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

وَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى‏

أَنَّ النَّبِيَّ (ص) قَالَ لِلزُّبَيْرِ يَا زُبَيْرُ إِنَّكَ إِنْ تُقَدِّمْ سِقْطاً أَخْيَرُ مِنْ أَنْ تَدَعَ بَعْدَكَ مِنْ وُلْدِكَ مِائَةً كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى فَرَسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

وَ عَنِ النَّبِيِّ (ص) أَنَّهُ قَالَ‏

يُقَالُ لِلْوِلْدَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا وَ أُمَّهَاتُنَا قَالَ فَيَأْبَوْنَ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا لِي أَرَاهُمْ مُحْبَنْطِئِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ آبَاؤُنَا فَيَقُولُ تَعَالَى ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ‏

وَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ‏

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ خَرَجَ وِلْدَانُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجَنَّةِ بِأَيْدِيهِمُ الشَّرَابُ قَالَ فَيَقُولُ النَّاسُ لَهُمُ اسْقُونَا اسْقُونَا فَيَقُولُونَ أَبَوَيْنَا أَبَوَيْنَا قَالَ حَتَّى إِنَّ السِّقْطَ

25

مُحْبَنْطِئاً بِبَابِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ لَا أَدْخُلُ حَتَّى يَدْخُلَ أَبَوَايَ‏

وَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نُودِيَ فِي أَطْفَالِ الْمُؤْمِنِينَ أَنِ اخْرُجُوا مِنْ قُبُورِكُمْ فَيَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ ثُمَّ يُنَادَى فِيهِمْ أَنِ امْضُوا

إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً

فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ وَالِدَيْنَا مَعَنَا ثُمَّ يُنَادَى فِيهِمْ ثَانِيَةً أَنِ امْضُوا

إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً

فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ وَالِدَيْنَا ثُمَّ يُنَادَى فِيهِمْ ثَالِثَةً أَنِ امْضُوا

إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً

فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وَ وَالِدَيْنَا فَيَقُولُ فِي الرَّابِعَةِ وَ وَالِدَيْكُمْ مَعَكُمْ فَيَثِبُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أَبَوَيْهِ فَيَأْخُذُونَ بِأَيْدِيهِمْ فَيَدْخُلُونَ بِهِمُ الْجَنَّةَ فَهُمْ أَعْرَفُ بِآبَائِهِمْ وَ أُمَّهَاتِهِمْ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَوْلَادِكُمُ الَّذِينَ فِي بُيُوتِكُمْ‏

الزمر الأفواج المتفرقة بعضها في أثر بعض و قيل الزمر الذين التقوا من الطبقات المختلفة أي الشهداء و الزهاد و العلماء و الفقراء و القراء و المحدثون و غيرهم‏

وَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ‏

أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَجِي‏ءُ بِصَبِيٍّ مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ أَنَّهُ مَاتَ فَاحْتَبَسَ وَالِدُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ صَبِيُّهُ الَّذِي‏

26

رَأَيْتَهُ مَعَهُ فَقَالَ (ص) هَلَّا آذَنْتُمُونِي فَقُومُوا إِلَى أَخِينَا نُعَزِّيهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ إِذَا الرَّجُلُ حَزِيناً وَ بِهِ كَئَابَةٌ فَعَزَّاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَرْجُوهُ لِكِبَرِ سِنِّي وَ ضَعْفِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَ مَا يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِزَائِكَ فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَ أَبَوَايَ فَلَا يَزَالُ يَشْفَعُ حَتَّى يُشَفِّعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيكُمْ وَ يُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ جَمِيعاً

احتبس أي تخلف عن المجي‏ء إلى النبي (ص) و آذنتموني بالمد أي أخبرتموني و الكئابة بالمد تغير النفس بالانكسار من شدة الهم و الحزن و الضعف بضم المعجمة و فتحها و بإزائك أي بحذائك‏

وَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً قَالَ‏

تُوُفِّيَ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَدٌ فَاشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلَيْهِ حَتَّى اتَّخَذَ فِي دَارِهِ مَسْجِداً يَتَعَبَّدُ فِيهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ (ص) فَقَالَ يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا رَهْبَانِيَّةً إِنَّمَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَا عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ وَ لِلنَّارِ

سَبْعَةُ أَبْوابٍ‏

أَ فَلَا يَسُرُّكَ أَلَّا تَأْتِيَ بَاباً مِنْهَا إِلَّا وَجَدْتَ ابْنَكَ بِجَنْبِهِ آخِذاً بِحُجْزَتِكَ لِيَشْفَعَ لَكَ‏

27

إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَنَا فِي أَفْرَاطِنَا مَا لِعُثْمَانَ قَالَ نَعَمْ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمْ وَ احْتَسَبَ‏

و الحجزة بضم الحاء المهملة و الزاء موضع شد الإزار ثم قيل للإزار حجزة

وَ عَنْ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ‏

أَنَّ النَّبِيَّ (ص) كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مَعَ ابْنٍ لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (ص) ذَاتَ يَوْمٍ يَا فُلَانُ تُحِبُّهُ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُحِبُّهُ كَحُبِّكَ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ (ص) فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ ابْنُهُ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ (ع) أَ مَا تَرْضَى [أَ وَ لَا تَرْضَى‏] أَنْ لَا تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا جَاءَ حَتَّى يَفْتَحَهُ لَكَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ لَهُ وَحْدَهُ أَمْ لِكُلِّنَا قَالَ بَلْ لِكُلِّكُمْ‏

وَ رَوَى الْبَيْهَقِيُ‏

أَنَّ النَّبِيَّ (ص) كَانَ إِذَا جَلَسَ يُحَلِّقُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ كَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ بُنَيٌّ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى أَنْ هَلَكَ ذَلِكَ الصَّبِيُّ فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ مِنَ الْحَلْقَةِ أَنْ يَحْضُرَهَا تَذَكُّراً لَهُ وَ حُزْناً قَالَ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ (ص) قَالَ مَا لِي لَا أَرَى فُلَاناً-

28

فَقِيلَ ابْنُهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ فَمَنَعَهُ الْحُزْنُ أَسَفاً عَلَيْهِ وَ تَذَكُّراً لَهُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ (ص) فَسَأَلَهُ عَنِ ابْنِهِ فَأَخْبَرَهُ بِهَلَاكِهِ فَعَزَّاهُ وَ قَالَ يَا فُلَانُ أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ أَوْ لَا تَأْتِيَ غَداً بَاباً مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ أَحَبُّ إِلَيَّ قَالَ فَذَاكَ لَكَ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَ هَذَا لِهَذَا خَاصَّةً أَمْ مَنْ هَلَكَ لَهُ طِفْلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ بَلْ مَنْ هَلَكَ لَهُ طِفْلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ‏

الحلقة بإسكان اللام بعد فتح الحاء كل شي‏ء مستدير خالي الوسط و الجمع حلق بفتحتين و حكي فتحه في الموجز و هو نادر

وَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى‏

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) عَزَّى رَجُلًا عَلَى ابْنِهِ فَقَالَ آجَرَكَ اللَّهُ وَ أَعْظَمَ لَكَ الْأَجْرَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ وَ كَانَ ابْنِي قَدْ أَجْزَأَ عَنِّي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (ص) أَ يَسُرُّكَ أَنْ يُشِيرَ لَكَ أَوْ يَتَلَقَّاكَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ بِالْكَأْسِ قَالَ مَنْ لِي بِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ لَكَ بِهِ وَ لِكُلِ‏

29

مُسْلِمٍ مَاتَ وَلَدُهُ فِي الْإِسْلَامِ‏

أجزأ بمعنى كفى و الكأس بالهمز و قد يترك تخفيفا هو الإناء فيه شراب و لا يسمى بذلك إلا بانضمامه إليه و قيل هو اسم لهما على الاجتماع و الانفراد و الجمع أكؤس ثم كئوس‏

وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص)

إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ أَ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَا ذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَ اسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَ سَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ

وَ رُوِيَ‏

أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ (ص) وَ مَعَهَا ابْنٌ لَهَا مَرِيضٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَشْفِيَ لِيَ ابْنِي هَذَا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) هَلْ لَكِ فَرَطٌ قَالَتْ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَتْ بَلْ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ

الجنة بالضم الوقاية أي وقاية لك من النار أو من جميع الأهوال و حصينة بمعنى الفاعل أي محصنة لصاحبها و ساترة له من أن يصل إليه شر

وَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

30

مَنْ دَفَنَ ثَلَاثَةً وَ صَبَرَ عَلَيْهِمْ وَ احْتَسَبَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ وَ اثْنَيْنِ فَقَالَ مَنْ دَفَنَ اثْنَيْنِ وَ صَبَرَ عَلَيْهِمَا وَ احْتَسَبَهُمَا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ وَ وَاحِدٌ فَسَكَتَ وَ أَمْسَكَ فَقَالَ يَا أُمَّ أَيْمَنَ مَنْ دَفَنَ وَاحِداً وَ صَبَرَ عَلَيْهِ وَ احْتَسَبَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ

وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ كَانَ لَهُ حِصْناً حَصِيناً فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ فَقَالَ (ص) وَ اثْنَيْنِ ثُمَّ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَدَّمْتُ وَاحِداً فَقَالَ (ص) وَ وَاحِداً وَ لَكِنْ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى‏

وَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِ‏

أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ (ص) اجْعَلْ لَنَا يَوْماً تَعِظُنَا فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَ قَالَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ كَانُوا لَهَا حِجَاباً مِنَ النَّارِ قَالَتِ امْرَأَةٌ وَ اثْنَانِ قَالَ وَ اثْنَانِ‏

وَ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ‏

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَعَاهَدُ الْأَنْصَارَ وَ يَعُودُهُمْ وَ يَسْأَلُ عَنْهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً مَاتَ ابْنٌ لَهَا فَجَزِعَتْ عَلَيْهِ فَأَتَاهَا فَأَمَرَهَا بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الصَّبْرِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ رَقُوبٌ لَا أَلِدُ وَ لَمْ يَكُنْ لِي وَلَدٌ غَيْرَهُ-

31

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) الرَّقُوبُ الَّتِي لَا يَبْقَى لَهَا وَلَدُهَا ثُمَّ قَالَ مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَوْ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ يَمُوتُ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ إِلَّا أَدْخَلَهَا اللَّهُ الْجَنَّةَ

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ

أَنَّهُ (ص) قَالَ لَهَا أَ مَا تُحِبِّينَ أَنْ تَرَيِنَّهُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَ هُوَ يَدْعُوكِ إِلَيْنَا قَالَتْ بَلَى قَالَ فَإِنَّهُ كَذَلِكِ‏

الرقوب بفتح الراء هي التي لا يولد لها أو لا يعيش ولدها هذا بحسب اللغة و قد خصه النبي (ص) بما ذكر

وَ عَنِ النَّصْرِ السُّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ‏

لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلَّا كَانُوا لَهُ حِصْناً مِنَ النَّارِ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَ اثْنَانِ فَقَالَ وَ اثْنَانِ‏

وَ عَنْهُ (ص)

مَنْ قَدَّمَ مِنْ وُلْدِهِ ثَلَاثاً صَابِراً مُحْتَسِباً كَانَ مَحْجُوباً مِنَ النَّارِ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‏

وَ فِي لَفْظٍ آخَرَ

مَنْ قَدَّمَ شَيْئاً مِنْ وُلْدِهِ صَابِراً مُحْتَسِباً حَجَزَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مِنَ النَّارِ

وَ عَنْ أُمِّ مُيَسِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص)

أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَ هِيَ تَطْبُخُ حَبّاً فَقَالَ مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانُوا لَهُ حِجَاباً مِنَ النَّارِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ اثْنَانِ فَقَالَ لَهَا وَ اثْنَانِ يَا أُمَّ مُيَسِّرٍ

وَ فِي لَفْظٍ آخَرَ

فَقَالَتْ أَوْ فَرَطَانِ قَالَ أَوْ فَرَطَانِ‏

وَ عَنْ قبيضة بن برهة [قَبِيصَةَ بْنِ بُرْمَةَ] قَالَ‏

كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص‏

32

جَالِساً إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي فَإِنَّهُ لَيْسَ يَعِيشُ لِي وَلَدٌ قَالَ وَ كَمْ مَاتَ لَكِ قَالَتْ ثَلَاثَةٌ قَالَ لَقَدْ أُحْظِرْتِ مِنَ النَّارِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ

الحظار بكسر الحاء المهملة و الظاء المشالة الحظيرة تعمل للإبل من شجر ليقيها البرد و الريح و منه المحظور للمحرم أي الممنوع من الدخول فيه كان عليه حظيرة تمنع من دخوله‏

وَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ‏

أَنَّ النَّبِيَّ (ص) قَالَ لِامْرَأَةٍ هَلْ لَكِ فَرَطٌ قَالَتْ ثَلَاثَةٌ قَالَ (ص) جُنَّةٌ حَصِينَةٌ

وَ عَنْهُ (ص)

مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُقَدِّمَانِ ثَلَاثَةً لَا يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ ذُو الِاثْنَيْنِ قَالَ وَ ذُو الِاثْنَيْنِ إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ مُضَرَ وَ إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَسْتَطْعِمُ النَّارَ حَتَّى يَكُونَ أَحْذَرَ وَ إِيَّاهَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَ صَحَّحُوهُ‏

وَ عَنْهُ (ص) قَالَ‏

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَقَّقْتُ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَادَقُونَ مِنْ أَجْلِي وَ حَقَّقْتُ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي ثُمَّ قَالَ (ع) مَا مِنْ مُؤْمِنٍ وَ لَا مُؤْمِنَةٍ يُقَدِّمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ

33

مِنْ صُلْبِهِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ‏

وَ عَنْهُ (ص)

مَنْ دَفَنَ ثَلَاثَةً مِنْ وُلْدِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ

وَ عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ‏

لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالرَّبَذَةِ وَ هُوَ يَسُوقُ بَعِيراً لَهُ عَلَيْهِ مَزَادَتَانِ وَ فِي عُنُقِ الْبَعِيرِ قرتة [قِرْبَةٌ] فَقُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا لَكَ قَالَ عَمَلِي قُلْتُ حَدِّثْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ قَالَ قُلْتُ فَحَدِّثْنِي قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالِهِ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ فَقُلْتُ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ إِنْ كَانَ رَجُلًا فَرَجُلَيْنِ وَ إِنْ كَانَ بَعِيراً فَبَعِيرَيْنِ وَ إِنْ كَانَ بَقَراً فَبَقَرَتَيْنِ حَتَّى أَعَدَّ أَصْنَافَ الْمَالِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ

وَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ‏

وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا بَنِي سَلِمَةَ مَا الرَّقُوبُ فِيكُمْ قَالُوا الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ قَالَ بَلْ هُوَ الَّذِي لَا فَرَطَ لَهُ قَالَ مَا الْمُعْدِمُ فِيكُمْ قَالُوا الَّذِي لَا مَالَ لَهُ قَالَ بَلْ هُوَ الَّذِي يَقْدَمُ وَ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ

وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ‏

دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ‏

34

ص عَلَى امْرَأَةٍ يُعَزِّيهَا بِابْنِهَا فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّكِ جَزِعْتِ جَزَعاً شَدِيداً قَالَتْ وَ مَا يَمْنَعُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ تَرَكَنِي عَجُوزاً رَقُوباً فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) لَسْتِ بِرَقُوبٍ إِنَّمَا الرَّقُوبُ الَّتِي تُتَوَفَّى وَ لَيْسَ لَهَا فَرَطٌ وَ لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَعُودُونَ عَلَيْهَا مِنْ أَفْرَاطِهِمْ فَتِلْكَ الرَّقُوبُ‏

و هذه الأحاديث كلها مستخرجة من أصول مسندة تركنا أسنادها و أصولها اختصارا لأن الله سبحانه بفضله و رحمته قد وعد الثواب لمن عمل بما بلغه و إن لم يكن الأمر كما بلغه ورد ذلك أيضا في عدة أحاديث من طرقنا و طرق العامة

فصل فيما يتعلق بهذا الباب‏

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ‏

مَاتَ لِدَاوُدَ (ع) وَلَدٌ فَحَزِنَ عَلَيْهِ حَزَناً كَثِيراً فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا دَاوُدُ وَ مَا كَانَ يَعْدِلُ هَذَا الْوَلَدُ عِنْدَكَ قَالَ يَا رَبِّ كَانَ يَعْدِلُ هَذَا عِنْدِي مِلْ‏ءَ الْأَرْضِ ذَهَباً قَالَ فَلَكَ أَيْضاً عِنْدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِلْ‏ءَ الْأَرْضِ ثَوَاباً

وَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ هِنْدٍ قَالَ‏

رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَ كَأَنَّ النَّاسَ يُدْعَوْنَ إِلَى الْحِسَابِ قَالَ فَقَرُبْتُ إِلَى الْمِيزَانِ وَ وُضِعَتْ‏

35

حَسَنَاتِي فِي كَفَّةٍ وَ سَيِّئَاتِي فِي كَفَّةٍ فَرَجَحَتِ السَّيِّئَاتُ عَلَى الْحَسَنَاتِ فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ مَغْمُومٌ إِذْ أُتِيتُ بِمِنْدِيلٍ أَبْيَضَ أَوْ خِرْقَةٍ بَيْضَاءَ فَوُضِعَتْ مَعَ حَسَنَاتِي فَرَجَحَتْ فَقِيلَ لِي أَ تَدْرِي مَا هَذَا قُلْتُ لَا قِيلَ هَذَا سِقْطٌ كَانَ لَكَ قُلْتُ فَإِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةٌ فَقِيلَ بِنْتُكَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّكَ كُنْتَ تَتَمَنَّى مَوْتَهَا

وَ عَنْ أَبِي شَوْذَبٍ‏

أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ ابْنٌ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ قَالُوا مَا هِيَ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَى ابْنِي هَذَا أَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَ تُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِي قَالَ فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ رَأَى فِي نَوْمِهِ كَأَنَّ النَّاسَ قَدْ جُمِعُوا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ أَصَابَهُمْ عَطَشٌ شَدِيدٌ فَإِذَا الْوِلْدَانُ قَدْ خَرَجُوا مِنَ الْجَنَّةِ مَعَهُمُ الْأَبَارِيقُ وَ مِنْهُمْ ابْنُ أَخٍ لَهُ فَالْتَمَسَ أَنْ يَسْقِيَهُ فَأَبَى فَقَالَ يَا عَمِّ إِنَّا لَا نَسْقِي إِلَّا الْآبَاءَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وَلَدِي هَذَا فَرَطاً لِي فَدَعَا فَأَمَّنُوا فَلَمْ يَلْبَثِ الصَّبِيُّ حَتَّى مَاتَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشِّعْبِ‏

وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ قَالَ‏

كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ابْنٌ لَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَ لَقَّنَهُ أَبُوهُ مِنَ الْفِقْهِ وَ الْحَدِيثِ شَيْئاً كَثِيراً فَمَاتَ فَأَتَيْتُهُ لِأُعَزِّيَهُ فَقَالَ‏

36

كُنْتُ أَشْتَهِي مَوْتَهُ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَنْتَ عَالِمُ الدُّنْيَا تَقُولُ بِمِثْلِ هَذَا فِي صَبِيٍّ قَدْ أَنْجَبَ وَ قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَ لَقَّنْتَهُ الْحَدِيثَ وَ الْفِقْهَ قَالَ نَعَمْ رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَ كَأَنَّ صِبْيَاناً بِأَيْدِيهِمُ القلاك [الْقِلَالُ‏] وَ فِيهَا مَاءٌ يَسْتَقْبِلُونَ النَّاسَ يَسْقُونَهُمْ وَ كَانَ الْيَوْمُ يَوْماً شَدِيدَ الْحَرِّ فَقُلْتُ لِأَحَدِهِمْ اسْقِنِي مِنْ هَذَا الْمَاءِ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَ قَالَ لَسْتَ أَنْتَ أَبِي قُلْتُ فَأَيُّ شَيْ‏ءٍ أَنْتُمْ قَالُوا نَحْنُ الصِّبْيَانُ الَّذِينَ مِتْنَا فِي دَارِ الدُّنْيَا وَ خَلَّفْنَا آبَاءَنَا فَنَسْتَقْبِلُهُمْ وَ نُسْقِيهِمْ فَلِهَذَا تَمَنَّيْتُ مَوْتَهُ‏

وَ رَوَى الْغَزَّالِيُّ فِي الأخبار [الْإِحْيَاءِ]

أَنَّ بَعْضَ الصَّالِحِينَ كَانَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ التَّزْوِيجُ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ فَيَأْبَى قَالَ فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ ذَاتَ يَوْمٍ وَ قَالَ زَوِّجُونِي فَزَوَّجُوهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي وَلَداً فَيَقْبِضَهُ فَيَكُونَ لِي مُقَدِّمَةً فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَ كَأَنِّي فِي جُمْلَةِ الْخَلَائِقِ فِي الْمَوْقِفِ وَ لِي مِنَ الْعَطَشِ مَا كَادَ أَنْ يَقْطَعَ قَلْبِي وَ كَذَا الْخَلَائِقُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ وَ الْكَرْبِ فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ وَ إِذِ الْوِلْدَانُ يَتَخَلَّلُونَ‏

37

الْجَمْعَ عَلَيْهِمْ قَنَادِيلُ مِنْ نُورٍ وَ بِأَيْدِيهِمْ أَبَارِيقُ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوَابٌ مِنْ ذَهَبٍ يَسْقُونَ الْوَاحِدَ بَعْدَ الْوَاحِدِ وَ يُجَاوِزُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ فَمَدَدْتُ يَدِي إِلَى أَحَدِهِمْ فَقُلْتُ اسْقِنِي فَقَدْ أَجْهَدَنِيَ الْعَطَشُ فَقَالَ مَا لَكَ فِينَا وَلَدٌ إِنَّمَا نَسْقِي آبَاءَنَا فَقُلْتُ وَ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا نَحْنُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ‏

وَ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ فِي كِتَابِ مِصْبَاحِ الظَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ‏

أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ أَنْ يُقْرِئَ سَلَامَهُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) وَ يَدْفِنَ رُقْعَةً مَخْتُومَةً أَعْطَاهَا لَهُ عِنْدَ رَأْسِهِ الشَّرِيفِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ حَجِّهِ أَكْرَمَهُ الرَّجُلُ وَ قَالَ لَهُ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً لَقَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ فَتَعَجَّبَ الْمُبَلِّغُ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالَ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ تَبْلِيغَهَا قَبْلَ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُهُ قَالَ كَانَ لِي أَخٌ مَاتَ وَ تَرَكَ ابْناً صَغِيراً فَرَبَّيْتُهُ وَ أَحْسَنْتُ تَرْبِيَتَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَ الْحَشْرَ قَدْ وَقَعَ وَ النَّاسُ قَدِ اشْتَدَّ بِهِمُ الْعَطَشُ مِنْ شِدَّةِ الْجَهْدِ وَ بِيَدِ ابْنِ أَخِي مَاءٌ فَالْتَمَسْتُ أَنْ يَسْقِيَنِي فَأَبَى فَقَالَ أَبِي أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ فَعَظُمَ عَلَيَّ ذَلِكَ فَانْتَبَهْتُ فَزِعاً فَلَمَّا أَصْبَحْتُ تَصَدَّقْتُ‏

38

بِجُمْلَةِ دَنَانِيرَ وَ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي وَلَداً ذَكَراً فَرَزَقَنِيهِ وَ اتَّفَقَ سَفَرُكَ فَكَتَبْتُ لَكَ تِلْكَ الرُّقْعَةَ وَ مَضْمُونُهَا التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ (ص) إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قَبُولِهِ مِنِّي رَجَاءَ أَنْ أَجِدَهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ حُمَّ وَ مَاتَ وَ كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ وُصُولِكَ فَعَلِمْتُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ

وَ فِي كِتَابِ النَّوْمِ وَ الرُّؤْيَا لِأَبِي الصَّقْرِ الْمَوْصِلِيِّ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ جَعْفَرٍ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ أَثِقُ بِدِينِهِ وَ فَهْمِهِ قَالَ‏

أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ لَيْلًا فَنِمْتُ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ قُبُورٍ عِنْدَهَا قَبْرٌ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَرْبَعَةَ أَطْفَالٍ قَدْ خَرَجُوا مِنْ تِلْكَ الْقُبُورِ وَ هُمْ يَقُولُونَ-

أَنْعَمَ اللَّهُ بِالْحَبِيبَةِ عَيْناً* * * وَ بِمَسْرَاكِ يَا أُمَيْمُ إِلَيْنَا

عَجَباً مَا عَجِبَتْ مِنْ ضَغْطَةِ* * * الْقَبْرِ وَ مَعَ ذَاكِ يَا أُمَيْمُ إِلَيْنَا

فَقُلْتُ إِنَّ لِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ شَأْناً وَ أَقَمْتُ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَ إِذَا جَنَازَةٌ قَدْ أَقْبَلَتْ فَقُلْتُ مَنْ هَذِهِ فَقَالُوا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقُلْتُ اسْمُهَا أُمَيْمُ قَالُوا نَعَمْ قُلْتُ قَدَّمَتْ فَرَطاً قَالُوا أَرْبَعَةً فَأَخْبَرْتُهُمْ‏

39

بِالْخَبَرِ فَأَخَذُوا يَتَعَجَّبُونَ مِنْ هَذَا وَ مَا أَحْسَنَ مَا أَنْشَدَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ يَقُولُ شِعْراً-

عَطِيَّتُهُ إِذَا أَعْطَى سُرُوراً* * * وَ إِنْ سَلَبَ الَّذِي أَعْطَى أَثَابَا

فَأَيُّ النِّعْمَتَيْنِ أُعِدُّ فَضْلًا* * * وَ أَحْمَدُ عِنْدَ عُقْبَاهَا إِيَاباً

أَ نِعْمَتُهُ الَّتِي كَانَتْ سُرُوراً* * * أَمِ الْأُخْرَى الَّتِي جَلَبَتْ ثَوَاباً

الباب الثاني في الصبر و ما يلحق به‏

الصبر في اللغة حبس النفس من الفزع من المكروه و الجزع عنه و إنما يكون ذلك بمنع باطنه من الاضطراب و أعضائه من الحركات الغير المعتادة و هي ثلاثة أنواع الأول صبر العوام و هو حبس النفس على وجه التجلد و إظهار الثبات في النائبات ليكون حاله عند العقلاء و عامة الناس مرضية- يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏ الثاني صبر الزهاد و العباد و أهل التقوى و أرباب الحكم لتوقع ثواب الآخرة- إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ الثالث صبر العارفين فإن لبعضهم التذاذا بالمكروه لتصورهم أن معبودهم‏

40

خصهم به من دون الناس و صاروا ملحوظين بشرف نظرته- وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏ و هذا النوع يختص باسم الرضا و سيأتي في باب خاص و الأول لا ثواب عليه لأنه لم يفعله لله و إنما فعله لأجل الناس بل هو في الحقيقة رياء محض فكلما ورد في الرياء آت فيه و لكن الجزع شر منه لأن النفوس البشرية تميل إلى التخلق بأخلاق النظراء و المعاشرين و الخلطاء فيفشا الجزع فيهم و إذا رأوا أحوال الصابرين مالت نفوسهم إلى التخلق بأخلاقهم فربما صار ذلك سببا لكمالهم فيحصل منه فائدة في نظام النوع و إن لم يعد على هذا الصابر و الصبر عند الإطلاق يحمل على القسم الثاني و اعلم أن الله سبحانه قد وصف الصابرين بأوصاف و ذكر الصابرين في نيف و سبعين موضعا و أضاف أكثر الخيرات و الدرجات إلى الصبر و جعلها ثمرة له فقال عز من قائل- وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا و قال‏ وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا و قال تعالى‏ وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ‏

41

صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‏ و قال‏ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا و قال‏ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ فما من قربة إلا و أجرها بتقدير و حساب إلا الصبر و لأجل كون الصوم نصف من الصبر و إنه نصف الصبر كان لا يتولى أجره إلا الله تبارك و تعالى كما ورد في الأثر

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏

الصَّوْمُ لِي وَ أَنَا الَّذِي أُجْزَى بِهِ‏

فأضافه إلى نفسه من بين سائر العبادات و وعد الصابرين بأنه معهم فقال‏ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏ و علق النصرة على الصبر فقال- بَلى‏ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏ و جمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال‏ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏ فالهدى و الصلاة و الرحمة مجموعة للصابرين و استقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول و أما الأخبار

فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ (ص)

الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ‏

وَ قَالَ (ص)

مِنْ أَقَلِّ مَا أُوتِيتُمُ الْيَقِينُ وَ عَزِيمَةُ الصَّبْرِ وَ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْهُمَا لَمْ يُبَالِ مَا فَاتَهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَ صِيَامِ النَّهَارِ وَ لَأَنْ تَصْبِرُوا عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُوَافِيَنِي كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ بِمِثْلِ‏

42

عَمَلِ جَمِيعِكُمْ وَ لَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا بَعْدِي فَيُنْكِرَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَ يُنْكِرَكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ عِنْدَ ذَلِكَ فَمَنْ صَبَرَ وَ احْتَسَبَ ظَفِرَ بِكَمَالِ ثَوَابِهِ ثُمَّ قَرَأَ

ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا

وَ رَوَى جَابِرٌ

أَنَّهُ (ص) سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ الصَّبْرُ وَ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ (ع) الْحَجُّ عَرَفَةٌ

وَ قَالَ (ص)

أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ‏

وَ قِيلَ‏

أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ (ع) تَخَلَّقْ بِأَخْلَاقِي وَ إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِيَ الصَّبْرَ

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ‏

لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَلَى الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَ مُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ فَسَكَتُوا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ وَ مَا عَلَامَةُ إِيمَانِكُمْ قَالُوا نَشْكُرُ عَلَى الرَّخَاءِ وَ نَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ وَ نَرْضَى بِالْقَضَاءِ فَقَالَ مُؤْمِنُونَ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ

وَ قَالَ الْمَسِيحُ (ع)

إِنَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَ مَا تُحِبُّونَ إِلَّا بِصَبْرِكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ‏

وَ قَالَ (ص)

لَوْ كَانَ الصَّبْرُ رَجُلًا لَكَانَ كَرِيماً

وَ قَالَ عَلِيٌّ (ع)

بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ الْيَقِينِ وَ الصَّبْرِ وَ الْجِهَادِ وَ الْعَدْلِ‏

وَ قَالَ أَيْضاً

الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ وَ لَا جَسَدَ لِمَنْ لَا رَأْسَ لَهُ وَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا

43

صَبْرَ لَهُ‏

وَ قَالَ عَلِيٌّ (ع)

عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّهُ بِهِ يَأْخُذُ الْجَازِمُ وَ بِهِ يَعُودُ الْجَازِعُ‏

وَ قَالَ عَلِيٌّ (ع)

إِنْ صَبَرْتَ جَرَتْ عَلَيْكَ الْمَقَادِيرُ وَ أَنْتَ مَأْجُورٌ وَ إِنْ جَزِعْتَ جَرَتْ عَلَيْكَ الْمَقَادِيرُ وَ أَنْتَ مَأْزُورٌ

وَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) عَنِ النَّبِيِّ (ص) قَالَ‏

إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يُقَالُ لَهَا شَجَرَةُ الْبَلْوَى وَ تُؤْتَى لِأَهْلِ الْبَلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يُرْفَعُ لَهُمْ دِيوَانٌ وَ لَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ صَبّاً وَ قَرَأَ ع-

إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏

وَ عَنْهُ (ع) عَنِ النَّبِيِّ (ص)

مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا رَجُلٌ أَوْ جُرْعَةِ صَبْرٍ عَلَى مُصِيبَةٍ وَ مَا مِنْ قَطْرَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَطْرَةِ دَمْعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ قَطْرَةِ دَمٍ أُهْرِقَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

وَ عَنْهُ (ع)

الْمَصَائِبُ مَفَاتِيحُ الْأَجْرِ

وَ عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (ع)

إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ الصَّابِرُونَ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ يَا بَنِي آدَمَ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ وَ قَبْلَ‏

44

الْحِسَابِ فَقَالُوا نَعَمْ قَالُوا وَ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا الصَّابِرُونَ قَالُوا وَ مَا كَانَ صَبْرُكُمْ قَالُوا صَبَرْنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ صَبَرْنَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ حَتَّى تَوَفَّانَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَالُوا أَنْتُمْ كَمَا قُلْتُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ

فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ‏

وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِذَا وَجَّهْتُ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ أَنْصِبَ لَهُ مِيزَاناً أَوْ أَنْشُرَ لَهُ دِيوَاناً

وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ (ص) قَالَ‏

ثَلَاثٌ مَنْ رُزِقَهُنَّ فَإِنَّهُ رُزِقَ خَيْرَ الدَّارَيْنِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ وَ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ‏

كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَقَالَ يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيْمُ أَ لَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَ إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ‏

و اعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا و أن النصر مع الصبر و أن الفرح مع الكرب و أن‏ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً

وَ عَنْهُ (ص)

يُؤْتَى الرَّجُلُ فِي قَبْرِهِ‏

45

بِالْعَذَابِ فَإِذَا أُوتِيَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ دَفَعَهُ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَ إِذَا أُوتِيَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ دَفَعَتْهُ الصَّدَقَةُ وَ إِذَا أُوتِيَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ دَفَعَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ الصَّبْرُ حَجَزَهُ يَقُولُ أَمَا لَوْ رَأَيْتُ خَلَلًا لَكُنْتُ صَاحِبَهُ وَ فِي لَفْظٍ آخَرَ إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْقَبْرَ قَامَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ وَ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ وَ الْبِرُّ يُظِلُّ عَلَيْهِ وَ الصَّبْرُ بِنَاحِيَةٍ يَقُولُ دُونَكُمْ صَاحِبِي فَإِنِّي مِنْ وَرَائِهِ يَعْنِي إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوا عَنْهُ الْعَذَابَ وَ إِلَّا فَأَنَا أَكْفِيكُمْ ذَلِكَ وَ أَدْفَعُ عَنْهُ الْعَذَابَ‏

وَ عَنْهُ (ص)

عَجَباً لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ وَ لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَ إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ‏

وَ عَنْهُ (ص)

أَ لَا أُعَجِّبُكُمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَ خَيْراً حَمِدَ اللَّهَ وَ شَكَرَ وَ إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَ صَبَرَ فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى اللُّقْمَةَ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ‏

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ

حَتَّى اللُّقْمَةَ يَرْفَعُهَا إِلَى فَمِ امْرَأَتِهِ‏

وَ عَنْهُ (ص)

الصَّبْرُ خَيْرُ مَرْكَبٍ مَا رَزَقَ اللَّهُ عَبْداً خَيْراً لَهُ وَ لَا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ

وَ سُئِلَ (ص) هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ-

46

قَالَ نَعَمْ كُلُّ رَحِيمٍ صَبُورٍ

وَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ‏

إِنَّ الْحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ إِنْ نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا وَ إِنْ تَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ وَ إِنْ أُسِرَ وَ قُهِرَ وَ اسْتُبْدِلَ بِالْيُسْرِ عُسْراً كَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ الْأَمِينُ (ع) لَمْ يَضْرُرْ حُرِّيَّتَهُ أَنِ اسْتُعْبِدَ وَ أُسِرَ وَ قُهِرَ وَ لَمْ تَضْرُرْهُ ظُلْمَةُ الْجُبِّ وَ وَحْشَتُهُ وَ مَا نَالَهُ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ الْجَبَّارَ الْعَالِيَ لَهُ عَبْداً بَعْدَ أَنْ كَانَ مَلِكاً فَأَرْسَلَهُ وَ رَحِمَ بِهِ أُمَّتَهُ وَ كَذَلِكَ الصَّبْرُ يُعْقِبُ خَيْراً فَاصْبِرُوا وَ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْخَيْرِ تُؤْجَرُوا

وَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع)

الْجَنَّةُ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ وَ الصَّبِرِ مَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَكَارِهِ فِي الدُّنْيَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَ جَهَنَّمُ مَحْفُوفَةٌ بِاللَّذَّاتِ وَ الشَّهَوَاتِ فَمَنْ أَعْطَى نَفْسَهُ لَذَّتَهَا أَوْ شَهْوَتَهَا دَخَلَ النَّارَ

وَ عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَ صَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَ صَبْرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَ مَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ-

47

كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سِتَّمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إِلَى الْعَرْشِ وَ مَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ‏

وَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع)

مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِبَلَاءٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ أَلْفِ شَهِيدٍ

وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنِّي جَعَلْتُ الدُّنْيَا بَيْنَ عِبَادِي قَرْضاً فَمَنْ أَقْرَضَنِي مِنْهَا قَرْضاً أَعْطَيْتُهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ واحدة [وَاحِدٍ] عشر [عَشْراً] إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَ مَا شِئْتُ مِنْ ذَلِكَ وَ مَنْ لَمْ يُقْرِضْنِي مِنْهَا قَرْضاً فَأَخَذْتُ مِنْهُ شَيْئاً قَسْراً أَعْطَيْتُهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَوْ أَعْطَيْتُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ مَلَائِكَتِي لَرَضُوا بِهَا مِنِّي ثُمَّ تَلَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-

الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ‏

فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ-

وَ رَحْمَةٌ

اثْنَانِ-

وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏

ثَلَاثٌ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع‏

48

هَذَا لِمَنْ صَبَرَ أَخَذَ [اللَّهُ‏] مِنْهُ شَيْئاً قَسْراً

فصل‏

وَ عَنْهُ (ع)

الضَّرْبُ عَلَى الْفَخِذِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُحْبِطُ الْأَجْرَ وَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى أَعْظَمُ وَ عِظَمُ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ وَ مَنِ اسْتَرْجَعَ بَعْدَ الْمُصِيبَةِ جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَهَا كَيَوْمَ أُصِيبَ بِهَا

وَ سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ (ص) مَا يُحْبِطُ الْأَجْرَ فِي الْمُصِيبَةِ فَقَالَ تَصْفِيقُ الرَّجُلِ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ وَ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَ مَنْ سَخِطَ فَعَلَيْهِ السَّخَطُ

وَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَةِ النَّبِيِّ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ‏

مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

اللَّهُمَّ أْجُرْنِي عَلَى مُصِيبَتِي وَ اخْلُفْ لِي خَيْراً مِنْهَا إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُصِيبَتِهِ وَ أَخْلَفَ لَهُ خَيْراً مِنْهَا قَالَتْ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (ص) فَأَخْلَفَ لِي خَيْراً مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ‏

وَ فِي لَفْظٍ آخَرَ

إِنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي‏

49

وَ اخْلُفْ لِي خَيْراً مِنْهُ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ أَنَا أَدْبُغُ إِهَاباً فَغَسَلْتُ يَدِي مِنَ الْقَرَظِ وَ أَذِنْتُ لَهُ فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أُدَيْمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَقَعَدَ عَلَيْهَا فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِهِ (ص) فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ وَ لَكِنِّي امْرَأَةٌ فِيَّ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ فَأَخَافُ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئاً يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِهِ وَ أَنَا امْرَأَةٌ قَدْ دَخَلْتُ فِي السِّنِّ وَ أَنَا ذَاتُ عِيَالٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي قَالَتْ فَقَدْ سَلَّمْتُ نَفْسِي لِرَسُولِ اللَّهِ فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَدْ أَبْدَلَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْراً مِنْهُ النَّبِيَّ ص‏

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)

إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعاً فَإِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ وَفَاةُ أَخِيهِ فَلْيَقُلْ عِنْدَهُ‏

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

-

وَ إِنَّا إِلى‏ رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ‏

اللَّهُمَّ اكْتُبْهُ عِنْدَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَ اجْعَلْ كِتَابَهُ فِي عِلِّيِّينَ وَ اخْلُفْ عَلَى عَقِبِهِ فِي الْآخِرِينَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَ لَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ‏

وَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) أَنَّ النَّبِيَّ ص‏

50

قَالَ‏

مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَقَالَ إِذَا ذَكَرَهَا

إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏

جَدَّدَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ أَجْرَهَا مِثْلَ مَا كَانَ لَهُ يَوْمَ إِصَابَتِهِ‏

فصل‏

وَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ‏

أَنَّ النَّبِيَّ (ص) كَانَ إِذَا نَزَلَ بِأَهْلِهِ شِدَّةٌ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ قَرَأَ-

وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ‏

أَنَّهُ نُعِيَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُثَمُ فَسَلَّمَ وَ هُوَ فِي سَفَرِهِ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ فَأَنَاخَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْجُلُوسَ ثُمَّ قَامَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَ هُوَ يَقُولُ‏

وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏

وَ عَنْهُ‏

أَنَّهُ (ص) كَانَ إِذَا أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ قَامَ وَ تَوَضَّأَ وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ قَالَ اللَّهُمَّ قَدْ فَعَلْتُ مَا أَمَرْتَنَا فَأَنْجِزْ لَنَا مَا وَعَدْتَنَا

وَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ‏

لَمَّا حَضَرَتْ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْوَفَاةُ قَالَ أَخْرِجُوا فِرَاشِي إِلَى الصَّحْنِ يَعْنِي الدَّارَ فَفَعَلُوا ثُمَّ قَالَ اجْمَعُوا إِلَيَّ مَوَالِيَّ وَ خَدَمِي وَ جِيرَانِي وَ مَنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ فَجُمِعُوا فَقَالَ إِنَّ يَوْمِي هَذَا لَا أَرَاهُ إِلَّا آخِرَ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْآخِرَةِ وَ إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ فَرَطَ مِنِّي إِلَيْكُمْ بِيَدِي أَوْ بِلِسَانِي شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ وَ الَّذِي نَفْسُ عُبَادَةَ بِيَدِهِ الْقِصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَخْرُجْ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ‏