وسيلة الوسائل في شرح الرسائل‏

- السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي المزيد...
470 /
1

-

2

[الكتاب و المؤلف‏]

هذا كتاب وسيلة الوسائل في شرح الرّسائل في علم الأصول من تصنيفات العالم العامل الكامل سيّد المحقّقين و سند المدقّقين زين العلماء و المجتهدين جامع المعقول و المنقول و حاوى الفروع و الاصول ذى المفاخر و المآثر سيّدنا و مولانا الحاجّ سيّد محمّد باقر (دام ظله العالي)

[مقدمة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الّذي اهتدى الرّاشدون بتوفيقه الى شرايع الإسلام و معالم الدّين و ارتقى العارفون على مدارج الأحكام و معارج اليقين الّذى اوضح بآثار نوره الجلى مسالك التوفيق هو جمع الاسباب المتعلقة بفعل الخير و يقابله لخذلان معه الأفهام لايضاح مراصد الدّين المبين و افصح بانوار لطفه الخفىّ مدارك الأحكام لانجاح مقاصد المؤمنين الّذى هدانا الى الاقتحام في عوالم العلوم و الاهتمام بمراسم الرّسوم للوصول الى وسيلة الوسائل و حدانا على الانغماس في بحار انوار الآثار و الاقتباس من انوار آيات الأحكام للفوز بفيض رحيق المناهل سدد بعناوينه المتقنة ضوابط الفروع و الاصول و شيّد بقوانينه المحكمة قواعد المنقول و المعقول و زيّن بغوالى اللّئالى و نفائس الدّرر و الغرر عرائس العقول و الصّلاة و السّلام الأيمان الأكملان على فاتحة مصاحف الأكوان و خاتمة صحائف الإمكان ضياء شوارق مشارق الايقان و بهاء طوالع مطالع الأيمان مصباح مصابيح اسرار الفرقان و مفتاح مفاتيح ابواب الجنان سيّدنا و نبيّنا محمّد سيّد الأنس و الجانّ و آله الطّيّبين الطّاهرين الّذين هم دعائم الإسلام و امناء الرّحمن ما دامت معالم الحلال و الحرام ببياناتهم واضحة و مناهج الأحكام بتبياناتهم لائحة امّا بعد فيقول المتمسّك بذيل ولاية آبائه الطّاهرين اهل العباء و المتوسّل بنور هداية اجداده الطّيّبين البررة النّجباء سليل الأطايب من آل طباطبا ابن مرتضى الحسنىّ الحسينىّ محمّد باقر العلوىّ الفاطمى نسبا و اليزدىّ مولدا و النّجفىّ موطنا و مدفنا إن شاء الله اللّه تعالى اتاه اللّه من لدنه رحمة و هيئ له من امره رشدا انّ هذا المصنّف الشّريف و المؤلّف المنيف لوامع الأسرار و مطالع الأنوار يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار علقته بالرّسالة الشّريفة المؤلّفة في فنّ الأصول الّتى صنّفها شيخ المشايخ و فحل الفحول الامام الهمام المولى القمقام ملجأ الانام و مرجع الخواص و العوام اسوة الاعلام و قدوة الأنام ثقة الإسلام و عماد الأحكام الّتى لم تسمح بمثله الأيّام منبع الفضائل و الفواضل و مرجع الاكابر و الأماثل و مجمع الأواخر و الأوائل كاشف رموز المسائل و فاتح كنوز الدّلائل افضل الفقهاء و المجتهدين و اكمل العلماء الرّاسخين صفوة المحقّقين و زبدة المدقّقين قطب فلك الفقاهة و الاجتهاد و مركز دائرة الصّلاح و السّداد جامع المنقبتين و حائز المرتبتين كهف الورى علم التّقى و الهدى شيخنا الأعلم الأعظم و استادنا الأفخم الأكرم الشّيخ مرتضى الانصارىّ التسترى اسكنه اللّه فراديس الجنان بلطفه الخفىّ و افاض على تربته الشّريفة شآبيب الرّحمة و الرّضوان بطوله العلىّ جعلته مشتملا على ارومة المطالب و محتويا على جرثومة مقاصد الطّالب و ذكرت فيه من التّحقيقات الأنيقة امتنها و اعلاها و من التّدقيقات الرّشيقة انفسها و اغلاها و من المسائل الشّريفة ما خلت عنها زبر الأوّلين و الآخرين و من الدّلائل الوثيقة ما لم تحوها صحف السّابقين و اللّاحقين و اودعت فيه نكات لطيفة باشارات لائقة و كنايات رائقة و اخفيت فيه تنبيهات منيفة بعبارات فائقة و بيانات ناطقة و ابديت فيه لطائف فقر اتخذتها بفيض التاييد و اويت فيه غرائب نكت اهتديت اليها بنور التّسديد و التزمت بان لا اتمسّك في دفع ايراداته الّا بذيل لإنصاف و العدالة و اجتنبت من ان اسلك في ردّ ما اعترض عليه سبيل الاعتساف و الجهالة مهّدت فيه تمهيد القواعد و هذبته غاية التّهذيب و رتّبته ترتيب الفرائد ليكون منية اللّبيب لم انجل فيه عمّا اقتبستها من اشارات كلمات الأساطين و لم آل جهدا عن ايراد ما اقتطفتها من ثمرات البساتين فرّب خفايا اسرار بقيت فى زوايا الخمول كشفت عن وجوهها نقاب الاحتجاب و ما اكثر خبايا انوار خفيت فى خفايا الافول رفعت عن شموسها حجاب السّحاب فعليك بذلك المتن المتين فانّه مع كونه الوسط

3

فى القصر و الطّول هو النّمرقة الوسطى و العروة الوثقى بل الآية الكبرى في علم الأصول و خذ هذا الدّرّ الثّمين و الكتاب المبين فانّه حاوى ابواب و فصول لم يشذ عنها حاصل و محصول و مشتمل على ذكر المسائل بالبراهين و محتو على بيان الدّلائل المفيدة لليقين و لعمرى انّه كتاب مكنون يعرفه العلماء الرّاسخون و يشهده المقرّبون و سمّيته بوسيلة الوسائل في شرح الرّسائل و الملتمس من الأخوان الخلّان ان ينظروا فيه بعين الأنصاف و يتركوا طريق الاعتساف و يغضوا ابصارهم عمّا يجدون فيه من الريع و الزّلل و الخطأ و الخطل فانّ الطّبيعة الإنسانية مجبولة على النّسيان و مطبوعة على الخطأ فى البيان و من اللّه التّوفيق و عليه التّكلان و لنقدّم مقدّمة في بيان امرين‏ الأوّل‏ تعريف علم الأصول و موضوعه و فائدته اعنى وجه الحاجة اليه و مرتبته امّا تعريفه فملخّص الكلام فيه انّ له رسمين باعتبارين لأنّ لقولهم اصول الفقه معنيين علميّا و اضافيّا قيل انّ ظاهر كثير منهم يؤذن بدعوى التّطابق بينهما و لعلّ مراده بالتّطابق بينهما انحصار مفهوم المعنى الإضافي فى الخارج بحسب المصداق فى المعنى العلمي فيكون وجه رسمه بكلا الاعتبارين الاشارة الى انّ بيان المعنى الإضافي تحديد في الحقيقة لهذا الفنّ نظرا الى تلك الدّعوى و ربّما يقال بكون معناه التّركيبى ماخوذا فى معناه العلمى بان يكون قد خصّص معناه التّركيبى ببعض مصاديقه فقد زيدت تلك الخصوصيّة فى معناه الإضافي بالوضع الطّارى عليه من جهة التّخصيص و حكى عن الفاضل التّونى فى الوافية القول بانّ لفظ الاصول علم حين اضافته على ان يكون التّقييد داخلا و القيد خارجا و اليه ينظر كلام صاحب الفصول (ره) و ربّما يورد عليه بانّ الفقه مقصود فى الاستعمالات ايضا و يندفع بانّه ان اريد انّ الفقه مقصود فى الاستعمالات نظرا الى نفسه فهو مم و ان اريد انّه مقصود من حيث انتساب الأصول فهو ما أراده القائل من دخول التّقييد و خروج القيد ثمّ انّه لا يخفى انّ دعوى التّطابق انّما تتمّ على فرض حمل الأصول فى المعنى الإضافي على الأدلّة و امّا اذا حمل على المعنى اللّغوىّ فيشمل علوم العربيّة ايضا فلا يحصل التّطابق الّا اذا قلنا بافادة الإضافة الاختصاص و سيأتي الكلام فى ذلك و كيف كان فاختلف مسلك القوم فى تقديم احد الرّسمين على الآخر فقدّم صاحب الفصول تبعا للزّبدة رسمه بالمعنى التّركيبىّ نظرا الى انّ المعنى الإضافي متقدّم على المعنى العلمى وجودا فيناسب تقديمه بحثا و انّ بيانه انّما هو لاظهار المناسبة المصحّحة للنّقل فينبغى تقديمه و عكس المحقّق القمىّ (ره) كالحاجبى نظرا الى ما هو المقصود بالذّات سيّما على مذاق المتاخّرين النّاصين بالعلميّة المسلّم علميّته عندهم دون القدماء كالمرتضى و الشّيخ حيث لم ينصوا به بل ظاهرهم يابى عنه كما ادّعاه بعض افاضل المعاصرين و لعلّ ذلك لحدوث تدوينه فلم يصر بعد عندهم علما فلكلّ من المسلكين وجهة هو مولّيها و نحن نمشى الممشى الأوّل و نقول امّا رسمه باعتبار الإضافة فيتوقّف على بيان اجزاء اللّفظ فنقول على سبيل الإجمال انّ الأصول جمع الأصل و هو على المشهور بين اهل اللّغة ما يبتنى عليه الشّي‏ء و ربّما يدّعى اتّفاق اللّغويّين عليه و امّا بعض المعاني الّذى ذكره له صاحب الفصول (ره) فقد ذكرنا ما فيه فى تعليقاتنا على كتابه و عند اهل الاصطلاح يطلق غالبا على احد المعانى الأربعة المشهورة و هى الظّاهر و الاستصحاب و القاعدة و الدّليل و قد يطلق على معان أخر يأتي ذكرها في مباحث البراءة إن شاء الله اللّه تعالى و الفقه في اللّغة هو الفهم على المشهور و في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشّرعيّة الفرعيّة عن ادلّتها التّفصيليّة و تطويل الكلام فيه بالنّقض و الإبرام خارج عمّا تعلّق به الغرض في المقام ثمّ انّه ربّما يقال انّ هناك جزء ثالثا و هو الجزء الصّورى اعنى الإضافة و الرّبط الخاصّ و نقول فى بيانه انّهم ذكروا انّ اضافة اسم المعنى يفيد اختصاص المضاف بالمضاف اليه و توضيحه انّ الاسم امّا اسم عين او اسم معنى فالأوّل كزيد و الثّاني كالعلم و كلّ منهما ينقسم الى قسمين لأنّه امّا ان يكون صفة كقائم في الأوّل و صادق في الثّاني او غير صفة و قد مرّ مثاله فيهما و ذكر فى الفصول انّ المراد باسم المعنى المعنى المصطلح عليه عند النّحاة اعنى ما دلّ على معنى قائم بغيره و باسم العين ما يكون بخلافه و بعبارة اخرى اسم المعنى عبارة عمّا يكون معناه غير جثة سواء كان جامدا كعلم او مشتقّا كعالم و اسم العين عبارة عمّا يكون معناه جثّة اى قائما بنفسه كذلك كفرس و

راكب و وجه تخصيص الاختصاص باسم المعنى مع جريانه في غيره انّ الاختصاص فيه ظاهر باعتبار الوصف مثل قولك ملبوس زيد و نحوه بشهادة العرف و على هذا فاضافة الأصول الى الفقه يفيد اختصاصها به سواء اريد به المعنى اللّغوىّ ام غيره فلا يدخل فيه مثل النّحو لعدم اختصاصه بالفقه هذا توضيح كلامهم على ما ذكروه و اورد عليه بعض المحقّقين في تعليقاته على المعالم بانّ مفاد الإضافة هو انتساب المضاف الى المضاف اليه نسبة ناقصة و المستفاد من اضافة اسم المعنى هو انتسابه اليه في خصوص وصفه العنوانى كما هو الظّاهر من التّامّل فى استعمالاته العرفيّة و حينئذ فان كان انتسابه الى المضاف اليه مانعا من انتسابه الى غيره بان لم يكن ذلك العنوان قابلا للانتساب الى شيئين كما في مملوك زيد و مكتوب عمرو حيث انّه لا يمكن ان يكون تمام ذلك الشّي‏ء مملوكا او مكتوبا لشخصين افادت الاختصاص و كان افادة الاختصاص حينئذ مبنيّة على ذلك من غير ان تكون مستندة الى الوضع ابتداء و ان لم يكن كذلك بل كان قابلا للانتساب الى شيئين او اشياء كما في قولك محبوب زيد و مطلوب عمرو و نحوهما لم تفد الاختصاص كيف و لو كان ذلك مفيدا للاختصاص لكان قولك اللّه ربّى و خالقى و رازقى و مصوّرى دالّا على عدم كونه تعالى ربّا و خالقا و رازقا و مصوّرا لغيرك و هو ظاهر البطلان ثمّ قال فنقول كون الشي‏ء اصولا للفقه لا ينافى كونه اصولا لغيره ايضا حتّى يكون انتسابه الى الفقه في ذلك مانعا عن انتسابه الى غيره فلا يتّجه دلالتها على الاختصاص ليتمّ ما ذكر من التّقريب‏ اقول‏ فيه اوّلا انّه يفهم الاختصاص من الإضافة في غير واحد من موارد الاستعمال و حينئذ فلا بد من القول بافادتها له بحسب الوضع او بحسب الإطلاق و ما ذكر من المثال خارج بالدّليل و ثانيا انّه على فرض تسليم عدم افادتها الاختصاص مط يتّجه القول بها في المقام اذ لا شبهة في افادتها ايّاه مع القرينة و من القرائن‏

4

العرفيّة العلم باختصاص شي‏ء بشي‏ء كما اذا علم انّ لكلّ شخص من الاشخاص المعهودين لباسا مختصّا به فاذا قيل لباس فلان علم اختصاصه به و ان لم يكن من جهة نفس الإضافة و الأمر في المقام كذلك لأنّه قد علم انّ لنا اصولا مختصّة بالفقه فاذا قيل اصول الفقه علم انّ المراد ما يختصّ بالفقه دون ما ينسب اليه و الى غيره فيتم التقريب كذا قيل و فيه تامّل و الأنصاف انّ اثبات افادتها الاختصاص مشكل و لعلّه من هذه الجهة لم يتعرّض لذلك بعض محققى الاصول كالحاجبى و شيخنا البهائى و اختلفت كلمات المتعرّضين له كالعلّامة في النّهاية و التّهذيب و العميدى في الشّرح و كذا المحصول و شرح العضدى و شرح الشّرح و التّعليقات الشّريفية و الظّاهر انّ الأصل فيه هو الفخرى و تبعه غيره كما ادّعاه بعض الأفاضل مع انّ اعتبار هذا الجزء لو تمّ فهو انّما يتمّ على القول بثبوت الوضع للمركّبات كما هو المشهور و امّا على القول الآخر من انّه لا وضع لها غير وضع المفردات و انّ الدّلالة على المعاني التّركيبيّة عقليّة محضة كما هو خيرة السّيّد العميدى (ره) فينحصر جزء هذا المركب في الماديين و لا ثالث في البين و العجب من السّيّد المحقّق المذكور حيث اقرّ هنا على الجزء الصّورى مع ما اشرنا اليه من مذاقه نعم المناسبة بين المعنيين تقتضى ان تكون الإضافة مفيدة للاختصاص لظهور كون المناسبة اتمّ على ذلك التّقدير سيّما عند من يدّعى التّطابق بينهما و امّا رسمه باعتبار معناه العلمى فاختلف كلام القوم فيه و اشهر رسومه بين المتاخّرين ما ذكره في الزّبدة و هو انّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الاحكام الشّرعيّة الفرعيّة و زاد الحاجبى قوله عن ادلّتها التّفصيليّة و هو اجودها اختصارا و سلامة و لذا اختاره جلّ من تاخّر و سيظهر وجه ذلك و المراد بالعلم هنا معناه ان اعتبرنا كون القواعد الأصوليّة علميّة بمعنى انّها لا تثبت الّا بما يفيد العلم ككثير من الأصول الكلاميّة كبطلان تكليف ما لا يطاق و حجيّة الإجماع لاولهما الى عدل الواجب تعالى و حجّيّة الأئمّة (عليهم السّلام) كما ذهب اليه بعض الأصوليّين و ان قلنا بكفاية الظّن فيها كمسائل الفروع فلا بدّ ان يحمل على المعنى المجازى نظير ما ذكره في تعريف الفقه و لا يهمنا التّعرّض للتّفصيل ثمّ انّه خرج بقيد القواعد العلم بالجزئيّات مثل علم الرّجال بل خرج التّصورات مط بل القضايا الشّخصيّة سواء فسرنا القواعد بالقضايا الكلّيّة ام فسّرناها بالأمور الكلّيّة الشّاملة للقضايا و غيرها و قال بعض المحقّقين يخرج بها العلم بالجزئيّات و ببعض القواعد بل ما يكون مثل ما علّله الفارابى لكون زوايا المثلّث متساوية لقائمتين من كون النّفى و الأثبات لا يجتمعان و لا يرتفعان و في هذا الكلام نوع غموض من جهتين و قد اوضحناه في محلّه قيل و يخرج بقولنا الممهّدة المنطق و العربيّة و غيرهما ممّا يستنبط منها الأحكام و لكن لم يمهّد لذلك و اورد عليه بانّ جميع العلوم المدوّنة من الأمور الممهّدة فكيف يعقل خروج شي‏ء منها بذلك نعم بعد تقييدها ب قوله‏

لاستنباط الأحكام‏

الخ تخرج و فيه انّ المراد من القيد هو و ما يتعلّق به من الظّرف و لا ضير في كون بعض ما يتعلّق به مخرجا لبعض امور أخر لامكان اخراج شيئين بقيد باعتبارين فافهم قيل و خرج بالجار القواعد الّتى مهّدت لذاتها و فيه انّه ما من قواعد مهّدت الّا و يكون غايتها استخراج احكام جزئيّاتها نعم بعض القواعد الممهّدة في الإلهيّات ككون الواجب تعالى عالما بجميع الأشياء و نحوه من هذا القبيل و يخرج بغيره من القيود على ما ادّعاه بعضهم و هو محلّ نظر و قد يقال انّه يخرج بالدّاخل و المدخول معا علم الخلاف لانّ قواعده ممهّدة لحفظ المستنبطات و هدمها لا للاستنباط و اذا اتّفق في علم الخلاف مثلا ذكر قاعدة متعلّقة بخصوص الاستنباط كان من مسائل الأصول و لا امتناع في اشتراك علمين في شي‏ء باعتبارين و لا يخلو عن وجه ثمّ انّه ربّما يعترض في المقام بانّ المراد بالممهّدة ان كان الممهّدة مط في السّابق او اللّاحق لزم انّه لو مهّد شخص المسائل اللّغويّة و غيرها لاستنباط الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة لكانت داخلة في هذا العلم و هو باطل و ان كان المراد الممهّدة سابقا لا غير فان كان المراد ما مهده كل العلماء او ما مهّده السّابقون الّذين كانوا في اوّل بناء تدوين هذا العلم لزم خروج اكثر المسائل الأصولية و ان كان المراد ما مهّده البعض مط لزم انّه لو مهّد مسئلة في الزّمان السّابق علينا بقليل تكون داخلة و لو تمهّد فيما

سيأتي من الزّمان تكون خارجة و هو بعيد جدّا و يمكن دفعه بانّ المراد الممهّدة في نفس الأمر سواء كان في السّابق ام في اللّاحق فالمراد ما هو اعمّ من الأزمنة الثّلاثة و ما ذكره من لزوم دخول مسائل اللّغويّة و غيرها لو مهّدها شخص ففيه انّه ان كان المراد تمهيدها لاستنباط الأحكام بحيث تخرج عن كونها مسئلة لغويّة مثلا و يصدق عليه التّمهيد صدقا حقيقيّا فلا ضير في دخولها في المسائل الأصوليّة و الّا فلا يلزم دخولها فيها و الحاصل انّ المراد ان كان هو الأوّل منعنا بطلان اللّازم و لا امتناع في كون المسألة لغويّة و اصوليّة من جهتين و ان كان الثّانى منعنا الملازمة او بانّ المراد ما من شأنه ان يمهّد على وجه الشّأنيّة القريبة سواء حصل له التّمهيد ام لم يحصل فيدخل ما لم يمهّد و يخرج بقيد القريبة المنطق و العربيّة و نحوهما اذ ليس لها شأنيّة قريبة الّا ان يقال انّ حمل الممهّدة على هذا المعنى ممّا لا قرينة عليه و خرج بقيد الأحكام ما يستنبط منها الماهيّات كالصّلاة و الصّوم و وجه خروجها على ما ذكره المحقّق القمىّ (ره) في حاشية القوانين انّ معرفتها ليست من المسائل الفقهيّة حتّى يكون قواعد الأصول ممهّدة لاستنباطها و ان كان يذكر في طىّ المسائل الفقهيّة بل هى من مباديه فمثل مباحث الحقيقة الشّرعيّة و ما له مدخليّة في اثبات الماهيّات من القواعد مثل اجراء الأصل في اثبات الماهيّات و نحو ذلك و ان كان يبحث عنها في علم الأصول و لكنّها لم تمهد لمعرفة الماهيّات من حيث انّها معرفة الماهيّات بل من اجل تعيينها و تشخيصها و تمييزها ليترتّب عليها احكامها قال و لو لم يعتبر قيد الحيثيّة لا ننقض الحدّ بكثير من مسائلها مثلا من جملة مسائل الأصول انّ عدم الدّليل دليل العدم و انّ وجود المقتضى مع عدم المانع يوجب ثبوت الحكم و نحو ذلك مع انّها يستنبط منها غير الأحكام الشّرعيّة ايضا اقول‏ توضيح المقام انّ لاستنباط الماهيّات جهات إحداها اثبات نفس الماهيّة و هذا هو محلّ الكلام في مسئلة الحقيقة الشّرعيّة و ثانيتها اثبات انّ الماهيّة الثّابتة هل هى الصّحيحة او الأعمّ منها و من الفاسدة و هو مورد الكلام في مسئلة الصّحيح و الأعمّ‏

5

و ثالثتها اثبات الأجزاء و الشّرائط المعتبرة فيها و ما يتعلّق بها على وجه التّفصيل و الثّالثة ممّا لا يبحث عنه في الأصول و ليست من قبيل القاعدة و امّا الأوليان فتذكران في الأصول و هما من القواعد لكن ليس تمهيدهما لاستنباط الأحكام فلا تكونان من الأصول فان قيل الكلام في مسئلة الحقيقة الشّرعيّة ليس الّا في اثبات الماهيّة الشّرعيّة و ليست المسألة المذكورة قاعدة ممهّدة لاستنباط الماهيّات و منه يظهر الكلام في مسئلة الصّحيح و الأعمّ قلت ليس المراد بالقاعدة الّا حكم كلّى ينطبق على جزئيّات موضوعه فنقول في المقام انّ قولنا كلّ لفظ ورد في كلام الشّارع و كان متّصفا بكذا فالمراد منه كذا او هو حقيقة في المعنى الفلاني حكم كلّىّ ينطبق على جزئيّات موضوعة فينطبق على مثل الصّلاة و الزّكاة و نحوهما و بذلك يتضح الحال في مسئلة الصّحيح و الأعمّ ايضا و ليس ما ذكره الّا مثل قولهم الأمر للوجوب و النّهى للحرمة من غير فرق بينهما و ممّا قررناه يظهر لك اندفاع ما اورده بعض المحقّقين على المحقّق المذكور من انّه ليس لنا قواعد ممهّدة الاستنباط نفس الماهيّات و مجرّد استنباطها منها لا يقضى بكونها ممهّدة لأجلها فانهم ثمّ انّ المحقّق المذكور قال في جملة كلام له في الحاشية و انّما فسّرنا الأحكام بذلك لا كما فعله صاحب المعالم في تعريف الفقه حيث جعل الأحكام احترازا عن الذّوات كزيد و الصّفات كشجاعته و الافعال كخياطته و لا كما فعله غيره من جعلها احترازا عن القواعد الممهّدة لاستنباط الصّنائع لأنّ قيد الاحتراز في الحدّ لا بدّ ان يكون محتاجا اليه بحيث لو لم يكن لدخل ما احترز عنه و فيما نحن فيه ليس كذلك اذ قيد الشّرعيّة الفرعيّة مخرجة لأمثال ذلك فلا اختصاص للأحكام بذلك فلا بدّ ان يجعل المحترز عنه من الأمور الشّرعيّة الفرعيّة الّتى لم تكن من جملة الأحكام هذا كلامه و انت خبير بانّ الاحتراز انّما يستند الى القيد المذكور في الكلام و لا مدخل للقصد في ذلك و ح فالاحتراز عن الذّوات و القواعد الممهّدة لاستنباط الصّنائع بما ذكر واقع في محلّه و قد اشرنا سابقا الى انّه لا امتناع في اخراج شيئين بقيد باعتبار ملاحظة المتبوع مع التّابع او بدونه او اخراج شي‏ء مرّتين بذلك الاعتبار ثمّ انّ بعض اهل التّحقيق من مشايخنا اعترض في هذا المقام بما حاصله انّه يخرج بقيد الممهّدة الخاصّ كلّ من المنطق و العربيّة و ما يستنبط منه الماهيّات بل الأحكام العقليّة و الأصوليّة الخارجة بقيد الشّرعيّة و الفرعيّة فما الباعث على اخراج كلّ منها بقيد من القيود المذكورة ثمّ اجاب بعد بيان معنى قيد الاحتراز بما نقلناه عن المحقّق القمّى (ره) بانّ المنطق و نحوه بالنّسبة الى الممهّدة كذلك فانّه لو لم تذكر في التّعريف و يقال هو العلم بقواعد يمكن استنباط الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة منها لدخل المنطق حيث انّه يمكن الاستنباط منه لكن ما يستنبط منه الماهيّات و الأحكام العقليّة و الأصولية خارج و ما يستنبط منه الماهيّات بالنّسبة الى قيد الأحكام ليس احترازيّا بل لأجل توصيفها بالوصفين كذلك فانّ الماهيّات امور شرعيّة و كذا الحال في القيدين الأخيرين و امّا ما ذكره بعض الأفاضل من انّ قيد الأحكام ليس احترازيّا بل لاجل توصيفها بالوصفين و لا معنى لاخراج الماهيّات و الصّنائع به لعدم خروجهما ان اريد التّصديق بهما و عدم امكان استخراجهما من القواعد ان اريد تصوّرهما اذ المستنبط من القاعدة لا يكون الّا تصديقا فيظهر جوابه ممّا مرّ ثمّ انّ الحاجبىّ عرف علم الأصول بانّه العلم بالقواعد الّتى يتوصّل بها الى استنباط الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة عن ادلّتها التّفصيليّة و عرفه العلّامة (ره) في النّهاية بانّه العلم بالقواعد الّتى هى مجموع طرق الفقه على سبيل الاجمال و كيفيّة الاستدلال بها و كيفيّة حال المستدلّ بها و في التّهذيب بانّه العلم بالقواعد الّتى يستنبط منها الاحكام الشّرعيّة الفرعيّة و يرد على الأوّل استدراك قيد التّوصّل و استبدال قيد اخصر و اوضح في الاحتراز بما هو اطول منه فانّه اخرج المنطق و العربيّة و الكلام بقيد عن ادلّتها التّفصيليّة و تقريب ذلك على ما في شرح الشّرح انّه لا اختصاص لها باستنباط كلّ حكم حكم عن دليل دليل كما في قواعد الأصول اذ لا مزيد فيها على انّ الكتاب حقّ و صدق و لم يبينه في غير هذا المثال الذى هو من الكلام و التّقريب في الأخيرين مشكل و دخول علم اللّه سبحانه و علم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و علم جبرئيل في المحدود و لا يرد مثله على التّعريف المشهور لما قيل من انّ التّمهيد صفة طارية و علمهم بتلك القواعد

ليس بشرط اتّصافها بتلك الصّفة بل مط بخلاف التّوصّل فانّه من لوازم تلك القواعد فافهم و يرد على الثّانى انّ قواعد الأصول ليست هى الادلّة الإجماليّة للفقه اى الكتاب و السّنة نفسهما بل هى وسائط الاستنباط الفقه من تفاصيلهما مضافا الى ما قيل من انّ الأدلّة الاربعة كلّها صغريات و قواعد الأصول كبريات مع ورود بعض ما ذكر ايضا عليه و على الثّالث بعض ما مرّ و الرّسم الاسلم عندى ما ذكره بعضهم من انّه العلم باحوال الأدلّة من حيث هى احوال الأدلّة من جهة ابتناء الاحكام الشّرعيّة الفرعيّة عليها و امّا موضوعه فبيانه يتوقّف على بيان مطلق الموضوع لكنا نختار طبّه على غيره و نكتفى عنه ببيان فائدة ينبغى التّنبيه عليها لغفلة بعض القاصرين عنها و هى انّ العلماء يجعلون من مقدّمات الشّروع في العلم معرفة الموضوع ثمّ يذكرون انّ اجزاء العلوم ثلاثة و يعدّون منها الموضوع فح يتوقّف معرفة الموضوع على معرفة مسائل العلم فكيف يمكن جعلها مقدّمة و تقضى بعضهم بجعل المقدّمة هى المعرفة الإجماليّة و الجزء هى المعرفة التفصيليّة و التّحقيق ان يقال انّ معرفة الموضوع امّا بالتّصوّر او بالتّصديق و التّصوّر امّا تصوّر من حيث الذّات و امّا تصوّر من حيث وصف الموضوع و التّصديق امّا تصديق بموضوعيّته و هو هليته المركبة و امّا تصديق بوجوده و هو هليته البسيطة فالمعرفة الّتى عدوها من المقدّمة هى مفاد الهلية المركّبة و الّتى عدّوها جزء للعلم هى مفاد الهلية البسيطة فقد عدّوها جزء من العلم و علّلوا ذلك بانّ ما لا يعلم ثبوته كيف يطلب ثبوت شي‏ء له نعم اثبات ذلك التّصديق و بيانه لا يكون من ذلك العلم بل يجب ان يكون امّا بديهيّا كالموجود بما هو موجود الّذى هو موضوع للفلسفة الأولى و امّا مبينا في علم آخر كالعدد للحساب و المقدار للهندسة المبين وجودهما في الفلسفة الأولى و امّا تصوّر ذات الموضوع فهو من المبادى التّصوّريّة للعلم كما انّ تصوّر مفهومه بالوصف اعنى ما يبحث فيه‏

6

عن عوارضه يكون من ضاعة البرهان من المنطق اذا عرفت هذا فنقول موضوع علم الأصول هو ادلّة الفقه من حيث انّ الأحكام يستنبط منها فتارة يبحث فيه عمّا يعرض ذوات الأدلّة كان يقال الكتاب حجّة او خبر الواحد حجّة و اخرى يبحث فيه عمّا يعرض اجزاء تلك الأدلّة كعوارض الأمر و النّهى و العامّ و الخاصّ و غيرها و ثالثة يبحث فيه عمّا يعرض ما يساويها كمباحث الاجتهاد و التّرجيح فانّ البحث عن الأوّل بحث عن عواض المستنبط الّذى يساوي و يلازم المستنبط منه و البحث عن الثّاني بحث عن عوارض التّعارض الّذى يساوى المستنبط منه فاخذ قيد حيثيّة الاستنباط في الموضوع يدخل ذلك في المسائل هكذا قرّره الفاضل الصّالح (ره) فلا حاجة ح الى القول بانّ الاجتهاد و التّرجيح ايضا من موضوعه كما ذهب اليه بعض المحقّقين باعتبار انّ الأصولى يبحث عن احوالهما الموصلة الى الأحكام و هو كلام وجيه كما لا يخفى ثمّ انّ الأدلّة التى هى موضوع علم الأصول منحصرة في الأربعة المشهورة الكتاب و السّنة و الإجماع و دليل العقل و قد يستشكل في الحصر بانّه ان اريد حصر مطلق الأدلّة الشّرعيّة فيها لأمكن المنع لانّ اصلى البراءة و الاشتغال و اصل العدم و الاستصحاب و اصل الصّحّة و الظّنّ المطلق عند مثبتيه و سائر الأصول العمليّة و اللّفظيّة و القواعد الشّرعيّة و المرجّحات المعتبرة في الأدلّة المتعارضة كلّها حجج شرعيّة و ادلّة معتبرة فلا وجه للحصر في غيرها و ان اريد حصر اصولها و امّهاتها الّتى لا يرجع بعضها الى بعض ففيه انّ هذه الأربعة ايضا يرجع بعضها الى بعض أ لا ترى انّهم يعتمدون في حجيّة الكتاب على الإجماع و الأخبار و في حجيّة الأخبار على الكتاب و الاجماع و بعض الأخبار المتواترة و في حجيّة الاجماع على الثّلاثة الباقية بل نقول كلّها يرجع الى العقل و قد اطلنا الكلام في دفع الأشكال في بعض زبرنا الأصولية و ليس المقام مقام الأطناب و المحقّق القمّى (ره) اشار الى دفع الأشكال بعض الاشارة حيث قال و امّا الاستصحاب فان اخذ من الأخبار فيدخل في السّنة و الّا فيدخل في العقل و امّا القياس فليس من مذهبنا انتهى و انت خبير بما في كلامه الأخير الّذى ذكره تبعا لشيخنا البهائى (ره) في الزّبدة فانّ القياس مط ليس خارجا عن مذهبنا مع انّ خروجه عن مذهبنا لا يقتضى خروجه عن موضوع العلم فانّ المخالف مع كونه مخطئا لا يخرج عن علماء الأصول كما صرّح به بعض المحقّقين و امّا فائدته و وجه الحاجة اليه فقال العلامة (ره) في التّهذيب و غايته معرفة احكام اللّه تعالى لتحصيل السّعادة الأبديّة بامتثالها و البهائى في الزّبدة انّ ثمرته الفوز بالسّعادة الأبديّة و التّرقّى عن حضيض التّقليد اذا استعمل فيما وضع لأجله و توضيحه على ما ذكره الشّارح العميدى (ره) انّ الشّى‏ء قد يراد لذاته فلا يكون له غاية وراء ذاته بل غايته هى ذاته و قد يراد لغيره فيكون ذلك الغير غاية له ثمّ ذلك الغير قد يراد لذاته و قد يراد لأمر آخر و هكذا الى ان ينتهى الى امر يراد لذاته فيكون ذلك الامر هو الغاية الذّاتيّة و المتوسّطات بينه و بين ذى الغاية غايات بالعرض و لمّا كان هذا العلم باحثا عن ادلّة الفقه و كيفيّة استنباط الأحكام الشّرعيّة منها كانت غاية هذا العلم هى الفقه اى معرفة احكام اللّه تعالى و غاية الفقه و الغرض المقصود منه تحصيل السّعادة الأبديّة و الخلاص عن الشّقاوة السّرمديّة لامتثال اوامر اللّه و الانزجار عن نواهيه و تحصيل السّعادة و الخلاص عن الشّقاوة مقصود لذاته فهو الغاية الذّاتيّة و الفقه ادخل في الغاية الذّاتيّة من هذا العلم و لا امتناع في كون بعض العلوم غاية لعلم آخر كما لا امتناع في كونه آلة له هذا كلامه و منه يظهر انّه لو جعل غاية الاصول معرفة الأحكام الشّرعيّة كان انسب لانّها الأقرب ثمّ انّ معرفة الأحكام الشّرعيّة واجبة فاذا كانت غاية لهذا العلم كان تحصيله واجبا الّا انّ وجوبه كفائى لأنّ تحصيل الغاية على وجه الاجتهاد و الاستنباط الموقوف على هذا العلم واجب كفاية لا عينا فما ذهب اليه بعض شرّاح المنهاج من وجوبه عينا و هو المحكىّ عن فقهاء حلب حيث اوجبوا الاجتهاد على جميع العوام عينا افراط ظاهر كما انّ ما ذهب اليه الأخباريّة حيث نفوا وجوبه رأسا و كونه مقدّمة للواجب لانكارهم وجوب ما يدّعى انّه ذو المقدّمة و هو الاجتهاد في الفروع بل ربّما يظهر من بعضهم كامينهم القول بحرمة تحصيله تفريط بين و حجّة الاولين فاسدة كما انّ شبهة الآخرين واهية و سيأتي الإشارة اليها و

الى ضعفها و امّا مرتبة علم الاصول فهى بعد المنطق و الكلام و العربيّة و هذا ظاهر بحيث لا يحتاج الى البيان‏ الأمر الثّانى‏ وجه اقتصار المص المحقّق رفع اللّه درجته على ذكر ما دون في هذا الكتاب من مسائل الأصول و بيان ان عمدة مباحث فنّ الأصول هى ذلك و بيان ذلك بوجهين‏ الأوّل‏ انّ الغرض من علم اصول الفقه هو استعلام قواعد استنباط الأحكام و هو انّما يحصل بمعرفة الأدلّة و احوالها المشتركة بينها و المختصّة بكلّ واحد منها و هى متوقّفة على معرفة مباديها المنطقيّة و اللّغويّة و الاحكاميّة فما يذكر في فنّ الأصول امّا من قبيل المقاصد بالذّات و امّا من قبيل المبادى و المقدّمات و الأوّل نفس الأدلّة و احوالها و كيفيّة تعارضها و وظيفة علاج التّعارض بالتّرجيح و غيره و الدّليل امّا ان يفيد القطع او الظّنّ و ايضا امّا ان يكون من الأدلّة الاجتهاديّة او من قبيل الأصول العمليّة و هذا الكتاب متكفّل لبيان الأدلّة الّتى هى المقاصد بالذّات في هذا الفن و هى الكتاب و السّنة و الإجماع و دليل العقل و بيان احوالها المختصّة و عمدة احوالها المشتركة و هى التّعادل و التّراجيح بل متكفّل ضمنا لكثير من مباحث سائر احوالها المشتركة ممّا يتعلّق بالأمر و النّهى و العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد و غيرها فمناط الاستنباط هى المباحث المذكورة في هذا الكتاب و لقد اجاد الأقدمون من المتاخّرين كالعلّامة و غيره حيث رتبوا كتبهم الأصولية على وجه يمتاز به المسائل من المبادى و المقدّمات و لا يختلط بعضها ببعض كما اختلطت في كتب متاخّريهم فان قلت الغرض من فنّ الأصول انّما هو معرفة كيفيّة استنباط الأحكام الشّرعيّة عن ادلّتها فالمقصود اوّلا و بالذّات هو الاستنباط فينحصر المقصد الأصلى من وضع هذا الفنّ في مباحث الاجتهاد و التّقليد و ان كان معرفة الأدلّة و احوالها ايضا مقصودة بالذّات بالنّسبة الى المبادى باقسامها فلم لم يذكر فيه تلك المباحث قلت لا شكّ انّ الغاية انّما هى ما ذكر الّا انّ موضوع فنّ الأصول هو الادلّة الأربعة و لذا فسّر

7

بعضهم الأصول في قولهم اصول الفقه بالأدلّة و قد عرفوه باعتبار معناه العلمى بانّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشّرعيّة عن ادلّتها التّفصيليّة كما عرفت فالغرض الأصلىّ من وضع فنّ الأصول هو معرفة احوال الأدلّة و من هنا ذكر بعضهم انّ ذكر مباحث الاجتهاد و التّقليد في الأصول انّما هو على سبيل الاستطراد و ان تجشم بعض آخر في ادراجها فيه كما اشرنا نظرا الى انّ البحث هناك عن حال المستدلّ و هو ايضا يرجع الى البحث عن احوال الأدلّة بمعنى انّ دلالتها على ثبوت الاحكام الشّرعيّة انّما هى بالنّسبة الى من جمع الشّرائط المخصوصة و هو ان تمّ فانّما يتمّ بالنّسبة الى بعض مباحث الاجتهاد فلا بدّ من التزام الاستطراد في الباقى منها كمباحث التّقليد ايضا و هو ايضا مشكل مع تصريح جماعة من الأعاظم باندراجها في الفنّ و لا ضير فى ان يقال بما قاله الفاضل الجواد (ره) من انّ الشّي‏ء قد يكون مقصودا بالذّات بالنّظر الى شي‏ء غير مقصود بالذّات بالنّظر الى آخر و البحث عن الادلّة الشّرعيّة و ما يتعلّق بها و ان كان مقصودا بالذّات في هذا العلم بالنظر الى المبادى الّا انّ المقصود بالذّات بالنّسبة اليها هو الاستنباط فيكون البحث عنها وسيلة اليه و به يندفع بعض ما يورد في المقام فتدبّر الثّانى‏ قد عرفت انّ الغرض من وضع هذا الفنّ هو معرفة طريق الاستنباط و يسمّى المنسوب الى هذا العلم العامل على وفق القواعد المقرّرة فيه بالأصولى و يقابله الأخبارى و هو الّذى لا يعمل في استنباط الأحكام على وفق تلك القواعد و لا شبهة في انّ الفارق بين الطّائفتين و المباحث الأصوليّة المدوّنة في هذا الكتاب و الّا فالقواعد اللّفظيّة و المبادى المنطقيّة و الأحكاميّة و غيرها ممّا لا يحصل بها الفرق بينهما كما لا يخفى و تفصيل الكلام بحيث يتّضح حقيقة المرام انّ الفقهاء الإماميّة المتصدّين لاستنباط الأحكام الشّرعيّة عن الأدلّة صنفان اصولىّ و اخبارىّ و وجه تسمية الصّنف الأوّل بالاسم المذكور ظاهر ممّا مرّ و وجه تسمية الصّنف الثّانى بذلك الاسم امّا شدّة اهتمامهم بالعمل بكلّ خبر من الصّحيح و الحسن و غيرهما من الأقسام من غير فرق بينهما في مقام العمل و من غير تقسيم لها و تسمية للأقسام باسمائها المعروفة في السنة الأصوليّين و امّا حصرهم الأدلّة في الأخبار حيث انّهم لا يقولون بحجّيّة ظواهر الكتاب بل يقولون بحجّيّة ما يكون منه نصّا و هو ما ورد على طبقه خبر صريح و نصّ صحيح و لا يقولون بحجّية الإجماع ايضا كما يقول بها الأصوليّون اذ لو انعقد على طريقة المتاخّرين فهو كمدركه امر حدسىّ لا يعبأ به و لو انعقد على طريقة القدماء اعنى الكشف عن رضى المعصوم (ع) فهو غير حاصل و مع الحصول مرجعه الى الخبر كما لا يخفى و لا يقولون ايضا بحجيّة العقل لكثرة وقوع الخطأ في المقدّمات العقليّة عندهم كما سيأتي و لا يخفى انّ تلك التّسمية انّما هى باعتبار معظم الفرق و عمدته اوّلا فالفروق الجزئيّة بين الفريقين كثيرة و قد صرّح بعض من قارب عصرنا من الاخباريّة في رسالته الموضوعة في ردّ الاصوليّة بكونها ثمانية و ان انبعث بعضها من مجرّد التّخيّل مثل انّ الاصوليّين يعملون بالقياس و الاستحسان المعمول بهما عند العامّة استنادا الى ما ذكره كاشف الغطاء (ره) احيانا في مقام الاستدلال من الاستحسان الذى عبّر عنه بقوله امر ينقدح في قلب المجتهد و يعسر التّعبير عنه او غير ذلك فانّ من انس بكلامهم يعلم انّ غرضهم ليس مجرّد الاستحسان و نحوه و هذا هو الّذى يعبّر عنه في لسان كاشف الغطاء (ره) و من حذا حذوه بشمّ الفقاهة و ليس ذلك في مقام الاستدلال بل في مقام فهم الدّليل و الفرق ظاهر الفرق الأوّل من الفروق الثّمانية انّ الاصوليّين يقولون انّ باب العلم مسدود في زماننا فيجب العمل بالظّنّ و المحدّثين يقولون بانّ المكلّف به لا بدّ ان يكون قطعيّا في كلّ زمان و باب العلم الى الأحكام مفتوح في هذه الازمنة ايضا الثّانى انّ الأصوليّين يجوزون التّعدّى من الكتاب و السنة في بعض الأحكام بالعمل بالقياس و المحدّثين لا يجوزون ذلك و يقولون انّ كلّ ما لم يخرج عن اهل البيت (عليهم السّلام) فهو زخرف الثّالث انّ الأصوليّين يقولون انّ الأحكام قسمان باطنىّ و ظاهرىّ و بعبارة اخرى واقعىّ و ظاهرىّ و العباد مكلّفون بهما الأوّل بالأصالة و الثّانى بالاضطرار فلا بدّ من ان يبذلوا جهدهم في تحصيل الواقع فان اصابوه كان ذلك حكمهم واقعا و ظاهرا و ان أخطئوا كان ذلك حكما ظاهريّا و لهم اجر الكدّ و التّعب و المحدّثين يقولون انّ الحكم واحد و

الأحكام كلّها واقعيّة بحسب الأوقات و الأوصاف فمن كان حكمه التيمّم لم يحتمل ان يكون حكمه في الواقع الوضوء و كذا الأحكام الواردة من باب التقيّة فكلّ ذلك من باب اختلاف الموضوع كالمسافر و الحاضر و الصّحيح و السّقيم الرّابع انّ الأصوليين يقولون انّ الأدلّة اربعة الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل و الأخيران يرجعان الى الأوّلين بنوع اعتبار كما انّ الثّانى يرجع الى الأوّل كذلك و امّا الأخباريّون فيقولون بانحصارها في الأوّلين بل في الثّانى الخامس انّ الاصوليّين يقولون انّ الأصل براءة ذمّة العبد في الواقع عن كلّ حكم حتّى يغلب على ظنّه كونه مكلّفا بحكم فاذا تفحّص و لم يجده دلّ ذلك على عدمه في الواقع و الاخباريّين يقولون ان في كلّ واقعة حكما معيّنا موجودا عند الأئمّة (عليهم السّلام) فان علمناه و الّا وجب التّوقّف و الاحتياط السّادس و هو يتفرّع على الخامس انّ الاصوليّين يقولون انّ الأصل في الأشياء هو الإباحة حتّى يرد في الشّى‏ء دليل يخرجه عن مقتضى الأصل و الأخباريّين يقولون انّ الأصل فيها هو الخطر فيجب التّوقّف و التّثبّت السّابع انّ الأصوليّين يقولون انّ الاستصحاب حجّة و يقسمونه الى اقسام ثلاثة استصحاب حال العقل و هو البراءة الأصليّة كما في الشّكّ في وجوب الوتر و منه ان يختلف في حكم بالأقل و الاكثر فيقتصر على الأقلّ كما في دية عين الدّابة و عدم الدّليل دليل العدم و استصحاب حال الشّرع و امّا المحدّثون فيقولون انّه مع طروّ عارض يكون سببا لعدم اليقين بجريان الحكم السّابق نتوقّف و ننتظر الدّليل الثّامن انّ الاصوليّين يقولون انّ الاجماع الخالى عن مستند ظاهر احد الأدلّة الشّرعيّة و الاخباريّين يقولون ان كان مستند الإجماع ظاهرا كان حجّة و كان من المرجّحات للأخبار المتعارضة و الّا فلا اقول‏ لمّا انجرّ الكلام الى هذا المقام فلا علينا ان نرفع شبهة تسبق الى الأوهام و هى انّ الفقهاء الإماميّة افترقوا فرقتين و طال التّشاجر بينهما الى ان بلغ الى القدح و الطّعن بل الى السّب و اللّعن و مجرّد

8

الاختلاف في بعض المسائل كحجّيّة الإجماع و وجوب الاحتياط في الشّبهة التّحريميّة او ما اشبه ذلك لا يوجب الملاعنة و المباراة و ترك المراودة و المداراة و شانهم اجل من ان يدعوهم مجرّد ذلك الى المخاصمة و العناد و الحكم بالبطلان و الفساد كيف و الاختلاف في الأدلّة و المدارك من شأن اهل النّظر و الاستدلال و تفاوت الانظار ممّا يوجب تفاوت المنال أ لا ترى انّ الأصحاب لم يطعنوا على السّيّد المرتضى (ره) و احزابه ممّن لم يعمل باخبار الآحاد مع انّ ذلك خلاف ما ذهب اليه الجلّ فما وجه الخلاف و ما سبب الاختلاف و تحقيق المقام انّ النّزاع بينهم في امر دينى لا في مجرّد مطلب اصلى او فرعى و حقيقة منشأ النّزاع بينهم انّ العمل بالظنّيات الّذى هو المناط في الاجتهاد باطل عند الأخباريين و الواجب عندهم العمل بالعلم في الأحكام الشّرعيّة لعدم الوصول الى الواقع بغيره فيلزم عدم الامتثال في الأوامر و النّواهى و بعبارة اخرى اتّفق الفريقان على دليليّة الادلّة من الآيات و الأخبار و حجيّتها الّا انّ المجتهدين يعملون بها من جهة انّها طريق الى الواقع موجبة للظّنّ به و المحدّثين يعملون بها من جهة انّ مداليلها هى المكلّف بها من الاحكام فحجيّتها عند الأوّلين باضافة الطّريقية اليها بخلاف حجيّتها عند الآخرين لأنّها قد تصادف الواقع و قد لا تصادفه و اليه اشار ابن قبة (ره) حيث قال انّ العمل بخبر الواحد يوجب تحليل الحرام و تحريم الحلال و ممّا قرّرناه يظهر انّ طريقة الأخباريّة لا يمكن اثباتها الّا باثبات امرين ابطال العمل بالظّن و اثبات انفتاح باب العلم و افادة الأدلّة للقطع و قد تكلّفوا لإثباتهما بما لا يفى بمقصودهم و نحن نفصّل الكلام في ذلك في مرحلتين‏ الأولى‏ فى بيان الامر الأوّل و قد ذكروا له وجوها من الدّلائل العقليّة و النّقليّة انّه لو جاز العمل بالظنّ لا تبقى ثمرة الّتى زعموها براهين قويمة و توهّموها موازين مستقيمة مع انّه ليس لشي‏ء منها في اثبات مدّعاهم دلالة و ظهور لكن المخطئ معذور بل مثاب و مأجور فمن الوجوه العقلية انّه لو جاز العمل بالظّن لانتفى ثمرة العصمة في الإمام (ع) و التّالى باطل فكذا المقدّم بيان الشّرطية انّ ثمرة العصمة هى الوثوق بكلامه (ع) و لا شكّ انّ اشتراط الوثوق لا ينفع الّا مع عدم كفاية الظّنّ بالأحكام لعدم توقّف حصول الظّنّ على الوثوق و العصمة لظهور حصوله من غير المعصوم كما في الرّواة و الوسائط و هذا الوجه الفاسد قد اخذوه و اقتبسوه من شبهة اوردها رئيس اهل التّشكيك و صاحب كل اعتراض ركيك الفخر الرّازى على وجوب عصمة الحجّة و هى انّ الاماميّة يكتفون بالظّن في الأحكام اذ الرّواة لا يحصل من كلامهم الّا الظّن فاىّ مانع من عدم كون الحجّة معصوما كما في الوسائط و الطّبقات و منها انّه لو كان المكلّف به هو الواقع و كان حجّية الأدلّة من جهة الطّريقيّة و الإيصال الى الواقع فالوصول الى الواقع بهذه الطّرق الظّنّية امّا ان يكون مقدورا أو لا فعلى الأوّل يلزم ان لا يكون المخطئ معذورا و هو باطل و على الثّانى يلزم التّكليف بما لا يطاق و البديهة تشهد ببطلانه و منها انّ مصادفتها للواقع امّا ان يكون اختياريّة او غير اختياريّة فعلى الأوّل يلزم ان يكون المخطئ معاقبا مع انّه لا معنى للخطإ ح كما لا يخفى و على الثّانى يلزم ترتّب الثّواب و العقاب على الأمر الغير الاختيارى و هو باطل لما هو معلوم في طريقة العدليّة من انّ العبد لا يثاب و لا يعاقب على الامور الاضطراريّة بل يلزم منه ان يكون المخطئ اولى بالأجر لسعيه و حرمانه عن المصالح المترتّبة على الواقع فيكون له اجران و للمصيب اجر واحد لما مرّ و امّا الوجوه النّقليّة فهى الأدلّة الدّالّة على حرمة العمل بالظّنّ و هى مذكورة في كتب الأصول و سيأتي الإشارة اليها المرحلة الثّانية في بيان الأمر الثّانى قد تلخّص ممّا مرّ انّ التّكليف لا يكون الّا بتوقيف علمىّ لما علمت من انتفاء ثمرة العصمة لو اكتفى بالظّنّ فيه فحصول العلم امّا بالوحى او الإلهام او الكشف او السّماع بالمشاهدة او العقل او البيانات النّقليّة لا سبيل الى الأوّل لانقطاعه و لا الى احد من الثّلاثة التّالية له لانتفاء الكلّ و لا الى التّالى لها لأنّ العقل لا يدرك خصوصيّات الأحكام و ان استقلّ ببعضها فالأمر منحصر في الأخير فتكون البيانات علميّة و لا شكّ انّها لا تكشف عن الواقع يقينا فلا بدّ من ان يكون مداليلها علميّة و تكاليف و احكاما واقعية لنا فاذا انحصر امرنا في البيانات فنحن مكلّفون بالخطابات الواصلة

الينا كيفما كانت و ح يكون باب العلم مفتوحا لنا اذ الحكم في حقّنا ما عندنا من الآيات و الأخبار و هى علميّة على ما هو المفروض امّا النّصوص منها فظاهر و امّا الظّواهر منها فلمقدّمة علميّة يتمسّك بها المجتهدون ايضا في بعض المقامات كمسألة عموم خطاب المشافهة و هى انّ الخطاب بما له ظاهر و ارادة غيره مع عدم نصب القرينة عليه قبيح لاستلزامه الاغراء بالجهل و الحاصل انّ التّكليف يتعلّق بمدلول و الدّليل فذلكة المرام انّ الأخباريّين وافقوا الأصوليّين في الحكم بانّ الفاظ الكتاب لا يتحصّل منها العلم بالواقع الّا انّهم خالفوهم في الحكم بكون التّكليف بالواقع باقيا و كون الأدلّة ظنّيّة بل حكموا بعلميّة الأدلّة و كون مداليلها مكلّفا بها هذا غاية ما حقّقه المحقّقون منهم في تاسيس اساسهم و اثبات طريقتهم و الجواب امّا عمّا ذكروه في المرحلة الأولى من الوجوه فنقتصر فيه على الجواب عن الأوّل منها و يظهر الجواب عن الأخيرين ايضا من مطاوى كلماتنا و ملخّص الكلام فيه انّ ثمرة العصمة ليست منحصرة في العمل بالعلم حتّى تنافى حجّيّة الظّن بل لها فوائد كثيرة و ثمرات غفيرة منها رفع التّشاح و التّشاجر و التنازع و التّناظر عن النّاس فانّهم اذا اختلفوا في حكم من الأحكام لم ينقطع اختلافهم و نزاعهم الّا بشخص ممتاز اذا استند قول احدهم اليه غلب على الباقى و منها ازاحة العلل و الاعذار عن العباد في اخذ الأحكام عن الحجّة و منها قبول قوله في الأحكام و الاطمينان به و عدم مخاصمته و عدم مطالبته بالدّليل فانّ امثال ذلك لا يحصل الّا بامام معصوم لا يدانيه الخطأ و الخطل و لا يلاقيه الزّيغ و الزّلل سيّما فيما اذا كان الحكم الصّادر منه (عليه السّلام) خلاف ما يقتضيه القياس و غير ما يفهمه عقول عامّة النّاس كمسألة دية الأصابع و ان في قطع الثّلاث ثلثين و في قطع الاربع عشرين حيث ظنّ الرّاوى انّ هذا من حكم الشّيطان قبل ان يسمعه من الإمام (عليه السّلام) فاذا سمعه منه (ع) قبله مطمئنّا لعلمه بانّه معصوم عن الخطأ و انّ لسانه لسان اللّه تعالى فبالعصمة يتميّز العالم من الجاهل و الحقّ من الباطل و على ذلك دلّت الأخبار و الآثار الواردة عن الأئمّة الأطهار و هذه الثّمرات لا تنتفى بالعمل بالظّنّ ليكون اشتراط العصمة منافيا له و امّا عن المرحلة الثّانية فهو انّ ما ذكروه فاسد من وجوه احدها انّ علميّة الظّواهر و كونها مكلّفا بها تنافى ادلّة الاشتراك في التّكليف من الكتاب و السّنّة و الإجماع‏

9

فانّه لا شبهة في انّ تكليف المشافهين و الحاضرين كان عين الواقع الّذى يأخذونه عن النّبىّ و الأئمّة (عليهم السّلام) و الظّاهر ليس بالواقع فاين الاشتراك الّا ان يجاب كما اجيب ايضا بمنع الاشتراك بهذا المعنى فانّ غاية ما يفيده ادلّة الاشتراك انّ كلّ حكم ثبت لموضوع بالنّسبة الى الحاضرين فهو ثابت لجميع افراده بالنّسبة الى الغائبين ايضا لأنّ الغائبين مشاركون لأشخاص الحاضرين في كلّ ما كلّفوا به فاذا اختلف الحكم في حق الغائب فلا يكون الّا لاختلاف الموضوع و تجدّد الموضوعات بعد زمن النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) و المشافهين و على ذلك يحمل ادلّة الاشتراك و الّا لزم بطلان الأحكام المختصّة بالغائبين كاتمام الصّلاة للمسافر تخيير اذا صلّى في حائر الحسين (ع) روحى له الفداء و بمثل ذلك يستدلّ الأصوليّون ايضا على عدم وجوب صلاة الجمعة و يقيدون اطلاق ادلّة وجوبها فانّ موضوع الوجوب هو من يدرك حضرة الإمام (عليه السّلام) فاختلاف الحكم انّما هو باختلاف الموضوع و بمثل ذلك يزيف ما ذكره الشّريف المحقّق (ره) و من حذا حذوه في مبحث اصالة البراءة من وجوب العمل بالاحتياط في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين استنادا الى قاعدة الاشتراك فيجب الاتيان بالواقع لاقتضاء الاشتغال اليقينى البراءة اليقينيّة فانّ الاشتراك لا يقتضى ذلك لاختلاف الموضوع فافهم ثانيها انّ الظّواهر لو كانت علميّة لما وقع فيها الخلاف و الواقع خلافه كما يظهر لمن تتّبع فيها فانّ منها انّ ذكاة الجنين ذكاة امّه فمنهم من قرء الذّكاة الثّانية بالنّصب و منهم من قرائها بالرّفع و بنوا على هذا الاختلاف مسئلة فقهيّة و هى انّه هل يكفى في تذكية الجنين تذكية امّه أو لا بل يحتاج الى تذكيته على حدة فمن رفعها حكم بالأوّل و من نصبها حكم بالثّانى بجعلها منصوبة بنزع الخافض اى كذكاة امّه مع انّه لا يتعيّن على هذا الفرض ايضا تقدير الكاف ليتعين التّعدّد لاحتمال تقدير في فيرجع الى الأوّل و بالجملة العلميّة تنافى الاختلاف و هو ظاهر لمن تحلّى بحلية الأنصاف و تخلى عن وصمة الاعتساف و قد اجابوا عنه بوجوه منها انّ المراد بالظّاهر ما علم ظاهريّته يقينا بان يحكم كلّ من راه بانّ المعنى الّذى يقبح ارادة غيره من اللّفظ مع عدم القرينة هو هذا و الظّاهر بهذا المعنى لا خلاف فيه اصلا و ما وقع فيه الخلاف لا يكون ظاهرا و انّما ظنّه كلّ واحد ظاهرا في معنى فمثل ذلك لا يكون علميّا حتّى ينافيه الاختلاف فالظاهر واحد في نفس الامر لا تعدّد فيه و هو علمىّ لا يقع فيه الخلاف و فيه انّ هذا الكلام يستشمّ منه رائحة التّضييع للعلماء الرّاشدين و التّشنيع للفقهاء و امناء الدّين و ينبئ عن فساد اساسهم و بطلان تاسيسهم بل يخبر عن غشّهم و تدليسهم حيث انّه يستلزم ان لا يكونوا عالمين بما لا يجوز بناء الأحكام الشّرعية عليه و لا عارفين بمبنى احكامهم و يقتضى ان يجعلوا ما يشتبه معناه الظّاهر من بين المعانى دليلا للحكم الإلهي حاشاهم عن ذلك ثمّ حاشاهم فان قيل كلّ ما لا يكون من الأدلّة نصّا فهذا شأنه و هو معظم الأدلّة و جلّها بل كلّها فالظّواهر تختلف عند العلماء و كلّ يحكم بمقتضى ما هو ظاهر عنده و لا ضير فيه قلت الظّاهر الواقعىّ النّفس الأمرى واحد لا يختلف لكنّا لا نقول بعلميّة الظّواهر فالكلّ متعبّد بظنّه فيها و امّا على مذاق الخصم فان كان الظّاهر الواحد النّفس الامرى شيئا يمكن العلم به فلا معنى للاختلاف و الّا فلا يجوز بناء الأحكام الشّرعيّة عليه و منها انّ منشأ الاختلاف هو عدم الاجتهاد و السّعى في تحصيل الظّاهر او عدم الوصول اليه بمقتضى مصلحة من المصالح فيكون احد المعانى الّتى يدّعى كونها ظاهر اللّفظ ظاهرة واقعا و قد فهمه مدّعية بالجدّ و الاجتهاد و الباقى ليس كذلك و فيه انّه ان كان من باب التّقصير فيستلزم التّفسيق كالسّابق و ان كان من باب القصور فينافى قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا و منها انّ المصالح و الحكم تختلف بحسب الأحوال و الأزمان و الأشخاص فربّ شي‏ء يكون مصلحة في حقّ هذا مفسدة في حقّ ذلك فالمصلحة لكلّ من العلماء انّما هى فيما فهمه من الدّليل و يدلّ على ذلك كثير من الاخبار مثل ما ورد في كفّارة الوقاع قبل طواف النّساء حيث حكم الإمام بوجوب البدنة لسائل و البقرة لآخر و الشّاة لثالث و علّل الاختلاف بعد ما سئل عنه بانّ الأوّل موسر و الثّانى متوسّط و الثّالث معسر و غير ذلك من الأخبار الدّالّة على اختلاف الحكم في الموضوع الواحد للتّقيّة او لمصالح أخر ثالثها انّ احتمال التّجوّز و

اختفاء القرينة و التّخصيص و التّقييد و النّسخ و غيرها قائم في كلّ من الظّواهر و هو مناف للعلميّة مع ما ورد عليها من تغاير الاصطلاحات و تظافر الكذبات من الكذّابين الّذين جعلوا القرآن عضين و ادرجوا انفسهم في زمرة المسلمين و اهل الدّين و هذا هو الّذى حمل المجتهدين على القول بالانسداد و اللّه الموفّق الى طريق السّداد و ربّما يجاب عن ذلك بانّا بعد ما اثبتنا قبح الخطاب بما له ظاهر و ارادة غيره مع عدم نصب القرينة عليه و وجوب التّوقيف العلمى على الحكيم نقول على سبيل الانفصال الحقيقى يجب ان يكون هذه المداليل الظّاهريّة غير المداليل الواقعيّة و قد وقع التّكليف بها او يكون هذه المداليل هى التّكليف الواقعى في حقّ الغائبين بمقتضى الحكم و المصالح رابعها انّ القول بعلميّة الظّواهر لا يخلو عن احد احتمالات ثلاثة الأوّل انّ المراد انّا نعلم انّ هذه الظّواهر مراد الشّارع و الثّانى انّ المراد انّا نعلم انّها مراد المتكلّم من الشّارع و غيره و الثّالث انّ المراد انّا نعلم انّ ما يفهم من اللّفظ يكون تكليفا لنا سواء كان مرادا أو لا و الكلّ باطل امّا الاوّل فظاهر لأنّه انّما يتمّ بالنّسبة الى من يسمع اللّفظ من النّبىّ (ص) او الإمام (عليه السّلام) دون من يسمعه من الرّواة و الوسائط اذ النّقل بالمعنى جائز فلعلّهم نقلوا الفاظ الشّارع بمعانيها فكيف يمكن ان يقال انّ مراد الشّارع من لفظ صدر عن غيره هو ذلك المعنى و منه يظهر وجه بطلان الثّانى ايضا فانّه يتمّ بالنّسبة الى الشّارع لقبح ارادة غير الظّاهر من اللّفظ مع عدم نصب القرينة و امّا الرّواة فلعلّهم ارادوا غير الظّاهر مع نصب القرينة او مع الغفلة و النّسيان عن نصبها فلا يمكن الجزم بانّ ذلك المدلول هو مرادهم من اللّفظ و امّا الثّالث فلأنّه يستلزم انتفاء ثمرة العصمة بل وجود المعصوم لأنّ العصمة تثمر اذا كان التّكليف متعلّقا بالواقع و امّا اذا كان متعلّقا بمدلول اللّفظ فيكتفى في تبليغ الأحكام بكلّ عادل غير معصوم بل بكلّ فاسق ظلوم و كلّ شاكّ مرتاب‏

10

و مارد لا يؤمن بيوم الحساب فهل هذا الّا الكرّ على ما منه يفرّ ثمّ انّ الأخباريّين بناء على مسلكهم الفاسد و مذهبهم الكاسد اوردوا على الأصوليّين و اتّكالهم على فنّ الأصول و علم احوال الرّواية و الرّواة من فنّى الدّراية و الرّجال شكوكا واهية و شبهات وانية فمن الشّكوك الواردة على الأوّل انّ علم الأصول قد حدث تدوينه بعد عصر الأئمّة (عليهم السّلام) و انّا نقطع انّ قدمائنا و حاملى اخبارنا ما كانوا عاملين بها بل كانوا يتديّنون بدين ائمّتهم و يعملون باخبارهم و هم (ع) قرّروهم على ذلك و ان تدوين الأصول انّما حدث من القديمين العمّانى و الإسكافي و منها انّ بديهة العقل تحكم بوجوب العمل باوامر الشّارع و نواهيه و يفهمها كلّ من علم علوم العربيّة فالحكم بوجوب التّقليد عليه بمجرّد جهله بمسائل فنّ الأصول لا وجه له مع انّه لا يعلم بمعذوريّته فيه فيجب ان يعمل بما يفهمه من الأدلّة دون غيره و قد لفقوا الاثبات ذلك مقدّمتين فاسدتين إحداهما انّ كلّ من يفهم من جهة الأدلّة حكما كان ذلك حجّة عليه لأنّه فقيه و ثانيتهما انّ كلّ ما لم يظهر له وجهه و لم يفهمه ممّا ذكره الفقهاء لا اصل له و منها انّ علم الأصول ليس الّا نقل الأقوال المتفرّقة و الأدلّة المتخالفة و منها انّ مسائل الأصول لها كمال القرب الى طريقة العامّة و البعد عن طريقة الخاصّة و قد امرنا بمخالفة الطّائفة الأولى فانّ الرّشد في خلافهم و ناهيك في اثبات ذلك تقسيمهم للأخبار تبعا للعامّة العمياء قال المولى محمّد امين الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة ما لفظه المقدّمة في ذكر ما احدثه العلّامة الحلّى و من وافقه خلافا لمعظم الإمامية اصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) و هو امران احدهما تقسيم احاديث كتبنا المأخوذة عن الأصول الّتى الّفها اصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) بامرهم لتكون مرجعا للشّيعة في عقائدهم و اعمالهم لا سيّما في زمن الغيبة الكبرى لئلّا يضيع من كان في اصلاب الرّجال من شيعتهم الى اقسام اربعة و على زعمه معظم تلك الأحاديث الممهّدة في تلك الأصول بامرهم (عليهم السّلام) غير صحيح و زعمه هذا من حدّة ذهنه و استعجاله في التّصانيف و هو بين اصحابنا نظير الفخر الرّازى بين العامّة و الثّانى اختيار انّه ليس للّه تعالى في المسائل الّتى ليست من ضروريّات الدّين و لا من ضروريّات المذهب دليل قطعىّ و انّه تعالى لذلك لم يكلّف عباده فيها الّا بالعمل بظنون المجتهدين أخطئوا او اصابوا و انجر كلامه هذا الى التزامه كثيرا من القواعد الأصولية المسطورة في كتب العامّة المخالفة لما تواترت عن الأئمّة الأطهار (عليه السّلام) و هو كان في غفلة عن ذلك و قال في موضع آخر منه ثمّ لمّا نشاء ابن الجنيد و ابن ابى عقيل في اوائل الغيبة الكبرى طالعا كتب الكلام و اصول الفقه للمعتزلة و نهجا في الأكثر على منوالهم ثمّ اظهر الشّيخ المفيد حسن الظّنّ بهما عند تلامذته كالسّيّد الاجلّ المرتضى و رئيس الطّائفة فشاعت القواعد الكلاميّة و القواعد الأصوليّة المبنيّة على الأفكار العقليّة بين متاخّرى اصحابنا حتّى وصلت النّوبة الى العلّامة و من وافقه من متاخّرى اصحابنا الأصوليّين فطالعوا كتب العامّة لارادتهم التبحر في العلوم او غيره من الأغراض الصّحيحة و اعجبهم كثير من قواعدهم الكلاميّة و الأصولية و الفقهيّة و التّقسيمات و الاصطلاحات المتعلّقة بالأمور الشّرعيّة و اوردوها في كتبهم لا لضرورة دعت به كما سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى بل لغفلتهم عن انّ تلك القواعد و التّقسيمات و الاصطلاحات لا تتجه على مذهبنا و لغفلتهم عن استغناء علمائنا عن سلوك تلك الطّرق بالأعلام المنصوبة من اللّه تعالى و الآثار المنتشرة عن ائمة الهدى (صلوات اللّه عليهم) كيف لا و قد قال اللّه تعالى‏ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏ انتهى كلامه و قال صاحب الوسائل في خاتمة الكتاب المذكور انّ هذا الاصطلاح مستحدث في زمان العلّامة او شيخه احمد بن طاوس كما هو معلوم و هو يعنى الأصوليّين معترفون به الى ان قال مع قولهم (عليهم السّلام) شرّ الأمور مستحدثاتها و قولهم (عليهم السّلام) عليكم بالتلاد و قال في موضع آخر منها فظهر ضعف التّقسيم المذكور و عدم وجود موضوعه في الكتب المعتمدة و قد سلك هذا المسلك صاحب المنتقى ايضا حيث قال انّ اكثر انواع الحديث المذكورة في دراية الحديث بين المتاخّرين من مستخرجات العامّة بعد وقوع معانيها في احاديثهم و انّه لا وجود لأكثرها في احاديثنا و منها الشّكوك الواردة من جهة العمل بالظّن المذكورة في الكتب الأصولية و ربّما يأتى الإشارة الى بعضها فيما سيأتي و من الشّكوك الواردة

على الثّانى مضافا الى ما ذكر ما ذكره المحدّث الأسترآبادي من انّ احاديثنا كلّها قطعيّة الصّدور عن المعصوم (عليه السّلام) فلا نحتاج الى ملاحظة السّند امّا الكبرى فظاهرة و امّا الصّغرى فلاحتفافها بقرائن مفيدة للقطع ثمّ ذكر عدّة من القرائن المفيدة للقطع على زعمه لا نطيل بذكرها و ذكر غير ما ذكر من الشكوك الواهية الّتى اوهن من نسج العنكبوت و لو لا مخافة التّطويل لبيّنت ذلك اتمّ بيان و اوضحت انّ سوء الادب بالنّسبة الى العلّامة الّذى هو آية اللّه في العالمين رزقنا اللّه رشحة من رشحات فيض علومه من قلّة الفهم و الشّعور و من لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور و ظنّى ان اتعرّض لما تركته هنا في موضع آخر من هذا الكتاب ثمّ انّ مرادهم من انفتاح باب العلم و قطعيّة الأخبار هو ما مرّ على ما فهمناه من كلمات اساطينهم و قد يقال انّ مرادهم بالعلم هو العلم العادى و هو ما يطمئنّ به النّفس و مثله يجوز العمل به بل نقل الوحيد البهبهانى (ره) في فوائده العتيقة انّ بعض متاخّرى الأخباريّين لمّا راوا فساد مذهبهم و شناعته الواضحة رجعوا قهقرى و ادّعوا انّ المراد من العلم و اليقين هو الظّن و نزاعنا مع المجتهدين لفظى ثمّ تنظر فيه من وجوه الأوّل انّ المجتهدين ليس عملهم و اعتمادهم على الظّنّ بل هذا كذب عليهم لأنّ كبرى دليلهم و هو انّ ما ادّى اليه ظنّ المجتهد فهو حكم اللّه في حقّه قطعيّة يقينيّة و الاخباريّون ليس لهم كبرى يقينيّة بل اعتمادهم على نفس ظنّهم الّذى يسمّونه علما الثّانى انّ الأخباريّين ديدنهم الطّعن على الأصوليّين بانّهم يعملون بالظّنّ و يخالفون ما ثبت من الأخبار من حرمة العمل به الثّالث انّهم يحكمون بحرمة الاجتهاد صريحا و يابون عنه و عن تسميتهم بالمجتهد بسبب انّ الاجتهاد بحسب الاصطلاح استفراغ الوسع في تحصيل الحكم الشّرعىّ بطريق ظنى الى غير ذلك من الوجوه تنظر في التّوجيه الأوّل ايضا اوّلا بأنّ العلم العادى مساو للعقلى في المنع عن النّقيض و ان كان بملاحظة العادة فكيف يقال انّه يجتمع مع احتمال النّقيض و ثانيا بانّ اطمينان النّفس لا يحصل مع؟؟؟ النّقيض الى غير ذلك من الوجوه و ملخّص ما ذكرناه من اوّل الكلام الى هذا المقام انّ مناط الفرق بين الأخبارى و الأصولى هو نفس الاجتهاد اى العمل بالظّنّ‏

11

على الوجه المذكور في فنّ الأصول فمن اعترف بالعمل به فهو مجتهد و من ادّعى عدمه بل كون بناء عمله على العلم و اليقين فهو اخبارىّ فالمائز بينهما هو العمل بالقواعد الاصولية و عدمه و مناط الفرق بين المسلكين من تلك المسائل هو المسائل المتعلّقة بالأدلّة الأربعة من حيث هى ادلّة و هى المسائل المذكورة في هذا الكتاب فاحفظ و اغتنم لتكون على بصيرة من الأمر و اليه يرجع الأمر كلّه و هو الهادى الى طريق الصّواب و المرشد الى سبيل الفوز و الثواب‏

[فى تشقيق احوال المكلف‏]

قوله‏

رفع اللّه درجته فاعلم انّ المكلّف‏

اه‏ اقول‏ هاهنا ابحاث بعضها لا يليق بالتّدوين و لا يناسب العلماء المحصّلين بل يناسب صغار المشتغلين مثل انّ المص (ره) لم يتعرّض في اوّل الكتاب للتّسمية و التّحميد على الوجه الّذى يتعرّض له اهل التّصنيف و التّاليف و انّه اتى بحرف الفاء في اوّل الكلام مع ظهور استدراكها و ما اشبه ذلك و بعضها ممّا ينبغى التّكلّم فيه فنقول انّما قيّد بالشّرط لأنّ المراد بالمكلّف هو المكلّف النّوعى اعنى البالغ العاقل القابل لتوجّه الخطاب اليه و بعبارة اخرى المكلّف الشّأنى الّذى من شأنه ان يكلّف و ليس المراد منه المكلّف الفعلى الّذى تنجز في حقّه التّكليف فعلا ليكون التّقييد مستدركا نظرا الى عدم دخول الغافل فيه من اوّل الأمر ليحتاج الى التّقييد في الإخراج فيكون المراد هو الجامع للشّروط العامّة في مقابلة فاقدها الّذى هو مورد للسّلب المطلق و النّفى الكلّى فيكون المراد من الحكم المتعلّق للالتفات ح الحكم الخاصّ من قبيل وجوب الصّلاة و الصّوم و الحجّ مثلا فيحصل للشّرط مفهوم اذ يصير حاصل الكلام انّ المكلّف الجامع للشّرائط سوى الالتفات المنجّز للتّكليف اذا حصل له هذا الشّرط ايضا فيحصل له احد الأمور الثّلاثة و يمكن ان يراد بالمكلّف هو المكلّف الفعلى و يكون التّقييد لاحراز الموضوع لكون التّكليف منوطا به فلا يرد المحذور المخطور و يحتمل ان يكون المقصود اخراج المكلّف المقصر المقتدى في الأحكام بالأبوين و من يشبههما من غير التفات الى حقيقة التّكليف و ان يكون المراد هو المكلّف الملتفت الّذى تعلّق به الأحكام و عرف المسائل على الوجه الكلّى الإجمالي و المراد من الالتفات هو الالتفات الى خصوصيّاتها و اشخاصها و وجه التّقييد توقف الامور الثّلاثة على الالتفات الفعلى الشّخصىّ و هذا الوجه و ان كان اخفى في بادى النّظر الّا انّه اظهر الوجوه و اسلمها عند من تدبّر لا يقال تخصيص الامور الثّلاثة بالمكلّف لا وجه له لحصولها للصّبى ايضا اذا التفت الى الحكم لانّا نقول المراد حصولها على وجه يترتب عليها الأثر في مقام اثبات التّكليف و عدمه و هو انّما يكون لمن شأنه ان يكلّف فعلا دون غيره ثمّ انّ مقتضى اطلاق الكلام ارادة الأعمّ من المجتهد من المكلّف كارادة الأعمّ من الكلّى من الحكم و مقتضى ذلك جريان المباحث الآتية في المقلّد و الحكم الجزئى كما انّ بعض المباحث يعلم اختصاصه بالحكم الجزئى الّا انّ الأوفق و الأليق بمقاصد الفنّ ارادة خصوص المجتهد و الحكم الكلّى اذ المقصود من الفنّ هو البحث عن الادلّة التّفصيليّة الموصلة الى الأحكام الكلّيّة و لا يخفى انّ استنباطها منها من وظيفة المجتهد فان قلت ذكر المسائل الغير المختصّة بالمجتهد و الحكم الكلّى في هذا الكتاب بل في سائر كتب هذا الفنّ غير عزيز فتريهم يذكرون حكم استصحاب الموضوعات كحياة زيد و طهارة الثّوب و بقاء الكرّيّة و امثال ذلك و كذا في سائر الأصول العمليّة بل كثيرا ما يذكرون ما يختصّ بالأحكام الجزئيّة قلت مجرّد ذكر شي‏ء في فنّ من الفنون لا يقتضى كونه من مقاصده فانّ ذكر كثير من المسائل في كثير من العلوم من باب الاستطراد لمناسبة يقتضيها المقام و ان بيت عن قبول ذلك فانظر الى الكتب الكلاميّة تريها مشحونة بالمباحث الفلسفيّة و الشّبهات السّفسطيّة الّتى تمسّك باذيالها المعتزلة لغرض دعاهم الى ذلك مذكور في محلّه سيّما من بين العلوم علم الأصول الّذى هو جامع للشّتات و مجمع للمتفرّقات بل هو بمنزلة المعاجين حيث انّه ركب من انواع القواعد و اصناف القوانين فاللّائق بمقاصد الفنّ من مثل الاستصحاب مثلا هو ما يثبت الحكم الكلّى كاستصحاب نجاسة الماء في الماء المتغيّر بعد زوال التّغير قوله‏

الى حكم شرعىّ‏

اه‏ اقول‏ المراد من الحكم ما يشمل التّكليفى و الوضعى و ان كان الثّانى راجعا الى الاوّل عند المص (ره) و جماعة كما سيأتي في مباحث الاستصحاب و قد يقال انّ المراد هو التّكليفى كما يرشد اليه ظاهر التّقسيم في المتن فالأحكام الوضعيّة ليست داخلة في المقسم ضرورة انّ الشّكّ فيها ليس شكّا في التّكليف و لا في المكلّف به و المدار في التّقسيم على ذلك و هل يكون شي‏ء منها مجرى الأصول الأربعة الظّاهر العدم في ما عدا الاستصحاب اذ لا معنى لجريان اصل البراءة و التّخيير في ما اذا شكّ في سببيّة شي‏ء لشي‏ء مثلا بل مقتضى القاعدة في امثال المقام انّه اذا كان الشّكّ في السّببيّة مثلا مسبّبا عن شي‏ء آخر و امكن اجراء اصل من الأصول في ذلك الشّي‏ء اجرى فيه و يبنى العمل على طبقه و ان لم يكن مسبّبا عن شي‏ء آخرا و لم يكن اجراء الأصل في الشّي‏ء الآخر مع‏

تسبّبه له عمل بما يقتضيه الأصول في نفس المسبّب فان كان هناك اصل يمكن اثبات الحكم الوضعىّ به كاستصحاب السّببيّة مثلا اجريناه و الا رجعنا الى الأصول و القواعد بالنّظر الى عمل المكلّف و حكمه الفرعى و سيأتي عن بعضهم الفرق بين البراءة و قاعدة انّ عدم الدّليل دليل العدم بعدم جريان الأولى في الاحكام الوضعيّة لعدم كون ادلّتها ناظرة اليها و جريان الثّانية فيها و كذا التّفصيل عن بعضهم بالنسبة الى الاحكام في مسئلة الاستصحاب ثمّ انّ المراد هو الحكم الفرعى و ان اهمل في ظاهر العبارة لوضوحه و الشّرعى منسوب الى الشّرع اى الدّين قال في المجمع الشّرعة بالكسر الدّين و الشّرع و الشّريعة مثله مأخوذ من الشّريعة و هو مورد النّاس للاستسقاء سمّيت بذلك لوضوحها و ظهورها انتهى و المنسوب اليه امّا الشّرع بمعنى الشّارع او الشّرع بمعنى الدّين و نسبة الحكم اليه على الوجه الأوّل من باب نسبة الأثر الى المؤثّر و لو تقريبا و على الوجه الثّانى من باب نسبة الشّي‏ء الى متعلّقه او وصفه كذا قاله بعض الأفاضل و قد اوضحنا كلامه و بيّنا مرامه في تعليقاتنا على القوانين وفّقنا اللّه لاتمامها و على الأوّل فهل يكون المراد من الشّارع هو اللّه تعالى او النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) او الأعمّ ظاهر كلام بعضهم كصريح آخر بل ظاهر كلام القوم على ما ادّعاه بعض الأفاضل هو الثّانى و التّحقيق ان يقال انّ مقتضى وضع اللّفظ بحسب اللّغة ان لا يطلق على النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأنّ معناه لغة جاعل الشّرع و واضعه كما هو المتبادر منه فيختصّ باللّه عزّ و جلّ و يدلّ عليه قوله تعالى‏ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً الآية و قوله تعالى‏ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً

12

و قد ورد الشّارع في اسمائه تعالى على ما صرّح به بعضهم فيكون صدقه على النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) على خلاف مقتضى وضعه اللّغوى فان ثبت كونه حقيقة عرفيّة فيه كما ادّعاه بعضهم فلا كلام و الّا فللبحث مجال واسع الّا ان يجعل الشّارع بمعنى مبيّن الشّرع و قد يستند في مجيئه بذلك المعنى الى نصّ جماعة من اهل اللّغة بكون شرع بمعنى سن و قد نصّ في القاموس بانّ معنى سن الامر بيّنه و فيه مع ما فيه انّه يستلزم صحّة اطلاقه على الأئمّة (عليهم السّلام) بل العلماء المبيّنين للشّرع الّا ان يراد المبيّن في اوّل الأمر بعد عدم ظهوره رأسا نعم يمكن تصحيح صدقه على النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) بمعناه المتبادر بحسب اللّغة بناء على تفويض الأحكام اليه (صلّى اللّه عليه و آله) للأخبار الكثيرة الدّالّة عليه لكنّه يشكل بدلالة جملة من تلك الأخبار على التّفويض الى الأئمة (عليهم السّلام) ايضا مع انّ اصل التّفويض ممّا ينافيه آيات كثيرة و آثار غفيرة و ان لم نضايق القول بالتّفويض لهم (ع) بالنّسبة الى بعض الأمور كالثّواب و لتفصيل الكلام محلّ آخر ثمّ انّ كلماتهم مختلفة في تفسير الحكم الشّرعى فالمشهور في تفسيره انّه ما من شأنه ان يؤخذ من الشّارع و ان استقلّ به العقل و اورد على عكسه بمثل وجوب الحكم بوجود الصّانع و نبوّة النّبىّ و وجوب النّظر في المعجزة اذ ليس من شأنها الأخذ من الشّارع لأنّ اثبات وجوبها بقول الرّسول يتوقّف على ثبوت رسالته و بعد ثبوتها لا معنى لوجوب شي‏ء منها لحصولها و قد يمنع كونها احكاما شرعيّة او يفصل بين الحكم بها قبل اثبات النّبىّ و بعده و فيهما نظر و على طرده بدخول مسئلة تجسّم الأعمال و الاحباط و نحوهما فانّ العلم بها ليس فقها مع انّ بيانها من شان الشّارع و فيه ما لا يخفى و ربّما يفسّر بالمنتسب الى الشّرع و ان كان ادراكه بمحض العقل من غير توسّط بيان الش اصلا كما قد يتفق في بعض الفروض او كان العلم بها بملاحظة بيانه كما هو الحال في معظم المسائل او كان معلوما بالوجهين و قد يفسّر بما للشّرع مدخل فيه و قد يفسّر بما اخذ من الشّرع و ان حكم به العقل ايضا نظرا الى انّ في خطبة حجّة الوداع ما يدلّ على انّ الأحكام قد اخذت من الشّرع فعلا فيخرج عنه القسم الأوّل و فيه مع منع دلالة فقرة الخطبة على اخذ جميع الاحكام و لذا امر باخذها من الثقلين لا يستلزم الوصول الينا على فرض تسليمه و قد يفسّر بما للشّرع غرض فيه و ان امتنع اخذه منه و هذا التّفسير عندى اقرب الى السّداد و ابعد عن الإيراد و اوفى في بيان المراد قوله‏

فيحصل له امّا الشك الخ‏

اه‏ اقول‏ الحصر عقلى دائر بين النّفى و الأثبات و بيانه انّ الصّورة الحاصلة عند العقل امّا ان يتساوى احتمالا الحصول في الخارج و عدمه بالنّسبة اليها او لا و على الأوّل فهى الشّكّ و على الثّانى فلا بدّ ان يترجح احد الاحتمالين على الآخر فحينئذ امّا ان يمنع الرّاجح عن الآخر او لا و على الثّانى فالرّاجح هو الظّنّ و المرجوح هو الوهم و على الأوّل فامّا ان يطابق الواقع او لا و على الأوّل فامّا ان يزول بتشكيك المشكّك او لا فاوّلهما التّقليد و ثانيهما اليقين المنقسم الى علم اليقين و حقّ اليقين و عين اليقين فى لسان بعضهم و على الثّانى فهو الجهل المركّب و يمكن جعل التّقليد اعمّ منه و الثّلاثة الأخيرة داخلة في القطع و الوهم لازم الحصول للظّنّ و حكمه حكم الشّكّ و التّحقيق انّه متعيّن للإلغاء و لذا لم يتعرّض (قدّس سرّه) لبيان حاله و للظّنّ مراتب اعلاها الظّن الاطميناني الّذى يعبّر عنه بالعلم العادى و هو الّذى اشرنا سابقا الى انّ كلام القائلين بافادة الأخبار للقطع قد يحمل عليه‏ قوله‏

فان حصل الشّكّ‏

اه‏ اقول‏ مقتضى الحصر و التّقابل ان يراد بالشّكّ تساوى الاحتمالين و بالظّن خصوص الظّنّ الفعلىّ و الّا لاختل الحصر كما لا يخفى مع انّ موضوع ما يذكر في المقصد الثّالث اعمّ من الشّكّ بالمعنى المذكور لأنّه يشمل الظّنّ الّذى لم يقم على اعتباره دليل فقد تقرر انّه داخل في الشّكّ لا انّه بحكم الشّكّ و السّر فيه انّ الظّان بالحكم الشّرعىّ الواقعىّ اذا لم يقم دليل على اعتبار ظنّه كالظّن الحاصل من القياس يكون شاكّا في حجّيّة ظنّه فيكون شاكّا في كون مظنونه حكما فعليّا في حقّه فلا بدّ ان يرجع الى الاصول العمليّة و كذا موضوع ما يذكر في المقصد

الثّانى لو لم يكن خصوص الظّنون النّوعيّة و التّعبّديّات مع قطع النّظر عن فعليّة الظّنّ بل مع كون الظّنّ الفعلى على خلافها فلا اقلّ من شموله لها فانّ الظّنون الفعليّة الشّخصيّة في غاية النّدرة فكيف يناط بها الأحكام على كثرتها فحينئذ يختل نظم التّقسيم و بيان الأقسام لكن الخطب يسهل بوضوح المرام‏ قوله‏

فالمرجع فيه هى القواعد الشّرعيّة

اه اقول المراد من الشّرعيّة هنا اعمّ ممّا في استعمالاتها المتعارفة ليشمل الإمضاء على وجه يدخل فيها البراءة العقليّة و الاحتياط و التّخيير العقليان‏ قوله‏

و تسمّى بالاصول العمليّة

اه‏ اقول‏ هذا اصطلاح معروف بينهم و تسميتها بالأصول في مقابلة الأمور الكاشفة عن الواقع من الادلة الاجتهادية و الأمارات و نسبتها الى العمل في مقابلة الاصول الموضوعيّة و توضيح المقام على ما ذكره بعض الاعلام انّ الأمور المعتبرة شرعا بالمعنى الأعمّ من التّاسيس و التّقرير امّا ان يكون اعتبارها في مرحلة الاحكام الكلّيّة و الكبريات او في مرحلة المصاديق و الصّغريات و على التّقديرين امّا ان يكون اعتبارها من باب الكشف عن الواقع سواء كان من جهة كشفها في نظر العرف و كان اعتبار الشّرع لها من تلك الجهة او لم يكن في نظر العرف كذلك لكن علم من ادلّة اعتبارها انّه من باب الكشف و لو تعبّدا او يكون اعتبارها لا من جهة الكشف مقابل ما ذكر فيما ذكر بان لم يكن؟؟؟ ذلك الأمر جهة كشف او كانت و لم يكن اعتباره من هذه الحيثيّة بل من حيث بيان كيفيّة عمل الشّاك الفاقد للطّريق الى الواقع فالأوّل من الأوّل هى الأدلّة و الثّانى منه هى الأصول العمليّة و قد تسمى بالادلّة مقيدة بالفقاهية و سيظهر وجهه في اوائل المقصد الثّالث و الأوّل من الثّانى هى الأمارات و الثّانى منه هى الأصول الموضوعيّة و اعلم انّ الدّليل الاجتهادي على ثلاثة اقسام احدها ما يفيد القطع بالواقع كالإجماع المحصّل و دليل العقل و ثانيها ما يفيد الظّنّ به و يكون حجّيّته من باب حصول الظّنّ منه فالدّليل هنا في الحقيقة هو الظّن الحاصل من تلك الأدلّة فلو لا حصول الظّنّ منها لم تكن حجّة و ثالثها خصوص امور ناظرة الى الواقع كاشفة عنها بحسب دلالتها سواء كانت مفيدة للظّنّ بالواقع او لا و من ذلك كثير من الأدلّة الشّرعيّة كظواهر الكتاب و السّنّة فانّ حجّيتهما غير منوطة بافادة الظّنّ بالحكم الواقعىّ و القسم الثّانى منع حصوله بين الادلّة

13

الشّرعيّة بعض الأساطين و سيأتي تفصيل الكلام فيه في المقصد الثّانى‏ قوله‏

و هى منحصرة

الخ‏ اقول‏ الحصر عقلى يحصل من ملاحظة الحالة السّابقة و عدمها و من امكان الاحتياط و عدمه و من كون الشّكّ في التّكليف و المكلّف به فمورد الملاحظة مجرى الاستصحاب من دون فرق بين سائر الحالات المذكورة و مورد عدم الملاحظة لا بدّ فيه من التّشقيق فمورد عدم امكان الاحتياط مجرى التّخيير من دون ان يؤثّر فيه كون الشّكّ في التّكليف او في المكلّف به و مورد الإمكان لا بدّ فيه من التّشقيق الى موردى البراءة و الاحتياط و لازم ما ذكرناه انّ الاستصحاب اشمل موردا في الباقى لجريانه في الحالات بعد ملاحظة الحالة السّابقة ثمّ التّخيير بعده اشمل و الاحتياط و البراءة متضادّان بحسب مجموع ما اخذ فيهما من القيود و يشتركان في عدم ملاحظة الحالة السّابقة و امكان الاحتياط و ربّما يتوهّم عدم انحصار الاصول في الأربعة نظرا الى اصول كثيرة يتمسّك بها الفقهاء في كتبهم و كلّها مجريها الشّكّ كاصل الطّهارة للشّاك فيها و قاعدة القرعة لكلّ امر مشتبه و اصالة الصّحّة و قاعدة الشّكّ بعد الفراغ و اصالة العدم و عدم الدّليل دليل العدم و اصالة النّفى و اصالة الإباحة او الخطر في الأشياء و اصالة التّوقّف و اصالة نفى الأكثر عند الدّوران بينه و بين الأقلّ الى غير ذلك من الأصول و يندفع بانّ امثال ما ذكر من الأصول صنفان صنف منها خارج عن محلّ الكلام فانّ الكلام في اثبات الحكم الشّرعى و الأصول الجارية فيه منحصرة في الأربعة و ما ذكر اكثره يكون لاثبات الموضوع المشكوك كالقرعة و اصالة الصّحة و قاعدة الشّكّ بعد الفراغ ان لم نقل بكونها من الأمارات و صنف منها داخل فيه و لكنّه يرجع الى احد الاصول المذكورة كقاعدة الطّهارة حيث انّها تجرى في الموضوع و الحكم على ما هو التّحقيق عند بعضهم منهم المص الأستاد (ره) و ان انكر جريانها في الثّانى بعض الأصحاب فانّها ترجع الى اصالة البراءة و الإباحة لأنّ مدركها قوله (عليه السّلام) كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم انّه قذر و مرجعه الى عدم وجوب الاجتناب فيرجع الى ما ذكر كما صرّح به الوحيد البهبهانى (ره) و يتّضح ذلك على القول بكون الطّهارة من الأحكام الوضعيّة الغير المجعولة عند المص (ره) و جماعة و كاصالة العدم فانّها لو لم ترجع الى الاستصحاب او اصالة البراءة لم يعتد به اصلا كما سيأتي ذكر سرّه في محلّه و كذا الكلام في اصالة النّفى و امّا قاعدة عدم الدّليل فيرجع الى الاستصحاب و لو فرض انّها لا ترجع الى اصل من الأصول فلا يمكن النّقض بها و امّا اصالة الإباحة و الخطر فان جعلا من الأحكام الواقعية الّتى يحكم بها العقل مع قطع النّظر عن الشّرع كما هو قضيّة كلام جماعة منهم المحقّق القمّى (ره) بل الأكثر بالنّسبة الى اصالة الخطر حيث تمسّكوا فيها بانّ التّصرّف في الاشياء بدون اذن الشّارع ظلم لقبح التّصرّف في مال الغير بدون اذنه فلا اشكال في عدم ورود النّقض بهما لعدم كون مفادهما اذن من الأحكام المجعولة في موضوع الشّكّ و ان جعلا من الاحكام الظّاهريّة الّتى قضى بها العقل في موضوع الشّكّ كما هو التّحقيق في اصالة الاباحة كما سنحقّقه في المقصد الثّالث في بيان الفرق بينها و بين اصالة البراءة و مقتضى كلام جماعة في اصالة الخطر حيث تمسّكوا فيها بوجوب دفع الضّرر المحتمل فكذلك ايضا لدخول الأولى ح في البراءة و الثّانية في الاشتغال و امّا اصالة التّوقّف فان رجع مؤداها الى الحكم الظّاهرى كما يقوله الأخباريّون حيث يجعلونها كناية عن عدم الدّخول في الشّبهة و مساوقة للاحتياط فيدخل في الاحتياط كما لا يخفى و ان لم يرجع مؤدّاها اليه كما هو المعروف في السنة المجتهدين حيث جعلوا مؤدّاها عدم ترجيح احد طرفى المسألة و عدم الحكم بشي‏ء منهما من حيث الدّليل الاجتهادي او مط فالأمر اظهر و امّا اصالة نفى الأكثر فترجع الى اصالة البراءة او الاستصحاب على ابعد الاحتمالين و الّا فلا تاصّل لها لتكون قابلة للنّقض بها و سيأتى تفصيل الكلام فيها ثمّ انّ هاهنا طائفة من الاصول تسمّى بالأصول اللّفظيّة و هى خارجة عمّا نحن فيه و ان كانت تعد من الأصول العمليّة و الأصول الموضوعيّة احيانا و يستدلّ فيها بادلّتها و سنحقّق الكلام فيها في مقام تعداد الظّنون الخاصّة ثمّ انّ عقد الكلام على خصوص الأصول العمليّة لعدم كون الأصول الموضوعيّة محطّ نظر اهل الفنّ و ما قد يتراءى من التّكلّم فيها فهو من باب الاستطراد و التّكلّم في هذه الاربعة انّما هو من حيث جريانها في الشّبهة الحكمية

و ان جرت في الشّبهة الموضوعيّة ايضا من جهة عموم ادلّتها قال بعض المعاصرين ما حاصله انّ جملة منها مع جريانها في الشّبهات الموضوعيّة ليس حالها حال الأصول الموضوعيّة بل هى ناظرة الى الأحكام فانّ اصالة الإباحة او البراءة الجارية في المائع المردّد بين الخلّ و الخمر لا تعين الموضوع بل تبقى حرمته و تؤثر في عدم تنجزها و لذا يقدّم عليها الأصل الموضوعى لو وجد في المورد و لا تعارضه و قريب منها الاحتياط و التّخيير مع جريانها في الشّبهات الموضوعيّة نعم الاستصحاب الجارى فيها حاله حال الاصول الموضوعية من حيث احرازه الصّغرى و ترتيب الحكم الثّابت بالأدلّة الاجتهادية عليها و لا بأس بالالتزام بخروجه عن مباحث الفنّ و كون التّعرّض له من باب الاستطراد قوله‏

لأنّ الشّكّ امّا ان يلاحظ

اه‏ اقول‏ انّما اعتبر ملاحظة الحالة السّابقة دون وجودها اذ قد تكون موجودة في موردى البراءة و الاحتياط ايضا و هو المراد من تداخل موارد الأصول الّذى صرّح به المص (ره) في اوائل المقصد الثّالث فيمكن ان يكون مورد واحد مجرى اثنين منها و المدار في الفرق على الملاحظة و عدمها ثمّ انّ هذا التّرتيب فى بيان مجارى الأصول لا يخلو عن اختلال و اضطراب كما اعترف (ره) به في الدّرس ان من موارد عدم امكان الاحتياط ما يجرى فيه البراءة و هى موارد عديدة احدها ما اذا تردّد الأمر بين الوجوب و الحرمة و واحد من الاستحباب و الكراهة فان قضيّة ما ذكر كونه مجرى التّخيير نظرا الى عدم ملاحظة الحالة السّابقة و عدم امكان الاحتياط فيه مع انّه مجرى البراءة على ما قرّر في محلّه و ثانيها ما اذا دار الأمر بين احدهما و المردد بين الإباحة فانّها كالصّورة السّابقة و عدم امكان الاحتياط يمكن ان يفرض الدّوران ثلاثيا و رباعيّا و خماسيّا و لا يتفاوت و فيها الحكم و ثالثها ما اذا دار الامر بين الوجوب و الحرمة فانّ مقتضى التّرتيب المذكور كونه مجرى التّخيير ايضا مع انّه مجرى البراءة على مذهبه او التّوقف كما سيأتي بيانه و هناك موارد أخر لا ينطبق عليها ما ذكر في التّرتيب منها ما اذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر كان يعلم اجمالا بوجوب دعاء الهلال او حرمة شرب التّتن على وجه الانفصال الحقيقى فانّ مقتضى ما ذكر كونه موردا للبراءة الاجتماع قيوده فيه مع انّ المختار فيه الاحتياط كما ستعرف فلئن قلت لا نسلّم‏

14

اجتماع قيود مورد البراءة فيه اذ الشّكّ فيه في المكلّف به لا في اصل التّكليف لكونه معلوما فيكون موردا للاحتياط بمقتضى التّرتيب المذكور ايضا قلت قد حقّق في محلّه انّ المراد بالتّكليف هو النّوع الخاصّ منه فان شكّ فيه فهو من قبيل الشّكّ في التّكليف و ان كان الجنس محرزا و منها ما اذا دار الأمر بين الأقلّ و الأكثر في صورة الشّكّ في المكلّف به فانّ المختار فيه البراءة عند المص (ره) وفاقا لما حكاه عن المشهور مع انّ مقتضى ما ذكر كونه مجرى الاحتياط و تمحّل ارجاعه الى الشّكّ في التّكليف كما صدر عن بعضهم تمحّل فاسد و تخيّل بارد على ما نحقّقه و قد صرّح بعض الأفاضل بانّ التّخيير يجرى فيما يمكن فيه الاحتياط كما في دوران الأمر بين التّكليف الإلزامي و غيره اذا كان منشأ الاشتباه تعارض النّصّين فانّه يرجع فيه الى التّخيير بمقتضى الأخبار العلاجية لا البراءة و انّ البراءة تجرى في الشّكّ في المكلّف به كما في صورة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر كما اشرنا و كما في الشّبهة الغير المحصورة الوجوبيّة او التّحريميّة و الشّبهة المحصورة اذا فرض خروج بعض اطراف الشّبهة عن محلّ الابتلاء و انّ الاشتغال يجرى في الشّكّ في التّكليف كما في مثال الشّكّ في وجوب دعاء الهلال و قد يجاب عن الموردين الأوّلين بانّ للشّكّ طرفين فان جعل احد طرفيه الحكم الإلزامي اعمّ من الوجوب و الحرمة و الطّرف الآخر غيره من الإباحة و الاستحباب و الكراهة كان مجرى البراءة و الاحتياط ممكن فيه لأنّ الأخذ بكلّ من الإلزاميين احتياط بالنّسبة الى الطّرف الآخر و ان جعل كلا طرفيه من الإلزام فهو و ان لم يمكن الاحتياط فيه لكنه مجرى التّخيير لا البراءة و عن الثّالث بانّه لا منافاة بين البراءة و التّخيير في مقام العمل بين الفعل و التّرك اذ المكلّف لا يخلو عن احدهما فالبراءة مستلزمة للتّخيير في مقام العمل فان قيل الفرق بين البراءة و التّخيير اوضح من ان يخفى فانّ البراءة تقتضى رفع التّكليف و عدم وجوب الالتزام و التّعبّد و التّخيير يقتضى الالتزام بالفعل او التّرك قلت ما ذكر انّما هو في التّخيير الشّرعى و امّا التّخيير العقلى بمعنى انّ العقل يحكم بنفى التّعيين و انّ للمكلّف اختيار ما شاء بعد ملاحظة عدم امكان الجمع بين الفعل و التّرك و عدم ترجّح احدهما على الآخر فلا ينافى البراءة و الفرق بينهما انّما هو بحسب المدرك حيث انّ المدرك في التّخيير عدم امكان الجمع و الطّرح و في البراءة قبح التّكليف بلا بيان فتدبّر و ممّا يوجب القدح فيما ذكره المص الأستاد (ره) في بيان مجارى الأصول ما اورده بعض افاضل المعاصرين و لعلّه التقطه من كلمات المص (ره) في المباحثة و المشافهة و هو انّه (ره) لم يذكر في عداد الأصول التّخيير الشّرعى النّاشى من تعارض النّصين المتكافئين امّا بالاصل الأوّلى و التّخيير العقلىّ الواقعى على قول او احتمال او بالأصل الثّانوىّ المستفاد من الأخبار العلاجيّة و التّخيير المذكور في عداد المراتب هو التّخيير العقلىّ النّاشى من التّردد و الدّوران بين المحذورين و لا يخفى انّ الغاء التخيير الشّرعى يوجب اختلال مراتب الأصول باجمعها لتقدّمه على الاستصحاب و سائر الأصول العمليّة و منعه من جريانها سيّما على الوجه الثّانى حيث انّه من مقولة الأصول العمليّة ح و يتقدّم على غيره منها فمورد ملاحظة الحالة السّابقة مجرى الاستصحاب الّا اذا انبعث الشكّ من تعارض النّصّين و هكذا بالنّسبة الى مجرى البراءة و غيرها كما يظهر تفصيله من ملاحظة مسئلة تعارض النّصّين في كلّ مطلب من مطالب مباحث البراءة منفردة و الحكم فيها بالتّخيير و ربّما يعتذر عنه بانّ محط النّظر انّما هو مجارى الأصول العمليّة بما هى هى مع قطع النّظر عن الأدلّة الشّرعيّة و بانّ التّخيير الشّرعى اشبه شي‏ء بالقواعد الفقهيّة و شي‏ء منهما لا يسمن و لا يغنى اذ لا شكّ انّه اولى بالذّكر من الاستصحاب اذ هو مع اشتماله على بيان كيفيّة العمل كغيرها من الأصول العمليّة متكفّل لبيان مسئلة اصوليّة و هى حجّيّة احد الخبرين تخييرا حين التّعارض نظير اصل ادلّة حجّية الخبر و بالجملة ان كان المقصود التّعرّض للأصول العقلية فمع انّه خلاف حقيقة الغرض ينافيه التّعرّض للاستصحاب و ان كان اعمّ كما هو الظّاهر فلا وجه لإهمال التّخيير الشّرعى الّا ان يقال انّ هذا لا ينافى ارادة الإجمال في المقال في بيان الأقسام و الأحوال و اللّه العالم بحقيقة الحال‏ قوله‏

و بعبارة اخرى احسن‏

اه‏ اقول‏ كان الدّاعى الى تغيير العبارة ورود ما ذكرناه من الخدشة على العبارة الأولى و لا يخفى انّ هذه العبارة سليمة عن‏

ورود بعض ما مرّ و هو الأشكال الوارد في الصّورتين الأوليين لما اسلفناه من انّ المراد من الشّك في التّكليف الشّكّ في نوعه لا في جنسه و الأمر في الأمثلة المذكورة كذلك و امّا بقيّة الصّور فالأشكال فيها باق على حاله و ممّا قرّرناه يظهر وجه الأحسنيّة و يظهر لك ايضا انّ التّقديم و التّأخير فيهما ليسا بمجرّد الاختلاف في العبارة كما قد يتوهّم و اوضح العبارات ما ذكره (قدّس سرّه) في اوّل المقصد الثّالث و سيجي‏ء توضيحه إن شاء الله اللّه تعالى‏ قوله‏

و ما ذكرنا هو المختار

اه اقول انكر الأخباريّون كون المورد الّذى جعله مجرى البراءة مجريها بالنّسبة الى الشّبهة الحكميّة التّحريميّة و قد ينكر كون ما جعله مجرى الاحتياط مجريه كما يأتى بيانه و ممّا ينبغى التّنبيه عليه ان ليس المراد من مجارى الأصول مجرّد امكان قيام الدّليل على جريانها في مقابلة الامتناع لعدم امتناع قيام الدّليل على البراءة في مورد الاحتياط و كذا العكس و لذا ذهب الاخباريّة الى الاحتياط في الشّبهات التّحريميّة كما انّه ليس المراد جريان الأصول بحيث لا يصحّ غيره لامكان قيام الدّليل على غيره في مورد كما في الشّكّ بين الثّلاث و الأربع في عدد الرّكعات حيث ورد فيه البناء على الأكثر مع انّ الاستصحاب يقتضى البناء على الأقلّ‏

[المقصد الاول فى القطع‏]

قوله‏

امّا الكلام في المقصد الأوّل‏

اه‏ اقول‏ قد يتوهّم انّ هذه المسألة قليلة الجدى و حيث انّ مبنى الفقه و الاجتهاد على تحصيل الظّنّ بالأحكام الشّرعيّة الفرعيّة حتّى انّ بعضهم كالمحقّق البهائى (ره) حكم بكون القطعيّات خارجة عن حدّ الفقه فلا ثمرة مهمّة في التّعرّض لها و هو توهّم فاسد لانّ هذه المسألة مع اعانتها على تصوّر كيفيّة حجّيّة الظّنّ و تعرّضها لبيان حال طريقيّة الشّي‏ء و موضوعيّته و الثّمرات المرتبة عليهما و اشتمالها على مباحث علميّة و مطالب عمليّة متكفّلة ايضا لبيان جملة من المباحث الاصوليّة المعنونة في كلماتهم مثل انّهم يذكرون في بحث المستقلّات العقليّة الخلاف في حجّية ادراك العقل بعد ذكر الخلاف في غيرها من مقامات المسألة و كذا في مسئلة الإجماع و التّواتر الى غير ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبّع مع انّ بناء الاجتهاد على الظّنّ باعتبار الاكتفاء به لعدم حصول ازيد منه غالبا لا ينافى حصول‏

15

القطع في بعض المسائل معه و التّحقيق انّ ذلك انّما نشأ من الخلط بين مرحلتى الاجتهاد و الفقاهة فانّ الاجتهاد عبارة عن تحصيل الحكم الواقعىّ من الأدلّة و لا يمكن اعتبار القطع فيه لظنّيّة الأدلّة غالبا و امّا الفقاهة و هى عبارة عن التّعبد بما ادّى اليه الظّنّ و بعبارة اخرى هى مقام العمل بالحكم الظّاهرى و لا ريب في حصول القطع به و اليه ينظر قولهم انّ ظنّية الطّريق لا تنافى قطعيّة الحكم و من هنا ردّ الوحيد البهبهانى في فوائده العتيقة الاخباريّين في قولهم بانّ المجتهدين يعملون بالظّن بانّهم يعملون باليقين و قال (ره) في جملة كلمات له في تعليقاته على المعالم انّ التّقييد بالظّنّ في تعريف الاجتهاد اذا كان ناطقا بانّه ظنّى فالتّقييد بالعلم في تعريف الفقه ناطق بانّه علمىّ و هذا ينادى بالفرق بينهما و لذا يحرّم الأخباريّون الاجتهاد و لا يابون عن الفقه و لعلّ ما ذكرناه هو الّذى دعى الشّارح الجواد (ره) الى تفسير القطعيّات في المتن مع عمومها بضروريّات الدّين لا مطلق ما ينتهى الى القطع مع انّ عنوان هذه المسألة يراد به تحقيق الحال في مقامات حصل لمضايقة فيها من الأخباريّين و غيرهم في وجوب العمل بالقطع كقطع القطاع و ما لم يكن بتوسّط الحجّة و الإمام (عليه السّلام) قوله‏

امّا الكلام في المقصد الأوّل‏

اه‏ اقول‏ لا شكّ في كون الحكم بحجّيّة القطع و اعتباره و عدم كونه قابلا للجعل و التّصرف فيه و غيرهما من الاحكام مسبوقا بحسب الطّبع بتصوره فلا بدّ من بيان حقيقته و انّ تصوّره بديهىّ او نظرىّ فاعلم انّ لفظى القطع و العلم بحسب الاصطلاح مترادفان و الاعتقاد اعمّ منهما بحسب احد اطلاقيه المرادف فيه للتّصديق لشموله الظّن ايضا و اخصّ منهما بحسب اطلاقه الآخر و هو اطلاقه على العلم التّقليدى و الادراك يفارقهما مفارقة الجنس للنوع بحسب احد الاصطلاحين فيه و مفارقة النّوعين بحسب الاصطلاح الآخر ثمّ انّهم اختلفوا في انّ تصوّر العلم و القطع بديهىّ او نظرىّ فذهب الامام الرّازى الى الأوّل و استدلّ عليه بوجهين احدهما ان غيره يعلم به فلو علم هو بغيره لزم الدّور و ثانيهما ان علم كلّ احد بوجوده بديهىّ و هو مسبوق بمطلق العلم فهو اولى بالبداهة و ذهب المحققون الى انّه نظرىّ لوجوه مذكورة في محلّها ثمّ انّهم اختلفوا في انّ تحديده ممكن أو لا فقيل بالثّانى لما مرّ و قيل بالأوّل و الحقّ انّ ما ذكروه في مقام التّعريف هو التّعريف بحسب اللّفظ مثل تعريفه بانّه معرفة الشّي‏ء على ما هو عليه مع اطمينان النّفس او انّه ادراك الشّي‏ء على ما هو به او اثبات المعلوم على ما هو به او اعتقاد الشّي‏ء على ما هو به او ما يعلم به الشّي‏ء او انّه صفة توجب تميزا في المعانى لا يحتمل النّقيض او صفة ينجلى بها امر معنوىّ لمن قامت به او انّه صورة حاصلة عند المدرك او حصول الصّورة عنده او انّه الاعتقاد المقتضى لسكون النّفس او انه استبانة الحقّ او انّه حضور اشراقى للمعلوم عند النّفس المدركة او انّه ادراك جازم او انّه انطباع صورة الاشياء في مرايا النّفوس الى غير ذلك من التّعاريف الّتى ليس في التّعرّض لها فائدة و وجه خفائه خفاء كيفيّة تحقّقه للعالم و قد اختلفوا فيها على اقوال فقيل بالانطباع و قيل بالاستحضار و ذهب بعض المحقّقين الى ايجاد النّفس له ثمّ انّه على قسمين ضرورىّ و كسبىّ و الأوّل ما لا يحتاج حصوله الى نظر و الثّانى خلافه و لا بدّ في حصول كلا قسميه من الاستعداد غاية الأمر انّ الاستعداد في الأوّل باستعمال الحواسّ الظّاهرة و الباطنة و في الثّانى بحصول الأوّل و هو ظاهر و هاهنا اشكال و هو انّ العلم و القطع بالشّي‏ء يقتضى ان لا يحتمل نقيضه بناء على ما عرفت من معناه و هذا لا يتمشّى في العلوم العادية الّتى يكون المستند فيها جريان العادة و استمرارها على ذلك المنوال ككون الجبل حجرا مع انّه لا شك في كونها من افراد العلم فانّ الحاكم بهذا الحكم يجوز سلب الحجريّة عن الجبل امّا بانقلابه ذهبا او باعدامه و ايجاد غيره بناء على انّه تعالى قادر مختار لا يمتنع عليه شي‏ء و قد يدفع بانّ المراد بعدم احتمال النقيض في العلم هو عدم تجويز العالم ايّاه لا حقيقة و لا حكما امّا في التّصوّر فلعدم النّقيض او لانّه لا معنى لاحتمال النقيض بدون شائبة الحكم و امّا في التّصديق فلاستناد جزمه بالحكم الى موجب بحيث لا يحتمل الزّوال اصلا و العلوم العادية كذلك لأنّ الجزم فيها مستند الى موجب هو العادة و انّما يحتمل النقيض‏

بمعنى انّه لو فرض وقوعه لم يلزم منه محال لذاته لكونه من الممكنات الّتى يجوز وقوعها و لا وقوعها و ذلك كما يحكم ببياض الجسم المشاهد قطعا مع انّه في نفسه ممكن ان يكون و ان لا يكون و الحاصل ان العلم بكون الجبل حجرا ممّا لا يحتمل النقيض بحسب العادة لقضائها باستحالة كون الشّي‏ء في وقت واحد متّصفا بالنّقيضين فمتى اتّصف بالحجريّة استحال عادة اتّصافه بغيرها في ذلك الوقت و ان امكن بالنّظر الى قدرة اللّه تعالى فان قلت انّ مطلق تجويز النّقيض مناف للجزم كيف و تجويز النّقيض و لو باعتبار ما لا يجامع الجرم بحكم من الأحكام لظهور عدم اجتماع تجويز النّقيض مع الجزم بعدمه و لا شك في تجويز النّقيض في العلوم العادية لاستنادها الى استمرار العادة المنخرقة كثيرا بمعجزة الأنبياء و كرامات الاولياء فلم يبق لنا وثوق بانّها لا تنخرق فيما بعد فاذا جاز انقلاب العصا حيّة بمعجزة نبىّ جاز انقلاب الحجر ذهبا بكرامة ولىّ نعم لنا ظنّ قوىّ متاخم للعلم و لقربه منه نتخيله ايّاه كما قاله بعض الحكماء في الحدسيّات و التّجربيات فلا ضير في خروجها عن حقيقة العلم قلت لو كان مطلق تجويز النّقيض منافيا للعلم لادى ذلك الى ان لا يحصل الجزم بالحسّيّات المتّفق على حصول الجزم بها و التزامه مشكل كما لا يخفى‏ قوله‏

لا اشكال في وجوب متابعة القطع‏

اه‏ اقول‏ حجّية القطع بمعنى وجوب متابعته من البديهيات الغير المحتاجة الى الاثبات الّا انه يمكن الاستدلال عليها بوجوه الأوّل انّه لو لم يكن حجّة لزم التّناقض اذ هو اعلى طرق الواقع فلو لم يكن حجّة فان كان نقيضه حجّة و مرآة الى الواقع لزم اجتماع النّقيضين و الّا لزم ارتفاعهما و بطلانهما ظاهر الثّانى انّه لو لم يكن حجّة فامّا ان يدعى ذلك على سبيل القطع او غيره فعلى الثّانى يلزم ابطال الرّاجح بالمرجوح و يحكم بديهة العقل ببطلانه و على الأوّل فامّا ان يعتبر ذلك القطع الثّانى فيلزم حجّيته و ما يستلزم عدمه وجوده فهو محال و امّا ان لا يعتبر فهو خلاف المقصود كما لا يخفى الثّالث انّه لا شكّ في وجود حجة في سنخ الإدراكات لبطلان مذهب السّوفسطائيّة كما سنشير اليه فهو امّا القطع او غيره من الظّنّ و الشّكّ و الوهم فان كان الأوّل ثبت المط و ان كان غيره فمع استلزامه ترجيح المرجوح يرد عليه انّ حجّيته لا بدّ ان‏

16

تكون مدركة باحد الإدراكات المذكورة فان كان بالقطع فلا ينفع الّا مع حجّيته مع انّ مستند حجّية الشّي‏ء اولى بالحجّيّة فان كان بغيره فامّا ان يلزم الدّور او التّسلسل او ترجيح المرجوح الرّابع انّه لو لم يكن حجّة لكان متعيّنا للطرح و الأسقاط قطعا اذ لا معنى للاعتناء بغير الحجّة فيلزم الاعتناء به فافهم الخامس انّ العقل بعد ما قطع باستحقاق الثّواب و العقاب مثلا فلازمه القطع بالحجّيّة ايضا و لا يتصور مع تحقّق القطع الأوّل عدم تحقّق القطع الثّانى لانّه ان قطع بعدم الحجّية فلازمه القطع بعدم الاستحقاق و ان شكّ فيه فلازمه الشّكّ في الاستحقاق فالتّفكيك بين القطعين غير معقول و احتمال كون القطع الأوّل جهلا مركّبا غير متصوّر في حقّ القاطع ما دام قاطعا و زوال القطع خارج عن الفرض و احتمال غير القاطع له لا يضرّ بحال القاطع السّادس انّه لو لم يكن القطع الحاصل من حكم العقل حجّة لم يكن الحاصل من الشّرع حجّة ايضا لأنّ الدّليل على حجّية القطع الشّرعى امّا الشّرع القطعى و العقل القطعى فان كان الأوّل فننقل الكلام اليه فيتسلسل او يدور و ان كان الثّانى فلا ريب ان حكمه بذلك من جهة حكمه بلزوم دفع الضّرر المقطوع فكما يحكم بوجوب دفع الضّرر المقطوع بالقطع الشّرعى يحكم بلزوم دفع الضّرر المقطوع بالقطع العقلى بلا فرق بينهما السّابع انّه ان لم يكن حجّة مط لزم انسداد باب التّكليف راسا و ان كان حجّة اذا حصل من الشّرع لا غير لزم ان لا يكون عبدة الأوثان السّابقون على الشّرع معذّبين و كذا ان كان حجّة مط لكن اذا دلّ الدّليل الشّرعى على اعتباره لانّ جعل اللّاحق سببا للسّابق غير معقول الثّامن انّه ان كان حجّة مط فلا كلام و الّا فان لم يكن حجّة مط لزم ان لا يكون شي‏ء من معرفة اللّه و معرفة نبيّه و النّظر الى المعجزة واجبا و اللّازم ظاهر البطلان و ان لم يكن حجّة الّا من الشّرع فكذلك كما يظهر بالتّامّل فيما مرّ التّاسع انّه لو لم يكن حجّة وجب ردع صاحبه عنه و هو محال اذ القاطع حين هو قاطع لا يلتفت الى خلاف قطعه فلا يمكن ردعه لاستحالة تكليف الغافل العاشر انّه لو يعمل به لاحتاج ذلك الى دليل دالّ على بطلانه و دليليّة الدّليل يعلم به فلو عرف حاله به لزم الدّور كما مرّ الحادي عشر انّ الظّن حجّة بمقتضى ادلّة حجّيّته من بطلان التّرجيح بلا مرجح و وجوب دفع الضّرر و غيرهما فيكون القطع حجّة بمقتضى تلك الأدلّة بطريق اولى الثّاني عشر انه لو لم يكن حجّة لزم كون الضّروريّات مساوية للنّظريّات او أسوأ حالا منها و الملازمة ظاهرة و بطلان اللّازم اظهر الثّالث عشر الآيات و الأخبار الكثيرة الدّالّة بالمنطوق او المفهوم على اعتباره كقوله تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* و قوله عزّ و جلّ‏ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ و قوله عزّ من قائل‏ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ و الآيات النّاهية عن العمل بغير العلم و الأخبار الموافقة لها الرّابع عشر و به يتمّ العدد الميمون المبارك بناء العقلاء من العلماء و غيرهم و السّيرة المستمرّة بين الخاصّة و العامّة حيث انّهم يستندون في الاعصار و الأمصار الى العلم من دون نكير بل اعتباره مركوز في جبلّات الصّبيان و المجانين بل الحيوانات العجم كما لا يخفى الى غير ذلك من الوجوه الّتى لا يحتاج اليها حتّى في مقام التّنبيه ثمّ انّ مقتضى وجوب متابعته و العمل عليه ترتيب آثار الفعل المقطوع به من الثّواب و العقاب و غيرهما عليه فيستحق الثّواب على ما قطع بوجوبه و العقاب على ما قطع بحرمته اطاعة او معصية لو طابق الواقع و انقياد او تجرّيا لو لم يطابقه بل ترتيب الأجزاء و غيره من الأحكام الّا ان ينكشف الخطأ فله ح حكم سيأتي الإشارة اليه‏ قوله‏

و ليس طريقيّته قابلة

اه‏ اقول‏ ينحل كلامه (ره) الى دعويين إحداهما انّ طريقيته غير قابلة للجعل اثباتا و الاخرى انّها غير قابلة له نفيا و بعد ثبوتهما بالدّليل لا حاجة الى اثبات عدم وقوع الجعل فعلا لأنّ ثبوت عدم الإمكان و القابليّة يكفى في اثباته مع انّه موافق للأصل مضافا الى انّه لو تعلّق به جعل اثباتا او نفيا لنصّ عليه و لو نصّ عليه لنقل الينا مع انّه لم ينقله احد الّا ان يقال ان شرط النّقل توفّر الدّواعى و هو مفقود في الجعل الإثباتي لكونه موافقا للمركوز في الجبلّات و الغرائز و قد اشار (ره) الى دليل الدّعوى الثّانية فيما ياتى من كلامه و حاصله انّه لو حكم‏

الشّارع بعدم حجّيته و العمل على مقتضاه لزم التّناقض بين قوليه اذ لا شكّ انّه يحصل للقاطع بعد حصول القطع بموضوع الحكم الشّرعى صغرى بمقتضى قطعه و كبرى بمقتضى الدّليل الشّرعى فيقول مثلا هذا بول و كلّ بول يجب الاجتناب عنه فاذا حكم الشّارع ح بعدم وجوب الاجتناب كان مناقضا له و منه يعلم و منه يعلم الدّليل على الأولى فانّه لو كان قابلا للإثبات كان قابلا للنّفى ايضا اذ قضية الجعل كونه بنفسه عاريا عن جهتى الأثبات و النّفى و العارى عن الصّفتين المتقابلتين يجوز اتّصافه بهما بالعلّة الخارجيّة لما تقرّر في محلّه من ان كلّ عرضى معلّل و على ذلك يبتنى بعض براهين توحيد الحقّ جلّ شأنه كما هو ظاهر للماهر في العلوم العقليّة و قد يستدلّ عليه بانّه لو كان حجّيته متوقّفة على الجعل و لم تكن من مقتضيات ذاته لزم التّسلسل لانّ كلّ ما اقيم من البرهان على حجّية القطع فغاية ما يفيده هو القطع فننقل الكلام اليه و هلمّ جرّا اقول‏ هذا لو تمّ لدلّ على عدم الجعل الشّرعى و لا يدلّ على عدم الجعل العقلى بان يكون الحاكم بحجّيّته هو العقل استقلالا او كشفا كما توهّمه بعض القاصرين لانّ القطع المتعلّق بحجّيته ليس مستندا الى قطع آخر ليلزم التّسلسل بل هو بحكم العقل و هو حجّة بنفسه نظير ما يقال انّ الأشياء رطبة بالماء و الماء رطب بنفسه و ما تقرّر في المعقول انّ الموجود موجود بالوجود و الوجود موجود بنفسه و المعلوم يعلم بارتسام صورته في الذّهن و نفس الصّورة معلومة بنفسها لا بصورة اخرى و الّا لزم التّسلسل و به يندفع الأشكال في مسئلة النّيّة حيث انّها من العبادات و لا يمكن احتياجها الى نيّة اخرى و في مسئلة الإرادة و لعلّ التّوضيح يأتى في مقام اليق و موضع اوفق بل صرّح المحقّقون من اهل المعقول بانّ العلم اذا تعلّق بنفسه لم يكن بين العلم و المعلوم تغاير الّا بالاعتبار اذ لا حاجة حينئذ الى صورة اخرى حاصلة من المعلوم في العالم كما هو عند علم النّفس بذاتها و بسائر صفاتها القائمة بذاتها و ان اثبتنا في محلّه عدم تماميّته مطلقا فانّه يتمّ في ما اذا تعلّق العلم التّصورى بالعلم تصوّرا او تصديقا فانّه اذا حصل لنا تصوّر او تصديق و اردنا ان نتصوّره يكفى لنا في ذلك حضوره عندنا و لا حاجة الى حصول صورة ذهنيّة اخرى منتزعة منه و هذا هو المسمّى بالعلم الحضورى و امّا اذا تعلّق العلم التّصديقى‏

17

بالعلم كان يحكم على تصوّر الإنسان مثلا او على التّصديق بحال من احواله بانّه كذا كان العلم بالمحكوم عليه من قبيل تعلّق التّصوّر بالتّصوّر او التّصديق غير محتاج الى صورة اخرى منتزعة منه و كان العلم متّحدا بالمعلوم بالذّات مغايرا له بالاعتبار لكن باقى اجزاء التّصديق لا يكون الّا بحصول صور منها عند المدرك فيكون العلم ح مغايرا للمعلوم بالذّات‏ قوله‏

و من هنا يعلم‏

اه‏ اقول‏ تفصيل الكلام على وجه يتّضح به المرام انّ الحجّة عبارة عن الدّليل اطلقت عليه تسمية للسّبب باسم المسبّب و الدّليل في اصطلاح الأصوليّين عرف بتعاريف عديدة منها انّه عبارة عمّا يؤدّى الى العلم بمطلوب خبرىّ و منها انّه ما يمكن التوصّل بصحيح النّظر فيه الى مطلوب خبرىّ او العلم به على اختلاف العبارتين و اخذ الإمكان في هذا التّعريف انّما هو لادراج الدّليل المغفول عنه و الأدلّة المتعدّدة و تقييد النّظر بالصّحيح لأنّ الفاسد لا يتوصّل به و لا فرق في المؤدّى بين التّعبير بصحيح النّظر و النظر الصّحيح كما قد يتوهّم و التّقييد بالخبرى لاخراج الحدّ و لمّا كان المأخوذ في الدّليل افادة العلم كما صرّح به المحقّق الطّوسىّ (ره) في التّجريد بقوله و ملزوم العلم دليل و الظّنّ امارة كان التّقييد بالعلم اولى و ان امكن جعل تركه اولى ليشمل الأدلّة الشّرعيّة الّتى اكثرها امارات و في اصطلاح اهل الميزان قولان فصاعدا يكون عنه قول آخر او قول مؤلّف من قضايا يلزمه لذاته قول آخر و في افراد الضّمير اشارة الى انّ الهيئة التّركيبيّة هى المفيدة للقول الآخر و اليه يرجع ما حكاه العلّامة (ره) في النّهاية قولا في تعريف الدّليل من انّه قول مؤلّف من قضايا اذا سلّمت لزم عنها لذاتها قول آخر لانّه بعيد عن عرف الاصوليّين جدّا كما لا يخفى فالدّليل و الحجّة عند المنطقيّين عبارة عن المقدّمات الّتى يحصل منها النّتيجة و عند الأصوليّين عبارة عن الوسط الّذى يكون علّة لثبوت الأكبر للأصغر فالحجّة عندهم هو التّغيّر في قولنا العالم متغيّر و كلّ متغيّر حادث كما انّها عند الاولين كلتا المقدّمتين و انّما قيّدنا الوسط بكونه علّة لثبوت الأكبر للأصغر اذ ليس كلّ وسط حجّة عندهم حتّى مثل الوسط في قولنا هذا مشكوك الخمريّة و كلّ مشكوك الخمريّة مباح اذ ليس الشّكّ علّة للإباحة فان قلت قد مثّل في بعض كتب الأصول للدّليل المفرد بالعالم لا بالتّغيّر فما وجه ذلك قلت كلاهما صحيح فانّ التّغير دليل لاثبات الحدوث للعالم بالنّظر في حاله و العالم دليل لاثبات الصّانع كذلك و قال بعض المحقّقين انّ هذا الإطلاق من الاصوليّين في مقابلة اطلاق المنطقيّين مجرّد اصطلاح و الّا فلا يمكن اثبات المطلوب الخبرى الّذى هو مؤدّى الدّليل الّا بمقدّمتين فانّ الدّليل من حيث انّه يتوصّل به الى مطلوب خبرىّ لا بدّ فيه من ملزوم للمحكوم به يكون ثابتا للمحكوم عليه لينتقل الذّهن منه الى المحكوم عليه و يلزم من ثبوت ذلك الملزوم للمحكوم عليه ثبوت لازمه له فالقضية المشعرة باللزوم هى الكبرى و الدّالّة على ثبوت الملزوم للمحكوم عليه هى الصّغرى فاعتبار المقدّمتين في تعريف المنطقيّين مصرّح و في تعريف الاصوليّين مندرج في صحيح النّظر و لى في هذا المقام بيان دقيق ذكرته في شرحى على الزّبدة البهائيّة وفّقنى اللّه لاتمامه و كيف كان فالحجّة عبارة عمّا يوجب انكشاف المطلوب و يكون واسطة اثباتيّة بالنّسبة اليه فلا يطلق على نفس الانكشاف و هاهنا حكاية لطيفة بل قصّة عجيبة ظريفة لا باس بنقلها لاعتبار اولى البصائر و الأبصار و الاطّلاع على بعض ما يترتّب على الجهل المركّب من الآثار و هو انّ بعض من اعتمد عليه واثق به من الفضلاء و علماء السّادة الاجلاء نقل لى انّه دخل في مجلس بعض الأعيان و الأكابر من اولى المفاخر من طائفة يدّعون انفتاح باب العلم و حرمة العمل بالظّن بل يزعمون انّهم يتمسّكون الى برهان وثيق و يلجئون الى ركن وثيق و بعض اجلّة علمائهم حاضر في ذلك المجلس و بيده هذا الكتاب المبين و المصنّف المتين و هو يقرأ هذه العبادات و يستهزئ بها و بقائلها و اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏ و فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ فما اعجله قراءة و فهما فهو كالرّيح العاصف و البرق الخاطف الى ان وصل الى قوله (ره) و الحاصل انّ كون القطع حجّة غير معقول فاذا بالصّياح في القهقهة قد اثقل الأسماع و ملأ الارجاء و الأصقاع بين قائل يا للعجب من شبهة و ريبة و صائح يا لها من مصيبة القطع مع علوّ حاله مورد للطّرح و الطّرد بل الطّعن و الدّق و الظّن حجّة مع انّه لا

يغنى من الحقّ فهل هذا الّا ترجيح المرجوح مع ان باب الرّاجح مفتوح قال النّاقل فبقيت و احدى عينى تبكى على افتراق النّاس في الدّين و الاختلاط في الإسلام و المسلمين و الانطماس في آثار الشّرع المبين و الاندراس في ملة سيّد المرسلين و الأخرى تضحك على قلّة فهم من هو لطريقتهم ركن ركين بل امام مبين فما ملكت عنان الصّبر الّا و ان ناديت باعلى صوتى يا هذا مهلا مهلا لا تطش جهلا فانّ السّرّ دقيق و البحر عميق و ما اوتيتم من العلم الّا قليلا و ما وجدتم الى مقاصد العلم سبيلا قد تركتم طلب المرتبة العليا و المقام الأكمل و اقتصرتم من العلم على تحريك الفكّ الأسفل فما تكلّمت بعض الكلام الّا و انا غرض للرّماح و السّهام من عن يمينى مرّة و شمالى فقلت في نفسى تعليم الجاهل المركب دونه خرط القتاد سيّما اذا كان من اهل العداوة و العناد و ليس هذا اوّل قارورة كسرت في الإسلام بل ليس اوّل ملاعبة اللّيالى و الأيّام باهل الفضل و الاعلام و لن يصلح العطّار ما افسد الدّهر و قد اتّفق لى نظير هذه الحكاية في بعض المجالس الّا انّى بحمد اللّه تعالى قد كسرت لى الوسادة فاخذت في الإفادة الى ان جعلت نيران التّدليس خامدة و اركان التّلبيس فاسدة كاسدة نعوذ باللّه من هواجس الخواطر و سوء السّرائر و الضّمائر قل للّذى يدّعى في العلم فلسفة حفظت شيئا و غابت عنك اشياء قوله‏

و هذا بخلاف القطع‏

اقول‏ حاصل الفرق بين القطع و غيره كالظّنّ انّ القاطع اذا حصل له القطع لم يحتمل خلافه و ان كان قطعه في الحقيقة من قبيل الجهل المركب فيرى الواقع منكشفا له بمقتضى قطعه و الّا لم يكن قاطعا لما مرّ من انّ القطع عبارة عن الطّرف الرّاجح الّذى لا يحتمل معه نقيضه فاذا لم يحتمل الخلاف كان مامونا في العمل به و السّلوك فيه و لا يحتاج فيه الى جعل جاعل و الّا فيلزم ما ذكرناه و هذا بخلاف الظن فانّ مع الظّنّ يحتمل خلاف المظنون فليس مأمونا في السّلوك فيه فلا بدّ فيه من جعل جاعل‏ قوله‏

لأنّه اذا قطع بخمريّة شي‏ء

اه اقول عبارة الكتاب في بدو الأمر كانت‏

18

كذلك ثمّ التفت المص الأستاد (ره) حين البحث الى انّ المقصود الأصلى انّما هو تعلّق القطع او الظّنّ او الشّكّ بنفس الحكم دون الموضوع حيث صدر البحث بالالتفات الى الحكم الشّرعى فالأهم ان يمثل للحكم و هذا مثال للموضوع فزاد مثالا للحكم قبل مثال الموضوع فالعبارة حينئذ هكذا لأنّه اذا قطع بوجوب شي‏ء فيقال هذا واجب و كلّ واجب يحرم ضدّه او يجب مقدّمته و كذلك القطع في الموضوعات فاذا قطع بخمريّة شي‏ء الخ‏ قوله‏

و لا يقال انّ هذا معلوم الوجوب او الخمريّة

اه‏ اقول‏ و ذلك لانّ الكبرى ح تصير قضيّة كاذبة اذ لم يرتّب الشّارع الحكم على معلوم الخمريّة بل على الخمر الواقعى اذ الكلام في العلم الطّريقى و اذا كان الأثر اثرا للموضوع الواقعى ترتّب عليه مع حصوله واقعا و لا شكّ في انّ العلم بذلك الموضوع الواقعى فرع ثبوته و وجوده فكيف يعقل كونه علّة الترتّب اثره كوجوب المقدّمة او حرمة الضّد في المثال الأوّل و وجوب التجنّب في المثال الثّانى عليه و هذا بخلاف الظّن و الأمارات فاذا ظنّ بخمريّة هذا المائع مثلا و فرضنا حجّية ظنّه فلا يمكن له ان يقول هذا خمر بل يقول هذا مظنون الخمريّة لا يقال كلامنا في العلم و الظّن الطريقيين و قد جعلت الظّن في المثال جزء للموضوع و هو خارج عن محلّ الفرض لانّا نقول ان المراد بكونهما طريقين الى الواقع انّما هو بالنّظر الى الحكم الواقعى لا الظّاهرى اذ لا بدّ في الحكم الظّاهرىّ من ان يؤخذ في موضوعه الظّنّ او الشّكّ اذ لا نعنى بالحكم الظّاهرى الّا هذا فكونه جزء للموضوع بالنّسبة اليه لا ينافى كونه مرآتا و طريقا الى الحكم الواقعى كما لا يخفى‏ قوله‏

هذا كلّه بالنّسبة

اه‏ اقول‏ توضيح الفرق بين القطع الطّريقى و القطع الموضوعى هو انّ القطع يلاحظ تارة بالنّسبة الى نفس متعلّقه موضوعا كان او حكما شرعيّا كان او غيره مع قطع النّظر عن شي‏ء آخر و اخرى بالنّسبة الى حكم آخر و امر خارج عن متعلّقه و يراد به اثباته لمتعلّقه و في الثّانى تارة يفرض كون ذلك الأمر الخارج اثر النفس ذلك حكما ثابتا له بما هو مع قطع النّظر عن تعلّق القطع به فضلا عن ملاحظة خصوصيّاته و اخرى يفرض مدخلية في واقعيّة ذلك الحكم و قوام الموضوع في الواقع به سواء كان ذلك الاثر من الآثار الشّرعيّة كالقطع بخمريّة الخمر لاثبات الحرمة و النّجاسة مع فرض تقيد موضوعها في مرحلة الواقع بالقطع او من الآثار و الاحكام العقليّة كالقطع بالوجوب و الحرمة لاثبات وجوب الاطاعة و حرمة المعصية و كالقطع بالمحبوبيّة و المبغوضيّة و الاشتمال على المصلحة و المفسدة لاثبات الحسن و القبح العقليين في العمل لما تقرّر في محلّه من موضوعيّة القطع في امثال ذلك و لا ينافى ذلك كفاية غير القطع في الجملة فهذه مقامات ثلاثة و الاوّل لمّا لم يكن له مدخليّة في واقعية الشّي‏ء و كان بمثابة العين و السّراج الكاشفين عن الشي‏ء لا بدّ من كونه كاشفا عن متعلّقه كشفا فعليّا عقليّا خاليا عن الحالة المنتظرة و هو ما ذكرنا انّه لا يعقل التّصرف فيه من الشّرع او العقل نفيا و اثباتا و لا يتالّف معه صورة القياس في احراز متعلّقه و المقام الثّانى مثله فيما ذكرناه الّا انّ عدم مدخليّة القطع هناك على سبيل الامتناع و الاستحالة و هنا بالفرض و تفاوت الأحكام و الآثار و لا مانع من مدخليّة القطع في الحكم الثّابت لمتعلّقه بان يلاحظ موضوعه بوصف تعلّق القطع به و هنا يلتئم صورة القياس لكن بوسطية متعلّق القطع دونه فالقطع بخمريّة هذا المائع بالنّسبة الى اثبات حرمته و نجاسته مع كونهما من آثار الخمر الواقعى و كذا القطع بوجوب الشّي‏ء الفلانى بالنّسبة الى اثبات وجوب مقدّمته و حرمة ضدّه مثلا و هكذا نظير ما مضى في فقد احالة المنتظرة و استحالة التّصرّف و هذا المقام كسابقه يسمّى القطع فيه طريقا الى الواقع قبال القطع الموضوعى و وجه التّسمية ظاهر و اذا احطت خبرا بما ذكرناه علمت انّ للقطع الطّريقى موردين و للقطع الموضوعى موردا واحدا و عمدة بيانات الكتاب بل كلّها ناظرة الى احد الأخيرين و نقل عنه (ره) في بعض كلماته مشافهة انّ الاوّل قليل الفائدة بل عديمها اذ القطع متى تعلّق بشي‏ء انّما يراد به اثبات امر آخر لكن بعض عبارات المتن يتوقّف على فهم المعنى الأوّل بل لا ينطبق بعض الأمثلة الّا عليه ثمّ انّ ملخّص بيان الفرق بين القسمين في امكان وسطيّة احدهما دون الآخر انّ القطع الموضوعى لا شك في امكان ان يكون وسطا في اثبات الحكم لأنّ المفروض ان‏

الحكم تعلّق به لا بالواقع فليس قبل اعتباره حكم للواقع فلو علّق الشّارع الحرمة على الخمر المعلوم الخمريّة فيقال هذا معلوم الخمريّة و كل معلوم الخمريّة يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه و امّا القطع الطريقى فلا يمكن بعد اعتباره مرآتا للواقع الّذى هو موضوع الحكم جعله موضوعا للحكم ايضا لانّه اذا تعلّق به الحكم فامّا ان يتعلّق به الحكم المتعلّق بالواقع او غيره و كلاهما مح امّا الثّانى فلأنّه و ان كان معقولا في نفسه اذ لا امتناع في ان يتعلّق حكم بالواقع و يكون العلم مرآة له ثمّ يتعلّق به حكم آخر غير الحكم المترتب على الموضوع الواقعى لكنّه يلزم منه ما لا يلتزمه احد و هو تعدّد الثّواب و العقاب على الامتثال بالحكم المقطوع به و عدمه و لا اظن ان يلتزم به احد فلئن قلت لا يلزم التزامه كما في الظّن فانّه لو ترك الحكم المظنون لم يتعدّد العقاب عليه و لو عمل به لم يتعدّد الثّواب قلت اوّلا لا مانع من الالتزام بتعدّد الثّواب على فعل المظنون اذا صادف الواقع غاية الامر انّ احدهما من باب التّفضّل و هذا ما اشتهر بينهم انّ للمصيب اجرين و للمخطئ اجرا واحدا و ثانيا انّ القياس مع الفارق لأنّ المظنون لم يعلم فيه الواقع فلم يترتّب فيه الثّواب المترتّب على الواقع بخلاف المعلوم فانّ الثّواب المترتّب على الواقع يترتّب عليه اذ المفروض انّ العلم طريق الى الواقع و قد فرضنا انّ المعلوم من حيث هو معلوم موضوع لحكم آخر فيلزم ترتب الثّواب عليه ايضا و هو ما ذكرناه من اللّازم و امّا الأوّل فلانّ العلم الّذى صار موضوعا للحكم امّا ان يكون هو العلم بالحكم او العلم بالموضوع فان كان الأوّل فهو محال امّا اولا فلانّه يلزم منه تقدّم الشّي‏ء على نفسه اذ المعلوم مقدّم على العلم ذاتا فلو جعل العلم موضوعا للحكم دون الواقع كان الحكم مؤخّرا عنه ضرورة تاخّر الحكم عن الموضوع فيلزم ما ذكر و ان شئت قلت انّ العلم بالحكم يتوقّف على الحكم فلو توقّف الحكم على العلم لزم الدّور و هذا نظير ما جعله العلّامة (ره) في النّهاية مناطا لردّ شبهة التّصويب و هو انّ المجتهد طالب للحكم و المطلوب مقدّم على الطّلب و الطّالب فلو كان ما استنبطه المجتهد مخالفا له كان مخطئا لا مصيبا الى آخر ما قال و امّا ثانيا فلأنّه يستلزم التّصويب و القائلون به انّما يقولون به في الظّنّ لا في القطع و بيان الاستلزام انّ الحكم الواقعىّ هو الحكم المتعلّق بالعلم كما هو المفروض و القطع يتفاوت و يختلف باختلاف الاشخاص فكلّ‏

19

من يقطع بشي‏ء يكون حكما واقعيّا له و ليس هذا الّا التّصويب الباطل و من هنا اورد على السّيّد المرتضى (ره) حيث اجاب اخاه الرّضى (ره) بعد تقرير ما ادّعاه من الاجماع على انّ الجاهل باحكام الصّلاة و منه الجاهل باعدادها غير معذور بانّ العلم و الجهل موجبان لتغير الاحكام و سيأتي الكلام في ذلك مستوفى و ان كان الثّانى لزم منه الدّور و ان لم يلزم التّصويب كما لا يخفى‏ قوله‏

و ان لم يطلق عليه الحجّة اذ الحجّة في باب الأدلّة

اه‏ اقول‏ التّقييد بباب الأدلّة لاخراج الحجّة في باب المبادى اعنى كلّ ما له دخل في ثبوت الحكم و تحقّقه و العلم الّذى اخذ جزء للموضوع ليس ممّا يترتّب على متعلّقه احكامه الواقعى بواسطة ذلك العلم ليكون حجّة في باب الأدلّة لكنّه يطلق عليه الحجّة في باب المبادى‏ قوله‏

و بالجملة فالقطع قد يكون طريقا

اه اقول الظّاهر انّ هذا التّقسيم انّما يتمشّى بالنّسبة الى القطع المتعلق بالأحكام الشّرعيّة فانّ القطع فيها قد يكون طريقا و هو الغالب و قد يكون موضوعا و امّا الأحكام العقليّة فالقطع جزء للموضوع فيها لانّ حكم العقل انّما هو بعد تعقل جهة الحسن و القبح الكامنين في ذوات الأشياء فما لم يكن ذلك معلوما له لم يحكم بشي‏ء و لذا ترى انّ كلّ ما للعقل فيه حكم فانّما يحكم فيه بالحسن و القبح الذّاتيّين اذ لا احاطة له بالوجوه و الاعتبارات لعدم كونها محصورة بخلاف الشّارع فانّه محيط بها عالم باطرافها و لا فرق فيما ذكرناه بين الأحكام العقليّة الّتى يلازمها حكم الشّرع بناء على التّلازم بين حكم العقل و الشّرع كحسن الإحسان و قبح العدوان و بين ما لم يكن كذلك منها لحكم العقل بوجوب الاطاعة و الانقياد ثمّ انّ القطع بعد ما عرفت انّه يختلف باعتبار الطّريقيّة و الموضوعيّة فلو فرض اشتباه وجه اعتباره بان لم يعلم انّ اعتباره على اىّ وجه فهل يكون هناك اصل يرجع اليه في صورة الاشتباه و الشّكّ كمسألة الشّهادة فانّه اعتبر فيها القطع لكن لا يعلم وجه اعتباره و انّ قوله (ع) مشير الى الشّمس على مثل ذلك فاشهد اودع هل يريد به استناده الى العلم و الحسّ زيادة على العلم و كذا مسئلة النّجاسة نظرا الى قوله (عليه السّلام) حتّى تعلم انه قذر و كذا مسئلة حفظ عدد الرّكعات و مسئلة الاستصحاب الى غير ذلك من الموارد و لا يلزم من مجرّد جعل الشّارع له في مقام من المقامات موضوعيّة اذ ربّما يكون لغرض الشّارع له من جهة الارشاد فيكون ح مرآتيّا فنقول امّا ان يمكن استفادة شي‏ء من الوجهين بل الوجوه على ما تقدّم من شي‏ء من ادلّته أو لا يمكن امّا على الأوّل فلا شكّ في انّ المتّبع ما يستفاد من الأدلّة ففى مسئلة النّجاسة مثلا اعتبر العلم في الخبر لكنّا لمّا نظرنا الى ادلّة خصوصيّات النجاسات كنجاسة البول و الكافر و غيرهما راينا انّ النّجاسة علقت فيها على نفس تلك النّجاسات فيستفاد منه انّ المناط هو الواقع و العلم مأخوذ فيها من باب المرآتيّة لا الموضوعيّة كما زعمه صاحب الحدائق (ره) و غيره و يؤيّد ما ذكرناه انّه لو كان مأخوذا فيها على وجه الموضوعيّة لم يقم مقامه الامارات الشّرعيّة كالاستصحاب مع انّها تقوم مقامه و منه يظهر وجه استفادة اعتبار الطّريقيّة في مسئلة الشّهادة ايضا حيث يقوم فيها اليد مقام العلم على ما دلّ عليه رواية حفص بن غياث الآتية الّا انّ الأنصاف انّ ذلك لو تمّ لدلّ على عدم اعتباره موضوعيّا محضا و اما عدم اخذه على وجه الموضوعيّة الكشفيّة فلا يدلّ عليه فيحتمل كونه مأخوذا على ذلك الوجه و كونه مأخوذا على وجه المرآتيّة المحضة و سيجي‏ء تتمّة لذلك المطلب و امّا مسئلة الاستصحاب فيمكن ان يستكشف من بعض اخبارها انّ اعتبار اليقين فيه انّما هو على وجه المرآتية فانّ الرّواية الدّالّة على عدم انتقاض الوضوء بالخفقة و الخفقتين يظهر من بعض فقراتها مثل قوله (ع) فانّه على يقين من وضوئه انّ المناط هو الوضوء الّذى لم يتحقّق فيه ناقض يقينىّ فالمطلوب هو الوضوء الواقعى و العلم مرآة له كاشف عنه فتامّل و امّا مسئلة حفظ عدد الرّكعات فسيأتي الكلام فيها و امّا على الثّانى فذهب صاحب الإشارات الى انّ الأصل عدم الموضوعيّة لانّ الألفاظ موضوعة للمعانى الواقعيّة النّفس الأمريّة اقول‏ لو بنى على القول بكون الألفاظ موضوعة للمعانى المعلومة لأمكن جعل الأصل ما ذكر ايضا بناء على انّ العلم الطّريقى لا يحتاج حقيقة الى الجعل اصلا بل هو منجعل بنفسه بخلاف العلم الموضوعى حيث يحتاج الى الجعل و الأصل عدمه الّا ان يقال انّهما باعتبار

الآثار و الأحكام المختلفة المترتّبة عليهما من قبيل المتباينين و المختار في صورة الدّوران بينهما هو الاحتياط مع انّ مقتضى كونه منجعلا بنفسه ان معتبر بنفسه غير محتاج فيه الى جعل و امّا وجه الاعتبار فلا شكّ ان يختلف بحسب المقامات و الأنصاف انّه ليس في المقام اصل يفيد الكلّيّة و يثبت الضّابطة فلا بدّ ان يرجع في الفصل و التّميز الى الآثار و الثّمرات و الأصول الجارية فيها فانّ مثل اصالة عدم الأجزاء مثلا تفيد عدم الموضوعيّة كما سنبيّنه فليتدبّر قوله‏

ثمّ ما كان منه طريقا

اه‏ اقول‏ اخذ (ره) بعد بيان انقسام القطع الى قسميه في بيان الآثار و الأحكام الّتى يختلفان فيها بحيث تكون من اللّوازم العقليّة لهما و لا دخل للشّرع فيها و المذكور خاصّتان إحداهما ما نبه عليه هنا و هى عدم التّفرقة بين الجزئيّات القطع الطّريقى مشخّصا و متعلّقا و سببا و زمانا و لذا لا يجوز التّصرف فيه نفيا و اثباتا و ينحصر وجه الرّدع ح في ازالة القطع او التّصرّف في الحكم و ربّما يكون بابداء صورة التّصرف على ما سيجي‏ء في ردع القطاع بخلاف القطع الموضوعى فانّه يصلح للتّفرقة فيه على احد الوجوه المذكورة نظير الأوصاف التّعبّديّة المأخوذة في موضوعات الاحكام و السّرّ في ذلك ظاهر فانّ المطلوب في الأوّل هو الواقع من حيث هو و القطع طريقه فكلّما يصدق عليه القطع يكفى فيه سواء كان ذلك في الأحكام الأصوليّة الاعتقادية او العمليّة او الأحكام الفقهيّة او الموضوعات المستنبطة او الصّرفة او المسائل المعبّر عنها في لسان بعض الأجلّة بالامور المشتبهة كمسألة الاجتهاد و التّقليد و مسئلة الاستصحاب و مسئلة مقدّمة الواجب و امثالها بخلاف الثّانى فانّه يتبع دليله في مقدار الحجّيّة فان دلّ على حجّيته عموما فعلى نحو العموم او خصوصا فعلى نحو الخصوص و الأحكام العقليّة تكون من قبيل الأوّل قيل لم نقف فيها على ما يكون من قبيل الثّانى و امّا الشّرعيّات فالغالب فيها الثّانى و لو من وجه من الوجوه المذكورة و قد عرفت انّ مسئلة النّجاسة منه عند شيخ الحدائق (ره) و ان كان هو محلّ نظر لأنّ ذلك مضافا الى ما اشرنا مستلزم للدّور لانّ قوله (ع) قذر يدلّ على انّ وصف القذارة ثابت للموصوف قبل العلم فلو توقّف على العلم لزم ذلك و ممّا يدّعى اعتبار القطع فيه على وجه الموضوعيّة الخاصّة قضاء القاضى فانّه لا يمضى على الغير الّا اذا استند العلم فيه الى الطّرق و الأسباب المتعارفة لا الى مثل الرّمل و النّجوم و الرّؤيا نعم لو قيل باعتبار ما استند الى القياس ليس بذلك البعيد

20

نظر الى انّه من الطّرق المتعارفة المركوزة في الجبلّات غاية الأمر انّ الشّارع نهى عن العمل به فلا فالقطع قطع بالنسبة الى القاضى جهتان جهة بالنّسبة الى عمل نفسه وجهة بالنّسبة الى عمل غيره فهو من الجهة الأولى مأخوذ على وجه المرآتية و من الجهة الثّانية على وجه الموضوعيّة هذا في الأحكام و امّا الموضوعات فقطع القاضى مأخوذ فيها على الوجه الاوّل كما اذا علم انّ الدّار الفلانية ملك لزيد مثلا فيجب انفاذه من اىّ سبب حصل و مثله المفتى في الفتوى و من الموضوعات الّتى لا يبعد ان يكون مثالا في الشّرعيّات لما اعتبر فيه القطع على طريق الموضوعيّة العامّة مسئلة الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر فالقطع فيها عام من جهة الاسباب و ان كان خاصّا بالنّسبة الى التّمكّن كالفتيا بالنّسبة الى المجتهد الفاسق حيث انّه لو حصل له القطع و لو من الطّرق المعتبرة لم يجز الرّجوع اليه ثمّ انّ من الثّمرات المترتّبة على الموضوعيّة و المرآتيّة الأجزاء و عدمه في صورة انكشاف الخلاف فعلى الوجه الأوّل يحصل الاجزاء و على الثّانى لا يحصل اذ المقصود هو الواقع و المفروض انّه لم يحصل و حينئذ يرد الأشكال في عدّ مثل مسئلة وجوب حفظ عدد الرّكعات ممّا اعتبر فيه القطع موضوعا فانّه يلزم عليه ان يكون مجزيا لو انكشف الخلاف مع انّه ليس كذلك الّا ان يبنى على التّشقيق و التّقسيم السّابق في القطع المستلزم لتثليث اقسامه و توضيح ذلك بتقرير آخر في التّشقيق انّ القطع الموضوعى قد يعتبر على وجه الكشف و هو ان يكون المطلوب هو الواقع المنكشف باعتبار صفة الانكشاف العلمى بحيث يقوم مقامه الانكشافات الحاصلة من الطرق المعتبرة فيكون حينئذ له جهتان جهة مرائية وجهة موضوعيّة و الثّمرة بينه و بين الموضوعى الصّرف يحصل في الاجزاء و عدمه ايضا و المسألة المذكورة من هذا القبيل حيث لا يقع فيها الاجزاء اللّازم للموضوعى الصّرف و لا قيام الأمارات الشّرعيّة من البيّنة و الاستصحاب و غيرهما مقام العلم اللّازم للمرآتى الصّرف و ممّا ذكرناه ينقدح وجه آخر لضعف ما ذهب اليه صاحب الحدائق (ره) في مسئلة النّجاسة فتدبّر ثمّ انّ مقتضى ما ذكر من الخاصّة الأولى تسالمهم على عدم الفرق بين جزئيّات القطع الطّريقى مع انّهم ربما يستشكلون في بعضها كقطع القطاع فلا بدّ اوّلا من تحقيق مطلب يتفرّع عليه هذا المقام و هو انّ القطع بالحكم الشّرعى الفرعىّ الواقعى كالقطع بالوجوب الواقعى مثلا هل يلازم القطع بكونه مرادا للّه فعلا كما هو مبنى كلام المص (ره) في الرّدّ على الأخباريّين في مقامات خلافهم او انّ القطع بالحكم اعمّ من ذلك من جهة مدخليّة شي‏ء آخر فيه كتبليغ الحجّة و نحوه كما هو مصرّح به في كلماتهم و ح لا يستقيم مقابلتهم بدعوى الاستحالة فانّ مرامهم ان لم يكن موافقا لظواهر الأدلّة فلا اقلّ من كونه امرا ممكنا فلا بدّ في ردّهم من جواب آخر و كان محطّ نظرهم هو القطع الموضوعى على الوجه الخاصّ في ملاحظة السّبب و شدّة انكاره (ره) بملاحظة القطع الطّريقى او الموضوعى على وجه الكشف و سيأتى متمّم لهذا المبحث‏ قوله‏

الّا اذا فرض عدم كون النّجاسة

اه‏ اقول‏ لا يخفى ما في هذا الاستثناء من تسامح ما قوله‏

و حكمه انّه يتبع في اعتباره‏

اه اقول توضيحه انّ القطع الموضوعى قسمان احدهما ما كان الحاكم بترتّب الآثار عليه هو العقل و الثّانى ما كان الحاكم بترتّبها عليه هو الشّرع و الأوّل كالعلم الطّريقى في عدم الفرق بين جزئيّاته و امّا الثّانى فهو تابع لدليل الحكم في العموم و الخصوص فح يجعل المعلوم صغرى فيلاحظ الكبرى فان كان اعتبار العلم فيها جزء للموضوع على وجه الإطلاق يحصل النّتيجة و ان كان اعتباره كذلك على وجه خاصّ من حيث الشّخص او السّبب فان كان القطع الحاصل في الصّغرى موافقا لما هو المعتبر في الكبرى حصلت النّتيجة و الّا فلا و ذلك كان يكون القطع المأخوذ في الكبرى هو الحاصل من الأدلّة المعتبرة و الحاصل في الصّغرى هو المستفاد من الرّمل و الجفر و نحوهما و كيف يحصل النّتيجة مع عدم تكرر الأوسط قوله‏

كما في حكم العقل بحسن‏

اه اقول هذا مثال للقطع المأخوذ في الموضوع مع عدم تفاوت جزئيّاته لعموم الدّليل فانّ العقل الحاكم بذينك الحكمين المتقيّد موضوعهما بالعلم لا يفرق بين جهات الاستكشاف و المراد من الحسن و القبح هو المعنى المعروف لهما فانّهما ح اخصّ من المصالح و المفاسد و المحبوبيّة و المبغوضيّة بحسب الواقع و لا ريب انّ واقعيّتهما انّما هى بالعلم و مع انتفائه لا يتحقّق شي‏ء من هاتين الصّفتين الّا من حيث جهة الصّلاحيّة و الاستعداد

الخارجة عن مرحلة الفعلية و وجهه ما تقرّر في محلّه من كون الحسن و القبح من اوصاف المقدور و انّ الأشياء بعنوان الجهل خارجة عن تحت القدرة كذا ذكره بعض الأفاضل‏ قوله‏

و كما في حكم الشّرع بحرمة

اه‏ اقول‏ هذا مثل ما تقدّم من المثال فيما ذكرناه الّا انّه من الشّرعيّات‏ قوله‏

لا في نفس الأمر كما هو قول بعض‏

اه اقول مرجع الضّمير هو العروض بشرط العلم و الاختلاف الّذى اشار اليه هو النّزاع المعروف بينهم من انّ الألفاظ هل هى موضوعة للمعانى النّفس الأمريّة الواقعيّة او المعلومة و المشهور هو الأوّل و ذهب بعضهم الى الثّانى و زعم انّ معنى لا لتوضّأ بالماء النّجس و لا تاكل الميتة و لا تشرب الخمر النّهى عمّا علم ثبوت الوصف له و منهم من استظهر انّ النّزاع انّما هو فيما اذا تفحّص و لم يقدر على العلم بما تعلّق به الخطاب و استظهر عدم التّعلّق معلّلا باصالة البراءة و اشتراط التّكليف بالعلم فمن شكّ في انّه مستطيع اذا لم يقدر على تقويم ما في يده لعدم المقوّم مثلا فلا تكليف له و دخول مجهول الحال في آية النّبإ في الفاسق انّما هو للعلّة المنصوصة و ادّعى انّ النّزاع في المفردات مثل انّ الفاسق اسم لمن علم فسقه ليس ممّا يطرح بين العلماء و استدلّ المشهور بالتّبادر و الاستقراء و بانّها لو كانت موضوعة للأمور المعلومة لما كان العبد المأمور باكرام زيد مستحقّا للذّم بترك اكرامه اذا لم يكن بشخصه معلوما له و امكن تعيينه بالفحص مع انّ بناء العقلاء على الذمّ و بانّ كلام اهل اللّغة صريح في ذلك فانّهم انّما ذكروا في الالفاظ الّتى ذكروها في العنوانات انّها اسماء لمسميّاتها من الأمور الواقعيّة و لم يذكر احد منهم العلم في مدلولها الألفاظ و مقتضى قواعد الصّرف و الاشتقاق ايضا انّ المشتق هو الذّات مع المبدا فاذا كان العلم خارجا عن المبدا كان خارجا عن المشتق ايضا و استدلّ لمعتبر العلم بانّ الطّالب لما لم يجز له طلب غير المقدور و العلم من شرائط القدرة كان قوله لا تستعمل النّجس بمنزلة ان يقول لا تستعمل النّجس بمنزلة ان يقول لا تستعمل ما علمت نجاسته فكان العلم داخلا في معانى الالفاظ و كذا عدم صحّة الأخبار بدون العلم بالموضوع و المحمول يقضى بدخول العلم في المعانى و ذهب بعضهم الى انّها هو موضوعة للمعانى الواقعيّة لكنّها في حيّز التّكاليف محمولة على المعانى المعلومة حذرا من لزوم التّكليف بما لا يطاق لولاه‏

21

و ضعّف بانّه لا يلزم التّكليف بما لا يطاق لولاه لانّه بعد الفحص امّا ان يرتفع الاشتباه فلا اشكال و امّا ان يستمرّ الاشتباه و ح فان كان الأمر دائرا بين امور غير محصورة فلا اشكال ايضا لعدم لزوم الاجتناب على ذلك التّقدير او بين امور محصورة فلا يلزم التّكليف بما لا يطاق في تعلّق الخطاب لإمكان الإتيان بجميع المحتملات او ترك جميعها اذا كان الأمر دائرا بين التّكليف الالزامى و غيره و ان كان دائرا بين الإلزاميّين فان كان احدهما مسبوقا باليقين فيستصحب و الّا فيرجع الى المرجّحات فان وجدت و الّا حكم بالتّخيير مع القرعة و كيف كان فمن ثمرات النّزاع ما ذكره المص (ره) و من ثمراته لزوم الفحص و عدمه في مؤدّى آية النّبإ و منها الشّبهة المحصورة فانّ الأمر بالاجتناب عن الحرام مثلا ان قلنا فيه بانّ الحرام موضوع للمعلوم لم يجب الاجتناب عن الشّبهة و جاز ارتكاب الجميع و كذا ان قلنا بانّه موضوع للأمر النّفس الأمرى لكنّه منصرف الى المعلوم و ان قلنا بعدم الانصراف لزم الاجتناب عن الجميع من باب المقدّمة و قيل انّ من ثمراته مسئلة التّخطئة و التّصويب و فيه كلام و التّفصيل موكول الى محلّه‏ قوله‏

مثل ما ذهب اليه بعض الأخباريّين‏

اه‏ اقول‏ هذا و اخواه امثلة لاعتبار العلم المستند الى السّبب الخاصّ و اكتفى في اوّل الأمر بهما ثمّ التفت في اثناء الدّرس الى انّ ما ذكره انّما يكون مثالا لاعتبار علم القاطع في حقّ غيره مع انّ الأنسب في المقام انّما هو التمثيل بالنّسبة الى نفس القاطع اذ الكلام انّما هو في القطع مط او على وجه خاصّ في حقّ القاطع لا في حقّ غيره فراد هذه العبارة اعنى قوله مثل ما ذهب اليه بعض الاخباريّين الى آخره‏ قوله‏

ثمّ من خواصّ القطع‏

اه اقول هذا شروع في بيان الخاصّة الثّانية للقطع الطّريقى و هى تجرى فيه ايضا اذا كان قيدا للموضوع على وجه الكاشفيّة بان يكون ملحوظ النّظر في مقام اخذه موضوعا كونه كاشفا و بعبارة اخرى المناط حصول الكشف و اخذ العلم انّما هو من جهة كونه مصداقا له و لا تجرى فيه اذا كان قيدا لا على وجه الكشف بل على وجه ان يرتب عليه الحكم نظير الاسكار في الخمر و قيام الأمارات مقام العلم باحد المعنيين الأولين ظاهر الوجه امّا الأوّل فلأنّ المناط فيه انّما هو حصول الانكشاف على اىّ وجه حصل و يتحقّق ذلك من الامارات ايضا بعد ان جعلها الشّارع طرقا الى الواقع و امّا الثّانى فلأنّه لما كان مأخوذا في الموضوع على وجه الكشف و الطّريقية فيكون المقصود منه الانكشاف و لا يحصل الانكشاف من غيره من الظّن و الامارات لاحتمال الخلاف فيهما فلا يشمل دليل اعتباره غيره الّا انّ الشّارع لما حكم بعدم الاعتداد باحتمال الخلاف في الأمارات كانت طرقا مجعولة بمعنى انّه يعامل بالنّسبة اليها معاملة الكاشف الواقعى فتقوم مقامه و امّا الوجه الثّالث فلمّا لم يكن اعتباره ناظر الى جهة الكشف لم يقم مقامة ما جعل كاشفا فلا بدّ في قيامه مقام العلم ح من دليل آخر يقتضى تنزيله منزلة العلم على هذا الوجه كما نزل التّراب منزلة الماء في افادة الطّهارة و الحاصل انّ القطع قد يكون من حيث انه وصف من الأوصاف القائمة بالنّفس محبوبا كما في معرفة الصّانع حيث ان المطلوب المحبوب فيها نفس الاعتقاد و قد يكون من حيث انّه عارض للامر المطلوب محبوبا بمعنى انّ المعلوم من حيث انّه متعلّق العلم يكون محبوبا كما لو نذر شيئا اذا كان زيد معلوم الحياة و كيفما كان فالمطلوب نفس المعلوم و ان لم يصادف الواقع فلا يقوم مقام العلم ح غيره اذ لم يعتبر من حيث الكشف حتّى يحصل المقصود منه من الكواشف الأخر و ربّما يستشكل في قيام الاستصحاب مقام العلم اذا اخذ موضوعا على وجه الكشف و الطّريقية من جهة استلزامه الدّور بيان ذلك انّ استصحاب الوجوب مثلا يتوقّف على ثبوت اثر للواجب و هو الاطاعة و هو موقوف على العلم بوجوبه فاذا لم يكن في مورد الشّكّ علم فلا بدّ من قيام الاستصحاب مقامه ليصير الواجب بالاستصحاب معلوما بالعلم الشّرعى فيتوقف ثبوت اثر للمستصحب على نفس الاستصحاب لأنّ جريان الاستصحاب موقوف على كونه ذا اثر اذ معنى قوله (ع) لا تنقض اليقين بالشّك ترتيب آثار المتيقّن على المشكوك و كونه ذا اثر موقوف على الاستصحاب لانّه المفروض و كذا الكلام في جريان في الشّبهات و الموضوعيّة مع انّا اذا فرضنا انّ الموضوع لا حكم له في نفسه بل بملاحظة كونه منكشفا بالعلم و شكّ فيه بعد العلم فالمحكوم ببقائه اما

الموضوع المطلق فلا يترتّب عليه الحكم من اجل الحكم ببقائه بالاستصحاب اذ لم يكن محكوما به في نفسه او هو بوصف كونه معلوما فلا يجرى الاستصحاب ايضا لعدم بقاء الموضوع و ربّما يجاب عنه بانّ قول الشّارع احكم بالوجوب مثلا كما هو مقتضى الاستصحاب يحصل به الحكم الفعلى و العلم به في مرتبة واحدة كما انّ قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* يحصل منه التّكليف الوجوبى و العلم به دفعة و يجب ان يعلم انّ قيام الامارات مقام القطع قد يكون على وجه خاصّ بان يجعل الشّارع بعضها قائما مقامه دون بعض آخر كما في الشّهادة فانّ الاستصحاب يقوم فيها مقام العلم دون البيّنة و هذا يظهر بالتّتبع في المقامات و التّامّل في الأدلّة و استنباط كيفيّة جعل الشّارع و مقداره ثمّ انّه قد يقع الأشكال في كيفيّة القيام و معناه مط حيث انّه من باب التّنزيل الجعلى من الشّارع و لا معنى له الّا التّنزيل الحكمى بمعنى انّ الأمارة نزلت منزلة العلم او الواقع في الحكم المترتّب على الواقع و ليس معناه انّها تنزل منزلته حقيقة لظهور بطلانه فنقول انّه لا شكّ في انّ دليل الأمارة لا يثبت تنزيلين بمعنى انّ الأمارة منزّلة منزلة العلم اولا ثمّ منزلة الواقع ثانيا بل يثبت تنزيلا واحدا بالنسبة الى العلم او الواقع و من الواضح انّ احكام الواقع انّما تترتّب على المنكشف فلا يمكن ترتيبها الّا بعد الانكشاف و هو من اللّوازم المقارنة للأمارة فيترتّب عليه الأحكام بواسطة هذا الحكم العقلى و لا يكون ثبوتها من وظيفة الأدلّة الشّرعيّة لعدم كونها ناظرة الى اثبات امثالها و هو الذى اوجب بطلان الاصول المثبتة على ما سنحقّقه إن شاء الله اللّه تعالى نعم لو اثبت الأمارة العلم بالشّي‏ء كما اذا قالت البيّنة هذا الأمر معلوم و جعله الشّارع بمنزلة نفس العلم ترتّب احكام الواقع المعلوم عليه و يمكن دفع الأشكال بجعل المراد من التّنزيل جعل الشّارع نفس الأمارة كالواقع بمعنى انّه لم يلاحظ فيها جهة الكشف و الانكشاف فافهم‏ قوله‏

فان ظهر منه اعتباره على وجه الطّريقيّة

اه‏ اقول‏ و ذلك كان يقول الشّارع اذا استيقنت بدخول وقت الزّوال فصل ثمّ يقول اذا دخل الوقت فصل فيستكشف منه انّ اليقين المأخوذ فيه انّما اخذ على وجه الطّريقيّة قوله‏

و من هذا الباب عدم جواز

اه اقول هذا قول المشهور حيث اعتبروا في اداء الشّهادة العلم المستند الى الحسّ و توقّف فيه صاحب الكفاية تبعا للمحقّق الأردبيلى (ره) نظرا الى عموم ادلّة القبول المقتضى لقبولها

22

و ان حصلت من الخبر المتواتر و الخبر المحفوف بالقرائن و غيرهما من طرق العلم مع انّه يلزم من اشتراط الحسّ عدم صحّة الشّهادة لنا الآن لأمير المؤمنين (عليه السّلام) بانتصابه للخلافة من قبل النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) يوم غدير خم لعدم حضورنا في ذلك الوقت و وصول الخبر الينا بطريق التّواتر بل و كذا الأمر بالنّسبة الى الشّهادة بوحدانية واجب الوجود و رسالة الرّسل و نبوّة الأنبياء (عليهم السّلام) لعدم مشاهدتنا شيئا من ذلك و من هنا يضعف ما استند اليه بعض الأفاضل في اعتبار الحسن فيها من انّ معنى الشّهادة لغة هو الحضور و هو في غير المشاهد المحسوس بالبصر مفقود اذ قد يقال له عرفا و لغة انّه غير حاضر و الى هذا يشير كلام الشّهيد (ره) في الدّروس حكاية عن بعض الأصحاب حيث قال و لا بدّ عند الإقامة من اتيان الشّاهد بلفظ الشّهادة فيقول اشهد بكذا و انا شاهد عليه الآن بكذا و شهدت عليه و لو قال اعلم و اتيقّن او اخبر عن علم او حقّ لم يسمع قاله بعض الأصحاب انتهى و كيف كان فلا شكّ في انّ ظاهر بعض النّصوص هو اعتبار المشاهدة كروايتى علىّ بن غياث و علىّ بن غراب لا تشهدنّ بشهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفك و في النّبوىّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قد سئل عن الشّهادة هل ترى الشّمس فقال نعم فقال على مثلها فاشهد اودع قال الحلّى (ره) في السّرائر و ما روى عن الأئمّة الأطهار في مثل هذا المعنى اكثر من ان تحصى ثمّ من الموارد ما لا يمكن اشتراط الحسّ فيها كالعدالة اذا قلنا بانّها الملكة فانها ليست محسوسة و هذا يقتضى ان لا يقبل فيها شهادة و هذا ممّا اورد به الاخباريّون على الأصوليّين حيث يقولون بالحاجة الى علم الرّجال و ما فيه من التّعديلات و الجروح و قد تفصى عن ذلك بعضهم بجعل العدالة عبارة عن الحسن الظّاهر و بعضهم باستثنائها عن اعتبار الحسن للاكتفاء فيها بالاستفاضة و غيرها من عدّة امور اخرى ذكرها الفقهاء في باب الشّهادات الدليل دالّ عليه و هذا الدّليل الخاصّ امّا ان يكون مخصّصا لدليل اعتبار العلم في الموضوع في مسئلة الشهادة او يكون كاشفا عن انّ العلم في خصوص هذا المورد مأخوذ على جهة الكشف و الطريقية او يكون من باب التّنزيل اى تنزيل موضوع منزلة موضوع آخر فتدبّر و ربّما يتفصّى بجعل التّعديل من باب الاجتهاد او الرّواية كما صرّح به الوحيد البهبهانى (ره) في فوائد التعليقة قوله‏

كما يظهر من رواية حفص‏

اه‏ اقول‏ روى عن حفص بن غياث انّه سئل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) أ رأيت اذا رايت شيئا في يدى رجلا يجوز لى ان اشهد انّه له قال (عليه السّلام) نعم قال الرّجل اشهد انّه في يده و لا اشهد انّه له فلعلّه لغيره فقال له ابو عبد اللّه (عليه السّلام) أ فيحلّ الشّراء منه قال نعم فقال له ابو عبد اللّه (عليه السّلام) فلعلّه لغيره فمن اين جاز لك ان تشتريه و يصير ملكا لك ثمّ تقول بعد الملك هو لى و تحلف عليه و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله اليك ثمّ قال (ع) لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق و هذه الرّواية لو كانت ضعيفة ينجبر ضعفها بذكر المشايخ الثّلاثة (ره) لها معتمدين عليها و موافقتها للشّهرة العظيمة المحققة و المحكيّة الّتى كادت تكون اجماعا المعتضدة بكثير من الأخبار قوله‏

فانّه يكفى في الوجوب الاستصحاب‏

اه اقول قد يقال انّ هذا الاستصحاب انّما هو من الأصول المثبتة الّتى لا عبرة بها عند المص (ره) و جماعة من اهل التّحقيق و ذلك لأنّه يثبت الحياة و هى ليست موضوعا لحكم شرعىّ حتّى يترتّب عليها الحكم بل الحكم المجعول المستفاد من امر الشّارع بوجوب الوفاء انّما يترتّب على ما التزم به النّاذر من التّصدق و هو انّما يحصل باستصحاب الحياة فالأصل مثبت لموضوع الحكم الشّرعى اعنى متعلّق النّذر لا نفس الحكم و الحاصل ان الحكم مترتّب على ما هو مأخوذ من جانب الشّارع اعنى ما التزم به النّاذر لا الحياة الّتى هى من الامور الواقعيّة فان قلت انّهم ذكروا فيما لو نذر ان يعطى زيدا العادل درهما ثمّ شكّ في بقاء عدالته انّ الاستصحاب كاف في وجوب الإعطاء و ليس هو الّا مثل ما نحن فيه قلت وجهه انّ محطّ نظر النّاذر في امثال هذه المقامات انّما هو العدالة الشّرعيّة او الأعمّ و هى موضوع مجعول من جانب الشّارع فيترتّب عليه الحكم و لا يقاس عليه الحياة الّتى هى من الامور

الواقعيّة الغير القابلة لجعل الشّارع‏ تتميم نفعه عميم‏

قد عرفت انّ القطع الطّريقى قد اخذ فيه جهة المرآتية و الكشف سواء كان طريقا الى معرفة الموضوع ام الى معرفة المحمول ام كان جهة للرّبط و قيدا للحكم فاخذه بذلك الاعتبار مط ينافى اعتبار الجزئيّة في احد طرفى القضيّة و ان جاز اعتبارها في المحمول على وجه ياتى الإشارة اليه و كما انّ الأحكام تختلف باخذه طريقا الى الموضوع او جزء له تختلف باخذه جهة و قيدا للرّبط او جزءا للمحمول و كما انّه قد يشتبه الأمر في كون القطع طريقا او مأخوذا في الموضوع قد يشتبه الامر في كون القطع قيدا للحكم وجهة للقضيّة او جزء للمحمول و بفهم الفرق و التّمييز بينهما ينحل الشّبهة الّتى اوردها العلّامة (ره) في المختلف على وجه المغالطة في صورة القياس في اثبات طهارة المسكر تشحيذا للأذهان و قد كتبنا في حلّها و بيانها رسالة في سالف الزّمان و حاصلها انّ المسكر لا يجب ازالته عن الثّوب و البدن بالإجماع لوقوع الخلاف فيه و كلّ نجس يجب ازالته عن الثّوب و البدن بالإجماع اذ لا خلاف في وجوب ازالة النّجاسة عنهما عند الصّلاة ينتج انّ المسكر ليس بنجس و قد اجاب هو (ره) عنها بانّ الإجماع المذكور في المقدّمتين اخذ فيهما لا بمعنى واحد فانّه جعل كيفيّة للرّبط يدلّ على وثاقه خارجا عن طرفى القضيّة في إحداهما و جزء من المحمول في الأخرى فلا يتّحد الوسط فلا انتاج و قال المحقّق الخوانساري (ره) في شرح الدّروس ما لفظه و انت خبير بانّ ما ذكره لا يحسم مادّة الشّبهة اذ لأحد ان يقول انّ الإجماع الّذى ذكر انّه في احدى المقدّمتين جهة الحمل و كيفيّة الرّبط و يدلّ على وثاقه لا يخفى انّه بمنزلة الضّرورة الّتى تقع جهة للقضيّة اذ محصّل معناه القطع فكانّه قيل كلّ نجس يجب ازالته عن الثّوب و البدن قطعا و قد تقرّر انّ الضّرورة الّتى كانت جهة القضيّة و كانت القضيّة صادقة اذا جعلت جزء للمحمول يكون القضيّة ايضا صادقة مع كون الجهة ايضا الضّرورة و لنا ان نجعل الإجماع بمعنى القطع الّذى هو جهة الحمل في قولنا كلّ نجس يجب ازالته عن الثّوب و البدن قطعا جزء للمحمول حتّى يصير القضيّة هكذا كلّ نجس ضرورىّ وجوب ازالته عن الثّوب و البدن بالضّرورة و هى مع المقدّمة الأخرى اى انّ كلّ مسكر ليس بقطعىّ وجوب ازالته عن الثّوب و البدن تنتج انّ المسكر ليس بنجس ضرورة لأنّ شرائط الإنتاج حاصله ح لاتّحاد الوسط و ثبت ايضا صدق المقدّمتين جميعا و على هذا لا ينفع ما ذكره العلّامة (ره) و الجواب ح انّ الضّرورة الّتى تقرّر انّها اذا كانت جهة للقضيّة و كانت القضيّة

23

صادقة اذا جعلت جزء للمحمول كانت القضيّة ايضا صادقة مع كون جهتها ايضا الضّرورة انّما هى الضّرورة الّتى هى من الموادّ الثّلاث المقابل للإمكان و الامتناع لا القطع المراد هنا الّذى هو لازم للإجماع لانّه بمعنى الجزم لا الضّرورة بالمعنى المذكور و لا نسلّم انّ القطع بمعنى الجزم اذا كان جهة للقضيّة الصّادقة يكون القضيّة عند جعله جزء للمحمول ايضا صادقة مطلقا بل يصدق على جهة و لا يصدق على اخرى و تفصيل الكلام انّ العلم و انواعه من الجزم و الظّن و متعلّقاته من الضّرورة و الاكتساب اذا كان جهة لقضيّة مثلا تقول كلّ اربعة زوج بالضّرورة اى بالبديهة لا الضّرورة المقابلة للإمكان فاذا جعل الضّرورة جزء للمحمول و قيل كلّ اربعة ضرورىّ الزّوجيّة اى بديهيّها فح ان اريد انّ كلّ اربعة يحكم عليها العقل بالزّوجيّة ضرورة اذا تصوّر مفهوم الأربعة الكلى اى اذا ادرك هذه القضيّة الكلّيّة اى كلّ اربعة زوج يحكم حكما بديهيّا بحيث يسرى الى جميع افراد الأربعة فصدقها مسلّم و ان اريد انّ كلّ اربعة باىّ وجه تصورت يحكم العقل عليها بالزّوجيّة بديهة فمم و السّند ظاهر اذ الدّراهم الأربعة الّتى في كيس زيد مثلا اذا لم يعلمها انّها اربعة و تصوّرها بعنوان انّها في كيس زيد لم يحكم عليها بالبديهة انّها زوج نعم يحكم عليها في ضمن الحكم بكلّ اربعة زوج بالزّوجيّة ضرورة لأنّ الحكم الضّرورى الّذى في هذه القضيّة امّا على الافراد جميعا و من جملتها هذا الفرد و امّا على المفهوم بحيث يسرى الى جميع الأفراد على الرّأيين و على اىّ حال له تعلّق بجميع الأفراد و مرادنا من الحكم هاهنا ليس الّا ذلك و السّرّ فيه انّ ملاحظة الشّي‏ء بالعنوانات المختلفة قد يكون لها اثر في تعلّق علمنا باحواله و صفاته انتهى ما اردنا من كلامه زيد في اكرامه‏ اقول‏ توضيح ما ذكره العلّامة (ره) انّ معنى تكرّر الأوسط هو ذكره في كلتا المقدّمتين بمشخّصاته و قيوده من الوصف و المكان و الزّمان و الشّرط و الإضافة و الجهة الى غير ذلك و الّا لم ينتج القياس مثلا اذا قلت زيد عالم و كلّ عالم يجب اكرامه و اردت بالعالم في الصّغرى العالم بالنّحو و في الكبرى العالم بالفقه لم ينتج انّ زيدا يجب اكرامه لانّ معنى الإنتاج ان يتعدى الحكم الوارد على الأوسط المعبّر عنه بالأكبر الى الأصغر من جهة دخوله تحت عنوان الأوسط فاذا لم يتحد الأوسط في المقدّمتين من جميع الجهات لم يلزم دخول الأصغر في الأوسط الّذى حكم عليه بالأكبر فلم يلزم صدق الأكبر على الأصغر و لا نعنى بالنّتيجة الّا ذلك و كذا الحال في الأصغر و الأكبر فانّه بعد ما عرفت انّ النّتيجة مركّبة عنهما فلا بدّ من اعتبار كلّ منهما فيها على الوجه الّذى اعتبر فى المقدّمة فح اذا كان مسلّما في المقدّمة كان كذلك في النّتيجة و الّا فلا بخلاف ما اذا لم يعتبر على ذلك الوجه فانّه لا يلزم صدق النّتيجة ثمّ انّ القيد المأخوذ في الأوسط قد يكون قيدا للمحمول سواء كان اعتباره على وجه الجزئيّة او غيرها و قد يكون قيدا للنّسبة و الحكم و يظهر لك ممّا حقّقناه سابقا انّ هذا المقدار من التّفاوت ايضا مخلّ بالانتاج و لو كان القياس جامعا لسائر شرائطه لأنّ الأوسط ح يختلف حاله بالتّقيّد و عدمه فاذا قلت زيد عالم قطعا و كلّ عالم يجب اكرامه قطعا على ان يكون قولنا قطعا قيدا للحكم لا للأوسط لم يلزم صدق النّتيجة فانّ المفروض انّه قيد له في الصّغرى دون الكبرى و هذا هو الّذى اشار اليه العلّامة (ره) بقوله ان الاجماع في المقدّمة الثّانية جهة للقضية و قيد للرّبط و المراد من الجهة هو ما يكون بازاء مادّة القضيّة و كيفيّتها الواقعيّة النّفس الأمريّة في القضيّة المعقولة و الملفوظة كما حقّق في محلّه ثمّ انّ السّرّ في عدم صدق القضيّة مع صيرورة الجهات المتعلّقة بالإدراك جزء للمحمول على ما ذكره المحقّق الخوانساري انّ العلم و الظّنّ انّما يكونان جهة للقضيّة بالمعنى الّذى ذكرناه بالنّظر الى انكشاف النّسبة على احد الوجهين و ليسا من قبيل الموادّ حتّى لا ينفكّ عنهما مفاهيم الأشياء بالنّظر الى ذواتها توضيح ذلك انّ الامر الواقعى انّما يكون في الواقع مع قطع النّظر عن تعلّق العلم به مثلا فاذا صار متعلّقا للعلم فان كان ذلك العلم مطابقا للواقع كان اعتقادا يقينيّا و الّا كان جهلا مركّبا فالعلم جهة انكشاف الواقع و طريقه لا الجهة الدّالّة على المادّة النّفس الأمريّة فالواقع شي‏ء و العلم شي‏ء آخر و لذلك اعتبروا في الخبر ان يكون له نسبة خارجيّة تطابقها النّسبة القائمة بذهن المتكلّم فيكون‏

صادقا او لا تطابقها فيكون كاذبا غاية الأمر انّ الخارج لكلّ شي‏ء انّما هو على نحو وجوده فخارج العرض هو وجوده لغيره فانّه عين وجوده في نفسه و خارج العلم الّذى هو كيفيّة نفسانيّة هو عين وجوده العقلانى لأنّه الوجود الخارجى له أ لا ترى انّ الوجود الخارجى للّفظ هو وجوده اللّفظى و للنّقش هو وجوده الكتبى فلا بدّ لكلّ ما يتعلّق به العلم من واقع فكيّف باحدى الكيفيّات الثّلاث سواء قلنا بانّه الامر المثبت في المبادى العالية كما ذهب اليه بعضهم او حيثيّة كون النّسبة نتيجة للضّرورة او البرهان كما ذهب اليه آخرون او الأعيان الثّابتة كما ذهب اليه جماعة او يفرق بين الخارجى و الموجود في الخارج كما حقّقه التفتازانى و تبعه السّيّد الشّريف و غيره او غير ذلك فالشي‏ء من حيث المعلوميّة غيره من حيث نفس الواقع و كذا الكلام فيما يتعلّق بالعلم من البداهة و النّظر فالواقع لا يتفاوت في الأشياء و لا يختلف باختلاف العناوين فالاربعة زوج بالضّرورة اعنى الوجوب و هذا الحكم يحكم به العقل على الأربعة باىّ وجه تتصوّر و لو على وجه كونها في الكيس و امّا كونها ضروريّة الزّوجيّة بمعنى البداهة فلا لأنّك اذا قلت كلّ اربعة زوج بالضّرورة و اردت انّها بديهيّة الزّوجيّة فيتوقّف على العلم بالأربعة و كونها موجودة في الواقع لا يكفى في صدق هذا الحكم ثمّ انّه يظهر من فحاوى كلام هذا المحقّق انّ جهات الإدراك لو ابقيت على كونها جهات و لم تجعل اجزاء للمحمولات بقى صدق القضيّة على كلّ حال و فيه نظر ظاهر فانّا اذا قلنا كلّ اربعة زوج بالضّرورة بمعنى البداهة او بالقطع فان اردنا الحكم على الأربعة بعنوان الكلّى بحيث يسرى الى الأفراد صحّ الحكم و ان اردنا الأربعة باىّ وجه تصوّرت حتى بعنوان انّها في كيس زيد فصحته ممنوعة كما ذكره و سرّ ذلك انّ القطع و ما يتبعه سواء اخذ جهة او جزء يتعلّق بالنّسبة المعلومة المتوقفة على الموضوع المعلوم لا الموضوع على اىّ وجه كان ثمّ انّ ما ذكرته انّما هو على مذاق المحقّق المذكور في توضيح كلامه و تبيين مرامه و الّا فالتّحقيق انّ فرض جعل الجهة الإدراكيّة جزء للمحمول يخرجها عن اعتبار الجهة و لا بدّ بعد فرضها جزء ان تكون النّسبة متكيّفة بكيفيّة ادراكيّة لا محالة لا انّ الجهة بعينها جعلت جزء فبعد صيرورتها جزء يصير المحمول محمولا آخر و ليس‏

24

ذلك المحمول الذى كان يتعقّبه الجهة فاذا قلت كلّ اربعة ضروريّة الزّوجيّة كان المقصود اثبات ضروريّة الزّوجيّة لا الزّوجيّة الضّروريّة و الفرق ظاهر لا يخفى على ذى مسكة و هذه النّسبة و هى ضروريّة الزّوجيّة لا بدّ ان تكون مكيّفة بكيفيّة البداهة او النّظر كما انّ نفس الزّوجيّة كذلك لان كون الشّي‏ء بديهيّا لا يستلزم كون الحكم ببداهته بديهيّا أ لا ترى انّ القائلين بكون الوجود بديهى التّصوّر اختلفوا في كون الحكم به بديهيّا او نظريّا حتّى انّ الفخر الرّازى ذهب الى كون ذلك الحكم نظريّا مع كون نفس الوجود بديهى التّصوّر فتدبّر فانّ فيه دقة ربّما تخفى على كثير من الافهام و حاصل الجواب عن المغالطة بناء على ما قرره المحقّق المذكور هو انّ الإجماع امّا ان يكون جزء للمحمول في كلتا المقدّمتين او لا يكون جزء في شي‏ء منهما بل يكون جهة فيهما او يكون جزء في الصّغرى جهة في الكبرى او بالعكس لا سبيل الى الاخيرين و الّا لم يتكرّر الأوسط بناء على ما حقّقناه في الكلمات السّابقة و اذا لم يتكرّر لم ينتج القياس كما عرفت و لا الى الثّانى ايضا و الّا لزم الكذب في الصّغرى اذ لا شكّ في عدم كون عدم وجوب ازالة المسكر في الصّلاة اجماعيّا لوجود الخلاف فيه فيبقى الاحتمال الأوّل و هو ان يكون جزء فيهما فح فان اريد بالنّجس في الكبرى النّجس الواقعى لم تصدق لأحتمال ان لا يكون نجسا عند بعض المجمعين فليس وجوب ازالته اجماعيّا و ان اريد به النّجس المجمع على نجاسته فحاصل النّتيجة انّ المسكر لا يكون نجسا مجمعا على نجاسته لما ذكرنا من انّه يجب اعتبار كلّ من الأصغر و الاكبر على نحو اعتبارهما في الصّغرى و الكبرى و ح فالنّتيجة صادقة لكنّها لا تنفع اذ لم يدع احد انّه نجس مجمع على نجاسته فحاصل النّتيجة انّ المسكر لا يكون نجسا ليحتاج الى اثبات غيره مع انّه ليس مقصودا للمستدلّ كما لا يخفى و بتقرير آخر اقرب الى ظاهر كلام المحقّق ان اريد في الكبرى كلّ نجس يجب ازالته بكلّ وصف لوحظ فهو مم بل كلّ نجس بعنوان انّه نجس يجب ازالته و حينئذ ان اريد في الصّغرى الحكم على المسكر من حيث انّه نجس و بملاحظة هذا الوصف فالحكم مم و ان اريد من حيث انّه مسكر فلم يحصل تكرّر الأوسط و لم يمكن الإنتاج هذا ملخّص ما يمكن ان يقال في حلّ المغالطة و الأشكال و قد خرجنا فيه عن وضع الكتاب لكنه نافع في مقامات منها موضع الكلام و المقال كما لا يخفى عند اهل الفضل و الكمال‏ قوله‏

ثمّ انّ هذا الّذى ذكرنا في كون القطع‏

اه‏ اقول‏ لا يخفى انّ هاهنا امورا ثلاثة احدها ما يراد منه مجرّد الكشف عن الواقع بحيث لا يلاحظ فيه الّا ذلك في مقام اخذه من باب الكشف و هو العلم و ثانيها ما لا يمكن فيه ملاحظة الكشف و الطّريقيّة بوجه و هو الشّكّ لاستلزام الكشف فيه التّرجيح بلا مرجّح او طريقيّة الشّي‏ء الى امرين متضادّين فما يتوهّم من كونه طريقا في موارد الاصول واضح السّقوط و الاستناد فيه الى مثل ما في بعض اخبار الاستصحاب من قوله (عليه السّلام) الّا اعلّمك شيئا اذا صنعته ثمّ ذكرت انّك نقصت او اتممت لم يكن عليك شي‏ء بتقريب انّه يفيد احراز الواقع بالاستصحاب فيكون ناظر الى جهة الواقع فيصحّ طريقيّة الشّكّ ممّا لا ينبغى ان يستند اليه كما ستعرف و ثالثها ما يكون فيه جهة كشف و طريقيّة و ان لم يكن من قبيل الكشف التّامّ و هو الظّن لكنّ المجعول طريقا منه انّما هو الظّنّ المعتبر دون غيره ثمّ انّه امّا ان يلاحظ بالنّظر الى احكام متعلّقه او بالنّظر الى احكام أخر و على التّقديرين امّا ان يكون من باب الطّريقية او من باب الموضوعية فاقسامه اربعة و لا يخفى انه بالنّسبة الى الأحكام الظّاهرية موضوعى و بالنّسبة الى الاحكام الواقعيّة مرآتىّ ثمّ انّه هل ورد موضوعا في الشّرعيّات بان يكون عنوانا للحكم كسائر العناوين كما في الحاضر و المسافر و الصّحيح و المريض و غيرها الأنصاف انّا لم نجد مسئلة نحكم بانّه اخذ فيها على ذلك الوجه جزما نعم ممّا يحتمل فيه ذلك مسئلة التّيمم حيث يمكن القول باجزاء الصّلاة معه اذا تفحّص المكلّف و طلب الماء و ظنّ بعدمه ثمّ انكشف الخلاف و عدم قيام الأمارات الشّرعيّة المرآتية كالبيّنة مقامه و ان كان بعيدا عن ظاهر الآية اعنى قوله تعالى‏ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* اذ لا يفى بذلك مؤدّاها من عدم وجدان الماء بكلا تفسيريها الشّامل باعتبار احدهما المسوغات التيمم‏

كلّها و المختصّ بالثّانى بخصوص عدم الظّفر على الماء كما لا يخفى و كذا الكلام في مسئلة القبلة حيث اكتفى فيها بالظّن المحتمل لأن يكون مأخوذا على وجه الموضوعيّة بحيث لا يقوم الأمارات مقامه بل اذا قامت امارة على خلافه لم يكن معارضا له لكنّ التّحقيق انّ الظّنّ طريق في امثال ما ذكر ايضا و لذا يقدّم عليه الظّنّ النّوعى في صورة التّعارض ثمّ انّ المحتمل من الظّنون للموضوعيّة انّما هو الظّنّ المتعلّق بالموضوعات و امّا الظّن المتعلّق بالأحكام فلا شكّ في كونه طريقا و مرآة و الّا لزم ما ذكرناه في القطع من الدّور و التّصويب فافهم‏ قوله‏

حيث انّ العلم طريق بنفسه‏

اه‏ اقول‏ حاصل الفرق بين العلم و الظّن وجهان احدهما انّ العلم منجعل و الظّنّ مجعول و هذا ممّا لا شبهة فيه بالنّسبة الى الظن الخاصّ و امّا الظنّ المطلق الّذى يثبت حجّيته بدليل الانسداد فان كان حجّيته من باب حكم العقل كشفا فهو كالأوّل و ان كان من باب حكمه حكومة فهو منجعل لا مجعول من قبل الشّارع و لذا جعل المحقّق القمى (ره) مسئلة حجّية الظّن من ثمرات مسئلة التّحسين و التّقبيح العقليّين في مقام ردّ الفاضل التّونى (ره) حيث نفى الثّمرة عنها بعد ثبوت حكم الشّرع في جميع الوقائع الا انّ بينه و بين القطع المنجعل بنفسه ايضا فرقا و هو ان انجعال القطع منجز فعلى بمعنى انّ الشّارع لو اراد ان يحكم بعدم حجّيّته لم يكن له ذلك كما حقّقناه بخلاف الظّنّ فانّ كونه حجّة بطريق الانجعال معلق على عدم نصب الشّارع طريقا غيره فيحتاج فيه الى الفحص فلو عثر على طريق غيره و لو على مثل القرعة لم يكن حجّة و ثانيهما امكان ان يكون الظّن بالنّظر الى حكم متعلّقه جزء للموضوع بخلاف العلم فانّه بالنّظر الى المتعلّق غير قابل للجعل بل هو بالنسبة الى حكم متعلّقه طريق دائما قوله‏

بمعنى كونه وسطا

اه‏ اقول‏ و ذلك لما عرفت سابقا في بيان معنى الحجّة و الوسط و اما اذا اخذ موضوعا لم يطلق عليه الحجّة كما في العلم من غير فرق بينهما و وجهة ما مرّ من ان الموضوع لا يكون وسطا لترتّب حكم نفسه عليه‏ قوله‏

الأوّل انّه قد عرفت انّ القاطع‏

اه اقول محلّ النّزاع هو القطع الطّريقىّ او الموضوعىّ الكشفى دون الوصفى المحض اذ النّزاع انّما يجرى فيما يكون له واقع يكون القطع مخالفا له و الواقع في المأخوذ موضوعا على وجه الوصفيّة الخاصّة

25

هو نفس القطع فلو خالفه خالف الواقع و ان انكشف خلاف المعلوم نعم لو اعتقد بانّه معتقد بالموضوع و خالف اعتقاده ثمّ انكشف فساد ذلك الاعتقاد جرى هذا النّزاع فيه لكنّه من القطع الطّريقى ايضا كما لا يخفى على المتأمّل و ينبغى ان يعلم انّ محلّ النّزاع انّما هو اعتبار القطع بالنّسبة الى احكام متعلّقه بعنوان انّه مقطوع لا بالنّسبة الى نفس المتعلّق لعدم قابليته للتّصرف و الجعل بالنّسبة اليه ليتنازع في انّه حجّة من قبل الشّارع أو لا فلا ينافى ما ذكره هاهنا من النّزاع في الحجّيّة ما سبق من انّه غير قابل للجعل اصلا فليتدبّر

[التنبيه على امور]

[الاول هل القطع حجة سواء صادف الواقع ام لم يصادف‏]

قوله‏

لكنّ الكلام في انّ قطعه هذا

اه‏ اقول‏ ملخّص الكلام في هذا المقام انّه لا شكّ انّ الواقع من حيث هو واقع يترتّب بالنّسبة اليه الثّواب و العقاب على الفعل و التّرك و كذا لا شكّ في انّ المكلّف لو اعتقد بوجوب شي‏ء و فعله او حرمة شي‏ء و تركه و طابق اعتقاده لواقع عدّ ممتثلا و مطيعا كما لا شكّ في انّه يعدّ عاصيا لو خالف اعتقاده فعلا او تركا و انّما الكلام في انّه لو خالف اعتقاده الواقع كما اذا اعتقد بوجوب ما هو حرام في الواقع او عكسه و فعل على وفق اعتقاده فالانقياد و التّجرى فيهما بالفعل و التّرك هل يوجبان حسنا او قبحا في نفس الفعل بعد وضوح كشفهما عن سريرة المكلّف طيبا او خبثا حسنا او قبحا و استحقاقه المدح او الذمّ او لا و هذه المسألة عقليّة لا شرعيّة لانّ استحقاق الثّواب و العقاب و ما يتبعه ليس ممّا يقبل الجعل الشّرعى لاستقلال العقل به و ان كان للشّارع العفو عن العاصى المستحقّ للعقاب كما سيأتي الإشارة اليه في مباحث اصالة البراءة قوله‏

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات‏

اه‏ اقول‏ الكلمات الظّاهرة في ذلك من علماء الخاصّة و العامّة كثيرة في الكتب الأصوليّة و الفقهيّة منها ما اشار (ره) اليه من مسئلة ظنّ ضيق الوقت و قد نصّ عليه جماعة من الفريقين من دون ظهور خلاف فيه بل نصّ على الاتّفاق فيه جماعة منهم الفاضلان الجواد و الصّالح (ره) و المحقّق القمى (ره) و الآمدي و الحاجبى و منها ما ذكره المحقّق المذكور و بعد ذكر المسألة السّابقة و دعوى الاتّفاق عليها من انّه لو وطئ الرّجل امرأته بمظنّة الأجنبيّة و شرب الخلّ بمظنّة الخمر عصى و يظهر من بعضهم تعدّد العقاب بتعدّد مخالفة المظنون الّذى ينكشف خلافه بل افرط القاضى ابو بكر الباقلانى و ذهب الى انّ الفعل يؤتى به بعد ذلك بنيّة القضاء لا الأداء لوقوعه بعد الوقت بحسب ظنّه و منها ما اشار اليه من مسئلة سلوك الطّريق المظنون الخطر او مقطوعه و منها ما ذكره المحقّق (ره) في محكى المعتبر و غيره من انّه لو ظنّ الضّرر في الوضوء ثمّ توضأ و لم يتيمّم لم يجزه ذلك و ان انكشف الخلاف كما انّه لو ظنّ عدمه فتوضأ ثمّ انكشف الخلاف أجزأه فان قلت الظّنّ اخذ في بعض المقامات المذكورة على وجه الموضوعية لا على وجه الطّريقيّة الّتى هى محلّ الكلام كما عرفت فلا شاهد فيه للمطلب قلت لا شكّ انّ عمدة مستند تلك المسائل وجوب دفع الضّرر و هو حكم عقلىّ فان حكم به الشّرع ايضا و هو لا يتفاوت بالنسبة الى موارد الضّرر مع انّهم فرّقوا بين امثال المقامات المذكورة و بين الشّبهة المحصورة حيث ذكروا انّه لو اعتقد الحرمة في بعض اطرافها و ارتكب ثمّ انكشف الخلاف لم يترتّب عليه العقاب مع انّ المناط فيها ايضا وجوب دفع الضّرر فيعلم بذلك عدم الموضوعيّة في موارد دفع الضّرر و الّا لم يتّجه الفرق فان قيل الضّرر فيما نحن فيه دنيوىّ و هناك اخروىّ و النّهى فيها يكون لمجرّد الارشاد قلت ان تمّ حكم العقل بوجوب دفع الضّرر لم يمكن تخصيصه فما وجه الفرق و يمكن الالتزام بالفرق بينهما بانّ الضّرر الدّنيوى موضوع رتّب عليه الشّارع حكم بوجوب الاجتناب كسائر الموضوعات الّتى تعلّق بها ذلك كالخمر و الخنزير مثلا فكما تثبت تلك بالطّرق الشّرعيّة كخبر الواحد من جهة حجّيّة الظّن فكذا هذا فالظّنّ طريق اليه كالعلم نعم في صورة الشّكّ يجرى اصالة البراءة بخلاف الضّرر الأخروى فانّ الحكم فيه مترتّب على الواقع و ظنّ الضّرر طريق اليه فلا يترتّب على مخالفته سوى ما يترتّب على الواقع فيكون حكم العقل و كذا نهى الشّارع ايضا لو فرض وروده فيه ارشاديّا و لا يترتّب على مخالفة الاعتقاد فيه عقاب آخر و الّا لتسلسل من جهة وجوب عدم مخالفة اعتقاد العقاب و كذا الكلام بالنّسبة الى الاعتقاد المتعلّق بذلك و هكذا نظير ما ذكروه في الأمر بالإطاعة كما ستعرفه و منه يعلم انّ مسئلة سلوك الطّريق المظنون الخطر ليس فيها شهادة على ما استشهد بها له مع انّ الاستشهاد بها هنا ينافى ما حقّقه (ره) في مباحث اصالة البراءة من كون الظّن في الضّرر الدّنيوى موضوعا ثمّ انّ الظّنّ بالضّرر الدّنيوى الّذى حكمنا بموضوعيّته هل هو موضوع للحكم الواقعى او الظّاهرىّ بمعنى انّ الموضوع الحقيقة هو نفس الضّرر كما اشرنا او الظّنّ به الظّاهر هو الثّانى و اليه ينظر اكثر كلماتهم و يظهر من المحقّق (ره) في مسئلة التّيمّم حيث حكم بعدم الاجزاء فيما لو توضّأ مع ظنّ الضّرر و انكشاف‏

الخلاف الاوّل و يمكن ان يقال انّ الضّرر ليس مثل الخمر و غيرها من الموضوعات المحرّمة حرمة ذاتيّة بل المحرّم ايقاع الضّرر على النّفس و القائها فيه كما يشير اليه قوله تعالى‏ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فاذا كان المحرّم هو الإيقاع فلا بدّ ان يعتبر فيه الاعتقاد و لا يكفى الضّرر الواقعى فالموضوع هو الضّرر المعلوم او المظنون بخلاف مثل الخمر فتامّل ثمّ انّ في الشّهادة ما استشهدنا به من كلام الأصوليّين في مسئلة ظنّ ضيق الوقت تامّلا فانّا ان بنينا على حجّية الظّنّ المطلق في زمان الانسداد سواء كان حكم العقل بها على وجه الكشف ام الحكومة فلا شكّ في كون الظّنّ موضوعا ح فلا شهادة فيها على المدّعى نعم اذا بنينا على عدم حجّيته و انّ العمل به من باب التّبعيض في الاحتياط بمعنى انّ المشكوكات و الموهومات لا يعمل فيهما بالاحتياط فيعمل بالظّنّ في المظنونات من باب الاحتياط كما اختاره شيخنا الاستاد (ره) كان الظّنّ طريقا فتصير المسألة المذكورة من الشّواهد على المدّعى فاذا فرضنا انّ العقل يحكم بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة بعد حصول اليقين بالاشتغال بالتّكليف ففى صورة ظنّ فوات الواجب بالتّاخير يجب المبادرة الى اتيانه لتحصيل العلم بموافقة المامور به من باب الاحتياط و ان كان الامتثال يحصل باتيانه بعد التّأخير و ممّا يؤيّد ترتّب الحكم على الاعتقاد بناء على هذه الطّريقة ما ذكره الفاضل التّونى (ره) من وجوب الإتيان بجميع المحتملات في صورة اشتباه الواجب المعبّر عنه بالمقدّمة العلميّة و قد ادّعى عدم الخلاف في وجوبه و مراده الوجوب الحتمى لا مجرّد الإرشاد فيترتّب على تركه العقاب فلو كان الاحتمال ممّا يترتّب عليه العقاب فالظّنّ اولى و يقتضى ذلك ثبوت الحكم في مسئلة ظنّ ضيق الوقت و ممّا ذكرنا ينقدح ورود اشكال آخر على شيخنا الاستاد (ره) حيث جعل‏

26

الفرق بين القطع و الظّنّ بعد الحكم باشتراكهما في الانقسام الى الموضوعية و المرآتية يكون الأوّل منجعلا بنفسه و الثّانى مجعولا فان طريقته في الظّنّ هو الطّريقة المذكورة كما اشرنا و سيأتي تفصيله فهو منجعل ح فيكون طريقا و ان لم يتعلّق جعل الشّارع به سيّما اذا بنينا على الحكومة لا الكشف و لعلّ مراده (ره) انّه قابل للجعل نفيا لا اثباتا بخلاف القطع حيث انّه غير قابل له مط و ليس مراده انه مجعول مط فافهم‏ قوله‏

و استقرب العدم سيّد مشايخنا في المفاتيح‏

اه‏ اقول‏ و ذلك لعدم تماميّة ادلّة الثّبوت و لنشر الى بعضها و الى وجه ضعفه فمنها انّه لو لم يكن المكلّف بالتّاخير عاصيا لزم خروج الواجب عن كونه واجبا اذ يلزم مع جواز التّأخير يلزم جواز تركه غالبا و هو يستلزم ما ذكر و فيه انّه يلزم ذلك لو جاز تركه مط و هو مم لعدم جوازه مع القطع بالفوات معه و المعتبر في الواجب عدم جواز التّرك في الجملة و منها انّ التّكليف بالفروع دائر مدار الظّن فانّ المرء متعبّد بظنّه و فيه منع ذلك مط حتّى في الموضوع الصّرف كما في المقام و المستند لا مأخذ له بحيث يعتمد عليه و منها انّا نجد حكم العقل حكما قطعيّا بعدم جواز التأخير حينئذ فيجب الأخذ به و فيه انّ ذلك ليس من الفطريّات و لا من الوجدانيّات و نحوهما حتّى يدّعى الضّرورة فيه فلا بدّ من بيان وجه القطع و منها انّ ذلك مقتضى الامتثال بحسب العرف و فيه ما لا يخفى اقول ربّما يستدلّ عليه بوجوب دفع الضّرر المظنون بسبب التّأخير بالمبادرة و ان الاشتغال اليقينى يستدعى البراءة اليقينيّة و هو اقوى الوجوه بل هو قوىّ عندى و ان امكن الخدشة فيه ببعض ما اشرنا اليه و غيره و من الغريب ما صدر عن بعضهم من التمسّك في اثبات ذلك المدّعى باخبار التّسامح في ادلّة السّنن بتقريب ان مجرّد الاحتمال و ان لم يصادف الواقع اذا اوجب ثبوت الحكم فالظّن اولى كالقطع و فيه انّه لو تمّ فانّما يتمّ اذا ثبت بهذه الأخبار الحكم اعنى الاستحباب و هو مم كما حقّقناه في محله‏ قوله‏

و يؤيّده بناء العقلاء

اه‏ اقول‏ الفرق بينه و بين حكم العقل انّما هو بالإجمال و التّفصيل و ليس ناظرا الى جهة الإجماع حتى لا يمكن التّمسّك به في المسألة العقليّة قوله‏

و قد يقرر دلالة العقل‏

اه اقول المقرّر هو المحقّق السّبزوارى (ره) في مسئلة الجاهل باحكام العبادة على ما استفاده المص (ره) من كلماته‏ قوله‏

أو لا يستحقّه احدهما

اه اقول الظّاهر واحد منهما ليفيد السّلب الكلّى فانّ لفظ احد مع اضافته الى الضّمير لا يفيده كما لا يخفى‏ قوله‏

لا سبيل الى الثّانى و الرّابع‏

اه اقول امّا الأوّل منهما فلمخالفته لما قام عليه الضّرورة من الدّين و المذهب و هو استحقاق من يشرب الخمر الواقعى للعقاب و امّا الثّانى فلاستلزامه العقاب على القبيح و تركه على الأقبح و حاصله يرجع الى ترجيح المرجوح و هو قبيح و مناف للعدل و الحكمة مضافا الى مخالفته الضّرورة ايضا قوله‏

فالمحصّل منه غير حاصل‏

اه اقول حاصل مرامه (ره) انّ التّمسّك بالإجماع المحصّل مردود من ثلاثة وجوه الاوّل منع حصوله و سند المنع هو مخالفة كثير من الأصحاب في مسئلة الظّن بضيق الوقت و الظنّ بالضّرر كما اشرنا و الثّانى ما اشار اليه ب قوله‏

و المسألة عقليّة و هى جملة معطوفة على ما قبلها المدخول للفاء و حاصله انّ الإجماع مع حصوله لا يجدى في هذه المسألة اذ الإجماع الذى يكون حجّة هو الكاشف عن رأى الإمام (ع) و المسألة اذا كانت شرعيّة فلا طريق اليها للعقول فاذا قام فيها الإجماع يعلم انّ منشأ ذلك راى رئيسهم اذ لا طريق لهم سواه‏

بخلاف ما اذا كانت عقليّة كما فيما نحن فيه فانّ طريق العقل فيها موجود فلا يكشف عن راى المعصوم (عليه السّلام) و الثّالث مخالفة غير واحد من الاصحاب كالعلّامة (ره) في النّهاية و الشّهيد (ره) في النّهاية و الشّهيد (ره) في القواعد و ربّما يورد على ظاهر هذا الكلام بانّ الثّالث هو سند المنع عن تحقّق الاجماع المحصّل و ليس وجها مستقلّا و قوله‏

(ره) خصوصا

الخ يابى عن ذلك و قد فسّره العبارة حين الدّرس على وجه يرتفع عنها هذه الحزازة و تقريره انّ الاجماع المحصّل و هو الاتفاق الكاشف عن راى المعصوم (عليه السّلام) غير ثابت عندنا و ان قيل انّ انكار الاتفاق هنا مكابرة نظير انكار المخالفين تواتر خبر الغدير قلنا ليس هذا الإنكار مكابرة اذ المسألة عقليّة مثل الواحد نصف‏

الاثنين و الكلّ اعظم من الجزء و المسألة العقليّة يكون المعصوم (عليه السّلام) بالنّسبة اليها في عرض سائر العقلاء فلو حكم فيها بشي‏ء لم يكن من جهة حيثية شرعيّتها بل من جهة حكم العقلاء به و ليس اتفاقهم كاشفا عن قول المعصوم (ع) بذلك بل انّما يكون حكمهم به بمقتضى عقولهم مع انّه ثبت عندنا عدم الاتّفاق بمخالفة العلّامة (ره) و غيره فالفرق بين الأوّل و الأخير انّ الأوّل مبنىّ على ثبوت عدمه و يمكن توجيه العبارة على وجه اخصر و ان كان اهل البيت ادرى بما فيه و هو ان يجعل قوله (ره) و المسألة عقلية جملة حالية يعنى انّ الإجماع لا يمكن حصوله على الوجه المعتبر و الحال انّ المسألة عقليّة لا تتعلّق بالشّرع ليكون قول الإمام (عليه السّلام) داخلا في اقوال المجمعين و ان حصل الاتّفاق كيف و الاتّفاق لم يحصل‏ قوله‏

و المنقول منه ليس حجّة

اه‏ اقول‏ يعنى في المسألة فانّ القائل بحجّيته معترف بعدمها في مثل المقام و هذا لا يدلّ على انّه (ره) قائل بحجّيته في غيرها من الأحكام الشّرعيّة ليرد عليه انّه ينافى ما حقّقه في مباحث الاجماع المنقول‏ قوله‏

و امّا بناء العقلاء

اه اقول مراده انّ بناء العقلاء على المذمّة مم كيف و قد خالف فيه جماعة من العقلاء و لو سلّم فانّما تكون على المنكشف اى سوء السّريرة لا الكاشف الّذى هو الفعل و لذا ترى استحقاق الذّم باقيا بحاله لو انكشف سوء السّريرة بغير نفس الفعل كما لو انكشف من حال عبد انّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لم يكف عنه و الحاصل انّ الذّم اما على ذات الفاعل بناء على القول بجواز قبح الذّات من دون لزوم الجبر باحد الوجوه المقرّرة في محلّها و امّا على ما ينكشف من سوء السّريرة و خبث الباطن و منشأ الاشتباه هو ما يرى من استحقاق الذّم حين الاشتغال مع انه يرجع في الحقيقة الى العزم المستمرّ الى زمان الاشتغال‏ قوله‏

عن سوء سريرة العبد

اه‏ اقول‏ قد يطلق السّريرة على السّجيّة و الجبلّة و قد يطلق على النّيّات الباطنيّة و الامور الخفيّة قال في مجمع البحرين السّرائر ما اسر في القلوب و العقائد و النيّات و غيرها و ما خفى من الأعمال انتهى‏ قوله‏

و امّا ما ذكر من الدّليل العقلى‏

اه اقول توضيح الجواب انّا نختار الشّق الثّالث و هو استحقاق من صادف قطعه الواقع دون من لم يصادف‏ قوله‏

و الثّالث مستلزم لاناطة استحقاق العقاب‏

الخ قلنا ما يتصوّر فيمن صادف قطعه الواقع امور اربعة اتيانه الفعل اعنى شرب المائع و كون‏

27

المائع خمرا في الواقع و اعتقاده انّه خمر و مطابقة اعتقاده للواقع و الأوّل اختيارىّ قطعا و الثّلاثة الباقية و ان لم تكن اختياريّة لكن العقاب لا يترتّب على شي‏ء منها بل يترتّب على الأوّل الّذى هو اختيارى و مجرّد كون بعض مقدّمات الفعل و العنوان الطّارى عليه غير اختيارى لا يستلزم خروجه عن عنوان الاختيار كما في توقّف الفعل على الفاعل حيث انّه امر غير اختيارى و مع ذلك يكون الفعل اختياريّا و امّا من لم يصادف قطعه الواقع مما قصده لم يقع و ما وقع لم يقصده ففعله و ان كان اختياريّا لكنه ليس هو ما قصده و حاصل كلام المستدلّ انّ الحكم باستحقاق احد الشّخصين دون الآخر قبيح و محطّ نظره هو عدم استحقاق من لم يصادف و الّا فاستحقاق من صادف مسلّم عنده و لذا تعرض المص الأستاد (ره) له بقوله الّا انّ عدم العقاب لامر لا يرجع الى الاختيار قبحه غير معلوم و توضيحه انّ ما يكون قبحه مسلما عند العقلاء هو استحقاق العقاب على ما لا يرجع بالأخرة الى الاختيار و امّا عدم الاستحقاق على ما لا يرجع بالأخرة اليه فلا يكون قبحه معلوما و لا مسلّما و ليعلم انّ المستدلّ لا يقول بقبح عدم العقاب على الامر الغير الاختيارى مط حتّى من مثل الغافل و النّائم لانّ هذا ممّا لا يمكن ان يتفوه به ادنى عاقل فضلا عن عالم نحرير محقّق بل انّما يقول بقبحه فيما اذا صدر من الفاعل امور اختياريّة لها دخل في حصول العصيان بقى هاهنا شي‏ء و هو انّه هل يقبح العقاب على ما يرجع بالأخرة الى الاختيار او لا فيه خلاف و مختار المص (ره) على ما يستفاد من كلماته هو الأوّل كما في الأوّل و ح فوجه تخصيص الاوّل بالذّكر مع عدم اختصاص القبح به مسلّميّته دون غيره لحكم بعضهم بعدم القبح فيه نظرا الى انّ الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار مع انّ ردّ الخصم يحصل بذكر الأوّل فقط و هو المقصود هنا قوله‏

كما يشهد به الاخبار الواردة

اه‏ اقول‏ ربّما يورد عليه بان المسألة عقليّة لا وجه للاستدلال فيها بالأخبار سيّما اخبار الآحاد و فيه مع منع كون هذه الاخبار اخبار الآحاد و ادّعاء تواترها كما صرّح (ره) به انّ هذا استشهاد و تأييد و ليس الغرض منه الاحتجاج و الاستدلال ثم انّ الاستدلال بالفقرة الثّانية على المطلوب تقريبه غنىّ عن البيان فانّ مفادها انّ عقاب من كان العامل بسنته اقلّ اقلّ فعدم العقاب عليه ليس الّا لاجل امر غير اختيارى مع انّ مقدّماته اختيارية و امّا الفقرة الاولى و ان كان الاستشهاد بها بحسب الظّاهر غير ملائم للمقام نظرا الى انّ مفادها عدم الثّواب و محلّ الكلام انّما هو عدم العقاب الّا انّ المدّعى انّما هو منع قبح التّفاوت لامر غير اختيارى و اذا ثبت حكم العقل بعدم قبح ترتّب الشّي‏ء على امر غير اختيارىّ لم يفرق فيه بين عدم الثّواب و عدم العقاب‏ قوله‏

و قد اشتهر انّ للمصيب‏

اه اقول انّما نسبه الى الشّهرة دون الأخبار لعدم عثوره على رواية فيه كما اعترف (ره) به في بعض كلماته و وجه الاستشهاد به ان نقصان ثواب المخطئ عن ثواب المصيب ليس الّا لأمر غير اختيارى و هو مصادفة الواقع و عدمها و الّا فهما متساويان في الفعل و تقريبه الى المدّعى يعلم ممّا ذكرناه في الفقرة الاولى من الفقرتين السّابقتين فان قيل يمكن ان يكون زيادة الثّواب للمصيب و لمن سنّ سنّته حسنة و كثر العامل بها من فضل اللّه تعالى عليه لا لاجل فعله فلا يتمّ المقصود قلنا هذا الاحتمال مع عدم مساعدة ظاهر اللّفظ له من جهة ان ظاهر لفظ الاجر انه بازاء الفعل لا يبطل الاستدلال اذ لنا ان ننقل الكلام الى التّفضل و التّفاوت بينهما فيه بلياقة احدهما له دون الآخر فانّه ليس ايضا الّا لأمر غير اختيارى‏ قوله‏

و ربّما يؤيّد ذلك‏

اه‏ اقول‏ لا يقال انّ هذا اعتراف بثبوت العقاب على من لم يصادف قطعه الواقع غاية الأمر انّ عقابه اقلّ و هو خلاف المدّعى لأنّا نقول المراد من العقاب ما يشمل الذّمّ و الذّمّ فيه انّما هو جهة خبث باطن الفاعل لا من جهة الفعل كما مرّ قوله‏

فتامّل‏

اه اقول لعلّ وجهه انّ الكلام انّما هو في الاستحقاق من حيث المخالفة و عدمه مع قطع النّظر عن المعاقب و انّه هل يتصوّر في حقّه التّشفى أو لا فالعقاب من جهة التّشفى خارج عن الفرض‏ قوله‏

و قد يظهر من بعض المعاصرين‏

اه اقول هو صاحب الفصول (ره) حيث ذكر هذا التّفصيل في مباحث الاجتهاد و

التّقليد من كتابه في مقام بيان حكم الجاهل و لنذكر اوّل كلامه (ره) ليوجب بصيرة في فهم كلامه قال (ره) و امّا الآثار الّتى يعتقد ترتّبها على العمل مع خلوّه عنها في نفسها فالّذى يتقوّى في النظر انّ هناك تفصيلا و هو انّ الاعتقاد ان كان بطريق ثبت اعتباره شرعا كالاجتهاد و التّقليد المعتبرين فلا اشكال في ترتّب ثواب العمل بالطّريق عليه بل الظّاهر ترتب ثواب العمل الصّحيح عليه لأنّ العامل اتى به لرجائه فيؤتى ثوابه كما يستفاد من اخبار التّسامح في ادلّة السّنن و ان كان بطريق غير معتبر فترتب الأجر عليه في غير المحرمات غير معلوم و ان كان بالنظر الى فضله تعالى غير بعيد و امّا بالنسبة الى المحرمات فينبغى القطع بعدم استحقاق الأجر لا سيّما اذا كان من الكبائر كما لو اعتقد الوثنى وجوب عبادة الأوثان او المخالف وجوب اطاعة مشايخه فانّه لا يستحقّ الثواب بفعله قطعا هذا اذا اعتقد الوجوب او النّدب و امّا اذا اعتقد التّحريم فلا يبعد استحقاقه العقوبة و ان كان بطريق غير معتبر نظرا الى حصول التّجرى بفعله الّا ان يعتقد تحريم واجب غير مشروط الى آخر ما نقله عنه المص (ره) و لنبيّن اوّلا مواضع من كلامه تحتاج الى البيان منها قوله (ره) واجب غير مشروط وجه التّقييد انّه لو كان واجبا مشروطا بقصد القربة لم يتمكن من فعله مع اعتقاد حرمته اذ لا يقرب بفعل الحرام و منها قوله في بعض الموارد و المراد به ما اذا كان جهة مصلحة الواجب اقوى من جهة مفسدة التّجرى فانّه يحكم بعدم قبحه و رفع العقاب عنه و منها قوله‏

و هذا الاحتمال حيث يتحقق عند المتجرّى‏

الخ و حاصله انّه لو نصب طريقا غير القطع فيحتمل عنده ان يكون الّذى تعيّن بالطريق انّه عدو ولدا للامر فلا يتوهم انّ هذا الاحتمال يجعل تجريه حسنا و ان لم يكن المتعيّن ابنه في الواقع بل يكون حسنا اذا كان ابنه فلا ينبغى ان يتجرّى بمجرّد هذا الاحتمال بل يجب امتثال الأمر و السّلوك في الطّريق الّذى نصبه لما فيه من القطع بالسّلامة بخلاف غيره من الطّرق و منها قوله‏

و من هنا يظهر

الخ توضيحه انّه كلّما كانت المصلحة الواقعيّة اشدّ كان التجرّى اضعف فاذا اعتقد حرمة شي‏ء مكروه و تجرى به كان التجرّى فيه اشد ممّا اذا اعتقد حرمة المباح لعدم وجود المصلحة الواقعية و زيادة مفسدة المكروه على مفسدة التجرّى بخلاف المباح فانّه لا مفسدة فيه كما لا مصلحة و كذا الكلام في المباحات بالنّسبة الى المندوبات و فيها بالنّسبة الى الواجبات‏

28

و امّا الواجبات فيراعى الأقوى من مصلحتها و مفسدة التّجرى و هذا يختلف باختلاف مراتب الواجبات و المحرّمات كما لا يخفى‏ قوله‏

يرد عليه اوّلا

اه‏ اقول‏ اورد عليه بوجهين هذا اوّلهما و توضيحه انّا نمنع كون قبح التّجرى بالوجوه و الاعتبارات فانّ العقل مستقل في الحكم بقبحه ذاتا كالحكم بقبح الظلم كما انّه مستقلّ في الحكم بحسن ما يقابله من الانقياد فكما انّ العقل يدركه يدرك قبحه الذّاتى و لا سبيل له الى الوجوه و الاعتبارات الغير المتناهية و من هنا ذهب جماعة من المحققين الى انّ متعلّق الطّلب في الأوامر هو الطبيعة لا الأفراد الموجودة فانّ الفرديّة لا تتحقّق الّا بالامور و العوارض الخارجيّة و لا ريب ان محل الحسن هو مورد الطّلب فيعلم انّ الحسن انّما هو في نفس الطّبيعة مع قطع النّظر عن الأمور الخارجيّة و الوجوه الاعتباريّة نعم لا ننكر تعارض الذّاتيين بان يكون الذّاتى مقيّدا بمعنى انّ العقل يدرك حسن الكذب المقيد بالنفع و قبح الصّدق المقيّد بالضّرر و بالجملة التجرى يكون علّة تامّة للقبح و ممّا قرّرناه يعلم انّ قوله كالظّلم تشبيه لا تمثيل فلا يرد عليه انّ التّمثيل به غير مناسب من جهة انّ ذمّ الظّالم انّما هو من جهة الفعل و ذمّ المتجرّى من جهة سوء السّريرة فلا مناسبة بينهما و في بعض النّسخ المصحّحة المقروءة على المص (ره) وقع خطّ المحو على قوله كالظّلم بل هو قسم من الظّلم و اثبت بدله قوله سواء كان لنفس الفعل او لكشفه عن كونه جريا و كيف كان فهو (ره) ابصر بما أراده و اخبر مما افاده‏ قوله‏

و ثانيا لو سلّم‏

اه‏ اقول‏ هذا هو الإيراد الثّانى و توضيحه انّه لو تعلم كون قبح التّجرى بالوجوه و الاعتبارات فليس حاله كحال الأفعال الّتى لا تتّصف في انفسها بحسن و لا قبح بل تتّصف بهما بعد تحقق عنوان لها كضرب اليتيم الخالي عنهما في نفسه المتّصف بالحسن للتّأديب و بالقبح لمجرّد الاذى و الظلم بل هو مقتض بنفسه للقبح الّا اذا عارضه جهة مصلحة كما في الكذب النّافع و ان لم يكن علّة تامّة له فلا بدّ من تحصيل ما يعارضه من المصلحة و هو لا يكون الّا فعلا اختيار بالعدم اتّصاف غيره بحسن و لا قبح و ترك قتل المؤمن و النّبىّ فيما ذكره من المثال ليس اختياريّا فلا يتّصف بحسن فلا يعارض قبح التجرى و العجب انّه (ره) ذكر في باب الأدلّة العقليّة انّ العقل يدرك حسن الأشياء بحسب الذّات لكنّه لا ملازمة بين حكمه و حكم الشّرع فربّما تكون المصلحة الشّرعيّة في نفس الطّلب دون المطلوب فالحكم العقلى باق ما لم يعارضه جهة خارجيّة من الاعتبارات و غفل هاهنا عن ابقاء حكم المقتضى ما لم يظهر المعارض و اورد عليه المص (ره) بوجه ثالث على ما حكى عنه و لو انّه يلزم المفصل على ذلك التّفصيل ان يقول بحسن التّجرّى في ما اذا كان الفعل المتجرّى به واجبا واقعيّا قد بلغ من المصلحة ما بلغ بحيث اضمحل في جنبه قبح التجرّى و لا نظنه يلتزم به لبداهة بطلانه و فيه ما لا يخفى كما لا يخفى ثمّ انّ ما ذكره ب قوله‏

و كذا لو نصب له طريقا

الخ محلّ نظر و تامّل لان الطّريق الظنّى اذا كان منجعلا و امضاه الشّرع و قرّره لا انّه جعله و انشائه كالظن المطلق على ما بيّناه و كالظّنون الحاصلة من الاصول اللّفظيّة الّتى يقتضيها العرف و العادة و قد امضاه الشّارع كان المصلحة فيه عين مصلحة الواقع لا غيرها و امّا اذا كان مجعولا من قبل الشّارع كالظّنّ الخاصّ عبد ارباب الظّنون الخاصّة فلا شبهة عند من يعترف بانقسام الحكم الى الواقعى و الظّاهرى كالمفصّل في انّ الحكم الظّاهرى لا بدّ فيه من الحسن كالواقع بحيث يتدارك به المصلحة الواقعية لئلّا يلزم تفويتها نعم من لا يقول بالحكم الظّاهرى كبعض مشايخنا (دام ظله) فهو في سعة من ذلك و على هذا فالقول بكفاية مصادفة الواقع مع مخالفة الطّريق كيف يجتمع مع ما ذكر و ممّا قرّرناه ينقدح وجه الضّعف فيما ذهب اليه من تداخل العقاب كما سيأتي الإشارة اليه‏ قوله‏

الّا ان نقول بعدم مدخلية

اه‏ اقول‏ هذا احتمال يرفع به الدّعوى ذكره المدعى ليدفعه لثبوت دعواه و ملخّصه ان الأمر الغير الاختيارى لا يؤثر في وجود شي‏ء و لا عدمه فلا يصلح لرفع تاثير المقتضى ايضا كما لا يصلح للمعارضة مع قبح التّجرى فالدّعوى باطلة فاجاب عنه بالمنع‏ قوله‏

و عليه يمكن ابتناء الخ‏

اه اقول المراد بالدّليل العقلى هو ما نقله من تقرير المحقّق السّبزوارى (ره) و توضيح المراد ان‏

المص (ره) اجاب عن ذلك الدّليل باختيار الشقّ الثّالث من الشّقوق الأربعة و منع ما ذكره المستدلّ من استلزامه لاناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار بانّ عدم العقاب على الأمر الغير الاختيارى غير معلوم القبح و حاصله انّه يوجب ارتفاع العقاب فيمكن لنا ان نقول بمثله في المقام فيكون الأمر الغير الاختيارى و ان لم يكن حسنا في نفسه موجبا لارتفاع القبح فمنع الدّليل مبتن على مثل ما ادّعيناه فان تمّ هناك تمّ هاهنا من غير تفاوت بينهما قوله‏

مضافا الى الفرق‏

اه اقول الفرق بين المقامين على ما افاده (ره) من وجهين احدهما انّ الكلام ثمّ انّما هو في المقتضى بمعنى ان التّجرى هل يقتضى القبح على جهة الفعل أو لا و هاهنا في وجود المانع بمعنى انّ قبح التّجرى بعد ان اقتضاه هل له دافع أو لا و ثانيهما انا في مقام المنع هناك و يكفينا الاحتمال عن مئونة الاستدلال و المدّعى في مقام اثبات ارتفاع القبح بالامر الغير الاختيارى فمجرّد عدم امتناع تاثير الامر الغير الاختيارى لا يكفيه فيه بل لا بدّ له من الجزم فيه‏ قوله‏

بانّ العقل مستقلّ‏

اه‏ اقول‏ حاصله ان قبح التّجرى من المستقلّات العقلية فلا يعارضه و لا يؤثر فيه الّا ما كان العقل مستقلا بحسنه و الأمر الغير الاختيارى لا يكون كذلك فلا يستقل العقل بجواز تاثيره في رفع ما استقل به من القبح ايضا و هو ظاهر قوله‏

ثمّ انّه ذكر هذا القائل‏

اه اقول اراد به صاحب الفصول (ره) القائل بالتّفصيل السّابق و قد ذكر ذلك في بحث مقدّمة الواجب في مقام الردّ على المحقّق القمّى (ره) و ربّما يستفاد من بعض كلماته في مواضع اخرى ايضا و ربّما يورد عليه بوجه آخر و هو انّ التّجرى عبارة عن مخالفة ما اعتقده المتجرّى لا ما هو ثابت في الواقع اذ يسمّى ذلك معصية كما انّ الانقياد عبارة عن الاتيان على طبق الاعتقاد لا اتيان ما هو ثابت في الواقع فانّه يسمّى اطاعة فالمخالفة و الموافقة في المعصية و الإطاعة حقيقيّتان و في التجرّى و الانقياد حكميّتان فالتّجرّى ليس ممّا يمكن اجتماعه مع المعصية الواقعيّة لانّه اذا حصل المخالفة بالنّسبة الى ما هو ثابت في الواقع فالمعتقد ليس شيئا سواه حتّى يحصل مخالفة مستقلّة بالنّسبة اليه فتوجب العقاب فليس هناك الّا مخالفة واحدة موجبة العقاب واحد فلا يتصوّر

29

فيها عقابان حتّى يتكلم على التّداخل فيهما و عدمه‏ قوله‏

و لم يعلم معنى محصّل‏

اه‏ اقول‏ يمكن ان يكون مراده من التّداخل انّه ينتقل حينئذ نوع العقاب و العذاب الى نوع آخر اشدّ منه كما في انتقال الضّرب و تبدله بقطع اليد بناء على انّ مراتب العقاب في الآخرة مراتب مختلفة في الشّدّة و الضّعف فتكون انواعا مستقلّة كالحبس و الضّرب و قطع اليد و غيرها لا انّها من قبيل الاقلّ و الأكثر كضرب مائة سوط و ضرب ماتى سوط و غيرهما فللتجرّى في نفسه عقاب و للواقع في نفسه عقاب فاذا تصادفا ينقلب كلا العقابين الى مرتبة واحدة من العقاب فوقهما يكون شدّته كشدة مجموع العقابين و يؤيّده ما ورد في الأخبار على ما ببالى انّ دركات النّار مختلفة في شدّة العذاب بحيث اذا نقل اهل الدّركة السّفلى الى الدركة العليا لناموا من شدّة الرّاحة و كثرة الاستراحة اعاذنا اللّه منها فعلى هذا يتصوّر التّداخل لكنه بعيد عن الاصطلاح لو تمّ ما ادّعيناه فتدبّر قوله‏

كما اعترف به الشّهيد (قده) فيما يأتى من كلامه‏

اه اقول قال في الحاشية بعد هذا الكلام بل يظهر منه (ره) انّ الكلام في تاثير نيّة المعصية اذا تلبس بما يرى معصية لا في تاثير الفعل المتلبس به اذا صدر عن قصد المعصية فتامّل و لكن يظهر من بعض الرّوايات حرمة الفعل المتجرّى به بمجرد الاعتقاد مثل موثّقة سماعة في رجلين قاما الى الفجر فقال احدهما هو ذا و قال الآخر ما ارى شيئا قال فلياكل الّذى لم يبين له و حرم على الّذى زعم انّه طلع الفجر انّ اللّه عزّ و جلّ قال‏ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فتامّل انتهى و اختلف النّسخ المصححة بعد تصرّفه (ره) بتغيير كثير من العبارات بالمحو و الأثبات في علامة ربط هذه العبارات بالمتن فمن بعضها يستفاد ارادة الحاقها به و من بعضها ارادة التّحشية و التّعليق‏ قوله‏

ففى الأخبار الكثيرة العفو عنه‏

اه‏ اقول‏ ظاهر كلامه يفيد الاستحقاق بمجرّد القصد و يرد عليه اشكالان احدهما على كونه حراما نفسيّا كما هو مقتضى ما ثبت في محلّه من عدم العقاب على المقدّمة فترتب العقاب على القصد يقتضى كونه حراما نفسيّا و حاصل الاشكال انّ مقتضى الحرمة النّفسيّة تعدّد العقاب على قصد الحرام المتعقّب لارتكابه مع انّ العقل و العرف بل الشّرع يدلّ على وحدة العقاب في هذه الصّورة ايضا و ثانيهما على كونه حراما حتّى على وجه الحرمة التّبعية المقدّميّة و هو انّ العقاب انّما يجوز و يحسن على الأمر الاختيارى و ليس القصد و الإرادة كذلك اذ ليست الارادة من مقولة الفعل بل هى من الكيفيّات النّفسانية كما صرّح به المحقّق الطّوسى (ره) في التّجريد و المستفاد من كلامه انّ الإرادة هى اعتقاد النّفع سواء كان يقينيّا او غيره و هو مذهب المعتزلة حيث ذكروا انّ نسبة قدرة القادر الى طرفى المقدور اعنى فعله و تركه بالسّويّة فاذا اعتقد نفعا في احد طرفيه ترجح ذلك الطّرف عنده و صار هذا الاعتقاد مع القدرة مخصّصا لوقوعه منه و ذهب جماعة منهم الى انّ هذا الاعتقاد هو المسمّى بالدّاعى الى الفعل او التّرك و امّا الإرادة فهى ميل يعقب اعتقاد النفع كما انّ الكراهة انقباض يعقب اعتقاد الضّرر و على هذا فتصير من مقولة الفعل و قيل انّ الإرادة هى القصد المتعقّب للعزم المتعقّب للجزم و توطين النّفس على الفعل المتعقّب للميل المتعقّب للتّصديق بالغاية المتعقّب لتصوّر الفعل و كيف كانت فهى ليست اختياريّة ان لا يمكن ان يكون مبدئها الإرادة اللّازمة للفعل الاختياري و الّا يلزم التّسلسل و التّحقيق انّ ميل القوّة الشّهويّة المودعة في الحيوان يشتدّ غاية الاشتداد حتّى يتحصّل الفعل و لا يحصل بادنى مرتبته و يمكن دفع الأشكال الأوّل بانّ العقاب انّما يترتّب على المخالفة و هى امر واحد فاذا استقلّ قصد الحرام بالوجود بدون الفعل فالعقاب على المخالفة الحاصلة بالنّسبة اليه و ان حصل مع الفعل فيشتدّ المخالفة فالمخالفة الحاصلة من الفعل هى عين المخالفة الحاصلة من القصد على وجه الكمال فلا يجب التزام تعدّد العقاب الّا ان يمنع ذلك بانّ المخالفة ان كانت منتزعة من نفس الفعل المنهىّ عنه فقط فلا وجه لحرمة القصد و ان كانت منتزعة منهما فلا تكون مخالفة واحدة لانتزاعها من امرين مختلفين فافهم و يمكن دفع الثّانى بالتزام انّ الإرادة فعل اختيارى و ليست من مقولة الكيف لأنّا كثيرا ما نعتقد نفعا في شي‏ء و لا نريده الّا اذا حدث فينا ميل اختيارىّ بعد هذا الاعتقاد و يشهد بذلك ظهور الفرق الواضح بحسب العرف و اللّغة بين علم او اعتقد

و بين نوى او اراد او قصد مضافا الى ما ذكره الفقهاء و غيرهم في تعريف النيّة من انّها ارادة تفعل بالقلب او انّها توجّه النّفس نحو ما فيه بعينها و هو احد معانى الخبر المعروف من انّ نيّة المؤمن خير من عمله و نيّة الكافر شرّ من عمله فالمعنى انّ نيّة المؤمن خير و هى من جملة اعماله و نيّة الكافر شر و هى من جملة اعماله فيكون من عمله خبرا ثانيا للمبتدإ و يكفى في كون الفعل اختياريّا كونه عقيب الدّاعى أ لا ترى انّ معنى كون فعل اللّه اختياريّا انّ المرجّح لاحد طرفى متعلّق قدرته علمه تعالى بالاصلح و هو عين ذاته و ليس المراد انّه يحدث في ذاته بعد العلم شي‏ء و يشبه ذلك الإرادة و الاختيار في العبد و لا يحتاج لا ارادة الى ارادة اخرى ليلزم التّسلسل و ما يتراءى انّ افعال الجوارح تحصل بالقصد و التّوجّه و تحتاج الى الإرادة فهو لأجل انّ المخاطب بالفعل هو النّفس و لا يمكن حصول هذه الأفعال منها الّا بتوجيهها الى البدن فاذا كان الفعل قائما بالنّفس فالقصد هو عين الفعل و بما ذكرناه علل بعضهم وجوب القصد الى الفعل في العبادات بل الواجبات التوصّلية ايضا و ممّا حققناه تعرف ان الغرض الاهم من العبادات كلّها تكميل النّفس و تخليتها من الرذائل و تحليتها بالفضائل و تمرينها على الملكات القدسيّة و تزيينها بالكمالات الحقيقيّة و بما بيّناه ينحلّ عقدة ما يستفاد من الأخبار الكثيرة من كون القصد من الامور الاختيارية الّتى يترتّب عليها الثّواب و العقاب و يمكن دفع الأشكال مط بحمل العفو المستفاد من الاخبار و كلمات اصحابنا الأخبار على العفو عن كونه معصية بان يكون المراد ان القصد ممّا يليق ان يكتب معصية ليتفرّع عليها استحقاق العقاب لكنّه عفى عن ذلك و لا يبعد دعوى كون غالب اخبار العفو ناظرا الى ما ذكرنا مثل ما رواه جميل بن درّاج عن الصّادق (عليه السّلام) انّه قال اذا همّ العبد بالسّيئة لم يكتب‏

30

عليه الخبر و مثل ما رواه زرارة عن احدهما قال (عليه السّلام) انّ اللّه جعل لآدم (عليه السّلام) في ذرّيته انّ من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة و من همّ بحسنة يعملها كتب له عشر و من همّ بسيّئة لم يكتب عليه و من همّ بها و عملها كتب عليه سيّئة و ما روى عن الباقر (عليه السّلام) انّه قال لو كانت النّيّات من اهل الفسق يؤخذ بها اهلها لاخذ كلّ من نوى الزنا بالزّنا و كلّ من نوى السّرقة بالسّرقة و كلّ من نوى القتل بالقتل و لكنّ اللّه عدل كريم ليس الجور من شانه و لكنّه يثيب على نيّات الخير اهلها و لا يؤاخذ اهل الفسق حتّى يفعلوا الى غير ذلك من الأخبار قوله‏

و ان كان يظهر من اخبار

اه‏ اقول‏ قد ورد هذا المضمون في اخبار كثيرة مثل ما روى عن الصّادق (عليه السّلام) في حديث انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول من اسر سريرة رداه اللّه ردائها ان خيرا فخيرا و ان شرّا فشرّا و ما روى عن عبد اللّه بن موسى بن جعفر (ع) عن ابيه قال سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب اذا اراد العبد ان يفعله او الحسنة فقال (ع) ريح الكثيف و الطّيّب سواء قلت لا قال انّ العبد اذا همّ بالحسنة خرج نفسه طيّب الرّيح فقال صاحب اليمين لصاحب الشّمال قم فانّه قد همّ بالحسنة فاذا فعلها كان لسانه قلمه و ريقه مداده فاثبتها عليه فاذا همّ بالسّيّئة خرج نفسه منتن الرّيح فقال صاحب الشّمال لصاحب اليمين قف فانّه قد همّ بالسّيّئة فاذا فعلها كان لسانه قلمه و ريقه مداده فاثبتها عليه و هذا الخبر و ان لم يدل على ثبوت العقاب الّا انّه يدل على كراهيّة نيّة الشّرّ و في رواية عن ابى عبد اللّه (عليه السّلام) انّ المؤمن لينوى الذّنب فيحرم رزقه و الأنصاف انّ غالب الاخبار لا يدلّ على المقصود فانّ اخبار خلود اهل الجنّة و النّار يكون المراد فيها النيّة الّتى هى من لوازم الأيمان و لوازم الكفر فكان الكافر قصده ان لا يطيع اللّه تعالى و لو رجع الى الدّنيا كما يدلّ عليه قوله تعالى‏ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ‏ و غيره من الآيات و الأخبار و كذا المؤمن بنائه على الإطاعة مدى الدّهر فيرجع الامر الى العقاب على الكفر و هو غير محلّ الكلام لأنّ الكلام انّما هو في النّيّة على افعال الجوارح كشرب الخمر و الزّنا و امثالهما و خبر القاتل و المقتول يحمل على انّ دخولهما في النّار ليس من جهة مجرّد النّيّة بل لأنّ نفس المقاتلة و المجادلة ممّا نهى عنه الشّارع و كذا اخبار الرّضا فانّ نفس الرّضا و محرّم ليس العقاب من جهة مجرّد القصد و النّيّة فليس امثال تلك الأخبار صريحة بل و لا ظاهرة في ترتّب العقاب على مجرّد القصد فح لا يبقى للتجرّى جهة حرمة و على هذا فيمكن ان يكون وجه ما يظهر من الفقهاء من التّسالم في مسئلة ظنّ ضيق الوقت الفرق بينهما و بين غيرها من جهة انّ التّكليف بالصّلاة قد ثبت بالأدلّة فاذا ظنّ و خالف فقد خالف مقتضى التّكليف الثّابت و هذا و ان سمّيناه بالاحتياط لكن بنائهم على انّه امر شرعىّ لا عقلىّ فت ثمّ انّه يمكن الفرق بين الانقياد و التّجرّى بان يحكم بترتّب الثّواب على الأوّل و ان لم يحكم بترتّب العقاب على الثّانى فانّه ربّما يقع الثّواب على مجرّد الانقياد و ما اسلفناه من انّ ادلّة التّسامح لا تدلّ على الاستحباب فهو كلام على مقتضى التّدقيق الفلسفى تنبّه له المحقّق السّبزوارى (ره) و الّا فظاهر كلمات الأصحاب انّ الأحكام الثّابتة بها مستحبّة و ما ذكره المتكلّمون في معنى الثّواب يرشد اليه و لعلّنا نشير اليه فيما سيأتي‏ قوله‏

مثل قوله (صلوات اللّه عليه) نيّة الكافر

اه‏ اقول‏ قد ذكرنا في معنى هذا الخبر بفقرتيه في كشكولنا المسمّى بودائع العلوم ما ينيف على ثلثين وجها و روى عن الباقر (ع) انّه كان يقول نيّة المؤمن خير من عمله و ذلك لأنّه ينوى من الخير ما لا يدركه و نيّة الكافر شرّ من عمله و ذلك لأنّ الكافر ينوى الشّرّ و يامل من الشّر ما لا يدركه‏ قوله‏

و ما ورد من تعليل خلود اهل النّار

اه اقول روى عن الصّادق (ع) انّه قال انّما خلد اهل النّار لانّ نيّاتهم كانت في الدّنيا ان لو خلدوا فيها ان يعصوا اللّه ابدا و انّما خلد اهل الجنة في الجنّة لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا ان لو بقوا فيها ان يطيعوا اللّه فيها

ابدا فبالنيّات خلد هؤلاء ثم تلا قوله تعالى‏ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏ قال على نيّته‏ قوله‏

و فحوى ما دلّ‏

اه اقول يعنى يدلّ مفهوم هذه الأخبار على انّ النيّة بمنزلة الفعل لانّه لو كان الرّضا بمنزلته فقصده و العزم عليه اولى في ذلك و كذا فحوى ما دلّ على انّ محبة الفعل كالفعل مثل ما رواه علىّ ابن ابى حمزة عن ابى الحسن موسى (عليه السّلام) انّه قال رحم اللّه فلانا لم تشهد جنازته قلت لا قد كنت احب ان اشهد جنازة مثله فقال (ع) قد كتب لك ثواب ذلك بما نويت لكن لا يخفى انّ مثل هذا يفيد في اثبات المدّعى لو ورد عنهم نظيره في حبّ السّيئة قوله‏

مثل ما عن امير المؤمنين (ع)

اه‏ اقول‏ و مثل ما في العلل عن الرّضا (عليه السّلام) انّه سئل يا ابن رسول اللّه ما تقول في حديث روى عن الصّادق (عليه السّلام) انّه قال اذا خرج القائم قتل ذرارى قتلة الحسين (عليه السّلام) بفعال آبائهم فقال (عليه السّلام) هو كذلك فقيل فقول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏* ما معناه فقال صدق اللّه في جميع اقواله لكن ذرارى قتلة الحسين يرضون بافعال آبائهم كذلك و يفتخرون بها و من رضى شيئا كان كمن اتاه و لو انّ رجلا قتل في المشرق فرضى بقتله رجل في المغرب لكان الرّاضى عبد اللّه شريك القاتل و انّما يقتلهم القائم (عليه السّلام) اذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم و مثل ما روى في تفسير الإمام (ع) عن السجّاد (عليه السّلام) في بيان سرّ خطاب اللّه تعالى لبنى اسرائيل الّذين كانوا في زمان نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) بما فعل باسلافهم او فعلت اسلافهم كانجائهم عن الغرق و سقيهم من الحجر و تكذيبهم الآيات و غيرها من انّهم كانوا راضين بما فعل باسلافهم او فعلوا و هاهنا نكتة لطيفة لبعض المحقّقين تركناها مخافة التطويل‏ قوله‏

حيث عمّمه بعض الأساطين‏

اه‏ اقول‏ هو المحقّق الفقيه الشّيخ جعفر النّجفىّ كاشف الغطاء (قدّس سرّه) فانّه ذهب الى انّ موضوع الاعانة على الاثم المنهى عنها بقوله تعالى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ هو الاعمّ ممّا يكون اعانة و مقدّمة لفعل الغير و ما يكون مقدّمة لفعل المعين نفسه و فيه نظر فانّ اتيان الفاعل للحرام بما يعينه عليه لا يطلق عليه الإعانة على الاثم عرفا و المتبادر من الإعانة على الإثم اعانة الغير على فعله المحرّم ثمّ انّه هل يعتبر في تحقّقها قصد حصول الحرام او يكفى مجرّد ترتّبه عليها و ان لم يقصده نظير ما ذكره صاحب‏

31

الفصول في المقدّمة الموصلة او يعتبران معا او يكون المناط فيها هو العرف اوجه بل اقوال اختار اوّلها صاحب الكفاية و كثير من متاخّرى الأصحاب تبعا للمحقّق الثّانى في حاشية الإرشاد و ثانيها جماعة من الأصحاب كالشّيخ في ط و العلّامة في التّذكرة على ما حكى عنهما و ثالثها الفاضل النّراقى في العوائد على ما حكى عنه و رابعها المحقّق الورع الأردبيلى (ره) فانّه قال في محكى آيات الأحكام في الكلام على قوله تعالى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ ما مضمونه الظّاهر انّ المراد بالاعانة الإعانة على المعاصى مع القصد او على الوجه الّذى يصدق انّها اعانة مثل ان يطلب الظّالم العصا بضرر مظلوم فيعطيه او يطلب القلم لكتابة ظلم فيعطيه و نحو ذلك ممّا يعدّ معونة عرفا فلا يصدق على التّاجر الّذى يتجر لتحصيل غرضه انّه معاون للظّالم العشار في اخذ العشور و لا على الحاج الّذى يؤخذ منه المال ظلما و غير ذلك ممّا لا يحصى فلا يعلم صدقها على بيع العنب ممّن يعمله خمرا او الخشب ممّن يعمله صنما و لذا ورد في الرّوايات الصّحيحة جوازه و عليه الاكثر انتهى كلامه و الاقوى هو الاوّل و امّا ما اختاره النّراقى فممّا لا دليل عليه فانّ حقيقة الاعانة على الشي‏ء هو الفعل بقصد حصوله سواء حصل ام لا فمن اشتغل ببعض مقدّمات الحرام الصّادر عن الغير بقصد حصوله فهو داخل في المعين على الإثم و الى ما اخترناه ينظر كلام الفقهاء (ره) حيث فرقوا بين بيع العنب ليعمل خمرا و بين بيعه ممّن يعمل خمرا فحرّموا الأوّل دون الثّانى فان الفارق بينهما القصد و ان امكن القول بالحرمة في الثّانى من جهة اخرى و هى انّ البيع و ان لم يكن اعانة على التّخمير حينئذ لكنّه اعانة على الشّراء الّذى هو مقدّمة له او من جهة التّجرّى بناء على حرمته مط و ممّا حقّقناه يظهر لك سرّ الحاجة في شهادة حرمة الاعانة على الاثم على المدعى الى التّعميم كما هو مقتضى كلام المص (ره) فانّ اعانة النّفس لا يتحقّق الّا بعد القصد و الاشتغال ببعض المقدّمات كما هو المفروض فيما نحن فيه بخلاف اعانة الغير على المحرم فانّها متحقق بالاشتغال ببعض المقدّمات بدون القصد لعدم كون المعين فاعلا له فلا يقصده و على ما اخترناه فلو اعتقد الفاعل شيئا حراما فاعانه المعين عليه دخل في عنوان الإعانة و ان أخطأ في اعتقاده مع امكان ان يقال بعدمه نظرا الى انّ المناط هو الإثم الواقعى لا ما اعتقد اثما كما لا يخفى و انت بالتّامّل فيما بينّاه تعرف ضعف ما ذكره المحقّق الأردبيلى (ره) ايضا فلا نطيل ببيانه‏ قوله‏

و قد ذكر بعض الاصحاب‏

اه‏ اقول‏ وجه حرمته ما دلّ على انّ من تشبّه بقوم فهو منهم و ما دلّ على النّهى عن هتك حرمة الشّرع و غير ذلك‏ قوله‏

و يتصوّر محلّ النّظر

اه اقول قيل انّ اكثر هذه الصّور خارج عن مسئلة التجرّى لثبوت استصحاب الحرمة في مسئلة وطى الامرأة الموطوءة و اليد في مسئلة اكل طعام الغير و هكذا فالعمل بهذه الأمارات من قبيل الحكم الظّاهرى و هو عند القائلين به مشتمل على الحسن و القبح و مورده يقع موردا للحكم نعم اذا قلنا بعدم نصبها و انّ ما وقع من الشّارع هو الامضاء و التقرير لا النّصب و الجعل كما عليه بناؤه تمّ ذلك فلو حصل الظّنّ فهو طريق شرعىّ نعم مسئلة الحائض و نحوها يمكن ان تكون من مسئلتنا لأصالة الطّهارة المقتضية لعدم الحكم بالحيضيّة الّا في صورة تيقّنها

[الثانى هل القطع الحاصل من المقدمات العقلية حجة]

قوله‏

و ينسب الى غير واحد من اصحابنا

اه اقول اشتهر هذا النّزاع في زمن المولى محمّد امين الأسترآبادي تلميذ صاحب المدارك و السّيّد المحدّث الجزائرى و معاصره الحرّ العاملى و تبعهم فيه صاحب الحدائق و الّا فالسّابقون الأوّلون لم يقع بينهم هذا التّشاجر بل كان نزاعهم في هذا الباب مع الأشاعرة من حيث ادراك العقل للحسن و القبح و هم لا ينكرون حجّية حكم العقل لو سلموا ادراكه فالمسألة اجماعيّة و لو تقديرا و هذا القول نظير قول الصّوفية بحجّيّة العلم الحاصل من المكاشفة و المشاهدة دون الحاصل بالفكر و النّظر و امّا انكار تحقّق العلم و حجّيّته رأسا فلم يصدر عن احد الّا السّوفسطائية الّذين انكروا الحسّيّات و البديهيّات ايضا و هم على ما نقله شارح المقاصد ينشعبون الى ثلاث طوائف اللّاأدريّة و هم اللّذين قالوا نحن شاكون و شاكون في انا شاكون و هلم جرّا و العنادية و هم الّذين يقولون ما من قضيّة بديهيّة او نظريّة الّا و لها معارضة و مقاومة مثلها في القبول و العندية و هم الّذين يقولون مذهب كلّ قوم حقّ بالقياس اليهم و باطل بالقياس الى خصومهم و قد يكون طرفا النّقيض كلامه حقّا بالقياس الى شخصين و ليس في نفس الأمر شي‏ء بحقّ و لا يخفى بعد بطلان السّفسطة رأسا ما في كلام العنادية و العنديّة من التّناقض حيث انّهم اعترفوا بحقية اثبات او نفى سيّما اذا تمسّكوا فيما ادعوا بشبهة بخلاف اللّاأدريّة فانّهم اصرّوا على التّردّد و الشّكّ في كلّ ما يلتفت اليه حتّى في كونهم شاكين و تمسّكوا بانّه لا وثوق على حكم الحسّ و العقل لما مرّ من شبهة الفريقين و لا على الاستدلال لكونه فرعهما فلم يبق الّا طريق التّوقّف و غرضهم من هذا التّمسّك حصول الشّكّ و التّهمة لا اثبات امرا و نفيه فلذا كانوا مثل طريقة من الفريقين و الأنصاف انّ العمر اعزّ و اشرف من ان يصرف في ابطال هذه الشّبهات و ازهاق هذه التّرهات و لقد اجار المحقّق التّفتازانى و غيره من المحقّقين حيث ذكروا انّه لا سبيل الى البحث و المناظرة مع هؤلاء لأنهما لافادة المجهول بالمعلوم و هم لا يعترفون بمعلوم اصلا بل يصرّون على انكار الضّروريّات ايضا حتّى الحسيّات و البديهيّات و في الاشتغال باثباتهما التزام لمذهبهم من كون الحسيّات و البديهيّات غير حاصلة بالضّرورة بل مفتقرة الى الاكتساب فالطّريق معهم التّعذيب و لو بالنّار فامّا ان يعترفوا بالألم و هو من الحسّيّات و بالفرق بينه و بين اللّذّة و هو من العقليّات و امّا ان يصروا على الإنكار فيحترقوا قوله‏

لكثرة وقوع الاشتباه و الغلط فيها

اه‏ اقول‏ العجب العجاب بل الاعجب عند اولى الألباب ان هؤلاء العلماء من الأصحاب الأطياب يدّعون عدم التّخطّى عمّا وصل عن اهل بيت العلم و مهبط الوحى و التّنزيل و مع ذلك تمسّكوا باذيال الفلاسفة و تعلقوا بشبهاتهم الواهية و ما أدراك ما هيه نار حامية و لا باس بان نشير الى الشّبهات الّتى صارت منشأ لمقالتهم لازدياد البصيرة و هى من وجوه احدها انّ النّظر في المقدّمات الغير الضّروريّة غير مفيد لانّ الغرض منه امّا الظّنّ و امّا العلم فان كان الأوّل‏

32

فهو ليس ممّا يطمئنّ به في النّتيجة و ان كان الثّانى فلا يمكن حصوله للنّاظر لأنّ حصوله امّا بطريق الظّنّ فامّا بطريق العلم و الأوّل غير مفيد كما مرّ مع انّه خلاف المقصود و الثاني امّا ان يكون ضروريّا او نظريّا و كلاهما باطل امّا الأوّل فلأنّه لو كان ضروريّا لما وقع فيه الاختلاف باختلاف الأنظار و لما ظهر خلافه مع انّ كثيرا من النّاس لا يحصل عقيب نظرهم الّا الجهل و ربّما يظهر خطاؤهم بعد نظرهم و ليس الامر فيه كسائر الضّروريّات و امّا الثّانى فلأنّه لو كان نظريّا لكان اثباته بالنظر و فيه دور من جهة توقّفه على الدّليل و على استلزامه المدلول و تناقض من جهة كونه معلوما لكونه وسيلة و غير معلوم لكونه مطلوبا و جوابه انّا نختار انّه ضرورىّ و لا نسلّم امتناع الاختلاف و الخلاف في الضّروريّات فانّه قد يختلف فيها جمع من العقلاء الخفاء في تصوّرات الأطراف و عسر في تجريدها عن اللّواحق المانعة عن ظهور الحكم ثمّ نختار انّه نظرىّ و ندفع الدّور و التّناقض بالقول بالانتهاء الى الضّرورة و اعتبار الحيثيّة كما قرّر في محلّه ثانيها انّ النّظر في المطالب النّظريّة لو افاد العلم و اليقين فلا بدّ ان يكون مع العلم بعدم المعارض اذ لا جزم مع المعارض ثمّ انّه ليس بضرورىّ اذ كثيرا ما يظهر المعارض بل نظرىّ فيفتقر الى نظر آخر موقوف على عدم المعارض و يتسلسل و جوابه يظهر ممّا مرّ و ثالثها انّ النّظر في المطالب مشروط بعدم العلم بها لئلّا يلزم استعلام المعلوم فلو كان مفيدا للعلم و مستلزما له عقلا او عادة لما كان مشروطا بعدمه ضرورة امتناع كون الملزوم مشروطا بعدم اللّازم و جوابه انّ معنى الاستلزام هاهنا الاستعقاب عقلا او عادة بمعنى انّه يلزم حصول العلم بالمطلوب عند تمام النّظر و الاستدلال فالملزوم للعلم انتهاؤه و المشروط بعدمه ابتداؤه رابعها ان اقرب الأشياء الى الإنسان اتّصالا و مناسبة هويّته الّتى يشير اليها بقوله انا و قد كثر فيها الخلاف و لم يحصل من النّظر الجزم بانّها هذا الهيكل المحسوس او غيره فكيف فيما هو ابعد منه من المطالب النّظريّة و جوابه انّ ذلك يدلّ على صعوبة تحصيل العلم بالنّظر لا امتناعه خامسها ان النّظريات لا يمكن الاعتماد عليها الّا مع انتهائها الى الضّروريّات و أقواها البديهيّات و هى ممّا لا يمكن العلم بها لانّها فرع الحسّيّات لتنبّه الإنسان بها بعد الاحساس بالجزئيّات و التنبّه لما بينها من المشاركات و المباينات و لا شكّ انّ حكم الحسّ ممّا يقع فيه الغلط كثيرا فلا يطمئن به و مع عدم الاطمينان بالأصل لا يمكن الاطمينان بالفرع مع انّ اجلى البديهيّات قولنا النّفى و الأثبات لا يجتمعان و لا يرتفعان لتوقّف كل البديهيّات عليه و استنادها اليه كما قرّر في محلّه و هو غير موثوق به لان العلم بحقيقته يتوقّف على تصوّر الوجود و العدم اعنى الكون و اللّاكون و على تحقّق كون الشي‏ء موضوعا و كونه محمولا و على رفع الشّبهات الواردة على الأمرين و هذه الأمور الثّلاثة انّما يتبيّن بانظار دقيقة و المفروض استناد جميع النّظريّات و البديهيّات الى تلك القضيّة فيلزم الدّور مضافا الى لزوم كون الشي‏ء نظريّا على تقدير كونه ضروريّا و هو محال سادسها ما ذكره امام اهل التّشكيك و صاحب الرّأى الرّكيك فخر الدّين الرّازى الّذى افتخر صاحب الدّرر النّجفيّة بموافقته له في هذا المسلك الّذى اختاره تبعا لاصحابه و ملخّصه على ما نقله عنه في الدّرر النّجفيّة انّ هذه الاشياء المسمّاة بالبراهين لو كانت في انفسها براهين لكان كلّ من سمعها و وقف عليها وجب ان يقبلها و ان لا ينكرها اصلا و حيث نرى انّ الّذى يسمّيه احد الخصمين برهانا فانّ الخصم الثّانى يسمعه و يعرفه و لا يفيده ظنّا ضعيفا علمنا انّ الأشياء ليست في انفسها براهين بل هى مقدمات ضعيفة انضافت المحبّة و العصبيّة اليها فتخيّل بعضهم كونه برهانا مع انّ الأمر في نفسه ليس كذلك و ايضا فالمشبّهة يجي‏ء للقول بالتّشبيه بحجّة و يزعم ان تلك الحجة افادته اليقين فامّا ان يقال انّ كلّ واحدة من الحجّتين المتقابلتين صحيحة يقينيّة فح يلزم صدق النّقيضين و هو باطل و امّا ان يقال إحداهما صحيحة و الاخرى فاسدة الّا انّه متى كانت مقدّمة واحدة من مقدّمات تلك الحجّة باطلة في نفسها مع انّ الّذى تمسّك بتلك الحجّة جزم بصحّة تلك المقدّمة ابتداء فهذا يدلّ على انّ العقل يجزم بصحّة الفاسد جزما ابتداء فاذا كان كذلك كان العقل غير مقبول القول في البديهيّات فح تفسد جميع الدّلائل فان قالوا انّ العقل انّما جزم بصحّة ذلك الفاسد لشبهة متقدمة

فنقول قد حصل في تلك الشّبهة المتقدّمة مقدّمة فاسدة فان كان ذلك لشبهة اخرى لزم التّسلسل و ان كان ابتداء فقد توجّه الطّعن و ايضا فانّا نرى الدّلائل القويّة في بعض المسائل العقليّة متعارضة مثل مسئلة الجوهر الفرد فانا نقول انّ كلّ متخيّر فانّ يمينه غير يساره و كلّ ما كان كذلك فهو منقسم ينتج ان كلّ متخيّر منقسم ثمّ نقول انّ وجود الحركة في المسافة معلوم و الموجود منها هو الحاضر لا غير و هو غير منقسم و الّا لم يكن تمامه حاضرا بل بعضه و اذا كان غير منقسم كان عدمه في آن أخر متّصل بآن وجوده فيلزم تعالى الآنات و يلزم منه كون الجسم مركّبا من اجزاء لا تتجزى فهذان الدّليلان متعارضان و لا نعلم جوابا شافيا عن احدهما و نعلم انّ احد الكلامين مشتمل على مقدّمة باطلة و قد جزم العقل بصحّتها ابتداء فصار العقل مطعونا فيه انتهى ملخّصا و جوابه كجواب سابقه واضح عند المتامّل الخبير بل عند من له ادنى سليقة و تامّل فيما ذكرناه فلا نطيل ببيانه‏ قوله‏

فان ارادوا عدم جواز الرّكون‏

اه‏ اقول‏ توضيح المقام بادنى بسط في الكلام ان كلام الاخباريّين في عدم الاعتبار بالاحكام العقليّة يحتمل وجوها الأوّل ما هو ظاهر كلامهم من عدم الاعتماد على مثل هذه الأحكام و ملخّص الجواب عنه وجوه ثلاثة احدها انّ الردع عن العمل بالقطع بعد حصوله قبيح جدّا كيف و القاطع حين كونه قاطعا كالغافل عمّا عدا مقطوعة بل هو اشدّ غفلة فتكليفه به تكليف بالمحال كما سنحقّقه مضافا الى ما مرّ سابقا من التّناقض فان قلت اذا كان ردع القاطع قبيحا فلم جوّزوا ردع القطّاع عن العمل بقطعه قلت الكلام هناك انّما هو فيما اذا حصل القطع للعامىّ القطّاع الغير المتفطّن لقطعه و هنا فيما اذا حصل القطع للمجتهد العالم المتفطّن لقطعه و الفرق ظاهر

33

و ثانيها انّ عدم تجويزهم العمل بالقطع المذكور و تجويزهم العمل بالظّنّ الحاصل من الخبر الضّعيف في غاية البشاعة و ثالثها المعارضة بمعنى انّه لو تمّ ما ذكروه لجرى بعينه في القطع الحاصل من المقدّمات الشّرعيّة الثّانى ان يكون المراد انّ مثل ذلك ليس من القطع في شي‏ء حقيقة بل هو تخيّل قطع و قطع صورىّ و فيه انّ الكلام بعد فرض حصول القطع بحيث لا يحتمل الخلاف غاية الأمر انّه جهل مركّب و لا يمكن ان يقال للقاطع انّ هذا خلاف الواقع كما ستعرف الثّالث ان يكون المراد انّ الخوض في مثل تلك الأحكام مظنّة الهلكة فالمنع في الحقيقة يرجع الى الخوض فيها كما ورد النّهى عن الخوض في مسئلة القدر و نحوها و فيه مع انّ محلّ الكلام انّما هو ما اذا حصل القطع فعلا انّ اكثريّة الخطأ فيها بالنّسبة الى النّقليّات غير مسلّمة كما اشرنا الرّابع ان يكون المراد انّ الواقع مقيّد بالنّقل بمعنى انّ الشّارع قال لا اطلب منك الواقع الّا من هذا الطّريق كما صرّح به السّيّد صدر الدّين حيث قال ما ملخّصه على ما حكى عنه انّ العقل و ان كان يدرك الحسن و القبح لكنّ اللّه تعالى لا يريد الّا الحكم الواصل بواسطة الرّسول و امنائه (عليهم السّلام) لا يقال انّا اذا ادركنا الواقع بعقولنا فلا يمكن الردع عنه فكيف يقيد بوصوله من الشّرع لانا نقول يمكن ان يريد اللّه الواقع بهذا الطّريق المخصوص و ما حال العقل الّا كالرّؤيا فلا عبرة به اقول فيه نظر فانّه ان اريد انّ حكم اللّه الواقعىّ مقيّد بنصّ اصفيائه فيلزم الدّور لانّ حكم النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) به يتوقف على حكم اللّه تعالى فلو توقّف هو عليه ايضا الدار و ان اريد انّ تنجزه و التّكليف به فعلا مقيّد به و ان كان نفس الحكم ثابتا قبل بيان الرّسول فبعد تسليمه نطالب بوجه الفرق بين مثل هذا الحكم العقلى الّذى ادركنا انّه مراد اللّه تعالى و بين مثل حكم العقل بوجوب النّظر في المعجزة لئلّا يلزم افحام النّبىّ و الحاصل انّ العقل اذا ادرك المراد و علم برضى اللّه تعالى به فلا يمكن ان يقال انّ ما ادركه لا يكون حكم اللّه تعالى و لا فرق في مقام الاعتقاد بين ان يؤخذ الحكم من العقل او النّبىّ او الملك او الوحى او غير ذلك فالعقل مفطور على الانقياد و الإذعان بمقتضى ما انكشف له بالضّرورة او بالنظر و ان علم بانّ العلم قد يكون جهلا مركّبا و النّظر قد يكون خطأ فانّه حال علمه بالشّي‏ء لا يجوز ذلك في علمه و نظره و ان جوّزه في غيره فانّ حجّيّة العلم و الانكشاف ضروريّة فطريّة و ليست نظريّة حتّى يتطرّق القدح الى كلّيّة كبراه بما ذكر مع انّا نقول ان الاحكام كلّها صدرت عن النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى الأرش في الخدش كما يظهر من الرّوايات فما يحكم به العقل هو الحكم الموجود في الواقعة اذ لا بدّ للحكم الواقعىّ من طريق و كما انّ الإجماع و غير يكون طريقا اليه فكذا العقل فهذا نظير ما ذكره المحقّق القمّى (ره) و غيره من محققى هذه الأعصار في كيفيّة كشف الإجماع عن قول المعصوم من طريق الحدس العقلى فالعقل بمنزلة لسان النّبىّ و الامام (عليه السّلام) فلا يكون اقل من رواية الرّواة عنهم (عليهم السّلام) نعم لو ناقش هذا السّيّد الجليل في الصّغرى اعنى ادراك العقل لكان له وجه كما اشار اليه المحقّق القمّى (ره) الّا انّه لم يناقش فيها بل ناقش بعد تسليمها كغيره من الأخباريّة في الكبرى و هى مناقشة في غير محلّها كما عرفت و ما ابعد ما بين مذاقه و بين مذاق الشّيخ (ره) حيث ذهب الى انّ الجميع احكام العقل و انّ احكام الشّرع ارشاديّات‏ قوله‏

الّا انّ الشّأن في ثبوت‏

اه‏ اقول‏ يعنى انّ الكلام في انّ الخطأ في فهم المطالب من المقدمات العقليّة اكثر منه في استنباطها من الأدلّة الشّرعيّة و محلّ نظر و تامّل فقد يدعى العكس من جهة انّ العقليّات مبتنية غالبا على قواعد مضبوطة و ضوابط محدودة تحصل لمن صرف فيها العمر برهة من الزّمان بخلاف الشّرعيات فانّها فروع متشتتة متفرّقة مبتنية على ادلّة متخالفة ظنّية لا مدخليّة لادراك العقول فيها و تحتاج الى صرف الفكر و العمر مع انّها مستنبطة بحسب الأغلب من الألفاظ و الظّواهر و المفاهيم و الوسائط الخفيّة الّا ان يقال كما قيل انّ الشّارع بعد جعل الألفاظ و الظّواهر طرقا شرعيّة معتبرة اكتفى فيها بكلّ ما يفهم منها و ان حصل الخطأ بخلاف العقل و هو كما ترى و

على هذا فالخوض الممنوع هو الخوض فيما يؤدّى الى القطع بما يكون خلافه ضروريّا كاستحالة اعادة المعدوم في المعاد الجسمانى و امتناع الخرق و الالتيام في الفلكيّات في المعراج الجسمانى و قدم حركة الأفلاك لتصحيح ربط الحادث بالقديم و غير ذلك و امّا ما لا يؤدّى الى ما ذكر فلا يمنع الخوض فيه ثمّ انّه اورد على هذا الكلام بانّه عين ما ذكره من المعارضة فكيف يصحّ ان يقال انّه بعد الإغماض عن المعارضة و هل هو الّا تكرار ما ذكره (ره) و اجاب عنه هو (ره) مشافهة بانّ المعارضة السّابقة راجعة الى منع الكبرى بمعنى انّا لو سلّمنا انّ الخطأ و الاشتباه يقع كثيرا في الدّليل العقلى فلا نسلّم انّ كلّ ما هو كذلك فلا يجوز العمل به لما ترى من العمل بالأدلّة الشّرعيّة مع كثرة وقوع الخطأ فيها و هذا الكلام ناظر الى منع الصّغرى بمعنى انّا نمنع انّ الخطأ في العقليّات اكثر منه في الشّرعيّات فلا تفاوت بينهما في ذلك‏ قوله‏

علم الهندسة و الحساب‏

اه‏ اقول‏ و ذلك لانّ موضوع الأوّل هو الكمّ المنفصل و المتّصل القارّ الذّات اعنى الجسم التعليمى و السّطح و الخط و موضوع الثّانى هو الكمّ المنفصل اعنى العدد و لا شكّ انّ مسائلهما منتهية الى ما يكون قريبا من الحس و لذا لم يقع في براهينهما الخطأ غالبا بل اكثر براهينهما تنتهى الى الحسّيّات و البديهيّات الاوليّة مثل انّ الكل اعظم من الجزء و انّ النّقيضين لا يجتمعان و لا يرتفعان كما هو ظاهر عند من هو فيهما ظاهر قوله‏

و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق‏

اه اقول و ذلك كالقواعد المتعلقة بالجنس و الفصل فانّهما و ان بينا مفهوما الّا انّهما ينتهيان الى مادّة بعيدة من الاحساس باعتبار ملاحظة معنى المادّية و الصّوريّة فيهما اذا اخذا بشرط لا و ملاحظة عليّة الثّانى للأوّل و القواعد المتعلقة بالعكوس و الاقيسة سيما؟؟؟ المختلطات الى غير ذلك من المقامات سيما المقامات الّتى وقع التّشاجر فيها بينهم‏ قوله‏

انّ المشّائين ادّعوا البداهة

اه اقول اعلم انّ الحكماء و المتكلّمين اختلفوا في حقيقة الجسم الطّبيعى و هو الجوهر القابل للأبعاد الثّلاثة اختلافا عظيما فذهب المتكلمون الى انّه مركّب من اجزاء لا تتجزى متناهية و النّظام وافقهم الّا في التّناهى و ذهب محمّد الشّهرستانى صاحب الملل و النّحل الى انّه متّصل واحد قابل للانقسام الى اجزاء متناهية و امّا الحكماء فاتّفقوا على انّه متّصل واحد غير مركّب من الاجزاء بالفعل قابل للانقسام الى غير النّهاية

34

فذهب الإشراقيّون الى انّه جوهر بسيط لا تركّب فيه بحسب الخارج اصلا قابل لطيران الاتّصال و الانفصال عليه مع بقائه في الحالين مذاقه و ذهب المشّاءون الى انّ هذا الجوهر المتّصل حال في جوهر آخر يسمّى بالهيولى و المادّة و احتجّوا عليه بما اشار اليه الفاضل المحدّث في كلامه و توضيحه انّ هذا الجوهر المتّصل في ذاته الذى كان بلا مفصل اذا طرأ عليه الانفصال مثل ان يتفرّق اماء كوز الى كوزين انعدم و حدث هناك جوهران متّصلان في ذاتيهما فلا بدّ هناك من شي‏ء آخر مشترك بين المتّصل الأوّل و بين هذين المتّصلين فلا بدّ ان يكون ذلك الشّي‏ء باقيا بعينه في الحالين و الّا لكان تفريق الجسم الى الجسمين اعداما للجسم الأوّل بالكليّة و ايجاد الجسمين آخرين من كتم العدم و بطلانه ضرورىّ و اجاب عنه الاوّلون بانّ هذا اعدام لصفة من صفات الجسم و هو الاتّصال و ليس اعداما لشخصه و تفصيل الكلام لا يناسب المقام‏ قوله‏

اذا لم يتوافق عليه العقول‏

اه‏ اقول‏ يعنى اذا لم يكن من الضّروريّات‏ قوله‏

امّا البديهيّات فهى له‏

اه اقول اورد عليه بعض المحقّقين بانّه ان عنى بالبديهى في البديهى اعتقاد العالم فان لم يكن بديهيّا عند غيره او لا يعلم فيه حال الغير فقد مضى في تحقيقه ما تقدّم و كذا فيما حكاه من كلام الأمين الّذى هو عنده من التّحقيق المتين و ان اراد به البديهى عند جميع العقلاء فهو مع انّه ممّا يتعذّر فيه العلم الّا على سبيل الحدس الّذى هو ايضا من العلوم الضّروريّة المتوقّف حجّيتها على الاتّفاق عليها عنده مدفوع بان الاتّفاق على الحكم بالبداهة و لا يفيد الحكم بالصّحة الّا من جهة توافق الافهام و استنباط مطابقته للواقع من قبيل الاستنباط من الاجماع و افادته العلم في الامور العقليّة محلّ اشكال و على فرضه ليس اقوى من سائر الضّروريّات فكيف يجعل معيارا لحجّية غيرها من البديهيّات اقول الظّاهر انّ مرادهم هو الاحتمال الثّانى كما استظهره المورد في غير موضع من كلامه و قد نقل عن بعض افاضل المتاخّرين من اصحابنا الاصوليّين التّفصيل بين العلم الحاصل للعقل بطريق الضّرورة و الحاصل بطريق الاكتساب و النّظر جعل الفرق بينه و بين قول الجماعة هو انّه يقول بحجّية الضّرورى مط سواء كان ضروريّا عند المستدلّ و ان نازع غيره في كونه ضروريّا او في اصل ثبوته ام كان ممّا توافق عليه العقول بخلاف الجماعة فانّهم يقولون بحجّية الثّانى دون الأوّل‏ قوله‏

ثمّ ذكر جملة من المسائل المتفرّعة

اه‏ اقول‏ قال في محكى شرح التّهذيب في مقام تعداد الفروع منها مسئلة الإحباط فانّ اكثر علمائنا (رضوان اللّه عليهم) قد اقاموا الأدلّة العقليّة على نفيه مع انّ الأخبار و الآيات دالّة عليه و منها مسئلة إن شاء الله اللّه تعالى نبيّه في الصّلاة وحدها فانّ الأخبار قد استفاضت في الدّلالة عليه و قد عمل بها الصّدوق (قدّس اللّه روحه) و قد انكره اصحابنا (رضوان اللّه عليهم) اعتمادا على بعض الامارات العقليّة و منها مسئلة الإرادة فانّ المتكلّمين من اصحابنا قد اقاموا البراهين العقليّة على كونها عين الذّات و قد ورد في الأخبار المستفيضة انّها زائدة عليها و انّها من صفات الأفعال و ذهب اليه شيخنا الكلينى طاب ثراه و قد عنون بابا من اصول الكافى في زيادة الإرادة على الذّات و منها تعيين اوّل الواجبات فذهب الاكثر الى انّه معرفة اللّه تعالى اذ هو اصل العقائد و المعارف الدّينيّة و عليه يتفرّع كلّ واجب من الواجبات الشّرعيّة و ذهب بعضهم الى انّ اوّل الواجبات هو النّظر فيها لانه واجب اتّفاقا و هو قبلها و هو مذهب المعتزلة و الاوّل مذهب الاشاعرة و قيل هو اوّل جزء من النّظر لانّ وجوب الكلّ يستلزم وجوب اجزائه فاوّل جزء من النّظر واجب و مقدّم على النّظر المقدم على المعرفة و اختار ابن الحاجب و امام الحرمين انّه القصد الى النّظر لانّ النّظر فعل اختيارى مسبوق بالقصد المقدّم على اوّل اجزائه قال بعض المحقّقين و هذا النزاع لفظىّ اذ لو اريد الواجب بالقصد الاوّل اى اريد اوّل الواجبات المقصودة اولا بالذّات فهو المعرفة اتّفاقا و ان اريد الواجب مط فالقصد الى النّظر لانّه مقدّمة للنّظر الواجب مط فيكون واجبا ايضا و الحاصل انّهم أقاموا الادلّة العقليّة على انّ اوّل الواجبات هو المعرفة باللّه تعالى و عليه اكثر المحقّقين من الاماميّة و امّا الأخبار فقد استفاضت بل تواترت بانّ معرفة اللّه المجملة و هو انّه خالق للعالم و انّه قادر حكيم و نحوها من الأمور الفطريّة الّتى وقعت في القلوب بالهام فطرى الهىّ و ذلك نظير قول الحكماء انّ الطّفل معلّق على ثدى امه‏

بالهام فطرى الهىّ فلم يتعلّق بالمكلّف وجوب غيره الّا بعد بلوغ خطاب الشّارع و معرفة اللّه تعالى قد حصلت لهم بعد بلوغ الخطاب بطريق الالهام بل قيل انّ كلّ من بلغه دعوة النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقع في قلبه من اللّه تعالى يقين بصدقه لما تواترت به الاخبار من قولهم (ع) ما من احد الّا و يرد عليه الحقّ حتى ينصدع قلبه قبله او تركه فاوّل الواجبات هذا الإقرار اللّسانى بالشّهادتين على ما في الرّوايات انتهى كلامه دفع مقامه و للنّظر في كثير ممّا ذكره مجال لا مجال لذكره‏ قوله‏

حيث نقل كلاما للسّيّد المتقدّم‏

اه‏ اقول‏ نقل كلاما له من كتابه الانوار النّعمانية منتصرا له بانّه قد سبقه الى هذه المقالة الإمام الرّازى و هذا هو الّذى اشرنا سابقا الى انّه ممّا يقضى منه العجب‏ قوله‏

انتهى‏

اه اقول قد عرفت بعد التّامّل في كلمات هؤلاء الأفاضل بتمامها انّ حاصل ما افادوه و استدلّوا به على هذا التّفصيل انّ المطالب النّظريّة كثيرا ما يقع فيها الغلط و الاشتباه فلا يحصل القطع بها للنّاظر لانّه كلّما رتب البراهين بمقدّماتها المستلزمة للمطلوب منه من التّسليم بمقتضاها علمه الاجمالى بوقوع الخطأ في النّظر فيمتنع جزمه بالحكم و الجواب عنه اوّلا بالنّقض بالضّروريّات لوقوع الخطأ فيها ايضا كيف لا و مرجع النظريّات الى الضّروريّات حيث يعتبر فيها ان يكون مقدّماتها ضروريّة او راجعة اليها بالضّرورة و ان يكون استلزامها للمطلوب ايضا ضروريّا او راجعا اليه فوقوع الخطأ فيها مستلزم لوقوع الخطأ في الضّرورة فيلزم ان لا تكون حجّة و ثانيا بالحلّ و هو ما اشار اليه المص الأستاد (ره) بقوله فليت شعرى و توضيحه انّ النّاظر اذا علم بمقدمات مطلوبه و باستلزامها له على ما هو المعتبر في النّظر حصل له العلم بالمطلوب من غير تجويز لأن يكون نظره ذلك خطأ فانّ العقل مفطور على الإذعان بمقتضى ما انكشف له فكيف يجوز حصول القطع من الدّليل النّقلى على خلافه ليحصل التّعارض و يقدّم النّقلى لبعده عن الخطأ قوله‏

مع انّ العلم بوجود الصّانع‏

اه‏ اقول‏ فح لو احتمل الخطأ لادّى الى ابطال الشّرائع و الأديان لابتنائها على النّظر لاثبات الصّانع و قدرته و علمه و عدله و امتناع اظهار المعجزة على يد الكاذب الى غير ذلك بل نقول هذا الحكم‏

35

الّذى صدر عن القائل من وجوب تقديم النّقل بل حجّية انّما هو بالعقل كما لا يخفى فلو لم يعتبر باحكامه لزم عدم الاطمينان بذلك الحكم ايضا و بالجملة العقل اصل الاثبات العقائد و المعارف و ترجيح الرّاجح على المرجوح و غير ذلك فلا بدّ من الحكم بحجّيّة مدركاته و هذا هو الّذى ألجأ بعض المحقّقين منهم بالتّفصيل بين الأصول و الفروع في الحجّيّة و عدمها قوله‏

و كلما حصل القطع من دليل نقلىّ‏

اه‏ اقول‏ و من هنا اشترط من قال بامكان افادة الأدلّة النّقلية للعلم مط بعدم وجود معارض لها من حكم العقل و تفصيل هذا الإجمال انّهم اختلفوا في انّ الدّليل النّقلى هل يفيد اليقين و الجزم بعد اتّفاقهم على افادته الظّنّ فذهب كثير من المحقّقين الى العدم من حيث انّ ذلك يتوقّف على العلم بوضع الألفاظ الواردة في كلام المخبر الصّادق للمعانى المفهومة منها و بارادة المخبر ايّاها منها و ذلك موقوف على العلم بعصمة رواة العربيّة لغة و صرفا و نحوا عن الغلط و الكذب و عدم النّقل و الاشتراك و المجاز و الأضمار و غيرها و لا سبيل الى العلم المذكور بل غاية ما يمكن حصوله هو الظّنّ و المستند الى الظّنّ لا يفيد ازيد منه مع انّ وجود ما ذكر ايضا لا يكفى في افادة العلم بل يعتبر العلم بانتفاء المعارض العقلى ايضا اذ مع وجوده يجب تأويل النّقل و صرفه عن ظاهره اذ لا يجوز تصديقهما لامتناع اعتقاد حقيّة النّقيضين و لا تكذيبهما لامتناع اعتقاد بطلان النّقيضين و لا تصديق النّقل و تكذيب العقل لأنّه اصل النّقل كما لا يخفى و في تكذيب الأصل لتصديق الفرع تكذيب لهما جميعا و ما يفضى وجوده الى عدمه فهو باطل فان قيل الحصر غير حاصر لامكان ان يحكم بتساقطهما و كونهما بمنزلة العدم قلت المفروض حصول العلم من احدهما فلا وجه للحكم بالتّساقط اذ لا معنى لإلغاء المقطوع كما عرفت فان قيل لو جعلنا التّكذيب مساويا لعدم التّصديق لم يلزم من تكذيبهما اعتقاد ارتفاع النّقيضين و بطلانهما لأنّ معنى عدم تصديق الدّليل عدم اعتقاد صحّته و استلزامه لحقّيّة النّتيجة و هذا لا يستلزم بطلانها او اعتقاد بطلانها فغاية الأمر التّوقّف في الاثبات و النّفى قلت التّكذيب اخصّ من عدم التّصديق و يلزمه ما ذكر و هو ظاهر و ذهب جماعة من المحقّقين منهم العلامة الطوسى (ره) المحقّق التّفتازانى الى انّ الدّليل النّقلى قد يفيد القطع و اليقين اذ من الاوضاع ما هو معلوم بالتّواتر كلفظ السّماء و الأرض و العلم بالإرادة يحصل بمعونة القرائن بحيث لا تبقى شبهة كما في النّصوص الواردة في ايجاب الصّلاة و الزّكاة و نحوهما و امّا حديث العلم بعدم وجود المعارض من العقل فهو خال عن الصّعوبة في الشّرعيّات ان لا مجال للعقل فيها و امّا في العقليّات فهو و ان كان مشكلا في بادى النّظر الّا انّ نفى المعارض من لوازم حصول العلم بالوضع و الإرادة و صدق المخبر على ما هو المفروض في نصوص التّوحيد و البعث و نحوهما اذ العلم بتحقّق احد المتنافيين يفيد العلم بانتفاء الآخر فالعلم بنفى المعارض ممكن فافهم‏ قوله‏

فان قلت لعلّ نظر هؤلاء

اه‏ اقول‏ ملخّصه انّ القطع بالنّسبة الى الواقع يكون طريقا فلا يكون قابلا للجعل لكنّه بالنّسبة الى الحكم في مقام الامتثال و الإطاعة يكون جزء للموضوع و اذا كان كذلك امكن للشّارع ان يتصرّف في اسبابه مثل ان يشترط حصوله من النّقل‏ قوله‏

قلت اوّلا نمنع‏

اه اقول توضيحه على ما قرّره بعض الأفاضل انّ المراد بتوسّط الحجّة ان كان بالنّسبة الى الحكم الواقعى بمعنى تقييده به فيلزم الدّور لتوقّف قول الحجّة بوجوب شي‏ء او حرمته على كونه كذلك واقعا لئلا يلزم الكذب كما اشرنا و ان كان بالنّسبة الى مقام وجوب الإطاعة ففيه انّ الحكم بوجوب الإطاعة فيما يقطع بوجوبه او حرمته عقلىّ لا يقبل التّخصيص و الحكم بعدمه تناقض كما مرّ قوله‏

او على انّ المراد حبط ثواب‏

اه اقول هذا انّما يصحّ على القول بالإحباط و التّكفير و الّذى استقرّ عليه راى المحقّقين كالمحقّق الطّوسي (ره) في التّجريد هو بطلانهما مط و لعلّنا نتكلّم في بيانهما و حقيقة التّحقيق فيهما في موضع اليق و لعل مراده في المقام عدم حصول الثواب راسا من جهة عدم المعرفة قوله‏

او على غير ذلك‏

اه اقول مثل ان يقال انّ الصّدقة و ان كانت من جهة اشتمالها على الرّقّة و الرّأفة على العباد و الإحسان اليهم موجبة للأجر و الثّواب الّا انّها من جهة كونها من العبادات لعلّها يعتبر في كيفيّتها ما لا يعرفه الّا الإمام (عليه السّلام) كما في‏

الزّكاة الّتى هى من افرادها و كما في سائر العبادات فاذا لم تكن بدلالة ولىّ اللّه لم يحصل العلم بمطابقتها لما أراده اللّه تعالى فلا يمكن التّقرب بها ليترتّب عليها الثّواب و يمكن ان يقال في الجواب عن الاستدلال بهذا الخبر وجوه أخر منها انّه ليس في نفى استحقاق الثّواب دلالة على نفى صحّة العمل المستند الى الدّليل الغير النّقلى بمعنى اسقاطه للقضاء و المقصود هو الثّانى كما لا يخفى و منها ما ذكره بعض الأفاضل ممّن قارب عصرنا في فصوله و هو انّ المراد منه نفى استحقاق الثّواب في حقّ من لم يوال ولىّ اللّه و لم يكن عمله بدلالته و هو لا يقتضى نفى الثّواب في الموالى الّذى لا يكون عمله بدلالته اليه اذ الظّاهر من اللّفظ اعتبار الأمرين معا في الشّرطية لا يقال يكفى في ترتّب الحكم المذكور عدم الموالاة فلو لا استقلال العمل بغير دلالته عليه بذلك لكان اعتباره في الشّرطيّة لغوا لانّا نقول ينافى اعتبار الاستقلال حكم الإمام (عليه السّلام) بعدم الأيمان في ذيل الخبر فانّ الاجماع قائم على ايمان الموالى الذى عمل بغير دلالته (عليه السّلام) لا سيّما مع الغفلة و لا سبيل الى حمل الايمان فيها على الأيمان الكامل لانّ غير الموالى لا ايمان له اصلا فيمكن ان يكون حينئذ اعتباره (ع) لعمله من غير دلالة ولىّ اللّه اليه تاكيدا لما ذكره اولا من عدم موالاته له لكونه من خواصّه و لوازمه فلا ينافى ما ذكرناه و يمكن ايضا جعل الحكم الأوّل مترتّبا على كلّ من الأمرين على الاستقلال و الثّانى مترتّبا على الأوّل خاصّة فيدلّ على مدعى الخصم لكنه بعيد عن ظاهر اللّفظ هذا ما افاده و لا يخلو عن لطف و دقّة فتدبّر فيه‏ قوله‏

لانّ المرأة تعاقل الرّجل‏

اه‏ اقول‏ اى تساويه في الدّية من العقل بمعنى الدّية سمّيت به لأنّها تعقل لسان ولىّ المقتول و قيل لأنّ اصل الدّية كان الإبل فقوّمت بالذّهب و الفضّة من عقل البعير كذا في المجمع‏ قوله‏

(ع) انّك اخذتنى بالقياس‏

اه اقول لعلّه (ع) اراد انّك اردت ان تاخذنى متلبّسا بالقياس اى اردت ان افتى بمقتضى القياس او انّك اخذتنى حال كونك متلبّسا به و يحتمل ان يكون من المؤاخذة و المعنى اخذتنى و عاقبتنى باستعجابك و حكمك بانّ الذى ذكرته هو ما تعتقد انّ الشّيطان جاء به بسبب عملك بالقياس و ذكر في معناه شيخنا الأستاد النّجفى (دام ظله) انّ المراد انّك جعلت القياس حجّة على كما يقال اخذته بالرّواية اى جعلتها حجّة عليه و هو

36

اعرف و انس بالمحاورات العربيّة

[الثالث قد اشتهر فى السنة المعاصرين ان قطع القطاع لا اعتبار به‏]

قوله‏

قد اشتهر في السنة المعاصرين‏

اه‏ اقول‏ ذكره كاشف الغطاء و تبعه تلميذه شيخ الجواهر (ره) على ما حكى عنه و كذا صاحب الفصول و لم يعنون الأصحاب هذه المسألة بخصوصها و انّما تعرّضوا للبحث عن مسئلة تكون من جزئيّات هذه المسألة ايضا و كذا تعرّضوا لبعض مسائل الشّك و السّهو الناسية لهذه المسألة مثل ما ذكروا في حكم كثير الشّكّ و في مسئلة شرائط قبول الرّواية من اشتراط كون الرّاوى ضابطا فلا يقبل خبر غير الضّابط لكثرة السّهو و النّسيان المستلزمة للوقوع في الخطأ و يستفاد من امثالها حكم هذه المسألة ايضا كما استفاده كاشف الغطاء (ره) و قد يقال انّ مرادهم ما صار من قبيل المرض فهو في الحقيقة غير ما عنون في كثير الشّكّ فانه ناظر الى ما ينبعث من تشويش البال و لا يخفى انّه دعوى بلا دليل و كيف كان فالظّاهر انّ كلّ قطع صدر من القطاع ليس كذلك حتى القطع المستند الى الاسباب المعتبرة قوله‏

لكن ظاهر كلام من ذكره في سياق‏

اه‏ اقول‏ لا يخفى انّ كلامهم في المقام مشتبه المراد بالنّسبة الى محلّ الكلام من قسمى القطع الّا انّ ظاهر كلام من ذكره في سياق كثير الشك ارادة القطع الطّريقى فان قلت كيف يمكن استظهار ارادة القطع الطّريقى من ذلك مع انّ الشّكّ ممّا لا سبيل له الى الطريقية اصلا كما اشرنا فح يكون استظهار ارادة القطع الموضوعى انسب بذلك نظرا الى انّ الشّكّ قد يجعل موضوعا كما في الاحكام الظّاهرية قلت ليس محطّ النظر (ره) في الاستظهار جهة طريقية الشّكّ او موضوعيّته بل الشّكّ الّذى يذكرونه في بيان حكم كثير الشّكّ هو الشّك الملحوظ بالنسبة الى الواقع بمعنى انّ الشّكّ مع كثرته هل له حكم بالنّسبة الى الواقع بان يوجب رفع اليد عمّا هو عليه اوّلا فلا بدّ ان يكون المراد من القطع ايضا ما هو كذلك و ممّا يرشد الى ارادتهم القطع الطّريقى حكمهم بعدم حجّيته في حقّ القاطع بنفسه ايضا مع انّ القطع الموضوعى يعمل به القاطع و عدم حجّيّته و الاعتبار به انّما هو بالنّسبة الى غيره فالحاكم و الشّاهد يعملان بمقتضى قطعهما و ان لم يكن حجّة بالنّسبة الى غيرهما فتامّل‏ قوله‏

و ان اريد عدم اعتباره في مقامات‏

اه‏ اقول‏ حاصل الكلام في هذا المقام انّ الكلام في القطاع بالنّسبة الى قطعه يقع من جهات ثلاث تكليفه في نفسه و معاملة الغير معه و حكم انكشاف الخلاف في قطعه امّا الأولى فلا شكّ في انّه يعمل بمقتضى قطعه لانّه لو اريد منه ترك المقطوع و العمل بمقتضى الأصول و القواعد و الظّنون و جعله كالمعدوم فلا معنى له لأنّ القاطع حين هو قاطع لا يلتفت الى فساد قطعه و يكون غافلا عن خلافه و يمتنع تكليف الغافل ببداهة حكم العقل بل امتناع تكليف هذا القسم من الغافل اظهر من امتناع تكليف الغافل المحض الصّرف اذ لا يرد فيه الشّبهات الّتى اوردوها هناك مثل انّ الغافل يكون سبب امتناع توجيه التّكليف اليه جهله و الجاهل قد يفعل اتفاقا و حكم الشّي‏ء حكم مثله و كما جاز صدور الفعل او لا جاز صدوره ثانيا و ثالثا و هكذا فح جاز ان يعلم اللّه تعالى ايقاع الفعل من شخص اتّفاقا فلا يكون تكليفه حال عدم العلم تكليفا بالمحال و مثل انّ المعرفة باللّه تعالى و ردّ الأمر بها و يستحيل توجيهه على العارف لاستلزامه تحصيل الحاصل او الجمع بين المثلين و على غيره لأنّ المأمور قبل ان يعرف الشّي‏ء استحال منه ان يعرف الشي‏ء فقد كلّف من يستحيل منه العلم بالعلم مع انّ العلم بوجوب المعرفة الطّلب ان حصل قبل اتيانه بالنّظر فهو ح لا يمكنه ان يعلم ذلك الوجوب لاشتراطه بالإتيان بذلك النّظر فلو وجب قبل الإتيان به لوجب عليه في وقت لا يمكنه العلم فيه و هو تكليف الغافل و ان حصل بعده و عند الإتيان بالنّظر حصل العلم بالوجوب فلو وجب عليه ح تحصيل العلم بالوجوب لزم تحصيل الحاصل او الجمع بين المثلين و مثل انّ المجنون و النّائم و الغافل يوجب افعالهم الضّمان و مثل انّ اللّه تعالى خاطب السّكران بقوله‏ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ و لا شكّ انّه غافل الى غير ذلك من الشّبهات الّتى يمكن دفعها بادنى تامّل مضافا الى انّ الأمر بترك المقطوع يؤدّى الى التّناقض كما عرفت و لو اريد منه العمل بمقتضى القطع و مقتضى الأمارات او الأصول جميعا فذلك لو تم فانّما يتمّ في صورة التّوافق لا صورة التخالف سيّما اذا كان من قبيل التّباين و التّناقض كأدائهما الى الوجوب و الحرمة مع استلزامه التّناقض ايضا

لأنّ عمله بمقتضى القطع انّما هو من جهة كونه طريقا الى الواقع و بغيره يكشف عن عدم طريقيّته و امّا الثّانية فيقال فيها انّ ذلك الغير امّا ان يعلم بانّه أخطأ في قطعه او يشكّ نظرا الى وقوع الخطأ في قطعه احيانا و على الأوّل فامّا ان يتعلّق بحقوق اللّه تعالى او بما يتعلّق بحفظ النّفوس و الأعراض و الأموال الّتى يجب حفظها و على كلا التّقديرين يجب عليه ردعه من جهة النّهى عن المنكر بردعه عن الصّغرى بان يقول له فيما اذا قطع بكون شي‏ء خمرا انّه ليس بخمرا و الكبرى بان يقول له انّ الخمر لا يجب الاجتناب عنها لكنه يدخل في باب الإرشاد و لا يختصّ بالقطاع بل يجرى في الجاهل و الغافل ايضا و لقائل ان يقول انّ الملحوظ هو نوع القطع و لا فرق فيه بين المطابق للواقع و غيره فلا وجه لاختصاص المنع بالثّانى مع انّ ذلك لا يتمّ الّا بالنّسبة الى مرشد يطلع على الواقع و باطن الأمر و على الثّانى ففى وجوب الرّدع و عدمه بناء على مذاق المص (ره) وجهان من ان الارشاد هو هداية الضّال و المفروض انّه غير معلوم الخطأ و من تعميم مورد الارشاد بحيث يشمل صورة الاحتمال و امّا الثّالثة فالكلام فيها يقع تارة بالنسبة الى الأحكام التّكليفيّة و اخرى بالنسبة الى الاحكام الوضعيّة و الأوّل يقتضى ان يقال انّه ان ظهر من دليل الحكم ارادة المأمور به واقعا فلا بدّ من الإعادة بعد انكشاف الخلاف و ان ظهر منه ارادة المأمور به ظاهرا فلا يجب الإعادة و منه يظهر حكم الثّانى ايضا و انه يقتضى الحكم بالإعادة ح على وجه فافهم‏ قوله‏

و ان كان للاعتقاد مدخل فيه‏

اه‏ اقول‏ المقسم في التّرديدات المذكورة انّما هو القطع الطّريقى و هذا ناظر الى جهة الموضوعية كما لا يخفى‏ قوله‏

ثم انّ بعض المعاصرين‏

اه اقول هو صاحب الفصول (ره) و قد ذكر ذلك في باب الأدلّة العقليّة من كتابه في باب التّلازم بين حكم العقل و الشّرع في مقام الردّ على المحقّق القمى (ره) فيما اجاب به عن استدلال المنكرين للملازمة بينهما بقوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و هذه عبارته‏

37

و ذلك لأنّ استلزام الحكم العقلىّ للحكم الشّرعىّ واقعيّا كان او ظاهريّا مشروط في نظر العقل بعدم ثبوت منع شرعىّ عنده من جواز تعويله عليه و لهذا يصحّ عقلا ان يقول المولى الحكيم لعبده لا تعول في معرفة او امرى و تكاليفى على ما تقطع به من قبل عقلك او يؤدّى اليه حدسك بل اقتصر في ذلك على ما يصل منّى اليك بطريق المشافهة او المراسلة او نحو ذلك و من هذا الباب ما افتى به بعض المحقّقين من ان القطاع الّذى يكثر قطعه بالأمارات الّتى لا يوجب القطع عادة يرجع الى المتعارف و لا يعول على قطعه الخارج منه فان هذه انّما يصحّ اذا علم القطاع او احتمل ان يكون حجّية قطعه مشروطة بعدم كونه قطاعا فيرجع الى ما ذكره‏ قوله‏

و انت خبير بانّه يكفى‏

اه‏ اقول‏ ملخّص ما يورد به على هذا التّوجيه انّه يلزم عليه امور احدها انّه يلزم عليه ان يكون القطع قابلا للجعل مع انّه قد مرّ في اوّل الكتاب انّه حجّة بنفسه و ثانيها انّ القطاع اذا حصل له القطع بان حجّية قطعه مشروطة بعدم كونه قطاعا فننقل الكلام الى قطعه هذا بانّه هل هو معتبر أو لا و ثالثها انّ المنع من الشّارع غير معقول لأنّ منعه امّا ان يتعلّق بالصّغرى بان يقول انّ هذا الّذى قطعت بخمريّته مثلا ليس بخمر فح يلزم تكذيب الشّارع لأنّ قوله مخالف لما قطع به او الكبرى بان يقول لا يجب الاجتناب عنه فيلزم التّناقض على ما مرّ سابقا اقول و يرد عليه ايضا انّ التّعليق في حكم العقل غير معقول اذ لا يكون العقل شاكا و لا متردّدا في حكمه فالمقدار الّذى يحكم به منجز نعم يمكن تقييده الموضوع بقيد و هو غير التّعليق كما لا يخفى مع انّ مقتضى كلامه ايضا عدم المنع في قطع القطّاع فانّه ذكر انّه يجب ابقاء حكم العقل ما لم يمنع الشّرع و القطاع في صورة احتمال المنع لا يقطع بالمانع و احتمال المانع ليس بمانع الّا ان يكون مراده انّ التّعليق انّما هو في القطع المتعارف و يكون القطع من القطّاع مانعا ثمّ انّك اذا تأمّلت في كلامه المذكور في مسئلة التّجرّى و كلامه هذا علمت انّ بينهما تدافعا ظاهرا و تناقضا واضحا فتامّل‏ قوله‏

و العجب انّ المعاصر

اه‏ اقول‏ توضيحه انّ الكلام انّما هو في القطع الطّريقى و ظاهر مثاله يعطى انّ مراده من القطع هنا هو ما اخذ جزء من الموضوع مع انّ المثال الّذى ذكره غير منطبق على الممثّل له من جهة اخرى ايضا و هو انّ محلّ الكلام هو ما اذا كان القطع حاصلا للشّخص و ظاهر هذا المثال هو نهى المولى عن الخوض في الأسباب الموجبة للقطع‏

[الرابع ان المعلوم بالاجمال هل هو كالمعلوم بالتفصيل فى الاعتبار ام لا]

قوله‏

الرّابع انّ المعلوم اجمالا

اه اقول قد يتوهّم انّ العلم الإجمالي في نفسه غير معقول فضلا عن ان يكون معتبرا في مقام اثبات التّكليف و اسقاطه و ذلك لأنّ العلم الإجمالي عبارة عن صورة عقلية اجماليّة منتزعة عن امور متميّزة مفصّلة و هى ممّا لا يمكن تعقله لأنّ تلك التّفاصيل ان كانت معلومة وجب ان يتميّز كلّ منها عن الآخر فيكون التّفصيلى حاصلا و ان لم تكن معلومة لم يكن العلم بها حاصلا اصلا نعم ربّما كان حالة من حالاتها معلومة تفصيلا فما هو معلوم مفصّل و ما ليس بمفصّل ليس بمعلوم مع انّه يمتنع حصول صورة واحدة مطابقة لأمور مختلفة لانّ الصّورة الواحدة لو طابقت امورا مختلفة لكانت مساوية في الحقيقة لتلك الأمور فيكون لتلك الصّورة حقايق مختلفة فلا يكون صورة واحدة بل يجب ان يكون لكلّ واحد من الأمور المتكثرة صورة على حدة و لا معنى للعلم التّفصيلى الّا ذلك مضافا الى انّ المعلوم يقتضى ان يكون متميّزا كما هو قضيّة تعريف العلم و المعلوم الإجمالي غير متميّز فلا يكون معلوما اصلا و يمكن دفعه بانّ للعلم الإجمالي معنيين احدهما ان يكون المعلوم امرا مجملا منتزعا من امور مفصّلة متمايزة كما اذا علم الشّخص مسئلة ثمّ غفل عنها ثمّ سئل عنها فانّه يحضر الجواب في ذهنه و ليس ذلك بالقوّة المحضة فان عنده حالة بسيطة هى مبدا تفاصيل تلك المسألة و العلم الإجمالي بهذا المعنى واسطة بين العلم الاستعدادي اعنى القوّة المحضة ممّن يكون من شانه العلم سواء كانت قريبة من الفعل او بعيدة عنه و اطلاق العلم عليها مجاز و بين العلم التّفصيلى و هو ان يعلم الأشياء متمايزة في العقل منفصلة بعضها عن بعض ملحوظا كلّ واحد منها قصدا فيكون ذا جهتين جهة قوّة و جهة فعلية و ثانيهما ان يكون المعلوم امرا واحدا مردّدا بين امور مشتبها بينهما كما في العلم بحرمة احد الدّرهمين و نجاسة احد الإناءين و هذا الّذى ذكر من التّشكيك لو تمّ فانّما يتمّ في الأوّل دون الثّانى الّذى هو محلّ الكلام في المقام كما لا يخفى و التّحقيق انّ التّشكيك المذكور ضعيف من اصله و لو بالنّسبة الى المعنى الأوّل لانّ صورة تلك التّفاصيل حاصلة في الذّهن مجتمعة معا لكنّ العقل لم يحدق النظر الى كلّ واحد على حدة و لم يلتفت قصدا إلّا الى الجملة فاذا حدق النّظر في المسألة حصل له مرتبة التّفصيل و نظير هاتين المرتبتين في عالم الإحساس رؤية جماعة دفعة اولا و تحديق النّظر اليها ثانيا و لا شكّ انّه اذا علم المركّب بحقيقته حصل في الذّهن صورة واحدة مركّبة من صور متعدّدة بحسب تلك الاجزاء فيكون الأجزاء معلومة ح بلا اخطار و قصد و اذا فصلت الأجزاء كان العلم بها على وجه اقوى و اكمل و المفهوم الكلّى قد يلاحظ في نفسه و بهذه الملاحظة يحكم عليه لا على افراده و قد يجعل آلة و مرآة لملاحظة افراده فيصحّ حينئذ ان يحكم على تلك الأفراد دونه و به يندفع اشكال الانتزاع مع اختلاف الحقائق‏

[المقام الثانى و هو كفاية العلم الاجمالى فى الامتثال‏]

قوله‏

اذ لا خصوصية في المسألة الأخيرة

اه‏ اقول‏ فيه انّه لا يبعد الخصوصيّة فيها من حيث وجود الدّليل على عدم الجواز في الأوليين‏ قوله‏

لكن لا يبعد ذهاب المشهور الى ذلك‏

اه اقول يرشد الى ذلك شمول كثير من ادلّة المنع لكلتا الصّورتين مثل لزوم الغاء العلم بالوجه او قصده من الاحتياط و غيره من الوجوه المشتركة بينهما قوله‏

بل ظاهر كلام السّيّد الرّضى (ره)

اه اقول نقل الشّهيدان (ره) في الذّكرى و الرّوض عن السّيّد الرّضى (ره) انّه سئل اخاه المرتضى (ره) فقال انّ الإجماع واقع على انّ من صلّى صلاة لا يعلم احكامها فهى غير مجزية و الجهل باعداد الرّكعات جهل باحكامها فلا يكون مجزية و هذا السّؤال صدر من الرّسى ايضا على ما حكاه العلّامة (ره) في لف و اجاب المرتضى (ره) بجواز تغيير الحكم الشّرعى بسبب الجهل و ان كان الجاهل غير معذور قال في الرّوض بعد نقل ذلك حاصل هذا الجواب يرجع الى النّصّ الدّالّ على عذره و القول به متعيّن و قال شيخ الجواهر تبعا للمحقّق المقدّس الأردبيلى (ره) ما ملخّصه انّ الظّاهر من جواب السّيّد (ره) انّ مراده انّ الأحكام الشّرعيّة تختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال فيجوز ان يكون حكم الجاهل بالقصر وجوب الإتمام‏

38

عليه و ان كان مقصّرا غير معذور في ترك التّعلّم و ح فهو آت بالمامور به فيكون مجزيا و لا بأس بترتيب الشّارع حكما على فعل او ترك للمكلّف عاص به كما في مسئلة الضّدّ الّتى مبناها انّ الشّارع اراد الصّلاة من المكلّف و طلبها منه بعد عصيانه بترك الأمر المضيق مثل ازالة النّجاسة فهنا ايضا ياثم هذا الجاهل بترك التّعلّم و التّفقه المأمور بهما كتابا و سنّة الّا انّه لو صلّى بعد عصيانه في ذلك صحّت صلاته للدّليل و قيل انّ الظّاهر من كلامه التّفصيل بين الجاهل السّاذج و المركب فتصحّ العبادة من الأوّل دون الثّانى و لا شكّ انّ الاحتمال الثّانى اوضح من كلامه سيّما اذا لوحظ جوابه لهذه المسألة في اجوبة المسائل الرسية قال العلّامة (ره) في محكى المختلف ما صورته قال في المسائل الرّسية حيث قال له السّائل ما الوجه فيما يفتى به الطّائفة من سقوط فرض القضاء عمّن صلّى من المقصّرين صلاة المتمّم بعد خروج الوقت اذا كان جاهلا بالحكم في ذلك مع علمنا بانّ الجهل باعداد الرّكعات لا يصحّ معه العلم بتفاصيل احكامها و وجوهها اذ من البعيد ان يعلم بالتّفصيل مع الجهل بالجملة الّتى هى كالأصل و الإجماع على انّ من صلّى صلاة لا يعلم احكامها فهى غير مجزية و ما لا يجزى من الصّلاة يجب قضائه فكيف يجوز الفتوى بسقوط القضاء عمّن صلّى صلاة لا نجريه فاجاب (ره) بانّ الجهل و ان لم يعذر صاحبه بل هو مذموم جاز ان تتغير معه الحكم الشّرعى و يكون حكم العالم بخلاف حكم الجاهل و هذا التّوجيه اوجه من غيره من ارجاع الامر الأمر الى النّص كما عن الشّهيد و التّفصيل في الجهل كما عن غيره الّا انّ قيام الإجماع على ذلك مشكل و قد منعه المحقّق الأردبيلى (ره) في شرح الإرشاد بعد ان وجّه كلام السّيّد (ره) على الوجه المذكور بل منع تقرير السّيّد (ره) له ايضا ثمّ قال و لو صحّ فيختص ببعض الأحكام او مع عدم فعلها باحكامها بان يترك ما تبطل بسببه او يزيد فيها ما يبطلها ثمّ اطال الكلام في اثباته و لعلّنا نشير الى ما ذكره في مباحث المقصد الثّالث‏ قوله‏

ثبوت الإجماع على بطلان‏

اه‏ اقول‏ فيلزم حينئذ بطلان الصّلاة على وجه الاحتياط لأنّ المحتاط من حيث عدم علمه باحكامها اتى بها على ذلك الوجه‏ قوله‏

و هل يلحق بالعلم التّفصيلى‏

اه اقول مقابلة العلم التّفصيلى للعلم الاجمالى يلاحظ فيها الإمكان بخلاف مقابلة الظّنّ التّفصيلى له فالكلام في الظّن التّفصيلى يجرى في صورة وقوعه في الخارج مع تحقّق العلم الاجمالى و لا يختصّ بما اذا كان ممكن الحصول بخلاف العلم التّفصيلى فانّ النّزاع فيه يختصّ بالصّورة الثّانية لامتناع تحقّق العلمين الإجمالي و التّفصيلى في مقام واحد ثمّ انّ ملخّص الكلام في هذا المقام المبين لما رامه المص (ره) المحقّق العلّام حشره اللّه مع ساداته الائمّة الكرام انّ المقابل للعلم الإجمالي امّا هو الظّنّ المطلق الّذى يثبت حجّيته بدليل الانسداد او الظّنّ الخاصّ الثّابت حجّيته بالأدلّة الخاصّة و على التّقديرين فامّا ان يتوقّف الامتثال بالعلم الاجمالى اعنى الاحتياط على التّكرار في العمل او لا يتوقّف فيقع الكلام في مقامات اربعة الاوّل مقابلة الاحتياط بالظّن المطلق مع عدم توقّفه على التّكرار و التّحقيق فيه جواز تقديم الاحتياط عليه لانّ غاية ما افاده ادلّة حجّية الظّن المطلق جواز العمل بالظّنّ في مقابلة الاحتياط اللّازم او الجائز لا وجوبه و حرمة العمل بالاحتياط و منه يظهر وجه تعجّبه (ره) ممّن يعمل بالأمارات من باب الظّنّ المطلق و لا يجوز العمل بالاحتياط الثّانى مقابلته به مع توقّفه على التّكرار و في جواز تقديم الاحتياط فيه و عدمه وجهان ذكرهما المص (ره) و اوجههما هو الاوّل لما عرفت و ستعرف ايضا الثّالث مقابلته بالظّنّ الخاصّ مع عدم توقّفه على التّكرار و ظاهرهم جواز تقديم الاحتياط و ان استظهر المص (ره) منهم خلافه و سيأتي وجه التّقديم الرّابع مقابلته به مع توقّفه على التّكرار و الظّاهر عدم الفرق بينه و بين السّابق و اشتراكهما في جريان الأدلّة فيهما و التّحقيق ان يقال انّ إنّ الطريق الظني امّا ان يفرض فيه وجود مصلحة يتدارك بها مفسدة ترك الواقع او لا فعلى الثّانى فلا اشكال في جواز تقديم الاحتياط بل اولويّته اذ العمل به مشتمل على المصلحة النّفس الأمريّة الواقعيّة و دفع العقاب جميعا بخلاف العمل بالظّنّ لاشتماله على الثّانى فقط و على الأوّل يكون ظاهر المص (ره) و غيره هو اولويّة تقديم الاحتياط ايضا و ربّما يمنع ذلك فيه بانّ المفروض تدارك المصلحة الواقعيّة بالعمل بالظّنّ على هذا الفرض فلا يجرى فيه الدّليل المتقدّم مع امكان‏

توهين الاحتياط ح بما يلازمه من المشقّة و الحرج و امّا ما يقال في مقام توهين العمل بالظّنّ من انّ ادلّة حجّيته لا تثبت ازيد من امكان الاكتفاء به عن الواقع من جهة البناء على انّ مؤدّاه هو الواقع فجعله في عرض الواقع او تعيين الأخذ به ممّا لا تدل عليه كيف و لو دلّ على ذلك لدلّت على عدم جواز الرّجوع الى العلم التّفصيلى ايضا فهو في غاية السّقوط كما لا يخفى ثمّ انّه قد يتخيل في بادى النّظر ان كلام شيخنا المص (ره) في المقام مختلّ النّظام من جهة اشعاره بكون الظّن المطلق اعلى مرتبة من الظّنّ الخاصّ نظرا الى تقديم الأوّل على الثّانى في الذّكر اولا و استشكاله في جواز تقديم الاحتياط على الظّن الخاصّ فيما يتوقّف على التّكرار ثمّ ترجيح الجواز بل اولوية تقديمه ثانيا على وجه يظهر منه ضعف الظّنّ الخاصّ بالنّسبة الى الظّن المطلق و انت تعرف بعد النّظر الدّقيق انّ الأمر ليس كذلك امّا اوّلا فلأنّ محطّ نظر المص (ره) في هذه المباحث ترجيح جواز الاحتياط بحسب القاعدة حتّى في مقابلة العلم التّفصيلى غاية الأمر ان الاتفاق على خلافه مانع عنه ثمّة فهو في صدد رفع المانع عن جواز العمل به و ارتفاعه في صورة مقابلته بالظّن المطلق اوضح و اظهر كما لا يخفى مع انّ مسلكه (ره) و ان كان خارجا في الحقيقة عن المسلكين من اعتبار الظّن المطلق او الخاصّ كما ستعرف الّا انّه اشبه بالأوّل كما هو ظاهر عند الخبير بمسلكه على انّ الظّن المطلق عند مثبتيه كالظّن الخاصّ عند اربابه في الاعتبار و ان كان الثّانى اولى بحسب المرتبة الطّبيعية و امّا ثانيا فلأنّ المتامّل في مجامع كلماته لا يشكّ في اشديّة اعتنائه بالنّسبة الى الظّنّ الخاصّ سيّما قوله‏

(ره) فلا نسلمه الّا مع العلم بالوجه او الظّنّ الخاصّ‏

الخ و قوله‏

(ره) الّا انّ شبهة اعتبار نيّة الوجه‏

الخ حيث انّه يظهر منهما اولويّة الظّنّ الخاصّ من جهة عدم التزامه بجواز الاحتياط في مقابلته على القول باعتبار نيّة الوجه كالتزامه بجوازه في مقابلة الظّنّ المطلق فلا تغفل‏ قوله‏

و لأبطال هذه الشّبهة

اه‏ اقول‏ قد حقّقنا في زبرنا الفقهيّة عدم اعتبار قصد الوجه و لعلّنا نشير الى بعض ما حققناه فيما سياتيك و لقد اجاد المحقّق (ره) حيث قال في مقام ابطال هذه الشّبهة في بعض تحقيقاته على‏

39

ما حكاه في المدارك الّذى ظهر لى انّ نيّة الوجوب و النّدب ليست شرطا في صحّة الطّهارة و انّما يفتقر الوضوء الى نيّة القربة و هو اختيار الشّيخ ابى جعفر الطّوسى (ره) في النّهاية و انّ الإخلال بنيّة الوجوب ليس مؤثرا في بطلانه و لا اضافتها مضرّة و لو كانت غير مطابقة بحال الوضوء في وجوبه و ندبه و ما يقوله المتكلّمون من انّ الإرادة تؤثر في حسن الفعل و قبحه فاذا نوى الوجوب و الوضوء مندوب فقد قصد ايقاع الفعل على غير وجهه كلام شعرىّ و لو كان له حقيقة لكان النّاوى مخطئا في نيّته و لم تكن النّيّة مخرجة للوضوء عن التّقرب به و للّه درّ سيّد المدارك حيث استجود هذا الكلام بعد نقله كما استجودناه‏ قوله‏

فى الشّبهة الحكميّة

اه‏ اقول‏ قيّد الكلام بها لأنّ الكلام في اعتبار نيّة الوجه و اشتباهه‏ قوله‏

الّا انّه خلاف الاحتياط

اه اقول فوزان التقليد عند المانعين من الاحتياط للعامى وزان الظّن الخاصّ عند المانعين منه للمجتهد فكما انّ ما دلّ على اعتبار الثّانى دلّ على منعه بالنّسبة الى الثّانى فكذا ما دلّ على اعتبار الأوّل دلّ على منعه بالنسبة الى الأوّل‏ قوله‏

مع امكان ان يقال‏

اه اقول قد عنون القوم في كلماتهم عنوانات متناسبة و مباحث متقاربة ربّما يختلط احكامها بل نفس عنواناتها على المبتدى و لا يميزها حقّ التّمييز الّا الماهر الحاذق بل المنتهى و لا باس بان نشير اليها لئلّا تزل قدم بعد ثبوتها الأوّل انّه اذا اتّحد فعلان في الصّورة بحيث يحصل فيهما الاشتباه فهل يشترط في تحقّق الامتثال تعيين كلّ منهما بحيث يتميّز عن الآخر ام لا و من جزئيّاته مسئلة اعتبار نيّة الوجه و عدمه الّتى اشرنا اليها آنفا و لم يتعلّق غرضنا في المقام بتحقيق الحقّ في هذا المبحث الثّانى انّه اذا تعلّق الأمر بشي‏ء فهل يعتبر في حصول المأمور به الإتيان به على وجه القصد الى ذلك الفعل و ارادته او لا بل يحصل اذا صدر على وجه الغفلة و الذّهول او حال النّوم ايضا و الحقّ هو الأوّل لأنّ مفاد الأمر هو الإتيان بالفعل على سبيل القصد و الإرادة و ذلك لأنّ متعلّق الطّلب و ان كان مطلّق الطّبيعة لكن تعلّق الطّلب به انّما يكون مع تفطّن الفاعل به لوضوح استحالة التّكليف بالفعل مع غفلة المأمور عنه و ح فقضيّة تعلّق الطّلب بالطّبيعة هو الاتيان بالفعل على وجه القصد اليه فلا يندرج فعل الغافل في المأمور به مع انّ الظّاهر في العرف من متعلّق الطّلب ما يكون صادرا على وجه العمد دون الغفلة و نحوها الثّالث انّه اذا ورد الأمر بشي‏ء مطلقا فهل يعتبر في حصول المأمور به قصد الاطاعة و الامتثال او لا و بعبارة اخرى لو شكّ في كون وجوب الشّي‏ء تعبّديّا او توصّليّا بعد ثبوت اصله فهل هناك اصل يتمسّك به و هل يستفاد من الأدلّة شي‏ء من الأمرين او لا و التّحقيق انّ مقتضى الاصول العملية هو الثّانى لرجوع الشّكّ في ذلك الى الشّكّ في الشّرائط و الأجزاء لرجوع الشّكّ الى اشتراط زيادة قصد القربة على الفعل و عدمه و بالجملة يرجع الأمر فيه الى مسئلة الأقلّ و الأكثر و قد اخترنا فيها تبعا للمشهور الرّجوع الى البراءة و قد يفكّك بين هذه المسألة و بين مسئلة الأقلّ و الاكثر بالقول بالاحتياط هنا و البراءة هناك كما عن بعضهم او العكس كما عن بعض آخر و كذا مقتضى الاصول اللّفظية فانّ الظّاهر من اطلاق الأمر بشي‏ء هو كونه واجبا توصّليّا غير معتبر فيه قصد التّقرّب و الإطاعة لأنّ الظّاهر من حال المتكلم و كلامه انّه لو اعتبر قيدا لذكره فيعلم من عدم ذكره عدم اعتباره له فان قلت الوجوب المصطلح الّذى دلّ عليه الأمر بالالتزام نظرا الى ملاحظة حال الأمر بكونه ممّن يجب طاعته عقلا او شرعا على ما هو مقصود الأصولى من البحث يقتضى وجوب امتثال الأمر و اطاعته و لا شكّ انّ صدق الامتثال يتوقّف على كون اداء الفعل بقصد موافقة الأمر لا مط فلا يتّصف بالوجوب الّا ما وقع على الوجه المذكور قلت غاية ما يتوقّف عليه الوجوب المصطلح كون الأمر ممّن يقبح مخالفته و عصيانه و توقّفه على الزّائد من ذلك لا دليل عليه و كما انّ قضيّة امره هو ايجاب مطلق الفعل و ارادة حصوله سواء كان بقصد الامتثال ام غير فكذلك الوجوب اللّازم منه انّما يكون على ذلك الوجه ايضا فلا وجه لتقييد مدلول دليل الامر بذلك الّا ان يدل عليه دليل و ممّا حقّقناه ظهر لك انّ توهّم عدم جواز الرّجوع الى الإطلاق في مسئلتنا اعنى صورة الشّكّ في اصل‏

التّعبد كعدم جوازه في المسألة الآتية اعنى الشّكّ في اعتبار خصوصية في التّعبد بعد القطع باعتبار اصله ممّا لا اصل له و امّا القواعد الشّرعيّة المستفادة من الكتاب و السّنّة فقيل ان مقتضاها التّعبديّة فانّ الأوامر الدّالّة على وجوب اطاعة اللّه تعالى من الكتاب و السّنّة دالّة عليها نظرا الى عدم صدق الطّاعة الّا مع وقوع الفعل على وجه الامتثال و فيه اولا انّ تلك الأوامر مسوقة لبيان اصل وجوب الاطاعة بطريق القضيّة المهملة لا لبيان كيفيّتها مع ان الإطاعة يمكن تفسيرها بما يجرى في الواجبات التّوصلية ايضا مضافا الى انّها تعمّ بظاهرها امتثال الاوامر و النّواهى مع انّ جلّ النّواهى بل كلّها انّما يقصد منها ترك المنهى عنه من غير تقييد شي‏ء منها بملاحظة قصد الامتثال و الإطاعة و كذا الحال في الاوامر المتعلّقة بالواجبات التّوصليّة فلو بنى فيها على ظاهر معنى الإطاعة لزم تقييدها بالأكثر و هو مع مرجوحيّته في ذاته بعيدة عن سياق تلك الأدلّة حيث انّ ظاهرها وجوب الإطاعة في كل الأوامر و النّواهى و قد يتمسّك في ذلك بقوله تعالى‏ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ و سيأتي الكلام عليه في مباحث الاستصحاب إن شاء الله اللّه تعالى الرّابع انّه اذا ثبت كون الواجب تعبّديّا و شكّ و لو من جهة فتوى جماعة في انّ المقصود التّعبّد بايجاده و لو في ضمن امرين او ايجاده و متميّزا عن غيره فالتّحقيق عند الأستاد (ره) هو الثّانى و هو الأظهر لوجوب تحصيل القطع باتيان ما هو غرض للمولى و امّا تمسكه (ره) في ذلك بالأصل ففيه ما لا يخفى لأنّ حكم العقل بوجوب تحصيل القطع مترتّب على نفس الشّكّ فلا حاجة الى اجراء الأصل و هذا نظير ما لو شكّ في مشروعيّة شي‏ء من التّوقيفيّات فنفس الشّكّ بعد ثبوت التّوقيفيّة كان في الحكم بعدم المشروعيّة من غير حاجة الى التّمسّك بالأصل فيه و ربّما يتوهّم في بادى النّظر انّ ما ذكره المص (ره) هاهنا مناف لما بنى عليه في غير موضع من كلماته من انّه لو دار الأمر بين التّعيين و التّخيير فالأصل عدم التّعيين و ليس كذلك كما لا يخفى على المتامّل‏ قوله‏

و هذا ليس تقييدا في دليل تلك‏

اه‏ اقول‏ و ذلك لأنّه تمسّك بالاصول العمليّة و لا يخفى انّ الأصول اللّفظيّة واردة على الأصول العمليّة قوله‏

و حينئذ فلا ينبغى بل لا يجوز ترك الاحتياط

اه اقول توضيحه انّه اذ فرض الشّكّ المذكور المقتضى لعدم جواز الاحتياط

40

و الغاء الظّنّ لا يجوز للمكلّف اذا اراد التّكرار للاحتياط و الاطمينان ان يترك الاحتياط بان يحصل الواقع اوّلا بظنّه المعتبر بان ينوى الوجه المطابق له ثمّ ياتى المحتمل الآخر قربة الى اللّه و الحاصل ان المكلّف لو اراد الاحتياط في العبادة على الفرض فعليه ان يعمل اوّلا بما هو مقتضى الظّن الحاصل من احد الطّريقين على وجه التّميز ثمّ ياتى بالمحتمل الآخر بنيّة القربة قوله‏

لعدم وجوبه ظاهر

اه‏ اقول‏ لا يقال يمكن تحصيل قصد الوجه بقصد الاستحباب بعد فرض عدم وجوبه واقعا و لا ظاهرا فانّ الاحتياط مستحب لأنّا نقول قد قرّر في محلّه و سيأتي في هذا الكتاب انّ ادلّة رجحان الاحتياط لا تثبت استحبابه شرعا ثمّ انّ ظاهر المتن اختصاص هذا الحكم بصورة فرض وجوب قصد الوجه فلا يظهر الثّمرة المذكورة على القول بعدم اعتباره و ذكر بعض الأفاضل انّ الثمرة تجرى على القولين فطريق العمل اذا اريد التّكرار في هذا الفرض على القول الثّانى ان ياتى اوّلا بما قام الظّن المعتبر على وجوبه قاصدا فيه التّقرّب بخصوصه ثمّ ياتى بالمحتمل الآخر لاحتمال كونه واجبا مقربا ايضا هذا تمام الكلام في هذا المقام و بقى هاهنا امران ينبغى التّنبيه عليهما الاوّل انّ مقتضى وجوب تحصيل العلم التّفصيلى و ترجيحه على العلم الإجمالي في مقام الامتثال كما عرفت انّه لو دار الأمر بين قلّة اطراف الشّبهة و كثرتها قدّم الأقلّ على الأكثر فلو دار الأمر بين ان يصلّى في ثوبين مشتبهين او ثلاثة اثواب مشتبهة كان التّرجيح للأوّل لانّه بمنزلة العلم التّفصيلى بالنّسبة الى الآخر و يحتمل العدم و وجهه ظاهر الثّانى انّه لو دار الامر بين العلم التّفصيلى و الإجمالي بحيث يوجب العمل بالأوّل تكثر اطراف الثّانى و العمل بالثّانى اجمال الأوّل ففى ترجيح الأوّل نظرا الى اولويّة التّفصيل او الثّانى نظرا الى اولويّة التّقليل وجهان بل قولان و ظاهر المحكى عن نهاية الاحكام في كشف اللّثام هو الأوّل فانّه قال لو نذر تعدّد التّيمّم لكلّ صلاة فنسى صلاتين في يوم احتمل تعدّد التّيمّم لكلّ صلاة و الاقتصار على تيمّمين تجديديين و زاد في عدد الصّلاة فيصلّى بالتّيمّم الأوّل الفجر و الظّهرين و المغرب و بالثّانى الظّهرين و العشاءين فيخرج عن العهدة لأنّه صلّى الظّهر و العصر و المغرب مرّتين بتيممين فان كانت الفائتتان من هذه الثّلاثة فقد تعدّدت كلّ واحدة بتيمّم و ان كانت الفائتتان الفجر و العشاء فقد ادّى الفجر بالتّيمّم الأوّل و العشاء بالثّانى و ان كانت إحداهما من الثّلاث و الأخرى من الأخيرتين فكذلك الى ان قال و الضابط ان يزيد في عدد المنسى فيه عدد الا ينقص عمّا يبقى من المنسىّ فيه بعد اسقاط المنسى و ينقسم المجموع صحيحا على المنسى كالمثال فانّ المنسىّ صلاتان و المنسىّ فيه خمس زيد عليه ثلاثة لانّها لا تنقص عمّا يبقى من الخمسة بعد اسقاط الاثنين بل تساويه و المجموع هو ثمانية ينقسم على الاثنين على صحّة الى ان قال لكن يشترط في خروجه عن العهدة بالعدد المذكور ان يترك في كلّ مرّة ما يبتدأ به في المرّة الّتى قبلها و يأتى في المرّة الأخيرة بما بقى من الصّلوات فلو صلى في المثال بالتّيمّم الأوّل الظّهرين و العشاءين و بالثّانى الغداة و الظّهرين و المغرب فقد اخلّ بالشّرط اذ لم يترك في المرّة الثّانية ما ابتدأ به في المرّة الأولى و انّما ترك ما ختم به في المرّة الأولى فيجوز ان يكون ما عليه الظّهر او المغرب مع العشاء فبالتّيمّم الأوّل صحّت تلك الصّلاة و لم يصحّ العشاء بالتّيمّم الثّانى فلو صلّى العشاء بالتّيمّم الثّانى خرج عن العهدة و ذهب شيخ الجواهر في اوائل كتاب الطّهارة منه الى الثّانى فقال ردّا على ما في النّهاية لعلّه لا يخلو دعوى مشروعيّة زيادة الصّلاة كما ذكر محافظة على التّجديد المنذور من تامّل و نظر بل و منع بل المتّجه ح تجديد التّيمّم لكلّ واحدة من الخمس اذ كما انّ الصّلاتين متردّدتان في الخمس فكذا التّيمّمان و مع فرض عدم التّمكّن من ذلك يسقط المتعذّر و اعترض عليه بانّ الامتثال يحصل مع الإجمال على كلّ حال الّا انّه على الاول في المنسى و على الثّانى فيه و في المنذور و الأوّل اولى و هو حسن لو لا حديث الشّكّ في مشروعيّة زيادة الصّلاة

[اما المقام الاول و هو كفاية العلم الاجمالى فى تنجز التكليف و اعتباره كالتفصيلى‏]

قوله‏

انّ للعلم الإجمالي صورا

اه‏ اقول‏ لا يخفى انّ كلام المص (ره) الأستاد في تصوير هذه الصّور لا يخلو عن حزازة امّا اوّلا فلعدم تكفّله لبيان قسمى الشّبهة اعنى الحكميّة و الموضوعيّة بحيث يمتاز كلّ منهما عن الآخر و امّا ثانيا فلتداخل اقسامهما في الذّكر و امّا ثالثا فمن جهة الأمثلة و امّا رابعا فلعدم استيفائه الأقسام و كلامه في التّقسيم في المقصد الثالث احسن و اوفى كما لا يخفى او الأولى ان يقال في مقام التّقسيم و التّشقيق انّ الشّبهة المتعلّقة للعلم الاجمالى امّا ان تكون حكمية و امّا ان تكون موضوعيّة و الاولى ما يكون الاشتباه فيها من جهة الحكم الكلّى الصّادر من الشّارع كما في المثال الثّانى المذكور في المتن ام من جهة الأمر الكلّى الّذى تعلّق به الخطاب مع تبيّن نفس الخطاب كما في المثال الأوّل المذكور فيه و كما في بعض مسائل القصر و الإتمام ام من جهة كليهما معا كما في المثال الثّالث المذكور فيه و سواء كان الاشتباه على كلّ تقدير من جهة عدم النّصّ ام من جهة اجماله ام من جهة تعارض النّصّين في بيان الخطاب او متعلّقه و الثّانية ما يكون الاشتباه فيها من جهة اشتباه مصداق متعلّق الحكم الجزئى مع تبيّن الحكم الكلّى و تجرى فيها الأقسام الثّلاثة الأولية المذكورة الّا انّه يعتبر التّقسيم فيها بالنّسبة الى الخطاب و المتعلّق الجزئيّين و في الأولى بالنّسبة الى الخطاب و المتعلّق الكلّيّين كما عرفت و لا يجرى فيها الأقسام الثّانوية المذكورة لانحصار جهة الاشتباه فيها في الأمور الخارجيّة و لذا يكون رفعه ايضا بالأمور الخارجيّة و ليس من وظيفة الشّارع و ان رجع اليه حقيقة ايضا من وجه آخر و يعبّر عن القسم الأوّل من الأقسام الثّلاثة في كلّ منهما بالشّكّ في التّكليف و الثّانى بالشّكّ في المكلّف به و الثّالث بالشّكّ فيهما فيصير تمام الاقسام الأوّلية و الثّانويّة فيهما اثنى عشر قسما و لو لوحظ انقسام الشّبهة الموضوعيّة من جهة الاشتباه في المكلّف به او المكلّف بشقّيه ازدادت الأقسام و لو فرض جريان هذا التقسيم في الشّبهة الحكميّة كما ربّما يحتمل ازدادت به ايضا قوله‏

الّا انّه ورد في الشّرع‏

اه‏ اقول‏ المراد انّه ورد موارد يظهر منها في بادى النّظر ذلك لانّها كذلك حقيقة و لذا قيّده بايهام الخلاف فلا حاجة الى تفسير الورود و الوقوع بالوقوع و لو في اعتقاد الغير قوله‏

بل ظاهر كلام الشّيخ‏

اه اقول سيأتي الكلام فيه مفصّلا قوله‏

دفعة او تدريجا

اه اقول انّ القائلين بجواز ارتكاب الكلّ يخصّونه بصورة الارتكاب التّدريجى لإمكان ان يقال‏

41

فيها انّ غاية ما يلزم منه هو تحصيل العلم به كما لا يخفى فحينئذ يمكن بارتكاب الحرام و هو ممّا لا دليل على حرمته كما سيجي‏ء بخلاف صورة الارتكاب الدّفعى فانّه من قبيل ارتكاب الحرام لا تحصيل العلم به كما لا يخفى فحينئذ يمكن ان يمنع على هذا القول جواز مثل المعاملة المذكورة و ان تصرف في المشتبهين تدريجا اذ المفروض انّ الثّمن هو المجموع و اشتراء الجارية في الذّمّة و اداء الثّمن منهما تدريجا خلاف الفرض‏ قوله‏

و منها حكم الحاكم بتنصيف العين‏

اه‏ اقول‏ سيأتي الكلام في هذه المسألة و سائر المسائل الّتى تليها في مباحث البراءة فانتظر قوله‏

الثّانى انّ الحكم الظّاهرى‏

اه اقول و من هنا يعلم انّ ما ايّد به المحقّق القمّى (ره) القول بكون الألفاظ موضوعة للأعمّ من المعانى الصّحيحة من انّ المؤمنين لا يتفحّصون في الأعصار و الأمصار من مذهب الإمام في جزئيّات مسائل الصّلاة مثل انّه هل يعتقد وجوب السّورة او ندبها و يأتمّون به بعد ثبوت عدالته و كذا لا يتفحّص احدهم عن حال المصلّى اذا اراد ان يعطيه شيئا لأجل النّدر اذا لم يعلم مذهبه و صحّة صلاته في نفس الأمر و ليس ذلك الّا لأجل كون الألفاظ اسامى للأعمّ لأنّ حمل فعل المسلم على الصّحة غايته افادة الصّحّة عنده و تكليف النّاذر ملاحظة الصّحيح عنده المطابق لنفس الأمر خال عن التّأييد اذ لو سلّم انّ اصالة الصّحة لا تفيد ازيد من ذلك فالصّحّة عنده يكفى من هذه الجهة فلا بدّ ان يترتّب عليها آثار الصّحّة من الايتمام و اعطاء المال المنذور و نحوهما فذلك من باب البناء على ظاهر الحال و لو على القول بالوضع للصّحيحة كيف و لو لا ذلك لوجب التّفتيش بالنّحو المذكور على القولين فيما لو نذر شيئا لمن يصلّى صلاة واجبة او مندوبة ضرورة عدم اتّصاف الفاسدة بشي‏ء منهما و لا اظنّه و لا غيره يلتزمان بذلك و الحاصل انّ الصّحيح عند العامل يقتضى ترتيب آثار الصّحة عليه نعم لا ريب في انّ ذلك مشروط بكون العامل مكلّفا بالعمل به كما في الأحكام الثّابتة باجتهاد اهل الحقّ بالنّسبة الى ذلك المجتهد و من يقلّده فيه فلو لم يكن مكلّفا به في حكم الشّرع بان لم يكن تكليفا شرعيّا و لو ثانويا في حقّه كما في صلاة المخالفين صحّ الحكم بفساده شرعا و منه ينقدح انّ سقوط القضاء عن المخالف اذا استبصر فيما اتى به على الوجه الصّحيح عنده ليس من باب الصّحّة بل من باب العفو و الأسقاط كما عليه جماعة من المحقّقين و انّ استحباب الاقتداء بهم و الدّخول في صفوفهم كما نطق به الأخبار ليس من باب الصّحّة كيف و من شرائط الإمامة الأيمان بالمعنى الخاصّ هذا اذا بنينا على المماشاة و الّا فلا نستوحش ان نقول انّ الأصل المذكور يقتضى الحكم بالصّحّة الواقعيّة كيف و لو لا ذلك لم يقم للمسلمين سوق لاختلافهم في احكام الذّبائح و الجلود و غيرهما و اشتباه العوام كثيرا في الأحكام فيزعمون صحّة ما هو فاسد عند العلماء فلو بنى على عدم افادة الأصل المذكور للصحّة الواقعيّة لم يمكن الحكم بصحّة اكثر العقود و الايقاعات و العبادات و لم يجز اخذ شي‏ء من اللّحوم و الجلود و لو من اهل الحقّ الّا بعد التّجسّس و التّفحّص و هو ممّا يقضى الضّرورة بفساده‏ قوله‏

و كذا الأخذ ممّن وصل اليه نصف الدّرهم‏

اه‏ اقول‏ هكذا في بعض النّسخ و في بعضها ضرب على هذه العبارة الى لفظ التّحالف خطّ المحو و لعلّ السّرّ فيه عدم جريان التّوجيه المذكور في هاتين المسألتين و هو ان لم يجر فيهما على الوجه الظّاهر في جريانه في غيرهما الّا انّه يجرى فيهما بتقريب آخر ذكره المص (ره) في مباحث الشّبهة المحصورة من باب اصل البراءة قوله‏

مع عدم كون احدهما المعيّن‏

اه اقول لا شبهة في خروج صورة دوران الأمر بين التّعبّديّين كالصّلاة في الواجب و مفطرات الصّوم في الحرام بناء على وجوب الكفّ عنها بقصد الامتثال لا مط عن محلّ البحث و دخولها في المخالفة العمليّة و لا في دخول صورة دوران الامر بين التوصليين مع اتّحاد زمانهما فيه لامتناع خلوّ المكلّف عن الفعل و التّرك الموافق كلّ واحد منهما لواحد منهما و لا يضرّ فيه قصد الإباحة بعد فرض انّ المقصود هو التّوصّل و انّما الأشكال في صورة دوران الأمر بين التعبدى و التّوصّلى سواء تعيّن الأوّل ام كان مبهما في نظرنا و انت بعد التّامّل تقدر على ادخال الشّقّ الثّانى في محلّ النّزاع بلا مئونة تكلّف اذ مع اختيار احد الأمرين من الفعل و التّرك بعنوان الإباحة يحتمل الموافقة

العمليّة كما يحتمل المخالفة لأحتمال كون حكم الواقعة توصّليّا سقط بما صدر منه من الفعل و التّرك فيبقى الأشكال في الشّقّ الأوّل و ظاهر شيخنا المص (ره) في المقام كصريحه في مباحث البراءة خروجه عن محلّ البحث و دخوله في المخالفة العمليّة و اعترض عليه بمنع ذلك على اطلاقه اذ قد يختار المكلّف الإتيان بما يكون موافقا للحكم التّوصّلى فلا يقطع بالمخالفة من حيث العمل و اجاب (ره) عن ذلك في الدّرس بان اخذ القيد المذكور ليس لاخراجه عن محلّ البحث مط بل لبيان انّه ليس داخلا فيه و هو كما ترى لكن اهل البيت ادرى‏ قوله‏

كطهارة البدن و بقاء الحدث‏

اه‏ اقول‏ كلّ من الطّهارة و النّجاسة ينقسم الى ظاهرىّ و باطنىّ فالنّجاسة الظّاهريّة هى الّتى يعبّر عنها بالخبث و الباطنية هى الّتى يعبّر عنها بالحدث و هو الأثر المعنوى و الحالة الواقعيّة الباطنيّة الّتى تعرض المكلّف عند عروض احد اسباب الوضوء و الغسل و التّيمم المانع من المشروط بها المتوقّف رفعه على النيّة و الطّهارة المقابلة للاولى يعبّر عنها بالغسل بالفتح و ما في حكمه و بالطّهارة من الخبث و المقابلة للثّانية باحد الامور الثّلاثة المذكورة و بالطّهارة من الحدث و معنى كون الطّهارة او النّجاسة باطنية انّها لم يظهر منها اثر في ظاهر البدن و ان كان حدوثها بواسطته فتتعلّق في الحقيقة بباطن الإنسان و حقيقته و هو النّفس و الرّوح لا بمعنى انّها من الكيفيّات النفسانيّة القائمة بالنّفس كالعلم و الإدراك و نحوهما بل بمعنى انّ لها مدخليّة بل تاثيرا في مقام تكميل مرتبة الإنسان و تقليلها بل تذليلها كسائر الصّفات الرّذيلة من البخل و الحسد و غيرهما مع امكان ان يقال بانّ النّفس متأثّرة منهما تحلية و تخلية كما في نظائرهما و كيف كان فموضوع الطّهارة الظّاهريّة هو البدن و موضوع الحدث هو باطن الإنسان او هو مع ظاهره على وجه فهما حكمان لموضوعين مختلفين‏ قوله‏

لمن توضّأ غفلة

اه‏ اقول‏ وجه التّقييد بالغفلة ظاهر فانّ الوضوء بالمائع المردّد بين المائية و البوليّة مع الالتفات غير معقول كيف و من شرائطه قصد التّقرّب الغير الممكن في محلّ الفرض فيكون الوضوء فاسدا فلا يكون من صور الدّوران بين الحكمين كما لا يخفى‏ قوله‏

امّا في الشّبهة الموضوعيّة؟؟؟

42

اقول ملخّص ما ذكره (ره) من الفرق بين الشّبهتين انّ الحكم لا بدّ له من موضوع محقّق الموضوعيّة فاذا بنى على عدم تحقّق الموضوع و لو يحكم الأصل لم يلزم طرح الحكم و الغاء دليله اذ مقتضى الدّليل ثبوته في الموضوع و المفروض عدم تحقّقه فيكون الأصل الجارى في الموضوع في الحقيقة حاكما على دليل الحكم مبيّنا له ففى المثال المذكور في المتن بعد اجراء الأصلين يثبت عدم تعلّق الحلف باحد الامرين فلا يلزم طرح ما دلّ على وجوب الوفاء بالحلف فلا يجب الالتزام بالحكم فيمكن الإخراج الموضوعى و لو من باب الحكومة باجراء الأصل في الشّبهة الموضوعيّة بخلاف الشّبهة الحكميّة فانّ الحكم الثّابت فيها بالأصل كالإباحة مثلا في عرض الحكمين المعلوم ثبوت احدهما فيكون الأصل الجارى فيها منافيا لنفس الحكم الواقعى المعلوم اجمالا فلا يمكن الاخراج الموضوعى فيها فاجراء الأصل في الشّبهة الموضوعيّة اسهل من اجرائه في الشّبهة الحكميّة و من هنا ترى انّ من يستشكل في حجّية الأصول المثبتة كمحقّقى هذه الاعصار لا يستشكل فيما اذا اثبت بالأصل موضوع الحكم الشّرعى من دون مدخليّة له في اثبات امر اجنبىّ سواه كما اذا اثبت بالأصل براءة ذمّة الشّخص الواحد لمقدار من المال واف بالحجّ ليصير مستطيعا فيتعلّق به الحجّ فيكون شان ذلك الأصل رفع المانع الّذى هو الدّين لا وجوب الحجّ اذ هو ثابت بادلّته في موضوعه من غير حاجة الى معونة الأصل فيه و الحاصل انّ دائرة جريان الاصل في الشّبهة الموضوعيّة وسيعة نفيا و اثباتا فان قلت كيف يجرى الأصل للغرض المذكور مع ثبوت العلم بتحقّق احد الحكمين و هل هذا الّا مخالفة صريحة للعلم الإجمالي و لو بنى على ذلك لم يتحقّق مصداق للمخالفة الالتزاميّة في الشّبهة الموضوعية و هو كما ترى قلت هذا الإيراد انّما نشأ من عدم التّامّل و التّعمّق فيما قرّرناه فنقول توضيحا لما ذكرناه ان غاية ما يمكن ان يدّعى في المقام تحقّق العلم الإجمالي بثبوت احد الحكمين لما يليق موضوعا له لا لما يراد جعله موضوعا له و هذا الموضوع المعيّن قد خرج باجراء الأصل عن لياقة كونه موضوعا اذ المفروض حكومته نعم يتمّ ما ذكر اذا فرض كون هذا الأصل في عرض الحكمين و هو مم في الشّبهة الموضوعيّة فذلك العلم الاجمالى لا يمنع من جريان الأصل أ لا ترى انّا لا نجرى الاصل في طرفى المشتبهين بالشّبهة المحصورة بالمعنى المعروف استنادا الى معارضة الأصل في كلّ منهما بمثله و كون جريانهما معا منافيا للعلم الإجمالي فلم لا نقول هنا بعدم جريان الأصل استنادا الى المعارضة فاحدس من ذلك انّ العلم الاجمالى مانع ثمّة و ليس مانعا هاهنا و اظهر الفرق بينهما بالتّامّل العميق و النّظر الدّقيق و ممّا ذكرنا تعلم انّه لا يبعد دعوى استلزام المخالفة الالتزاميّة للمخالفة العمليّة في الشّبهات الموضوعيّة فيما تحقّقت فيه و ما قد يقال في مقام الاعتراض على المص الاستاد (ره) من انّ ما ذكره لو تمّ للزم جواز المخالفة للعلم الإجمالي بحسب العمل ايضا يدفعه التّامّل في مجامع كلماته فليتامّل‏ قوله‏

و وجوب الالتزام بالحكم الواقعى‏

اه‏ اقول‏ اعلم انّ الأحكام الإلهيّة على ثلاثة اقسام احدها ما يكون الاعتقاد فيه مطلوبا بالذّات كالاصول الاعتقاديّة المتحقّقة بالاعتقادات القلبيّة الّتى لا مدخل للعمل فيها و لا شبهة في وجوب الالتزام و التّديّن بها و عدم جواز المخالفة الالتزاميّة فيها و ثانيها ما لا يكون الاعتقاد مطلوبا فيه كذلك بحيث يتحقّق بدونه بل بالتزام خلافه ايضا كالواجبات التّوصّليّة الّتى يكون المطلوب فيها وقوع الفعل كيفما اتّفق حتّى اذا اتى المكلّف بها لا بعنوان انّها واجبة تحقّق المقصود كغسل الثّوب مثلا و ثالثها ما يكون ذا جنبتين بمعنى انّ الاعتقاد و الالتزام ليس مطلوبا فيه بالذّات لكنّه شرط في تحقّقه بحيث لو عرى عنه لم يقع على وجهه كالواجبات التّعبّديّة الّتى اخذ فيها اعتبار قصد التقرّب الّذى لا يتحقق الّا بالالتزام و التّديّن بها و محلّ الكلام هاهنا هو الثّانى كما لا يخفى ثمّ اعلم انّ للالتزام مراتب عديدة الاولى التّدين بحقيقة كلّ ما جاء به النّبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الاعتقاد به و التّسليم و الانقياد له كما دلّ عليه كثير من الآيات و الأخبار مثل قوله تعالى‏ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً على احد التّفسيرين و قوله عزّ و جلّ‏ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي‏ الآية و قوله عزّ من قائل‏ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و مثل ما ورد في الأخبار ممّا دلّ على مطلوبيّة تسليم الرّسول و تسليم امره و عدم مخالفته مضافا الى عمومات مطلق المخالفة للاحكام الإلهيّة حتّى انّه ورد ما (1) مضمونه انّ ادنى الشّرك تسمية

الحصاة نواة و بالعكس الى غير ذلك من الآيات و الأخبار و الثّانية العزم على العمل بما اتى به النّبىّ (ص) بعد ان تحقّق المرتبة الأولى كما دلّ عليه الآيات و الأخبار ايضا كبعض ما تقدّم كقوله تعالى‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ* الآية و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) اذا امرتكم بشي‏ء فاتوا منه ما استطعتم فتامّل و الثّالثة التّدين بالعناوين المجعولة من قبل الشّارع بعد تحقّق المرتبتين الأوليين بان يجعل ما اوجبه واجبا و ما ندبه مندوبا فلا يغيّر شيئا من العناوين الى غيره متعمّدا و ان لم يكن عن عناد و مخالفة و يدلّ عليه بعض ما تقدّم و الرّابعة قصد العنوان في مقام الفعل و يعبّر عنه بقصد الوجه ثمّ انّ كلام المص (ره) هاهنا مشتبه المراد فان كان مراده من الالتزام هو المعنى الأوّل فلا شك في وجوبه و عدم الفرق فيه بين الأصول و الفروع من العبادات بل لا شكّ في ان تركه ممّا يوجب الكفر الواقعى و الظّاهرى ان وقع جحودا و عنادا او الظّاهرى فقط بمعنى ايجابه اجراء احكامه الظّاهرية ان وقع قصورا و استضعافا على احد الوجهين الّذى اختاره المحقّق القمّى (ره) نعم لا ننكر انّه تابع لمقدار العلم بتلك الاحكام فان علم الحكم تفصيلا وجب التّديّن به كذلك و ان علم اجمالا وجب التّديّن به كذلك بل لا نضايق عن قبول مثل ما ذكره (ره) في مباحث البراءة من انّ الواجب في صورة العلم الإجمالي التّديّن بثبوته في الواقع فلا ضير في الالتزام باباحته ظاهرا و بالجملة فوجوب الالتزام بهذا المعنى ممّا لا يمكن انكاره بالنّسبة الى شي‏ء من الموارد غاية الأمر انّه يعتبر في معرفة الملتزم به في الأصول الاعتقاد القطعى و يكفى في غيرها الاعتقاد الظّنّى و ان كان مراده هو المعنى الثّانى على بعد فيه فهو الّذى ذكره بعض المحقّقين انّه من لوازم الأيمان و ان اعترض عليه البعض بانّه لا معنى له اذ لو اريد به انّه لازم من لوازم الأيمان و تابع لحصوله فهو مم لأنّ نفس الاتيان بالواجبات و ترك المحرّمات ليس من لوازم الأيمان فكيف العزم‏

____________

(1) رواه ثقة الاسلام في الكافى عن يزيد العجلى عن ابى جعفر (ع) قال سألته عن ادنى ما يكون له العبد مشركا قال قال للنّواة انّها حصاة و للحصاة انّها نواة ثمّ دان به منه (دام ظله)

43

عليه كيف و لو كان ذلك من لوازم الأيمان لما صحّ تعلّق التّكليف بها بعد حصول الأيمان و ان اريد انّ وجوبه من الأحكام التّابعة للأيمان فليس هناك وجوب للعزم قبل حصول الأيمان و انّما يجب ذلك بعد حصوله ففيه انّ الكفّار مشاركون لأهل الأيمان في ذلك حينئذ على القول بكونهم مكلّفين بالفروع فلا وجه لتخصيصه باهل الأيمان و هذا الاعتراض كما ترى ضعيف و الانصاف انّ الالتزام بهذا المعنى ايضا واجب غاية الأمر انّ تركه ليس موجبا للكفر كما في الأوّل و ان كان مراده المعنى الثّالث فما ذكره حقّ و لا يرد عليه ان مقدّميّة الالتزام للعمل مط ممنوعة لما اشرنا و ان كان مراده المعنى الرّابع كما يشعر به‏ قوله‏

(ره) الّا انّه فعله لا لداعى الوجوب‏

الخ فمع انّه بعيد في نفسه لا يلائم مسلكه من عدم اعتبار قصد الوجه في العمل و ح فيحمل هذه العبارة الّتى ادّعينا اشعارها بذلك على بيان صورة فعل الواجب على وجه يخلو عن الالتزام بالوجوب نظرا الى انّ المكلّف لو اراد الإتيان بالفعل بداعى الوجوب لم ينفك ذلك عن الالتزام به فافهم‏ قوله‏

و لو فرض ثبوت الدّليل‏

اه‏ اقول‏ توضيحه انّه لو فرض ثبوت الدّليل على وجوب الالتزام بحكم اللّه الواقعى لا الالتزام بما يحتمل الموافقة للحكم الواقعى فلا ينفع في صورة العلم الإجمالي بالحكم فاذا جرى الأصل بالنّسبة الى الحكمين المحتملين و لم يلتزم باحدهما لم يكن في ترك الالتزام طرح لما دلّ على وجوب الالتزام بالحكم الواقعى اذ هو متفرّع على موضوعه و المفروض انتفائه بحكم الأصل فاصالة عدم كلّ من الحكمين و ان كانت منافية للعلم الإجمالي الّا انّها حاكمة على ادلّة وجوب الالتزام بالحكم الشّرعى لرفعها الموضوع فهى كالأصل الجارى في الشّبهة الموضوعيّة قوله‏

و لكن التّحقيق‏

اه اقول حاصله انّه لو فرض قيام الدّليل على وجوب الالتزام حتّى مع العلم الإجمالي لم يكن الأصل الجارى في المقام من قبيل الاصل الجارى في الشّبهة الموضوعية ليكون حاكما على دليل وجوب الالتزام لاستلزامه المخالفة القطعيّة العمليّة بالنسبة الى ذلك الدّليل هنا بخلافه في الشّبهة الموضوعيّة كما لا يخفى و هذا الكلام بظاهره مناف لما ذكره في مباحث البراءة و قد اشرنا اليه من انّه لو ثبت الدّليل على وجوب الالتزام فانّما يدلّ على وجوبه بالنّسبة الى الحكم الواقعى و لا يلزم من الرّجوع الى الأصل ترك الالتزام بهذا المعنى اذ الحكم بالإباحة الظّاهريّة لا ينافى الالتزام بكون الحكم الواقعى هو احد الحكمين اذ الالتزام به متحقّق في الواقع و وجوب الالتزام بخصوص الحكم من الوجوب و الحرمة في صورة العلم التّفصيلى يثبت من مقدمة خارجيّة تثبت كون الحكم الصّادر من الشّارع هو الحكم المعيّن المخصوص و ليس مستندا الى دليل وجوب الالتزام و بذلك يندفع ما يقال انّ الالتزام باحدهما و ان لم يكن واجبا الّا انّ طرحهما و الحكم بالإباحة طرح لحكم اللّه الواقعىّ و هو محرّم و عليه يبنى عدم جواز احداث القول الثّالث فيما اذا اختلف الأمّة على قولين يعلم بدخول الإمام (عليه السّلام) في احدهما قوله‏

فهذا لا يمكن ان يثبت بذلك الخطاب‏

اه‏ اقول‏ و ذلك للزوم استعمال اللّفظ في اكثر من معنى مضافا الى لزوم اجتماع التّعيين و التّخيير في الشّي‏ء الواحد فانّ المفروض هو التّخيير الواقعى كما هو ظاهر قوله‏

الّا ان يقال انّ المدّعى‏

اه اقول توضيحه انّ محذور تحصيل الحاصل يرتفع بان يكون مراد المدّعى للخطاب التّخييرى انّه يحصل من الخطاب ما لا يحصل بدونه و هو انّه يكون ح صدور الفعل او التّرك مع الالتزام بالحكم لا على سبيل الاتّفاق من دون التزام بالحكم فهو يدعى ثبوت الخطاب بسبب ان يقصد و يستفاد منه التّعبّد و الالتزام باحد الحكمين لا مجرّد التّوصّل الى العمل بمضمون احدهما و بالجملة المراد من اثبات الخطاب امكان التّعبّد و الالتزام و ممّا بيّناه في معنى العبارة ينقدح ضعف المناقشة فيها بانّ مفروض البحث دوران الأمر بين الحكمين التّوصّليّين فكيف يمكن للقائل بوجوب التّخيير القول بلزوم قصد التّعبد بالنّسبة الى مختاره‏ قوله‏

اطلاق القول بالمنع‏

اه اقول بمعنى انّه لا يجوز فيه المخالفة الالتزاميّة و ان لم تستلزم المخالفة العمليّة ايضا قوله‏

و قاسه بعضهم على العمل‏

اه‏ اقول‏ المراد من البعض صاحب الفصول (ره) فانّه قال في جملة كلام له في تلك المسألة ما لفظه و التّحقيق انّه ان قام دليل من اجماع او غيره على المنع من التّفصيل مط و لو بحسب الظّاهر او قام على احد القولين او الأقوال ما يكون حجّة باعتبار افادة الواقع لم يجز التّفصيل و الّا جاز الى ان قال و لنا على‏

الجواز في الصّورة الثّانية عدم قيام دليل صالح للمنع فيجب اتباع ما يقتضيه الأدلّة الّتى مفادها الظّاهر و ان ادّى الى القول بالتّفصيل و خرق الإجماع و لا يقدح العلم الإجمالي ببطلان احد القولين بحسب الواقع لأنّ ذلك لا ينافى صحّتها بحسب الظّاهر كما يكشف عنه ثبوت نظائره في الفقه في موارد كثيرة كقولنا بصحّة الوضوء بالماء القليل الّذى لاقى احد الثّوبين المشتبه طاهرهما بالنّجس و بطلان الصّلاة فيه مع انّ هذا التّفصيل باطل بحسب الواقع قطعا و لا ريب انّ في كليهما طرحا اه اقول فظاهر هذين القولين انّ معقد الإجماع عدم جواز طرحهما من حيث العمل لانّ لازم كلّ من القولين جواز طرحهما من حيث الالتزام فلا يثبت اجماع على عدم الجواز من هذه الحيثيّة و معه لم يبعد التزام جوازه ثمّ انّ الكلام في ظهور كلام الشيخ (ره) في التّخيير الواقعى و عدمه يأتى في مباحث البراءة مستوفى إن شاء الله اللّه تعالى‏ قوله‏

نعم ظاهرهم في مسئلة

اه‏ اقول‏ استظهاره ذلك في المقام ينافى جزمه بعدم وجوب الالتزام باحد الحكمين في مباحث البراءة ثمّ انّه اذا فصل في المقام بالقبول اذا ازيد الإباحة العقليّة و الردّ اذا اريد الإباحة الشّرعيّة كما احتمله بعضهم لم يكن بعيدا قوله‏

و ان اختلفوا بين قائل بالتّخيير

اه اقول يظهر وجههما من لزوم طرح الحكم الشّرعى الّذى هو وجوب الالتزام على فرض اجراء الأصل و سيجي‏ء تفصيل الكلام فيهما قوله‏

و الأنصاف انه لا يخلو عن قوّة

اه اقول توضيحه انّ ترك الالتزام و ارتكاب المخالفة الالتزاميّة في المقام يستلزم المخالفة القطعيّة العمليّة اذ المكلّف بعد البناء على عدم وجوب التزامه باحد الحكمين له ان يختار الفعل تارة و التّرك اخرى و في كلّ منهما مخالفة لأحد الحكمين و العقل لا يفرق في مقام الحكم بقبح المخالفة القطعيّة العمليّة بين صورة وقوعها دفعة و في واقعة و بين وقوعها تدريجا و في واقعتين لانّ مناط الحكم و هو القبح موجود فيهما لا يقال المخالفة التّدريجيّة ممكنة لا قبح فيها و الدّليل عليه‏

44

الوقوع كما في المخالفة القطعيّة الحاصلة من الحكم بتخيير المقلّد استمرارا بين قولى المجتهدين مع انّهما ربّما اختلفا في القول بالحرمة و الوجوب و لا شبهة في انّ العمل بهما موجب للمخالفة القطعيّة كما فيما نحن فيه لأنّا نقول العقل يحكم بقبح مخالفة الشّارع فيما حكم به و هى انّما تتحقّق مع عدم ثبوت اذن من الشّارع فيها و امّا معها كما في مورد النّقض فلا الّا انّ الشّأن في جواز اذن الشّارع بهما و هو ممّا يابى عنه العقل كما لا يخفى على المتامّل ثمّ انّه ربّما يعترض عليه بانّه لا يلزم من الحكم بالاباحة المخالفة القطعيّة لإمكان ان يختار المكلّف احد الأمرين من الفعل و التّرك و يد من عليه من غير عدول الى الآخر و ما اجاب به بعض السّادة الأجلّة من انّ هذا التزام بالقول بالتّخيير فيه انّ مجرّد الادمان على احد الأمرين اعمّ من التّخيير الّذى لازمه الالتزام باحدهما فربّما يكون ذلك من باب الاعتياد او السّهولة او الصّعوبة طلبا للآخر الافضل او غير ذلك من غير التزام الّا انّ الأنصاف انّ ترخيص المكلّف في كلّ منهما و جعله مطلق العنان مظنة المخالفة القطعيّة شأنا اذ ليس له مانع يمنعه عنها كما هو المفروض‏ قوله‏

و يمكن استفادة الحكم‏

اه‏ اقول‏ بيانه انّ الأخبار وردت بالتّخيير عند تعارض الخبرين و يستفاد من فحواها جريانه فيما نحن فيه ايضا فانّه اذا لم يجوز الشّارع المخالفة للحكم الظّاهرى فالمخالفة للحكم القطعى اولى بعدم التّجويز و قد يثبت ذلك بتنقيح المناط بتقريب انّ المستفاد منها وجوب الأخذ باحد الحكمين و ان لم يكن على كلّ واحد منهما دليل معتبر معارض بدليل آخر و اعترض (ره) على هذا الاستدلال في مباحث البراءة بانّه قياس مع الفارق توضيحه انّ الوجه في حكم الشّارع هناك بالأخذ باحدهما هو انّ الشّارع اوجب الاخذ بكلّ من الخبرين المفروض استجماعهما لشرائط الحجّية فاذا لم يمكن الأخذ بهما معا فلا بدّ من الأخذ باحدهما فجعلها الشّارع من باب الأسباب في هذا المقام و ان قلنا بان حجّيتهما من باب الطّريقيّة و هذا التّكليف الشّرعى في المسألة الاصوليّة يعنى مقام الالتزام و التديّن غير التّكليف المعلوم تعلّقه اجمالا في المسألة الفرعيّة يعنى مقام العمل بواحد من الفعل و التّرك بل و لو لا النّص الحاكم هناك بالتّخيير لأمكن القول به من هذه الجهة بخلاف ما نحن فيه اذ لا تكليف الّا بالأخذ بما صدر واقعا في هذه الواقعة و الالتزام به حاصل من غير حاجة الى الأخذ باحدهما من غير حاجة الى الأخذ باحدهما بالخصوص ثمّ ايّد (ره) هذا الوجه ببعض فقرات تلك الأخبار و سيأتي بيانه في محلّه‏ قوله‏

فالظّاهر عدم جوازها

اه‏ اقول‏ بل الحقّ الحقيق بالتّصديق هو ذلك كما صرّح به في مباحث البراءة لاستقلال العقل في الحكم به لتحقق وجود المقتضى له و عدم تحقّق المانع عنه فانّ قول الشّارع اجتنب عن الخمر يشمل الخمر الموجود المعلوم المشتبه بين الإناءين و لا وجه لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلا لاستلزامه خروج الفرد المعلوم اجمالا عن كونه حراما في نفس الأمر و دون التزامه خرط القتاد حتّى لو قلنا بانّ الألفاظ موضوعة للمعانى المعلومة لظهور انّ المراد هو الأعمّ من المعلوم على وجه الإجمال و مجرّد الاشتباه الظّاهرى مع تحقّق الحرام الواقعى في البين غير مانع عن تنجّز التّكليف كما عرفت و ستعرف ايضا قوله‏

سواء كانت في الشّبهة الموضوعيّة

اه اقول لا يخفى ما في العبارة من الحزازة حيث لم يات بذكر الشّبهة الحكميّة الّتى هى معادلة لما ذكره و لا بدّ من ذكرها بعد ام التّسوية الّا في ضمن المثال‏ قوله‏

قلت اصالة الطّهارة

اه اقول ملخّص الجواب انّ موضوع النّجس هو الاناء الموجود المردّد بين الإناءين و مجرى الأصل هو خصوص كلّ منهما فجرى الأصل غير موضوع الحكم و موضوع الحكم غير مجرى الأصل فلا ينفع اجراء الأصل في الإخراج الموضوعى فجريانه مع العلم الاجمالى بحيث يترتّب عليه ارتفاع الحكم غير ممكن في نفسه و لو سلّم فيمنع من جهة اخرى و هى انّه مستلزم للتّناقض لانّ مؤدّاه بعد الجريان عدم وجوب الاجتناب المنافى لوجوب الاجتناب المستفاد من قوله اجتنب عن النّجس‏ قوله‏

فتامّل‏

اه‏ اقول‏ و في بعض النّسخ فافهم و لعلّ وجهه انّ المدار في المعصية و ترتّب العقاب على ما علم سابقا على المخالفة العمليّة فلا يلزم بدونها قبح حتّى في الشّبهة الحكميّة و ح فلا فائدة في ارجاع الأصول الجارية في الشبهة الموضوعية المستلزمة للمخالفة العمليّة الى معارضة نفس الحكم لأنّ العقاب يترتّب عليها من دون ملاحظة المعارضة للحكم ايضا و قيل انّ وجهه المنع من كون مرجع‏

اصالة الطّهارة الى عدم وجوب الاجتناب المخالف لقول الشّارع اجتنب عن النّجس من حيث كونها حاكمة على ادلّة وجوب الاجتناب عن النّجس‏ قوله‏

احدها الجواز مط

اه اقول توضيحه انّ النّهى لا يمكن تعلّقه بالأمر الانتزاعي المردّد بين الامرين فلا يكون المكلّف عالما بنوع الخطاب و معه لا يمكن التّكليف كما لا يخفى‏ قوله‏

الثّانى عدم الجواز مط

اه اقول ملخّصه ان العقل مستقل بقبح المخالفة القطعيّة و الأصل يجدى في رفع تكليف خاصّ اذا لم يستلزم عدم وجود تكليف آخر كما في المقام‏ قوله‏

الثّالث الفرق بين الشّبهة

اه اقول يظهر من بعضهم تفصيل آخر غير هذا التّفصيل و هو الفرق بين ما يكون منها مجرى الاصول العمليّة فيجرى فيه الأصل مع العلم الاجمالى و بين ما يكون مجرى الأصول اللّفظية فلا يجرى فيه مثال الأوّل ما اذا ثبت العلم اجمالا بانّ النّجس امّا هو عرق الجنب بالحرام او العصير العنبى فانّ اصل الطّهارة يقتضى طهارة كلّ منهما و هو ينافى المعلوم اجمالا من نجاسة احدهما فالاجتناب عنهما يوجب طرح الأصل و مثال الثّانى ما ورد من انّ الإمام (عليه السّلام) سئل عن امرأة صلت تماما بحذاء الامام المصلّى قصرا قال لا بأس فنفى البأس امّا عن المحاذات او اقتداء من عليه التّمام بمن عليه القصر فعلمنا بذلك انتقاض احد الحكمين و السّرّ في هذا التّفصيل انّ العلم الاجمالى و ان لم يكن معتبرا موهن للظّهورات نظير القياس فلا يجرى الأصل فلا يجوز المخالفة القطعيّة و امّا الاصل العملى فليس حجّيته من باب الظّهور فلا يضرّ فيه العلم الإجمالي و قد يفرق في الشّبهات الموضوعية بين الشّبهة الوجوبيّة و التحريميّة بانّ الواجب امر وجودى يحتاج الى الإيجاد المفتقر الى قصد العنوان فلا يكفى العلم الاجمالى بخلاف الحرام فانّه يحتاج الى التّرك فليس الأمر فيه كذلك قيل و هذا التّفصيل لا يجرى في الشّبهات الحكميّة فافهم‏ قوله‏

كما يظهر من كلماتهم في مسائل الإجماع‏

اه‏ اقول‏ هذا ناظر الى ما ادّعاه بالنّسبة الى الشّبهة الحكميّة اذ لا شكّ انّ ذلك من قبيل العلم الإجمالي بالحكم لا بالموضوع قوله الّا انّه حاكم هو خصوص كلّ منهما فمجرى الاصل‏

45

عليه لا معارض له اه اقول اورد عليه بانّ هذا الاستدراك ممّا لا وجه له ضرورة انّ التّعارض لا ينفكّ عن التّنافى كما انّ الحكومة لا تنفكّ عن عدمه و لذا خرج الحكومة عن تعريف التّعارض في خاتمة الكتاب مع انّه بعد فرض الحكومة لا يمكن المنع من الرّجوع الى الأصل و يمكن توجيهه بوجه يندفع له كلا الايرادين و هو ان يكون مراده انّ الأصل في الموضوع مناف لنفس الدّليل الواقعى الّا ان هذا في النّظر البدوى و امّا النّظر الدّقيق فيحكم بانّه حاكم لا معارض و هذا و ان كان بعيدا بحسب اللّفظ الّا انّه قريب بحسب المعنى‏ قوله‏

فافهم‏

اه‏ اقول‏ لعلّه اشارة الى انّ ما ذكر ليس وجه الضّعف و انّ المدار و المناط في ترتب العقاب على المخالفة ليس ذلك فلا يجدى الفرق بين المقامين بما ذكر بل الضّعف من جهة ما بيّنا من انّ التّحقيق انّ العقاب ليس الّا على المخالفة العمليّة و هى هنا موجودة و معها لا يمكن المصير الى الجواز قوله‏

الرّابع الفرق بين كون الحكم‏

اه اقول الظّاهر انّ هذا المفصل لم يفرق في تفصيله بين صورتى الاتّحاد و الاختلاف بين الشّبهة الموضوعيّة و الحكمية فملخّص مذهبه انّ المخالفة لا تجوز في صورة الاتّحاد الصّنفى كان يتردّد الأمر بين وجوب شي‏ء و وجوب شي‏ء آخر او حرمة شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر و تجوز في صورة الاختلاف الصّنفى سواء كان من قبيل الاختلاف في الوجوب و الحرمة او من قبيل اختلاف عنوان الموضوع في طرفى الشّبهة كان يدور الأمر بين ان يكون احد المائعين امّا خمرا و امّا مغصوبا و سيأتي تفصيل الكلام في ذلك‏ قوله‏

و الوجه في ذلك انّ الخطابات‏

اه اقول ملخّصه انّ المخالفة في هذا الفرض ترجع الى مخالفة الخطاب التّفصيلى بخلاف غيره اذ لا يرجع الخطابات فيه الى خطاب واحد و الأنصاف انّ بناء المبنى المذكور منهدم و به ينهدم بناء المبنىّ لما ذكره السّيّد الأستاد من انّ المراد من رجوع الخطابات الى خطاب واحد في صورة الاتّحاد ان كان حصول المعصية بمخالفة كلّ منها ففيه انّه لا فرق في ذلك بين صورتى الاتحاد و الاختلاف و ان كان رجوعها اليه حقيقة و في نفس الأمر فيكون بمنزلة العامّ الأصولىّ المنحلّ الى الخطابات عديدة فلا شاهد عليه و ان كان انتزاع خطاب واحد منها فمع عدم كون مثل ذلك الخطاب الانتزاعي مناطا للتّكليف و مدارا لاستحقاق الثّواب و العقاب كما هو ظاهر يجرى مثله في صورة الاختلاف غاية الأمر انّ الأمر الانتزاعى فيها يكون اعمّ و ابعد من الأمر الانتزاعي في الصّورة الأولى‏ قوله‏

و الأقوى من هذه الوجوه‏

اه‏ اقول‏ وجه التّرتيب المذكور انّ القوّة و الضّعف في الوجوه انّما يحصلان من الأبعديّة عن الاعتراض و الأضعفيّة في المعارض و اذا لوحظ ذلك يحكم بالترتيب المذكور لأنّ العقل مستقلّ بقبح المخالفة و لا يرفعه مجرّد تردّد الخطاب بعد تحقق حكم واقعىّ من قبل الشّارع و حينئذ فامّا ان يسلّم حكم العقل بذلك او لا فعلى الأوّل كما هو التّحقيق بحيث يعد مخالفته مكابرة فلا وجه للإطلاق الأوّل و لا التّفصيل باحد الوجهين و على الثّانى فلا وجه للتّفصيل اصلا لعدم مدخليّة خصوصيّة من الخصوصيّات مع انّ مناط الجواز تردّد الخطاب و هو حاصل في كلتا الشّبهتين و كلتا الصّورتين ثمّ ان كان و لا بدّ من التّفصيل فالتّفصيل الأوّل اقوى لعدم معقوليّة الثّانى كما عرفت مع ما مرّ الإشارة اليه من وقوع المخالفة القطعيّة في الشّبهات الموضوعية كثيرا لو قطع النّظر عمّا يرد عليه كما سنذكره في مباحث البراءة قوله‏

فقد عرفت انّه يقع تارة

اه اقول بعبارة اخرى الاشتباه قد يقع في نوع المكلّف و قد يقع في شخصه‏ قوله‏

امّا الكلام في الأوّل‏

اه اقول لا بدّ فيه من التكلّم في اربعة مقامات تكليف كلّ واحد منهما في نفسه و تكليف كلّ مع الآخر و تكليف كليهما او كلّ واحد منهما مع الغير و تكليف الغير مع كليهما او كلّ واحد منهما و لم يتعرّض المص (ره) للأخيرين بشقيهما و كانّه لعدم ترتّب حكم عليه في ذينك المقامين و يمكن تصوير الفائدة في معاملتهما مع الغير في مسئلة كونهما مكملين لعدد مستمعى خطبة الجمعة قوله‏

فمحصّله انّ مجرّد تردّد التّكليف‏

اه‏ اقول‏ قد يقال انّ جريان الاصل في المقام بالنّسبة الى كلّ من الشّخصين انّما هو من جهة ما سيجي‏ء في مباحث البراءة من انّه لو خرج بعض اطراف الشّبهة عن الابتلاء جرى الأصل في غير ذلك البعض لعدم المعارض و هو على اطلاقه غير جار في المقام كما لا يخفى‏ قوله‏

فيقبح عقاب واحد من الشّخصين‏

اه اقول و بذلك يفرق بين ما نحن فيه و بين الشّبهة المحصورة فما ذكره سيّد المدارك تبعا لشيخه المحقّق الأردبيلى (ره) من انّ الفارق بينهما ورود النّصّ في الشّبهة المحصورة و لولاه لاشتركا في الحكم لا وجه له‏ قوله‏

فان قلنا انّ الدّخول‏

اه اقول لا شبهة في انّ الأفعال المرتبة كالايجاد و الوجود و الإيجاب و الوجوب و نحوهما مرتّبة بالظهور تقدّم العلّة على المعلول و السّبب على المسبّب طبعا كما لا اشكال في اختلافهما و ترتّبهما بحسب الذّهن و انّما الاشكال في انّهما هل يتحقّقان بتحقّق واحد او لا و يظهر من المص الأستاد (ره) في اوائل بيع كتاب المكاسب ان الأفعال المترتّبة بعضها على بعض قسمان احدهما ما يكون فيه الفعل المرتّب داخلا في حقيقة الفعل المرتّب عليه كالكسر و الانكسار و ثانيهما ما لا يكون كذلك كالإيجاب و الوجوب فانّه بعد ما اثبت انّ تعقب القبول ليس له دخل في معنى البيع و ان كان شرطا لتحقّق الانتقال في الخارج نظرا الى عدم انفكاك التّاثير عن الأثر قال فالبيع و ما يساويه معنى من قبيل الإيجاب و الوجوب لا الكسر و الانكسار كما تخيّله بعض انتهى و التّحقيق انّ الأفعال التوليدية الحاصلة بتأثير السّبب كالكسر و الانكسار تكون مترتبة على المولد عنها و ان لم تكن مترتبة حسّا بمعنى انّه لا يمكن التّفكيك بينهما الّا انّ ما نحن فيه ليس من ذلك القبيل فيفرق بين الإدخال و الدّخول الّذى يكون من قبيل الكسر و الانكسار و الايجاد و الوجود بمعنى ان يترتب الدّخول على الإدخال ترتب الأثر على المؤثّر و المسبّب على السّبب و الدّخول و الادخال فيما نحن فيه بمعنى ان يدخل الحامل فيتحقّق به ادخال المحمول فانّهما و ان كانا مختلفى المفهوم قطعا الّا انّه لا ترتب بينهما طبعا فيمكن ان يقال انّه دخل فادخل الغير او ادخله فدخل اذ المفروض انّه حامل له فادخاله عين دخول نفسه فاذا تحقّق الحركة الواحدة المحققة للدّخول تحقّق الادخال ايضا فليس كلّ واحد منهما اولى بالمؤثّريّة و الأثريّة من الآخر و ان كان الدّخول اولى بالمؤثّرية من الادخال في بادى النّظر فيتحقق فيما نحن فيه ادخال و دخولان احدهما دخول الحامل و الثّانى دخول المحمول الحاصل من ادخاله و المترتّب‏

46

هو الثّانى و امّا الأوّل فليس بمرتّب و لا مرتب عليه و الحاصل انّهما كالكلّيّتين الصّادقين على جزئىّ من الجزئيّات لا انّهما مترتّبان و لا انّهما متحققان معا و لا يصدقان على حركة واحدة كما توهّم و كيف كان فملخّص ما ذكره المص (ره) انّا ان قلنا بانّ الدّخول و الإدخال انّما يتحقّقان بحركة واحدة كما هو التّحقيق فيلزم مخالفة العلم التّفصيلى و ان لم يعلم سببه و قد تقدّم انّ القطع الطّريقى لا يفرق بين اسبابه و انّ العلم التّفصيلى المتولّد عن العلم الاجمالى كغيره من العلوم التّفصيليّة و الّا فان قلنا بانّ المحرّم هو القدر المشترك بينهما كان من المخالفة القطعيّة ايضا و ان قلنا انّ كلّا منهما عنوان مستقلّ دخل في المخالفة للمعلوم الإجمالي و قد مرّ الكلام فيها قوله‏

و كذا من جهة دخول المحمول‏

اه‏ اقول‏ اورد عليه بانّ غاية ما يجرى في هذا الفرض هو الوجه الأخير دون الأولين فان كلا من الاستيجار و الدّخول محرّم مستقلّ قطعا فما يظهر من العبارة من جريان الوجوه الثّلاثة فيه ممّا لا وجه له و يمكن دفعه بانّ المراد هو التّشبيه في الوجه الأخير دون الأولين فلا يلزم محذور اصلا و امّا ما يقال في دفع الإيراد من انّ المراد من الاستيجار هو الأثر المترتّب عليه كركوب المستاجر لعدم كون اجراء الصّيغة بمجرّدة محرّما اذا لم يقع بقصد التّشريع ففيه ما لا يخفى اذ الرّكوب ايضا من فعل المحمول و هو عنوان مستقلّ غير الدّخول و لو اريد الإدخال المتحقّق في ضمنه بعد الرّكوب فيرجع الى الفرض الأوّل‏ قوله‏

و امّا الكلام في الخنثى‏

اه قول الأنسب ان يقال و امّا الكلام في الثّانى كما لا يخفى ثمّ انّ الكلام في الخنثى تارة يقع في العبادات الصّادرة منها و اخرى في المعاملات الحاصلة منها و ثالثة في الاحكام المتعلّقة بها و يقع من جهة اخرى تارة في احكامها بالنّسبة الى نفسها و اخرى في معاملتها مع الغير و اخرى في معاملة الغير معها امّا الأحكام فمنها الإرث و المشهور انّ ميراثها نصف مجموع النّصيبين اعنى نصيب الذكر و نصيب الانثى و يمكن ان يقال باستحقاقها ميراث الأنثى لأنّ الأصل عدم الذّكوريّة و هو كان في نفى الزّائد من ميراثها و لا يعارضه اصالة عدم الأنوثية لعدم العبرة بالأصول المثبتة و امّا المعاملات فمنها مسئلة تلك العمودين و شبهها فاذا بنينا على جواز التّمسّك بالأصل في حقّها ما لم يقم على خلافه دليل كما هو الحقّ يحكم ببقاء ملكها لمن ينعتق عليها على تقدير كونها ذكرا و ببقائها على ملك من ينعتق عليه على تقدير كونها انثى و منها مسئلة النّكاح و سيأتي الكلام فيها و امّا العبادات فقد يقال انّ ميزان جريان الأصل و عدمه فيها كون الشّكّ في التّكليف او كونه من قبيل الشّك في المكلف به فيجرى في الاوّل كما في مسئلة صلاة الجمعة الواجبة على الرّجال و كذا مسئلة ليس الحرير و نحوها و لا يجرى في الثّانى كما في مسئلة ليس الحرير في الصّلاة و نحوها ممّا يكون من قبيل الشّك في الأجزاء و الشّرائط او مسئلة ستر جميع البدن و نحوها ممّا يكون من قبيل دوران الأمر بين الاقلّ و الأكثر بناء على انّه مجرى الاحتياط و لا يخفى انّ كلماتهم مختلفة في حقّها في الابواب المتفرقة كما ستعرف‏ قوله‏

فمقتضى القاعدة احترازه‏

اه‏ اقول‏ و ذلك لعلمها بتكليفها امّا باحكام الرّجال او النّساء فيرجع الى الشّبهة المحصورة اذ كلّ حكم من الاحكام التّكليفيّة المختصّة بالرّجال اذا اخذ مع حكم تكليفى مختصّ بالنّساء علم بانّه مكلّف باحدهما فيجب عليه تحصيل اليقين بالبراءة و لذا ذكر المحقّق الثّانى في جامع المقاصد انّها بالنّسبة الى الرّجل و الخنثى كالمرأة و بالنّسبة الى المرأة كالرّجل لتوقّف يقين الامتثال لأمر بغض البصر و السّتر على ذلك ثمّ حكى عن بعض العامّة جواز نظر المرأة و الرّجل اليها و بالعكس استصحابا لما كان ثابتا في الصّغر من حلّ النّظر حتّى يظهر خلافه و ردّه بتحقّق الناقل و انّ الاشتباه غير محلّ بتعلّق الحكم لكن يلزم فيما لو شكّ المرأة في كون النّاظر رجلا او شكّ الرجّل في كون المنظور اليه امرأة القول بالتّحريم و هو محلّ تامّل و يمكن الفرق بامكان استعلام الحال فيهما بخلاف الخنثى و من ثمّ وجب الاحتياط في التّكاليف المتعلّقة بها هذا و انت خبير بعدم تماميّة الفرق المذكور قوله‏

و قد يتوهّم انّ ذلك من باب‏

اه‏ اقول‏ و بتقرير آخر انّ حرمة النّظر بالنّسبة الى كلّ من الطّائفتين مشروطة بالرّجوليّة و الأنوثيّة و الفرض عدم العلم به و الشّكّ في الشرط

يوجب الشّكّ في المشروط و ليس هو من الشّبهة المحصورة الّتى تحقّق فيها شرط التّكليف و لكن اشتبه خصوص الفرد اشتباها لا يسقط التّكليف اذ لم يعلم فيه خصوص احد التّكليفين فيتمسّك حينئذ باصل البراءة قوله‏

و التّحقيق هو الأوّل‏

اه اقول اى وجوب الاحتراز و الاحتياط و اعترض عليه بانّه ان كان مراد المتوهّم من كونه ذلك من باب الخطاب الإجمالي انّ الخنثى من قبيل احد واجدى المنى فيتم ما اورد عليه بعد ارادته من العلم التّفصيلى العلم التّفصيلى في مقابلة عدم العلم رأسا لا العلم التّفصيلى المصطلح لكنّه بعيد سؤالا و جوابا و ان كان مراده انّها عالمة بتوجّه احد الخطابين و هو بمجرّده لا يوجب الاحتياط فهو فاسد لظهور عدم العلم التّفصيلى بالمعنى المقابل لذلك العلم الإجمالي الموجود في مسئلة الدّخول و الإدخال اذ ليس الحاصل الّا العلم الإجمالي بخلاف مسئلة الدخول و الإدخال فانّه يحصل فيها بناء على صدقهما على حركة واحدة العلم التّفصيلى بالحركة و الأنصاف انّ الاعتراض وارد فان قلت مراده انّ الأمر بالغضّ معلوم تفصيلا و ان لم يعلم خصوص الغضّ عن الرّجال و النّساء كما انّ حركة الحامل في مسئلة الدّخول و الإدخال يعلم حرمتها تفصيلا و ان لم يعلم انّها من جهة الدّخول و الإدخال قلت هذا ممّا لا معنى له اذ ليس التّكليف بالغض المطلق معلوما بل الغضّ عن احدى الطّائفتين و لا نعنى بالعلم الإجمالي الّا هذا نعم يمكن ان يعتبر القدر المشترك كما في مسئلة الدّخول و الإدخال ليرجع الى الخطاب التّفصيلى كما مرّ هناك الّا انّه بعد فرض تمامه يرجع الى ما ذكره ب قوله‏

مع انّه يمكن ارجاع الخطابين‏

الخ و قد صرّح (ره) في مباحث البراءة بانّ مسئلة الخنثى من قبيل ما اذا علم انّ هذا لاناء خمرا و انّ هذا الثّوب مغصوب فان قلت لعلّ مراده انّ هناك خطابا محقّقا واقعيّا كالخطاب بالاجتناب عن النّجس المردّد بين الإناءين فالمانع من جريان الأصل ثمّة هو ذلك الخطاب الاجمالى و هو موجود فيما نحن فيه فكما انّ الأصل يجرى في كلا المشتبهين فكذا فيما نحن فيه فلا يجوز اجراء اصالة الحلّ للعلم بوجوب‏

47

الغضّ على كلّ احد و بمثل هذا صرّح (ره) في مباحث البراءة قلت بين المقامين فرق ظاهر لتحقّق التّكليف بالاجتناب هناك على كلّ تقدير بخلاف ما نحن فيه كما عرفت‏ قوله‏

فافهم‏

اه‏ اقول‏ لعلّه اشارة الى انّ مثل هذا الخطاب التّفصيلىّ الانتزاعي لم يعلم اعتباره فانّه لا يكون عنوانا مستقلّا متاصّلا في لسان الشّرع و انّما جاء من قبل غيره مع انّ الخطابين الّذين انتزع منهما ذلك ليسا من قبيل الخطابات المتوجّهة الى عامّة المكلّفين بل يختصّ كلّ واحد منهما بطائفة و لا ربط لاحدهما بالآخر فالخنثى الّتى لم يعلم دخولها في شي‏ء منهما بالخصوص لا يثبت اعتباره في حقّها و لو سلم اعتباره فليس اعتباره على حدّ الخطابات التّفصيليّة الصّرفة حتى يوجب الموافقة القطعيّة فغاية ما يثبت به حرمة المخالفة القطعية و قيل انّه اشارة الى ضعف ما ذكره اذ التّفكيك بين مقامى حرمة المخالفة و وجوب الموافقة القطعيّتين ممّا لا وجه له بعد ما فرض امكان ارجاع الخطابين الى خطاب واحد فكون الخطاب واحدا و متعددا باعتبارين لا محصّل له و فيه انّه لا يمتنع عند العقل الحكم بمعلوميّة الخطاب مفصّلا بالنّسبة الى مقام المخالفة القطعيّة و عدمها بالنّسبة الى مقام الموافقة القطعيّة و هذا لا ينافى كفاية العلم الإجمالي في تنجز التّكليف فان التنجز انّما هو على قدر ثبوته فما قيل من انّ العقلاء امّا ان يكونوا بانين على تنجز الخطاب بمجرّد العلم الإجمالي بتوجّه الخطاب او لا و على التّقديرين لا وجه للتّفصيل ممّا لا وجه له فليتدبّر قوله‏

و هكذا حكم لباس الخنثى‏

اه‏ اقول‏ اورد عليه مضافا الى ما مرّ بانّ حكم اللّباس مستنبط ممّا دلّ على تشبّه كلّ من الرّجل و المرأة بالآخر و هو منصرف الى غير المقام‏ قوله‏

و قد يقال بالتّخيير مط

اه اقول ذهب اليه صاحب الفصول انتصارا للشّهيد (ره) توضيحه انّ الشّهيد (ره) ذكر في موضع من الذّكرى انّ الخنثى تتخيّر في الجهر و ان جهرت في مواضع الجهر كان اولى ما لم يستلزم سماع من يحرم عليه السّماع و ذكر في مسئلة اللّباس منه انّه يحرم على الخنثى ليس الحرير اخذا بالاحتياط و اورد عليه المحقّق القمّى (ره) بانّ بين كلاميه تدافعا حيث انّه اختار التّحريم للخنثى في بعض المسائل و التّخيير في بعضها واجبات عنه صاحب الفصول انتصار للشّهيد بقوله بعد ذكر الوجه لوجوب الاحتياط على الخنثى في الأحكام المختصّة بكلّ من الطّائفتين و ينبغى ان يستثنى من الحكم الأوّل كلّ حكم يعذر فيه الجاهل به كالجهر و الإخفات في مواضعهما فلا يجب عليه الاحتياط في ذلك بل يتخيّر عند عدم سماع الأجانب بينهما لجهله بالحكم فيقطع بالبراءة بدون الاحتياط و هذا هو السّرّ في الزام الشّهيد (ره) في الذكرى بوجوب الاحتياط في مسئلة السّتر و لبس الحرير و مصيره الى التّخيير في مسئلة الجهر و الاخفات فلا تدافع بين الحكمين اصلا كما زعمه الفاضل المعاصر في كلامه انتهى و يظهر ضعفه ممّا حقّقه المص المحقّق (ره) قوله‏

و فيه مضافا الى النّص‏

اه‏ اقول‏ ملخّص ما اورده عليه وجهان احدهما انّ معذوريّة الجاهل انّما هى فيما حصل له الشّكّ بعد العمل لا اذا حصل قبل العمل لبطلان صلاته ح لعدم تمكّنه من قصد القربة و ثانيهما انّ المراد من الجهل في الأخبار هو الجهل بالحكم الكلّى لا الجهل بالموضوع و الحكم الجزئى‏ قوله‏

و امّا تخيير قاضى الفريضة

اه اقول هذا دفع دخل مقدّر تقريره انّهم حكموا بتخيير قاضى الفريضة في الرّباعية بين الجهر و الإخفات مع انّه جاهل بالموضوع و من اوّل الأمر فيلزم الحكم بالتّخيير في المقام ايضا و حاصل ما ذكره (ره) في دفعه انّ ذلك ليس من جهة ما دلّ على التّخيير بين الجهر و الإخفات بل هو تسهيل و ترخيص من الشّارع بعد اكتفائه بالصّلوات الثّلاث لئلّا يلزم التّكليف بالمحال‏ قوله‏

فقد يقال بجواز نظر

اه اقول قد اختاره في ظاهر كلامه في مباحث البراءة هذا القول استنادا الى الأصل و منع العموم في الآية قوله‏

و فيه انّ عموم وجوب الغضّ‏

اه اقول لا شكّ في حرمة نظر الرّجال الى النّساء الأجنبيّات لقوله تعالى‏ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏ الآية و كذا العكس لقوله تعالى‏ وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ‏ الآية و انّما الكلام في جواز نظر كلّ منهما الى الخنثى فقيل بالجواز للأصل كما مرّ و قيل بالمنع تمسّكا بالآيتين و رد التمسّك بهما في مباحث البراءة بعدم العموم في الأولى و عدم جواز التّمسّك بعموم الثّانية لاشتباه مصداق المخصّص و توضيح ما ذكره ثمّة انّ الخنثى ليست طبيعة ثالثة على ما اختاره المحقّقون فهى في‏

نفس الامر امّا ذكر او انثى و جواز نظر كلّ منهما الى المماثل و عدمه الى غيره ممّا لا شبهة فيه فالاشتباه في حكم الخنثى انّما هو من جهة اشتباه الموضوع و قد ثبت في محلّه انّه لا يجوز التّمسّك بالعمومات في الشّبهات الموضوعيّة فلا يشمل عموم الآية للخنثى و لا يخفى عليك انّ بين كلاميه هاهنا و ثمّة تدافعا حيث انّه سلّم في المقام العموم و جواز التّمسّك به في ظاهر كلامه‏ قوله‏

فتامّل جدّا

اه‏ اقول‏ هذا ممّا وقع في بعض النسخ بعد قوله (ره) بل ادّعى سبطه الاتّفاق على ذلك و الظّاهر انّه اشارة الى ما نقلناه عنه في مباحث البراءة من عدم جواز التّمسّك بالعموم لاشتباه مصداق المخصّص و يستفاد من كلام بعض الأفاضل انّه اشارة الى دفع الدّخل بما ذكر في التّمسّك بالعموم و ملخّص الدّفع انّ التّمسّك بالعمومات لا يجوز في الشّبهات الموضوعيّة اذ لم يكن هناك اصل موضوعىّ يقضى بخروج المشكوك عن المخصّص كما في المقام حيث انّ عدم المماثلة من الأصول الموضوعية و لا ضير في المخالفة القطعيّة الحاصلة من العمل بالأصلين النّافيين مماثلتها لكلّ من الذّكر و الأنثى و لا يعارض ذلك الأصل بمثله لانّ اصالة كونها غير المماثل لا يترتّب عليها اثر شرعىّ الّا اذا ثبت به المماثلة و هو في محلّ المنع لبطلان الأصل المثبت‏ قوله‏

و امّا التّناكح فيحرم بينه‏

اقول الاولى التّعليل مما علّل به في مباحث البراءة من وجوب احراز الرّجوليّة في الزّوج و الانوثيّة في الزّوجة لأنّ مجرّد الشّكّ فيهما كاف لاثبات الحرمة فلا حاجة الى التّمسّك بالأصل نعم التّمسّك باصالة عدم تاثير العقد كما صدر عنه ثمّة لا باس به‏ قوله‏

فافهم‏

اه‏ اقول‏ لعلّه اشارة الى ان الفرض الّذى فرضه الشّيخ (ره) لا محصّل له لأنّ كونها زوجا او زوجة امّا مسبوق بالعلم بكونها خنثى او لا بان كانت مجهولة الحال حين العقد امّا على الأوّل فلا يصحّ النّكاح و صحّة الفرض في صحّته و امّا على الثّانى فتكون حينئذ من قبيل الموطوءة بالشّبهة الّتى لا ترث من جهة الوطى‏

[المقصد الثانى مباحث الظن‏]

قوله‏

احدهما في امكان التّعبّد به‏

اه اقول‏

48

المراد من التّعبّد بالظّنّ في كلّ من المقامين كونه واجب العمل بان يحكم بوجوب ما قام الظّنّ على وجوبه و استحباب ما قام على استحبابه و ليس المراد مجرّد جواز العمل به كما لا يخفى فيكون التّعبير بالجواز في بعض عبارات القوم نظير التّعبير به في مقام اثبات مشروعيّة عبادة كما في بعض مسائل الحيض و نحوه فيراد به الوجوب فالجواز في مقابلة الحرمة فيصدق على الوجوب‏

[المقام الاول هو امكان التعبد بالظن عقلا]

قوله‏

فاعلم انّ المعروف هو امكانه‏

اه‏ اقول‏ المخالف هو ابن قبة من الموافقين و جماعة من المخالفين و عليه الجبائى‏ قوله‏

و يظهر من الدّليل المحكى‏

اه اقول هذا الاستظهار انّما يتمّ بالنّسبة الى ثانى الوجهين لا اوّلهما كما ستعرف و ابن قبة هو عبد الرّحمن بن قبة من قدماء اصحابنا و اختلفوا في ضبط قبة فعن النّجاشى و الخلاصة انّها بكسر القاف و فتح الباء الموحّدة المخفّفة و في منتهى المقال انّ المعروف و المتداول في الألسن في ترجمته قبة بضمّ القاف و تشديد الباء قوله‏

فانّه استدلّ على مذهبه‏

اه اقول المعروف عنه و عمّن حذا حذوه في مقام الاستدلال هو هذان الوجهان و استدلّ عليه بوجوه أخر نقلها العلّامة (ره) في النّهاية منها انّه لو جاز التّعبّد به في الفروع لجاز التّعبّد به في الأصول الاعتقاديّة ايضا و منها انّه لو جاز في الأخبار لجاز في القرآن ايضا مع انّهم اشترطوا ثبوته بالتواتر و منها انّه لو جاز لجاز في الاخبار المتعارضة ايضا و بطلان اللّازم ظاهر و منها ما عن المرتضى (ره) من انّه يلزم عليه صيرورة المصلحة مفسدة و بالعكس و هو ناظر الى ثانى وجهى المتن و ضعف الكلّ اظهر من ان يحتاج الى البيان‏ قوله‏

الثّانى انّ العمل به موجب‏

اه‏ اقول‏ يحتمل ان يريد به الامتناع الذّاتى لاستلزامه اجتماع الحلّيّة و الحرمة او انقلاب إحداهما بالأخرى و ان اريد به لزوم القبيح و هو نقض الفرض‏ قوله‏

اذ لا يؤمن ان يكون ما اخبر

اه اقول اورد عليه بانّ غاية ذلك جواز تحليل ما يحتمل ان يكون حراما و بالعكس اذ اللّازم جواز كذب المخبر لا وجوبه و المعلّق على الجائز جائز لا واجب كما هو المدّعى و اجيب عنه بانّ جواز تحليل محتمل الحرمة يستلزم جواز تحليل الحرام ايضا اذ لو لم يجز لما جاز الّا تحليل الحلال لعدم الواسطة في الواقع و حليّة هذا غير معلومة فيجب ان يكون تحليل الحرام ايضا جائزا حتّى يجوز تحليل ذلك و فيه انّ ما لا يجوز تحليله هو الحرام المعلوم و امّا الحرام المحتمل فيجوز تحليله من جهة عدم تيقّن المانع فعدم الواسطة مم فالأولى ان يجاب عنه بانّ اللّازم من جواز الكذب جواز تحليل الحرام و بالعكس كما انّ اللّازم من تحقّقه نفس التّحليل و التّحريم و ليس اللّازم منه ما ذكره كما لا يخفى على المتامّل و قد يوجه هذا الاستدلال بانّ للمحرمات مثلا قبحا ذاتيّا فربّما يحرم شي‏ء لكونه سمّا مثلا و لا يزول مثل هذه المفسدة بالجهل فبعد تجويز العمل بالخير او غيره من الظّنون لا يؤمن عن الوقوع فيها فتجويز العمل به مظنّة الوقوع في الهلكة ثمّ يرد بانّا نرى بالعيان انّ الشّارع الحكيم جوز لنا اخذ اللّحم عن اسواق المسلمين و ان لم نعلم انّه مذكّى و كذلك رفع المؤاخذة عن الجاهل و النّاسى و غيرهما فيتدارك هذا النّقص من شي‏ء آخر و فيه مع عدم افادته المدّعى من ثبوت التّحليل و الاباحة لانّ التّجويز و رفع المؤاخذة عن الجاهل او النّاسى مثلا انّما هو لقبح تكليفهما فعلا و مؤاخذتهما على ارتكاب المحظور جهلا او نسيانا انّ الأمر الّذى يتدارك منه النّقص ان كان بحيث يقاوم المفسدة و يزيل سببيّتها للحرمة فليكن في حقّ العالم ايضا و إلّا فلا يجدى في الجاهل ايضا قوله‏

و استدل المشهور

اه‏ اقول‏ قد يستدلّ على الإمكان بالوقوع في الموضوعات الصّرفة حتّى عند الأخباريّين و كذا الموضوعات المستنبطة كمباحث الألفاظ و كذا مثل التّقليد من الأحكام قوله اذ القطع بعدم لزوم المحال اقول هذا مأخوذ من كلام صاحب الفصول (ره) حيث قال و التّحقيق ان القائلين بالجواز ان ارادوا به الجواز بمعنى عدم حكم العقل فيه بالامتناع و القبح الواقعيين كما يظهر من احتجاجهم عليه بالضّرورة فالحقّ هو الجواز و المستند ما ذكروه و ان ارادوا به الجواز الواقعى بمعنى انّ العقل يحكم بانّه لا قبح في العمل به واقعا و انه لا يمتنع منه تعالى بمقتضى الحكمة ان يكلّفنا بالعمل به كما يظهر عن بعض المعاصرين فالحق بطلان القول بالجواز كالقول بالامتناع اذ ليس العمل بخبر الواحد ممّا يدرك العقل جهاته الواقعيّة حتّى يحكم فيه بجواز او امتناع الى آخر ما قال ممّا للنّظر فيه مجال‏ قوله‏

فالأولى ان يقرّر هكذا

اه‏ اقول‏ مرادهم من الامكان في المقام يحتمل وجوها ثلاثة كما احتمله الفاضل المتقدّم مجرّد نفى الامتناع و الإمكان العقلىّ الواقعىّ الذّاتى المقابل للامتناع و الوجوب و الامكان الظّاهرى بمعنى اجراء احكام الإمكان و ظاهر كلماتهم في العنوان هو الثّانى و هذا التقرير يفيد الأوّل و هو مؤدى‏

القاعدة المستندة الى العقلاء الموروثة عن الشّيخ الرّئيس و غيره من الحكماء من انّ كلّ ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان حتّى يضاده قائم البرهان فانّ معناها انّ ما لا دليل على امتناعه لا ينبغى ان ينكر بل يترك في بقعة الامكان العقلى الّذى مرجعه الاحتمال لا انّه يعتقد امكانه الذّاتى كيف و قد ذكر الشّيخ الرّئيس في كتبه انّ من تعود ان يصدق من غير دليل فقد انسلخ عن فطرة الانسانية مع انّها لو حملت على ارادة الإمكان الذّاتى فالمراد من الأصل في عباراتهم حيث يقولون انّ الأصل فيما لا دليل على امتناعه و وجوبه الإمكان ان كان هو الكثير الرّاجح فكون اكثر ما لم يقم دليل على استحالته و وجوبه ممكنا غير ظاهر و ان كان هو ما لا يضار عنه الا بدليل و هو المعبّر عنه بالاستصحاب فهو باطل مضافا الى بعده عن مذاق ارباب المعقول و ذلك لأنّ الوجوب و الإمكان و الامتناع ليس شي‏ء منها اصلا بهذا المعنى فما لم يقم دليل على انّ الشّي‏ء من اىّ قسم لم يعلم حاله و ممّا قرّرناه تعلم انّ التّمسّك بهذه القاعدة في المقام لو اريد الإمكان الواقعى في العنوان ممّا لا وجه له كالتّمسّك بها في مقامات أخر من هذا القبيل كمسألة امكان الاشتراك كما صدر عن بعض من قارب عصرنا و اضعف من ذلك ارادة الإمكان الظّاهرى في المقام و القاعدة سيّما في الأخير بالنّظر الى كمال بعده عن مذاق الموروث عنهم و لعلّ بعض ما ذكرنا حدا بعض افاضل العصر على تقرير الدّليل بوجه ثالث و هو انّا اذا راجعنا الى عقولنا و لم ندرك وجه امتناع شي‏ء حكم عقولنا بانّه ممكن لا محالة اذ لا يخطى جميع العقول‏

49

فرق بينه و بين عبارة المشهور بانّ مرجع استدلال المشهور الى وجدان وجه عدم الاستحالة و مرجع هذا الوجه الى عدم وجدان وجه الاستحالة و يثبت به عدم الوجود من باب التّلازم بينهما في خصوص المقام الّا انّ ما ذكره محلّ نظر و تامّل امّا اوّلا فلأنّ الطّريق الّذى سلكه لو تمّ لا يثبت الّا الإمكان بالمعنى الأوّل اعنى عدم الامتناع و لا ينهض لاثبات الإمكان الذّاتىّ العقلى و امّا ثانيا فلأنّ التّلازم الّذى ادّعاه في خصوص المقام مم اذ لو اريد به انّ عدم الوجدان ظاهرا يستلزم عدم الوجود واقعا و لو في خصوص المقام فهو واضح البطلان و لا يمكن حمل القاعدة المعروفة على ذلك ايضا و لو اريد انّ عدم الوجدان ظاهرا يستلزم عدم الوجود كذلك فهو مسلّم الّا انّه لا يثبت ازيد من الإمكان الظّاهرى و قد عرفت ما فيه و امّا ثالثا فلما اورده هو من انّ المفروض عدم احاطة العقل على الجهات المحسّنة و المقبحة و معه لا يمكن دعوى التّلازم القطعى‏ قوله‏

و الجواب عن دليله الأوّل‏

اه‏ اقول‏ و قد يجاب عنه بانّه قياس مع الفارق فانّ الدّواعى في الأخبار عنه تعالى على الكذب متوفرة لما فيه من اثبات منصب الرّئاسة و الرّسالة مع انّ ذلك يحتاج الى مزيد استعداد يندر حصوله فيبعد قبوله و لذا يحتاج الى انضمام المعجزة بخلاف المقام مضافا الى انّه لو لم يكتف بالظن للزم وجوب تبليغ الحكم لا حاد النّاس على النّبى و التزامه مشكل‏ قوله‏

مع انّ الإجماع‏

اه اقول لا يخفى انّ المدّعى جواز التّعبّد بالخبر مط لا في خصوص هذه الصّورة على فرض صحّة دعوى تحقّقها مع انّ الاجماع على عدم الوقوع بالنسبة الى الأخبار عن اللّه تعالى قائم في هذه الصّورة ايضا و لعلّ هذا وجه تغيير هذه العبارة في بعض النّسخ المصحّحة ب قوله‏

مع انّ عدم الجواز قياسا على الأخبار عن اللّه تعالى بعد تسليمه انّما هو

الخ فافهم‏ قوله‏

فقد اجيب عنه تارة

اه اقول المجيب هو صاحب الفصول (ره) و ما ذكره في مقام التّقض امور منها الفتوى و البيّنة و ما شابههما و لا يخفى انّ النّقض بها في محلّه لاعتبار امثالها في زمان الانفتاح ايضا و لذا اقتصر على النّقض بها الفاضل الجواد (ره) تبعا للعلّامة (ره) فلا وجه للإيراد عليه و منها الأصول كاصل البراءة و نحوها و لا وجه للنّقض بها لاشتراط اعتبارها بعدم التّمكّن من العلم مع انّ محلّ كلام ابن قبة هو صورة التّمكّن على ما استظهره المص (ره) و منها الظّنون اللّفظية و الظّنّ في الموضوعات و هو ان تمّ في نفسه لا يجدى لامكان التزام التّصويب فيها كما ستعرف و منها القطع من جهة احتمال الخطأ فيه ايضا و لا وجه للنّقض به اذ ليس هو من الأمور التّعبّدية المجعولة بعد فرض تصوّر منع القاطع عن العمل بالقطع كما هو محلّ الكلام‏ قوله‏

و اخرى بالحلّ‏

اه‏ اقول‏ ربّما يجاب حلّا بوجه آخر و هو انّه اذا بنى على التّصويب سقط الأشكال اذ لا حرام و لا حلال في نفس الأمر و انّما يكونان تابعين لظنّ المجتهد و اذا بنى على التخطئة فلا يلزم ما ذكر ايضا لانّ الحكم المخالف للظّنّ غير معتبر بل ساقط اجماعا فان قيل ما ذكرتم من تعدّد الحكم في الواقعة الواحدة على تقدير التّصويب و تعيين الحكم الموافق للظّنّ على تقدير التّخطئة انّما هو بالنّسبة الى المجتهدين او ترجيح احد الخبرين امّا على تقدير تساوى الخبرين بالنّسبة الى مجتهد واحد فوجوب العمل بالنقيضين لازم قطعا قلنا يدفع لزومه توقّف ذلك المجتهد عن العمل بهما او تخييره في العمل بايّهما شاء قوله‏

و الاولى ان يقال‏

اه اقول وجه الاولويّة سلامته عن الإيراد و وروده على الجواب الأوّل الّذى ذكره صاحب الفصول و بعض معاصريه و ملخّص الايراد انّ تحليل الحرام الواقعى ظاهرا و بالعكس من دون تدارك مصلحة الواقع قبيح على الشّارع لانه نقض للغرض و مع التّدارك يلزم اجتماع المصلحة و المفسدة في شي‏ء واحد توضيح ذلك انّ الأحكام الشّرعيّة عند العدليّة منوطة بمصالح و مفاسد نفس امريّة واقعية فالتّحريم الواقعىّ لأجل مفسدة لا محالة و التّحليل الظّاهرى يجب ان يكون لمصلحة لئلّا يلزم ارتكاب المفسدة الواقعيّة بدون تداركها بمصلحة و المفروض انّ متعلّقهما امر واحد فيلزم ما ذكر من اجتماع المفسدة و المصلحة في شي‏ء واحد و قد يدفع هذا الإيراد بانّ تلك المصالح و المفاسد لا يجب ان تكون من ذاتيّات المتعلّق و لوازمه بل يمكن ان تختلف باختلاف احوال المكلّف و الأزمنة و نحوهما فربّما يحصل حالة توجب مصلحة غالبة على‏

المفسدة او مساوية لها او بالعكس و على هذا فيمكن ان يكون للشي‏ء مفسدة و تتبدل بالمصلحة بعد صيرورته مظنون الحلّية و سيأتي توضيح ذلك و تفصيل الكلام فيه‏ قوله‏

و على الثّانى يلزم ترخيص‏

اه‏ اقول‏ اعترض عليه بانّه بعد فرض كون المكلّف كالبهائم مع الانسداد لا يلزم تحليل حرام و تحريم حلال و رد بانّ المراد من الحكم المفروض عدم ثبوته في الواقعة هو الحكم الفعلى لئلّا يلغو قوله‏

فان التزم‏

الخ و ان لم يناسب ذلك التّشبيه بالبهائم و المجانين‏ قوله‏

لأنّه اسبق من السّيّد

اه اقول نقل عن السّيّد المحقّق الكاظمى (ره) انّ اوّل زمان يدعى انسداد باب العلم فيه زمن العلّامة (ره) و ما قاربه ثمّ انّ دعوى الانفتاح من السّيّد و اتباعه بعيدة عن الصّواب كيف و لو كانت الادلّة القطعيّة قائمة واضحة لما وقع هذه الاختلافات بين القدماء لبعد تفرع الخلاف كذلك على الأدلّة القطعيّة النّقليّة و على فرض حصوله فانّما يقع على سبيل النّدرة مع انّ الخلاف الواقع بين القدماء لا يقصر عن الخلاف الواقع بين المتاخّرين و يشهد له ايضا ملاحظة طرق استدلالهم و وجود احتجاجهم على المسائل فانّهم يتمسّكون غالبا بوجوه لا تفيد العلم بالواقع قطعا أ لا ترى انّ العمّانى و الإسكافي الّذين يعبّر عنهما في السنة الفقهاء بالقديمين كانا كثيرا ما يعملان بالقياس فالدّعوى المذكورة في غير محلّها سيّما مع ملاحظة ما قيل من انّه لا يمكن ادّعاء قطعيّة الأدلّة بالنّسبة الى جميع الجهات حتّى جهة الدّلالة فيما كانت من الكتاب و السّنة و ان ادّعاها بعض القاصرين من الأخباريّة و سننقل عن السّيّد (ره) كلاما يشهد بما ذكرناه‏ قوله‏

و ممّا ذكرنا ظهر

اه‏ اقول‏ ظاهره تسليم ورود النّقض بالبيّنة و نحوها و قد يمنع ذلك ايضا بادّعاء الفرق بين الشّاهد و بين الخبر و نحوه و هو من وجوه احدها انّ الشّهادة انّما تقبل فيما يجوز فيه الصّلح فيه من امور الدّنيا بخلاف الخبر عن اللّه و الرّسول فكانت المفسدة في الشّهادة ابعد و ثانيها انّ الخبر يقتضى اثبات الشّرع بخلاف الشّهادة فانّه يثبت بها القتل و السّرق و نحوهما و لا يثبت بها

50

شرع و ثالثها انّ الحكم عند الشّهادة يثبت بدليل قطعىّ و هو الإجماع و الشّهادة شرط و خبر الواحد عند القائل به دليل مثبت للحكم الشّرعىّ و ردّه العلّامة (ره) في النّهاية بما لا نطيل بذكره‏ قوله‏

قال في النّهاية

اه‏ اقول‏ الضّمير المستتر في يكون اسما له راجع الى الفعل و قوله مصلحة منصوب على الخبريّة و الظرف متعلّق بيكون ثمّ انّ ما ذكره (ره) تبعا للشّيخ (ره) في المقام اولى ممّا ذكره قاضى القضاة من العامّة من انّ الّذى لا بدّ منه في الواجب الشّرعى كونه مصلحة مدلولا عليه امّا بعينه او بصنفه فاذا قامت الدّلالة على وجوب العمل بخبر الواحد و ظننا صدقه علمنا انّ العمل صلاح لنا كما يعلم انّ قطع اليد صلاح عند البيّنة و ذلك لأنّه يرد عليه ما اعترضه ابو الحسين من انّ الرّاوى اذا جاز عليه الكذب لم يؤمن ان يخبر بالمفسدة فللمخالف ان يقول لا يجوز ان يدلّ الدّلالة على ما ذكرتم و لا يرد على ما ذكره الشّيخ و العلّامة (ره) كما لا يخفى لا يقال قيام الدّلالة على وجوب العمل بما ظنناه يدلّ على صدق المخبر لانا نقول فيجب ان يقطع بصدقه مع انّه لو جاز ذلك لجاز ان يدلّ الدّلالة على ان نحكم بما نريد فيعلم انّ كلّ ما نريد الحكم به فهو صواب فان قلت يرد على ما ذكره الشّيخ و العلّامة (ره) انّه ان جعل الظّنّ بصدق الرّاوى طريقا الى المصلحة فامّا ان يجوز فيه الخطأ او لا فعلى الأوّل لا يجوز كون الظّنّ طريقا الى الاعتقاد بكون الفعل مصلحة و الا لجاز ان يكون طريقا الى الاعتقاديّات و لجاز التّعبّد به فيها و على الثّانى يرجع الأمر الى تسمية العلم ظنّا مضافا الى لزوم وجوب قبول الخبر مثلا في الاعتقادات قلت بعد ما بنينا على اختلاف المصالح بالاسباب الخارجيّة جاز كون الظّنّ في خصوص المقام صفة يناط به المصلحة فتدبّر قوله‏

انتهى موضع الحاجة

اه‏ اقول‏ قال (ره) بعد العبارة المذكورة ما لفظه و لهذا يلزم المسافر سلوك طريق و تجنب آخر اذا اخبر بسلامة ذاك و اختلال هذا من يظنّ صدقه و يجب على الحاكم العمل بالشّهادة مع ظنّه انتهى‏ قوله‏

و التّصويب و ان لم ينحصر

اه اقول للتّصويب معان تتشارك في تعدّد الحكم الواقعى و اختلافه بتعدّد الحكم الواقعىّ و اختلافه بتعدّد آراء المجتهدين و اختلافها و هى حدوث الحكم باجتهاد المجتهد كما ذهب اليه بعضهم و تعلّق اجتهاده مع ثبوته على وجه الاتّفاق كما عند بعضهم و ايجاده موافقا للاجتهاد اللّاحق كما اختاره بعض آخر و جبر المجتهد على ما اوجده كما اختاره آخرون و لا فرق في بطلان الكلّ بين حدوث و مصلحة فيما تأدّى اليه راى المجتهد و بين عدمه كما صرّح به العلّامة (ره) و غيره و يجرى ادلّتهم على بطلان التّصويب في الجميع اذ من جملتها بل أقواها انّ المجتهد طالب فله مطلوب متقدّم في الوجود على وجود الطّلب فيثبت الحكم قبل الطّلب فيكون مخالفه مخطئا مع انّ الظّنّ طريق الى الواقع فيتوقّف على ثبوت ذى الطّريق فلو توقّف هو عليه لزم الدّور لا يقال لا نسلم انّ المجتهد يطلب الحكم بل هو طالب للظّنّ كمن يقال له ان ظننت السّلامة ابيح لك ركوب البحر و ان ظننت العطب حرم و قبل الظّنّ لا حكم فيه عليك بل يترتّب الحكم على ظنّك بعد حصوله فهو طالب للظّنّ دون الإباحة و التّحريم فلا يلزم من التصويب محذور اصلا لأنّا نقول المجتهد لا يطلب الظّنّ كيف ما كان اجماعا بل الظّنّ الصّادر عن النّظر في امارة تقتضيه و النّظر فيها يتوقّف على وجودها و وجودها يتوقّف على وجود المدلول فطلب الظّنّ موقوف على وجود المدلول بمراتب فلو توقّف وجود المدلول على حصول الظّنّ لزم الدّور و بتقرير آخر المجتهد مستدلّ بامر على آخر و الاستدلال استحضار العلم بامور يستلزم وجودها وجود المطلوب و استحضار العلم بالشّي‏ء يتوقّف على وجود ذلك الشّي‏ء فالاستدلال يتوقّف على وجود الدّليل و وجوده يتوقّف على وجود المدلول فوجود المطلوب تقدّم على الاستدلال بمراتب و الظّنّ متاخّر عن الاستدلال اذ هو نتيجته فلو كان الحكم انّما يحصل بعد الظّنّ كان المتقدّم على الشّي‏ء بمراتب متاخّرا عنه و هو مح و تفصى العضدى و من حذا حذوه عن الأشكال بالقول بالأشبه و هو انّه و ان لم يوجد في الواقعة حكم الّا انّه وجد ما لو حكم اللّه تعالى بحكم لما حكم الّا به و قد ابطله العلّامة (ره) في النّهاية بما لا نطيل الكلام بذكره بعد بداهة بطلان الأشبه بل عدم معقوليّته بعد ملاحظة معنى‏

الطّريقيّة و انّ ذلك لأشبه شي‏ء يتعلّق به حكم واقعى كما لا يخفى‏ قوله‏

و اغمضنا النّظر

اه‏ اقول‏ لا يخفى عليك انّ الذى حكم فيما سيجي‏ء بعدم كونه تصويبا هو ما لو فرض وجود المصلحة في سلوك الأمارة لا فيما قامت عليه سواء كان وجود المصلحة فيه من باب وجود صفة فينا و هى كوننا ظانّين كما ذهب اليه العلّامة (ره) تبعا للشّيخ او من باب الانسداد الأغلبى و العسر و الحرج بان يكون الانسداد من قبيل الحكمة لا العلّة فيكون العمل في موارد الانفتاح لحكمة الاطّراد كما اختاره بعضهم او من باب كون الجهل ترياقا لفوات مصلحة الواقع كما ذهب اليه المحقّق القمّى (ره) و يقوى الجهات المذكورة اذا لوحظ القول بانّ المصلحة في نفس التّكليف كما اختاره صاحب الفصول و ما هو محلّ الكلام لا ربط له بذلك اذ هو فيما لو فرض حدوث المصلحة فيما قامت عليه بواسطة قيامها كما عرفت و ممّا قرّرناه في المقام يظهر انّ الجواب عن شبهة ابن قبة على الوجه الّذى حقّقه المص (ره) المحقق غير مرضىّ نعم يتمّ مثله في الشّرائط العمليّة الرّاجعة الى اشتراط الحكم بنفس العلم و الجهل دون الواقع فالشّرط اذن هو العلم و هو واقعة دون المعلوم مع قطع النّظر عن العلم به فالأولى ان يقال في الجواب ما قيل من انّ الطّريق الشّرعى انّما يجب العمل به لكونه طريقا الى الواقع موصلا اليه و لو في الجملة و الوجه في تشريعه عند تعذّر العلم بالواقع او تعسّره و لو نوعا انّ الحكمة انّما يقتضى بناء الشّرع على غاية السّهولة ليشترك في العمل به عامّة المكلّفين الّذين يغلب عليهم الضّعفاء فتفويت المصالح الواقعية في المقامات الّتى يتّفق فيها المخالفة للواقع خير من تفويتها على اكثرهم في جميع المقامات مع ملاحظة ما يقتضيه الحكمة البالغة من اشتراكهم في التّكاليف الإلهيّة فالأصلح بناء الشّرع على ما يقتضيه حال اضعفهم على الوجه الكلّى ثمّ يستثنى مع ذلك ايضا ما يتّفق عروضه من الأعذار القاضية بتعذّر الامتثال او تعسّره و لا يلزم من مجرّد ذلك انتفاء الحكم في نفس الأمر عند مخالفة الطّريق للواقع لظهور الفرق بين سقوط الواقع عن المكلّف لتعذّر المكلّف به او تعسّره و بين‏