وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول‏ - ج1

- الشيخ محمد حسين النجفي الكلباسي المزيد...
836 /
3

[المجلد الأول‏]

[مقدمة الناشر]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه الذي هدانا إلى اصول الفروع و فروع الاصول و أرشدنا إلى شرائع الأحكام بمتابعة الكتاب و سنّة الرسول و قفّاهما ببيان أهل الذكر و معادن التنزيل الذين هم الخلفاء من آل الرسول (صلّى اللّه عليه و عليهم) صلاة كثيرة متتالية مقترنة بالكرامة متلقّاة بالقبول ما دامت عقد المشكلات منحلّة بأنامل الدلائل و ظلم الشبهات منجلية بأنوار العقول.

أما بعد، لا يخفى على من له مساس بالتفقّه في الدين الحنيف أنّه لا يتيسّر له الوصول إليه إلّا بالتعرّف بعلم الاصول، الفنّ الّذي له دور كبير في معرفة الأحكام و وظائف العباد، فلذا عكف علماؤنا- (رضوان اللّه عليهم)- على تحقيق مسائله و تدقيق مطالبه إلى أن أصبح هذا الفنّ مبتنيا على اسس متقنة و قوانين محكمة.

و من الجهود المبذولة في تنقيح مطالب هذا الفنّ و توضيح مآربه ما ألقاه فقيه الطائفة الإماميّة و مرجعها الأعلى في وقته آية اللّه العظمى السيّد أبو الحسن الإصفهاني (قدّس سرّه) و قرّره أحد أعلام تلامذته، حافظ دقائق أنظاره و حامل نتائج أفكاره آية اللّه الحاج الميرزا حسن السيادتي تغمّده اللّه برحمته.

و نظرا لأهمّية هذه التقريرات و عمق مبانيها الاصولية، و وفاء للعهد الذي اتخذته مؤسّستنا على عاتقها في إحياء آثار علماء الدين المتقدّمين منهم‏

4

و المتأخرين- (رضوان اللّه عليهم أجمعين) - قرّرنا طبع هذا الأثر القيّم و نشره بهذه الحلّة القشيبة الحاضرة، و بما أنّ المؤلّف (قدّس سرّه) لم يسمّ له اسما سمّيناه «وسيلة الوصول إلى حقائق الاصول» راجيا منه تعالى أن يتقبّله بأحسن القبول.

و ينبغي أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى مهمّتين:

1- قد يعثر في خلال الكتاب على عبارات فيها مسامحات محاوريّة أو خلل أدبيّة، و العذر في ذلك هو الولوع على فهم مراد الاستاذ حين البحث و الانغمار في المعنى و الذهول عن اللفظ عند الكتابة، مضافا إلى عدم خروج الكتاب إلى المبيضّة حتّى يحصل فيه تجديد نظر؛ و قد أشرنا إلى بعض تلك المسامحات في الهامش، و لم نغيّر الألفاظ و الجملات- إلّا في بعض ما لا يقبل التوجيه- حفظا للأمانة بقدر الإمكان و اعتمادا على ظهور المراد للعالم اللبيب عند المراجعة و للمشتغل الذكي عند المطالعة.

2- مع أنّ هذا الكتاب أشمل أثر وصل إلينا من تقرير أبحاث السيّد الإصفهاني (قدّس سرّه) في الاصول، لا يوجد فيه البحوث التالية: مقدّمة الواجب، مباحث النواهي من أوّلها إلى مبحث اجتماع الأمر و النهي، أوائل مباحث المفاهيم، التعادل و التراجيح غير الفصل الأوّل، الاجتهاد و التقليد. و السبب في ذلك- على الظاهر- عدم حضور المقرّر في مجلس الدرس لسفر أو لعارض آخر.

و في الختام، لا ننسى أن نتقدّم بالشكر الجزيل و الثناء الجميل لكلّ من ساهمنا في إنجاز هذا المشروع، و نخصّ بالذكر نجل المؤلّف سماحة حجّة الإسلام الحاجّ السيّد مصطفى السيادتي- دامت بركاته- على ما تفضّل به من إعطاء نسخة الأصل مع ما كتبه من مقدّمة حاوية لنبذة من حياة والده المؤلّف (قدّس سرّه)، سائلين اللّه عزّ و جلّ له و لنا المزيد من التوفيق في خدمة الشريعة المقدّسة، على مشرّعها آلاف التحيّة و الثناء.

مؤسّسة النشر الإسلامي‏

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

5

ترجمة المؤلّف:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

اسمه و ولادته:

العالم الجليل، جامع المعقول و المنقول، حجة الإسلام و المسلمين، آية اللّه الحاج الميرزا حسن سيادتي ابن المرحوم الميرزا اسماعيل ابن المرحوم الميرزا محمّد علىّ ابن المرحوم مير محمّد من سلالة السادة الحسينيّة الجليلة، المولود في أواخر عام 1299 ه. ق في قرية «ايزى» الواقعة على بعد (5) كيلومترات شرق مدينة دار المؤمنين «سبزوار» في بيت عرف بالتقوى و من السلالة المحمّدية الشريفة.

قبس من حياته:

في سني صباه عكف على قراءة القرآن و حفظه، و جملة من الكتب المطبوعة باللغة الفارسية في الخطّ و غيره، كجامع المقدّمات و شرح القطر عند شيوخ محلّته كالآخوند ملّا قاسم و ملّا حسن رحمة اللّه عليهما، ثم سافر في أوائل بلوغه إلى «سبزوار» آنذاك من المراكز العلمية المهمّة في خراسان التي يتطلّع إليها طلاب العلوم الدينيّة، و يشدّوا إليها الرحال من مختلف نواحي خراسان لدراسة الصرف و النحو و المعاني و البيان و الفقه و الاصول و الكلام و الحكمة و علم الهيئة و الرياضيات القديمة.

و بعد تحصيله هذه العلوم أقبل على تدريسها، فاشتهر بالعلم و العمل و التقوى‏

6

من بين وجوه «سبزوار» و بات موضع قبول و اعتماد الأهالي من بين أعلام الحوزة العلمية المباركة، ممّا أهّله أن يصبح أحد لأساتذة المشهورين و إمام جماعة فيها.

ثم بعد شروعه في تدريس كتاب «الرسائل» و «المكاسب» و لدورتين عكف على قراءة «كفاية الاصول» على عمّه العالم الجليل آية اللّه الميرزا موسى الحسيني أعلى اللّه مقامه.

ثم أزمع على إكمال تحصيله العلمي و نيل درجة الاجتهاد، فشدّ الرحال في عام 1337 ه. ق نحو مدينة النجف الأشرف، فقضى ستة عشر عاما في مدينة مولى الموحّدين و أمير المؤمنين عليه آلاف التحيّة و السلام و هو يرتشف من رحيق الروضة المنوّرة، و يستمدّ من بركات هذه البقعة المشرّفة، فحضر درس المرحوم آية اللّه العظمى السيد أبي الحسن الموسوي الإصفهاني، و المرحوم آية اللّه العظمى الميرزا محمد حسين النائيني، و المرحوم آية اللّه آغا ضياء العراقي، و المرحوم آية اللّه الشيخ اسماعيل المحلّاتي أعلى اللّه تعالى مقامهم الشريف، و استفاد من مناهل علومهم و معارفهم حتّى حصل على درجة الاجتهاد المطلق، فأجازه عليها آية اللّه الإصفهاني و آية اللّه النائيني طاب ثراهما، و كان قد عرف بالفضل و العلم و التقوى في الحوزة العلمية في النجف الأشرف حتّى أصبح من أبرز علماء زمانه علما و تقوى.

و في عام 1353 ه. ق و بناء على دعوة وجوه أهالي مدينة «سبزوار» و تنفيذا لطلب استاذه آية اللّه العظمى السيد أبي الحسن الإصفهاني أعلى اللّه مقامه الشريف، عاد إلى «سبزوار» ليقيم فيها، و ليحمل على عاتقه الشريف جميع المهام الموكولة إليه من: التدريس و إمامة الجماعة و سائر الامور الاخرى، ممّا جعلته أن يكون من تلك الصفوة المحبّبة في قلوب الناس، و صاحب الكلمة المسموعة عندهم، فطارت شهرته عبر البلاد في خراسان و طهران و قم و أكثر مدن إيران؛ لما اتّصف من خصال حميدة و صفات مليحة، فضلا عمّا صدرت منه كرامات جليلة.

7

منها: إقامته لصلاة الاستسقاء في ربيع عام 1328 ه. ق المصادف 1368 ه. ق مع جماعة من الناس في مصلّى «سبزوار» أثر حصول جفاف في مناطق إيران، و ما هي إلّا بضع أيّام حتّى هطلت عليهم الأمطار تترى و بلا انقطاع، فاستبشر الناس و عادت الحياة في ربوع البلاد ... و غيرها من الكرامات الذي لا يسعنا بسط الكلام فيها الآن.

ثمّ إنّه بعد ثلاثين عاما من الإقامة في مدينة «سبزوار»، و قيامه بوظائفه بأفضل ما يكون: من نشر العلوم و الحقائق الدينيّة و المذهبيّة في أوساط الناس، و تربية جيل فاضل من المدرّسين، و إدارة الحوزة العلمية في «سبزوار»، و في عصر يوم الأحد المصادف لليوم الثالث و العشرين من شهر رمضان المبارك من عام 1385 ه. ق و المطابق للسادس و العشرين من شهر دي من السنة الهجريّة الشمسيّة (1344)، و في سن (86) عاما لبّى نداء ربّه بقلب مطمئن مفعم بالإيمان فدفن في الحسينيّة التي بناها من محض ماله، و التي تدعى اليوم ب «مسجد الآغا» حشره اللّه تعالى مع أجداده الطاهرين، آمين.

مشايخه في سبزوار:

1- العالم الجليل المرحوم حجة الإسلام و المسلمين الآخوند ملّا محمد باقر نواشكي، في الفقه و الاصول.

2- العالم الجليل المرحوم حجة الإسلام و المسلمين الشيخ أبو القاسم الدامغاني، في الاصول.

3- العالم الجليل و المجتهد المعروف آية اللّه الحاج الميرزا حسين علوي، في الاصول.

4- عمّه العالم الجليل المرحوم آية اللّه الميرزا موسى المجتهد، في كفاية الاصول.

5- العالم صاحب الفنون و الطبيب الشهير المرحوم الميرزا إسماعيل‏

8

الطالقاني الملقّب ب «افتخار الحكماء» من تلاميذ الحكيم الشهير الحاج ملّا هادي السبزواري، فى المنطق و الكلام و الفلسفة و الهيئة و الرياضيات القديمة.

مشايخه في النجف:

1- المرحوم آية اللّه العظمى السيد أبو الحسن الإصفهاني أعلى اللّه تعالى مقامه، (دورتان كاملتان لخارج الاصول و لبعض كتب الفقه).

2- المرحوم آية اللّه العظمى الميرزا محمد حسين النائيني أعلى اللّه تعالى مقامه، (دورتان كاملتان لخارج الاصول و بعض الكتب الفقهيّة).

3- المرحوم آية اللّه العظمى آغا ضياء الدين العراقي أعلى اللّه مقامه، (مقدار من بحث خارج الاصول).

4- المرحوم آية اللّه العظمى الشيخ اسماعيل المحلّاتي أعلى اللّه تعالى مقامه والد زوجته، (خارج الاصول و لبعض الكتب في الفقه).

تأليفاته:

طول مدّة إقامته في النجف الأشرف البالغة (16) عاما لم يدع حظّ التأليف و الكتابة من نفسه، فقد أبدعت ريشته ستّة مجلّدات خطّها بيده الشريفة و بواسطة القصبة و الحبر المركّب، و جميعها موجودة الآن غير مفقودة، و هي:

1- و هو هذا الكتاب، و يحوي أصله على (682) صفحة، كلّ صفحة تحتوي على (19) سطر، طول كلّ صفحة (22) سم و بعرض (17) سم، هو تقريرات بحث خارج الاصول المرحوم آية اللّه العظمى السيد أبي الحسن الإصفهاني، و قد رتّبه وفق ترتيب كفاية الاصول.

2- بحث في خلل الصلاة، و هو تقريرات درس المرحوم آية اللّه العظمى السيد أبي الحسن الإصفهاني أعلى اللّه مقامه، و يقع في (279) صفحة، كلّ صفحة تحتوي على (22) سطر، و لعلّه الآن بصدد طبعه في مدينة قم المقدسة.

9

3- بحث في الاستصحاب و التعارض، و هو تقريرات درس خارج الاصول لآية اللّه العظمى النائيني أعلى اللّه مقامه، و الكتاب يقع في (365) صفحة، (285) صفحة منه يقع بحث الاستصحاب و الباقي لبحث التعارض، لكنّه غير كامل، طول كلّ صحفة (20) سم و بعرض (15) سم، و كلّ صفحة تحتوي على 21- 22) سطر.

4- كتاب من القطع الكاغذى الچاباري، يقع في (146) صفحة، كلّ صفحة تحتوي ما يقرب (30) سطر، و هو تقريرات لدرس الاصول للمرحوم آية اللّه العظمى ضياء الدين العراقي أعلى اللّه مقامه، و من مبحث الاشتغال.

5- كتاب يقع في (470) صفحة، كلّ صفحة تحتوي على (21- 22) سطر، طول كلّ سطر (15) سم، في الاصول، و لا يعرف هل هو تقريرات عن أساتذته أم عن نفسه.

6- كتاب بقطع أوراق بمساحة (10* 20) سم، (99) صفحة منه بحث في المسائل الاصولية على ترتيب الكفاية، و (88) صفحة منه بحث في التعادل و التراجيح لآية اللّه العظمى السيد أبي الحسن الإصفهاني (رحمه اللّه)، و في آخره دوّن سنة كتابته 1344 ه. ق، و (366) صفحة منه أيضا في مباحث الفقه و الاصول و هو بحث غير كامل. و بهذا يبلغ مجموع الصفحات التي سوّدها (قدّس سرّه) بالقصبة و الحبر المركّب في مباحث الاصول و الفقه في النجف الأشرف (2808) صفحة، و في حدود (61776) سطر، فللّه درّه، و عليه أجره و رفع مقامه.

و المرحوم المترجم له في أواخر عمره الشريف كان كثيرا ما يكرّر لبعض تلاميذه عند المباحثة في كتبه المخطوطة بيده و يقول: «إنّني آسف أن قضيت مدّة مديدة من عمري في التدريس مع أنّ الكلام ينعدم ظاهرا، و لم أعط وقتي للكتابة و التأليف، بل ظللت غافلا عنها تماما.

صفاته الخلقية:

كان (رحمه اللّه) متوسّط القامة، نحيفا، أبيض اللون، وجهه يبعث على البشاشة

10

و السرور، نافذ الصوت جهورى، طليق اللسان فصيح.

صفاته الخلقية:

و أمّا أخلاقه فقد كان متواضعا، عطوفا، سخيّ الطبع، سليم النفس، عابدا، زاهدا، حلو المنطق، صاحب نكتة و مزاح لكن في هيبة و ابّهة.

كان لا ينام بعد صلاة الصبح بل يقضيها بالتعقيبات من دعاء و ذكر و تسبيح و أوراد و تلاوة القرآن الكريم بقدر ستّة أجزاء، كان لا يلبس الملابس الخارجية (المستوردة) و يفضّل المخاطة بأيد محلية شعبية، فلباسه في الصيف لا يتعدّى الأقمشة المنسوجة من الخيوط البيضاء، و في الشتاء المنسوجة من الصوف العادي و عموما كان لا يحبّ الملابس المنسوجة في المصانع الحكومية.

كان (رحمه اللّه) قليل الأكل و النوم، و كان إذا أزمع الوضوء توجّه نحو حوض الماء، فيجلس بجانبه فينظر كأنّه ينتظر شيئا، لم يكن ينتظر شيئا لكنّه كان يحدق ما فوق سطح ماء الحوض، لعلّ حشرة سقطت في الماء و هي تلهث لطلب النجاة لنفسها، فيحاول أن ينجيها فيرفعها من فوق سطح الماء ليضعها على الأرض فتسرع لتختبا أو لتطير. هكذا كان حاله كلّ يوم قبل أن يشرع في وضوئه.

و كان (قدّس سرّه) مخلصا لولاية أهل البيت (عليهم السّلام) كلّ الإخلاص، فقد كان يقيم مجالس العزاء في مناسبات الوفيات و مصائب أهل البيت (عليهم السّلام)، و مجالس الفرح و السرور في مناسبات الولادات و الأعياد، فقد كان يفرح لفرحهم و يحزن لحزنهم (عليهم السّلام) ليس للمعصومين (عليهم السّلام) فحسب، بل أيام وفاة زينب الكبرى (عليها السّلام) و شهادة حمزة عمّ النبيّ (عليه السّلام) و يوم عرفة (شهادة مسلم بن عقيل (عليه السّلام))، و أيام الرابع و العشرين و الخامس و العشرين من ذي الحجة يوم المباهلة و يوم إعطاء أمير المؤمنين (عليه السّلام) خاتمه ... و حتى يوم العاشر من ربيع الثاني و هو اليوم الذي شنّ فيه الروس حملتهم الشعواء على الحرم المطهّر و القبّة الرضوية الشريفة ارادة تخريبه، حيث يفتح أبواب بيته لاستقبال المعزّين و الضيوف و هم يصدحون بذكر

11

مصائب و فضائل و مناقب أهل بيت النبوّة (عليه السّلام)، كما كان يقيم مجالس العزاء الدائرة في أيام الخميس المباركة، في أيام المحرّم الحرام من ليلة الأول و حتّى ليلة الخامس عشر منه.

و في أواخر عمره الشريف و في أيام مرضه- الذي كان غالبا مريضا مطروح الفراش في بيته- كان يطالع كتب الشعر الحسيني و المصائب الحسينيّة، و قلّما كانت هذه الكتب تنفقد من جنبه، و حينما يتّفق أن يخلو لوحده كثير ما كان يدندن ببعض من تلك الأشعار.

كان (رحمه اللّه) يعشق المطالعة و الدرس و يحبّذ عليهما، إذ إنّه منذ دخوله مدينة «سبزوار» عام 1354 ه. ق و حتّى نهاية عمره الشريف عام 1385 ه. ق لم يدع مجلس درسه إلّا لضرورة سفر أو مرض أو لمناسبات دينية معظّمة، و إذا ما ازدهم بيته من الطلبة ذهب بالباقين الى القسم البرّاني من بيته ليواصل درسه، كما أنّه لو ضجّ بيته بالزائرين و الضيوف نقل بعضهم إلى مكان آخر للضيافة خارج بيته.

و في أيام أعياد الغدير و نوروز كان يفتح باب بيته لاستقبال الناس، و كان يعطي لكلّ فرد سكّة بقيمة ريال واحد تيمّنا و تبرّكا.

عاش (رحمه اللّه) زاهدا في دنياه، لم يترك من مال الدنيا سوى بضع أثاث منزلية لازمة، و بعض اللوازم البسيطة الضرورية لحياته و حياة عائلته، و بعض الكتب لا غير، و في يوم وفاته لم يترك من المال إلّا مبلغا قدره (700) تومان أو أكثر بقليل داخل فوطة في صندوقه لا غير.

و لا يفوتني ذكر هذه الحكاية على سبيل الترحّم عليه، إذ إنّ الوالد (قدّس سرّه) كان مسؤولا على الموقوفات لسنين عديدة، و من حقّ العشر الذي له في تصرّفه أصررت أنا على أن آخذ مبلغ (30) ألف تومان للمنافع التجارية و تحويل ريعها الى الوالد، و بعد الإصرار أخذت المبلغ و أعطيته الحاج علي أكبر حسن‏زاده شامكاني التاجر في بيع و شراء الأجناس، و بعد سنوات وصل ربح المبلغ الى (60) ألف تومان، و هو مبلغ كبير آنذاك، فأخذه أبي (رحمه اللّه) و صرفه في تأسيس‏

12

و بناء المسجد و الحسينية المعروف بمسجد الآغا الذي أصبح مقرّ اجتماع الناس و محلّ تجمّعهم و جماعتهم و الحمد للّه.

وفاته و دفنه:

و هكذا بعد عمر قضاه بالعلم و العمل و الاجتهاد امتدّت إليه يد القدر لتطرحه الفراش و المرض لسنوات طويلة حتّى استسلم لنداء الحقّ المتعال عن سنّ يناهز (86) عاما و يرحل الى مقرّ سكناه الأبدي.

و في يوم دفنه و مواراة جسده الطاهر الذى صادف (24) من شهر رمضان قد تعطّلت الأسواق، و أغلقت الدكاكين أبوابها، و عمّ الحزن في أرجاء البلاد، و قلّما ترى وجها في المدينة لم تطفح عيناه بالدموع، و كان مظهر التشييع للجنازة بدون سابقة؛ لما حوى من التجليل المنقطع النظير، و بموته انطوت إحدى الصفحات المشرقة من صفحات أعاظم هذه الامة و علمائها.

و أخيرا أختم كلامي بمقولة كان يرددّها دائما جدّي (جدّ والدتي) العالم الجليل آية اللّه الشيخ محمّد اسماعيل المحلّاتي أعلى اللّه تعالى مقامه في أذكاره، يقول: «الحمد للّه على الفتح و الختم».

حرّره العبد الراجي لرحمة ربّه مصطفى بن حسن الحسيني السيادتي نجل المترجم له المغفور له، عفا اللّه عنهما.

مصطفى الحسيني السيادتي‏

الرابع من ربيع الأول 1418 ه. ق‏

13

صورة إجازة العالم الربّاني‏

السيّد أبو الحسن الإصفهاني للمؤلّف (قدّس سرّهما)

14

صورة إجازة المحقّق النائيني للمؤلّف (قدّس سرّهما)

15

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

أمّا بعد، فاعلم أنّ هذه الوجيزة مرتبة على ترتيب الكفاية مشتملة على مقدّمة و مقاصد و خاتمة.

[المقدّمة: في بيان امور]

امّا المقدّمة: ففي بيان امور:

[الأمر] الأوّل: [تعريف علم الاصول و بيان موضوعه و فائدته‏]

أنّه قد جرت عادة المصنّفين على تقديم مقدمة في أول تصانيفهم و يذكرون فيها امورا ثلاثة: الأوّل: تعريف العلم، و الثاني: بيان موضوعه، و الثالث: بيان فائدته.

و يتعبون أنفسهم في الأمر الأوّل بذكر تعريف العلم بالحدّ أو الرسم التامّين أو الناقصين، و ذكر النقوض الواردة عليه طردا و عكسا، و ذكر أجوبة النقوض و حلّها، و بالأخرة لا يمكنهم غالبا إصلاح التعريف بحيث يكون مطّردا و منعكسا، و كذلك يتعبون أنفسهم في الأمر الثاني بذكر كلّيّ الموضوع أوّلا، و يعرّفونه بأنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، و يعرّفون العرض الذاتيّ بأنّه ما يعرض الشي‏ء أوّلا و بالذات، و العرض الغريب بأنّه ما لا يعرضه أوّلا و بالذات، و يبيّنون أقسامهما، و قد يصير بعض الأعراض عندهم محلّ الخلاف و الإشكال في أنّه من الأعراض الذاتية أو من الأعراض الغريبة.

ثمّ يعرّفون و يبيّنون موضوع العلم الذي يريدون أن يبحثوا عنه، و إذا رأوا

18

ذلك الموضوع مشتركا بين هذا العلم و علم آخر و لا يحصل بينهما تمايز من جهة الموضوع يجعلون تمايز الموضوع بتمايز الحيثيات، و إذا رأوا أنّ التمايز لا يحصل بذلك يجعلون التمايز بجهات البحث، و يكتبون أوراقا في بيان هذين الأمرين كما يظهر بالمراجعة إلى شرح المطالع‏ (1) و الشوارق‏ (2) و حاشية الشيخ محمّد تقي‏ (3) و الفصول‏ (4) و غيرها من الكتب المبسوطة.

و الحال أنّ اتعاب النفس في كلا الأمرين لا فائدة له في الجهة المبحوثة، و ذلك لأنّ اتعاب النفس في الأمر الأوّل إن كان لحصول المعرفة التفصيليّة للمتعلّم الطالب لذلك العلم فمعلوم أنّه لا تحصل المعرفة التفصيليّة له بذلك التعريف، بل يتوقّف حصولها على الاطّلاع على مسائل ذلك العلم، و إن كان لحصول المعرفة الإجماليّة فمعلوم أيضا أنّ المعرفة الاجماليّة لا تتوقّف على هذا التعريف، بل هي حاصلة لطالب كلّ علم مع قطع النظر عن هذا التعريف، فإنّ المعرفة الإجماليّة حاصلة بعلم الفقه و الاصول و المعاني و البيان و المنطق و النحو و الصرف و اللغة و الطب و العروض و غيرها من العلوم لطالبيها و لو مع عدم اطّلاعهم على تعاريفها، بل نفس تلك العلوم أعرف عندهم من هذه التعاريف حيث يجعلون نفس هذه العلوم معيارا لاطّراد هذه التعاريف و انعكاسها و عدمهما، فاتعاب النفس في هذا الأمر لا يترتّب عليه فائدة مهمّة في الجهة المبحوثة عنها، و إنّما الفائدة التي تترتّب عليه مثل ما تترتّب على حلّ اللغز و المعمّى.

و أمّا اتعاب النفس في الأمر الثاني و الالتزام بأنّه لا بدّ لكلّ علم من أن يكون له موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة التزام بلا ملزم في كلّيّ العلوم المدوّنة المستقلة فضلا عن علم الاصول الّذي ليس علما مستقلا، بل هو عبارة عن طائفة من مسائل العلوم المتشتة الّتي لها دخل في الاستنباط، و ذلك لأنّ الحكمة و إن‏

____________

(1) شرح المطالع: ص 18.

(2) شوارق الالهام: ص 3.

(3) هداية المسترشدين: ص 18.

(4) الفصول: ص 10.

19

اقتضت تميّز المسائل و المطالب بعضها عن بعض، و طائفة منها عن طائفة اخرى، تسهيلا للتناول و التعليم و التعلّم و التصنيف و التأليف.

و تسمية ما كانت له جهة جامعة من تلك المسائل باسم خاص و تدوينها في كتاب مخصوص تحصيلا للغرض المذكور و هو سهولة التناول كما أنّها هي الباعثة إلى تبويب الكتب إلى الأبواب و الفصول، و ذكر كلّ طائفة من المسائل الّتي لها جهة جامعة في باب مخصوص و فصل معيّن على ما هو طريقة المصنّفين من الفقهاء حيث يقسّمون الفقه إلى العبادات و المعاملات من العقود و الإيقاعات و الأحكام، و يقسّمون العبادات إلى كتب متعددة من الطهارة و الصلاة إلى آخر العبادات، و كذلك باقي الفقه من العقود و الإيقاعات و الأحكام، و كذلك يقسّمون كلّ كتاب إلى أبواب و فصول و كذلك غيرهم من العلماء المصنفين.

إلّا أنّ الالتزام بأنّ ما به الامتياز بين المسائل لا بدّ و أن يكون هو الموضوع حتى يتصوّر في بعض المقامات و المسائل في الإشكال من جهة أنّهم يرون بعض المسائل من مسائل العلم، و الحال أنّ البحث عنها ليس بحثا عن عوارض ذاتية ما جعلوه موضوعا لذلك العلم، و يتكلّفون في إدراجه فيها بتكلّفات بعيدة، بل قد يمكن أن يكون ما به الامتياز هو الموضوع كما إذا كان مطمح نظر الشخص موضوعا معيّنا و يدور وراء المحمولات المنتسبة إلى الموضوع.

و قد يكون ما به الامتياز هو المحمول كما إذا كان مطمح نظره محمولا معيّنا و يدور وراء موضوعاته، مثل ما إذا كان الشخص بصدد تعيين الامور الّتي يحمل عليها نافع أو واجب، أو معرب أو مبنيّ، و أمثالها. و قد يكون ما به الامتياز لا هذا و لا ذاك بل يكون هو الغرض، كما إذا كان مطمح نظر الشخص الى جمع القضايا و المسائل الّتي لها دخل في غرض خاص مثل الاستئناس و الاستنباط و تشحيذ الذهن و أمثالها، فيجمع القضايا و المسائل الّتي لها دخل في ذلك الغرض و إن لم يكن لها جهة جامعة من حيث الموضوع و لا من حيث المحمول.

و الحاصل: أنّ الغرض من الأمر الأوّل إن كان حصول المعرفة الاجماليّة

20

و كانت هذه التعاريف من قبيل شرح الاسم و تبديل لفظ بلفظ آخر كالتعاريف اللغوية ففيه:

أوّلا: أنّ هذه المعرفة حاصلة مع قطع النظر عن هذه التعاريف، بل نفس المعرفات أعرف من هذه التعاريف.

و ثانيا: أنّه لا موقع لهذه النقوض و الابرامات بالنسبة إلى التعاريف اللفظية.

و أيضا الغرض من الأمر الثاني و التزام أنّه لا بدّ لكلّ علم من موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتية بحصول الامتياز لبعض المسائل عن بعضها بمقتضى الحكمة الباعثة على التمايز، و هي سهولة الأخذ و التعليم و التعلّم، كما أنّها الباعثة إلى تبويب الكتب إلى الأبواب و الفصول.

ففيه: أنّ هذا مسلّم، و إنّما الإشكال في أنّ التمايز لا بدّ و أن يكون بالموضوع كما ذكروه حيث قالوا: تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، أو يمكن التمايز بغير الموضوع، و قد تقدّم أنّ الالتزام بأنّ تمايز العلوم لا بدّ و أن يكون بتمايز الموضوعات التزام بلا ملزم و لا داعي إلى هذا الالتزام، مع أنّه يقع الإشكال من جهة هذا الالتزام بالنسبة إلى بعض المسائل الّتي كونه من مسائل ذلك العلم المبحوث عنه مسلّم و يلزم خروجه عن مسائله بمقتضى هذا الالتزام، و يحتاج ادخاله إلى التكلّفات البعيدة، مع أنّه قد يبحث عن مسائل علم مع عدم العلم بالنسبة إلى موضوعه، و الحال أنّه بناء على هذا الالتزام من قبيل التصديق بلا تصور، بل يمكن أن يكون التمايز بالموضوع بأن تكون الجهة الجامعة الموجبة لامتياز طائفة من المسائل عن طائفة اخرى هو اتّحادها في الموضوع، و كون البحث في جميع تلك الطائفة عن الجهات الراجعة إلى هذا الموضوع و إن لم يكن بحثا عن عوارضه الذاتيّة، بل عن أمر يرجع بالأخرة إليه كما إذا كان مطمح نظر المخترع لعلم موضوعا معيّنا و كان بصدد تعرّف أحواله و محمولاته.

و قد يكون التمايز بالمحمول بأن تكون الجهة الجامعة الموجبة لامتياز طائفة من المسائل عن طائفة اخرى هو اتّحادها في المحمول، و كون البحث في جميع‏

21

تلك الطائفة عن الجهات الراجعة إلى ذلك المحمول كما إذا كان مطمح نظر مخترع العلم إلى تعرّف أحوال موضوعات ذلك المحمول و أيّ شي‏ء يثبت له ذلك المحمول وجدانا أو برهانا.

و قد يكون التمايز بالغرض بأن تكون الجهة الجامعة بين تلك الطائفة من المسائل اتحادها في الغرض الخاص الذي وضع هذا العلم له.

فإن قلت: إن الغرض الواحد كيف يمكن أن يحصل من المسائل الّتي [هي‏] مختلفة موضوعا و محمولا و الحال أنّ الواحد لا يصدر إلّا عن واحد كما أنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد؟

قلت فيه أوّلا: أنّ الغرض المطلوب من العلم لا يترتب على وجوده الواقعي مع قطع النظر عن تعلّق الإذعان به، فإنّ الغرض من علم النحو و هي صيانة اللسان عن الخطأ في المقال لا يحصل بمجرّد وجود المسائل النحويّة في الواقع و نفس الأمر مع قطع النظر عن تعلّق الإذعان بها، و كذلك المنطق فإنّ الغرض المطلوب منه و هي العصمة عن الخطأ في الفكر لا يحصل إلّا بالإذعان بمسائله. فالغرض المترتّب على هذا العلم ليس مرتّبا على نفس مسائله المختلفة الموضوع و المحمول، بل على الإذعان، و يمكن أن تكون لتلك الإذعانات جهة جامعة يكون الغرض مترتّبا على تلك الجهة الجامعة.

و ثانيا: أنّ الغرض المترتّب على كلّ واحد من هذه الإذعانات مغاير للغرض المرتّب على الإذعان الآخر فإنّ الغرض المترتب على «كلّ فاعل مرفوع»- [و] هو حفظ اللسان عن الخطأ في المقال بنصب الفاعل أو جرّه- مغاير للغرض المترتب على «كلّ مفعول منصوب» و هو حفظ اللسان عن الخطأ في المقال برفع المفعول أو جرّه، و كذا الغرض المترتب على «أنّ الأمر للوجوب» مغاير للغرض المترتب على «أنّ النهي للحرمة»، أو «أنّ مفهوم الشرط حجة» فإن لكلّ واحدة من المسائل غرض يختصّ بها و هو استنباط الحكم الفرعي المترتّب على كلّ‏

22

واحدة منها، و هكذا بالنسبة إلى سائر المسائل و سائر العلوم.

ثم إنّ صاحب الكفاية (1) (قدّس سرّه) بعد ما تفطّن أنّ تمايز العلوم بتمايز الاغراض التزم بأنّ موضوع العلم عنوان كلّي نسبته إلى موضوعات المسائل نسبة الكلّي إلى المصاديق و الطبيعي إلى الأفراد، و إن لم نعرف ذلك باسمه و رسمه.

و فيه: أنّه بعد كون التمايز بالأغراض فالالتزام بوجود الموضوع التزام بلا ملزم، مع أنّه إذا كان التمايز بالموضوع كما قلنا: إنّه يمكن أن يكون بأحد الامور الثلاثة و لا ينحصر التمايز بأحدها لا يلزم أن يكون موضوع كلّ مسألة من مسائله جزئيا من جزئياته، بل يمكن أن يكون موضوع المسألة عين موضوع العلم، و يمكن أن يكون جزئيا من جزئياته، و يمكن أن يكون جزءا من أجزائه إذا كان موضوع العلم مركبا، و يمكن أن يكون من أعراضه الذاتية كما ذكره أهل المنطق فلا يتعيّن أنّ يكون موضوع المسألة من جزئيات موضوع العلم، فالتزامه في صورة كون التمايز بالموضوع التزام بلا ملزم أيضا.

هذا تمام الكلام بالنسبة إلى كلّي العلوم المدوّنة، و ظهر أنّه لا ينحصر تمايزها بتمايز الموضوعات و لا المحمولات و لا الأغراض، بل يمكن أن يكون التمايز بأحد هذه الامور الثلاثة.

و مع التنزّل و تسليم أنّ لكلّ واحد من العلوم المدوّنة لا بدّ أن يكون موضوعا يمتاز به عن غيره من العلوم، لا نسلّم أنّ اصول الفقه علم مستقل على حدة في قبال العلوم الاخر حتى يحتاج إلى موضوع معيّن، بل هو عبارة عن مجموع مسائل متشتّتة من العلوم التي يتوقّف الاجتهاد و الاستنباط على معرفتها، كالنحو و الصرف و اللغة و المنطق و المعاني و البيان و الكلام، و غيرها من العلوم التي تبلغ إلى أربعة عشر- على ما ذكروا- العلوم التي يتوقّف الاجتهاد عليها، فإنّ علماء الاصول جمعوا امّهات مسائل هذه العلوم التي يتوقّف الاجتهاد عليها على حسب اختلاف أنظارهم و أمذقتهم من حيث التكثير و التنقيص، إمّا من جهة سهولة تناول ما يتوقّف عليه‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 22.

23

الاجتهاد من مسائل تلك العلوم، و إمّا من جهة عدم تنقيح تلك المسائل المهمّة المحتاج إليها في تلك العلوم كما هو حقّه، و سمّوها باسم اصول الفقه.

و لفظ الاصول باق على معناه اللغوي أي ما يبتني عليه الفقه أو قواعد الفقه، فحال هذا العلم كحال كشكول شيخ البهاء و مشكلات علوم النراقي و أمثالهما من المجموعات من العلوم المتشتّة لغرض دعاهم إلى تصنيفها و تأليفها، فكما أنّه ليس لها موضوع معيّن فكذلك ليس لعلم الاصول موضوع معيّن.

و على فرض التنزل و المماشاة و تسليم أنّه علم مستقل و يحتاج إلى موضوع معيّن يمتاز به عن سائر العلوم فموضوعه أيّ شي‏ء؟

قيل: إنّ موضوعه الأدلّة الأربعة الّتي عبارة عن الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل. و لا إشكال في أنّ هذه الامور الأربعة متغايرة متباينة، فلو كان الموضوع جميع هذه الامور لزم أن يكون علم الاصول علوما أربعة بناء على كون تغاير العلوم بتغاير الموضوعات، إلّا أن يكون الموضوع هو القدر الجامع بين هذه الامور و هو ليس إلّا عنوان الدليل.

فإذا كان الموضوع هو الدليل فإن قلنا بمقالة صاحب الفصول‏ (1) من أنّ الموضوع ذوات الأدلّة مع قطع النظر عن دليليتها، فلا ريب أنّ البحث عن دليلية الأدلّة و حجّية الحجج يدخل في مسائل الاصول، إلّا أنّه يلزم الإشكال المذكور و هو لزوم كون علم الاصول علوما أربعة، لأنّ ذوات الأدلّة امور متباينة متغايرة.

و إن قلنا: بمقالة صاحب القوانين‏ (2) من أن الموضوع هو الدليل بوصف الدليلية و بعد الفراغ عنها يلزم خروج البحث عن حجية الأدلّه جميعا عن مسائل الاصول، و كذا يلزم خروج مباحث الألفاظ- مثل البحث عن كون الأمر للوجوب و النهي للحرمة و غيرهما من مباحث الألفاظ- عن مسائل الاصول، لأنّ البحث عن كون الأمر للوجوب مثلا بحث عن حال كلّي الأمر لا خصوص الأوامر الواردة في الكتاب و السنّة، و إن كان الغرض من البحث هو معرفة حال الأمر الوارد فيها، و كذا

____________

(1) الفصول في الاصول: 12 س 10.

(2) قوانين الاصول: ج 1، ص 9 س 22.

24

باقي مباحث الألفاظ.

و أمّا البحث عن حجيّة خبر الواحد: فقد يكون نظر الباحث إلى معرفة أحوال الحاكي و هو الخبر، و قد يكون نظره إلى معرفة أحوال المحكي و هي السنّة المحكيّة بالخبر الّتي هي عبارة عن قول المعصوم و فعله و تقريره، و إن كان الحاكي و المحكي من الامور النسبية الّتي تلازم معرفة كلّ منهما للآخر لكن نظر الباحث أوّلا و بالذات قد يكون إلى الحاكي و قد يكون إلى المحكي، فانّه فرق بين النزاع في أنّ الخبر الواحد هل يثبت السنّة كما يثبت بعض الأشياء الاخر أم لا؟ و بين النزاع في أنّ السنّة هل تثبت بخبر الواحد كما تثبت بالخبر المتواتر أم لا؟ كما في الامور الخارجيّة النزاع في أنّ هذا السكين هل يقطع الخشب أم لا؟ غير النزاع في أنّ هذا الخشب هل يقطعه هذا السكين أم لا؟

فإنّ الغرض من النزاع على الوجه الأوّل هو تعرّف حال السكين من حدّته و عدم حدّته، بخلاف الوجه الثاني فإنّ الغرض منه معرفة حال الخشب من الصلابة و عدمها، فكذلك في المقام فإنّ النزاع في أنّ الخبر الواحد هل يثبت السنّة أم لا؟

الغرض منه تعرّف حال الخبر بخلاف النزاع في أنّ السنّة هل تثبت بخبر الواحد أم لا؟ الغرض منه تعرّف حال السنّة، فإن كان النزاع في حجيّة الخبر الواحد على الوجه الأوّل فلا تدخل تلك المسألة في مسائل الاصول، و إن كان النزاع فيها على الوجه الثاني فتدخل في المسائل الاصوليّة، لأنّ البحث عنها بحث عن الحجّة بعد الفراغ عن حجيتها و عن الدليل بعد الفراغ عن دليليتها كما لا يخفى إذ هو أوضح من أن يخفى.

و الحاصل: أنّ القائل بأنّ تمايز العلوم ليس منحصرا بتمايز الموضوع، بل يمكن أن يكون بتمايز المحمول أو الغرض، و تمايز علم الاصول عن غيره إنّما هو من جهة الغرض- كما هو المختار بالنسبة إلى علم الاصول بل الأغلب من العلوم- فلا يرد عليه إشكال خروج بعض المسائل التي يذكرونها في الكتب الاصوليّة عن كونها مسألة اصوليّة، و لا يلزمه التفصّي عنه بذكره استطرادا، و ذلك لأنّ المسائل‏

25

- بناء على هذا القول- عبارة عن كلّ ما له دخل في الاستنباط و يترتّب على الإذعان به هذا الغرض سواء كانت موضوعها متحدة أم لا، فلا يلزم الإشكال حتّى يحتاج إلى الجواب.

و أمّا بناء على القول بأنّ تمايز العلوم منحصر بتمايز الموضوعات و أنّ علم الاصول علم من العلوم لا أنّه مسائل متشتّة من علوم متعددة فلا بدّ أن يكون لهذا العلم من موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّةكما قالوا: إنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة (1) و موضوعه ليس إلّا الأدلّة الأربعة على ما هو المشهور. و قيل: «إنّ الموضوع هذه الأدلّة و الاستصحاب‏ (2)، و العامّة زادوا القياس‏ (3) أيضا.

و قد عرفت أنّ الموضوع لو كان ذوات هذه الأدلّة لصارت الموضوعات متعددة و بتعدّدها يتعدد العلم، و خرج علم الاصول عن كونه علما واحدا، بل يصير علوما أربعة. فلا بدّ أن يكون الموضوع أمرا جامعا بين هذه الأربعة، و هو ليس إلّا عنوان الدليل الصادق على كلّ واحد منها المتّحد معها صدق الكلّي على الأفراد و اتّحاد الطبيعي مع المصاديق.

و حينئذ يرد الإشكال بأنّ البحث عن عوارض أنواع الكلّي و أصنافه كالبحث عن عوارض الكتاب أو السنّة- مثلا- في هذا العلم، أو البحث عن عوارض الاسم و الفعل في علم النحو ليس بحثا عن عوارض ذاتيّة ما هو الموضوع و هو كلّي الدليل في هذا العلم و الكلمة في علم النحو، و لسنا بصدد حلّ ذلك الإشكال الآن، و هو موكول إلى محلّه.

و مع قطع النظر عن هذا الإشكال نقول: أنّه يلزم بناء على هذا خروج كثير من المسائل المدوّنة في الكتب الاصوليّة المسلّمة كونها من مسائل علم الاصول عن كونها مسأله اصوليّة، إمّا من جهة أنّ موضوعها ليس موضوع علم الاصول،

____________

(1) بدائع الأفكار: ص 27 س 30.

(2) قاله صاحب القوانين: ج 1 ص 9 س 21

(3) المستصفى: ص 5 س 8.

26

أو محمولها ليس من عوارض ذاتية ما يكون موضوعا، أمّا مباحث الألفاظ فيلزم خروج جميعها عن المسائل الاصوليّة، لأنّ البحث عن كون صيغة الأمر للوجوب أو النهي للتحريم و هكذا غيرهما من مباحثها بحث عن حال كلّيّ هذه الألفاظ لا بقيد كونها واردة في الكتاب أو السنّة. و لا إشكال في أنّ كلّيّ هذه الألفاظ ليس دليلا، و إنّما الدليل ما وقع من هذه الألفاظ في الكتاب أو السنّة، فهذه المباحث خارجة عن المسائل الاصولية من جهة الموضوع، و كذا يخرج البحث عن حجيّة الأدلّة مثل البحث عن أنّ ظاهر الكتاب حجة أم لا؟ أو الإجماع حجة أم لا؟

و أمثالهما، فإنّ الموضوع في هذه المسائل الّتي يبحث فيها عن دليلية الأدلّة و إن كان من مصاديق موضوع العلم- أعني الدليل- إلّا أنّ المحمول ليس من عوارض ذاتية الدليل بما هو دليل و بعد الفراغ عن دليليّته، لما عرفت من أنّه لو كان الموضوع ذوات الأدلّة مع قطع النظر عن دليليّتها لكان الأمر كذلك.

و لكن يلزم الإشكال بصيرورة علم الاصول علوما أربعة لا علما واحدا، و لو كان الموضوع هو القدر الجامع- و هو عنوان الدليل- فلا بدّ أن تكون الدليليّة محرزة و يكون البحث عن عوارضها حتى تصير المسألة من المسائل الاصوليّة.

و البحث عن الدليليّة ليس بحثا عن أعراض ذاتيّة الدليل بوصف كونه دليلا، بل من عوارض ذات الدليل، فالبحث عن هذه الطائفة من المسائل خارج عن المسائل الاصوليّة من جهة المحمول.

و أمّا البحث عن الأحكام العقليّة فالبحث عن الأحكام العقلية المستقلّة كمسألة التحسين و التقبيح العقليّين و كذا باب الاستلزامات كاستلزام الأمر بالشي‏ء لوجوب مقدّمته أو لحرمة ضدّه خارج عن المسائل، لأنّ البحث فيها عن وجود الموضوع و هو حكم العقل، إذ ذات العقل ليس أحد الأدلّة الأربعة، و إنّما الدليل هو حكمه، و في هذه المسائل يبحث أنّ هذا الحكم هل متحقّق أم لا؟

و أمّا باب الملازمة بين حكم العقل و الشرع فمقتضى النظر البدوي و إن كان عدم كون البحث فيها عن وجود الموضوع بل الحكم العقلي الموجود في المقام‏

27

يبحث عن أحواله و عوارضه الّتي من جملتها هو أنّ حكم العقل هل يكون طريقا و مثبتا للحكم الشرعي أم لا؟ إلّا أنّ مقتضى النظر الدقيق خلافه، و أنّ البحث فيها أيضا بحث عن وجود الموضوع، لأنّ مرجع البحث فيها إلى أنّه هل الدليل الشرعي على الحكم موجود أم لا؟ فالأحكام العقليّة الّتي [هي‏] شطر وافر من المسائل الاصوليّة تخرج عنها أيضا.

و أمّا البحث عن حجيّة خبر الواحد فقد تقدّم أنّه يمكن أن يكون بلحاظين:

أحدهما: أن يكون البحث في تلك المسألة بلحاظ حال السنّة التي هي أحد الأدلّة الأربعة بأن يكون البحث في أنّ السنّة هل تثبت بالخبر الواحد أم لها خصوصيّة لا تثبت إلّا بالخبر المتواتر كما أن لاصول الدين خصوصيّة لا تثبت إلّا بالعلم بخلاف فروع الدين؟ فعلى هذا يكون البحث فيها بحثا عن المسألة الاصوليّة.

و ثانيهما: أن يكون البحث فيها بلحاظ حال الخبر الحاكي عن السنّة بأن يكون البحث فيها عن أنّ الخبر الواحد هل يثبت السنّة كما يثبت بعض الامور الاخر أم لا يثبت السنّة إلّا الخبر المتواتر مثلا؟ كما أنّ نظير هذا البحث في الأحكام و المسائل الفرعيّة أيضا موجود كمسألة إثبات السرقة بالشاهد و اليمين، فإنّه بعد ما ثبت أنّ الشاهد و اليمين يثبت بهما بعض الامور كحقوق الناس مثلا يبحث عن أنّ الشاهد و اليمين هل يثبتان السرقة أيضا أم لا؟

فعلى هذا لا يكون البحث فيها بحثا عن المسائل الاصول‏ (1)، لأنّ البحث فيها ليس بحثا عن أحوال الدليل و هو المحكيّ، بل عن أحوال الخبر الحاكي، إلّا أن تعمّم السنّة للخبر الحاكي عنها كما عمّمت من قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله) و فعله و تقريره إلى الإمام (عليه السّلام).

و أمّا البحث عن التعادل و الترجيح اللذين موضوعهما الدليلان المتعارضان و التعارض ليس إلّا بين الخبرين الحاكيين عن السنّة الواقعيّة، و إلّا فنفس السنّة لا

____________

(1) هكذا في الأصل، و الصحيح إمّا مسائل الاصول، أو المسائل الاصولية.

28

تعارض فيها فلا يكون البحث عنهما بحثا عن المسألة الاصوليّة، فتأمّل.

فيلزم بناء على أن يكون تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و الالتزام بأنّه لا بدّ لكلّ علم من موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، و التزام أنّ علم الاصول من تلك العلوم المحتاجة إلى موضوع معيّن خروج غالب المسائل المهمّة المسلّمة عندهم كونها من المسائل الاصولية عن كونها مسألة اصوليّة.

و التزام كون ذكرها من باب الاستطراد- مع أنّه في غاية البعد- و لذا التجأ في الكفاية (1) إلى التزام أنّ موضوع علم الاصول عنوان كلّي منطبق على موضوعات مسائله و متّحد معها نحو اتّحاد الطبيعي و أفراده و إن لم نعرفه باسمه و رسمه، و لا يمكن لنا تحديده لعدم معرفته إلّا أنّه نعلم إجمالا أنّ موضوعه منطبق على موضوعات المسائل بحيث لا يخرج شي‏ء من موضوع هذه المسائل عن كونه مصداقا لذلك العنوان، و لا يدخل شي‏ء من موضوع غير هذه المسائل في كونه مصداقا له.

و قد عرفت أنّه التزام بما لا يلزم فلم يلتزم الإنسان باحتياج العلم إلى الموضوع حتى يقع في هذه التكلّفات مع أنّه بناء على القول باحتياج كلّ علم إلى موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة كيف يبحث عن عوارض شي‏ء مع عدم معرفته؟ و من أين يعلم أنّ هذه العوارض عوارض ذاتيّة له مع عدم العلم به؟ و لا يحصل العلم به إلّا بعد العلم بالمسائل، إذ هو عنوان كلّي منطبق على موضوعات المسائل و ينتزع عنها، و الحال أنّه لا بدّ أن يكون الموضوع أمرا معيّنا يبحث في العلم عن عوارضه، فتأمّل.

[الامر] الثاني: في الوضع‏

لا إشكال في أنّ دلالة الألفاظ على معانيها ليست من جهة المناسبة الذاتية و إنّما هي بالوضع.

____________

(1) كفاية الاصول: ص 22.

29

و قد عرّف الوضع بتعاريف:

منها: إنّه تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه.

و منها: إنّه تخصيص اللفظ بالمعنى.

و منها: إنّه التزام الواضع بأن لا يستعمل اللفظ إلّا مريدا به هذا المعنى.

و منها: إنّه علقة جعليّة بين اللفظ و المعنى.

لا إشكال في إمكان كونه التزاما من الواضع الأوّل بأن لا يستعمل اللفظ إلّا مريدا به المعنى فإنّ هذا الالتزام كسائر الالتزامات التي تقع عن الشخص على نفسه أو بينه و بين غيره كالالتزامات و الشرائط الواقعة في ضمن العقود أو بينه و بين اللّه كالأيمان و النذور.

و لا إشكال في أنّه في صورة إحراز ذلك الالتزام منه بالعلم الذي هو القدر المسلّم لا بالأمارة أو الأصل، و إحراز أنّه باق على التزامه إذا استعمل اللفظ يحصل العلم بإرادة المعنى منه، هذا بالنسبة إلى الواضع الأوّل، و أمّا باقي أهل اللغة فكذلك أيضا، لأنّهم تابعون للواضع الأوّل.

كما لا إشكال في إمكان كونه علقة جعليّة بين اللفظ و المعنى بجعل من بيده الجعل و الاعتبار هذا اللفظ لذلك المعنى بحيث لو تجاوز عنه لكان مستعملا في غير ما جعل له أو انجعاله لذلك المعنى من جهة كثرة استعماله فيه، فتكون تلك العلاقة كعلاقة الملكيّة حدوثا و بقاء، فإنّ علاقة الملكيّة كما قد تحصل بأسباب اختياريّة مجعولة بجعل من بيده أمر الجعل كالبيع و الصلح و الهبة و غيرها و قد تحصل بأسباب قهريّة غير اختيارية كذلك هذه العلاقة قد تحصل بأمر اختياري و هو جعل الواضع هذا اللفظ لذلك المعنى، و قد تحصل بأمر غير اختياري كانجعاله له من كثرة استعماله فيه.

و كما أنّ علاقة الملكيّة باقية إلى أن يحصل نقل اختياري أو إعراض- مثلا- فكذلك تلك العلاقة باقية إلى أن يحصل نقل من المعنى الأوّل إلى الثاني أو الجرّ (1)

____________

(1) كذا في الأصل، و الظاهر: الهجر.

30

بالنسبة إلى المعنى الأوّل. فبحسب التصوّر و الإمكان كلا النحوين يمكن و إنّما الكلام في أنّ ما وقع في الخارج هو النحو الأوّل، و أنّ ما صدر منه أوّلا هو الالتزام و التعهد المذكور و العلقة الجعليّة تنتزع منه، أو أنّ ما صدر منه أوّلا هو جعل العلقة و الالتزام المذكور من أحكام و آثار جعل العلقة كجواز تصرّف الشخص في ملكه و عدم جواز تصرف غيره فيه اللذين هما من أحكام و آثار علقة الملكيّة كالكلام في أنّ الأحكام التكليفيّة منتزعة عن الأحكام الوضعيّة، أو بالعكس. و الحقّ أنّ ما يقع في الخارج هو النحو الثاني، لأنّا إذا رجعنا إلى وجداننا في مقام تسمية أولادنا لا نرى في أنفسنا إلّا جعل هذا الاسم كلفظ مصطفى مثلا لذلك الولد المخصوص و اختصاصه به، فتأمّل.

فتحصّل: أنّ الوضع عبارة عن نحو اختصاص للفظ بالمعنى، و علقة خاصة و ربط مخصوص بينهما نظير العلاقة الّتي بين الملك و مالكه في كونه من الامور الاعتبارية الّتي قد توجد بسبب اختياري كإنشائها بالعقود المملّكة، و قد توجد بسبب غير اختياري كالانتقالات القهريّة، و علاقة الوضعيّة الّتي بين اللفظ و المعنى قد تحدث بسبب اختياري كإنشاء الواضع بأنّي وضعت هذا اللفظ لذلك و جعلته له و قد تحدث بسبب غير اختياري ككثرة استعماله إلى أن وصلت الى حدّ لا يحتاج انفهام المعنى منه الى القرينة بحيث صار هذا اللفظ لباسا لذلك.

لكن اختلف في أنّ كثرة الاستعمال الموجبة لصيرورة اللفظ حقيقة في المعنى المستعمل فيه هل تشترط أن تكون مقرونة بالقرينة المنفصلة بأن يستعمل اللفظ في المعنى المجازي اعتمادا على القرينة الخارجيّة و يفهم ذلك المعنى المجازي من جهة تلك القرينة إلى أن وصل الى حدّ ينسبق ذلك المعنى منه إلى الذهن مع قطع النظر عن تلك القرينة أو لا يشترط ذلك، بل يمكن أن تكون مقرونة بقرينة متّصلة و وصلت كثرة الاستعمال إلى ذلك؟

و الحقّ هو الأخير و إن قيل بأنّه إذا كان الاستعمال مقرونا بالقرينة المتصلة

31

لا يكون الانفهام مستندا إلى اللفظ فقط، بل كان للقرينة دخل فيه و تكون جزءا للمقتضي.

و لكن فيه: أنّه قبيل الوصول الى ذلك الحدّ للقرينة دخل في الانفهام، و لا مانع منه، لأنّه ما صار حقيقة فيه بعد و بعد الوصول الى ذلك لا دخل لها فيه، لأنّه مع قطع النظر عنها يسبق هذا المعنى الى الذهن كما إذا كانت القرينة منفصلة، هذا بالنسبة إلى حدوث تلك العلاقة.

و كذا بالنسبة الى زوالها أيضا حالها حال علاقة الملكيّة، فكما أنّ العلقة الملكيّة تزول بأمر إختياري كالنقل الاختياري و بأمر غير اختياري كالانتقالات القهرية المخرجة عن الملك كذلك تلك العلاقة قد تزول بأمر إختياري كالنقل عن المعنى الأوّل إلى معنى آخر، و قد تزول بأمر غير اختياري كالهجر.

فظهر أنّه لا إشكال في أنّ الوضع كما يحصل بإنشاء الواضع بأن يقول: إنّي وضعت هذا اللفظ لذلك، كذلك يحصل بكثرة استعماله فيه الى أن وصل الى الحدّ المذكور، و يسمّى الأوّل بالوضع التعييني و الثاني بالوضع التعيّني.

و لا إشكال فيه كما ظهر من مقايسة تلك العلاقة بعلاقة الملكيّة، و إنّما الإشكال في أنّ حصول الوضع التعيينى موقوف على الإنشاء اللفظي بأن يقول:

وضعت هذا لذاك، أو يمكن حصوله بالفعل كأن يستعمل اللفظ في المعنى من غير كونه مسبوقا بوضع سابق و كان غرضه من ذلك الاستعمال وضعه له كأن يقال: خذ المصطفى مثلا و استعمل لفظ المصطفى في الولد المخصوص، و كان من هذا الاستعمال وضع هذا اللفظ له. و لا يلزم الجمع بين الإرادة الوضعية و الإرادة الاستعمالية، لأنّ الإرادة تعلّقت باستعماله فيه أوّلا و إرادته منه. و المقصود من هذا الاستعمال في هذا المعنى هو الوضع ثانيا، و حصول العلقة بين اللفظ و المعنى بهذا الاستعمال كحصول علاقة الملكيّة بين المالك و الملك بالمعاطاة فكما أنّ الملكية يمكن إنشاؤها بالقول كالإنشاء بالعقود و يمكن انشاؤها بالفعل كالإعطاء و التسليط بقصد التمليك، و يوجد بهذا الفعل مصداق للتمليك كما يوجد بالإنشاء

32

القولي و كالإباحة فإنّها كما تحصل بالإنشاء القولي تحصل بالفعل الخارجي كإحضار الطعام عنده و كالإذن في دخول الدار مثلا، فانّه كما يحصل بالقول يحصل بالفعل كفكّ الباب مثلا، و هكذا.

و الحاصل: أنّه كما تحصل هذه العناوين بالإنشاء القولي كذلك تحصل بالفعل الخارجي ما يكون مصداقا و لا يكون إنشاء قوليّا و عقدا، و لذا لم يتمسّك القائلون بصحّة المعاطاة ب «أوفوا بالعقود» (1) و تمسّكوا ب «أحلّ اللّه البيع» (2) و من تمسّك منهم: ب «أوفوا بالعقود» فكأنّه لم تظهر له معنى المعاطاة كما ينبغي.

فعلى هذا لا إشكال في حصول مصداق للوضع بهذا الفعل و الاستعمال، و إنّما الإشكال في أنّ نفس هذا الاستعمال هل هو استعمال حقيقي أو مجازي أو خارج منهما و ليس بحقيقة و لا مجاز؟

بمكن أن يقال: بأنّ هذا استعمال في المعنى الحقيقي، لأنّه عبارة عن الاستعمال في ما وضع له، فلو اعتبر فيه أن يكون الوضع سابقا على الاستعمال لا يمكن أن يكون استعمالا حقيقيّا، و لكن إن اكتفينا في الوضع بصرف هذا الاستعمال و قلنا: «إنّ الحقيقة عبارة عن استعمال اللفظ في الموضوع» و لو كانت صيرورته موضوعا بنفس هذا الاستعمال فلا مانع من كونه حقيقة.

كما يمكن أن يقال: بأنّه مجاز، لأنّه عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له و هذا استعمال في غير ما وضع له و إنّما يصير ما وضع له بعد الاستعمال.

كما يمكن أن يقال: إنّه ليس بحقيقة و لا مجاز: أمّا أنّه ليس بحقيقة فلاعتبار الوضع فيها في الرتبة السابقة على الاستعمال، و هنا ليس كذلك، و أمّا أنّه ليس بمجاز فلاعتبار كون الاستعمال في غير ما وضع له فيه، و هنا ليس كذلك.

و لسنا الآن بصدد كون هذا الاستعمال استعمالا حقيقيّا أو مجازيّا أو ليس بحقيقي و لا مجازي، و إنّما الآن بصدد بيان إمكان حصول مصداق الوضع بالفعل كما يحصل بالقول. و على الظاهر لا إشكال فيه.

____________

(1) المائدة: 1.

(2) البقرة: 275.

33

و على هذا يندفع الإشكال الّذي أورد على القائلين بكون ألفاظ العبادات حقائق شرعيّة في هذه المعاني المخترعة و صيرورتها حقائق إنّما هي بالوضع التعييني و هو أنّه لو كان لهذه الألفاظ وضع تعييني بالنسبة إلى هذه المعاني و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) وضع هذه الألفاظ لهذه بأن قال: إنّي وضعت الصلاة مثلا لكذا و الصوم لكذا الى آخرها لنقل ذلك إلينا كما نقل سائر الأحكام، و المعلوم خلافه.

و حاصل الدفع ما عرفت من أنّ حصول الوضع التعييني ليس منحصرا بالإنشاء القولي حتى يقال: إنّ المعلوم خلافه، بل يمكن حصول الوضع التعييني بصرف الاستعمال، و هو موجود.

و إذا عرفت حقيقة الوضع و إمكان حصوله بالتعيين قولا و فعلا و بالتعيّن من جهة كثرة الاستعمال فاعلم أنّه بلحاظ نفس الوضع و بلحاظ الموضوع له و بلحاظ كيفيّة الوضع ينقسم إلى أقسام منها: انقسام الوضع التعييني بلحاظ الوضع و الموضوع له الى أقسام أربعة، و ذلك لأنّ الملحوظ حين الوضع إمّا معنى كلّي أو جزئي، فإن كان الملحوظ معنى كليّا فتارة يوضع اللفظ بإزائه و تارة يوضع بإزاء جزئيّاته، فإن وضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى الكلّي يكون الوضع عامّا و الموضوع له أيضا عامّا، و إن وضع اللفظ بإزاء جزئيّات ذلك الكلّي يكون الوضع عامّا، لكون الملحوظ حين الوضع معنى كلّيّا و الموضوع له خاصّا، لأنّ الموضوع له جزئيات ذلك المعنى الكلّي لا نفسه و إن كان الملحوظ حين الوضع معنى جزئيا، فتارة يوضع اللفظ بإزاء نفسه و اخرى بإزاء كلّي ذلك الجزئي، فإن وضع اللفظ بإزاء نفس ذلك الجزئي يكون الوضع خاصّا و الموضوع له أيضا خاصّا، و إن وضع بإزاء كلّي ذلك الجزئي يكون الوضع خاصّا و الموضوع له عامّا، هذا بحسب التصور.

و أمّا بحسب الإمكان و الوقوع فلا إشكال في إمكان الوضع و الموضوع له العامّين أو الخاصّين، فإنّ وضع أسماء الأجناس من قبيل الأوّل، و وضع الأعلام الشخصيّة من قبيل الثاني، و أمّا كون الوضع عاما و الموضوع له خاصّا فهو أيضا ممكن، و ذلك لأنّ الكلّي كما يمكن أن يلاحظ لأن يرد الحكم عليه بلحاظ نفسه‏

34

و بما هو كلّي كما في بيع الكلّي الثابت في الذمّة حيث إنّ متعلّق البيع هو نفس الكلّي من دون سرايته الى الأفراد الخارجيّة، كذلك يمكن أن يلاحظ بما هو مرآة للأفراد و المصاديق الخارجيّة، فيلاحظ الكلّي بما هو وجه و مرآة للأشخاص و الأفراد و يعلّق الحكم عليه بهذا اللحاظ.

و حينئذ فالحكم المعلّق عليه معلّق في الواقع على المصاديق كما في:

لا تشرب الخمر- مثلا- فإنّ عنوان الخمر كلّي علّق عليه الحكم بالحرمة بلحاظ الأفراد و المصاديق، فإذا كان هذان النحوان ممكنين في الأحكام المعلّقة على الكلّيات ففي الوضع أيضا كذلك، لأنّ الوضع أيضا حكم من الأحكام، و الظاهر أنّه لا إشكال في إمكانه، و إنّما الإشكال في أنّه يصير من باب متعدّد المعنى و المشترك، لا من باب متّحد المعنى.

و ما قيل‏ (1) في مقام التفصّي و هو أنّه لا بدّ في المشترك من تعدّد الوضع، و الوضع هنا ليس بمتعدّد.

فيه: أنّه يمكن تصور الوضع الواحد في المشترك كما إذا كان لشخص أولاد متعدّدون و قال: سمّيت أولادي مصطفى مثلا- و التمثيل بهذا المثال لا يخفى وجهه و لطفه، لأنّ هذه التسمية صدرت منّي اليوم لولدي المسمّى بهذا الاسم الميمون المبارك، و نسأل اللّه تعالى بحق سميّه (صلّى اللّه عليه و اله) الطاهرين أن يباركه لنا و يجعله ولدا عالما صالحا تقيّا نقيّا زكيّا مليّا و يصطفيه وليّا- فإنّه إشكال في صيرورة هذا اللفظ مشتركا بينهم، مع أنّ الوضع واحد.

فبهذا لا يمكن التفصّي عن الإشكال، و لكن يمكن التفصّي عنه بوجه آخر:

و هو أنّ الوضع للمتعددين إن كان بلحاظ العنوان الكلّي، و بما أنّهم متّحدون في ذلك العنوان و أنّهم مصاديقه و أفراده كان من متّحد المعنى، و إن كان بلحاظ أنّهم ذوات متغايرة متخالفة و العنوان الكلّي الذي جعل مرآة للحاظها كان من باب صرف المشيريّة الى الذوات المتغايرة كعنوان من في الصحن الشريف أو في‏

____________

(1) قاله صاحب الفصول في الوضع: ص 16 سطر الأخير.

35

النجف الأشرف، و هكذا من دون أن يكون الوضع لها باعتبار اتّحادها في ذلك العنوان كان من متعدّد المعنى.

فتحصّل: أنّه لا إشكال في إمكان كون الوضع عامّا و الموضوع له أيضا، بل في وقوعه كأسماء الأجناس مثل الإنسان و الفرس و البقر و الغنم و أمثالها كما أنّه لا إشكال في الوضع الخاص و الموضوع له الخاص إمكانا و وقوعا كالأعلام الشخصية.

و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاص فالظاهر أنّه ممكن، بل ادّعي وقوعه، و أنّ مثل وضع الحروف و أسماء الإشارة و الموصولات من هذا القبيل، و ذلك لأنّه كما يمكن لحاظ الكلّي في حدّ نفسه و وضع لفظ بإزائه كذلك يمكن لحاظه بما أنّه مرآة للمصاديق و الأفراد و وجه لها، فإذا اريد وضع لفظ للجزئيات فالجزئيات لعدم كونها محصورة أو متناهية لا يمكن تصورها تفصيلا حتى يوضع اللفظ بإزائها، فيتصورها إجمالا بوجهها و عنوانها و يوضع اللفظ بإزائها، بل يمكن القول بأنّ وضع أسماء الأجناس من هذا القبيل، فكما أنّ الحكم في مثل: لا تشرب الخمر تعلّق بالخمر بلحاظ المرآتية للخمور الخارجيّة، و أنّ الحكم متعلّق بكلّ واحد من الأفراد فكذلك الوضع في مثل لفظ الإنسان تعلّق به بلحاظ الأفراد.

و الفرق بين ما إذا لوحظ الكلّي بنفسه و بين ما إذا لوحظ بنحو المرآتية للأفراد هو أنّه في الأوّل: متعلّق الحكم هو نفس الكلّي بلا سراية إلى الأفراد كالبيع الواقع على الكلّي في الذمّة، فإنّه لا يسري إلى الأفراد و إبراء الذمّة بإعطاء الفرد من حيث إنّه أيضا للكلّي، و إلّا فالأفراد الخارجيّة ليست متعلّقة للبيع، بل البيع تعلّق بنفس الكلّي، و إعطاء الفرد إنّما هو من باب صرف التطبيق و الإيفاء، و في الثاني:

متعلّق الحكم نفس الأفراد الخارجيّة، و لما كان الأفراد غير محصورة أو غير متناهية و لا يمكن تعلّق الحكم بها إلّا بعد تصوّرها و هو متعذّر تفصيلا فاكتفي بتصوّرها الإجمالي في ضمن تصوّر الكلّي، و علّق الحكم على الكلّي ليسري الى الأفراد كما في مثل: لا تشرب الخمر.

36

و الحاصل أنّه كما في تعلّق سائر الأحكام بالكلّي يمكن لحاظه في حدّ نفسه و مستقلا، و يمكن لحاظه على وجه المرآتية للأفراد، كذلك في تعلّق الوضع به يمكن لحاظه مستقلا و يمكن لحاظه مرآة.

و أمّا الوضع الخاص و الموضوع له العام فقد قيل بإمكانه بأن يكون تصوّر الشخص الناشى‏ء من رؤيته موجبا لوضع اللفظ لكلّي ذلك الشخص، فيكون الملحوظ حين الوضع معنى خاصّا و الموضوع له عامّا، بل قد قيل: أنّ وضع أسماء الأجناس كلّها من هذا القبيل، فإنّ الواضع لو لم ير الفرد من الجنس أوّلا من أين يعلم به حتى يضع اللفظ بإزائه؟! فلحاظ الفرد إنّما هو المنشأ لوضع اللفظ للكلّي فإنّه إذا رأى الفرد الخارجي من الفرس فتصوّره يصير منشأ لوضع لفظ الفرس لكلّي ذلك، لأن تصوّر الكلّي قد حصل بتصوّر الفرد، فكما أنّ تصوّر الكلّي تصور للفرد بوجهه فكذلك تصوّر الفرد تصوّر للكلّي بوجهه.

و فيه: أنّ لحاظ الفرد إن كان بإلغاء الخصوصيات الفرديّة، فيكون الملحوظ حين الوضع أمرا كليّا و الموضوع له أيضا كلّيا فيدخل في الوضع العام و الموضوع له العام، و إن لم يكن بالغاء الخصوصيات الفرديّة فلا يكون لحاظه لحاظ الكلّي، لأنّ الفرد مع الخصوصية مباين للكلّي، و يكون لحاظه لحاظ الكلّي و لو بوجهه، لأنّ الفرد من جهة تلك المباينة لا يكون وجها له بخلاف الكلّي، فإنّه بما هو كلّي يكون وجها للفرد، لأنّ تصوّر الكلّي تصوّر للفرد من ذلك و إن لم يكن تصوّره تصوّر الفرد من سائر الوجوه.

و ربما قيل في مقام تصوّر إمكان هذا القسم من الوضع بأنّه إذا رأينا شبحا من البعيد و لا نعرفه بشخصه و أنّه من أيّ جنس من الأجناس فنضع اللفظ بإزاء جنس ذلك الشبح.

و فيه أيضا: أنّه على هذا لا يخلو عن تصوّر الجنس إجمالا، و مجرّد رؤيته الشبح و تصوّره لا يكفي في وضع اللفظ لجنسه ما لم يتصوّر الجنس، غاية الأمر أنّ تصوّره إجمالي بخلاف الفرض الأوّل فإنّ تصوّره تفصيلي.

37

و الحاصل: أنّ تصوّر الفرد لا يكفي لوضع اللفظ للجنس ما لم يتصوّر الجنس تفصيلا كما في الفرض أو إجمالا كما في الفرض الثاني. و إذا صار الجنس ملحوظا حال الوضع فيخرج عن كون الوضع خاصّا و الموضوع له عامّا، و يدخل في الوضع العام و الموضوع له العام.

فظهر أنّ هذا القسم من أقسام‏ (1) المتصوّرة للوضع غير معقول، و أمّا الأقسام الثلاثة الاخر فلا إشكال في معقوليتها، و وقوع القسمين الأوّلين منها.

و إنّما الإشكال و الكلام في وقوع القسم الثالث فقيل بأنّ وضع الحروف و ما يشابهها من الموصولات و أسماء الإشارات من هذا القبيل، و إنّما التجأوا إلى القول بأنّ الوضع فيها من هذا القسم من جهة أنّ المعنى الحرفي لا يكون إلّا جزئيّا، لأنّه ليس إلّا الربط بين الشيئين، و مفهوم الربط معنى كلّي اسميّ مستقلّ بالمفهومية، فالمعنى الحرفي هو مصاديق الربط لا مفهوم الربط و لا مانع من كون المفهوم معنى اسميّا كلّيا و المصداق معنى حرفيا جزئيّا، كما أنّ الجزئي مفهومه كلّي و مصداقه جزئي، و هكذا في النسب و الإضافات مفاهيمها مفاهيم اسميّة و مصاديقها (2) حرفيّة، و كما في المعدوم المطلق الذي يتصوّر في الذهن و يحكم عليه.

و الحال أنّ تصوّره في الذهن نحو وجود له، فإنّ مفهومه مفهوم المعدوم المطلق و مصداقه مصداق الموجود المطلق، و الجزئيّات لعدم انحصارها أو عدم تناهيها لا يمكن لحاظها و تصوّرها حتّى يوضع اللفظ لها، و بدون اللحاظ و التصوّر لا يمكن وضع اللفظ لها، و لا يلزم في الوضع من تصوّر الموضوع له تفصيلا، بل يكفي التصوّر الإجمالي، فالجزئيات لوحظت بنحو الإجمال في ضمن لحاظ الكلّي على وجه كونه مرآة لها و وضع اللفظ بإزائها، فالوضع عام، لأنّ الملحوظ حين الوضع أمر كلّي و الموضوع له خاص، لأنّه عبارة عن الجزئيات و امتياز هذا القسم من الوضع عن المشترك إنّما هو بما ذكرناه لا بتعدّد الوضع‏

____________

(1) هكذا في الأصل و الصحيح: الأقسام.

(2) في الأصل: مصداقيها.

38

في المشترك و وحدته هنا، لما مرّ من أنّ المشترك أيضا يمكن تصوّر وحدة الوضع فيه كما مثلنا.

و قيل‏ (1): بأنّ الوضع في الحروف و ما يشابهها عام و الموضوع له عام أيضا و المستعمل فيه خاص، فالخصوصية و الجزئيّة المعتبرة في الحروف إنّما هي في ناحية المستعمل فيه لا الموضوع له، فالموضوع له فيها أمر كلّي كالأسماء و المستعمل فيه هي الجزئيات.

و التزم صاحب الكفاية (2) (قدّس سرّه) بأنّ الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه كلّها في الحروف كلّي كما في الأسماء و الخصوصيّة إنّما نشأت من قبل خصوصيّة الاستعمال، و ذلك لأنّ المفاهيم مختلفة في الاستقلاليّة و عدم الاستقلاليّة، فمثل الجواهر و بعض الأعراض كالسواد و البياض و أمثالهما مفاهيم مستقلّة غير قابلة للربطية و مثل الفوقية و التحتيّة و أمثالهما امور قابلة للنظر الاستقلالي و للنظر الآلي كليهما، كما أنّ الأجسام الخارجيّة مختلفة فبعضها لا يقبل لأن ينظر فيها إلّا بالنظر الاستقلالي كالأجسام الغير الصيقليّة (3) كالحجر و المدر و بعضها قابل لأن ينظر اليها بالنظر الآلي كما أنّه قابل لأن ينظر اليها بالنظر الاستقلالي كالأجسام الصيقليّة (4) مثل المرآة.

و إذا عرفت اختلاف المفاهيم بالاستقلاليّة و عدمها فاعلم أنّ مثل الابتداء و الانتهاء و أمثالهما من المعاني الحرفيّة الربطيّة قابلة لأن ينظر اليها بالنظر الاستقلالي و يحكم عليها و بها، و لأن ينظر إليها بالنظر الآلي الحرفي الربطي.

و حينئذ لا يمكن الحكم عليها و بها، بل تكون آلة و حالة لملاحظة الغير، فإذا نظر إليها باللحاظ الأوّل تكون معان اسميّة مستقلّة بالمفهوميّة و إذا نظر إليها باللحاظ الثاني تكون معان حرفيّة غير مستقلّة، فكما لا يمكن النظر إلى المرآة بالنظر الاستقلالي و الآلي كليهما بالنظر الواحد كذلك لا يمكن الجمع بين اللحاظين في‏

____________

(1) معالم الدين: ما يتعلق بالمخصص، ص 124.

(2) كفاية الاصول: ص 25.

(3 و 4) هكذا في الأصل و الصحيح: الصقيلة.

39

المقام فلفظة «من» موضوعة لمفهوم الإبتداء و الموضوع له هو المفهوم الكلّي و استعملت في هذا المفهوم الكلّي أيضا، لكن لا بما أنّه ملحوظ بالنظر الاستقلالي، بل بما أنّه ملحوظ بالنظر الآلي.

فالخصوصيّة إنّما نشأت من ناحية الاستعمال حيث إنّها استعملت لتعرف حال الغير، و بما أنّها حالة و آلة لملاحظة حال الغير كما قيل: إنّ الحرف تدلّ على معنى في غيره‏ (1)، و ذلك لأنّ في مثل: سرت من البصرة إلى الكوفة السير لم تلاحظ مطلقا بل مقيدة و متكيّفة بما أنّه من البصرة، و كذلك البصرة لم تلاحظ مطلقا بل بما أنّها ابتداء السير، و كذلك الكوفة لم تلاحظ مطلقا بل بما أنّها منتها للسير. فلفظة البصرة و الكوفة تدلّان على نفس مدلولهما و هما البلدان المعيّنان، و أمّا تكيّفهما بكيفيّة كونهما مبدأ و منتها للسير، فلا تفهم إلّا من لفظة من و إلى، و هذا معنى قولهم الحرف تدلّ على معنى في غيره، و هكذا غيرهما من الحروف، فالوضع و الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف عام، و الخصوصيّة إنّما نشأت من قبل الاستعمال.

و الحاصل: أنّه كما في الخارج امور موجودة لا في الموضوع كالجواهر و امور موجودة في الموضوع كالأعراض المتأصّلة مثل السواد و البياض و امور لا وجود لها إلّا بوجود منشأ انتزاعها كالفوقية و أمثالها فكلّ من القسمين الأوّلين موجود خارجي و له ما بحذاء في الخارج إلّا أنّ القسم الأول مستقلّ في وجوده بلا حاجة له إلى موضوع، و القسم الثاني محتاج الى الموضوع في وجوده بخلاف القسم الثالث فإنّه لا وجود له أصلا و ليس له ما بحذاء في الخارج، و إنّما الموجود فيه هو منشأ انتزاعه.

كذلك في الذهن بعض الامور ليس لها وجود أصل في الذهن و ليست لها لحاظ مستقل، و إنّما هي ملحوظة تبعا للغير و آلة و حالة لتعرف حال الغير، و لا وجود لها إلّا بوجود منشأ انتزاعها فيه، و المعاني الحرفيّة من هذا القبيل‏

____________

(1) شرح شذور الذهب: ص 14.

40

فإنّ في مثل: الماء في الكوز مفهوم الماء ملحوظ في الذهن مستقلا، و مفهوم الكوز أيضا كذلك.

و لكن لفظة «في» ليس لها مفهوم مستقلّ في الذهن في عرضهما، و إلّا لزم أن يكون معنى اسميّا مستقلا بالمفهوميّة، بل لا وجود له فيه إلّا بوجود منشأ انتزاعه و هو الماء و الكوز المتخصّصين بخصوصيّة كون أحدهما ظرفا و الآخر مظروفا، فلفظة «في» تدلّ على تلك الخصوصيّة المتقوّمة بهما، و ليست هذه الخصوصيّة تحت لفظة «في» بحيث تكون تحت كلّ واحد من الألفاظ الثلاثة معنى مستقلا مغايرا لما في تحت الآخر، بل تلك الخصوصيّة في تحت لفظ الماء و الكوز و الدالّ على كون تلك الخصوصيّة في تحتهما إنّما هو لفظ «في» فيكون حال الحرف على هذا حال الاعراب، فكما أنّ الرفع و النصب يدلّان على معنى في تحت مدخولهما و هي الفاعلية و المفعوليّة لا على معنى «في» تحتهما فكذلك الحرف.

فعلى هذا يكون الحرف دالا على الدالّ كالاعراب لا أنّه دالّ بنفسه، و هذا معنى قولهم: إن الحرف يدلّ على معنى في غيره، و المراد أنّ الحروف كالأعاريب علامات على دلالة متعلقاتها على خصوصيات معيّنة من الابتدائيّة و الانتهائيّة و الظرفيّة و أمثالها، كما أنّ الأعاريب علامات على دلالة مدخولها على خصوصيّات متعيّنة من الفاعليّة و المفعوليّة و غيرهما.

إن قيل: على هذا يلزم أن تكون الحروف مهملة و لا يكون لها معنى.

قلت: إنّه يكفي في خروجها عن الاهمال و كونها دالّة على المعنى و موضوعة له هذا القدر من الدلالة، و هو كونها دالّة على الدالّ، و كون معانيها تحت لفظ آخر و من خصوصيّات مفهوم آخر بحيث لو لم يكن الحرف لما استفيد منه تلك الخصوصيّة.

و على هذا فتكون الحروف موضوعة لا مهملة، و يصحّ النزاع في أنّ الموضوع له فيها عامّ أو خاصّ أو المستعمل فيه عامّ أو خاصّ بخلاف ما لو كانت مهملة، فإنّه لا يصحّ هذا النزاع.

41

فإن قيل: على هذا يلزم أن يكون استعمال متعلّقاتها دائما مجازا، و ذلك لأنّ لفظ الماء مثلا أو الكوز في قولنا: الماء في الكوز لم يستعمل في طبيعة الماء و كذلك لفظ الكوز، و إنّما استعمل في الطبيعة المتخصّصة بالخصوصيّة، و استعمال اللفظ الموضوع للطبيعة المطلقة في الطبيعة المتخصّصة بالخصوصيّة مجاز.

قلت فيه: أوّلا: أنّه لا ضير في الالتزام بمجازيتها، و لذا قيل: أنّ أغلب الاستعمالات مجازية، بل قيل: أنّ استعمال‏ (1) الحقيقي لا يوجد.

و ثانيا: أنّ المجازية إنّما تلزم لو قلنا: إنّ أسماء الأجناس موضوعة لنفس الطبائع الكليّة، و يكون الوضع و الموضوع له فيها عامّا و تكون العلقة الوضعيّة بين اللفظ و نفس الطبيعة، كما أن العلقة الملكيّة بين المالك و نفس الكلّي الذي فيما إذا كان المملوك كليّا و بين الملك الشخصي و بين كلّي المالك إذا كان المالك كلّيّا كما في مالكيّة السادات أو الفقراء للخمس أو الزكاة. و أمّا لو قلنا بأنّها موضوعة للطبائع المتخصّصة بالخصوصيات و أن وضعها عام و الموضوع له فيها خاصّ، و الحكم تعلّق بالكلّيّ بلحاظ كونه مرآة للأفراد الخارجيّة مثل: لا تشرب الخمر كما احتملناه سابقا فلا يلزم المجازية.

فظهر أنّ المعاني الحرفيّة في عالم الذهن مثل العرضيات الّتي ليس لها وجود في عالم الخارج و ليس لها ما بحذاء فيه، و إنّما هي موجودة بوجود منشأ انتزاعها و تبع له فلا تكون تحت لفظة «في» في الذهن معنى في قبال ما يكون تحت لفظ الماء و الكوز، و إلّا لكانت الحروف مستقلّة بالمفهوميّة كالأسماء.

و إن أبيت إلّا عن كون الحروف تحتها معنى فنقول: إنّ المعنى الذي تحت الحروف ليس إلّا معنى ايقاعيّا يوجده المستعمل بإيجاد اللفظ لا معنى حكائيّا مثل الأسماء، فالحروف على هذا موضوعة لايجاد الربط و احداثه بنفس الاستعمال، و معنى الاستعمال إعمالها في ايجاد الربط، و هذا المعنى الايقاعي إن كان في مقام كان الربط الواقعي موجودا كان صادقا، و إلّا كان كاذبا، فقول القائل:

____________

(1) هكذا في الأصل و الظاهر أن الصحيح: الاستعمال.

42

الماء في الكوز إن كان في مقام كان بين الماء و الكوز علاقة الظرفيّة و المظروفيّة كان إيجاد الربط بينهما صادقا، و إلّا كان كاذبا.

فتكون الحروف كالنسب، فكما أنّها معان إيقاعيّة و بمجرد الإنشاء توجد، سواء كانت النسبة في الواقع متحقّقة أم لا، فإنّ قول القائل: زيد قائم ايجاد لنسبة القيام سواء كان كذلك واقعا أم لا، و لكن صدقها متوقّف على ثبوت تلك النسبة في الواقع فكذلك في الحروف معانيها معان إيجاديّة ايقاعية، بنفس استعمال اللفظ تحصل تلك المعاني و هي الارتباطات الخاصّة من الظرفية و أمثالها سواء كانت هذه الارتباطات حاصلة بين متعلّقاتها واقعا أم لا، إلّا أنّ صدقها موقوف على حصولها واقعا، فلو لم تكن هذه الارتباطات لما كان إيجاد الربط صادقا، لا أنّه ما اوجد.

ثم إنّ الاستعمال قد يكون حقيقيّا و قد يكون مجازيا، و انكار وقوع الاستعمال الحقيقي كعكسه ممّا لا وجه له. و يحتمل أن يكون بعض الاستعمالات واسطة بين الاستعمال الحقيقي و المجازي بأن لا يكون حقيقيّا و لا مجازيّا كما ذكرنا سابقا، و هو أن يستعمل اللفظ في المعنى بقصد وضعه له بهذا الاستعمال، بل لا يبعد أن يكون غالب الأوضاع من هذا القبيل. و به يمكن تصحيح القول بكون ألفاظ العبادات حقائق شرعيّة في المعاني المخترعة، و به يجاب عن الإشكال الوارد عليه بأنّه لو قال الشارع: وضعت لفظ الصلاة أو غيرها لنقل إلينا.

و حاصله: أنّ الوضع كما يمكن ايجاده باللفظ كأن: وضعت هذا لذاك يمكن إيجاده بالفعل، و هو الاستعمال نظير الملكيّة فإنّه كما يمكن إيجادها بالعقد كذلك يمكن إيجادها بالفعل و هو التعاطي، فهذا الاستعمال لا إشكال في أنّه استعمال صحيح، و ليس استعمالا حقيقيّا و في الموضوع له، لأن الفرض أنّ صيرورة المعنى موضوعا له متأخّرة عن الاستعمال إلّا أن يكتفى في كونه موضوعا و لو بهذا الاستعمال، و ليس استعمالا مجازيا، لأنّ الاستعمال المجازي فرع على الاستعمال، أو الوضع للمعنى الحقيقي، لأنّ المجاز بلا حقيقة أو بلا وضع لا يمكن‏

43

فهو استعمال ليس بحقيقة و لا مجاز.

[الأمر] الثالث: [مصحّح استعمال اللفظ في غير ما وضع له‏]

في أنّ صحّة استعمال اللفظ فيما يناسب الموضوع له هو بالوضع أو بالطبع.

و لا بأس بذكر كلام و هو: أنّه كما قيل [عن‏] السكّاكي‏ (1) في الاستعارة التي هي أحد أقسام المجاز مثل قوله: «رأيت أسدا» و أراد من الأسد أنّ الأسد ما استعمل إلّا في معناه الحقيقي و هو الحيوان المفترس، إلّا أنّ تطبيقه على الرجل إنّما هو بالإدّعاء، و لذا تفيد المبالغة و التأكيد بخلاف ما لو قال: رأيت رجلا شجاعا، و لو كان لفظ الأسد مستعملا في الرجل الشجاع بأن كان قوله: رأيت أسدا أي رجلا شجاعا لما يفيد الفوائد التي تترتب على الاستعارة، و هذا في الواقع كذب، لأنّه قال: رأيت أسدا و استعمل لفظ الأسد في معناه الحقيقي و طبّقه على الرجل الشجاع، إلّا أنّه ليس كذبا مستهجنا، بل يكون مستحسنا و استعمال لفظ الأسد في الاستعارة في معناه الحقيقي كاستعماله فيه كذبا بلا استعارة، فإنّه لو قال:

رأيت أسدا و في الواقع كان كاذبا لا إشكال في أنّه استعمل لفظ الأسد في معناه الحقيقي كذلك في صورة الاستعارة، و الفرق بينهما بقبح الكذب و حسنه، و هذا القول في الاستعارة صحيح، و لا ينبغي الإشكال فيه و لو فتح أحد باب هذا الاحتمال في باقي أقسام مجاز المرسل كما فتحه السكاكي‏ (2) بالنسبة إلى الاستعارة لا بعد فيه و لا مانع منه، فتدبّر.

ثم إنّ صحّة هذا النوع من الاستعمال سواء قلنا بأنّه استعمال في غير ما وضع له أو قلنا بأنّه استعمال في ما وضع له و طبّق على غير ما وضع له ادعاء كما يقوله السكّاكي في الاستعارة (3) هل هي متوقفة على ترخيص الواضع شخصا كما نسب إلى بعض أنّ وضع المجازات شخصي كالحقائق، أو نوعا كما هو المشهور؟ فإنّه لو

____________

(1) مفتاح العلوم: في الاستعارة، ص 156.

(2) المصدر السابق.

(3) مفتاح العلوم: في الاستعارة ص 163.

44

لم يرد الرخصة من الواضع في استعمال اللفظ في غير ما وضع له شخصا كما قيل، أو نوعا كما هو المشهور، لكان الاستعمال فيه غير صحيح، بل غلطا، بخلاف استعماله في ما وضع له، فإنّ نفس وضع اللفظ له كاف في صحّة الاستعمال، و لا يحتاج الى ترخيص آخر، أم ليست صحّة الاستعمال فيه متوقّفة على ترخيص الواضع، بل يكفي في الصحّة حسن الاستعمال بحسب الطبع، و لذا يستعملون البلغاء الألفاظ في غير معانيها الحقيقية بمجرد المناسبة و من الاستعمال طبعا، و لا يتوقفون عن الاستعمال حتى يطّلعوا على ترخيص الواضع، بل لو كان الاستعمال مستحسنا و منع الواضع عنه لا يعتنى بمنعه، و يجوز الاستعمال و لو مع منعه الظاهر هو الثاني.

نعم، لا بدّ من ضابط لحسن الاستعمال بحسب الطبع كما أنّه لا بدّ منه بناء على القول بأنّ صحّة الاستعمال متوقّفة على ترخيص الواضع نوعا و هو الترخيص في استعمال اللفظ في غير ما وضع له إذا كان بينه و بين الموضوع مناسبة التي انحصر مصاديقها بحسب ما ذكروها بما إذا كان بينهما إحدى العلائق المعتبرة المذكورة في محلّها التي ترتقي الى خمسة و عشرين فإنّ الامور التي يختلف حسنها و قبحها بحسب طبائع الاشخاص و الطوائف، فتكون حسنة عند شخص دون آخر أو عند طائفة دون اخرى أو الأغذية التي تكون لذيذة عند شخص دون آخر أو عند طائفة دون اخرى و هكذا سائر الامور و الأشياء التي تختلف حالها حسنا و قبحا و لذة و بشاعة بحسب الأمذقة و السلق، يبعد القول بأنّها عارية بحسب الواقع و نفس الأمر عن تمام هذه الصفات المتقابلة.

و هذه الصفات امور اعتباريّة تختلف بحسب الأشخاص و الطوائف، بل الظاهر أنّ لها واقع من الحسن أو قبح أو اللذّة أو البشاعة، و المعيار في أنّ واقعها ما هو هو الرجوع الى ما وافق طبع الشخص المعتدل إن كان كما في معرفة حسن الاستعمال و قبحه و فصاحة الكلام و بلاغته و عدمهما، فانّه يمكن الرجوع إلى القرآن و يكون هو المعيار و إن لم يكن شخص معتدل، فيكون المعيار في تشخيص‏

45

الواقع هو الغالب، فإن كان طعام- مثلا- لذيذا عند غالب الناس و بشعا عند شخص، ففي الواقع يتصف هذا الطعام بكونه لذيذا، و هذا الشخص الذي يكون هذا الطعام عنده بشعا يكون طبعه منحرفا و خارجا عن الاعتدال و هكذا في سائر الامور التي تختلف بحسب الأمذقة و السلق المعيار في تشخيص واقعها هو الرجوع إلى الشخص المعتدل إن كان، و إلّا فالرجوع الى الغالب، فما وافق طبع الشخص المعتدل أو الغالب فهو الواقع، و ما كان مخالفا لهما فهو خلاف الواقع، فتأمّل.

و الحاصل: أنّه كما على القول بأنّ صحّة استعمال اللفظ في غير ما وضع إنّما هي بالوضع و ترخيص الواضع لا بدّ من ضابط يمتاز به ما رخّص الواضع الاستعمال فيه عمّا لم يرخّص، و هو ما كانت بينه و بين المعنى الحقيقي مناسبة بإحدى العلائق المعتبرة المذكورة، فكذلك على القول بعدم توقّفها على ترخيص الواضع، و ليس هذا شغل الواضع، بل شغله وضع اللفظ للمعنى الحقيقي، فإذا وضع اللفظ له فيجوز استعماله في كلّ ما كان استعماله فيه مستحسنا طبعا و لو منع الواضع عن استعماله فيه، و لا يجوز استعماله فيه إذا لم يكن كذلك.

و إن رخّص الواضع لا بدّ أيضا من ضابط و هو حسن الاستعمال، سواء كان في مورد العلائق المعتبرة أو لم يكن، بل تفحّص شخص و وجد موردا يحسن الاستعمال فيه، و ليس فيه إحدى العلائق المذكورة، و لمّا كانت الأشياء تختلف حسنا و قبحا بحسب الأشخاص و الطوائف من جهة اختلافهم في الأمذقة و السلق كاختلاف المطعومات و المبصرات و المسموعات و المشمومات و الملموسات بحسب الأشخاص و الطوائف، فربّما يكون طعام لذيذا عند شخص و بشعا عند آخر و هكذا غيره من المحسوسات، فإن كان هذا الشي‏ء الذي أدرك شخص حسنه و الآخر قبحه، أو أدرك شخص لذته و الآخر بشاعته و هكذا عاريا في حدّ ذاته عن تلك الصفات المتقابلة كان حسنه و قبحه و لذّته و بشاعته و هكذا غيرها امورا إضافيّة لا واقع لها، فلا كلام لأنّه حسن عند هذا الشخص و قبيح عند ذاك،

46

و لذيذ عند هذا و بشع عند ذاك، و هكذا.

و إن كان له واقع من الحسن و القبح أو اللذّة و البشاعة كما هو الظاهر، فلا بدّ له من معيار يميّز به الحسن الواقعي عن القبيح الواقعي، و كذلك اللذيذ عن البشيع و هكذا، و هو الرجوع الى الشخص المعتدل إن كان و إلّا فالرجوع الى الغالب، فإن أدرك الغالب حسنه أو لذّته و هكذا فيحكم بأنّ هذا الشي‏ء متّصف بما وافق مذاق الغالب، و من كان على خلاف الغالب فهو خارج عن الاعتدال إمّا لعيب فيه، أو لإخفاء بعض مناشى‏ء الحسن أو القبح و أمثالهما عليه.

[الأمر] الرابع: [استعمال اللفظ و إرادة نوعه أو مثله أو شخصه‏]

في صحّة استعمال اللفظ و إرادة نوعه و مثله و شخصه.

اعلم أنّه كما يتعلّق المقاصد و الأغراض بغير الألفاظ من الامور الواقعيّة من جهة الحكم عليها أو بها كذلك قد تتعلّق بالألفاظ كذلك، فإن تعلّق الغرض و القصد بغير الألفاظ فيعبّر عنه باللفظ في مقام الحكم عليه و به، و أمّا إن تعلّق الغرض بالألفاظ بأن كان المقصود هو الحكم عليها و بها فلا شي‏ء يعبّر به عن الألفاظ فلا بدّ من التعبير بها في مقام الحكم عليها و بها.

و الحاصل: أنّ الألفاظ عبرة الى الامور الواقعيّة في ما كان الحكم عليها و بها، و أمّا إذا كان الحكم على نفس الألفاظ فلا عبرة غيرها.

و حينئذ الحكم إمّا أن يتعلّق باللفظ بطبيعته السارية في جميع الأنواع و الأصناف و الأفراد كما في مثل: ضرب فعل ماض فإنّ الحكم معلّق على طبيعة ضرب، أعني ما كان على وزن فعل سواء كان مفردا أو مركّبا، و إذا كان مركبا في أيّ تركيب كان، أو يتعلّق الحكم به لا بطبيعته السارية في تمام الأنواع و الأفراد، بل بما أنّه سار في بعض الأنواع و الأصناف كما في قولك: «زيد» في: «ضرب زيد» فاعل فإنّه حكم على لفظ بأنّه فاعل بما أنّه سار في هذا النوع من التركيب، و قد يتعلّق الحكم به بما هو عبارة عن شخص آخر من اللفظ مثله كما في قولك:

47

«زيد- في: قولك: ضرب زيد- فاعل، و قد يتعلّق الحكم به بما هو لا بما عبارة عن جنسه و نوعه و صنفه و مثله، كما في قولك: زيد لفظ إذا كان المراد شخص هذا اللفظ.

و الحاصل: أنّه قد يراد من اللفظ جنسه كما في: ضرب فعل ماض، و قد يراد منه نوعه و صنفه كما في قولك: زيد- في: ضرب زيد- فاعل، و قد يراد به شخص آخر غيره كما في قولك: زيد- في قولك: ضرب زيد- فاعل، و قد يراد به نفسه كما في قولك: زيد لفظ تريد به هذا اللفظ.

فالصور أربع: لا إشكال في الصور الثلاثة، إنّما الإشكال في الأخيرة على ما حكي عن الفصول، و حاصله: أنّ لفظ زيد في: زيد لفظ إمّا أن يراد منه شخصه فيلزم اتّحاد الدالّ و المدلول، و إلّا يلزم تركّب القضيّة العقليّة من جزءين‏ (1) و هو (2) المحمول و النسبة. أقول: بل من جزء واحد و هو المحمول، لأنّ النسبة فرع وجود المنتسبين.

فلا بدّ أوّلا في المقام من ملاحظة أنّه كما إذا كان المقصود أمرا غير اللفظ يستعمل اللفظ فيه و يعبّر به عنه كذلك إذا كان المقصود هو اللفظ فيستعمل اللفظ فيه كما يستعمل في الامور الواقعيّة، بلا فرق بين أن يراد من اللفظ جنسه أو نوعه أو مثله أو شخصه، أو أنّه إذا كان المقصود كان هو اللفظ ليس في البين استعمال، بل هو ايجاد للموضوع في الخارج و اثبات المحمول له، فإن كان الممكن من هذين الاحتمالين أحدهما فهو متعيّن، و إن كان كليهما فلا بدّ من النظر في أنّ ما في الخارج من أيّ القبيل.

و الحاصل: أنّه لا إشكال في إمكان الصور الثلاثة المتقدّمة، بل في وقوعها في الخارج، و إنّما الإشكال في أنّها من باب الاستعمال و الحكاية كما فيما إذا تعلّق القصد باستعمال اللفظ في الامور الواقعيّة و حكايتها بالألفاظ و يجعل الألفاظ قالبا

____________

(1) الفصول الغروية: ص 22 س 39.

(2) هكذا في الأصل و الصحيح: و هما.

48

لها، فإنّ الألفاظ أيضا من الامور الواقعيّة، فإنّه يصلح أن يجعل اللفظ قالبا للفظ و يعبّر به عنه كما في غيره، أو أنّها من باب ايجاد الموضوع في الخارج و الحكم عليه بلا استعمال و حكاية عن مفهوم ذهني و فرق بين الألفاظ و سائر الامور الواقعيّة، فإنّ غيرها من الامور الواقعيّة لمّا لم يمكن ايجادها في الخارج و الحكم عليها لا بدّ فيها من الحكاية عنها بالألفاظ و القائها بها، بخلاف الألفاظ فإنه يمكن ايجادها في الخارج و الحكم، فلا تحتاج الى حكاية و استعمال لفظ في المعنى.

و هذا القول نسب الى شارح الرضي.

فإن قلنا بأنّها من باب الاستعمال و الحكاية و باللفظ يحكى عن نوعه و صنفه و مثله كما يحكى به عن غيرها من الامور الواقعيّة، فيصير الصورة الرابعة ممتنعة إذا لم تكن بتأويل لما ذكره في الفصول‏ (1).

و لا يمكن دفع الإشكال بما ذكره في الكفاية من تعدّد الدالّ و المدلول اعتبارا (2)، و هو يكفي في عدم لزوم اتحاد الدالّ و المدلول، لأنّه يلزم على هذا لحاظ اللفظ بما أنّه دالّ باللحاظ الآلي و بما أنّه مدلول باللحاظ الاستقلالي، و الحال أنّه لا يمكن الجمع بين اللحاظين. و أمّا إذا قلنا بأنّها من باب ايجاد الموضوع في الخارج و الحكم عليه بلا حكاية و استعمال فتصير الصورة الرابعة أيضا ممكنة كالصور الثلاثة المتقدّمة.

فلا بدّ من ملاحظة أنّه يمكن أن تكون هذه الصور من باب ايجاد الموضوع في الخارج و الحكم عليه، أو أنّه لا بدّ من كونها من باب الاستعمال. و الحق هو الثاني، لأنّه قد عرفت أن النسبة المعتبرة في القضايا أمر ايقاعي إحداثي يوجده المتكلم بين المنتسبين، كما أنّ المعاني الحرفية أيضا كذلك، و هذه النسبة التي يوجدها المتكلّم بينهما إن كانت مطابقة للنسبة الواقعيّة التي بينهما ايجابا أو سلبا فتكون القضيّة صادقة، و إن كانت غير مطابقة لها تكون القضيّة كاذبة (3) فايجاد

____________

(1) الفصول: ص 22 س 39.

(2) كفاية الاصول: ص 29.

(3) في الأصل: كان كاذبة.

49

النسبة و ربط المحمول بالموضوع من طرف المتكلم في القضيّة الصادقة و الكاذبة على حدّ سواء، و إنّما الفرق بين القضيتين باعتبار مطابقة تلك النسبة الايقاعيّة الايجاديّة و عدم مطابقتها للواقع.

و إذا تحقّق أنّ النسبة أمر ايقاعي ايجادي فاعلم أنّ ايجاد النسبة و ربط المحمول بالموضوع لا يمكن في الامور العينيّة الخارجيّة كما لا يمكن ورود التقييد عليها، بل ايقاع الربط بين الشيئين و تقييد شي‏ء بشي‏ء مخصوصان بالمفاهيم الذهنيّة، و معلوم أنّ وجود عينيّ اللفظ إنّما هو بنفس اللفظ، و المغايرة بين الوجود العيني و الوجود اللفظي إنّما هي في غير الألفاظ.

و إذا اتّضح أنّ النسبة ربط المحمول بالموضوع و لا يمكن للمتكلّم احداث الربط بين الموجودين الخارجيين سواء كانت بينهما نسبة واقعيّة أم لا، و اتّضح أنّ وجود خارجيّ اللفظ إنّما هو بالتلفظ به، ظهر أنّ إطلاق اللفظ و إرادة نوعه و صنفه و مثله لا بدّ أن يكون من الاستعمال، و لا يمكن أن يكون من باب ايجاد الموضوع في الخارج و الحكم عليه، إذ الموجود الخارجي لا يمكن ايجاد الربط بينه و بين شي‏ء خارجي آخر، لأنّه إذا كان من هذا الباب ففيما إذا اطلق اللفظ و اريد منه نوعه أو جنسه يلزم محذور واحد، و هو ايجاد الربط بين الموجودين الخارجيين، و قد عرفت امتناعه.

و إذا اطلق و اريد منه صنفه أو مثله يلزم محذوران: أحدهما: المحذور الأوّل، و الثاني: تقييد الأمر الخارجي الذي هو هذا اللفظ بالقيود المصنّفة أو المشخصّة، و قد عرفت امتناعه أيضا.

مع أنّه لو سلّمنا أنّ إحداث الربط بين الامور العينية ممكن و يمكن ايجاد الموضوع في الخارج و الحكم عليه، فهو إنّما ينفع فيما إذا اطلق اللفظ و اريد منه جنسه أو نوعه، إذ ذلك اللفظ الموجود الخارجي بعد إلغاء الخصوصيّات الشخصية هو عين الجنس أو النوع، و هذا الفرد مصداق لهما فيوجد النوع مثلا أو الجنس‏

50

بايجاد الفرد كما يقال: ضرب على وزن فعل، فإنّ بالتلفظ بهذا اللفظ الشخصي اوجد طبيعة ضرب و حكم عليها بأنّها على وزن فعل، و أمّا إذا اريد منه صنفه أو مثله فلا، فإنّ اللفظ الخارجي الذي تلفّظ به لا يكون مصداقا لصنفه أو مثله، مثلا إذا قال: زيد في «ضرب زيد» فإنّ المحكوم عليه الذي أوجده المتكلّم هو زيد الأوّل و هو ليس مصداقا لزيد في «ضرب زيد» سواء اريد لضرب زيد الصنف أو الشخص، أي لا يكون زيد في قول القائل: زيد في «ضرب زيد» مصداقا لصنفه كما إذا كان المراد بضرب زيد مطلق هذا الكلام الصادر من كلّ أحد و لا مصداقا لمثله كما إذا كان المراد بضرب زيد خصوص ما إذا كان صادرا عن شخص خاصّ في وقت خاص، هذا بالنسبة إلى الصور الثلاثة المتقدمة.

و أمّا الصورة الرابعة: فقد ظهر امتناعها، لأنّه قد عرفت أنّ امكانها كان متوقّفا على القول بامكان ايجاد الموضوع في الخارج و الحكم عليه، و قد عرفت امتناعه.

و أمّا على القول بالاستعمال فلا يمكن، لما ذكره في الفصول من الاشكال. و لا يمكن دفعه بما ذكره في الكفاية من كفاية المغايرة الاعتباريّة بين الدالّ و المدلول‏ (1)، لما ذكرناه سابقا، مع أنّ هذه المغايرة الاعتباريّة إنّما تحصل بعد الاستعمال و هي غير كافية، فتأمّل في المقام.

فتحصّل: أنّ اطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه أو مثله أو شخصه إن كان من باب ايجاد الموضوع في الخارج و حمل المحمول عليه فالصور الأربع كلّها ممكنة، و لكن قد عرفت عدم إمكان إحداث الربط بين الموجودين الخارجيين، و إن كان من باب الحكاية و الإستعمال فلا يمكن الصورة الرابعة، و أمّا باقي الصور فلا إشكال في إمكانها إنّما الكلام في كونها حقيقة أو مجاز، و نقل عن السكّاكي القول بكونها حقيقة من باب الوضع النوعي‏ (2) و ترخيص الواضع استعمال الألفاظ

____________

(1) كفاية الاصول: في أحكام الوضع، ص 29.

(2) مفتاح العلوم: في علم البيان ص 157 س 6.

51

في نوعها و صنفها و مثلها. و لكن الحق أنّها مجاز، لأنّ لفظ ضرب مثلا وضع لنفس الحدث المقترن بالزمان الماضي، و استعماله في المذكورات مجاز من باب علاقة الداليّة و المدلولية، فإنّ لفظ ضرب لمّا كان دالا على الحدث فاستعمل ما وضع للحدث في الدال على الحدث و هو النوع أو الصنف أو المثل، هذا في الألفاظ الموضوعة. و أمّا المهملات فيمكن أن تكون العلاقة في استعمالها في المذكورات أمرا آخر، فتأمّل.

[الأمر] الخامس: [هل الالفاظ موضوعة لمعانيها من حيث هي؟]

في أنّ الألفاظ هل هي موضوعة لذوات المعاني الكلّية أو الجزئيّة مع قطع النظر عن تعلق الإرادة بها، أو أنّها موضوعة لها بما أنّها مرادة؟ و بعبارة اخرى: هل الإرادة معتبرة في الموضوع له شرطا أو شطرا، أم لا؟

و الكلام هنا في جهات:

الاولى: في أنّ المقصود من دخل الإرادة في الموضوع له هل هو دخل مفهوم الإرادة أو المصاديق؟ أعني الإرادات الجزئيّة و هي إرادة اللافظين الظاهر من استدلال القائلين بكونها موضوعة للمعاني بما أنّها مرادة حيث يتمسّكون بتبادر المعاني بما أنّها مرادة الى الذهن هو دخل خصوص إرادة اللافظين لا مفهوم الإرادة، فإنّ قولهم المتبادر الى الذهن من اللفظ المسموع من شخص هو أنّه أراد معناه، فمقتضى هذا الاستدلال هو دخل إرادات اللافظين لا مفهوم الإرادة في الموضوع له لا الوضع. إذ كما يمكن دخل شي‏ء في الموضوع له يمكن دخله في الوضع كما أشار إليه المحقّق القمّي في مقام اعتبار الوحدة بأنّ اللفظ موضوع للمعنى في حال الوحدة (1). و الرخصة ثبتت من الواضع في تلك الحالة لا في غيرها، لا أنّه موضوع للمعنى بشرط الوحدة. فالوضع كالحكم، فإنّه كما يمكن أن يكون شي‏ء قيدا لمتعلّقه يمكن أن يكون قيدا لنفسه أيضا، و على هذا يلزم كون‏

____________

(1) قوانين الاصول: ج 1 ص 64 س 1.

52

الموضوع له في تمام الألفاظ خاصّا، بل الوضع أيضا، لأنّ الواضع تصوّر كلّ واحد من الألفاظ الصادرة عن اللافظين بعنوان عام و وضعها للمعنى المراد لهم شرطا أو شطرا. و فيه ما لا يخفى.

الجهة الثانية: في إمكان أخذ الإرادة بهذا المعنى، أي الإرادات الخاصّة في الموضوع له، و الظاهر أنّه لا يمكن، لأنّ المراد بأخذ إرادة اللافظ في الموضوع له هي إرادة المعنى في اللفظ لا إرادة خارجيّة. و معلوم أنّ إرادة المعنى في اللفظ متأخّرة عن الاستعمال المتأخر عن الوضع فلا يمكن أن يكون دخيلا في الموضوع له.

الجهة الثالثة: في وقوع أخذ الإرادة بالمعنى المذكور في الموضوع له، و لا موقع للنزاع في الوقوع و عدم الوقوع بعد ما عرفت من عدم إمكانه، فظهر أنّ الحق هو أنّ الألفاظ موضوعة لذوات المعاني و المفاهيم بلا دخل لإرادة اللافظين لا شرطا و لا شطرا. و ما ذكر من التبادر و أنّه يتبادر من اللفظ المسموع من اللافظ المعنى المراد أي المعنى مع كونه مرادا له فهو ليس من جهة الوضع بأن كان اللفظ موضوعا للمعنى المراد، بل من جهة اخرى و هو أنّ الغرض من الوضع لمّا كان هو افهام المعنى، فإذا استعمل اللافظ لفظا واضعا كان اللافظ أو غيره على طبق قانون الوضع، كما هو معنى الاستعمال، أي إعمال الوضع و مطاوعته حال كونه غير فاسخ عن ذلك الغرض يتبادر منه كون المعنى مرادا له، و لكن تبادر كونه مرادا له ليس مستندا إلى الوضع و الظهور الوضعي، ليدلّ على أنّ اللفظ موضوع للمعنى المراد، بل مستند الى اصول عقلائية مثل أصالة عدم الخطأ، و الغفلة و الهزل و غيرها.

و لذا لا يتبادر كون المعنى مرادا في بعض الموارد التي لا تجري تلك الاصول مثل ما إذا صدر اللفظ عن بعض الأشخاص مثل الهازل و السرسام‏ (1) و غيرهما، و لو كان مستندا الى الوضع اللفظي لما كان بين الموارد فرق.

____________

(1) الكلمة فارسية و يقصد بها المريض الذي يصاب بورم في الرأس أو الدماغ مما يجعله في حالة اضطراب تشبه الجنون.