وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد حسين النجفي الكلباسي المزيد...
364 /
3

[الجزء الثانى‏]

[مقدمة الناشر]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه متمّ نوره و مكمل دينه، و الصلاة و السّلام على أكمل النبيّين و أشرف المرسلين محمّد و أهل بيته الطاهرين الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

و بعد، من المصنّفات الّتي حازت مكانة خاصّة في خطط عملنا و وفّقنا لإحيائها مجموعة المحاضرات الاصوليّة الّتي ألقاها المرجع الدينيّ الكبير العالم الربّاني آية اللّه العظمى السيّد أبو الحسن الإصفهاني- أعلى اللّه مقامه- و قرّرها غير واحد من فضلاء تلامذته، و بما أنّ أوّل ما وصل إلينا من تلكم التقريرات ما حرّره السيّد الجليل آية اللّه الحاجّ الميرزا حسن السيادتي السبزواري (قدّس سرّه) فقمنا بتحقيقه و إعداده، مع ما بنا من الأسف على افتقاد هذا التحرير لجملة من المباحث الاصوليّة الهامّة، فبعد الفراغ من عمليّة التحقيق و نضد الحروف بشّرنا بوصول تقرير آخر لنفس دروس السيّد الإصفهاني (قدّس سرّه) بقلم أحد نبلاء أصحابه و أفاضل تلامذته آية اللّه الحاجّ الشيخ محمّد حسين النجفيّ الكلباسيّ (قدّس سرّه) فوجدناه تقريرا جامعا و تبيانا وافيا، جديرا بالطبع و النشر على حدة، لكن رعاية للسابق و حذرا من التكرار رأينا أن نستكمل المباحث الفائتة من الأوّل بالثاني مع ما لكلّ منهما من المزايا الّتي يختصّ بها، فتيسّرلنا- بحمد اللّه- إنجاح ما هو المأمول من نشر هذه المجموعة المنيفة كاملة في جزءين سمّيناهما ب «وسيلة الوصول إلى حقائق الاصول».

و لا يفوتنا أن نتقدّم بجزيل شكرنا إلى نجل المؤلّف سماحة الحجّة الحاجّ الشيخ محمّد علي النجفي الكلباسي- دامت إفاضاته- بما تفضّل به علينا من نسخة الأصل مع ما كتبه من مقدّمة حاوية لنبذ من حياة والده الماجد (قدّس سرّه) جزاه اللّه خير ما جزي خلف بارّ عن سلفه الصالح.

مؤسّسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

4

نبذة من حياة المؤلّف (قدّس سرّه) بقلم نجله الفاضل سماحة الحجّة الشيخ محمّد عليّ الكلباسي دام ظلّه:

باسمه تعالى شأنه‏

هو العالم الورع آية اللّه المرحوم الحاجّ الشيخ محمّد حسين النجفي الكلباسي ابن الحجّة الحاجّ شيخ محمّد رضا ابن العلّامة التقيّ الحاجّ الشيخ محمّد عليّ ابن المرحوم آية اللّه الشيخ محمّد جعفر ابن المرحوم آية اللّه العظمى المرجع الدينيّ الكبير الحاجّ الشيخ محمّد إبراهيم الكرباسي الكافكي الخراساني، الشهير ب «الكلباسي الإصفهاني» صاحب كتاب «شوارع الهداية» في شرح الكفايه و «إشارات الاصول» و غيرهما، المتوفّى عام 1261 ه ق و قبره في إصفهان، و له مقام يزار.

مولده:

ولد آية اللّه المغفور له الشيخ محمّد حسين الكلباسي في اليوم الثالث من شهر شعبان المعظّم عام 1323 ه. ق في اسرة علميّة عرفت بالفقاهة و المرجعيّة.

دراسته:

درس في صباه العلوم الدينيّة و مقدّمات الفقه و الاصول في مدينة إصفهان، و في السنة السابعة عشر من عمره الشريف هاجر إلى النجف الأشرف عام 1340 ه ق‏

5

أساتذته:

قرأ السطوح على الآيتين: السيّد ميرزا آغا الاصطهباناتي الشيرازي، و الشيخ عبد الحسين الرشتي. و قرأ علم الرجال على المرحوم آية اللّه السيّد أبو تراب الخونساري. و علم الكلام على المرحوم آية اللّه الشيخ محمّد جواد البلاغي، و على الآية السيّد حسين الباد كوبي. و الحكمة على العلّامة الورع الشيخ مرتضى الطالقاني و السيد حسين الباد كوبي- (قدّس اللّه أسرارهم)- و حضر الأبحاث العالية فقها و اصولا على الآيات و المراجع العظام:

1- المرجع الديني الكبير آية اللّه العظمى السيّد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني.

2- الاستاذ الأكبر آية اللّه العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي.

3- المرجع الديني الورع آية اللّه العظمى السيّد ميرزا عبد الهادي الحسيني الشيرازي.

4- آية اللّه الكبرى الشيخ محمد كاظم الشيرازي.

5- آية اللّه العظمى الزاهد الورع الشيخ حسين الحلّي- نوّر اللّه مراقدهم أجمعين- و بعد سنين من عمره الشريف قضاها في النجف الأشرف عاد إلى وطنه إصفهان و حضر فيها على أعاظم علمائها كآية اللّه العظمى السيد محمّد صادق الخاتون آبادي و غيره في الفقه ثمّ عاد مرّة ثانية إلى النجف الأشرف.

عودته إلى إيران‏

في اليوم الأوّل من شهر محرّم الحرام 1378 ه. ق عاد إلى إيران و أقام في مدينة قم المقدّسة و أصبح فيها من العلماء الربّانيّين، مكبّا على العلوم مشغولا بالدرس و التدريس، مختارا للعزلة، و ما كان راغبا للتصدّي.

آثاره:

1- غريب القرآن (مفقود).

6

2- فضائل أهل البيت (مخطوط).

3- غرائب و قصار الكلم (مفقود).

4- بشرى الطالبين في الأدعية و الختومات و بعض العلوم الغريبة.

5- شرح الباب الحادي عشر (مخطوط).

6- تقريرات استاذه آية اللّه العظمى السيّد أبو الحسن الموسوي الإصفهاني دورة كاملة في مباحث الاصول.

7- تقريرات استاده آية اللّه العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي دورة كاملة في مباحث الاصول.

أخلاقه:

كان له صدر رحب و أخلاق عالية، و كان مثالا للورع و التقوى، عالما متعبّدا متهجّدا، و كانت له يد طولى في قضاء حوائج المؤمنين، و كان يهتمّ بإحياء الآثار المجهولة و المندثرة لأعلام الفكر الإسلامي.

وفاته:

انتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية في يوم الاثنين التاسع من شهر رجب عام 1418 ه ق الموافق 19 آبان 1376 ه. ش بعد أن ناهز الخامسة و التسعين من عمره في مدينه قم المقدّسة، و حضر تشييعه أعلام الحوزه العلميّة و كافّة الطبقات، و دفن في إحدى حجرات صحن السيّدة كريمة أهل البيت بنت الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) قرب مقبرة آية اللّه الشهيد المرحوم الشيخ فضل اللّه النوري (قدّس سرّه).

فسلام عليه يوم ولد و يوم يبعث حيّا.

حرّره العبد الراجي رحمة ربّه له و لوالديه الشيخ محمّد عليّ النجفي الكلباسي في 18 ذي الحجّة 1421 ه ق الموافق 14/ 12/ 1379 ه. ش‏

7

[مقدّمة الواجب‏]

قوله: (و ربما يشكل في كون الأجزاء مقدّمة له و سابقة عليه ... الخ)

(1)

اعلم انّ الإشكال في هذا المقام من وجهين: أحدهما: إشكال الفرق بين الكلّ و الجزء. و ثانيهما: تعقّل الوجوب المقدّمي للأجزاء بالنسبة إلى الكلّ.

[الإشكال في مقدّميّة الأجزاء بالنسبة إلى الكلّ‏]

و ملخّص الكلام في الإشكال الأوّل و رفعه: هو أن يقال: إنّ بينهما مقامات ثلاث، الأوّل:

لحاظ كلّ جزء جزء بعنوان الاستقلال. المقام الثاني: لحاظ نفس الأجزاء بالأسر.

المقام الثالث: لحاظ الأجزاء بعنوان الاجتماع.

و لا إشكال في الفرق بين الأوّل و الثالث، للفرق الواضح بين الواحد و الكثير، لأنّ الأوّل عبارة عن لحاظ كلّ جزء منفردا عن الغير و على حياله فيتعدّد اللحاظ، و الثالث عبارة عن لحاظ مجموع تلك الأجزاء فيكون اللحاظ واحدا.

و أمّا الفرق بين الثاني و الثالث: فقد يقال بعدم الفرق بينهما، فإنّ الكلّ- أعني الأجزاء المجتمعة- ليس إلّا نفس تلك الأجزاء بأسرها.

[بيان الفرق بين الكلّ و الأجزاء بالأسر]

لكن التحقيق: أنّ الفرق بينهما هو الفرق بين المركّب من العارض و المعروض و بين المعروض نفسه، فإنّ نفس الأجزاء مجرّدة عن لحاظ الاجتماع معروض و عنوان الاجتماع عارض عليها، فإن لو حظت مجرّدة عن ذلك العنوان فهي الأجزاء، و إن لو حظت مقيّدة به فهي الكلّ.

____________

(1) كفاية الاصول: 115.

8

و هذا هو حاصل الفرق الّذي ذكره في التقريرات من أنّ الأجزاء ملحوظة بشرط لا و الكلّ ملحوظ بشرط الاجتماع‏ (1) فإنّ غرضه من «أنّ الأجزاء ملحوظة بشرط لا» هو أنّ الأجزاء لم يلاحظ فيها الاجتماع و إنّما لو حظت مجرّدة عن لحاظ الاجتماع. و بعبارة اخرى: أنّها لو حظت بنفسها مجرّدة عن لحاظها معنونة بعنوان الاجتماع، فالغرض من النفي هو نفي لحاظها معنونة بذلك العنوان لا نفي ذلك العنوان حتّى يكون مآله إلى أنّها لو حظت بقيد عدم الاجتماع حتّى يرد عليه ما ذكر المصنّف (قدّس سرّه).

و بالجملة: غرضه أنّ الأجزاء هي نفس الأجزاء بشرط عدم لحاظها معروضة لعنوان الاجتماع فيكون مآله إلى أنّها نفس الأجزاء لا بشرط الاجتماع كما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) فيكون الفرق بين الكلّ و الأجزاء هو أنّ الأجزاء ملحوظة في أنفسها بلحاظ واحد، و الكلّ هو عبارة عن الأجزاء ملحوظة بقيد الاجتماع و قولنا:

«بلحاظ واحد» لإخراج الصورة الاولى للحاظ الأجزاء، و هي لحاظ كلّ جزء جزء مستقلّا فإنّه في تلك الصورة تكون اللحاظات متعدّدة بتعدّد الأجزاء، بخلاف هذه الصورة، فإنّه ليس فيها إلّا لحاظ واحد متعلّق بنفس الأجزاء بالأسر مجرّدة عن لحاظ عنوان الاجتماع على ما في التقريرات، أو بنفس الأجزاء لا بشرط على ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) و من هذا يعلم الفرق بين المقام الأوّل و المقام الثاني.

و أمّا الكلام في الإشكال من الوجه الثاني فهو أن يقال: إنّ الوجوب إذا تعلّق بالمركّب من العارض و المعروض- أعني الأجزاء بلحاظ الاجتماع الّذي هو عبارة عن الكلّ- فلا إشكال في أنّه يجب بذلك الوجوب نفس المعروض- أعني الأجزاء المجرّدة عن ذلك العنوان- و يكون وجوبها بعين وجوب ذلك الكلّ.

و كذلك يجب بذلك الوجوب و في ضمنه كلّ جزء جزء من تلك الأجزاء، فإنّ الوجوب إذا تعلّق بالأجزاء مقيّدة بعنوان الاجتماع فقد تعلّق بنفس الأجزاء، لعدم الفرق بينهما إلّا بالاعتبار، و إذا تعلّق بنفس الأجزاء فقد تعلّق ضمنا بكلّ واحد

____________

(1) مطارح الأنظار.

9

منها، فيكون كلّ واحد منها واجبا بالوجوب النفسي الضمني، كما أنّها بالأسر واجبة بالوجوب النفسي بعين وجوب الكلّ.

إلّا أنّه وقع الإشكال في أنّه هل يمكن أن يتعلّق وجوب غيري بكلّ واحد منها كما تعلّق به وجوب نفسي؟ فيكون له وجوبان، أحدهما: الوجوب النفسي الضمني الّذي تعلّق به في ضمن تعلّقه بالمجموع. و الثاني: الوجوب الغيري الّذي تعلّق به بنفسه. و بالجملة كما أنّه لنا وجوب واحد نفسي يتعلّق بالمجموع و في ضمن تعلّقه بالمجموع يتعلّق بكلّ واحد بواسطة انبساطه عليها أجمع. فهل لنا وجوبات غيريّة متعدّدة يتعلّق كلّ واحد منها بكلّ من الأجزاء مقدّمة للكلّ.

و الّذي يظهر من المصنّف (قدّس سرّه) أنّ الوجوب الغيري الّذي وقع الكلام فيه هو وجوب واحد متعلّق بنفس الأجزاء بالأسر، و قد عرفت أنّه غير معقول، لأنّ الأجزاء بالأسر ليست إلّا الكلّ، فهي واجبة نفسا بعين وجوبه، بل ليس الكلّ إلّا نفس الأجزاء، فلا يعقل أن تكون مقدّمة لنفسها لتكون واجبة للغير، و حينئذ الغرض من الوجوب الغيري في هذا المقام إنّما هو وجوبات متعدّدة يتعلّق كلّ واحد منها بكلّ واحد من تلك الأجزاء.

و على هذا فالكلام تارة في ملاك ذلك الوجوب و اخرى في تحقّقه.

أمّا ملاكه فلا إشكال فيه، لصحّة كون كلّ جزء مقدّمة للكلّ لما عرفت من المغايرة بينهما.

و أمّا تحقّق الوجوب الغيري لكلّ جزء جزء ففيه إشكال اجتماع المثلين الّذي هو بمنزلة اجتماع الضدّين، و ذلك لما عرفت من أنّه إذا تعلّق الوجوب النفسي لمجموع الأجزاء يكون ذلك موجبا لتعلّق الوجوب الضمني النفسي بكلّ جزء منها.

فيلزم أن يجتمع في الجزء الوجوب النفسي و الوجوب الغيري كما قرّره المصنّف (رحمه اللّه) بما لا مزيد عليه، و إن كان الظاهر ممّا قرّره المصنّف (قدّس سرّه) إنّما هو إشكال على جعل المقدّمة الواجبة نفس الأجزاء بالأسر لا كلّ جزء جزء، إلّا أنّ ذلك الإشكال وارد أيضا على جعل المقدّمة الواجبة هي كلّ جزء جزء، لعدم الفرق‏

10

بينهما في لزوم اجتماع الوجوبين سوى أنّ الوجوب النفسي فيما استشكله المصنّف عين وجوب الكلّ و فيما ذكرناه في ضمن وجوب الكلّ، و ذلك لا يرفع غائلة الاجتماع كما هو واضح.

لا يخفى أنّ الظاهر من المصنّف (قدّس سرّه) جعل الأجزاء بالأسر مقدّمة للكلّ اعتمادا على المغايرة بينهما باعتبار لحاظ الاجتماع في ذي المقدّمة و عدمه فيها.

و أنت خبير بأنّ هذا المقدار من المغايرة بينهما لا يصحّح كون أحدهما مقدّمة للآخر، لبقاء الاتّحاد ذاتا الّذي هو منشأ الإشكال، و لا يرتفع هذا الإشكال إلّا بجعل المقدّمة كلّ جزء جزء و جعل ذي المقدّمة مجموع الأجزاء بلحاظ الاجتماع. و حينئذ يرتفع إشكال الاتّحاد الذاتي لموضوع المغايرة ذاتا بين كلّ جزء جزء و بين مجموع الأجزاء.

قوله (قدّس سرّه): (و لكنه لا يخفى رجوع الشرعيّة إلى العقليّة ... إلخ)

(1)

[تقسيم المقدّمة إلى العقليّة و الشرعيّة و العاديّة]

لا يخفى أن الشرط الشرعي. تارة: يكون أمرا واقعيّا يكشف عنه الشارع، كأن يكون توقّف المشروط على الشرط أمرا واقعيّا قد اختفى علينا و تخيّلنا عدم توقّفه عليه فيكشف لنا الشارع- بواسطة اطّلاعه على خواصّ الأشياء- توقّفه عليه، و إنّه لا يمكن تحقّقه بدون وجوده، فلا إشكال في رجوع هذا التوقّف إلى التوقّف العقلي. غاية الأمر أنّه ببيان الشارع.

و تارة: يكون ذلك المشروط ممّا لا يتوقّف واقعا على ذلك الشرط، إلّا أنّ الشارع لمّا أمر به مقيّدا بذلك الشرط حصل توقّف ذلك المشروط بما أنّه مقيّد بذلك الشرط على ذلك الشرط.

ففي هذا النحو. قد يقال: إنّ التوقّف شرعي، نظرا إلى أنّه لا توقّف في الواقع إلّا أنّ الشارع لمّا أمر بالفعل مقيّدا بذلك الشرط انتزع عنوان الشرطيّة و التوقّف من أمره، فيكون التوقّف شرعيّا نظرا إلى أنّه بسبب أمر الشارع الموجب لانتزاع الشرطيّة و إن كان الحاكم بالتوقّف هو العقل.

____________

(1) كفاية الاصول: 116.

11

و قد يقال: إنّ التوقّف عقلي، نظرا إلى أنّ الحاكم به هو العقل و إن كان ذلك بسبب أمر الشارع، فإنّ الشارع لا تصرّف له أزيد من الأمر بالفعل مقيّدا، إلّا أنّ العقل لمّا رأى عدم إمكان تحقّق الفعل المقيّد بعنوان كونه مقيّدا بدون قيده حكم بتوقّف الفعل على ذلك القيد. و هذا هو الوجه الّذي اختاره المصنّف (قدّس سرّه) و لكلّ وجه و النزاع في التسمية.

و أمّا القيد الّذي حكم الشارع بوجوب كون الفعل مقيّدا به و حكم هو أيضا بتوقّفه عليه حتّى يكون التوقّف شرعيّا محضا فلم يوجد له صغرى و لم يتحقّق له مثال.

بل قد يقال: إنّه غيرممكن لعدم تصرّف الشارع بأزيد من الأمر بالفعل مقيّدا، و لا معنى لجعله التوقّف و لا لحكمه به إلّا إرشادا لما هو عليه في الواقع.

قوله (رحمه اللّه): (و العقليّة هي ما استحيل واقعا ... إلخ)

(1)

مثاله: النظر في المقدّمات بالنسبة إلى العلم النظري، فإنّ العلم النظري يتوقّف حصوله عقلا على النظر في المقدّمات، و إنّما قيّدنا العلم بكونه نظريّا لأنّ مطلق العلم لا يتوقّف عقلا على ذلك.

قوله (رحمه اللّه): (و أمّا العاديّة فإن كانت بمعنى أنّ التوقف عليها عاديّا ...

إلخ)

(2) مثاله:

ما إذا جرت العادة في قطع مسافة الحجّ بالركوب و أمكن بالمشي راجلا أيضا إلّا أنّه خلاف العادة، فإنّه لا إشكال في عدم وجوب مثل هذه المقدّمة- أعني الركوب- و إن وجب قطع المسافة بأيّ نحو كان.

قوله (رحمه اللّه): (و إن كانت بمعنى أنّ التوقف عليها ... إلخ)

(3)

لعلّ من جعل مثل هذه المقدّمة العادية مقابلة للعقليّة نظر إليها من حيث هي، كأن يكون نظره إلى نفس الصعود من دون نظر إلى أنّه ممّن ليس بطائر فعلا و ليس له خرق العادة، فإنّه إذ ذاك يكون التوقّف غير عقلي لإمكان خرق العادة بالطيران‏

____________

(1 و 2 و 3) كفاية الاصول: 116- 117.

12

مثلا كالحصول في المكان البعيد فإنّه في حدّ ذاته ممكن بدون قطع مسافة، إلّا أنّه خارق العادة. و كونه لا يحصل إلّا بخرق العادة لا يوجب كونه ممتنعا حتّى يكون التوقّف على ما جرت به العادة عقليّا، فإنّ خرق العادة إنّما يتعلّق بالممكنات دون الممتنعات كجمع النقيضين. نعم هو ممتنع ممّن ليس له خرق العادة و حينئذ يكون التوقّف عقليّا كما ذكرنا في العلم النظري.

و إلى ذلك ينظر المصنّف (قدّس سرّه)، و كان عليه أن يضيف إلى قوله: لغير الطائر فعلا، كلمة «و من ليس له خرق العادة» ليتمّ التوقّف العقلي. و كذا كان عليه أن يبدّل الضمير من قوله و إن كان طيرانه ممكنا ذاتا بالألف و اللام على لفظ طيران، لأنّ طيران غير الطائر فعلا إذا كان ممكنا ذاتا كيف يكون التوقّف عقليّا.

قوله (قدّس سرّه): (و منها تقسيمها إلى مقدّمة الوجود و مقدّمة الصحّة و مقدّمة الوجوب ... إلخ)

(1)

[تقسيم المقدمة الى مقدّمة الوجود و مقدّمة الصحّة و مقدّمة الوجوب‏]

لا يخفى أنّ تسمية كلّ واحد من هذه المقدّمات بهذه الأسماء الخاصّة إنّما هو بقياسها إلى نفس الواجب، فقد تكون المقدّمة حينئذ مقدّمة لوجوده أو لصحّته أو لوجوبه أو للعلم بحصوله، و إلّا فمقدّمة الصحّة مقدّمة للوجود أيضا بالقياس إلى نفس الصحّة، و كذا مقدّمة الوجوب مقدّمة وجود بالقياس إلى نفس الوجوب، و مقدّمة العلم أيضا مقدّمة وجود بالقياس إلى نفس العلم.

قوله (قدّس سرّه): (و لا إشكال في خروج مقدّمة الوجوب ... إلخ)

(2)

[خروج مقدّمة الوجوب و المقدّمة العلميّة عن محلّ النزاع‏]

توضيحه: أنّ وجوب المقدّمة موقوف على وجوب ذيها، فلو كان وجوبه موقوفا على وجودها كما هو الحال في مقدّمة الوجوب ينتج أنّ وجوب المقدّمة موقوف على وجودها، و هو واضح البطلان.

قوله (قدّس سرّه): (و كذلك المقدّمة العلميّة ... إلخ)

(3)

اعلم أنّ مقدّمة العلم تارة تكون خارجة عن المأمور به، كوجوب غسل شي‏ء خارج عن حدود ما يجب غسله من أعضاء الغسل في الوضوء ممّا هو حوله‏

____________

(1 و 2 و 3) كفاية الاصول: 117.

13

تحصيلا للعلم بغسل جميع ذلك العضو.

و تارة يكون لاحتمال أنّه الواجب، و هي: إمّا أن توجب تكرار الفعل الواجب كالصلاة إلى أربع جوانب عند اشتباه القبلة، و إمّا أن لا توجب التكرار كالاحتياط فيما دار بين الأقلّ و الأكثر بفعل الأكثر.

أمّا الاولى فلا إشكال في كونها مقدّمة علم، إلّا أنّه يمكن أن يقال: إنّها مع ذلك يصدق عليها أنّها مقدّمة وجود للمأمور به، حيث إنّ وجود الغسل الواجب بتمامه يتوقّف عادة عليها، لأنّه بدونها يمتنع عادة حصوله بتمامه لجريان العادة ببقاء شي منه بدونها و لو كان أقلّ قليل و لو كان بمقدار النقطة، فإنّ الواجب في غسل الوجه مثلا هو الخطّ الفاصل بين الشعر و الجبهة و بدون إدخال شي‏ء من الشعر في الغسل يستحيل عادة غسل تمام الوجه بحيث لا يبقى منه شي‏ء و لو كان قليلا، فهي إذا مقدّمة وجود و إن صدق عليها مقدّمة علم.

ثمّ إنّه على تقدير كونها مقدّمة علم محضة يكون الكلام في الثانية بقسميها.

فنقول: إن قلنا إنّ تحصيل العلم بحصول الواجب واجب عقلي من باب وجوب الإطاعة، و إنّ الأمر به من الشارع إرشاد إلى ذلك كما هو الحقّ، فلا إشكال في خروج المقدّمة العلميّة عن محلّ النزاع، لأنّ الكلام في الوجوب الشرعي المولوي.

و إن قلنا: إنّ تحصيل العلم بحصول الواجب واجب بالوجوب الشرعي المولوي، فإن قلنا: إنّ هذا الفعل الاحتياطي غير تحصيل العلم و إنّما هو مقدّمة له فلا إشكال في دخول المقدّمة العلميّة في محلّ النزاع. و إن قلنا: إنّ الفعل الاحتياطي عين تحصيل العلم خارجا و إن غايره مفهوما و كان متأخّرا عنه رتبة تأخّر العناوين التوليديّة عن أسبابها و منشأ انتزاعها بحيث يوجب تخلّل الفاء بينهما كما ترى في الإلقاء و الإحراق، فإنّ العنوان الثاني- أعني الإحراق- عين الإلقاء في النار خارجا إلّا أنّ الأوّل- أعني الإلقاء- متقدّم في عالم الاعتبار عليه، بحيث يقال: ألقاه فأحرقه فكذا فيما نحن فيه، ففعل الصلاة مثلا إلى أربع جهات‏

14

عين تحصيل العلم خارجا و إن تقدّم عليه اعتبارا، بحيث يقال: كرّر الصلاة إلى أربع جهات فحصل العلم بالواجب و لا يصحّ العكس.

فعلى هذا لا إشكال في خروج المقدّمة العلميّة عن محلّ النزاع، لكونها واجبة بعين وجوب تحصيل العلم، لما عرفت من العينيّة بينهما خارجا، و حينئذ يستحيل كونها واجبة بالوجوب المقدّمي لاستحالة اجتماع المثلين، بل يستحيل كونها مقدّمة لاستحالة كون الشي‏ء مقدّمة لنفسه، و حينئذ نقول: إنّ غسل ما هو خارج عن حدّ ما يجب غسله إن قلنا بأنّه غير تحصيل العلم بحصول الغسل الواجب فلا إشكال في كونه مقدّمة وجوديّة له و قلنا بوجوب تحصيل العلم شرعا. فإن قلنا بوجوب المقدّمة فهو واجب و إلّا فلا. و إن قلنا: إنّه عينه في الخارج فلا إشكال في وجوبه نفسا بعين وجوبه حينئذ يكون خارجا عن محلّ النزاع. و يتفرّع على ذلك جواز الأخذ من بلله لأجل المسح. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ ذلك مخصوص بما يجب غسله أصالة دون ما يجب غسله بوجوب تحصيل العلم بتمام الغسل الواجب.

و كذا الكلام في الاحتياط في الفعل المحتمل الوجوب الغير المستلزم للتكرار- كفعل الأكثر إذا حصل الشكّ بين وجوبه و وجوب الأقلّ- فإن قلنا: إنّه مغاير لتحصيل العلم الواجب كان مقدّمة وجوديّة له، فإن قلنا بوجوب المقدّمة كان واجبا غيريّا من حيث كونه مقدّمة و إلّا فلا، و إن قلنا: إنّه عينه خارجا كان واجبا نفسيّا بعين وجوب تحصيل العلم و حينئذ يكون خارجا عن محلّ النزاع.

و كذلك الكلام أيضا فيما يستلزم التكرار ممّا هو محتمل الوجوب كالصلاة المكرّرة إلى أربع جهات، فإن قلنا بأنّها غير تحصيل العلم الواجب كانت مقدّمة وجوديّة له، فإن قلنا بوجوب المقدّمة كانت واجبة وجوبا مقدّميّا و إلّا فلا، و إن قلنا: إنّها عينه كانت واجبة نفسا بعين وجوبه و حينئذ تكون خارجة عن محلّ البحث.

قلت: لا يخفى أنّه فيما يحتمل الوجوب بكلا قسميه يجتمع الوجوبان، أحدهما:- أحد الوجوبين- الوجوب المقدّمي لتحصيل العلم و الوجوب النفسي‏

15

الثابت بعين وجوب تحصيل العلم. و ثانيهما: الوجوب الواقعي المحتمل، إلّا أنّه قد يقال: إنّ هذا ليس من قبيل تعدّد الوجوب بل من قبيل تعدّد ملاكه.

قوله (قدّس سرّه): (و أمّا الأوّل فكون أحدهما شرطا له ليس إلّا أنّ للحاظه دخلا في تكليف الآمر ... الخ)

(1)

[تقسيمها إلى المتقدّم و المتأخّر و المقارن‏]

اعلم أنّ شرط التكليف قد يكون شرطا لصدوره من المكلّف و قد يكون شرطا لتنجّزه على المكلّف، فالأوّل: أعني ما كان شرطا في صدور مطلق التكليف عن المكلّف مطلقا كان أو مشروطا، قد يكون شرطا له من حيث إنّه فعل خارجي، و قد يكون شرطا له من حيث إنّه فعل اختياري قصدي، فإنّ التكليف مطلقا سواء كان مشروطا أو مطلقا فعل من الأفعال، فصدوره عن الفاعل قد يكون مشروطا بشي‏ء من حيث إنّه فعل فقط، و قد يكون مشروطا من حيث إنّه فعل اختياري- كفعل النجّار مثلا- فمن حيث إنّه فعل يتوقّف على آلة و إن كان لا عن قصد، و من حيث إنّه فعل اختياري لا بدّ فيه من تصوّره بجميع حدوده و تصوّر فائدته أعني العلّة الغائيّة.

فكذلك التكليف فمن حيث إنّه فعل خارجي فتحقّقه في الخارج و إن كان غير مقصود يتوقّف على شروط كاحتياجه إلى لفظ.

و تلك الشروط أعني شروط- نفس تحقّقه- من حيث إنّه فعل لا من حيث إنّه اختياري لا بدّ أن تكون مقارنة له. و من حيث إنّه فعل اختياري يتوقّف أيضا على شروط كتصوّره و التصديق بفائدته و تصوّر غايته. و هذه الشروط- أعني نفس تلك التصوّرات- يجب أن تكون مقارنة له أيضا و إن كان المتصوّر متأخّرا، فإنّ كون العلّة الغائيّة- أعني الفائدة- إنّما تكون من أجزاء العلّة باعتبار وجودها الذهني لا وجودها الخارجي.

فظهر أنّه لا معنى لأن يقال: إنّ شرط صدور التكليف أو الوضع قد يكون متأخّرا، لما عرفت من أنّه لا معنى لتأخّر شرط التكليف من حيث إنّه فعل من الأفعال و إنّ‏

____________

(1) كفاية الاصول: 118.

16

شرطه من حيث إنّه فعل اختياري إنّما هو تصوّر ما يترتّب عليه حتّى يستشكل.

و كان الجواب الّذي ذكره المصنّف (قدّس سرّه) هو جواب عن إشكال تأخّر شرط صدور التكليف من المكلّف من حيث إنّه فعل اختياري و قد عرفت أنّه لا إشكال في ذلك، و إنّما الإشكال في تأخّر شرط تنجّز التكليف على المكلّف، كأن يجعل الشرط في تنجّز وجوب الحجّ فعلا هو الاستطاعة في المستقبل، فيلزم تحقّق التنجيز قبل شرطه و هو مساوق لوجود المعلول قبل كمال علّته، فإنّ الشرط من أجزاء العلّة.

[حال الشروط في الوضع و التكليف‏]

ثمّ اعلم أنّ شرط التكليف كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ. قد يقال: إنّه راجع إلى المكلّف به بأن يكون الشرط من قيود المادّة. و قد يقال: إنّه راجع إلى تنويع المكلّفين بأن يكون من قيود المكلّف، فيكون معنى قوله: «حجّ إن استطعت» إيجاب الحجّ و طلبه من المستطيع دون غيره. و قد يقال: إنّه راجع إلى التكليف بأن يكون معنى قوله: «حجّ إن استطعت» أطلب منك الحجّ إذا كنت مستطيعا فيكون القيد راجعا إلى مدلول الهيئة.

فعلى الأوّل يكون الكلام فيما هو شرط في التكليف متقدّما أو متأخّرا عين الكلام فيما هو شرط للمأمور به.

و على الثاني لا معنى لكونه متقدّما أو متأخّرا لأنّه إذا رجع إلى تنويع المكلّفين كان موضوع الحكم من كان واجدا له. فإن استفدنا من دليل الاشتراط أنّ موضوع وجوب الحجّ هو من كان واجدا للاستطاعة فعلا فلا يعقل وجوبه على من لم يستطع بعد أو انقضى عنه الاستطاعة.

و إن استفدنا من ذلك الدليل أنّ من وجد الاستطاعة و لو في الزمان الماضي يجب عليه الحجّ فلا يعقل وجوبه على من يستطيع بعد و يستطيع، لأنّه من قبيل تعلّق الحكم بغير موضوعه. و إن استفدنا من ذلك الدليل أنّ من له الاستطاعة في الكون و في دار التحقّق يجب عليه الحجّ و إن لم يكن مستطيعا فعلا، فيجب على من انقضت استطاعته و لا يكون من قبيل الشرط المتقدّم، و على من كانت‏

17

استطاعته في الاستقبال و لا يكون من قبيل الشرط المتأخّر بل يكون جميع ذلك من قبيل الحكم على موضوع هو المستطيع، فإن أخذناه بمعنى وجود الاستطاعة و تحقّقها كان ذلك الحكم غير سار إلى من كانت استطاعته استقباليّة، و إن أخذناه بمعنى من توجد له الاستطاعة في عالم الكون و دار التحقّق كان موضوعه ذلك، و لا فرق حينئذ بين أن تكون الاستطاعة واقعة قبل التكليف أو حاله أو بعده، و تكون هذه الحالات الثلاث حالات للموضوع، لا شروط للحكم حتّى يتصوّر فيها أنّها متقدّمة عليه أو مقارنة له أو متأخّرة عنه.

و الحاصل أنّه بعد إرجاع الشرط إلى أنّه قيد و عنوان للموضوع، له الدخل في تعلّق الحكم به، لا أنّه ممحّض الإشارة إلى ذات الموضوع، بل ليس الموضوع في الحقيقة إلّا ذلك العنوان كما هو الحال في كلّ حكم تعلّق بموضوع من حيثيّة خاصّة، فإنّه لا إشكال في أنّه ترجع تلك الحيثيّة إلى أنّها نفس الموضوع، و حينئذ يكون الموضوع لوجوب الحجّ هو عنوان المستطيع أعني من تلبّس بالاستطاعة.

و حينئذ يمكن أن يكون ذلك العنوان هو من تحقّق له الاستطاعة فلا يسري الحكم إلّا إليه دون من لم يستطع بعد. و يمكن أن يكون هو من له الاستطاعة في عالم التحقّق، فيشمل الحكم جميع من له الاستطاعة و إن كانت استطاعته في زمان الاستقبال أو الماضي لعدم الفرق في ذلك، فإنّه بعد أن كان الموضوع هو من له الاستطاعة في الكون و في عالم التحقّق لا وجه للفرق بين أن تكون استطاعته بالقياس إلى الزمان متقدّمة على التكليف أو متأخّرة عنه أو مقارنة له، و ليس هذا مبنيّا على استعمال المشتقّ في الماضي و المستقبل و إن كان نظيره، لأنّ ذلك إنّما هو في مرحلة الاستعمال و ما نحن فيه ليس من قبيل الاستعمال بل هو ناشئ من كيفيّة أخذ الاستطاعة في المكلّف.

و على الثالث يكون الشرط ظرفا للتكليف، فإنّه إذا رجع قولنا: «حجّ إن استطعت» إلى أنّ شرط تنجّز وجوب الحجّ هو الاستطاعة كان الاستطاعة ظرفا لوجوب الحجّ. فإن أخذت الاستطاعة الّتى جعلت شرطا لوجوب الحجّ و ظرفا

18

لتنجّزه الاستطاعة الفعليّة فلا يعقل تأخّرها عن وجوب الحجّ. و إن أخذت من حيث وجودها في عالم الكون و التحقّق و إن لم تكن فعليّة جاز تأخّر وقوعها عن الوجوب، و ليس ذلك من قبيل تأخّر الشرط، فإنّ الشرط حينئذ ليس نفس وقوع الاستطاعة، و إنّما هو الاستطاعة لا بقيد وجودها الفعلي بل بقيد وجودها و تحقّقها في عالم الوقوع، و هو أمر مقارن لوجوب الحجّ في من لم توجد له الاستطاعة فعلا و لكنّه يستطيع فيما بعد.

هذا حال التكليف، و منه يظهر حال الحكم الوضعي، فإنّ الشرط فيه قد يكون شرطا لصدور ذلك الحكم من الحاكم من حيث إنّه فعل اختياري فلا بدّ أن يكون الشرط من مقولة العلم كما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) و حينئذ لا يكون متأخّرا بل هو مقارن دائما. و قد يكون الشرط شرطا في تأثير العقد كالإجازة مثلا على القول بأنّها كاشفة عن أنّ العقد كان مؤثّرا من حينه، فإن كانت مقارنة فلا إشكال، و إن تأخّرت عنه، فإن أخذت شرطا من حيث وجودها الفعلي فيحصل الخلف، لأنّ الّذي جعل مؤثّرا هو العقد المقارن للإجازة، و إن أخذت من حيث وجودها في عالم الكون و إن تأخّرت فلا إشكال.

قوله (قدّس سرّه): (و أمّا الثاني فكون شي‏ء شرطا في المأمور به ... الخ)

(1)

[صوم المستحاضة و غسلها ليلا]

و ذلك مثل الأغسال الليليّة بالنسبة إلى صوم المستحاضة. و تفصيل الكلام في هذا المقام: أنّ الغسل في الليل إن كان بمعنى أنّ تماميّة المأمور به موقوفة عليه، بحيث كان المكلّف به أعني الصوم نهارا مقيّدا بالغسل ليلا، فوجود المأمور به تامّا أعني الصوم المقيّد موقوف على الغسل فتكون تماميّته موقوفة عليه، فإنّه إذا كان المأمور به- أعني الصوم- مقيّدا بالغسل فالغسل في الحقيقة بالنسبة إليه بمنزلة الجزء من الكلّ و إن كان في الظاهر مأخوذا فيه شرطا، و حينئذ لا يكون ذلك من قبيل الشرط المتأخّر، بل من قبيل التكليف بمركّب من أمر متقدّم و أمر متأخّر و يكون تماميّة المأمور به مراعاة، فإن حصل الغسل تمّ المأمور به من حين حصوله و إلّا فلا.

____________

(1) كفاية الاصول: 119.

19

و إن كان بمعنى أنّ حصول الغسل كاشف عن أنّ المأمور به قد كان وقع تامّا، بحيث كان المأمور به هو الصوم المعنون بعنوان أنّه واقع بعده الغسل، فيكون وقوع الغسل بعده كاشفا عن أنّه وقع معنونا بذلك العنوان. و حينئذ يكون ذلك من الشرط المتأخّر و هو غير معقول، فإنّه إذا كان المأمور به هو الصوم المعنون بذلك العنوان المنتزع من وقوع الفعل بعده، فكيف! يكون ذلك العنوان حاصلا للمأمور به قبل حصول الغسل حتّى يكون حصول الغسل كاشفا عن أنّه كان واجدا لذلك العنوان و هل هذا إلّا خلف.

و بعبارة اخرى كيف يكون الصوم تامّا و واجدا لذلك العنوان- أعني كونه واقعا بعده الغسل قبل حصول الغسل في الخارج- و الحال أنّ ذلك العنوان لا يتحقّق إلّا بعد تحقّق الغسل، و هل يمكن كونه تامّا قبل الغسل إلّا بأن يكون تماميّته بدون ذلك العنوان، و هو ليس إلّا عبارة عن عدم اعتبار ذلك العنوان في تماميّته مع أنّ الفرض اعتباره، هذا خلف.

و لا يمكن تصحيح ذلك إلّا بأن يقال: إنّ العنوان المعتبر في الصوم ليس هو نفس وقوع الغسل في الخارج بعده، نظير وقوعه مقارنا بأن يكون المأمور به هو الصوم الواقع بعده الغسل حتّى يكون تحقّق ذلك متوقّفا على تحقّق الغسل في الخارج، فلا يصحّ حينئذ جعل الغسل كاشفا عن تحقّق ذلك العنوان، بل المأمور به هو الصوم المقيّد بأنّه يقع الغسل بعده، بمعنى أنّ الشرط هو كون الصوم بحيث يقع بعده الغسل، فإن وقع بعده كان ذلك كاشفا عن أنّ الصوم قد وقع معنونا بذلك العنوان، أعني كونه بحيث يتعقّبه الغسل، فليس الشرط هو نفس وقوع الغسل بعده، بل هو كونه بحيث يتعقّبه الغسل، فيكون المكلّف به صوما يتعقّبه الغسل، فإذا تعقّبه كشف عن أنّه كان تامّا فيؤول هذا إلى الشرط المقارن، إلّا أنّ مقارنته للمشروط لا تنكشف إلّا بعد حصوله بعده، فلا يكون المتأخّر- أعني الغسل- هو الشرط، بل ليس الشرط إلّا كون الصوم بحيث يتعقّبه الغسل و هو مقارن للصوم الّذي حصل الغسل بعده.

20

و بعبارة اخرى أنّ الصوم الّذي حصل الغسل بعده كان من حين وجوده واجدا و مقارنا لكونه يقع الغسل بعده، غاية الأمر أنّ تلك المقارنة لا تعلم و لا تنكشف إلّا بعد حصول الغسل.

و على هذا لو أخبرنا صادق في النهار عن وقوع الغسل في الليل نحكم بأنّ الصوم تامّ، و واجد للشرط، و نرتّب آثار الصحّة عليه، و لا ننتظر في ذلك مجي‏ء الليل و تحقّق الغسل فيه. هذا ما فهمته من سيّدنا الاستاد- سلّمه اللّه-.

قلت: و من هذا يعلم أنّ ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) في هذا المقام لا يصحّح إلّا تعلّق الطلب بالمشروط الّذي تأخّر شرطه، و ذلك أجنبيّ عن المقام كما لا يخفى.

فإنّ الإشكال في هذا المقام ليس إلّا أنّه لا يمكن أن يحصل العنوان المعتبر في المأمور به- أعني الصوم الواقع بعده الغسل مثلا- قبل حصول الغسل، فلا يكون حصول الغسل فيما بعد كاشفا عن أنّ المأمور به كان واجدا لذلك العنوان.

و أين هذا الإشكال من إشكال تعلّق الطلب الّذي لا إشكال فيه.

و الحاصل أنّ الإشكال فيما نحن فيه هو أنّه كيف يكون الغسل مع تأخّره مؤثّرا في الصوم المتقدّم عليه و موجبا لحدوث عنوان فيه يكون المأمور به متعلّقا للطلب.

و قول المصنّف: «و أمّا الثاني فكون ... الخ» لا يرفع هذا الإشكال، فإنّه بيان لكيفيّة تعلّق التكليف بالمقيّد بقيد مطلقا سواء كان متقدّما أو متأخّرا أو مقارنا.

و هو حاصل ما نقله عن الشيخ المرتضى (قدّس سرّه) في بيان الواجب المشروط. و ظاهر أنّ هذا لا دخل له في مقامنا.

اللّهمّ إلّا أن يرجع ما اختاره الاستاد- سلّمه اللّه- من أنّ المكلّف به يكون مقيّدا و لا يتمّ إلّا بحصول قيده. و هو الظاهر من قوله (رحمه اللّه): و أمّا الثاني إلى قوله:

«و متعلّقا للغرض». و يظهر ذلك أيضا من كلامه في الفوائد (1) الّذي أحال عليه المطلب في هذا الكتاب حيث قال: و كذا الحال في صوم المستحاضة إلى أن قال:

____________

(1) الفوائد: 309.

21

فتؤمر بذلك الحائض فيجب عليها موافقته بالصوم بالنهار و الغسل في الليلة اللاحقة، و هو كالصريح في أنّ المكلّف به هو الصوم المقيّد و لا يتمّ إلّا بحصول قيده، فهو بمنزلة المركّب من أجزاء متعاقبة في الوجود فهو راجع إلى الوجه الثاني من وجوه الإجازة.

قوله (قدّس سرّه): (و لا يخفى أنّها بجميع أقسامها داخلة في محلّ النزاع ...

إلخ)

(1)

أقول: لا يخفى إنّا إذا صحّحنا الشرط المتأخّر بأيّ وجه كان فلا إشكال في أنّ تحقّق الشرط يكون كاشفا عن أنّ المشروط كان واجدا لشرطه، و إلّا لم يكن شرطا متأخّرا، فإنّه إذا لم يكن كاشفا كان مؤثّرا في المشروط من حينه، فلا يكون متأخّرا بل يكون كالجزء من المأمور به كما تقدّم بيانه في أوّل الحاشية السابقة، و إذا كان المأمور به السابق واجدا لشرطه سقط الأمر المتعلّق به، فمن أين يترشّح الأمر بالمقدّمة.

و الحاصل: أنّه بعد فعل المكلّف ذات المأمور به- أعني الصوم- و قبل الغسل يلزم من القول بوجوب المقدّمة و دخول الشرط المتأخّر في محلّ النزاع عدم تماميّة المأمور به قبل حصول شرطه لكون الأمر به باقيا، حتّى يترشّح الوجوب على مقدّمة أعني الشرط المتأخّر، و من جعل الغسل كاشفا عن أنّ المأمور به كان واجدا للشرط يلزم تماميّة المأمور به قبل حصول الغسل، فلا يبقى وجوب يترشّح على المقدّمة، فيلزم من وجوبها عدم وجوبها.

فإن قيل: نفس الغسل ليس شرطا و إنّما الشرط كون الصيام يتعقّبه الغسل على ما ذكرتم، و حينئذ يكون المقدّمة تعقّبه بالغسل و لا يلزم من القول بوجوبها عدم وجوبها.

قلنا: نفس الغسل و إن لم يكن شرطا إلّا أنّه محقّق لما هو الشرط فيعود الكلام، و هو أنّه قبل حصول الغسل إن كان المأمور به تامّا و واجدا للشرط فلا معنى لوجوب الغسل الّذي هو محقّق للشرط، و إن لم يكن تامّا فلا معنى لكون‏

____________

(1) كفاية الاصول: 120.

22

الغسل كاشفا عن أنّ الصوم كان واجدا للشرط، فلا بدّ من القول بأنّ الغسل بنفسه قيد للمأمور به، و أنّ تماميّة المأمور به إنّما تحصل عند حصول قيده، فلا يكون من قبيل الشرط المتأخّر بل يكون الصوم المقيّد بذلك القيد من قبيل واجب ذي أجزاء يتأخّر بعضها عن بعض كما تقدّم. هذا ما فهمته من سيّدنا الاستاد.

[وجوه ثلاثة في الإجازة المتأخّرة عن البيع الواقع فضولا]

قلت: قد ذكر الاستاد- سلّمه اللّه- في الإجازة المتأخّرة عن البيع الواقع فضولا وجوها ثلاثا:

الأوّل: أنّها تكون كاشفة عن أنّ العقد كان صحيحا من حين وقوعه و كان واجدا للشرط، فيكون الشرط على هذا ليس نفس الإجازة، بل هو كون العقد بحيث يتعقّبه الإجازة في الواقع، فيكون نظير بل عين ما وجّه به الاستاد- سلّمه اللّه- مسألتنا هذه، أعني اشتراط الغسل الليلي في صوم المستحاضة الّذي أورد عليه ما عرفت: من أنّه لا يكون الغسل حينئذ داخلا في محلّ النزاع.

نعم هذا الإشكال لا يرد على مسألة الإجازة لعدم الوجوب التكليفي فيها و في المشروط بها.

الثاني: أنّها تكون موجبة لصحّة العقد من حين وقوعها، فقبل حصولها لا أثر للعقد، و إنّما يترتّب الأثر عليه من حينها، فيكون الّذي حكم الشارع بتأثيره النقل أو أظهر تأثيره هو العقد و وقوع الإجازة بعده، فلا يكفي حصول أحدهما فتكون عين ما اختاره- سلّمه اللّه- أخيرا: من أنّ الغسل لا يكون كاشفا عن صحّة الصوم، بل إنّما هو متمّم له من حين وقوعه، فالمأمور به هو الصوم في النهار و الغسل في الليل، لكن على نحو الارتباط و التقييد، فلا يكفي في الامتثال حصول الصوم مجرّدا، و لا يتمّ المأمور به إلّا بالغسل ليلا.

الثالث: أنّها تكون موجبة لصحّة العقد من حين وقوعه، فيكون العقد من حين وقوعه و قبل حصولها لا أثر له، و بعد حصولها مؤثّرة فيه الصحّة، و تجعله من حينها صحيحا من حينه، أعني أنّها موجبة لقلبه صحيحا من أوّل وقوعه، و يترتّب عليه جميع آثار الصحّة من أوّل وقوعه بعد أن كان لا أثر له قبلها، فالعقد بمجرّد وقوعه‏

23

لا أثر له و يبقى كذلك إلى أن تقع الإجازة فينقلب صحيحا من أوّل الأمر.

و ثمرة ذلك أنّ آثار الملكيّة من أوّل العقد إلى أوّل وقوعها هي للمالك، و بمجرّد وقوعها تنتقل تلك الآثار السابقة عليها إلى المشتري، و هي على هذا حقيقة شرط.

هذا خلاصة ما ذكره الاستاد- سلّمه اللّه- في مسألة الإجازة مع بعض التوضيحات منّي، خصوصا قياس كلّ وجه من الوجهين الأوّلين على مسألة صوم المستحاضة و ثمرة الوجه الثالث.

لا يقال: لم لا نجعل الغسل في صوم المستحاضة على نحو الوجه الثالث من هذه الوجوه، فيكون الصوم بمجرّد وقوعه لا أثر له من حيث الصحّة و إسقاط الأمر، و بعد وقوع الغسل ينقلب صحيحا مسقطا، فلا يكون كاشفا عن صحّته، بل يكون مؤثّرا فيه من حين وقوعه على ما هو الظاهر من الشرط، فإنّ الظاهر منه ما يكون مؤثّرا في المشروط من حين وقوعه و لا يتعيّن ما ذكره من الالتجاء إلى الوجه الثاني من وجوه الإجازة، فإنّه خلاف الظاهر من الشرط، فإنّ الظاهر منه أنّه يؤثّر في نفس المشروط، أعني أنّ الظاهر من كون الغسل شرطا في صحّة الصوم أنّه يجعل ذلك الصوم الّذي وقع في النهار صحيحا، و لا معنى لجعله صحيحا إلّا أنّ أثر ذلك الشرط يصل إلى نفس المشروط و هو معنى الانقلاب، لا أنّه موجب لكون الصوم الّذي وقع في النهار صحيحا عند وقوع الغسل، كما هو مقتضى الوجه الثاني، فإنّ ذلك خلاف الظاهر من لفظ الشرط.

لأنّا نقول: إنّما لم نجعله كذلك لأنّه التزام بأنّ الغسل المتأخّر يؤثّر في الصوم المتقدّم، و هو إشكال الشرط المتأخّر.

قوله (قدّس سرّه): (الأمر الثالث في تقسيمات الواجب، منها: تقسيمه إلى المطلق و المشروط ... الخ)

(1)

____________

(1) كفاية الاصول: 121.

24

[تقسيم الواجب إلى المطلق و المشروط]

لا يخفى أنّ تقسيمات الواجب كثيرة إلّا أنّ المهمّ في هذا المقام و الذي يتعلّق به هو ما ذكره المصنّف من التقسيمين.

قوله (قدّس سرّه): (لا أقلّ من الشرائط العامّة ... الخ)

(1)

الظاهر أنّ من جعل المطلق و المشروط من قبيل المتضادّين يستثني الشرائط العامّة من مورد القسمة، كما هو صريح بعضهم فلا يرد النقض بها.

قوله (قدّس سرّه): (فالحريّ أن يقال: إنّ الواجب مع كلّ شي‏ء يلاحظ معه ... الخ)

(2)

الظاهر أنّه جعل الإطلاق بالإضافة إلى كلّ ما عدا الواجب نفسه و لو لم يكن مرتبطا به، فيكون معنى قولنا: إنّ الصلاة واجبة مطلقا أنّ وجوبها بالإضافة إلى قيام زيد و طيران الطير مثلا مطلق، و الظاهر أنّ الإطلاق إنّما يكون بالإضافة إلى ما هو مقدّمة للوجود، فيكون معنى قولنا: إنّ الصلاة واجبة مطلقا هو أنّ وجوبها مطلق بالإضافة إلى الوضوء- مثلا و غيره ممّا يتوقّف عليه صحّتها و وجودها- و على هذا تكون مقدّمة الوجوب دائما مقدّمة وجود. و هو الظاهر من تعريف الواجب المشروط بأنّه ما يتوقّف وجوبه على ما يتوقّف عليه وجوده.

لا يقال: إنّ ذلك منقوض بالزكاة فإنّ ملك النصاب شرط لوجوبها و لا يتوقّف عليه وجودها، و بالحجّ فإنّ الاستطاعة شرط لوجوبه و ليست شرطا و مقدّمة لوقوعه، لجواز الحجّ متسكّعا.

لأنّا نقول: لا نسلّم أنّ ملك النصاب ليس شرطا لوقوع الزكاة، فإنّ مرادنا بالزكاة هي ما تجب في أصل الشرع دون الصدقة، و ظاهر أنّ وقوع تلك و صحّتها مشروط بملك النصاب، و كذا الكلام في الحجّ، فإنّ الاستطاعة شرط في وقوع حجّة الإسلام و إن صحّ غيرها تسكّعا، فصحّ أنّ كلّ ما هو مشروط و مقدّمة للوجوب فهو شرط و مقدّمة للوقوع.

قوله (رحمه اللّه): (مدّعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا و لزوم‏

____________

(1 و 2) كفاية الاصول: 121.

25

كونه من ... الخ)

(1)

[كلام للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في المعلّق و المشروط]

المنقول عن الشيخ (قدّس سرّه) أنّه جعل المانع من رجوع الشرط إلى الهيئة أمرا لفظيّا و أمرا معنويّا (2).

و المانع اللفظي شيئان:

الأوّل: أنّ معنى الهيئة معنى حرفي و هو جزئي حقيقي، فلا معنى لتقييده بالشرط، لأنّ الجزئي الحقيقي لا يقبل التقييد.

الثاني: أنّ معنى الهيئة لمّا كان غير مستقلّ باللحاظ فكما لا يصحّ أن يجعل طرفا للنسبة كما حقّق في محلّه كذلك لا يصحّ أن يجعل طرفا للتقييد، فلا يمكن جعله قيدا و مقيّدا.

و أمّا المانع المعنوي فهو ما ذكره عنه المصنّف (قدّس سرّه) أخيرا من قوله: و أمّا لزوم كونه من قيود المادّة لبّا، إلى قوله: من غير فرق بتبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد و القول بعدم التبعيّة كما لا يخفى. و بيان هذه العبارة الأخيرة أنّ كلامنا في الغرض و هو لا يتفاوت بين أن يكون متعلّقه ذات صلاح و بين أن يكون مجرّدا عن ذلك.

و يرد على المانع اللفظي أوّلا: أنّه مخصوص بخصوص ما إذا كان الوجوب و الطلب مستفادا من الهيئة، و أمّا إذا كان مستفادا من لفظ الوجوب أو الطلب أو الإرادة أو نحو ذلك من الموادّ الدالّة على الطلب بأيّ هيئة اتّفق تلبّسها فلا يرد عليه ذلك، لأنّها معان اسميّة قابلة للتقييد.

و الحاصل: أنّ هذا المانع لو اقتصر عليه لا يوجب إنكار القسم الثالث من الوجوب كما هو غرض الشيخ (قدّس سرّه)، فإنّ غرضه حصر الواجبات في المطلق و المشروط بدعوى إرجاع المشروط إلى المعلّق و تسمية المعلّق مشروطا. فهو في الحقيقة منكر للواجب المشروط بلسان إنكار الواجب المعلّق و مدّع لرجوع جميع القيود إلى المكلّف به، غاية الأمر بعضها لازم التحصيل فيقال: الواجب مطلق بالنسبة إليها، و بعضها غير لازم فيقال: الواجب مشروط بالنسبة إليها.

____________

(1) كفاية الاصول: 122.

(2) انظر مطارح الأنظار: 49.

26

[رجوع القيد إلى المادّة أو الهيئة]

و بالجملة: أنّ غرضه إنكار رجوع القيد إلى الطلب و دعوى رجوعه إلى المطلوب دائما. غاية الأمر: أنّ القيد قد يكون لازم التحصيل فيكون الواجب مطلقا، و قد يكون غير لازم التحصيل فيكون الواجب مشروطا. و ظاهر أنّ كون معنى الطلب المستفاد من الهيئة حرفيّا لا يقتضي هذه الكلّية، فإنّه إذا استفيد من مادّة الطلب و نحوه فلا يتأتّى فيه هذا المانع.

ألا ترى أنّ الشيخ (قدّس سرّه) بنفسه قد أورد على من جعل المانع من صحّة التعليق في العقود أمرا عقليّا لاستحالة تقييد المعاني الإنشائيّة، لكونها غير مستقلّة في اللحاظ فلا يعقل أن يكون طرفا للتقييد. (1)

و حاصل إيراده أنّ الّذي يمتنع تقييده هو نفس الإنشاء، و أمّا ما يتعلّق به الإنشاء فلا مانع من تقييده، ففي مقام إنشاء البيع معلّقا على شي‏ء لا يكون ذلك الشي‏ء قيدا للإنشاء نفسه حتّى يرد ما ذكرت، بل إنّما هو قيد للمنشأ- أعني البيع الّذي هو متعلّق الإنشاء-.

و الحاصل: أنّ قول القائل «بعت بشرط كذا» ليس إنشاء مشروطا، و إنّما هو إنشاء لبيع مشروط، فإنّ معنى البيع المشروط قابل لأن يكون متعلّقا للإنشاء، ففيما نحن فيه إذا أنشأ الوجوب بقوله: «أوجبت عليك بشرط كذا» فما المانع من جعل الشرط قيدا للوجوب الّذي هو معنى اسمي، فلا يكون راجعا إلى الإنشاء حتّى يرد المانع الّذي ذكره (رحمه اللّه).

و ثانيا: أنّ الماهيّة كالصلاة- مثلا- قد تكون موردا لطوارئ و قيود عرضيّة، أي لا يكون لتلك الطوارئ و القيود تقدّم لبعض منها على بعض، بل كلّها ترد عليها ورودا واحدا، ككونها في مكان كذا أو في زمان كذا أو كونها إلى القبلة و مع الساتر إلى غير ذلك من عوارضها العرضيّة.

و قد يكون طوارئها و عوارضها طوليّة بأن يكون بعضها مقدّما على بعض بأن يرد عليها العارض الفلاني و بعد لحاظها معروضة له يرد عليها عارض آخر.

____________

(1) انظر مطارح الأنظار: 49.

27

و ظاهر أنّه لو عكس ذلك لربما اختلف الحكم، نظير ذلك الحكم مقيسا إلى عارضيه السلب و العموم فلو لوحظ مقيّدا بالسلب أوّلا و بالعموم ثانيا كان السلب كليّا، لأنّه حينئذ يتحقّق عموم السلب. و لو عكس بأن لو حظ مقيّدا بالعموم أوّلا و بالسلب ثانيا كان السلب جزئيّا، لأنّه حينئذ يتحقّق سلب العموم و هو سور السالبة الجزئيّة.

إذا عرفت هذا فنقول في مقامنا: إنّ الصلاة مثلا ماهيّة لها عارضان يطر آن عليها و هما الطلب و الشرط الفلاني، فإن ورد عليها الشرط أوّلا و الطلب ثانيا كان الشرط من قيود المادّة كما ذكره الشيخ، و إن ورد عليها الطلب أوّلا و الشرط ثانيا كان الشرط من قيود المادّة بما هي مطلوبة، فلا يكون من قيود المادّة حتّى يلزم حصر الواجبات في القسمين المطلق و المشروط على ما تقدّم من تفسير المشروط، و لا من قيود الهيئة حتّى يرد المانع اللفظي الّذي ذكره الشيخ (رحمه اللّه)، فإنّه بناء على ما قوّيناه من مذهب الشيخ الرضي (قدّس سرّه) في معنى الحروف من أنّها لا معنى لها أصلا و إنّما هي علامة على معنى في مدخولها، فإذا طرأت الهيئة على المادّة كانت علامة على أنّها مطلوبة، فلا يكون في الذهن ماهيّة الصلاة مثلا و طلبها، بل ليس الموجود في الذهن إلّا الصلاة لكن بقيد كونها مطلوبة، فإذا ورد بعد ذلك عليها شرط من الشروط يكون واردا عليها بذلك الاعتبار، لا عليها مجرّدة عن ذلك الاعتبار و لا على ذلك الاعتبار نفسه.

و الحاصل: أنّه على هذا التوجيه لا يكون القيد راجعا إلى نفس المادّة ليلزم كون الطلب مطلقا و المادّة مقيّدة، فيرجع الواجب المشروط إلى الواجب المعلّق و لا يكون راجعا إلى مدلول الهيئة حتّى يرد ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) من المانع اللفظي، بل يكون راجعا إلى المادّة بلحاظ كونها معروضة للطلب، فيلزم أن يكون الطلب مقصورا على مورد تحقّق الشرط فلا طلب قبله، لأنّ الشارع إذا بعث نحو المادّة ثمّ قيّد المادّة بشرط بلحاظ كونها مبعوثا إليها كانت المادّة بلحاظ كونها مبعوثا إليها مقصورة على مورد الشرط، فيلزم قهرا قصر الطلب و البعث على ذلك المورد

28

- أعني مورد الشرط- و إن لم يكن الشرط راجعا إلى نفس الطلب لفظا إلّا أنّه لمّا رجع إلى المادّة بلحاظ كونها معروضة للبعث ففي اللبّ و الحقيقة يكون ذلك البعث الّذي عرضها مقيّدا بذلك القيد و إن لم يمكن تقييده به لفظا، و حينئذ يكون الواجب على هذا حكمه حكمه لو رجع القيد إلى الهيئة لفظا، فكما أنّه إذا رجع القيد إلى الهيئة لفظا لا يتحقّق الوجوب إلّا بعد تحقّق ذلك القيد فكذلك إذا رجع القيد لفظا إلى المادّة بلحاظ عروض البعث عليها، لما عرفت من أنّه يكون حينئذ راجعا إلى البعث لبّا و حقيقة فلا وجوب قبل حصول القيد، لأنّه إذا كانت المادّة بلحاظ البعث إليها مقصورة على حصول ذلك القيد فيلزم من ذلك أن لا يحصل الطلب قبل حصوله أيضا، و هو عين حكم الوجوب المشروط. هذا توضيح ما قرّره سيّدنا الاستاد في هذا المقام.

قلت: إنّ هذا الّذي ذكره- سلّمه اللّه- لا يرفع الإشكال بل يرد عليه ذلك الإشكال بعينه من وجهين:

أحدهما: أنّه كيف يكون الطلب قيدا للمادّة مع أنّه معنى حرفي يمتنع أن يكون طرفا للتقييد لا قيدا لشي‏ء و لا مقيّدا بشي‏ء.

ثانيهما: أنّ معنى الطلب إذا امتنع أن يقيّد بالشرط لكونه معنى حرفيّا فيمتنع أيضا أن يكون جزء ممّا يقيّد به فلا يصحّ رجوع الشرط إلى الماهيّة بلحاظ كونها مطلوبة.

و الحاصل: أنّه- سلّمه اللّه- إن أرجع الشرط إلى نفس المادّة من غير نظر إلى لحاظ كونها مطلوبة فهو التزام بما ذكره الشيخ (قدّس سرّه)، و إن أرجعه إليها بلحاظ كونها كذلك فلا معنى له إلّا كونها مقيّدة بالطلب، فيلزم أن يكون الطلب قيدا لشي‏ء و هو المادّة و جزء من مقيّد و هو متعلّق الشرط أعني الماهيّة المطلوبة.

و قد أجاب- سلّمه اللّه- عن هذا الإشكال بما حاصله: أنّه لا يكون راجعا إلى المادّة المقيّدة بالطلب حتّى يرد أنّه كيف يكون الطلب قيدا و جزء من المقيّد بالشرط، و ليس راجعا إلى نفس المادّة حتّى يرد أنّه التزام بما ذكره الشيخ (رحمه اللّه)، بل‏

29

يكون راجعا إلى المادّة لكن بعد عروض الطلب عليها أو في حال كونها معروضة له فهو واسطة بين تقييدها بالطلب و أخذها مطلقة، فإنّه إذا قيّد المادّة بقيد حال كونها معروضة للطلب فلا إشكال في سريان ذلك القيد إلى نفس الطلب و إن لم نجعله قيدا للمادّة.

و بالجملة: المادّة حال تقييدها بالشرط لم تلاحظ مطلقة من جهة الطلب و لا مقيّدة به، بل لوحظت مطلقة في حال الطلب فورد عليها الشرط كذلك و هو أمر وجداني تضيق عنه العبارة.

قلت: هذا المطلب محتاج إلى التأمّل فإنّا لا نتعقّل الواسطة بين لحاظ المادّة مقيّدة بالطلب و بين لحاظها مطلقة من جهته، فتأمّل لعلّك تطّلع على حقيقة الحال.

و لعلّ مراد الاستاد من ذلك هو أنّ الآمر قد لا حظ الطبيعة في حال عروض الطلب عليها و أورد عليها القيد فيكون الطلب مقيّدا قهرا و إن لم يكن قصدا.

توضيح ذلك: أنّه لا إشكال في أنّ التقييد تضييق في الطبيعة، فإن كان ما يرد عليه هذا التقييد هو نفس الطبيعة لم يكن ذلك موجبا في ناحية الطلب، و إن كان ما يرد عليه التقييد هو الحصّة من الطبيعة- أعني الطبيعة الّتي عرض عليها الطلب- بحيث إنّ الآمر في مقام إيراد القيد على الطبيعة لم يلاحظ نفس الطبيعة بل لا حظ الطبيعة الّتي تكون تحت الطلب و معروضة له و أورد القيد على تلك الطبيعة الّتي رآها تحت الطلب، فإنّه حينئذ يكون الطلب منحصرا في مورد وجود ذلك القيد و إن لم يكن مقيّدا قصدا، بمعنى أنّ ذلك الطلب المستفاد من الصيغة لا تقييد فيه أصلا، و إنّما طرأ التقييد على الطبيعة الّتي رآها الآمر تحت الطلب، و لأجل ضيق ما تحت الطلب يتضيّق واقع الطلب لا ما تدلّ عليه الصيغة من الطلب الإنشائي.

هذا و لكن الاستاد- سلّمه اللّه- أنّه في هذه الدورة ذكر أنّ تقييد مفاد الهيئة يكون تبعا لا أصالة.

قلت: و أنت خبير بأنّه إذا قلنا: إنّ تقييد الهيئة محال لم يكن فرق بين أن يكون التقييد أصليّا أو تبعيّا.

30

و لعلّ مراده- سلّمه اللّه- من التبعيّة ما ذكرناه من حصول الضيق في واقع الطلب قهرا و إن لم يرد التقييد على مفاد الهيئة، فتأمّل.

قوله (قدّس سرّه): (أمّا حديث عدم الإطلاق في مفاد الهيئة إلى قوله: فافهم)

(1) قال سيّدنا الاستاد- مدّ ظلّه-: إنّ هذا كلّه مبنيّ على ما اختاره (قدّس سرّه) في معنى الحرف.

قلت: الظاهر أنّ قول المصنّف (قدّس سرّه) أخيرا: «مع أنّه لو سلّم ... الخ» ليس مبنيّا على ما اختاره، بل هو مبنيّ على تسليم عدمه.

ثمّ إنّ الاستاد- سلّمه اللّه- قد اعترض على المصنّف (قدّس سرّه) بأنّه يلزم على ذلك أن يكون المعنى بقيد كونه مستقلّا غير مستقلّ، فإنّ الطلب و إن سلّم كونه معنى كلّيا يختلف في اللحاظ، فتارة يلحظ مستقلّا فيكون معنى اسميّا، و تارة يلحظ آلة للغير فيكون معنى حرفيّا، و لحاظ كونه آليّا و استقلاليّا و إن لم يكن داخلا في المعنى الموضوع له و لا في المستعمل فيه إلّا أنّه بعد أن يلاحظ مستقلّا لا يمكن أن يكون بهذا القيد ملاحظا آلة و كذلك العكس. و حينئذ نقول: إذا لو حظ الطلب مقيّد بالشرط قبل الإنشاء فهو مستقلّ باللحاظ لكونه طرفا للتقييد، فكيف يمكن أن يكون مقيّدا بهذا القيد معنى للهيئة الّتي لا يكون معناها إلّا غير مستقلّ.

قلت: الاستقلاليّة و الآليّة إنّما تعرض المعنى عند استعمال اللفظ فيه فإن لوحظ من حيث هو كان مستقلّا، و إن لوحظ من حيث كونه آلة للغير كان غير مستقلّ، و أمّا قبل الاستعمال فهو لا يتّصف بأحد هذين الوصفين.

و غرض المصنّف (قدّس سرّه) من أنّ الطلب لوحظ مقيّدا ثمّ أنشأ كذلك إنّما هو قبل الاستعمال و هو في تلك المرحلة لا يتّصف بالآليّة و لا بالاستقلاليّة و إن لوحظ مقيّدا، لأنّ ذلك لحاظ للمعنى في حدّ ذاته مجرّدا عن طارئيه.

لا يقال: كيف يعقل تجرّد المعنى من الآليّة و الاستقلاليّة مع أنّهما وصفان متضادّان لا ثالث لهما فرفعهما يكون بمنزلة رفع النقيضين.

لأنّا نقول: إنّ ذلك إنّما يسلّم في مرحلة كون المعنى مدلولا للّفظ، و أمّا في‏

____________

(1) كفاية الاصول: 122- 123.

31

مرحلة واقع المعنى و قبل دلالة اللفظ عليه فلا نسلّم امتناع ارتفاعهما، بل قد عرفت أنّ هذه المرحلة لا تتّصف بأحدهما، فما نحن فيه نظير الوضع، فإنّه لا إشكال في كونه مستدعيا لتصوّر المعنى بنفسه ليجعل اللفظ بإزاء ذلك المعنى المتصوّر بنفسه حرفا كان أو اسما، مع أنّه لو كان اللفظ الموضوع لذلك المعنى حرفا يرد عليه هذا الإشكال و هو: أنّه كيف يكون اللفظ مستعملا في المعنى الموضوع له مع أنّ الموضوع له ليس إلّا المعنى الملاحظ بنفسه فكما يجاب بأنّ ذلك اللحاظ النفسي لا يكون موجبا للاستقلال لأنّه قبل الاستعمال.

نعم لو قلنا بأنّ اختلاف المعاني الاسميّة و الحرفيّة بالاستقلال و عدمه ليس أمرا ناشئا من قبل الاستعمال، بل الفرق بينهما بذلك أمر واقعي، و إن لم يتحقّق الاستعمال لكان هذا الإشكال غير مندفع، لأنّ الطلب قبل الاستعمال إن لوحظ مقيّدا بالشرط كان مستقلّا و معنى اسميّا، فلا يعقل أن يؤدّى بالهيئة، إلّا أنّك قد عرفت من الاستاد أنّ كلام المصنّف في هذا المقام إنّما هو على مسلكه في معنى الحرف.

و لكن قد عرفت أنّ كلامه غير مبنيّ على مسلكه بقرينة قوله: و لو سلّم ... الخ و قد ذكرت هذا الجواب لسيّدنا الاستاد فقال- سلّمه اللّه- ما حاصله: أنّ لحاظ كون الطلب مقيّدا إنّما هو في مرحلة الاستعمال.

قلت: و لكنّ كلام المصنّف (قدّس سرّه) مبنيّ على أنّ ذلك قبل الاستعمال و هو صريح بذلك، فراجعه.

قوله (قدّس سرّه): (و أمّا حديث لزوم رجوع الشرط إلى المادّة لبّا، ففيه أنّ الشي‏ء إذا ... الخ)

(1)

[إرجاع قيود الطلب و شروطه إلى المادّة]

حاصله: أنّ ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) من أنّ تعلّق غرضه بشي‏ء قد يكون مريدا له مطلقا بأن يتعلّق به غرضه كذلك، و قد يريده على تقدير إن تعلّق به غرضه لا يستلزم كون الطلب المتعلّق بالثاني فعليّا و لو قبل حصول قيده، فإنّ الطالب إذا

____________

(1) كفاية الاصول: 123.

32

تعلّق غرضه بشي‏ء مقيّد بقيد، قد يكون طلبه له فعليّا و إن لم يحصل قيده، فيكون زمان المطلوب متأخّرا و زمان الطلب في الحال- أي يكون طلبه منجّزا بحيث لو كان له مقدّمات يتوقّف وجوده في وقته عليها لوجب عليه تحصيلها- و قد يكون طلبه معلّقا و مشروطا بحصول ذلك القيد بحيث لا يكون طلب قبل حصول ذلك القيد فلو كانت له مقدّمات يتوقّف عليها وجوده في زمان ذلك القيد لم يجب عليه تحصيلها قبل حصول ذلك القيد و إن علم بحصول ذلك القيد فيما بعد فإنّ وجوب المقدّمة فرع وجوب ذيها و قبل حصول ذلك القيد لا وجوب لذي المقدّمة أصلا.

نعم إذا حصل القيد يجب حينئذ تلك المقدّمات إن أمكنه و إلّا فلا.

و بالجملة: أنّ غرض الآمر و إن تعلّق بذلك الشي‏ء المقيّد و مقتضى ذلك أن يكون الطلب المتعلّق بذلك المقيّد مطلقا، إلّا أنّه يجوز أن يمنع مانع من طلبه فعلا فيكون طلبه له معلّقا على حصول ذلك القيد، كما يمنع مانع من أصل الطلب مشروطا كان أو مطلقا، كالأحكام في أوّل البعثة، بل الأحكام الّتي لم تبلغ إلى الآن كما يدلّ عليه بعض الأخبار.

إن قلت: إذا كان الطلب مقيّدا بذلك القيد كما هو مقتضى الواجب المشروط فكيف يكون ذلك القيد بنفسه قيدا للمطلوب حتّى يقال: إنّ الغرض تعلّق بذلك المطلوب مقيّدا بذلك القيد و ليس لنا إلّا قيد واحد.

و الحاصل: أنّكم تدّعون أنّه على تقدير أن يتعلّق غرض الآمر بالمطلوب مقيّدا إن كان إرجاع ذلك القيد إلى نفس الطلب مع أنّه إذا رجع القيد إلى نفس الطلب لا يكون المطلوب مقيّدا به فكيف يتمّ أنّ غرض الآمر تعلّق به مقيّدا.

قلنا: أمّا على ما وجّهنا به الواجب المشروط من أنّ القيد يكون راجعا إلى المادّة المعروضة للطلب فلا إشكال في رجوع القيد إلى المادّة و إن استلزم تقييد الطلب به أيضا لبّا و حقيقة.

أمّا بناء على ما وجّهه به المصنّف (قدّس سرّه) من أنّه راجع إلى نفس الطلب فهو و إن كان راجعا إلى نفس الطلب لفظا إلّا أنّه مستلزم لرجوعه إلى المادّة أيضا لبّا، فإنّه‏

33

إذا كان تعلّق الطلب بالمادّة مشروطا بشرط كانت المادّة المطلوبة أيضا مقيّدة بذلك الشرط، كما إذا أمر بالحجّ بشرط الاستطاعة كان الحجّ المطلوب هو الحجّ بعنوان الاستطاعة، لأنّه بغير هذا العنوان لا يتعلّق به طلب فلا يكون مطلوبا، فيلزم أن يكون الحجّ المطلوب هو ما كان مقيّدا بالاستطاعة، فصحّ لنا أن نقول: إنّ غرض الآمر تعلّق بالحجّ مقيّدا بالاستطاعة و طلبه أيضا مقيّد بها و لا منافاة.

قوله (قدّس سرّه): (فإنّ المنع عن فعليّة تلك الأحكام غير عزيز كما في موارد الاصول و الأمارات ... الخ)

(1)

[فرق بين فعليّة الحكم و تنجّزه‏]

قلت: و لكن كون الحكم في موارد الاصول و الأمارات المخطئة غير فعليّ إشكال، ذكره الاستاد- سلّمه اللّه- في بيان مراتب الحكم في الأمر الأوّل من أحكام القطع.

و حاصل الإشكال: أنّ الحكم في هذه الموارد فعليّ، لوصوله إلى مرتبة التبليغ لكنّه غير منجّز لكون الجاهل القاصر معذورا.

نعم الأحكام في أوّل البعثة و الّتي لم تبلغ إلى يوم قيام القائم- (عجّل اللّه تعالى فرجه)- ليست بفعليّة، لعدم وصولها إلى مرتبة التبليغ.

هذا، و لكن لا يخفى أنّ الأحكام المشروطة قبل حصول شرطها ليست كذلك، فإنّها كما لا وجود لها فعلا قبل ذلك فكذلك لا وجود لها واقعا،- و قد صرّح بذلك المصنّف (قدّس سرّه) عند تحرير النزاع بينه و بين الشيخ (قدّس سرّه) فراجع- لأنّها قبل ذلك تكون أحكاما واقعيّة، و عند وجود الشرط تكون فعليّة، فتأمّل. فإنّ هذا لا ينافي كون الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد في المأمور بها و المنهيّ عنها، لإمكان أن يكون ذلك بالنسبة إليها على تقدير دون تقدير، كما هو واضح بأدنى تأمّل.

قوله (قدّس سرّه): (غاية الأمر تكون في الإطلاق و التقييد ... الخ)

(2)

لا يخفى أنّه يمكن أن يكون النزاع حينئذ لفظيّا، فمن أدخلها في محلّ النزاع نظر إلى ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) و من أخرجها نظر إلى خصوص الوجوب المطلق‏

____________

(1) كفاية الاصول: 124.

(2) كفاية الاصول: 125.

34

فإنّها لا تتّصف به.

قوله (رحمه اللّه): (و أمّا على ما هو المختار لشيخنا العلّامة أعلى اللّه مقامه فلأنّه ... الخ)

(1)

[الإشكال على مسلك الشيخ في الواجب المشروط، و الجواب عنه‏]

اعلم أنّه قد يشكل على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) في الواجب المشروط بأنّه يعترف بأنّ مقدّمة الواجب المشروط غير داخلة في محلّ النزاع للقطع بعدم وجوبها، مع أنّه على مقتضى كلامه ينبغي أن تكون واجبة كسائر المقدّمات الاخر الّتي لا يكون الواجب بالقياس إليها مشروطا، فإنّ مقتضى تعلّق غرض الآمر بالشي‏ء مقيّدا بقيد و وجوبه قبل حصول ذلك القيد وجوب تحصيل ذلك القيد مقدّمة لحصول ذلك المقيّد الواجب، بناء على الملازمة بين وجوب الواجب و وجوب مقدّمته.

و بالجملة: ينبغي أن لا يكون فرق بين قيود الواجب الّذي تعلّق غرض الآمر به مقيّدا بها، فإنّه إذا تعلّق غرض الآمر بالزكاة مقيّدة بملك النصاب كان ذلك كما لو تعلّق غرضه بالصلاة مقيّدة بالوضوء، فكما أنّ تعلّق الأمر بالصلاة مقيّدة يستلزم وجوب قيدها- و هو الوضوء مثلا- بناء على الملازمة، فكذا نقول: إنّ تعلّق الأمر بالزكاة مقيّدة بملك النصاب يستلزم وجوب تملّك النصاب بناء على الملازمة، لأنّ كلّا من طلب الصلاة و الزكاة مطلق على مذهبه و كلّ منهما مقيّد بقيد، فوجوب تحصيل القيد في أحدهما دون الآخر تحكّم. بل وجوب القيود الاخر للزكاة كما هو مقتضى مذهبه دون ملك النصاب أيضا تحكّم. نعم لو كان بعض القيود غير اختياري كالقدرة مثلا و بعضها اختياري أمكن الفرق بينهما، فإنّ القدرة حيث كانت غير داخلة تحت قدرة كان التكليف بها تكليفا بغير المقدور و هو غير جائز عندنا، و أمّا لو كان كلا القيدين داخلين تحت قدرة المكلّف فلا وجه للفرق.

و الجواب عن هذا الإشكال هو أنّ القيود المعتبرة في المأمور به يختلف حالها في مقام الثبوت، فإنّ بعض القيود قد تكون معتبرة فيه على نحو يكون مجرّد حصولها اتّفاقا من دون كلفة للمكلّف من جانب المكلّف معتبرا في المأمور به‏

____________

(1) كفاية الاصول: 125.

35

بحيث لا يكون عدم المأمور به المقيّد إذا كان مستندا إلى تركها اختيارا مستلزما للعصيان، و بعضها تكون معتبرة في المأمور به على نحو يجب على المكلّف تحصيلها ليحصل المطلوب المقيّد بها بحيث يكون عدم ذلك المقيّد إذا كان مستندا إلى تركها اختيارا مستلزما للعصيان.

بيانه: أنّ الآمر إذا نظر إلى فعل مقيّد بقيود و كان ذلك الفعل بتلك القيود موافقا لغرضه، فتارة يطلبه على نحو يمنع من تركه و يسدّ على المكلّف جميع أبواب تركه بأن لا يسوّغ له ترك ذلك المقيّد بترك قيد من قيوده، و تارة يطلبه على نحو يسوّغ له تركه إذا كان مستندا إلى ترك القيد الفلاني من تلك القيود و يمنع من تركه المستند إلى ترك بقيّة تلك القيود، فإذا تعلّق الطلب به كذلك كان ذلك موجبا لتعلّقه ببقيّة القيود دون ذلك القيد.

إن قلت: إذا تعلّق غرض الآمر و طلبه بالمقيّد فكيف يعقل رضاه بترك ذلك القيد بناء على الملازمة؟

و بالجملة: الواجب هو ما كان ممنوعا من تركه فكيف يرضى بتركه إذا كان مستندا إلى ترك ذلك القيد و كيف يرضى بترك ذلك القيد مع أنّه يريد المقيّد؟

و بالجملة: القيد الاختياري يمكن أن يكون على نحو القيد الاضطراري، فكما أنّ الصلاة مع القدرة واجبة مع أنّه يرضى بتركها إذا كان مستندا إلى عدم القدرة فكذا في مثل الاستطاعة و ملك النصاب، و كون القيد غير مقدور فلا يمكن تعلّق التكليف به لا يوجب الفرق فيما نحن فيه، لأنّ كلّا من الصلاة و الزكاة قد تعلّق الأمر بها مقيّدة بقيد، فتجويز رضا الآمر بترك أحدهما إذا كان مستندا إلى عدم قيده دون الآخر تحكّم.

نعم إذا كان القيد غير اختياريّ يلزم فيه أن يكون من ذلك القبيل، و إذا كان اختياريّا يجوز فيه أن يكون منه، و لو لم يجز في هذا كيف يجب في ذلك؟ و ما لا يجوز لا يعقل وجوبه.

قلنا: إنّ ذلك ممكن و واقع، أمّا إمكانه: فلما عرفت من أنّه يجوز أن لا

36

يرضى بترك المقيّد الواجب بجميع أنحاء تروكه إلّا إذا كان الترك مستندا إلى ترك ذلك القيد، فيجوز أن لا يرضى بترك الزكاة المقيّدة بملك النصاب إلّا إذا كان تركها مستندا إلى ترك ملك النصاب فيرضى به، و حينئذ لا يجب عليه تحصيل ملك النصاب و إن تعلّق الطلب بالزكاة المقيّدة بملك النصاب.

[كلام للشيخ مهديّ المازندراني (قدّس سرّه)‏]

قال بعض العلماء- و هو الشيخ مهدي المازندراني سلّمه اللّه حين جرى معه الحديث في بعض المجالس-: إنّ ذلك تدافع واضح، حيث إنّا نفرض الكلام قبل حصول ذلك القيد فإن كان هناك طلب تامّ مطلق فلم لم يكن تحصيل ذلك القيد واجبا؟ و إلّا كان ذلك الطلب مقيّدا بحصول ذلك القيد. و الحاصل: أنّ الآمر حين يترك المكلّف ذلك القيد إن كان مريدا للمقيّد كان ذلك القيد لازم التحصيل، و إلّا كان المحصّل أنّ ذلك الطلب مقيّد بوجود ذلك القيد فإن كان القيد موجودا وجد و إلّا فلا. و حاصل القول: أنّ المولى يرضى بترك المقيّد إذا كان مستندا إلى ترك القيد أنّه لا طلب في مورد عدم القيد، و هو عبارة اخرى عن أنّ الطلب منحصر في مورد وجود القيد و أنّه مشروط بوجوده، فيكون ذلك القول في الحقيقة تصريح بمفهوم الاشتراط، حيث إنّ مفهوم الاشتراط أنّه لا طلب مع عدم وجود القيد الّذي هو عبارة عن الرضا بترك المقيّد. و أمّا الوجوب التخييري فهو في الحقيقة مشروط بعدم الإتيان بالعدل، و لذا صحّ القول فيه بأن يرضى بترك الواجب التخييري إذا فعل عدله و إلّا فلا وجه للرضا بتركه مع أنّه واجب مطلق. فصار الحاصل: أنّ الرضا بترك العمل لا يجتمع مع كونه واجبا مطلقا فهما متدافعان لا يمكن الجمع بينهما.

و أمّا وقوعه: ففي مثل الواجب التخييري فإنّ العتق مثلا واجب لا يرضى الآمر بتركه إلّا إذا كان استنادا إلى فعل كالإطعام مثلا، و هو و إن لم يكن ممّا نحن فيه إلّا أنّه حيث كان الإشكال فيهما واحدا و هو أنّه كيف يرضى الموجب بترك الواجب كان وقوعه دليلا على الإمكان فيما نحن فيه، هذا في مقام الثبوت.

و أمّا مقام الإثبات: فما استفيد التقييد به من أدوات الشرط فالظاهر أنّه ممّا لا يجب تحصيله، كأن يقول: زكّ إن ملكت النصاب، و ما استفيد تقييده من الحاليّة

37

و نحوها، كأن يقول: زكّ مالكا للنصاب، فالظاهر أنّه ممّا يجب تحصيله.

قلت: هذا ما أشار إليه الشيخ (قدّس سرّه) على ما نقله عنه المصنّف بقوله: و ما كان من الامور الاختياريّة قد يكون مأخوذا فيه على نحو يكون موردا للتكليف و قد لا يكون كذلك‏ (1).

و أمّا ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) في بيانه بقوله: «فإنّه جعل الشي‏ء واجبا على تقدير ... الخ» فالظاهر أنّه أجنبيّ عن مطلب الشيخ (رحمه اللّه)، و إنّما يتأتّى على مذاق من جعل القيد راجعا إلى نفس الوجوب.

فإنّ هذه العبارة و إن أصلحت بجعل قوله: على تقدير حصول ذاك الشرط، متعلّقا بقوله «الشي‏ء» لا بقوله «واجبا»، إلّا أنّ قوله بعده: و هل هو إلّا طلب الحاصل، صريح في مخالفة مذهب [الشيخ‏] لا يمكن إصلاحه. و ذلك لأنّ مذهب الشيخ (قدّس سرّه) على هذا التقرير أنّ الوجوب حاصل قبل حصول الشرط لا بعده، فكيف! يكون وجوب القيد و طلبه تحصيلا للحاصل.

نعم يكون وجوب القيد من باب تحصيل الحاصل على مذهب المصنّف (قدّس سرّه)، حيث إنّه قبل ذاك القيد لا وجوب، و إنّما يكون الوجوب بعده و حينئذ يكون وجوبه تحصيلا للحاصل.

قوله (قدّس سرّه): (و مجاز على المختار حيث لا تلبّس بالوجوب عليه قبله ...

الخ)

(2)

[إطلاق الواجب على الواجب المشروط حقيقة أو مجاز]

التفصيل في هذا المقام: أنّ الوجوب إن كان بمعنى الوجوب الفعلي- كما هو المتبادر من لفظه- فلا إشكال في عدم صدق الواجب حقيقة على الواجب المشروط قبل حصول شرطه. فلابدّ في صدقه عليه من التجوّز: إمّا في مادّة الوجوب بأن يجعل عبارة عن اقتضاء الوجوب و إن لم يكن فعليّا: فيكون صدق المشتقّ- أعني الواجب- على الواجب المشروط حقيقة، كما يتجوّز في لفظ

____________

(1) انظر مطارح الأنظار: 49.

(2) كفاية الاصول: 126.

38

«القتل» للضرب الشديد، ثمّ يشتقّ منه القاتل، فيكون صدق القاتل باعتبار الهيئة على الضارب حقيقة و إن كان مجازا باعتبار المادّة. و إمّا التجوّز في صدق المشتقّ بأن يؤخذ الوجوب حقيقيّا و هو الوجوب الفعلي فيكون صدق الواجب بهذا المعنى على الواجب المشروط مجازا بعلاقة المشارفة أو الأول. (كذا نقله المصنّف (قدّس سرّه) عن الشيخ البهائي (قدّس سرّه). قلت: الظاهر أنّ علاقة المشارفة و الأول إنّما تكون فيما كان المعنى الحقيقي الذي يؤول إليه مورد الاستعمال محقّقا. و بعبارة اخرى أنّها إنّما تعتبر إذا كان الأول محقّقا، أمّا إذا كان غير معلوم فلا كما في المقام لعدم العلم بتحقّق الشرط ليؤول إلى الواجب) هذا إذا قلنا: إنّ معنى الوجوب الحقيقي هو الوجوب الفعلي. و أمّا إذا قلنا: إنّه حقيقة في الأعمّ من ذلك- بحيث يشمل الوجوب المشروط، أعني الطلب الحتمي و إن كان مشروطا بشي‏ء فإنّ الاشتراط لا يخرجه عن كونه حتميّا.

غاية الأمر لا يكون حينئذ فعليّا- فلا إشكال في أنّ صدق الواجب على الواجب المشروط قبل حصول شرطه حقيقة. و يؤيّد ذلك تقسيم الواجب إلى المشروط و المطلق من غير تجوّز في مادّة المقسم و لا في هيئته. هذا ما فهمته من سيّدنا الاستاد.

قلت: لا يخفى أنّ الكلام إنّما هو قبل حصول الشرط، و ظاهر أنّه قبل حصول الشرط لا وجود للطلب و الوجوب، و إنّما يتحقّق ذلك بعد حصول الشرط، أمّا قبله فليس الموجود إلّا الطلب على تقدير و هو في الحقيقة عدم للطلب، فإنّ المستفاد من القضيّة الشرطيّة- أعني قولنا: أكرم زيدا إن جاءك- ليس إلّا الملازمة بين المجي‏ء و طلب الإكرام، و ذلك غير معنى الطلب.

اللّهمّ إلّا أن يكون الغرض أنّ الوجوب حقيقة فيما يشمل الطلب التقديري الّذي هو مستفاد من الملازمة في القضيّة الشرطيّة، فيكون إطلاق الواجب على الواجب المشروط حقيقة، و لكن هذا خلاف الظاهر من لفظ الوجوب كما لا يخفى.

39

و أمّا تقسيمه إلى المشروط و المطلق فلا يدلّ على ذلك، لأنّ كلامنا إنّما هو قبل حصول الشرط و المقسم لم يلاحظ فيه عدم الشرط حتّى يستدلّ به على ما نحن فيه، فإنّ صدق الواجب على الواجب المشروط لعلّه بملاحظة وجود شرطه، لكن هذا خلاف الإنصاف، إذ كما أنّه لم يلحظ فيه عدم الشرط كذا لم يلحظ وجوده، بل إنّ الواجب فيه صادق على الواجب المشروط بما أنّه مشروط من غير نظر إلى وجود شرطه و عدم وجوده، فدلّ على أنّه حقيقة فيه و لو لم يحصل شرطه، كما يظهر ذلك من تسميتهم الزكاة و الحجّ بالواجب من غير توقّف في ذلك على وجود شرطها.

و أمّا استعمال الصيغة في المشروط فعلى مسلك الشيخ (قدّس سرّه) لا إشكال فيه، لأنّه يجعل القيد راجعا إلى المادّة فالهيئة عنده مستعملة في الوجوب المطلق. نعم إذا قلنا: إنّ المفاهيم المطلقة إذا قيّدت بقيد تكون مجازا كان التجوّز في المادّة لتقييدها بالشرط، إلّا أنّ ذلك خلاف التحقيق.

و أمّا على ما سلكناه من توجيه الواجب المشروط من جعل القيد راجعا إلى المادّة بعد لحاظ كونها معروضة للطلب فالكلام كالكلام في مسلك الشيخ (رحمه اللّه).

و أمّا على المسلك الّذي سلكه المصنّف (قدّس سرّه) في توجيه الواجب المشروط من جعل الشرط قيدا للهيئة فلا إشكال في أنّ استعمال الهيئة في المشروط يكون مجازا، لعدم تحقّق معناها الحقيقي فيه- أعني الطلب الحتمي- قلت: بناء على ما تقدّم من أنّ الوجوب حقيقة فيما يشمل المشروط لا مجازيّة في استعمال الهيئة في المشروط. اللّهمّ إلّا أن يفرق بين لفظ «الوجوب» و لفظ «الهيئة» بأن يقال:

شمول الوجوب للمشروط حقيقة لا يستلزم شمول الهيئة له، فيكون أخصّ من معنى الوجوب، لكنّ الفرق بينهما بذلك بعيد كما لا يخفى.

[تفسير عبارة الكفاية]

ثمّ إنّه لمّا كانت عبارة المصنّف (قدّس سرّه) في هذا المقام محتاجة إلى التفسير و لم يتعرّض الاستاد- سلّمه اللّه- لتفسيرها أحببت أن أكتب ما عرض لي في تفسيرها حسب نظري القاصر. و اللّه الهادي.

40

قال (قدّس سرّه) (و أمّا الصيغة) بدون الشرط فلا كلام لنا فيها، لأنّ الطلب حينئذ يكون مطلقا و كلامنا الآن في استعمال الصيغة في المشروط.

(و) أمّا إذا كانت (مع الشرط) مثل أن يقول حجّ إن استطعت (فهي حقيقة على كلّ حال) من مختار الشيخ (قدّس سرّه) و من مختارنا (لاستعمالها على مختاره (قدّس سرّه) في الطلب المطلق) الّذي هو معناها الحقيقي، و لكن سيأتي أنّ معناها الحقيقي هو مطلق الطلب- أعني الطلب لا بشرط- و أنّ اعتبار الإطلاق في الطلب تقييد فيه.

(و) أمّا (على المختار) لنا فلاستعمالها (في الطلب) المقيّد و هو و إن كان غير معناها الحقيقي إلّا أنّه حيث كان الاستعمال (على نحو تعدّد الدالّ و المدلول) (1) بأن تستعمل هي في الطلب المطلق على نحو اللابشرط- أعني مطلق الطلب- و هو معناها الحقيقي، و يقصد من الشرط تقييده به. فيكون هناك دالّان: أحدهما الهيئة و الآخر الشرط، و مدلولان، أحدهما الطلب و الآخر كونه مقيّدا، فتكون الصيغة على هذا مستعملة في معناها الحقيقي- و هو مطلق الطلب- غاية الأمر استفيد تقييده من دليل خارج، كما استفيد تقييد «الرقبة» بالإيمان من قوله «مؤمنة»، فإنّ ذلك لا يوجب التجوّز في لفظ «الرقبة» باستعمالها في المقيّد، بل هي لم تستعمل إلّا في حاقّ معناها- و هو مطلق الرقبة- و استفيد كون المستعمل فيه مقيّدا من لفظ «مؤمنة». فالصيغة على هذا لم تستعمل إلّا في مطلق الطلب و ظاهر عبارة المصنّف يوهم خلاف ذلك، و أنّها مستعملة في المقيّد إلّا أنّه حيث جعله من قبيل تعدّد الدالّ و المدلول فلا بدّ أن يكون غرضه أنّها مستعملة في مطلق الطلب الّذي استفيد تقييده من دليل خارج، فيكون حال إرادة الطلب المشروط منها على نحو تعدّد الدالّ و المدلول. (كما هو الحال فيما إذا) وردت مجرّدة عن قرينة التقييد بالشرط و (اريد منها) الطلب (المطلق) بقرينة عدم التقييد بحيث تكون مستعملة في معناها الحقيقي- أعني‏

____________

(1) كفاية الاصول 126- 127.

41

مطلق الطلب- و يكون عدم التقييد دالّا على تقييد ذلك الطلب بالإطلاق، فيكون ذلك من قبيل تعدّد الدالّ أعني الصيغة و كونها مجرّدة عن قيد، و تعدّد المدلول أعني مطلق الطلب و كونه مقيّدا بالإطلاق، فجعل الإطلاق المستفاد من عدم القيد قيدا في الطلب، فيكون هذا المعنى المقيّد بالإطلاق أعني الوجوب المطلق هو (المقابل للمقيّد) بالشرط أعني الواجب المشروط (لا) أنّ ما يقابل المقيّد بالشرط هو الطلب (المبهم) الّذي لم يقيّد بشي‏ء حتّى بالإطلاق، فإنّ ذلك شامل للقسمين معا أعني المطلق و المشروط و هو (المقسم) لهما.

فظهر لك ممّا ذكره الاستاد- سلّمه اللّه- من أنّ استعمال الصيغة على مسلك المصنّف (رحمه اللّه) في المشروط يكون مجازا، و ظهر أيضا أنّ استعمال الصيغة في الطلب المطلق كاستعمالها في الطلب المشروط، في أنّ المستعمل فيه في كلّ منهما هو مطلق الطلب، و يستفاد الإطلاق و الاشتراط من دليل خارج عنها و هو عدم القيد في الأوّل و الشرط في الثاني. فلا فرق بين مختار الشيخ (قدّس سرّه) و مختار المصنّف في ذلك كما ربّما يوهمه ظاهر عبارة المصنّف (رحمه اللّه) فإنّ ظاهرها الفرق بينهما في ذلك و لعلّ قوله (رحمه اللّه) (فافهم) إشارة إلى ذلك.

و اعلم أنّه على هذا تكون الصيغة لأحد الأمرين من المطلق و المشروط، و لا تكون المطلق الطلب الّذي هو المقسم، لأنّها إن كانت مقيّدة بشرط كانت بضميمة ذلك للمشروط؛ و إن كانت غير مقيّدة كانت بضميمة ذلك للمطلق، و لا يمكن أن تكون مجرّدة عن إحدى القرينتين- أعني الإطلاق أو التقييد- لتكون لمطلق الطلب الّذي هو المقسم لهما.

نعم فيما إذا وردت غير مقيّدة بالشرط و لم يكن عدم ذلك التقييد واردا في مقام البيان كانت في ذلك لمطلق الطلب أعني المبهم المقسم.

و منه يظهر أنّ عدم التقييد إنّما يكون دليلا على تقييد الطلب بالإطلاق فيما إذا كان واردا في مقام البيان.

و ظهر لك أيضا ممّا تقدّم أنّ قوله: «لا المبهم المقسم» عطف على الضمير

42

المستتر في قوله: «المقابل» فيكون مورد النفي و الإثبات هو المقابلة كما بيّنّاه.

و يمكن أن يكون عطفا على قوله: «المطلق» على أن يكون الملحوظ في النفي و الإثبات هو الحكم بأنّه على نحو تعدّد الدالّ و المدلول، فيكون المعنى حينئذ أنّ استعمالها في المقيّد يكون على نحو تعدّد الدالّ و المدلول، كما هو الحال في استعمالها في المطلق، فإنّه على نحو تعدّد الدالّ و المدلول أيضا، لا فيما إذا اريد منها المبهم فإنّه لا يكون على نحو تعدّد الدالّ و المدلول، لو فرض إرادته منها فليس فيه تعرّض لإثبات المجازيّة في إرادة المبهم. و لعلّ هذا أوفق بنظم العبارة من الأوّل أعني جعله عطفا على الضمير المستتر في «المقابل» ليكون محطّ الإثبات و النفي هو المقابلة.

قوله (قدّس سرّه): (نعم يمكن أن يقال: إنّه لا وقع لهذا التقسيم لأنّه بكلا قسميه ... الخ)

(1)

لا يخفى أنّ غرض صاحب الفصول (قدّس سرّه) ليس مجرّد تقسيم الواجب إلى المعلّق و المنجّز حتّى يرد عليه أنّه بكلا قسميه من الواجب المطلق فلا أثر لهذا التقسيم، بل غرضه من ذلك بيان أنّ الواجب في الواجب المعلّق له لحاظان بأحدهما يكون مشروطا و بالآخر يكون مطلقا، كالحجّ بعد حصول الاستطاعة فإنّه معلّق على خروج الرفقة و حضور وقته- و هو وقت الموسم- و هو إن قيس إلى نفس حضور الموسم يكون مطلقا، بمعنى أنّ وجوبه لا يتوقّف على نفس حضور ذلك الوقت، فإنّه يكون واجبا قبل ذلك الوقت، و لذا يجب مقدّماته الاخر كإعداد الراحلة مثلا. و إن قيس إلى المعنى المنتزع من حضور ذلك الوقت في المستقبل- أعني كون الحجّ بحيث يتعقّبه ذلك الوقت- يكون مشروطا، و لذا لو انكشف أنّه لا يدرك ذلك الوقت ينكشف عدم وجوب تلك المقدّمات الّتي أعدّها له، فالحجّ إذا واجب مشروط من حيث توقّف وجوبه على أن يكون بحيث يتعقّبه إدراك المكلّف ذلك الوقت فلا تجب مقدّماته ما لم يكن بذلك العنوان، و واجب مطلق من حيث عدم توقّف وجوبه على‏

____________

(1) كفاية الاصول: 128.

43

نفس ذلك الوقت بل لو اتّفق أنّ المكلّف أدرك ذلك الوقت انكشف وجوبه قبله لانكشاف أنّه كان واجدا لذلك العنوان أعني كونه بحيث يدرك وقته.

[ملخّص غرض صاحب الفصول‏]

فيكون ملخّص غرض صاحب الفصول (رحمه اللّه) من ذلك بيان أنّ شرط الوجوب المتأخّر- كالوقت مثلا- إن اخذ من حيث نفسه لا يكون الوجوب مشروطا به، و إن اخذ من حيث العنوان الحاصل للمأمور به المنتزع من مصادفة حصول نفسه يكون شرطا للوجوب، لتوقّف وجوب الموقّت على إدراك وقته، لأنّه بدون ذلك يلزم التكليف بالمحال، فالوقت شرط للوجوب كالاستطاعة إلّا أنّ الاستطاعة بنفسها و بوجودها الفعلي أخذت شرطا، فلا يمكن تحقّق الوجوب قبلها و إن علم بحصولها في المستقبل، فلو وجدت فيما بعد حصل الوجوب من حين وجودها، فلا يعقل وجوب مقدّمات الفعل قبلها، و الوقت المتأخّر عن زمن الخطاب و إن اخذ شرطا للوجوب إلّا أنّه لم يؤخذ من حيث نفس وجوده، بل من حيث العنوان الحاصل للمأمور به المنتزع من وجوده و هو كونه بحيث يدرك المكلّف وقته فيحصل ذلك العنوان قبل حصوله لو صادف أنّ المكلّف أدركه، فيحصل الوجوب قبل حصوله خارجا، و تجب مقدّمات الفعل الآخر لتحقّق الوجوب فعلا و إن تأخّر وقت الواجب.

و بالجملة غرض صاحب الفصول (قدّس سرّه) أنّ شرط الوجوب قد يكون عنوانا منتزعا من أمر متأخّر فيكون ذلك العنوان مقارنا للخطاب على تقدير تحقّق منشأ انتزاع ذلك العنوان فيما بعد، فيكون الوجوب حينئذ حاصلا فعلا و إن تأخّر وقت الواجب. فذلك الواجب الّذي بهذه الصفة يسمّيه معلّقا. فراجع كلامه تجده صريحا فيما ذكرنا خصوصا جواب قوله: فإن قلت.

قال بعض الأفاضل: يرد على صاحب الفصول أنّه لا وقع لهذا التقسيم، حيث إنّ المعلّق بهذا المعنى مشروط غاية الأمر أنّه مشروط خاصّ، فتأمّل.

قوله (قدّس سرّه): (ثمّ إنّه ربما حكي عن بعض أهل النظر من أهل العصر إشكال ... الخ)

(1)

____________

(1) كفاية الاصول: 128.

44

[إشكال صاحب تشريح الاصول في الواجب المعلّق، و الواجب عنه‏]

توضيحه: إنّ هذا المستشكل- و هو المحقّق النهاوندي (قدّس سرّه) قاس- الإرادة التشريعيّة على الإرادة التكوينيّة فكما أنّ الإرادة التكوينيّة لا يعقل تأخّر المراد عنها لأنّها الشوق المؤكّد المستتبع لحركات العضلات، فكذلك الإرادة التشريعيّة لأنّها شوق و إرادة للمأمور به فلا يعقل تأخّره عنها، فيكون البعث إلى الشي‏ء بمنزلة الإرادة المحرّكة للعضلات فلا يعقل أن يتوجّه نحو الأمر الاستقبالي. هذا غاية توضيح إشكال هذا المستشكل‏ (1).

و فيه: أوّلا أنّ البعث ليس بمنزلة الإرادة المذكورة أعني الإرادة التكوينيّة المتعلّقة بنفس الفعل، بل هو بمنزلة الفعل الّذي تعلّقت به الإرادة و هو غير متأخّر، بل هو واقع عقيب الإرادة الّتي تعلّقت بالفعل و هو- أعني البعث- حيث كان بمنزلة الفعل، لأنّه إعداد له، بل هو نفس الفعل الّذي تعلّقت به الإرادة حيث إنّها تعلّقت بصدور الفعل من اختيار الفاعل، و هو غير ممكن الصدور عن الآمر، لعدم كونه من أفعاله، فلا يكون الممكن للآمر إلّا المقدّمات المعدّة لحصوله، كانت المقدّمات الإعداديّة هي متعلّق الإرادة له، و ليس تلك المقدّمات الإعداديّة هاهنا إلّا البعث نحوه أعني الطلب لذلك الفعل و إحداث الداعي له في نفس الفاعل ليتوجّه إلى فعله، و هو واقع عقيب تلك الإرادة الّتي تعلّقت بنفس الفعل فلم يتخلّف المراد عن الإرادة. و أمّا نفس ذلك الفعل فحيث كان غير داخل في قدرته فالإرادة الّتي تعلّقت به إنّما تعلّقت في الحقيقة بمقدّماته، و هي حاصلة عقيب تلك الإرادة فأين تخلّف المراد عن الإرادة.

و إن شئت توضيح ذلك فاعتبر مثالا خارجيّا و هو: أنّك إذا تعلّقت إرادتك بإيقاع شخص في بئر و أنت لا تقدر على تناوله و إيقاعه فيها فليس الداخل تحت قدرتك بإيقاعه فيها إلّا بأن تحفرها في طريقه ليقع فيها غافلا، فيكون حفرك لها في طريقه هو متعلّق إرادتك بالعرض و المقدّميّة لمرادك الواقعي، و يلزم من تعلّق إرادتك بالإيقاع تعلّقها بالحفر، فلو أوقعت الحفر عقيب تلك الإرادة فقد وقع‏

____________

(1) المستشكل هو المحقّق الملّا عليّ بن فتح اللّه النهاوندي (قدّس سرّه) في تشريح الاصول.

45

مرادك عقيب إرادتك. و أمّا نفس الوقوع فأمر آخر غير داخل تحت قدرتك فلا يضرّ عدم تعقّبه للإرادة بل لا يضرّ عدم وقوعه أصلا، لأنّ الإرادة لمّا تعلّقت بنفس الوقوع و هو غير مقدور لك و ليس المقدور لك منه إلّا مقدّماته الإعداديّة كانت مقدّماته الإعداديّة هي بمنزلة فعل الإيقاع منك، و هي الّتي تعلّقت بها الإرادة، بل لا يكون الإيقاع منك إلّا مقدّماته الإعداديّة، و هي حاصلة منك عقيب الإرادة، فكما أنّه ليس تخلّف المراد عن الإرادة بل ليس المتخلّف إلّا نفس الوقوع الّذي هو خارج عن قدرتك، فكذلك ما نحن فيه، فإنّ إرادة الآمر لمّا تعلّقت بالفعل الواقع عن اختيار المأمور و كان ذلك غير داخل تحت قدرة الآمر فلا يكون الفعل الراجع إليه و الّذي تعلّقت به الإرادة إلّا مقدّماته الإعداديّة له، أعني الطلب و البعث نحوه و إحداث الداعي للمأمور إلى نفس الفعل، و هي حاصلة عقيب تلك الإرادة، و تخلّف نفس الفعل أو تأخّره لا يضرّ بذلك بعد أن كان غير داخل تحت قدرة الآمر. لا إنّا نقول: إنّ الإرادة تعلّقت بنفس الإنشاء و لم تتعلّق بنفس الفعل لأنّ ذلك مرحلة اخرى، و هي أنّ الإنشاء فعل للآمر فلابدّ أن يكون مسبوقا بالإرادة التكوينيّة فإنّ ذلك من الواضحات المسلّمات، بل إنّا ندّعي أنّ الإرادة التشريعيّة المتعلّقة بنفس الفعل تتعلّق بمقدّماته الإعداديّة أعني البعث نحوه بعين تعلّقها بنفس الفعل بل لا معنى لتعلّقها من الآمر بنفس الفعل إلّا تعلّقها بمقدّماته الإعداديّة له، إذ هو بنفسه غير داخل تحت قدرته و يكون الاشتغال منه بمقدّماته اشتغالا به. بل معنى اشتغال الآمر بنفس الفعل هو اشتغاله بمقدّماته الإعداديّة، فإذا تعلّقت إرادته بنفس الفعل و اشتغل عقيبها بمقدّماته لم يحصل تأخّر المراد له عن إرادته و إن تأخّر عنها نفس الفعل، فتأمّل تعرف معنى قولنا: إنّ البعث بمنزلة الفعل الّذي تعلّقت به الإرادة التكوينيّة، و ليس بمنزلة نفس الإرادة التكوينيّة حتّى يقال: إنّه كيف يتأخّر المراد عنها.

و ثانيا- قلت: إنّ هذا ما أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) و أوضحه بما لا مزيد عليه، و أمّا الأوّل فلم يذكره المصنّف (قدّس سرّه)- إنّا لو سلّمنا أنّ البعث بمنزلة الإرادة التكوينيّة فلا

46

نسلّم أنّ الإرادة التكوينيّة لا يجوز أن يتأخّر المراد عنها، بل نقول: إنّه كما يمكن تعلّقها بأمر حاليّ يمكن تعلّقها بأمر استقباليّ، غاية الأمر أنّ الأمر الاستقبالي قد يكون متوقّفا على مقدّمات فيشرع المريد فيها قبل حصول زمانه، و قد لا يكون له مقدّمات فينتظر حتّى يجي‏ء زمانه فيتحرّك نحوه. و تعريفها بأنّها الشوق المستتبع ... الخ مبنيّ على الغالب من الأمر الاستقبالي من أنّه يتوقّف على مقدّمات فيتحرّك المريد نحوها. فتوهم أنّها دائما مستتبعة للحركة، و حينئذ يكون هذا القياس استدلالا لنا لا علينا بأن نقول: إنّه كما يمكن أن تتعلّق الإرادة التكوينيّة بأمر استقبالي و يتأخّر المراد عنها، فكذا يمكن أن تتعلّق الإرادة التشريعيّة- أعني البعث- على مذاق الخصم بأمر استقبالي و يتأخّر المراد و هو نفس الفعل عنها.

قوله (قدّس سرّه): (غاية الأمر أن يكون من باب الشرط المتأخّر ... الخ)

(1)

بيانه: أنّ الوجوب في الحال مشروط بالقدرة على الواجب و هي متأخّرة عنه، لأنّها إنّما تتحقّق في زمانه و هو متأخّر عن زمان الوجوب.

و يمكن أن يقال: إنّ القدرة غير متأخّرة حتّى يبنى المطلب على مسألة تأخّر الشرط، بل هي مقارنة و حاصلة في زمان الوجوب، فإنّ معنى تعلّق القدرة بفعل خاصّ هو القدرة على إيجاده بحدوده و قيوده، فهي بمنزلة العلم، فكما أنّ العلم بالأمر الاستقبالي يكون حاليّا و لا يتوقّف على مجي‏ء زمان المعلوم، فكذلك القدرة على الأمر الاستقبالي تكون حاليّة و لا يتوقّف حصولها على مجي‏ء زمان المقدور.

فالقيام المقيّد بكونه في غد يكون معنى كونه مقدورا لك الآن أنّك تقدر الآن على إيجاده في الغد، ف «الغد» ظرف القيام لا ظرف القدرة حتّى يقال هي متأخّرة.

فحاصل جواب المصنّف (قدّس سرّه): أنّ القدرة الّتي جعلت شرطا في التكليف هي القدرة على الفعل في زمان الامتثال لا في زمان التكليف، و لمّا كان زمان الامتثال ها هنا متأخّرا فلابدّ أن يكون القدرة حينئذ من قبيل الشرط المتأخّر. و أمّا على ما

____________

(1) كفاية الاصول: 130.

47

قرّرناه فالقدرة المعتبرة في التكليف هي القدرة على المأمور به بحدوده و قيوده، و لمّا كان مقيّدا بالزمان المستقبل فالقدرة عليه هي القدرة على إيجاده في المستقبل، و هي حاصلة في الحال فلا يتوقّف تصحيح الواجب المعلّق على تصحيح الشرط المتأخّر، هذا.

قلت: يلزم على جواب المصنّف (قدّس سرّه) أنّ زمان المكلّف به متأخّر دائما عن زمان التكليف سواء كان منجّزا أو معلّقا، و إلّا لزم طلب الحاصل فلو كانت القدرة المعتبرة في التكليف هي القدرة المقارنة لزمان المكلّف به لزم كون القدرة دائما من قبيل الشرط المتأخّر سواء كان الواجب معلّقا أو منجّزا، و الالتزام بكون القدرة المعتبرة في المنجّز من قبيل الشرط المتأخّر بعيد جدّا، كما لا يخفى.

قوله (قدّس سرّه): (ثمّ لا وجه لتخصيص المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور ... الخ)

(1)

[حاصل ما ذكره صاحب الفصول في الواجب المعلّق‏]

لا يخفى أنّ صاحب الفصول (قدّس سرّه) قد ذكر ذلك أيضا في آخر الواجب المعلّق‏ (2) و كأنّ المصنّف (قدّس سرّه) لم ينظر إلى تمام كلامه.

و حاصل ما ذكره في الفصول: أنّه كما يمكن تعليق الواجب على أمر غير مقدور و يكون ذلك الواجب بالنسبة إلى ذلك الأمر نفسه مطلقا و بالنسبة إلى العنوان المنتزع من وجوده مشروطا و يكون وجود ذلك الأمر كاشف عن أنّ الواجب كان مطلقا قبل وجوده لكشفه عن وجود شرطه أعني العنوان المنتزع عن وجود ذلك الأمر المتأخّر، فكذلك يمكن تعليقه على أمر متأخّر مقدور و يكون تحقّق ذلك الأمر في ظرفه كاشفا عن أنّ الواجب كان مطلقا لكشفه عن أنّه كان واجدا لشرطه أعني العنوان المنتزع عن ذلك الأمر المقدور المتأخّر.

و ذلك مثل ما إذا انحصر الرواح إلى الحجّ بركوب الدابّة المغصوبة فيمكن أن يكون الحجّ واجبا مشروطا بحصول ذلك الركوب، فقبل حصوله لا يكون هناك وجوب، فلا تجب المقدّمات الاخر و يكون حصول ذلك الركوب محقّق للوجوب‏

____________

(1) كفاية الاصول: 130.

(2) الفصول الغرويّة: 80.

48

من حينه، نظير الإجازة على القول بأنّها موجبة لصحّة العقد من حينها.

و يمكن أن يكون الحجّ واجبا معلّقا، بأن يكون مشروطا بالعنوان الحاصل من ذلك الركوب، و يكون حصول الركوب كاشفا عن أنّ الحجّ كان واجبا مطلقا، لكشفه عن أنّه كان واجدا لشرط الوجوب، أعني العنوان المنتزع من ذلك الركوب، أعني كونه بحيث يتقدّمه الركوب الحرام و تكون بقيّة المقدّمات واجبة لوجوب ذيها و يكون ما بعد الركوب بمنزلة الزمان للحجّ الواجب، فيكون الوجوب حاليّا قبل الركوب و الواجب استقباليّا و ظرفه ما بعد ذلك الركوب.

و تظهر ثمرة هذين الاحتمالين في ما كان ذلك المعلّق عليه مقارنا للواجب مثل الاغتراف من الإناء إذا كان محرّما، و انحصرت المقدّمة فيه، و مثل ترك الواجب المقارن لفعل ضدّه الواجب أيضا على القول بأنّ ترك أحد الضدّين مقدّمة لفعل الضدّ الآخر، فإن قلنا: إنّ الواجب مشروط بذلك الاغتراف أو بذلك الترك فلا إشكال في بطلانه حينئذ و عدم اتّصافه بالوجوب أصلا، لأنّ وجوبه موقوف على حصول الاغتراف مثلا، و هو لا يحصل إلّا مقارنا له.

و الحاصل: أنّ شرط الوجوب لا بدّ أن يتقدّم على الواجب ليكون حصوله مؤثّرا في اتّصاف الواجب بالوجوب، و إذا كان مقارنا فلا يتّصف ذلك الواجب بالوجوب قبل حصوله فلا يكون صحيحا.

و بعبارة اخرى يلزم أن يكون وجود ذلك الواجب محقّقا لوجوبه، حيث إنّ وجوده يكون مقارنا لشرط وجوبه، و إنّما يعرض عليه الوجوب عند وجود شرطه، و هو لا يكون إلّا عند وجوده، فلا يعرض عليه الوجوب إلّا عند وجوده، و إن جعلنا ذلك الاغتراف و ذلك الترك بمنزلة الظرف للواجب، و إنّ وجوبه كان قبلهما لكشفها عن أنّه كان واجدا لشرط وجوبه، و هو كون المكلّف بحيث يرتكب ذلك الحرام، فيكون الواجب بالنسبة إلى ذلك الاغتراف أو الترك مطلقا بالنسبة إلى العنوان المنتزع من أحدهما مشروطا، فعند تحقّق أحدهما يستكشف أنّ الوجوب كان محقّقا به، لا أنّهما يحقّقان الوجوب حتّى يرد الإشكال السابق، و حينئذ يقع‏

49

الفعل المقارن لأحدهما على صفة الوجوب فيكون صحيحا. هذا خلاصة كلامه (قدّس سرّه).

و لكنّ حكمه بالصحّة على التقدير الثاني موقوف على مسألة الترتّب، بل فيها خصوصيّة اخرى زيادة على مسألة الترتّب، فإنّ مسألة الترتّب هو أن يأمر الآمر بشي‏ء على تقدير عصيان الآخر و ما نحن فيه يكون العصيان كاشفا عن سبق الأمر لا أنّه شرط لتعلّق الأمر.

قال في الفصول: و يظهر الثمرة أيضا فيما لو كانت المقدّمة المحرّمة ممّا يعتبر حصولها في أثناء التشاغل بالواجب، كالاغتراف من الآنية المغصوبة في الطهارة الحدثيّة مع الانحصار، و كترك الواجب المتوصّل به إلى فعل الضدّ، فإنّ العبارة تصحّ على الأوّل، لوجوبها و مطلوبيّتها على تقدير حصول تلك المقدّمة، و على الثاني لا يصحّ لانتفاء الطلب و الوجوب قبلها. و الّذي يدلّ على المذهب المختار أنّ ما دلّ على عدم وجوب الواجب عند حرمة مقدّمته المتعيّنة هو لزوم التكليف بالمحال الممتنع وقوعه بالعقل و السمع.

و لا ريب أنّه إنّما يلزم ذلك لو كلّف بالواجب مطلقا على تقدير الإتيان بالمقدّمة المحرّمة و عدمه. و أمّا لو كلّف به مطلقا على تقديريها خاصّة فلا يبقى إطلاق الأمر فيه بحاله فيرجع حاصل التكليفين بملاحظة القاعدة المذكورة إلى مطلوبيّة ترك الحرام مطلقا، لا على تقدير حصوله و مطلوبيّته فعل الواجب مطلقا على تقدير حصوله‏ (1).

قوله (قدّس سرّه): (بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور متأخّر اخذ على نحو يكون موردا للتكليف)

(2)

[تعميم المعلّق إلى أمر مقدور متأخّر]

لا يخفى أنّ ما علّق عليه الواجب لا يمكن أن يكون موردا للتكليف و إن كان أمرا اختياريّا، لما عرفت من أنّ معنى الواجب المعلّق يكون واجبا مشروطا

____________

(1) الفصول الغرويّة: 80.

(2) كفاية الاصول: 130.

50

بالنسبة إلى العنوان المنتزع من ذلك القيد المعلّق، فإذا جعل الحجّ مثلا معلّقا على ركوب الدابّة المغصوبة في مورد الانحصار كان الحجّ واجبا مشروطا بالنسبة إلى الصفة الانتزاعيّة من نفس الركوب، و مطلقا بالنسبة إلى نفس الركوب، فكيف يمكن أن يكون الركوب واجبا؟ لا لمجرّد أنّ الركوب حرام فكيف يكون واجبا، بل لأنّ وجوب الحجّ لمّا كان مشروطا بالعنوان المنتزع من نفس الركوب فلا يمكن أن يترشّح من ذلك الوجوب وجوب على الركوب.

و الحاصل: أنّ ما علّق عليه الواجب و كان وجوب الواجب مشروطا بالعنوان المنتزع منه لا يمكن أن يكون موردا للتكليف.

و كأنّ المصنّف (قدّس سرّه) نظر إلى محض كون الوجوب حاليّا و الواجب استقباليّا، فحكم بأنّه يمكن أن يكون ذلك الأمر المستقبل الّذي جعل بمنزلة الظرف للواجب موردا للتكليف، و غفل عن أنّ الواجب المعلّق ليس هذا معناه فقط، بل هو مشروط بالنسبة إلى ذلك العنوان المنتزع من ذلك الأمر المتأخّر.

و الحاصل: أنّ المصنّف (قدّس سرّه) رأى أنّ ما علّق عليه الواجب قد يكون زمانا متأخّرا، و قد يكون فعلا غير اختياري متأخّرا، و قد يكون فعلا اختياريّا متأخّرا، فزعم أنّه حيث كان الأوّلان غير اختياريّين فلا يمكن أن يكونا موردا للتكليف.

و أمّا الثالث فيمكن أن يكون موردا للتكليف، لكونه اختياريّا.

و لكن يرد عليه مع ما تقدّم: أنّه لو ثبت تعلّق التكليف بذلك الفعل الاختياري فلا يكون هو الّذي علّق عليه الواجب، بل الّذي علّق عليه الواجب حينئذ زمان ذلك الفعل، و لا إشكال حينئذ في تعلّق التكليف بذلك الفعل، فإنّ الواجب المعلّق قد يكون له مقدّمات متقدّمة على زمانه، و قد تكون له مقدّمات تفعل في زمانه، و لا إشكال في وجوب الثانية كالاولى، و وجوبها لا يكون وجوبا للمقدّمة الّتي علّق عليها الواجب، لما عرفت من أنّ الواجب لم يعلّق عليها بل إنّما علّق على زمانها. هذا ما ذكره سيّدنا الاستاد.

قلت: رأيت في نسخة صحّحت على نسخة المصنّف (قدّس سرّه) هكذا: بل ينبغي‏

51

تعميمه على أمر مقدور اخذ على نحو لا يكون موردا للتكليف و يترشّح عليه الوجوب من الواجب أوّلا ... الخ بزيادة لفظة «لا» النافية قبل لفظة «يكون» و تشديد الواو من قوله أوّلا، و حينئذ يكون قوله: «و يترشّح» معطوفا على المنفيّ أو أنّه حال و قيد للمنفيّ، و الغرض من قوله: «من الواجب أوّلا» من وجوب الواجب، فإنّ وجوبه يكون أوّلا و سابقا على هذا الأمر المتأخّر. و على هذه النسخة لا يرد شي‏ء ممّا أورده الاستاد- سلّمه اللّه-.

قوله (قدّس سرّه): (و ليس الفرق بينه و بين المعلّق حينئذ إلّا كونه مرتبطا بالشرط بخلافه ... الخ)

(1)

[الفارق بين المعلّق و المشروط]

لا يخفى أنّ هذا الفرق إنّما يتمّ بناء على ما وجّه به المصنّف إشكال الشرط المتأخّر و جعل المتأخّر نفسه هو الشرط.

و أمّا بناء على ما وجّهناه من أنّ الشرط ليس هو نفس ذلك المتأخّر بل عنوان منتزع منه فلا يتمّ الفرق حينئذ، لعدم ارتباط ذلك المتأخّر بالوجوب، بل لا ربط له إلّا بالواجب، فيكون هذا الواجب المقيّد بهذا القيد معلّقا لا مشروطا هذا.

إن قلت: يرد على المصنّف (رحمه اللّه) أيضا أنّه إذا كان على نحو الشرط المتأخّر و فرض وجوده، كيف! يكون الوجوب حاليّا مع عدم تحقّق شرطه، و لا ينفع في ذلك فرض وجود الشرط، لأنّه إنّما ينفع لو كان الواجب معلّقا، أمّا إذا كان مشروطا بشرط متأخّر و اتّفق وجود ذلك الشرط في محلّه فلا يكون الوجوب حاليّا، لعدم وجود شرطه في الحال و إن تحقّق وقوعه في الاستقبال. و إن أراد من قوله «و فرض وجوده» و أنّه فرض حصول الشرط و وجوده في الحال فلا إشكال حينئذ في أنّه يكون الواجب حينئذ منجّزا، لا مشروطا، و لا معلّقا.

و بالجملة: أنّه لا يتمّ الحكم بكون الوجوب حاليّا إلّا بجعل الشرط هو العنوان المنتزع من ذلك المتأخّر لا المتأخّر نفسه، فلو فرض حينئذ وجود ذلك المتأخّر في محلّه فلا إشكال في حصول شرط الوجوب و كونه حاليّا، لكنّ الواجب حينئذ

____________

(1) كفاية الاصول: 131.

52

يكون بالنسبة إلى ذلك المتأخّر معلّقا لا مشروطا، فهو لا يرتبط إلّا بالواجب فلا يصحّ قوله و ليس ... الخ.

قلت: هذا إشكال على المبنى لا على الابتناء بيان ذلك: أنّ المصنّف (قدّس سرّه) بنى على أنّه يجوز أن يكون الشي‏ء المشروط حاليّا و شرطه استقباليّا كما تقدّم منه في تصحيح الشرط المتأخّر، فإنّه (رحمه اللّه) صحّحه على أن يكون الشرط هو نفس ذلك الشرط المتأخّر، و زعم أنّ ذلك لا إشكال فيه، و زعم أنّه كالمقارن، و حينئذ فلو كان الوجوب مشروطا بشي‏ء متأخّر و علم أنّ ذلك الشرط المتأخّر محقّق الوجود في زمانه فيكون الوجوب المشروط به حينئذ حاليّا، و لا إشكال في ذلك التفريع حينئذ لو تمّ له ذلك الأصل. نعم يرد عليه عدم معقوليّة ذلك الأصل، و أنّه لا بدّ من التصرّف في ذلك بجعل الشرط هو العنوان المنتزع من وجود ذلك الشي‏ء المتأخّر كما مرّ تحقيقه.

قوله (قدّس سرّه): (إن قلت: لو كان وجوب المقدّمة في زمان كاشفا عن سبق وجوب ذيها ... الخ)

(1)

[اعتراض على تصحيح وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها]

حاصل هذا الاعتراض: أنّه إذا صحّحتم وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها بأحد الوجهين: من التعليق الّذي عبارة عن جعل القيد راجعا إلى المادّة، و من جعله الشرط على نحو الشرط المتأخّر مع العلم بحصول الشرط في المستقبل، تكون جميع مقدّمات ذلك الواجب واجبة، فلا يعقل حينئذ الحكم بعدم وجوب بعضها، فكيف! حكموا بجواز إراقة الماء قبل الوقت لمن علم أنّه لا يتمكّن منه بعد الوقت.

و بالجملة: على أحد هذين الوجهين ينعكس الإشكال السابق و هو كيف يعقل وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها، فإنّه بعد البناء على وجوب ذيها المتأخّر وجوبا في الحال بأحد الوجهين يكون الإشكال حينئذ في عدم وجوب المقدّمة، مع كون ذيها واجبا في الحال و إن تأخّر زمانه، فإنّه بناء على الملازمة لا يعقل التفكيك بين وجوب ذي المقدّمة و وجوبها.

____________

(1) كفاية الاصول: 132.