رحلة مدام ديولافوا من المحمرة إلى البصرة وبغداد

- جان بل هنريت ديولافوا المزيد...
173 /
7

تقديم‏

هذه رحلة إلى العراق ليست كالرحالات الأخرى ممّا تعوّدنا قراءته منها، إنها رحلة أديبة مؤرخة فرنسية أو مولعة بالتاريخ القديم، في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، تمثّل لك ضروبا من الملاحظات في سيرة العراقيين الاجتماعية و غيرهم من الشعوب للمقابلة و المقايسة، و تكشف لك عن ثقافة تاريخية قلّما تراها اليوم عند امرأة غربية مثقفة فضلا عن امرأة شرقية، كما تذكر لك الرأي السياسي لهذه السائحة التي لم تتعود غير التصريح في كتابتها.

د. مصطفى جواد

وردت العراق السيدة «ديولافوا» المركّب اسم عائلتها من اللّه و الإيمان سنة «1881 م- 1299 ه» في ولاية تقي الدين باشا الثانية على العراق، و أساءت الثناء على الأتراك من ولاة و أتباع، وجدّبت إدارتهم، و استقبحت سيرهم، و يفهم من أقوالها أنها كانت تكرههم كأكثر الأمم الأوروبية يومئذ و هي بغضاء موروثة، كما يفهم من خلالها أنها كانت تحب الفرس و هم أعداء الأتراك إذ ذاك.

8

و قد سجلت في رحلتها فوائد طريفة في عادات العراقيين و ألبستهم، و أحوالهم الاجتماعية الأخرى تسجيلا مفصلا يجعل رحلتها إلى القصة أقرب منها إلى الرحلة، فلا ينفك القارئ فيها مقبلا على قراءتها حتى يتمّها مشغوفا بها، مفتونا بما يتخلّلها من ملحوظات بارعة، و نكت فائقة، و انتقادات مرّة، و فضول غريب يصوّر لنا طبيعة نسوية خاصة لا أثر لها عند السياح، و لا عند كثير من النساء، و يمثّل طرازا من التفكير ينبغي لنا أن نطلع عليه، كما يعرب لنا عن حقيقة إخلاصها لزوجها، و مكابدتها المشقات من أجله، و أسلوب هذه السيدة السائحة أسلوب أدبي بارع ممتع، تعمدت فيه الإطالة خوفا من الملالة، التي تنشأ في العادة من الأسلوب الرياضي المألوف في أكثر الرحل الجافة، فالرحلة قطعة أدبية جميلة.

هذا و أرجو أن يستفيد قراء العربية المولعون بالرحل من هذه الرحلة فوائد جليلة في الاجتماع و التاريخ و الآثار و الذوق الأدبي.

د. مصطفى جواد

9

رحلة مدام ديولافوا

عاش في فرنسا بين سنتي 1843- 1920 م مهندس معماري معروف و عالم أثري كبير، يدعى «مارسل ديولافوا» كانت له بحوث و تحقيقات قيّمة في فن العمارة و الريازة في الحضارات الشرقية المختلفة. و من المسائل التي تصدّى لها و الأسئلة التي أثارها: هو أكان للحضارة الساسانية تأثير في الفن الإسلامي أم لا؟

و لقد كلفت «مارسل ديولافوا» الإجابة عن هذا السؤال تكليفا كثيرا، إذ لم يشف غليله كل ما وقع في يديه من كتب تعنى بمثل هذه الموضوعات في أوروبا كلها. و لم ير باحثنا المحقّق في الأخير بدّا من شدّ رحاله إلى الشرق نفسه، ليستقي منه معلوماته و يلقى طلبته في الإجابة عن السؤال الذي عنّ له.

يمّم وجهه شطر الشرق- أول مرّة- عام 1881 م على حسابه الخاص، و أمضى ما يقرب من سنة في تركيا و القفقاز و إيران و العراق، يدقّق النظر و يطلع على الأبنية التاريخية العتيقة فيها حتى فتح اللّه عليه الجواب و اطمأنّ له!

و في هذه السفرة- الأولى- التي قام بها مارسل كانت زوجه معه و هي معروفة بأسلوبها الرقيق و بموهبتها الفنية في الرسم و لم تدع الفرصة تفوتها فأخذت على نفسها تسجيل يومياتها و خواطرها منذ إقلاعها من مرسيليا حتى عودتها ثانية إلى فرنسا في كتاب سمته «رحلة ديولافوا إلى إيران و شوش و كلدة» و لقد كان لصدور هذا السفر الجليل في باريس صداه البالغ و أثره البعيد في يومه- لا لما تضمن من طرائف مستملحة و أخبار غريبة عن تلك المناطق التاريخية فحسب، بل لما احتوى عليه مما توصل إليه زوجها من‏

10

حقائق و استكشافات و إن كان قد خانه التوفيق في بعضها فبالغ في أهمية الفن الساساني و أثره في فن العمارة الإسلامية.

نرانا مضطرين إلى ترجمة القسم الخاص بالعراق فقط آملين أن يجد عشّاق كتب الرحلات و الأسفار لذتهم و متعتهم فيه كما نرجو أن نوفق في تقديم الصورة التي رسمتها المؤلفة للعراق يومئذ و تسليط الضوء على حوادث و شؤون العراق في تلك البرهة المظلمة ... و المغفلة من التاريخ.

الناشر

11

السنة الأولى من الرحلة

في شط كارون‏

1- سبتمبر 1881

ذهبنا مع حراسنا المدججين بالسلاح لزيارة مقبرة كانت تتراءى لنا من بعيد و نحن نمخر شط كارون.

و لقد وجدنا هذه المقبرة مهجورة و متروكة تماما لم يلفت نظرنا منها شي‏ء!

و عند عودتنا كنت مبلبلة الخواطر ضجرة بحيث لم تكن عندي الرغبة في تسويد دفتر يومياتي كالمعتاد و رأيتني أترامى في حجرة الزورق الذي كان يقلّنا. أمّا زوجي مارسل فلقد كان يعمل بجد و بكثير من الصبر شراعا لزورقنا ...

مقبرة الولي السيد عبود في ساحل نهروان‏

و لكن المؤسف بعد كل تلك الجهود أن الريح بدأت تسكن و تهدأ رويدا رويدا كما أن طعامنا أوشك أن ينفد!

2- سبتمبر

مضى يومان كاملان و ما زلنا نمخر عباب نهر كارون في صعود و هبوط، كالأشخاص المصابين بالمالنخوليا. ففي أثناء المد انحرفنا عن الطريق الذي‏

12

كنّا نسير فيه- في حالة الجزر- و هددنا الخطر و استولى علينا الخوف أكثر من قبل. و لكن اللّه كان في عوننا، و لم يذهب دعاء الدرويش الشيخ‏ (1) لنا عبثا إذ سرعان ما لاحت لنا عن كثب سفينة شراعية تحمل حنطة، فبادرنا بالتلويح لها و الإشارة إلى ما نحن فيه من مأزق. فدنت منّا ورمت إلينا بحبل محاولة إنقاذنا و لكن الطالع السيّئ أبى إلّا أن يحبط هذه المحاولة و يسقط الحبل دوننا و أن تحمل الريح السفينة الشراعية بعيدا عنّا بسرعة عقلت ألسنتنا و بعثت في نفوسنا اليأس و الخوف.

بيد أن مارسل أمر أن تحرّك ماكنة الزورق المطفأة و أن يغطى مخزن البخار بغطاء ثخين فورا. و على أثر هذا تزايدت قوة النار و دفعت الزورق بسرعة إلى أمام في أثر السفينة الشراعية. و من حسن الحظ تباطأت السفينة بسيرها بسبب الرياح المعاكسة التي هبّت في تلك اللحظة و لانعطاف مجرى النهر فاستطعنا أن نلحق بها و أن نربط زورقنا ربطا محكما بمؤخرتها. و أخيرا و قبيل بزوغ الشمس وصلنا إلى المحمرة (2). و هنا قيل لنا إنه ينبغي لنا ترك زورقنا في هذا الساحل لأنه من الصعوبة بمكان أن يقدر على قطع الشط و يصل بسلام إلى الفيلية. أخذنا بهذا الرأي من غير تردد لما كنا قد لقيناه من المتاعب في عبور نهر كارون و مخافة أن تعاد المأساة مرّة أخرى. فتركنا زورقنا و ذهبنا لزيارة البصرة و بغداد أوّلا على أن نعود لزيارة خوزستان في وقت آخر.

الوصول إلى البصرة عمل سهل فالقوارب تستطيع أن تقطع المسافة إليها من المحمّرة في ثماني ساعات و الطريق غير محفوف بمخاطر و لا بمشاق.

و لكن الذي يشتد و يشق احتماله على المسافر من هذا الطريق هو وجوب بقائه مع كافة أمتعته في «الكرنتينة» في الساحل العثماني- و تقصد المؤلفة بالبداهة ساحل البصرة العراقي- زهاء عشرة أيام حال وصوله إليه بحجة منع انتقال وباء الطاعون إلى البلاد!

____________

(1) صادفت الرحالة هذا الدرويش في إيران و دعا لها بالتوفيق في سفرها.

(2) أمر رضا شاه بإبدال اسم هذه البلدة ب (خرمشهر).

13

مدخل عمارة شيخ القبيلة (في المحمرة)

و «الكرنتينة» هذه- وقاك اللّه شرها-! عدّة أكواخ من الحصر أقيمت فوق أرض رطبة يلاقي نزلاؤه الأمرين فيها لا من حيث رطوبتها فحسب، بل لما يقدم لهم من صنوف الطعام الردي‏ء و الماء العكر ... و كثيرا ما يقضي المسافرون نحبهم فيها من جرّاء ذلك إن لم يخترمهم الطاعون نفسه بعدواه!

و من الغريب أن تكون هذه الإجراءات القاسية لا مبرّر لها البتة فقد مضت سنوات عديد. و لم تظهر إصابة في الطاعون في إيران.

و يعتقد أهالي لبصرة أن المحجر هذا لم ينشأ إلّا لإيجاد مصدر يدرّ المال الوفير على الموظفين الترك‏ (1) في هذه المنطقة و أنه لم يكن- على أي حال- من باب رعاية السلطان العثماني لرعاياه أو رأفته بهم. إذ إنهم بوقاحة و بغير خجل يسطون على جيوب المسافرين فيتركونها صفرا و يتركونهم خالي‏

____________

(1) تقصد المؤلفة بالترك رجال العهد العثماني البائد في زمن رحلتها.

14

رؤساء قبائل العرب في دار الشيخ مزعل‏

الوفاض، إما بصورة مباشرة أو باتباع طرق شيطانية يتحايلون بها. منها أنهم يشترون الأطعمة الفاسدة الزهيدة و يعرضونها على المسافرين المحجورين بأسعار باهظة فلا يجد هؤلاء المساكين بدّا من شرائها و أكلها لأنه محظور عرض أطعمة سواها. ثم إن الموظفين الصغار يعرضون على المحجورين إطلاق سراحهم مقابل مبالغ معيّنة باسم الرشوة و الحلوان «البقشيش» و ما إن يخرجون من «الكرنتينة» المخيفة حتى يقبض عليهم ثانية رجال آخرون و لا يطلقون و لا يسرحون إلّا بعد دفع مبالغ جديدة تكون من حصة الموظفين الكبار منهم.

و إذا رجعنا إلى الترك نراهم يقولون إن إيران موطن الأمراض المعدية لذا كانت إقامة الكرنتينة هنا أمرا ضروريا لا مندوحة منه على علّاته، حرصا على سلامة الأهلين و للمحافظة على صحتهم!!!

و لكن الواقع خلاف هذا، إذ إن إيران لم تكن موطن هذه الأمراض الوبائية بل إن مصدرها الشيخ مزعل شيخ المحمرة

15

أهوار و مستنقعات كربلاء و النجف التي يذهب الإيرانيون إليها بقصد زيارة العتبات المقدسة و يعودون إلى موطنهم و هم يحملون عدوى تلك الأمراض إن لم يموتوا هناك! (1)

على أي حال إن خبر حجرنا في هذه «الكرنتينة» النتنة الرطبة لمدة عشرة أيام- كما نقل إلينا في الزورق قد صعقنا و أورثنا شيئا كثيرا من الضيق و الهم .. لذلك صمّمنا على أن نفرّ من قبضة السلطات التركية عند نزولنا الساحل مهما كلفنا الأمر، و رأينا أن يكون ذلك بالزوارق التجارية.

الشيخ خزعل شقيق شيخ المحمرة في شبابه‏

____________

(1) كان وباء الطاعون و الكوليرا (أبو زوعه) يفدان من الهند.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

البصرة بندقية الشرق‏

3- سبتمبر

إن كان قد أتعبنا و أرهقنا الاختفاء تحت البضائع المكدّسة في الزورق التجاري، فلكم سررنا الآن بأننا استطعنا أن نهرب من قبضة المحجر المخيف!

ها نحن أولا نكاد نبلغ المرفأ و ننظر إلى أنفسنا التي أخفيناها بين أكوام أطباق التمر بكثير من الدهشة و الإشفاق. ففي يسارنا أقفاص جميلة صنعت من ألياف النخل تستعمل لخزن الأسماك التي تصاد و التي تفيض عن البيع فتوضع هناك لعرضها في السوق في الوقت المناسب!

الشيخ خزعل أمير المحمّرة

و تبدو أمامنا على سواحل الشط التي تبعد قليلا مناظر فاتنة جدّا. فهذه هي النخل السامقة و تلك أرض الحقول الزاهية تخترقها مجاري المياه الرقراقة و فيها قطعان الجاموس التي لا يظهر منها إلّا رؤوسها و هي تمرح و تسرح بمطلق حريتها!

بعد مضي أربع ساعات من تركنا المحمرة بلغنا الجانب الثاني من الشط و ها هو زورقنا يقف أمام غابة صغيرة من أشجار الموز المتكاثفة. و على مسافة

18

نهر العشار و هو القنال الذي يحيط بالبصرة

منّا ترسو عدّة سفن بصواريها الطويلة التي تشاهد من مسافات بعيدة.

و ممّا لفت نظرنا في هذا الساحل النائي قلّة الحركة فيه إذ لم يمر بنا إلّا قاربان صغيران للنزهة. و لقد سأل من كان فيهما ملاحينا عن الوجهة التي نقصد إليها و عمّا نحمل. فأجابهم هؤلاء بأنهم متجهون إلى البصرة لبيع ما يحملونه من التمر. و على أثر هذا ابتعد القاربان عنا دون أن يحس أحد فيهما بوجودنا. إذ كنا قد بالغنا في إخفاء أنفسنا حتى لم نجرؤ أن نحرّك أيدينا أو سوقنا لشدّة خوفنا من «الكرنتينة» اللعين!!

و ما كاد ينتصف الليل حتى بدأ زورقنا بالحركة ثانية، و أخيرا و بكثير من الحيطة و الحذر دخل نهر العشار (1) و هنا تنفسنا الصعداء مسرورين بخلاصنا من المصيدة!!

____________

(1) يسمى الآن شط العشار و يصل إلى مدينة البصرة و ينتهي بالخوره.

19

و لكن سرورنا لم يدم طويلا إذ سرعان ما وقعت حادثة أعادت الهلع و الخوف إلى نفوسنا. ذلك أن ملاحي زورقنا سمعناهم يقولون من دون سابق إنذار! إنهم أن هرّبونا من شر «الكرنتينة» فإن ضميرهم لا يطاوعهم أن يهرّبونا من إدارة الكمرك أيضا! و كان عبثا و بغير جدوى أن صرخنا محتجين منكرين ما يريدون الإقدام عليه ... و في هذه الأثناء قفز أحد الملاحين إلى الساحل و هرول إلى إدارة الكمرك و عاد بعد هنيهة و معه عشرة من موظفيها الغلاظ!

دخل هؤلاء الزورق و أخذوا يفتحون صناديق بضائعنا الواحد بعد الآخر و يفتشونها بتدقيق و عناية بحجة أنهم يبحثون عن أسلحة حربية مهربة!

حامل نرگيلة الشيخ خزعل‏

و الواقع أني لم أكن أدري مع أي نمط من الناس كنت؟ لكي أضبط أعصابي و أمنع نفسي من أن تخرج عن طورها لتلك التصرفات الشائنة التي قابلونا بها ... فرأيتني أركب رأسي و يأخذ التأثير و الانفعال مأخذا كبيرا مني و تتناثر من فمي كلمات قارصة و هو الأمر الذي أثار رئيس هؤلاء القوم فأمر أن يعيدونا ثانية إلى «الكرنتينة» فورا ..

و ما كدت أسمع كلمة «الكرنتينة» حتى ثبت إلى رشدي و ضبطت أعصابي فغيّرت أسلوب حديثي و أخذنا- زوجي و أنا- نساعدهم في حل أربطة ما بقي‏

20

تركان خاتون زوجة الشيخ خزعل مع نمرها

من صناديق أمتعتنا و وضعنا كل ذلك تحت تصرفهم و وقفنا حيالهم مكتوفي الأيدي، ننتظر بفارغ الصبر أوامرهم المطاعة!!

و لقد أثمر موقفنا الجديد منهم هذا و ما أعطيناهم من حلوان «بقشيش» إذ غيروا هم أيضا معاملتهم لنا و أخذوا يرفعون إلى أعينهم عدسات و أدوات المسح الخاصة بزوجي و هم يردّدون بقولهم: عجبا عجبا ليس بين هذه الأشياء و بين البنادق الأمريكية أي شبه؟! لشد ما نحن أغبياء!!

و هنا حمل أحدهم قنينة خاصة بغسل أفلام التصوير و طلب أن أهبها له ظنّا منه بأنها غالية الثمن و لكي نتخلّص من شر هؤلاء القوم الغلاظ بسرعة أبديت كرما على خلاف عادتي و وهبتها له على الفور بلطف وود!! و رفع شخص آخر منهم إلى عينيه نوعا من صابون غسل الأيدي ثم قرّبه من أنفه يتشمّمه بدهش و جنون و أخيرا ذاقه بلسانه و قال: اني لم أر حتى الآن مثل هذه الحلويات اللذيذة فما ألذّها. و ثالث- و كان يبدو أنه أذكى الآخرين- أخذ

21

شط العشار من الداخل‏

يجرّب في لبس زوج من أحذيتي النسائية و لمّا لم يوفق لصغرها تركها جانبا و أخذ يفتش عن شي‏ء مناسب آخر ... و الرابع رأيته يتقدّم مني و يسألني أن أهديه ما كان معنا من أقلام التلوين و دهان التصوير!

و على أي حال و كيفما كان فقد أرضينا موظفي الكمرك الأتراك و أجبنا طلباتهم كلها و تابعنا سيرنا مبتعدين عنهم حتى كان أن دخلنا نهر البصرة غير مصدقين و لا مكذبين!!

ها نحن أولا نخترق شط العرب فرحين مسرورين دون أن يعكّر صفونا شي‏ء .. فليس ثمة «كرنتينة». و لا موظف من موظفي الكمرك المخيفين! ننظر إلى ضوء القمر الفضي بروعة و افتنان كأننا في البندقية .. و لكن لا. ليست هذه بندقية ايطاليا بل هي بندقية الأقاليم الاستوائية. فالسماء صافية رائقة لا تجد فيها قطعة صغيرة من الغيوم و البيوت مختفية تحت ظلال غابات النخيل الكثيفة و أشجار الليمون المثقلة بأثمارها ذات اللون الأحمر الجميل و أشجار الموز

22

مرشد تكية تهران في الأحواز

بأوراقها العريضة التي تزيد هذا المشهد روعة و إبداعا.

و الدور الواقعة على الضفاف يخيّل للمرء تارة أنها تسبح في مياه النهر و تارة أخرى كأنها منتصبة على جانب سد ضيّق بإباء و إغراء!

و أمام صف هذه الدور المترامية تجد الزوارق الجميلة و قد ربطت بالساحل بشكل رائق أخاذ.

و الخلاصة أنه لا يوجد شي‏ء هنا إلّا و هو جميل فاتن من بساط أخضر زاه و من أشجار الفاكهة و مجاري المياه الهادئة و سماء شفافة مرصعة بالنجوم المتلألئة!

و أخيرا توقف زورقنا و هبطنا منه إلى ضفة النهر، و كانت عليها كميات كبيرة من الحنطة و خلال مرورنا بها شاهدنا حارسين مدججين بالسلاح يحملان بأيديهما فانوسين خافتين و بعد لأي أوصلنا الدليل الذي استأجرناه، إلى دار القنصلية (1) و كان أن طرقنا الباب و دخلنا إلى حجرة صغيرة أحكمنا رتاجها خلفنا، لكي نستطيع أن نغيّر ملابسنا التي كانت مبتلّة بفعل رطوبة الجوّ لدرجة يظن معها بأننا قد خضنا بها مياه النهر!!

4- سبتمبر 1881

الواقع أن البصرة مدينة غريبة، إنها تريك مشاهد مختلفة في اليوم الواحد، ففي حالة المد عند ما ترتفع المياه و تغطي الساحل يخيّل إلى المرء أنه‏

____________

(1) القنصلية الفرنسية.

23

سيف الحبوب في البصرة

في الجنة الموعودة! و عند ما تهبط المياه و ترجع إلى حالتها الأولى فيتصوّر أنه قد ترك الجنة و وقع في غدران نتنة!!

عصر هذا اليوم خرجت للنزهة .. و إذا أنا بمنظر الليلة الماضية الجميل قد تغيّر تماما. كان النهر قد صار منطقة أو حال عفنة تزكم ريحها الأنوف، و القوارب و الزوارق تبدو من بعيد و كأنها قطع من الأخشاب المتناثرة و قد غاصت في الوحل و الطين. أمّا الهواء فقد كان عفنا فاسدا يمنع الإنسان من أن يتمتّع بمناظر النخل و أشجار الليمون الأخاذة!

و فساد الهواء هذا الذي يتسبّب عن تتابع حالتي المد و الجزر و ارتفاع درجة الحرارة و زيادة نسبة الرطوبة كل ذلك يعمل على انتشار أمراض خطيرة في هذه المدينة يذهب ضحاياها عدد عظيم من أهلها. و هناك سبب آخر لانتشار هذه الأوبئة و هو عدم اهتمام السلطات التركية بصحة السكان و العناية بهم ...

فالسدود التي أنشئت منذ ستين سنة أمام هذه المدينة قد تهدمت اليوم الواحد

24

امرأة أرمنية من البصرة

بعد الآخر و لم يجشم أحد نفسه ترميم هذه السدود المهدمة التي اخترقتها المياه و غمرت أراضي واسعة كوّنت منها أهوارا و مستنقعات تتولّد عنها الأمراض الخطيرة. و إذا سألت أحد الموظفين الترك عن علّة سكوتهم عن هذا الأمر أجابك بقوله: ليس هذا بمهم و اللّه كريم!!!

لا يستطيع علماء الآثار أن يفيدوا أي شي‏ء في هذه المدينة، لأنها حديثة البناء و لكن على العكس فالرسامون يجدون بغيتهم فيها لاقتباس «موديلات» جميلة للملابس؟!

في هذه المدينة الموبوءة طبقات مختلفة متفاوتة كما فيها أنماط شتى من الأهلين كل له خصائصه المميّزة من حيث طرز اللباس و المعتقدات!!

فالنساء التركيات يلففن أنفسهن- بدل العباءة- بقطعة رقيقة من القماش تسمى «ايزار» (1) و هي منسوجة من الحرير الأزرق أو الوردي أو الأبيض المصفر موشاة بأسلاك رقيقة من الفضة أو الذهب. و يلبسن تحت «الإيزار» عادة ثوبا قصيرا قد وشي بالفضة و الذهب أيضا. و فوق هذه الأثواب القصيرة يرتدين في الغالب سترة دائرية الشكل (!) و يحتز من بحزام عريض صنع من الفضة محلّى بالجواهر النفيسة. و في مقدمته قطعة كبيرة من الفضة. أمّا في أرجلهن فتجد (جزمات) صغيرة مثل التي تلبسها المرأة في مدينة بوشهر الواقعة في إيران!

____________

(1) تصحيف «إزار» العربية. المترجم‏

25

أما النساء الأرمنيات فإنهنّ يلبسن أثوابا فضفاضة يسحبنها على أتربة الشوارع و أقذارها إذا ما سرن بها خارج منازلهن! و المرأة الأرمنية لا تخرج سافرة، كالمسلمة بيد أنها في أغلب الأحيان تضع على وجهها قطعة رقيقة من القماش الأسود أو تلفّ رأسها بمنديل حريري و تكتفي بهذا فقط. و هي في الوقت نفسه تحلي يديها بالأسورة الذهبية و صدرها بالحلي النفيسة و شعرها بجواهر ثمينة متلألئة .. أما حذاؤها فيبعث شكله على القرف و الاشمئزاز لقبحه و أبشع ما فيه أزراره الزجاجية أو المعدنية!! و أكثر نساء البصرة الحسناوات يرتدين مثل هذه الأحذية الدميمة التي تستورد من المملكة المتحدة!!

و إذا كانت النساء الأوروبيات هنا قد تطبّعن ببعض طباع نساء المدينة البلديات فالرجال منهم- أعني الأوروبيين- فما زالوا يحتفظون بملابسهم الخاصة المتكونة من بنطلون خاكي يميل إلى الصفرة و سترة لا يستطيع المرء أن يعين لها شكلا و لونا واحدا. و قد علمت أن هذا اللباس غير الجميل يقلّل من قيمة و مقام هؤلاء بين السكان الأصليين الذين يرتدون الكوفية و العقال و العباءة دائما تلك الملابس التي يعتزّون بها و يعتبرونها من مظاهرهم القومية الكريمة.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الصابئة، الذين يقبرون الأحياء!!

7- سبتمبر

عادت الحمى إلينا مرّة أخرى- منذ يومين- و لقد استعنا بكافة أطباء هذه المدينة من محليين و أوروبيين لكي نقضي على دابر هذا المرض الخبيث قبل أن يستفحل خطره و يتمكّن منّا!

و الواقع أنه لو لا جهود و مساعي رسل الإنسانية أولئك و لا سيما طبيب القنصلية الخاص ما استطعنا أن ننجو من قبضة هذه الحمى الخطيرة (1). و لقد بذل طبيب القنصلية جهودا جبّارة سنذكرها له دائما بلسان يلهج بالشكر لإخلاصه و مودّته. فلقد كان يزورنا كل يوم مرتين و يعالجنا بتدقيق و عناية فائقة و لعلمه بأضرار الكنين الكثيرة- و هو الدواء الوحيد لمعالجة الحمى هذه- فقد كان يستعين في أغلب الأحايين بمعالجتنا نفسيّا و بتقوية أرواحنا المعنوية لتحمّل آلام و مشاق هذا المرض. إن إصابتنا بهذا المرض كان محتملا. إن بقاء مدّة خمسة عشر يوما في الفيلية تلك المنطقة القذرة بغير عمل و لا رغبة منا و التقلّب على أمواج شط كارون و تغير المناخ فجأة و قرب فصل المطر و عدم الوصول إلى بساتين هسپريد (2) كان كافيا في أن يبعث اليأس في نفوس من هم أكثر منّا صبرا

____________

(1) هي حمى الملاريا.

(2)Hespriedds إشارة إلى بنات «انلاس» الثلاث اللاتي كان لهن بستان خرافي أثماره تفاح من الذهب و فيه ثعابين كل منها له مائة رأس. و هذه الثعابين تقوم بحراسة هذه الأثمار الثمينة لذلك لم يجرأ أحد على التقرّب من هذه المحاصيل الذهبية حتى إذا جاء البطل هركول أبدى شجاعة خارقة و استطاع أن يدخل هذا البستان و يقتل الثعابين و يتصرّف-

28

و احتمالا للشدائد و أن يدعو إلى إصابتهم بأخطر من هذا المرض.

أعود إلى ذكر الطبيب العطوف فأقول إنه كان من أجل أن يخلصنا من أفكارنا السوداء اليائسة يلهينا بسرد القصص الطريفة و الأخبار عن مدينة البصرة و أهليها.

كان يقول: إن البصرة قد شيدت فوق أرض رسوبية جديدة و إنها لم تكن من المدن القديمة جدّا إذ لم تنشأ إلّا بعد وفاة النبي العربي ((صلى اللّه عليه و سلّم)) بأمر من الخليفة الثاني عمر (رضي اللّه عنه) فقد اتخذ منها مركزا تجاريّا و عسكريّا مهمّا في العراق و إن تاريخ هذه المدينة الحديث ملي‏ء بأخبار الحروب المستعرة بين الترك و الفرس للاستيلاء عليها أو التصرّف بها. و لقد كانت هذه الحروب سجالا بين الطرفين فكانوا يتناوبون في احتلال البصرة، و أخيرا، و في نهاية القرن الماضي و بعد محاصرة دامت أكثر من أحد عشر شهرا دخلها الفرس ظافرين و بقيت تحت النفوذ الفارسي حتى زمن السلطان كريم خان الزند .. أما بعد هذا العهد فلم يستطيع خلفاء هذا السلطان أن يحافظوا عليها ضمن ممتلكات فارس لأنهم كانوا ضعافا و إن أخطارا كثيرة أخذت تهدّد البلاد في الصميم فدفعهم ذلك إلى أن يصرفوا النظر عن الممتلكات البعيدة و يدعوها للدول المجاورة! و هكذا انتقلت البصرة إلى نفوذ الحكم العثماني .. و أخذت تمر بها أخطار و أحداث تركت فيها أسوأ الآثار .. فنفوسها مثلا أخذت بالتناقص و هي اليوم نصف ما كانت عليه في السابق و تقدّر بأقل من أحد عشر ألف نسمة.

و لكن البصرة على رغم ذلك كله ما زالت تحتفظ بمركزها التجاري الممتاز القديم و لها اليوم روابط و علاقات سوقية مع الهند.

و أردف الطبيب ذلك بقوله: و إن كميات الحنطة الكبيرة التي حدثتماني برؤيتها عند وصولكم البصرة ما هي- في الواقع- إلّا بعض الكميات التي يرسل بها التجار إلى الهند (1).

____________

- بالتفاح الذهبي و هذا العمل كان الحادي عشر من خوارق هركول المعروفة!! «م»

(1) كانت البواخر حينذاك تنقل يوميّا آلاف الأكياس من حبوب العراق إلى الهند-

29

و التمر من محاصيل هذه المدينة المهمّة الأخرى يصدّر منها سنويّا ألوف الأطنان إلى الخارج أيضا، و هذه الثمرة الغريبة تحوي شيئا كثيرا من المادة السكرية كما تحوي مقادير من الكحول التي لها شهرة عالمية لذا تكون لها أسواق رائجة خارج البلاد فتصدّر في سلال و أقفاص تصنع من الجريد و سعف النخل اللين تحملها السفن الشراعية و البخارية!!

و النخل- زيادة على أثمارها تلك- لها فوائد جمّة أخرى إذ يستفاد من جذوعها في إقامة الأبنية و من أوراقها في صناعة الحصران و الحبال المحكمة و الزنابيل.

و الخلاصة أنّ الطبيب بدل أن يذكر (360) فائدة للنخل كأي حمال شيخ ايراني ثرثار .. فقد اختصر القول بأنها النخل .. و النخل وحدها هي التي يدين لها الشرقيون في حياتهم .. و لا سيما المسلمين الذين يعدون وجودها مفخرة في بلادهم .. و لا غرو في ذلك إذ إن ثمرها يكوّن العنصر الأهم في طعامهم و شرابهم!

يقول المؤرّخ المعروف القزويني‏ (1): «إن للنخل فوائد جمّة و إنها رمز الخير و البركة و لا تنمو إلّا في الأقطار الإسلامية».

و يؤثر عن النبي ((صلى اللّه عليه و سلّم)) قوله: «أن أكرموا عماتكم النخل فإنها خلقت من فضلة طينة آدم‏ (2)».

و ممّا ذكره الطبيب لنا أيضا قوله: إن البصرة تكاد تكون مجمع المذاهب‏

____________

و الخليج، أمّا الآن و بالرغم من تقدّم الزراعة و اختراع الآلات فإننا نستورد الحنطة من الخارج؟؟!!

(1) المعروف أن القزويني صاحب عجائب المخلوقات كان قاضيا و جغرافيّا لا مؤرخا.

«المترجم»

(2) هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة و قد ذكره السيوطي في كتابه اللآلى‏ء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة. «المترجم»

30

المختلفة التي يقارب عددها عدد ما فيها من أنواع النخل! إنك تجد النساطرة فيها و السنة و الشيعة و البابية و الوهابية و المسيحية الرومية و المسيحية الكلدية و الصابئة و اليزيدية و اليهود و الأرمن و غيرهم كل بجنب الآخر و قلّما يحدث نزاع بين أنصار هذه الطوائف التي تمارس كل منها شعائرها المذهبية الخاصة بمطلق الحرية و الاطمئنان. و من الجدير بالذكر أن طائفة الصابئة لها تقاليد و عادات مذهبية عجيبة جدّا. فليس لديهم مثلا معبد أو محراب للعبادة كما هو الحال في المذاهب الأخرى و أصحاب هذا المذهب يقربون من الدين المسيحي باعتقادهم يوحنا كما أنهم يعتقدون أن عيسى خلفه!!

أمّا أهم طقوس هذه الفئة فهو التعميد الذي يتم بالماء للتطهر من الذنوب و الخطايا. و عملية التعميد هذه تتكرر في حياتهم و هي من الواجبات المذهبية المرعية، و ذلك كلما أحس امرؤ بآثامه .. و إن لم يقم الواحد منهم بغسل التعميد في الوقت المناسب فمن الواجب الختم عليه- مع بقية أفراد طائفته- أن يغتسل قبيل يوم العيد الكبير! و يسبق عملية الغسل هذه الاعتراف عند قساوستهم. كاعتراف المسيحيين تماما!

و الصابئة لا يستطيعون أن يتزوجوا بأكثر من امرأة واحدة في حياتهم كما أنهم لا يأخذون بالختان!

و في كل أسبوع يقوم القس عندهم بقراءة بعض الأدعية و الأوراد على الخبز لكي يجعله مباركا و بعد أن يضع عليه السمسم و يأكل قليلا منه يوزّع البقية بين الذين اغتسلوا غسل التعميد للتبرك!

إن حب المحافظة على الطهر و تجنّب الأقذار عند هذه الطائفة تكاد يبلغ مبلغ الهوس و الوسواس. و من الطريف أن قسوسهم لهم حق الزواج و لكن لا يسمح لنسائهم أن يعملن في الدور حتى بمجرد أن يمددن أيديهن إلى أثاثها أو أي شي‏ء آخر. إذ ينبغي على القسوس أنفسهم أن يقوموا بالأعمال المنزلية كلها من طبخ و غسل و تدبير. و أغرب من ذلك أنه يحظر لديهم أكل لحم البقر و الجاموس و الضأن و الجمل. ذلك لأنهم يعدون هذه الحيوانات بسبب خلقتها العجيبة نجسة غير طاهرة بيد أنه يسمح أكل لحم الخروف و حمله الصغير فقط

31

شريطة أن يتم ذبح هذين الحيوانين على أيدي القساوسة أنفسهم كما أنه يجب عند طبخ لحومها أن تراعى أصول النظافة بتدقيق و عناية فائقة و أن توضع في صحاف نظيفة جدّا. و من عمليات التعميد و الغسل الضرورية التي لا بد منها اثنتان الأولى بعد الولادة و الثانية بعد الزواج. أما بعد الوفاة فلا يكون ثمة غسل قط لأن الصابئة يعدون جثة الميت أنجس الأشياء قاطبة و لذلك يتقززون و لا يتقربون منها و يعاملون المحتضر على فراش الموت معاملة و حشية لا تكاد تصدّق.

فعندما يشرف أحدهم على الموت في سكراته الأخيرة يأتي أصحابه إليه و يحملونه إلى حفرة يحتفرونها و يضعونه فيها و الأنفاس تتردد في صدره، و هم من حوله يجلسون القرفصاء و يبكون و ينشجون في انتظار أن يجود بأنفاسه الأخيرة، و عندما يحين ذلك يهيلون عليه التراب بسرعة، و يعودون إلى منازلهم في مظاهرة طريفة!!

و إذا سألت أحدهم لماذا تقومون بهذه الأدوار المضحكة و الأعمال الوحشية، أجابك .. إنه من أجل ألّا تمس أيديهم جثة الميت النجسة و لكيلا يقربوها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا!!

و تعتقد هذه الفئة أن روح الميت تترك جسده بعد أربعين يوما من وفاته و أنها تصعد إلى الملكوت الأعلى و تمثل بحضرة ذات الجلالة بخشوع!

و طول هذه المدة- الأربعين يوما- يجتمع أقرباء و أصدقاء الميت في داره يأكلون صباح مساء من غذاء خاص يصنعه القس لهم يتكوّن من لحم الخروف و سمك و فاكهة و بعد أكل هذا الغذاء يطلب أقرب أقرباء الميت من الحضور أن يدعو اللّه لميتهم بالعفو و المغفرة!

و من البديهي أن هذه الإجراءات التي تتم طول الأربعين يوما تكلّف أهل الميت الشي‏ء الكثير من المال، لذلك يجب على كل من يحضر هذه (الاحتفالات) أن يقدّم هدايا مناسبة إلى أهل الميت لسد تلك النفقات!!

و إذا أغضينا عن هذا العمل الوحشي الذي تقدم عليه الصابئة للمحتضر فإننا نراهم يتميّزون بشي‏ء كثير من سمو الخلق و كرم الطباع حتى ليضرب‏

32

بأمانتهم و صدقهم المثل في تلك البلاد. و يكاد عمل و حرفة هذه الطائفة ينحصران في صياغة الحلي الفضة و في مصنوعات فلزية من الفضة مزينة بالمينا و الرسوم الأخاذة. و الحق أن لهم براعة حقا يدعو للعجب في تلك المصنوعات (المينه)!!

و الصابئة- بعد كل ذلك- يتميّزون بتعصبهم لمذهبهم و محافظتهم على شعائرهم بحيث لم يستطع قسوس الموصل و رهبان البروستانت بمواعظهم الطويلة و جهودهم الجبارة التي بذلوها طوال سنوات عديدة أن يتركوا أي أثر محسوس في عقائدهم و عاداتهم المتغلغلة في نفوسهم تغلغلا عجيبا!!

سألت الدكتور عن محل إقامة هذه الطائفة و هل في استطاعتي زيارتهم و الاطلاع على حياتهم الخاصة من قرب؟

فأجابني مستنكرا بقوله: أتريدين أن تذهبي لزيارة هؤلاء القوم و لم تبرحي الفراش بعد .. و كيف تستطيعين و المياه تغطي السبل المؤدية إلى مدينتهم في هذا الفصل الذي تفيض فيه المياه، و لو كان لك جناح لقدرت على الطيران و لم تلقي كبير عناء في الوصول إلى منازل الصابئة، و لكن الآن عليك أن تقطعي الأهوار و المستنقعات ثمانية أيام كاملة لكي تبلغي قصدك و ليس هذا في مكنتك و أنت على ما فيه من خور و ضعف و ما زالت الحمى تهدّدك بالعودة، إذ إن حمى هذه المدينة لا يستطيع المصاب بها أن ينجو من براثنها مرّة واحدة و بسهولة، و قد يخيل إليه أنه قضى عليها و لكنه سرعان ما يرى نفسه طريح الفراش يتجرّع أوصاب ألمها و سخونتها.

و هنا رأيتني أقول فجأة و بغير وعي منّي: أيتها الصابئة ليحفظكم اللّه إنما أزهد في لقائكم مخافة أن تضعوني حيّة في اللحد كما تعملون بمحتضريكم و إلى اللقاء!!

8- ديسمبر

ما إن تركنا الفراش و استطعنا أن نسير على أقدامنا حتى أخذنا نفكر جدّيا في السفر من البصرة بأسرع ما في الإمكان لننجو بجلودنا من جو هذه المدينة

33

الرطب الخانق!

و لقد سألنا عن طرق المواصلات التي تربط البصرة ببغداد فقيل لنا إن ثمة شركتين تقومان بتسيير السفن البخارية بينهما الأولى شركة «لنج لندن» التي تسير سفينة كل أسبوع و هي قذرة جدّا لأنه يترك للمسافرين فيها حرية القيام بعمليات الطبخ و الغسل في ممراتها و عنابرها. و الشركة الثانية يديرها جماعة من الأتراك و تسيّر شهريّا سفينتين بين بغداد و البصرة.

و لقد شاء الحظ و القدر أن تتأخر إحدى سفن هذه الشركة في البصرة بسبب عطب أصابها منذ أسبوع. و اغتنمنا هذه الفرصة فأسرعنا في حجز مكان لنا فيها و لكننا ندمنا كثيرا على ذلك و لقينا في سفرتنا هذه الأمرين بحيث لا تكاد تقل عن سائر أيام سفرتنا من الساحل الفارسي إلى هنا! من حيث المتاعب و المشاق.

تسير الأمور في هذه السفينة حسب مشيئة الشيطان أو الترك إنهم على الدوام يتقاضون مبالغ مختلفة من المسافرين بحجج و أسباب واهية و لم يكتفوا بذلك فحسب بل إنهم أخذوا يستعينون بأي طريقة لا بتزاز المال و إن كان في ذلك ما يسي‏ء إلى الركاب و يضايقهم. فإنهم مثلا ملأوا ممرات السفينة بأقفاص الدجاج التي اشتروها من البصرة لبيعها في بغداد بربح زهيد لا يسوى شروى نقير! كما أن الموظفين الترك المغرورين ملؤوا مخازن السفينة بأمتعتهم و حوائجهم كلها لدرجة أنهم لم يدعوا لمن سواهم مكانا يضعون فيه حقائبهم!!

و لكن الذي يعزينا و يسرنا في هذه السفرة الموحشة وجود رفيق طريق معنا يدعى الكابتن ديمينيس من أهل (كرسي). و لقد كان هذا لمدة قريبة ربان هذه السفينة بالذات التي تدعى باسم الموصل، و بقي يشغل هذا المنصب مدة طويلة حتى كان أن فضل عليه عملا آخر في بغداد منذ ما يقرب من عام.

و لقد قص علينا هذا الرجل الشجاع قصته الطريفة مع الترك الشياطين كما يأتي:

منذ سنة تقريبا فكّر أولياء الأمور العثمانيون أن يعاملوا المقاولين و المتعهدين مثل معاملتهم لموظفيهم الصغار القاسية و أن يقطعوا عنهم رواتبهم أو ما يستحقونه مما في ذمة الدولة العلية.

34

و لم يكف ذلك أحد هؤلاء المقاولين- و هو يمون هذه السفينة بالفحم و له بذمة الباب العالي مبالغ مستحقة عن ذلك- و كان أن قطع الفحم عنا ذات يوم دون إنذار سابق، و أبى أن يموننا بأي شي‏ء منه إن لم تسلم ديونه السابقة و أن يتقاضى ثمن ما نحتاج إليه من الفحم سلفا كما قال. و لقد اضطرت «الموصل» بحسب هذا العمل أن تؤخر سفرها و يطول مدة وقوفها. و لكن الغريب هو أنني على رغم ذلك تلقيت أمرا بالحركة فورا. ففتّ ذلك في ساعدي و احترت فيما أعمله للخروج من هذا المأزق الحرج و لم أر بدّا من الذهاب إلى رئيس السفينة و تذكيره بأن المخزن ليس فيه من الفحم ما يمكن الحركة به و الوصول بسلام إلى بغداد!

و ما كدت أقول هذا للرئيس المحترم حتى رأيته يركب رأسه و يرد علي بحدّة قائلا: إننا لسنا في حاجة إلى خدماتك بعد هذا الكلام الغريب .. إذا كان يتعذّر عليك السفر بغير فحم فأرى من الأجدر أن تترك العمل و تذهب في سبيلك!

سمّرت فيه نظراتي هنيهة أتفحص هذا المخلوق العجيب ثم قلت له دون اكتراث: ليس في اللغة الفرنسية لفظة «يتعذر»- يستحيل- ثم وضعت يدي في جيبي و ذهبت لحجرة قيادة السفينة.

تحركت سفينة «الموصل» و توسطت نهر دجلة و كانت تسير بخيلاء و غرور. و بعد يومين خلا المخزن من الفحم تماما. و تعذّر عليّ عندئذ تحريك ماكنة السفينة .. فكرت لحظة و لكن سرعان ما خطرت لي خاطرة هتفت لها من أعماقي فرحا و سرورا. تذكرت أن سفينتي تحمل كميات كبيرة من السمسم فأشرت على الملاحين أن يحرقوا السمسم بدل الفحم. و نفذ هؤلاء أوامري و بعد دقائق عادت جلجلة الماكنة إلى الأسماع و كان أن تحركت تسير الهوينى كالسابق. و بعد ثمانية أيام دخلت بغداد دخول الظافرين! و كانت قيمة كميات السمسم التي استعملناها بدل الفحم تقدر بأكثر من ثلاثين ألف فرنك .. و لكم كنت فخورا ساعة وصولنا إلى بغداد، لأنني كنت قد أطعت أوامر الامبراطورية التركية إطاعة تامة و نفذتها بحذافيرها و رفعت اسم فرنسا العظيمة في مياه دجلة!

35

و من الإنصاف القول إن رئيس السفينة هذا لم يكن غبيّا بالدرجة التي تصورتها إذ إنه بعد هذه الحادثة عرف (بثاقب بصره البعيد)!! أن أمثال هذه السفرات تكلف دولته كثيرا و أنه لا سبيل إلى الحصول على الفحم لأن الباب العالي لا يدفع دانقا واحدا، لذلك هداه تفكيره النير إلى حل وجيه و هو أن يسد نفقات الفحم من أثمان (800) جمل استولت عليها سلطات الأمن من قبيلة كانت خارجة عن القانون منذ وقت قريب!!

قدم هذا الاقتراح إلى المسؤولين و أخذ هؤلاء به فورا. فدفع صاحبنا الرئيس إلى المقاول بكل هذا العدد الضخم من الجمال و لما رأى هذا أنه يأخذ أكثر مما يستحق، قدم للرئيس ما بين 200- 300 جملا حلوانا (بقشيشا) له.

و هكذا تمّت الصفقة ربح المقاول و الرئيس على السواء!!

و عند ما بلغ الكابتن هذا الحد أردف قائلا: الخلاصة أن القضايا أخذت تجري على النحو المطلوب إلّا أنني وقعت في مأزق حرج إذ كان عليّ أن أزرع السمسم لكي ينضج جمالا!!

و كان لنا رفيق سفر آخر- إلى جانب مسيو ديمينيس- إلّا أن مخايل البله و الجنون كانت تبدو عليه. و مما حدثنا به رأيه أن السفن التركية تغوص في الطين أكثر من السفن الإنكليزية، و هو لهذا السبب يفضل ركوب السفن الأولى في سفراته بين البصرة و بغداد لا لشي‏ء إلّا لأنه يتاح له فيها الصيد على سواحل دجلة؟!

و عند ما وصل الحديث إلى ذكر الصيد و غوص السفينة في الطين تذكرت ما لقيناه في شط كارون من نصب و عذاب و لهذا رأيتني أسأل الكابتن عن المدة التي تستغرقها سفرتنا هذه و عمّا يحتمل أن نلاقيه من مشاق و متاعب ..

فكّر بطل السمسم لحظة ثم قال: لا خوف على سفينتنا من الغوص في هذه الأيام التي ترتفع فيها المياه. أمّا المدّة التي تستغرقها سفرتنا فلا أرى أنها تتجاوز أسبوعا!! و لكني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أجزم أو أقطع بقولي هذا ..

إنني أعمل في هذا الطريق منذ سنوات عدّة و لم يتفق أن وصلت إلى بغداد في سفرتين متتاليتين بمدة واحدة، كما لم تتوقف سفينتي مرتين في محل‏

36

واحد بفعل وجود الطين و الوحل. ذلك لأن تيار الماء السريع يتغيّر من يوم لآخر، و من أسبوع لآخر ثم هذا التيار يأخذ معه الطين إلى محلات عميقة من النهر و في أغلب الأحايين يتحتم على الربان أن يستعين «بالشاقول» لمعرفة مدى عمق النهر و لا سيما في فصل الصيف عند ما يهبط الماء فتصعب عندئذ قيادة السفينة. و يتفق في مثل هذه الأحوال أن تغوص السفينة في الطين عدّة أيام إن لم تمتد إلى أسابيع و لا تستطيع أن تخرج إلّا بعد تفريغها من المسافرين و مما تحمل من بضائع بزوارق إلى الساحل حتى أن هذه العملية ربما لا تجد فيها نفعا بعض الأحيان فتضطر السفينة أن تنتظر مرور سفينة أخرى بها لتنتشلها من الأوحال و الطين و تكون عندئذ خالية من ركابها و من بضائعها ..

و كثيرا ما يتفق أن تنتشل السفينة و تسير عشر كيلومترات و تضطر إلى الوقوف مرة أخرى بسبب الطين أيضا و تعاد العملية من جديد عندئذ و ذلك بنقل المسافرين إلى الساحل بعد تفريغها من البضائع تفريغا يشارك فيه المسافرون أنفسهم صغارهم و كبارهم شيبهم و شبانهم نساؤهم و رجالهم!!

كان رفيقنا الصياد يصغي إلى هذا الحديث باهتمام و عند ما اتمّ الكابتن كلامه قال: إنني لمتأسف جدّا أن أسافر في هذا الفصل و على مثل هذه السفينة و لو كنت أعلم بكل هذه التفاصيل لأجلت موعد سفري إلى الصيف الذي تزيد فيه حوادث غوص السفن في الأوحال!!

و لقد زعقت عليه بقولي: و إني كذلك متأسفة لأنك لم تعلم ذلك قبل الآن، و تسافر في وقت غير مناسب. و لكني أنا جد مسرورة لسفري الآن لأني لا أرغب- على أي حال- في أن أقوم بدور حمال و إن كان من مخزن السفينة إلى الساحل!

بلغت السفينة بعد عدّة ساعات قرية صغيرة تسمّى «القرنة» و هي تقع في مكان يلتقي فيه نهرا دجلة و الفرات و يتكوّن من هذا الالتقاء ما يسمّى بشط العرب. تشير المعلومات التاريخية القديمة إلى أن هذه القرية كانت من أجمل بقاع العالم يومئذ حتى إنها كانت تسمى جنة الأرض. و لكنها اليوم و يا للأسف الشديد، لم يبق من ذلك الفتون أي شي‏ء، و لا يطالعك فيها إلّا ساحل قذر

37

مدخل القرنة (ملتقى نهري دجلة و الفرات)

تغطّيه مياه الفيضان بحيث لا يبدو منه في بعض الأيام شي‏ء!

و بعد أن ينزاح عنها الماء تنقلب إلى منطقة واسعة من الأهوار تكون موطنا للأمراض الوبيئة كما تستخدم محلّا للجواميس فتغطي فيها أجسامها، بحيث لا يبدو منها شي‏ء سوى الرؤوس.

تبدو لنا عن كثب عدّة بيوت من الطين و أمامها عدد من الجواميس و هي غاطسة في مجاري قذرة للمياه. و يبدو هناك جذع شجرة قديمة يخيّل لي أن عمرها ثلاثمائة سنة، و لا شي‏ء غير هذا في تلك المدينة التي كانت تعد جنة اللّه في أرضه! و لا ريب أن أجدادنا لو رفعوا رؤوسهم و رأوا «القرنة» على ما هي عليه الآن لأنكروا عيونهم و أخذهم العجب العجاب!

9- ديسمبر 1881

وصلنا إلى مدينة بابل اليوم، و هذه لم تكن أكثر من تل تراب بسيط،

38

مقبرة العزير

و لكن «اسدراس» (1) الذي كان ضمن الأسرى الإسرائيليين و استطاع أن ينجي مواطنيه من ذل الأسر و يعود بهم إلى بيت المقدس يرقد هنا على ساحل دجلة في مرقد هادئ غير فخم.

توقفت سفينتنا قبالة المرقد بعض الوقت لكي تحمل اليهود الذين جاؤوا لزيارته و من السهولة أن أرسم صورة لمرقد هذا النبي. بنايته متكونة من قبة صنعت من الكاشي و ذلك على طراز و أسلوب الأبنية الإيرانية التي كانت معروفة في زمن الشاه عباس الكبير. و يغلب على الظن أنه أنشئ مكان بناية قديمة مندثرة إذ تذكر روايات من التوراة أن اليهود كانوا يأتون لزيارة هذا المكان بالذات في الزمن القديم كما هو اليوم حال الذين يفدون زرافات و وحدانا و في موسم خاصة لمرقد هذا النبي!

تعتمد شركات السفر النهرية في بلاد ما بين النهرين على أمثال هؤلاء المسافرين الذين يقصدون زيارة أنبيائهم و أئمتهم المختلفين، و لو حظر ذلك‏

____________

(1)Esdras عزرا أحد أنبياء اليهود المعروفين و قد عاش في القرن الخامس قبل الميلاد و استطاع أن يحمل 4775 شخصا على الهجرة من بابل إلى بيت المقدس ليزيدوا من معنويات الشعب هناك. و تنسب إلى هذا النبي أربعة كتب و لكن الكنيسة الكاثوليكية تنسب إليه كتابين فقط.

39

في يوم ما فإن هذه الشركات- و لا شك- ستعلن إفلاسها و لا يسعها أن تعمل البتة!

على مقربة من الجهة اليمنى توجد أشجار على أرض معشوشبة زاهية و هذه الأشجار هي أشجار غابة يعدها أهالي هذه المنطقة مقدسة لم يمتد إليها معول و لا فأس و إذا سولت لأحدهم نفسه أن يقتطع منها ساقا أو جذعا فإنهم يعتقدون أنه يموت بسبب ذلك إن عاجلا أو آجلا بما لا يقبل الشك أبدا.

و على جوانب هذه الغابة خيم بعض الأعراب لحراستها و منع الاقتراب منها إن حدث ذلك. و لعل هذه الحراسة تقليدية أو أنها وضعت لحراسة مقبرة تنزل من نفوس السابلة منزلة التقديس لأحد أبناء الإمام الكاظم المدفونين هناك.

و من الجدير بالذكر أنه أجيز لهؤلاء الحراس برفع الأغصان اليابسة و المتساقطة على الأرض فقط و إشعالها في الشتاء. أما الأغصان الطرية فمحظور عليهم الاقتراب منها حتى أنهم يفضلون الموت بردا على أن يمدوا أيديهم إليها.

و إذا سألت عن علّة هذا التقديس فلا يستطيع أحد منهم أن يجيبك.

و أعتقد أن هذا التقديس من بقايا طقوس و شعائر كانت عند العيلاميين لأن الروايات القديمة تذكر أن أهالي شوش كانوا يخفون آلهتهم في هذه الغابة!

10- ديسمبر:

من المعروف أن المصابين بالأمراض النفسية يعالجون في العادة في ركوبهم بالسفن التي تمخر عباب البحار و الأنهر للاطلاع على مناظر الساحل الجميلة. و لكن الأمر يختلف هنا في نهر دجلة إذ لا يستطيع المرء أن يشاهد أي شي‏ء على ضفتيه ذلك لأنه يقع في واد عميق و لا يبدو شي‏ء من مناظرها الممتعة للناظر!

عبرنا هذا الصباح من نهر صغير كان يقع على جانبنا الأيسر و بعد عدّة دقائق بلغنا مدينة العمارة و وقفنا عندها. أبنية هذه المدينة جديدة و جميلة و تمر

40

بها قوافل عديدة تصل إليها من مدينة كرمانشاه و ششتر، تحمل الحنطة و سائر الحبوب الأخرى إلى بغداد.

في هذه المدينة- العمارة- أفرغت حمولة سفينتنا من الدجاج و التمر أو أبدلت بغيرها من الدجاج و التمر. و لقد تعجبت كثيرا لهذا الأمر و كل من سألته لم يستطع أن يوضح لي هذا اللغز المعمى من أن يستبدل دجاج بدجاج و تمر بتمر من نفس النوع و بقدر الكمية السابقة!!

11- ديسمبر:

ارتفعت شكوى صديقنا الصياد هذا اليوم بعد مرور ثلاثة أيام و لم يتح له الصيد على الضفتين، و أن هذه السفرة لم تفده شيئا ما، و أي غلط ارتكبه بقيامه بهذه السفرة وراح يلعن الأولين و الآخرين .. و هنا ركب الغضب الكابتن و قال محتدّا: إن كنت تريد الصيد فأنت جدير في هذه الحالة أن تهبط في مدينة قربة على ساحل نهر دجلة

41

كوت العمارة لأنه يسعك هناك التصيد بسهولة. و لا سيما أنه بعد ثلاثة أيام ستمر من هذه المدينة سفينة انكليزية اسمها «خليفة» فتستطيع عندئذ أن تقلك إلى بغداد ..

صاح صديقنا الأبله فرحا بهذه النصائح و شكر الكابتن و تركنا في مدينة كوت العمارة إلى غير لقاء! و لكننا لم نكد نبتعد قليلا عنه حتى غاصت سفينتنا ثلاث مرات في الأوحال و الطين. إلّا أننا لم نلق صعوبة كثيرة في إخراجها منها و متابعة سفرها لأنه بمجرّد أن كنا نهبط منها إلى الضفة كان وزنها يخف و تتابع سيرها كالسابق.

و لقد أفدنا- أنا وزوجي- من هذه الفترات القصيرة التي كانت تتوقف فيها سفينتنا في تلك الأحوال إذ كنا نذهب إلى مضارب العشائر التي كانت في الضفتين و نطلع على نمط حياة أفرادها.

لرجال هذه العشائر سمات خشنة و تبدو عليهم مخايل الوحشية (كذا)! أمّا ألبستهم فبسيطة ساذجة و هي ثوب فضفاض طويل من الصوف بلون البلوط أو بلون أزرق و يغطّون رؤوسهم بمناديل (الكوفية) يمسكها حبل (؟) من صوف الجمال (العقال) و في أيديهم عصي طويلة يتكئون عليها بغرور و خيلاء!

و لنساء هذه العشائر ذوات اللون الحنطي الرائق صفات الرجال و يشبهن إلى حد كبير هؤلاء الرجال في كثير من المظاهر. فلباسهن يشبه لباسهم و لا يختلفن عنهم إلا بعدة حلقات علقنها بأنوفهن من الفضة .. أو بالخلاخل التي يزين بها أرجلهن ..

شيخ من قبيلة شمر

42

و يخيل إلي أن هذه العشائر متشعبة عن قبيلة بني لام التي عرفت بتربية الجياد العربية الأصيلة و تصديرها إلى الخارج أو عشيرة ألبو محمد التي تقطن في جنوب العمارة، و التي عرفت بتربية الجواميس أو شمر التي تضرب مضاربها قرب بغداد و يعدون من أشد أعداء الدولة العثمانية الأشداء .. و هذه القبائل معروفة بالشجاعة و البأس و بأنها تعيش على الغارة و السرقة مما يجاورها و أنها لا تجد غضاضة أو مسبة في ذلك بل على العكس قد تحسبه من المفاخر التي تعتد بها ..

يدور لغط في غرفة القيادة الآن، ذلك لأن سائق السفينة لم يستطع في المرة الثانية التي ارتطمت فيها بالأوحال أن يخرجها دون أن يلحق بالسفينة عطبا حال الآن دون متابعة السير! و في هذه الفترة التي توقفنا بها شهدنا فصلا ممتعا وقع بين القبطانين القديم و الجديد: و أخذ الكابتن دمينيس الشجاع في توضيح الأخطاء التي وقع بها غريمه و الأخطار التي تهددنا الآن كالغرق، ما لم نتدبر الأمر، و قال إنه لو كان هو قائد السفينة لاستطاع- على عطبها- لا أن يسيرها بسلام في نهر متلاطم الأمواج بل ليقطع بحر باتاكني‏ (1) على خطورته و ثورته دون أن يضطرنا إلى الوقوف، ثم ظل يتكلم حتى كاد سائق السفينة يخرج من طوره و يقع بينهما ما لا يحمد عقباه .. و لكن اللّه سلم كما أننا لم يطل وقوفنا كثيرا و لم يقع لسفينتنا أو لنا أي مكروه فتابعنا السير عودا لا نلوي على شي‏ء!!

12- ديسمبر:

على رغم المشادة التي وقعت بين صديقنا الكابتن دمينيسي و قائد السفينة فقد أبدى الأخير لطفا و توددا إلينا و نزل على رغبتنا في التوقف عند طيسفون (المدائن سلمان پاك) لمشاهدة خرائبها. و لقد قطعت السفينة مدة أربع ساعات للوصول إلى شبه الجزيرة التي كانت عاصمة كسرى برويز في حين‏

____________

(1)Patagonie يقع في جنوب شيلي و الأرجنتين. «المترجم»

43

طاق كسرى في سلمان پاك من الخلف‏

كان يستطيع أن يقطع طريقه في عشرين دقيقة من خلال البرزخ الذي اعترضنا.

و الواقع أنه كانت فرصة سعيدة أن يتاح لنا مشاهدة طاق كسرى و التمتع برؤية هذا القصر الفارسي العظيم.

إن هذه البناية المتصدعة مبنية بالآجر و تقدر مساحة القسم الأول منها ب (91) م و ارتفاعه (35) م و يتوسطه فناء وسيع مسقف معقود عرضه 35 م و هو أعلى أقسام هذه البناية التاريخية، و على الجانب الأيمن و الأيسر من هذا الفناء الوسيع كانت توجد حجر لإقامة الحرس و موظفي البلاط الملكي، و من المعلوم أن حجر الحريم لم تكن إلا في القسم الخلفي، ذلك لأن أكاسرة الساسانيين كانوا يتحاشون أن تكون نساؤهم موضع أنظار الرجال الغرباء.

و هذه العادة ما زالت متبعة اليوم في إيران.

قصر طيسفون الملكي يختلف كثيرا عن قصر پرسبليس من حيث الشكل و لكنهما يتشابهان كثيرا من حيث التقسيم إلى قسمين الأول يختص بدوائر

44

طاق كسرى من الأمام‏

البلاط و محل جلوس الشاه للنظر في شؤون الرعية و الثاني لإقامة الشاه الخاصة و ما يتبع ذلك من حجر الحريم و الخدم و الحشم .. هذا ما اعتقدوه و لعلي على صواب!

جانبا القصر متهدمان تماما و لم يبق منهما شي‏ء و بصعوبة يستطيع المرء أن يتمثل الحيطان و الأبهاء الضخمة التي كانت تحيط بهذين الجانبين.

أما عمارة الحريم و الأبنية الفرعية الأخرى فيظهر أنها كانت مبنية بالآجر و الطين كما هو الحال في قصر پرسبليس الذي شاهدناه. و لكن لم يبق من هذه العمارة و توابعها شي‏ء و هي اليوم تبدو للناظر كأنها كثب من الرمل أو التراب! و لقد أجريت فيها حفريات قليلة غير منظمة دون أن تصل إلى نتيجة أو فائدة تذكر. على أنه عثر فيها على شي‏ء من المسكوكات البارثية و قطع من الخزف.

و الملحوظة المهمة هنا هي أن المسكوكات الساسانية المعثور عليها كانت أقل مما عثر عليه من المسكوكات البارثية، و هذا يؤيد رأي بعض المؤرخين‏

45

القدماء من أن تأسيس هذه المدينة كان بواسطة (واردان)(Vardane) الذي لم يعرف عنه أي شي‏ء و يظن أنه من سلسلة ملوك الاشكانيين.

و ليس للقسم الأول هذا من القصر منفذ إلى الخارج ما عدا بابين صغيرين في الطبقة التحتانية و بوابة كبيرة في مقدمة البناية تكون بمثابة المدخل الرئيسي. على أن لهذا القسم أربع طبقات تزين كلّا منها أعمدة صغيرة جميلة، و هذه تتصل بالطبقة العليا بعضها مع بعض بواسطة حنايا متقاربة ..

و يخيل للمرء أن هذه الأعمدة لم تنشأ إلا للزينة للوهلة الأولى، إلا أنها في الحقيقة أنشأت لأجل استحكام البناية و الثبات إزاء العوارض التي تصيبها كالزلازل و ما شابهها.

و تذكر روايات المؤرخين القدامى أن هذه الأعمدة كانت مغطاة بصفحات من الفضة، غير أنني لا أعتقد ذلك بل ربما كانت صفحات من معدن آخر مطلية بالفضة فقط لا غير .. مثل القبب المطلية في قم و الشاه عبد العظيم في إيران اليوم. و لكن من المسلّم على أي حال أن آجر هذه الأعمدة كانت مغطاة بمعدن من معادن الفضة أو ما سواها، ذلك لأنها غير متناسقة و غير مصقولة.

عند ما يدخل الإنسان في هذا البهو العظيم يؤخذ برهبة منه، و يستولي عليه العجب العجاب لضخامته و عظمته على رغم مرور تلك العصور المتلاحقة من تاريخ إنشائه. و بعض أجزاء الطاق العلوية قد أصابها التصدع فانهدم و يبدو اليوم على شكل خرابة تقذي البصر!

و يعتقد المسلمون أنه لم يصب الإيوان التصدع إلا في يوم مولد النبي محمد ((صلى اللّه عليه و سلّم)) و ذلك بالاهتزاز الذي تولاه فرحا بهذه المناسبة السعيدة .. على أنه ما زالت أقسام من سليمة لم تمتد إليها يد الهدم، و ما زالت تحتفظ برونقها القديم و شكلها الأول.

يشاهد في هذه الأقسام السليمة أنابيب كثيرة من الفخار، و يقول العرب إنها كانت تستعمل في إنارة مصابيح البهو الكبير التي كانت تحيله إلى صباح نير في ديجور الليل المظلم! و في نهاية هذا البهو كانت بوابة تصل القسم الثاني بالأول من القصر و ما زال محلها ظاهرا. و لقد كان الشاه يعبر خلالها

46

إلى محل العرش و يجلس على الأريكة للنظر في أمور الرعية و شؤون الامبراطورية!

و من الطرائف التي تذكر عن هذا القصر أنه كانت تعلق قبالة الطاق ستارة طويلة عريضة، و عند ما كانت الشمس تبزغ و تصل إلى سمت تعبر أضواؤها خلال الستارة يكون ذلك موعد قدوم الشهنشاه، فتتخذ الترتيبات اللازمة و يستعد الجميع لاستقباله، و يشير الشاعر الفارسي المعروف الفردوسي إلى هذا المعنى أيضا فيما يؤثر عنه في الأخبار و الأشعار.

و تذكر الروايات أن ستائر أخرى كانت تزين حيطان البهو العظيم و هي مزركشة بالذهب الخالص البرّاق و أن الأعمدة كانت مغطاة بصفحات من الفضة المطلية، و أرض الفناء قد فرشت بالسجاجيد النفيسة و أقمشة حرير علقت هنا و هناك للزينة أيضا .. و في صدر المكان كان موضع أريكة العرش المرتفعة المصنوعة من العاج الأبيض الرائق و عندما كان الشاهنشاه يتربع عليها بملابسه الملونة الجميلة يتحلّق حوله أفراد الحاشية الملكية و موظفو البلاط فيضاف إلى روعة المنظر و جلاله!

أمّا في الليل فكانت ثمة ألوف من المصابيح من الفضة و الذهب الجميلة معلّقة في سقف البهو و هي تضاهي النجوم بفتنتها و إضاءتها و تحيل المكان إلى نهار مشرق.

و لكن المؤسف أن تقلب الزمان و مرور تلك الأعوام الطويلة و غارات اللصوص، كل ذلك لم يبق شيئا من نفائس هذا المكان و روعته و عظمته اليوم، إلّا أن هيكل القصر العام ما زال قائما محافظا على شكله الأول على رغم حملات الروم و العرب و التتر الذين لم يستطيعوا أن يمسوه بسوء و محاولاتهم المكررة لهدمه و محوه من وجه الأرض، و كل ما استطاعوا أن هدموا بعض أقسامه و حملوا نفائسه و مجوهراته و قسما من آجره التي كانت تزينها المعادن المختلفة.

47

13- ديسمبر:

عند ما أرتقي السلّم المتهدم للمنائر سواء منها القصيرة أو الطويلة لا يلفت نظري شي‏ء. ذلك لأنه يضيق نفس المرء في تلك الأحوال و يصاب بالزكام. و بعد أن يصعد أربعمائة أو خمسمائة درجة (1) يصل إلى قمة السطح و هناك يتعرّض للهواء البارد، و في أقصى درجات الخوف و الهلع ينقل بصره في المشاهد التي تترامى أمامه و هي لا تعدو مناظر سطوح الدور التي تعلوها المداخن و قطع من أراض معشوشبة خضر و صحارى رمادية قاحلة يستخفى عندها كل شي‏ء .. و لكم تكون هذه المناظر باعثة على الضجر و القرف لمن أتيح له أن يتمتع بمناظر الجبال الشاهقة و البحار الزرق البعيدة ..

و على أي حال و بعد لأي و نصب شديد يهبط المرء، و الشي‏ء الوحيد الذي يسره في تلك الحالة هو أنه استطاع أن يضع رجله على الأرض مرّة ثانية، و يتخلّص من الكابوس الذي كان جاثما على صدره!!

تذكرت كل ذلك و أنا أرتقي خرائب قصر طيسفون على يدي و رجلي و ألقى في ذلك الأمرّين فترحمت على الأتعاب التي كنت ألقاها في صعود تلك المنائر ..

أنا الآن في محل يرتفع عشرين مترا عن سطح الأرض و علقت نفسي برواق مظلم ليس فيه سوى الخفافيش و الطيور أي لا يوجد غير سكنة هذا المكان المقفر من تلك الحيوانات ..

و أخيرا و بتعب شديد استطعت أن أواصل نفسي إلى السطح و أرى هذا القصر التاريخي العظيم من أعلى بعد أن رأيته من أسفل.

من هذا المكان المرتفع أستطيع أن أرى بادية ممتدة يشقها نهر دجلة من الوسط. و بواسطة المنظار الصغير الذي أحمله معي في الرحلات لا أستطيع أن أرى مكان مدينة طيسفون القديمة التي يضرب فيها أفراد من القبائل العربية

____________

(1) أرادت بالدرجة الآجرة أو الآجرتين. «المترجم»

48

خيامهم المسمرة الآن فحسب بل أرى مقبرة سلمان الفارسي .. كما أستطيع أن أرى على الضفة الأخرى من النهر كثبانا و تلالا هي من بقايا آثار مدينة «سلوقية» المشهورة، و يخيل إليّ الآن في هذه الحالة أن هاتين المدينتين و أقصد طيسفون و سلوقية كانتا كأختين عاشتا معا بغيرة و حسد و قضيا نحبهما معا أيضا ..

إذا كانت مدينة طيسفون قد أنشئت بأيدي البارثيين أو أنشأها المتأخرون من ملوك الهخامنشيين و لها الحق أن تفتخر بقدمها التاريخي، فمدينة سلوقية التي وجدت في زمن أولياء الاسكندر استطاعت بمدّة قصيرة أن تنافس غريمتها طيسفون و أن تحتل مكانها بين المدن الفارسية و أن تتقدّم و تترقى يوما بعد آخر على حين ظلّت طيسفون يخيّم عليها الأسى و الحزن و تعسكر فيها جيوش «سيت» الغازية.

و أخيرا استطاعت هذه المدينة اليونانية النشأة أن تبز المدن الأخرى المجاورة من حيث الرقي و التقدّم فتمركزت فيها الثروة و أصبحت مركزا من المراكز التجارية المهمة، كما أن نفوسها أخذت في التزايد حتى أصبحت عدّتها ستمائة ألف نسمة. و في زمن پلين(Pline) (1) كانت المدينة تتمتع بحرية واسعة و كانت العادات و التقاليد الغربية هي السائدة فيها و لم يكن شي‏ء من الروح الشرقية المتوحشة يتحكم في أمور الناس. فلقد كان لها مجلس شيوخ يتكوّن من ثلاثين عضوا ينتخبون من حكماء القوم و سراتهم .. و باختصار أقول إن الشعب كان يشارك في إدارة أموره و كيفية حكمه كما كان فيها جيش يفوق أهالي سلوقية من حيث الحكم و الإدارة و انشقوا على أنفسهم طوائف و فرقا، كل منها تناهض الأخرى حتى انتهى بهم الأمر إلى أن يلوذ زعماء الطوائف‏

____________

(1) و هذا أحد علماء الطبيعة القدامى و قد كتب في التاريخ الطبيعي (37) مجلدا و ظلّت معلوماته التي ضمنها في تلك المجلدات مما يعتمد عليه عدّة قرون و عند ثورة بركان جبل فيزوف في ايطاليا سنة 79 تلك الثورة التي محت مدن هركولاندم و بمبئ أراد هذا العالم الجليل أن يجري بعض تجاربه العلمية لمعرفة سبب ثورة البراكين و ما يمكن من معالجة، فذهب مع السفن التي كانت تحت إمرته إلى مدينة قريبة من البركان تسمى «استاب» و لكن بعد ساعات من وصوله خنقته أبخرة البركان المتصاعدة و قضت عليه!

49

الضعيفة منهم الى أعدائهم البارثيين الأشداء ليحكموا فيما بينهم من الخلافات و النزاع، أو لكي يعينوهم على خصومهم السياسيين في الداخل. و كان هذا سببا في تدهور مدينة سلوقية العظيمة رويدا رويدا و انحطاطها و سقوطها، على أنه في زمن مارك انطونيو (1) أحرق لوسيوس وروس‏ (2) المدينة- على خلاف المعاهدة المعقودة- و ذلك بعد أن أباح جنده النهب و السلب و القتل .. و أدهى من ذلك أن أهالي المدينة ما كادوا يتجرعون صاب تلك المآسي و المحن حتى دهمهم وباء الطاعون فحصدهم حصدا، و انقلبت سلوقية من تلك الحالة الزاهرة إلى حال لا تحسد عليها البتة من الفقر و العوز و الخراب و لم تستطع أن تقف على رجليها منذ ذلك اليوم.

و لقد تصرّف سورا (3) بها مدة و في النهاية ضمّها الاسسانيون إلى امبراطوريتهم فعادت مرّة أخرى إحدى الضواحي التابعة لطيسفون ..

و اليوم لم يبق من آثار مدينة سلوقية هذه شي‏ء سوى كثيب من الرمل، و إن الأراضي الزراعية العامرة التي كانت تحت إمرتها حوّلت إلى مناطق بور أو مستنقعات!!

و على أي حال .. بدأت الشمس تجنح إلى المغيب لذلك اضطررنا إلى أن نصرف النظر عن مشاهدة جزئيات آثار طيسفون و توابعها و أن نعجل في العودة إلى الضفة لنأخذ مكاننا في السفينة كما اتفقنا مع قائدها.

و لقد كانت عودتنا من طريق ضيق شقه اللصوص و السراق إلى هذه الخرائب التاريخية و كان مملوءا بالأشواك و أعشاب الأهوار و المستنقعات و لقينا الأمرّين في العبور خلالها إلى ضفة النهر.

و بمجرّد أن اختفت الشمس وراء الأفق و حرمتنا أشعتها الضعيفة الواهنة

____________

(1) أحد أصدقاء قيصر الروم المحاربين استطاع أن يفتح فتوحات واسعة و لكنه أخيرا حوصر في الاسكندرية و اضطر إلى الانتحار (83 قبل الميلاد).

(2) أحد قياصرة الروم (130- 169).

(3) امبراطور الروم سنة (208- 235).

50

و قلبت المكان إلى ظلام، هبطت درجة الحرارة فجأة، و بصورة سريعة حتى أخذنا نشعر بالبرد القارس بعد أن كنا نشكو من القيظ!

جلست على الشاطئ أتقبض من البرد و أحاول أن أرى أضواء السفينة و لكن كان ذلك دون جدوى! لقد كانت عيني تعشى و لا تستطيع أن تخترق ظلمة الليل الذي هبط علينا بغتة، كما كانت أذني قد أصابها الصمم من جرّاء التعب الذي لقيناه خلال جولتنا اليوم. لذا كنت أتمنى أن أصل إلى السفينة بأسرع ما يمكن لآخذ نصيبا من الراحة و لكن التعب كان يشدّني إلى الأرض و لا أرى أثرا لسفينتنا .. و هنا رأيت الكابتن دمينيسي يدور حولنا بضيق ينظر تارة حوالينا بخوف و حذر و تارة يشعل نارا يقربها منا ليخفف من وطأة برودة الجو و لينير أمامنا الطريق لمشاهدة السفينة التي لا ندري ما الذي حصل لها.

و أخيرا رأيته يقول و هو يتلفت يمنة و يسرة بما يشبه الهمس:

«أترون هذه النيران المشتعلة في أطرافنا؟ هذه نيران أبناء قبائل هذه المناطق المتوحشة و إذا علموا بمكاننا و بقلّة عددنا فإنه من المؤكد لن يتأخروا عن الإغارة علينا و سلبنا من غير أدنى تردد!!» ثمّ أضاف قائلا: «إنه لم يكد يمضي شهر- بعد- على سلبهم القنصل البريطاني هنا في هذا المكان بعينه- سلبوه بحيث لم يبقوا له إلّا ما كان معه من أوراق و صحف الجرائد. و لقد استطاع- من حسن الحظ- أن يصنع لنفسه ثوبا رقيقا من صفحات جريدة التايمس- بعد أن تركه السراق و اللصوص المتوحشون- و أن يدخل بغداد بهذا الشكل المضحك المزري!! إلّا أنني لا أعتقد أنهم إذا حملوا علينا و نهبونا أن يكتفوا بذلك و يتركونا لسبيلنا .. لذلك أرى من الحيطة أن نطفئ نيراننا و أن نخفي رمادها في هذه الأوحال كيلا نبقي أثرا يدل علينا .. ينبغي أن نفر سريعا سريعا و أن نصل بأسرع ما يمكن إلى السفينة!! ما دام الأفق بعد لم يظلم ظلاما دامسا فإن على يميننا أرضا صعبة العبور لكثرة ما فيها من أشواك و نباتات برية و على يسارنا شاطئ النهر مهدّما أو ان الماء قد غطاه و لا يمكن في هذه الحالة الوصول إلى الضفة و من ثم إلى السفينة إذا ما هبط الظلام تماما اللهم إلّا عند ما يرتفع القمر إلى كبد السماء فتنير أشعته لنا شعاب الطريق الوعر .. و حتى‏

51

في هذه الحالة يواجهنا خطر آخر و تقابلنا صعاب غير التي ذكرت، و أعني أنه ينبغي أن نرمي بأنفسنا في النهر و نذهب إلى السفينة سباحة إذ لم نستطع أن نجد ما يحملنا إليها»!

بعثت كلمات الكابتن في أنفسنا الخوف و الرعب فنظرنا إليه مدهوشين مأخوذين و لا سيما أننا لم نملك من السلاح ما ندافع به عن أنفسنا زيادة على التعب و الجوع و البرد، كل ذلك قد أخذ منا مأخذا كبيرا، لذا كانت كل ثانية تمرّ علينا و كأنها يوم كامل ثقيل ..

أخذنا نتشاور في أسهل و أسرع طريقة نصل بها إلى السفينة، لنتخلص مما استولى علينا من الخوف الذي أخذ يتزايد ثانية بعد ثانية .. و في هذه الأثناء ارتفع صوت أمواج ماء النهر يقطع صمت الليل البهيم و بدّد بغير تردّد ركض الكابتن دمينيسي إلى جهة الضفة و رأى قاربا شراعيا قادما من كوت العمارة و هو يعبر خلال هذا الساحل. و هنا تكلّم الكابتن مع ركابه و رجاهم أن يحملونا إلى السفينة و كان ذلك!

و بعد مسيرة ساعة كاملة أخذت مصابيح السفينة تتراءى لنا خافتة و استطاع القارب أن يوصلنا إليها فامتطيناها و نحن بين مصدقين و مكذبين! و ما كادت السفينة تسير قليلا حتى غاصت في الأوحال و توقفت عن الحركة، و لم يستطع عمالها من تخليصها و تسييرها مرّة أخرى إلّا بعد جهد جهيد بذلوه في عدّة ساعات مضنية! لذلك لم أستطع أن أذهب إلى صالون السفينة إلّا في منتصف الليل. و هذا الصالون هو غرفة النوم و غرفة العمل و الأكل و الاستراحة لجميع المسافرين!! و عليك بعد الآن أن تقدّر الراحة التي يصيبها راكب مثل هذه السفينة اللعين!!

على أي حال فرشنا سفرة الطعام و ازدردنا عدّة لقيمات على مضض ثم تمددنا بقصد الاستراحة نتجاذب أطراف الحديث و لكن لا ذكر عن أفراد القبائل المتوحشين و الأثواب التي تصنع من جرائد التايمس. و لقد شكرت اللّه عدّة مرات لنجاتنا مما كان يتهددنا من تلك الأخطار و المصائب!

و بعد أن أخذنا نصيبنا من الراحة و التقط الكابتن ديمينيسي أنفاسه رأيناه‏

52

يتحامل على نفسه و ينادي قائد السفينة و يقول له بشي‏ء من الحدّة: «انني كنت يائسا من العشاء هذه الليلة في السفينة .. ماذا اتفق لكم حتى حال دون مجيئكم إلى الساحل؟

لا شي‏ء.

كيف لا شي‏ء .. ألم نتفق على أن تعودوا إلينا بعد ثلاث ساعات من نزولنا على الشاطئ؟ فما علّة تأخّركم عن ذلك؟

أجاب القائد بعدم مبالاة، و هو يدير رأسه بقوله: «إنني تأخرت؟! أبدا أبدا .. إنني لم أتأخر. عليك أن تثبت تقصيري.

53

بغداد أجمل من اسلامبول و دجلة أروع من البسفور

14- ديسمبر 1881:

عمّال السفينة يروحون و يغدون بعجلة و اضطراب في الصالون، هذا يمسك بأذيال ذلك و هذا يصرخ بأعلى صوته ينادي آخر ..

و هنا يجب عليّ أن أقول إن سفينة «الموصل» لها ميزة أخرى غير التي ذكرتها من قبل و هي أن صالونها لم يكن في الواقع إلّا الممرات الجانبية الضيقة و إن هذا الصالون هو محل راحة المسافرين الوحيد فعليك تقدير ما كنا نحن المساكين فيه ..

و مما يكن من أمر فإننا بلغنا بغداد و السفينة ألقت مرساتها في المحل المعيّن و كان ذلك مع بزوغ الشمس و ارتداد جحافل الليل البهيم، و لقد قمت من النوم استعدادا للهبوط و ما كدت أتجاوز الصالون إلى الخارج حتى وجدت على مقدمة السفينة و على أقفاص الدجاج ندى متكاثفا يخيّل إلى الرائي أنه بقايا برد متساقط .. و لقد قيل لنا إن هذه هي المرّة الأولى التي يتجمد فيها الماء و يكون ذلك بمثابة إعلان لقدوم فصل الشتاء. بيد أنني كنت فرحة جذلة لا لشي‏ء إلّا أنني نجوت من قضاء مثل هذه الليلة في طيسفون.

الواقع أن مناخ البلدان الشرقية يبعث على العجب و الدهش، حتى الشتاء لا يستطيع أن يلبس الأرض لباس الأسى، و كل ما يحدث هو أن يتغير منظرها بعض الشي‏ء فقط. و مع أن الهواء بارد فما زالت الأشجار مخضرة- كما تبدو و كأن الفصل فصل ربيع لا شتاء!! ها هي أشعة الشمس تملأ السماء رويدا رويدا و تبدو على الساحل الأبنية و القبب المصنوعة من الكاشي بصورة

54

ولاية بغداد أيام زمان‏

واضحة. و الطيور زرافات زرافات تحط على القبب كيما تجفف بأشعة الشمس الأولى أجنحتها المبللة!! و النخيل تتساوق مع المنائر السامقة و مدارس و أبنية الكمرك على مقربة منا و أمامها جمع غفير من اليهود و الأرمن و العرب بألبستهم الملوّنة، و عن كثب تبدو بساتين مزدهرة بينها بناية القنصلية الانكليزية تظهر بشكل أخاذ .. كل هذه المناظر الخلابة كانت غارقة بين طبقات من الضباب و الأبخرة المتصاعدة من دجلة، يخيّل للرائي أن الساحل الأيمن من نهر دجلة أجمل و أن سكنته الذين يعيشون تحت ظلال النخل الوارفة و الأشجار المخضرة الأخرى هم أسعد و أكثر راحة ممن سواهم و أن حياتهم التي يقضونها في منازلهم تلك هادئة رضية و أنهم بعد ذلك لا اتصال لهم بالدوائر و المحال التجارية و الخانات من قريب و لا بعيد!! و لكن الواقع خلاف ذلك ..

ما إن ملأ الضياء السماء حتى بدا- واضحا جليّا عن كثب- جسر عائم لم يكن عرضه بمستوى واحد في جميع جهاته كما لم يكن على استقامة

55

واحدة .. و يظهر عليه كتل من الناس بألبستهم المختلفة و هم في حالة رواح و مجي‏ء دون أن يلووا على شي‏ء، و كأنهم يذهبون إلى دوائرهم الرسمية أو إلى متاجرهم. كما هناك ثمة عدد كبير من النساء- يظهرن- أيضا بعباءاتهن الحمر أو الزرق أو الخضر. يذهبن و يجئن مع الرجال و هم يرتدون الألبسة البيضاء أو الصفراء كتفا إلى كتف!! و زيادة على كل هؤلاء الناس فثمة حيوانات كقوافل من الجمال و الحمير و الجياد تعبر على هذا الجسر الذي لا سياج و لا دعائم تمسكه!! و خلاصة القول أن ألبسة هؤلاء الرجال و النسوة الزاهية الملونة بألوان مختلفة كانت تشكل منظرا خلابا و كأني بها قد قبست- ألوانها تلك- من قوس قزح!!

ليس من الممكن أن نقيس بغداد بإسلامبول و دجلة بالبسفور فلا وجه للمقارنة بين ذلك قط!! إنني لم أر على جسور إسلامبول أو (سر عسكرية) أو (الطوبخانة) مثل هذا المنظر الجميل الذي رأيته اليوم على جسر بغداد! .. لم أر مثل ذلك الجمع الغفير بالملابس الزاهية المختلفة و هم في دأب و نشاط!!

و الواقع لم يكن ذلك الازدحام مقصورا على خيط الجسر الذي يبدو من بعيد بل كان أينما وجهت بصري أراه .. هنا في المحل الذي رست فيه سفينتنا و هناك على الضفاف النائية .. و يبدو على هذه الضفاف قوارب كثيرة ربط كل منها بحبل بالأرض الصلبة .. كما أرى في وسط النهر زوارق أخرى بأشكال و أحجام مختلفة و هي في حركة دائبة!! وثمة سفن شراعية تحمل الحبوب و البضائع الأخرى و تصنع مثل هذه السفن- في العادة- من جذوع النخل‏ (1) و تطلى بطبقة كثيفة من القار من الداخل و الخارج ..

إن مثل هذه الوسائط للنقل لا يكلف صنعها مبلغا كبيرا من المال كما أن إصلاحها إذا ما أصابها عطب سهل ميسور و هو أن يتم طليها مرّة أخرى بالقار.

و أرى من مكاني هنا عدّة أشخاص منهمكين في صنع واسطة كهذه الوسائط

____________

(1) غير معروف و لا مشهور أن تصنع السفن الشراعية من الجذوع بل المعروف أنها مصنوعة من ألواح الخشب. «المترجم»

56

النقلية!! كما أرى قسما منها على وشك الانتهاء، تعالت رؤوسها إلى أعلى وفوق سطحها يذيب العمال القار بواسطة النار و يطلون به جذوع النخل التي صنعت منها السفينة كما نفعل نحن تماما في تبليط شوارع باريس! .. و تستخدم هذه السفن عادة في السفرات الطويلة بين بغداد و البصرة و موضعها تحت الجسر القائم قرب ضفة النهر. أمّا على الجانب الآخر من الجسر فتوجد وسائل للنقل أخرى تسمى «الكلك» و هذه تستخدم في العادة في أعلى النهر لأنها لا تسير إلّا مع مجرى الماء و بمعاونته.

و يصنع «الكلك» هذا من جمع عدد من القرب بعد نفخ الهواء فيها و ربط كل منها بالآخر بحبال. و توضع فوقها ألواح من الخشب و تغطى هذه بطبقة من الأشواك لكي تحفظ البضائع التي توضع فوقها من البلل!

و يقف على جوانب «الكلك» هذا عماله و بأيديهم قطع طويلة من الأخشاب يجذفون بها الماء ليسير بيسر و سهولة مع مجرى النهر نحو بغداد. و من الممكن أن يحدث ما يمزق بعض هذه القرب في الطريق و لكن مهارة القائمين عليه و شدّة مراسهم يحول دون توقف «الكلك» عن السير أو الغرق!

و ما إن يصل هؤلاء (بكلكهم) إلى بغداد، حتى يبيعوا تلك الأخشاب و الأشواك و لا يبقون شيئا سوى القرب فإنهم يفرغونها من الهواء و يحملونها معهم على دواب يستأجرونها إلى بلدهم ليعيدوا الكرة منها إلى بغداد!

أسعار الكلك تتناسب عادة مع عدد القرب التي تستخدم فيه، يتفق بعض الأحيان أن تستخدم أكثر من ثمانين قربة و في هذه الحالة يحمل الكلك المسافرين فضلا عن البضائع و لكن بعد أن يرفع عليه قطعة ثخينة من المشمع ليقيهم من عوارض الجو و من القيظ و القر!!

أما في الحالات التي لا يحمل فيها الكلك شيئا سوى البضائع التجارية كالخراف و الدجاج و الطيور و الفواكه و قوالب الجبن الكبيرة و البرغل التي يطبخ منها أكلة لذيذة، فلا يستخدم فيه إلّا خمسون قربة كما أنه لا يحتاج إلى قطعة المشمّع!!