عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات‏

- زكريا بن محمد القزويني المزيد...
405 /
3

1 [مقدمة المؤلف‏]

بسم الله الرحمن الرحيم

و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم. العظمة لك، و الكبرياء لجلالك، اللهم يا قائم الذات و يا مفيض الخيرات، واجب الوجود، و واهب العقول، و فاطر الأرض و السموات، مبدئ الحركة و الزمان، و مبدع الخير و المكان، فاعل الأرواح و الأشباح و جاعل النور و الظلمات، محرك الأفلاك و مزينها بالثوابت و السيارات، و مقر الأرض و ممهدها لأنواع الحيوان و أصناف المعادن و النبات، دام حمدك و جل ثناؤك و تعالى ذكرك و تقدست أسماؤك، لا إله إلا أنت وسعت رحمتك و كثرت آلاؤك و نعماؤك، أفض علينا أنوار معرفتك، و طهر قلوبنا عن كدورات معصيتك، و أمطر علينا سحائب فضلك و مرحمتك، و اضرب علينا سرادقات عفوك و مغفرتك، و أدخلنا في حفظ عنايتك و مكرمتك، و صل على ذوي الأنفس الطاهرات، و المعجزات الباهرات، خصوصا على سيد المرسلين، و إمام المتقين، و قائد الغر المحجلين «محمد» بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم، الذي اخترته للنبوة و آدم بين الماء و الطين، و أرسلته رحمة للعاملين، أيدته بنصرك و بالمؤمنين، و ختمت به الأنبياء و المرسلين، و على إخوانه من النبيين و الصالحين و آله و صحبه أجمعين.

يقول العبد الأصغر زكريا بن محمد بن محمود القزويني تولاه اللّه بفضله، و هو من أولاد بعض الفقهاء الذين كانوا موطنين بمدينة قزوين و ينتهي نسبه إلى أنس بن مالك خادم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لما حكم اللّه تعالى ببعد الدار و الوطن و مفارقة الأهل و السكن، أقبلت على مطالعة الكتب على رأي من قال: «و خير جليس في الزمان كتابي» و كنت مستغرقا بالنظر في عجائب صنع اللّه تعالى في مصنوعاته، و غرائب إبداعه في مبتدعاته، كما أرشد اللّه سبحانه إليه حيث قال تعالى: «أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنَّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ‏ [ق: 6] ليس المراد من النظر تقليب الحدقة نحوها فإن البهائم تشارك الإنسان فيه. و من لم ير من السماء إلا زرقتها، و من الأرض إلا غبرتها فهو مشارك للبهائم في ذلك، و أدنى حالا منها و أرشد غفلة كما قال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها إلى أن قال‏ أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ‏ [الأعراف: 179] و المراد من هذا النظر التفكير في المعقولات، و النظر في المحسوسات و البحث عن حكمتها و تصاريفها ليظهر له حقائقها، فإنها سبب اللذات الدنيوية و السعادات الأخروية؛ لهذا قال (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهم أرني الأشياء كما هي»، و كلما أمعن النظر فيها

4

ازداد من اللّه تعالى هداية و يقينا و نورا و تحقيقا، و لهذا قال (صلى اللّه عليه و سلم): «تفكروا في خلق اللّه» (1)، و الفكر في المعقولات لا يتأتى إلا لمن له خبرة بالعلوم و الرياضيات بعد تحسين الأخلاق و تهذيب النفس‏

و في كل شي‏ء له آية* * * تدل على أنه واحد

(2)، فعند ذلك ينفتح له عين البصيرة و يرى في كل شي‏ء من العجب ما يعجز عن إدراك بعضها، فلو ذكر طرفا منها لغيره لأنكره، و للّه در (3) القائل:

إني سمعت عجيبا كنت أحسبه‏* * * طيفا من النوم أو هجرا من السمر

لما ألفت به ألفيت صحته‏* * * و قد رأيت ألوفا مثل ذا العبر

____________

(1) حديث صحيح رواه أحمد بن حنبل في مسنده 2/ 353 و القرطبي في تفسيره 4/ 200 بلفظ (مر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) على قوم يتفكرون في اللّه فقال: «تفكروا في الخلق و لا تتفكروا في لخالق فإنكم لا تقدرون قدره». انظر تفسير القرطبي 4/ 200.

(2) قال تعالى في أصحاب العقول السليمة التي تتفكر في خلق السموات و الأرض: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران:

190- 191]، فإن عبادة التفكر في قدرة اللّه تعالى و مخلوقاته و العبر الموجودة فيها لتزيد في بصائر هؤلاء و قد قيل:

و في كل شي‏ء له آية* * * تدل على أنه واحد

حكى أن سفيان الثوري رضي اللّه عنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشى عليه و كان يبول الدم من طول حزنه و فكرته و روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم و إلى السماء فقال أشهد أن لك ربّا و خالقا اللهم اغفر لي فنظر اللّه إليه فغفر له»، و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لا عبادة كتفكر».

و روى ابن القاسم عن مالك قال: قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر، قيل له: أفترى التفكر عملا من الأعمال؟ قال: نعم، هو اليقين. و قيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر و العصر قال: ليست هذه عبادة إنما العبادة الورع عما حرم اللّه و التفكر في أمر اللّه. و قال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. قاله ابن عباس و أبو الدرداء.

و قال الحسن: الفكر مرآة المؤمن ينظر فيها على حسناته و سيئاته و مما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر و النشر و الجنة و نعيمها و النار و عذابها ... انظر تفسير القرطبي 4/ 201.

(3) قوله للّه دره: عبارة تقال عند المدح و التعجب، و الدر اللبن الكثير و الدر أيضا اللؤلؤ و الجواهر تجمع على درر، انظر لسان العرب مادة (درر).

5

و من هذا القبيل ما أخبر اللّه تعالى في كتابه عما جرى بين الخضر و موسى عليهما الصلاة و السلام و ما ذكر أيضا أن موسى اجتاز بعين ماء في سفح جبل فتوضأ ثم ارتقى الجبل ليصلي إذ أقبل فارس و شرب من ماء العين و ترك عندها كيسا فيه دراهم فجاء بعده راعي غنم فرأى الكيس فأخذه و مضى ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس و المسكنة، على ظهره حزمة حطب فحط حزمته هناك و استلقى ليستريح فما كان إلا قليل حتى عاد الفارس يطلب كيسه فلما لم يجده أقبل على الشيخ يطالبه به، فلم يزل يضربه حتى قتله فقال موسى: يا رب كيف العدل في هذه الأمور؟

فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: إن الشيخ كان قد قتل أبا الفارس و كان على أبي الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس؛ فجرى بينهما القصاص و قضى الدين و أنا حكيم عادل.

و لقد حصل لي بطريق السمع و البصر و الفكر و النظر حكم عجيبة و خواص غريبة فأحببت أن أقيدها لتثبت، و كرهت الذهول عنها مخافة أن تفلت، و قد كثرت على عواطف المولى الصاحب الصدر الكبير العادل المؤيد المظفر، شمس الدولة ظهير الملة علاء الدين عماد الإسلام نظام الملك غياث الأمة عطاء الملك بن محمد بن محمد، ضاعف اللّه جلاله و أدام في العز العلاء إقباله، فإنه مع شريف منزلته على مرتبته مشهور بالكرم و الإحسان، مذكور لوفور الفضل عن أهل الزمان، و قد خصه اللّه تعالى بمكارم الأخلاق و فضائل الحسب و المجد الموروث و المجد المكتسب، فخدمت بهذا الكتاب مجلسه الرفيع أدام اللّه رفعه و كبت أعداءه‏ (1) و حسدته فإنه منبع الخيرات و معدن المسرات، شكرا لأياديه السابقة

له أياد علي سابغة* * * أعد منها و لا أعددها

(2)؛ و قضاء لحقوقه اللاحقة و رجاء أن يتخلد اسمى بتخليد ذكره الشريف، و يتأيد و سمى بتأيد عزه المنيف، و اللّه ولي التوفيق و على ما يشاء قدير و بالإجابة جدير.

2 فصل‏

و على الناظر في كتابي هذا أن يعني في جمع ما كان مبددا، و تلفيق ما كان مشتتا و قد ذكر فيه‏

____________

(1) كبت أعداءه: أي انهزمت و تعثرت و في المثل (لكل جواد كبوة و لكل سيف نبوة).

(2) أياديه السابقة: أي أفضاله و كرمه و سخاءه الكثير علي، و كلمة أياديه مجاز مرسل علاقته السببية حيث أن اليد سبب للعطاء و الكرم و السخاء قال الشاعر:

له أياد علي سابغة* * * أعد منها و لا أعددها

فترى أن (أياد) جاءت بمعنى النعم و عبر الشاعر عن النعمة باليد لأنها هي التي تمتد بالعطايا و النعم و هي في الذهن أوضح و إليه أقرب و اليد الحقيقية هي التي تمنح النعم فهي سبب فيها فالعلاقة إذا سببية.

6

أسبابا تأباها طباع الغبي الغافل، و لا ينكره نفس الذكي العاقل، فإنها و إن كانت بعيدة من العادات المعهودة و المشاهدات المألوفة لكن لا يستعظم شي‏ء مع قدرة الخالق و جبلة المخلوق‏ (1).

و جميع ما فيه: إما عجائب صنع البارئ تعالى، و ذلك إما محسوس أو معقول لا ميل فيهما و لا خلل، و إما حكاية طريفة منسوبة إلى رواتها لا ناقة لي فيها و لا جمل، و إما خواص غريبة و ذلك مما لا يفي العمر بتجربتها و لا معنى لتركها كلها لأجل الميل في بعضها، فإن أحببت أن تكون منها على ثقة فشمر لتجربتها، و إياك أن تغتر أو تلم أو تمل إذا لم تصب في مرة أو مرتين فإن ذلك قد يكون لفقد شرط أو حدوث مانع، و حسبك ما ترى من حال المغناطيس و جذبه الحديد فإنه إذا أصابه رائحة الثوم بطلت تلك الخاصية فإذا غسلته بالخل عاد إليه، فإذا رأيت مغناطيسا لا يجذب الحديد فلا تنكر خاصيته فاصرف عنايتك إلى البحث عن أحواله حتى يتضح لك أمره، على أني أشهد اللّه تعالى أن شيئا منها ما افتريته، بل كتبت الكل كما علمته فإن نظرت إليها بعين الرضا؛ فإنها عن كل عيب كليلة، و إن نظرت بعين السخط؛ فإن المساوئ كثيرة و عين الكريم عن المعائب عميا

عين المحب عن كل عيب كليلة* * * و عين الحسود تبدي المساويا

(2) و أذنه عن المساوئ صما، و للّه در القائل:

فقلت لهم لا تنسوا الفضل بينكم‏* * * فليس يرى عين الكريم سوى الحسن‏

و سميته: عجائب المخلوقات و غرائب الموجودات.

و لا بد من ذكر مقدمات أربع في شرح هذه الألفاظ ليتبين منها مقصود الكتاب، و اللّه الموفق للصواب.

____________

(1) جبلة المخلوق: أي طبيعته و خلقته. انظر مختار الصحاح مادة (جبل).

(2) و قد قيل:

عين المحب عن كل عيب كليلة* * * و عين الحسود تبدي المساويا

7

3 المقدمة الأولى: في شرح العجب‏

قالوا: العجب حيرة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفة سبب الشي‏ء أو عن معرفة كيفية تأثيره فيه‏ (1)، مثاله: أن الإنسان إذا رأى خلية النحل و لم يكن شاهده قبل لكثرته حيره لعدم معرفة فاعله فلو علم أنه من عمل النحل فتحير أيضا من حيث إن ذلك الحيوان الضعيف كيف أحدث هذه المسدسات المتساوية الأضلاع التي عجز عن مثلها المهندس الحاذق مع الفرجار و المسطرة و من أين لها هذا الشمع الذي اتخذت منه بيوتها المتساوية التي لا تخالف بعضها بعضا كأنها أفرغت في قالب واحد، و من أين لها هذا العسل الذي أودعته فهيا ذخيرة للشتاء؟ و كيف عرفت أن الشتاء يأتيها و أنها تفقد فيه الغذاء؟ و كيف اهتدت إلى تغطية خزانة العسل بغشاء رقيق ليكون الشمع محيطا بالعسل من جميع جوانبه، فلا ينشفه الهواء و لا يصيبه الفأر و يبقى كالبرنية (2) المنضمة الرأس، فهذا معنى العجب‏ (3)، و كل ما في العالم بهذه المثابة، إلا أن الإنسان يدركه في زمن صباه عند فقد التجربة ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلا قليلا، و هو مستغرق الهم في قضاء حوائجه و تحصيل شهواته و قد أنس بمدركاته و محسوساته فسقط عن نظره بطول الأنس بها، فإذا رأى بغتة حيوانا غريبا أو فعلا خارقا للعادات انطلق لسانه بالتسبيح فقال: سبحان اللّه و هو يرى طول عمره أشياء تتحير فيها عقول العقلاء و تدهش فيها نفوس الأذكياء.

فمن أراد صحة أو صدق هذا القول فلينظر بعين البصيرة إلى هذه الأجسام الرفيعة و سعتها و صلابتها و حفظها من التغير و الفساد إلى أن يبلغ الكتاب أجله، فإن الأرض و الهواء و البحار

____________

(1) و العجب من مخلوقات اللّه تبارك و تعالى يؤدي إلى التأمل و التفكر في الصنعة و الصانع قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: و حق على من أنعم اللّه عليه بمعرفته و وفقه لتأمل هذه المخلوقات و الوقوف على ما في خلقها من لطف التدبير و صواب التقدير بالدلائل القائمة فيها أن لا يقصر في إظهار ما بلغه من علمه من ذلك بل يجتهد في نشره و إذاعته و إيراده على المسامع و الأذهان لتقوى دواعي الإيمان و تخيب مكيدة الشيطان في تضليل الوهم محتسبا للثواب في ذلك، واثقا بعون اللّه تعالى و تأييده إياه. انتهى انظر الدلائل و الاعتبار ص 5.

(2) البرنية: إناء واسع الفم من خزف أو زجاج. ثخين تجمع على‏ (براني). انظر المعجم الوجيز مادة (برن).

(3) و رؤية هذه الأشياء و التفكر فيها تدفع الإنسان إلى اليقين بقدرة اللّه تعالى فهو الذي أوحى إلى النحل بفعل كل هذه الأشكال و الصناعات قال تعالى: وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ [النحل: 67، 68].

8

بالإضافة إليها كحلقة ملقاة في فلاة (1)، قال اللّه تعالى: وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ‏ [الذاريات: 47]، ثم إلى دورانها مختلفا؛ فإن بعضها يدور بالنسبة إلينا رحوية و بعضها حمائلية و بعضها دولابية و بعضها يدور سريعا و بعضها يدور بطيئا، ثم إلى دوام حركتها من غير فتور و إلى إمساكها من غير عمد تعمد بها (2) أو تدلى بها أو علاقة تدلى بها.

ثم لتنظر على كواكبها و كثرتها و اختلاف ألوانها فإن بعضها يميل إلى الحمرة، و بعضها إلى البياض، و بعضها إلى لون الرصاص، ثم إلى مسير الشمس و فلكها مدة سنة، و طلوعها و غروبها كل يوم لاختلاف الليل و النهار، و معرفة الأوقات و تمييز وقت المعاش عن وقت الاستراحة (3)، ثم إلى إمالتها عن وسط السماء حتى وقع الصيف و الشتاء و الربيع و الخريف.

____________

(1) الفلاة: أي الأرض الواسعة المقفرة تجمع على (فلا و فلوات).

(2) قال تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ‏ [سورة لقمان: 10]، و فكر أيضا في لون هذه السماء و ما فيها من صواب التدبير فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للأبصار و تقوية لها حتى أن من صفات الأطباء لمن أصابه شي‏ء أضر ببصره إدمان النظر إلى الخضرة ما قرب منها إلى السواد و قد وصف الحذاق منهم لمن كل بصره الاطلاع في إجانة خضراء مملوءة ماء؛ فانظر كيف جعل هذا الأديم، أديم السماء بهذا اللون الأخضر إلى السواد لتمسك الأبصار المتقلبة عليه فلا ينكى فيها بطول مباشرتها له فصار هذا الذي أدركه الناس بعد التفكر و التجارب يوجد مفروغ‏ا منه في الخلقة. انظر الدلائل و الاعتبار ص 6.

(3) قال تعالى: وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [النبأ: 9- 11].

قال الجاحظ: فكر في طلوع الشمس و غروبها لإقامة دولتي النهار و الليل فلو لا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في حوائجهم و معايشهم و يتصرفون في أمورهم و الدنيا مظلمة عليهم؟ و كيف كانوا يتهنون بلذة العيش مع فقدهم لذة النور و روحه؟ فالأرب في طلوعها ظاهر مستغن عن الإطناب فيه و لكن تأمل المنفعة في غروبها فإنه لو لا غروبها لم يكن للناس هدوء و لا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوء و لراحة أبدانهم و جموم حواسهم و انبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام و تنفيذ الغذاء إلى الأعضاء كالذي تصف كتب الطب من ذلك.

ثم فكر بعد هذا في ارتفاع الشمس و انحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة، و ما في ذلك من المصلحة؛ ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر و النبات فتتولد فيه مواد الثمار و يستكثف الهواء فينشأ منه السحاب و المطر و تشتد أبدان الحيوان و تقوى الأفعال الطبيعية و في الربيع تتحرك الطبائع و تظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات و ينور الشجر و يهيج الحيوان للسفاد.

و في الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمارم و تتحلل فضول الأبدان و يجف وجه الأرض فيتهيأ للبناء و الاعتمال، و في الخريف يصفو الهواء فترفع الأمراض و تصح الأبدان و يمتد الليل فيمكن فيه بعض الأعمال الطويلة إلى مصالح أخرى، لو تقصى ذكرها طال الكلام فيها. انظر الدلائل و الاعتبار ص 7.

9

قد اتفق الباحثون على أنها مثل كرة الأرض مائة مرة و نيفا و ستين مرة و في لحظة تسير أكثر من قطر كرة الأرض، و قد عرض ذلك جبريل (عليه السلام) حيث قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): «من وقت لا إلى أن قلت نعم سارت الشمس خمسمائة عام». ثم لينظر إلى جرم القمر و كيفية اكتسابه النور من الشمس لينوب عنها بالليل، ثم إلى امتلائه و انمحاقه ثم إلى كسوف الشمس و خسوف القمر.

و من العجائب السواد الذي في جرم القمر فإنه لم يسمع فيه قول شاف إلى زماننا هذا

و في كل شي‏ء له آية* * * تدل على أنه واحد

(1)، و كذلك في المجرة و هي البياض الذي يقال له: شرج السماء و هو على ذلك يدور بالنسبة إلينا رحوية.

و عجائب السموات لا نستطيع إحصاء عشرها لكن القدر الذي جرى في جرم القمر ذكرناه تبصرة لكل عبد منيب.

ثم لينظر إلى ما بين السماء و الأرض من انقضاض الشهب و الغيوم و الرعود و البروق و الصواعق و الأمطار و الثلوج و الرياح المختلفة المهاب‏ (2).

و ليتأمل السحاب الكثيف المظلم كيف اجتمع في جو صاف لا كدورة فيه؟ و كيف حمل الماء، و تسخير الرياح؟ فإنها تتلاعب به و تسوقه إلى المواضع التي أرادها اللّه تعالى فترش وجه الأرض و ترسله قطرات متفاضلة لا تدرك قطرة ليصيب وجه الأرض برفق، فلو صبه صبّا لأفسد الزرع بخدشه وجه الأرض و يرسلها مقدارا كافيا لا كثيرا زائدا على الحاجة فيعفن النبات، و لا قليلا ناقصا عن الحاجة فلا يتم به النمو كما قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ [سورة المؤمنون: 18]، ثم إلى اختلاف الرياح فإن منها ما يسوق السحب‏ (3) و منها من ينشرها و منها ما

____________

(1) لا شك أنه بعد تقدم العلوم و ظهور التكنولوجيا الحديثة و الأقمار الصناعية و صعود الإنسان على ظهر القمر قد فسر كثيرا من هذه المبهمات. و قد قيل: إن هذا السواد الذي يوجد في جرم القمر ما هي إلا منخفضات عميقة جدّا على سطح القمر تشبه البحار الجافة التي لا ماء فيها. و كل هذه الأشياء تدل على قدرته سبحانه و تعالى و للّه در القائل:

و في كل شي‏ء له آية* * * تدل على أنه واحد

(2) مهاب الريح: أي: مواضع هبوبها مفردها: مهب.

(3) قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى‏ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [فاطر: 9].

10

يجمعها، و منها ما يعصرها، و منها ما يلقح الأشجار (1)، و منها ما يربي الزرع و الثمار و منها ما يجففها، ثم لينظر إلى الأرض و جعلها قرارا لتكون فراشا و مهادا ثم إلى سعة أكنافها و بعد أقطارها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها: وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ‏ [الذاريات: 48]، ثم إلى جعل ظهرها محلّا للأحياء، و بطنها للأموات، فتراها و هي ميتة أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ‏ [الحج: 5]، و أظهرت أجناس المعادن و أنبتت أنواع النباتات و أخرجت أصناف الحيوان، ثم إلى إحكام أطرافها بالجبال الشامخات كأوتاد لها يمنعونها من أن تميد، ثم إلى إيداع أوشال المياه في خزانات ليخرج منها قليلا قليلا؛ فتنفجر منها العيون و تجري منها الأنهار دائما.

ثم لينظر إلى البحار العميقة التي هي خلجان من البحر الأعظم المحيط بجميع الأرض، حتى إن جميع المكشوف من البوادي و الجبال بالإضافة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم و بقية الأرض مستورة بالماء.

ثم إلى ما فيها من الحيوان و الجواهر، و ما من صنف من أصناف حيوان البر إلا و في البحر أمثاله و أضعافه، و فيها أجناس لا يعهد لها نظير في البر.

ثم لينظر إلى خلق اللؤلؤ في صدفه تحت الماء ثم إلى إنبات المرجان في صميم الصخر تحت الماء و هو نبات على هيئة شجر ينبت من الحجر.

ثم إلى ما عداه من العنبر و إلى أصناف النفائس التي يقذفها البحر و يستخرج منه.

ثم إلى السفن كيف سيرت في البحار و سرعة جريها و إلى إيجاد الأنهار و معرفة النواتي‏ (2) و موارد الرياح و مهابها و سواقيها.

و عجائب البحار كثيرة لا مطمع في إحصائها، و قد قيل: حدث عن البحر و لا حرج، و فيما ذكرناه كافية.

ثم لينظر إلى أنواع المعادن المودوعة تحت الجبال: فمنها ما ينطبع كالذهب و الفضة، و النحاس و الحديد و الرصاص، و منها ما لا ينطبع كالفيروز و الياقوت و الزبرجد.

____________

(1) قال تعالى: وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ‏ [الحجر: 22].

(2) النواتي: أي: البروز، يقال: نتأ الشي‏ء نتاء و نتوءا، أي: برز في مكانه من غير أن ينفصل.

11

ثم إلى كيفية استخراجها و تنقيتها و اتخاذ الحلي و الآلات و الأواني منها، ثم إلى معادن الأرض كالنفط (1)، و القير (2) و الكبريت، و غيرها و أقلها الملح فلو خلت منه بلد لتسارع الفساد إلى أهلها.

ثم لينظر إلى أنواع النبات و أصناف فواكهها مختلفة الأشكال و الألوان و الطعم و الأراييج‏ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ‏ (3)، مع اتحاد الأرض و الهواء و الماء فيخرج من نواة نخلة مطوقة بعناقيد الرطب، و برة حبة سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.

ثم لينظر إلى أرض البوادي و تشابه أجزائها فإنها إذا نزل القطر عليها وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ‏.

ثم إلى كثرتها و اختلاف أصنافها متشابهة و غير متشابهة.

ثم إلى كثرة أشكالها و ألوانها و طعمها و رائحتها و اختلاف طبعائها و كثرة منافعها، فلم ينبت من الأرض ورقة إلا و فيها منفعة أو منافع يقف فهم البشر دون إدراكها

و كم للّه من سر خفي‏* * * يدق خفاه على الفهم الذكي‏

(4).

ثم لينظر إلى أصناف الحيوان و انقسامها إلى: ما يطير و يقوم و يمشي و انقسام الماشي إلى: ما يمشي على بطنه و إلى ما يمشي على رجلين و إلى ما يمشي على أربع‏ (5) و إلى أشكالها و ألوانها و صورها و أخلاقها و أفعالها ليرى عجائب تدهش منها العقول بل في البقة أو النمل أو العنكبوت أو النحل فإنها من ضعاف الحيوانات ليرى ما يتحير منه من: بنائها البيت و جمعها

____________

(1) النفط: أي: البترول.

(2) القير: أي: الزفت و هو مادة سوداء صلبة تسيلها السخونة تتخلف من تقطير المواد القطرانية. انظر مخار الصحاح مادة (قير، زفت).

(3) قال تعالى: وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ [الرعد: 4].

(4) فلم يخلق اللّه شيئا هباء؛ فإن له في خلقه حكما و شئونا و قد قيل:

و كم للّه من سر خفي‏* * * يدق خفاه على الفهم الذكي‏

(5) فالذي يفكر في خلق الحيوانات و أصنافها و أنواعها و خصائص كلّ منها ليجدها أكبر دليل على قدرة اللّه تبارك و تعالى: وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ [النور: 45]. و ما كان هذا التنوع في الخلق إلا دلالة على قدرة اللّه تبارك و تعالى.

12

الغذاء و ادخارها القوت لوقت الشتاء، و حذقها في هندستها، و نصبها الشبكة للصيد، و ما من حيوان صغير و لا كبير إلا و فيه من العجائب ما لا يحصى، و إنما سقط التعجب هنا للأنس و كثرة المشاهدة.

و عجائب السموات و الأرض كما قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ [يونس: 101]، بحار لا يدرى سواحلها و لا يعرف أوائلها و لا أواخرها (1) و اللّه الموفق للصواب.

____________

(1) لعل العلم الحديث استطاع أن يحدد هذه المعلومات إلا أن هذه البحار و امتدادها و بناءها و ما تحتويه لهو العبرة الحقيقية، و الآية الجلية على قدرة اللّه تبارك و تعالى، فانظر مثلا إلى الأمواج و تتابعها و حركتها فإن فيها من الحكم و العبر ما لا يحصى و لا يعد، و من أوضح هذه العبر أنها تمنع تعفن ماء البحر و تجدده بحركتها و تعطي الحياة و الجمال للبحر فالناظر إليه ما عليه إلا أن يقول: (سبحان الخلاق العليم).

13

4 المقدمة الثانية: في تقسيم المخلوقات‏

و المخلوق كل ما هو غير اللّه سبحانه و تعالى، و هو إما أن يكون قائما بالذات أو قائما بالغير، و القائم بالذات إما أن يكون متحيزا أو لم يكن، فإن كان متحيزا فهو الجسم و إن لم يكن فهو الجوهر الروحاني، و هو إما أن يكون متعلقا بالأجسام تعلق التدبير و هو النفس أو لا يكون، و هو إما أن يكون سليما عن الشهوة و الغضب و هو الملك أو لا يكون و هو الجن القائم بالغير، فإن كان قائما بالمتحيزات فهو الأعراض الجسمانية، و إن كان قائما بالمفارقات فهو الأعراض الروحانية كالعلم و القدرة، و الأعراض الجسمانية إما أن يلزم من صدقها حصول صدق النسبة أو صدق قبول النسبة أو لا هذا و لا ذاك.

فإن كان الأول فالنسبة إما حصول في المكان و هو الأين أو في الزمان و هو الشي‏ء أو نسبة متكررة و هو الإضافة أو تأثير الشي‏ء في الشي‏ء، و هو الفعل أو تأثر الشي‏ء عن الشي‏ء و هو الانفعال.

و كون الشي‏ء محيطا بالشي‏ء يجب أن ينتقل المحيط بانتقال المحاط به و هو الملك، أو هيئة حاصلة بمجموع الجسم بسبب حصول النسب بين أجزاء بعضها إلى بعض و بين أجزائه و الأمور الخارجية و هو الوضع.

و إن كان يلزم من حصولها صدق قبول النسبة فهو إما أن يكون بحيث لا يحصل بين أجزائه حدود مشتركة و هو العدد، أو يحصل و هو المقدار.

و إن كان لا يلزم من حصولها صدق قبول النسبة فإما أن يكون مشروطا بالحياة أو لم يكن، فإن كان؛ فإما أن يتوقف على الشهوة و النقرة و هو التحريك أو لا يتوقف، و هو الإدراك، ثم الإدراك إما إدراك الكليات و هو العلوم و الظنون و الجهالات أو إدراك الجزئيات و هو الحواس الخمس، و إن لم يكن مشروطا بالحياة فهو الأعراض المحسوسة بالحواس الخمس.

أما المحسوسات بالقوة الباصرة فكالأضواء و الألوان، و أما المحسوسات بالقوة الشامة فالكطيب و النتن.

و أما المحسوسات بالقوة السامعة فالأصوات و الحروف.

و أما المحسوسات بالقوة اللامسة فكالحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و الثقل و الخفة و الصلابة و اللين و الخشونة و الملامسة.

14

فهذه جملة أقسام الممكنات و سيأتي الكلام في كل قسم منها إن شاء اللّه تعالى.

5 فصل‏

ذكر أهل السير أنه وجد في السفر الأول من التوراة: إن اللّه تعالى خلق جواهر ثم نظر إليها نظر الهيبة فذاب الجوهر، و صعد منه دخان، و رسب منه رسوب، فخلق سبحانه من الدخان السموات و من الرسوب الأرض و يدل على ذلك قوله تعالى: أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما (1) و أحكم جلت قدرته خلق المجموع في ستة أيام.

قال بعض العلماء: إن اليوم في اللغة الكون الحادث، و الأيام هاهنا مراتب مصنوعاته؛ لأن قبل الزمان لا يمكن تجدد الزمان، فمن الأيام الستة: يوم لمادة الأرض و يوم لصورتها و يوم لمادة السماء و يوم لصورتها و يوم لمكملاتها من الجبال و الكواكب و النفوس و غيرها.

و قال أيضا: كل ما فوق الأرض فهو سماء، في طريق اللغة يقولون: ما علاك فهو سماؤك، و ما دونك فلك القمر، فهو بالنسبة إلى الأفلاك أرض قال تعالى: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ [الطلاق: 12]، يعني: سبعا؛ فالأولى: كرة النار، و الثانية: كرة الهواء، و الثالثة: كرة الماء، و الرابعة: كرة الأرض، و ثلاثة طبقات ممتزجات بين الأربعة الأولى من النار و الهواء، و الثانية من الهواء و الماء، و الثالثة من الماء و الأرض.

ثم دبر بعناية بعد الجماد أمر المعادن الداخلة في الجماد ثم النبات ثم الحيوان.

هذا هو القول الكلي في المخلوقات و سيأتي القول في جزئياتها في مقالتين إن شاء اللّه تعالى، و اللّه الموفق للصواب.

____________

(1) سورة الأنبياء الآية 30، قوله‏ كانَتا رَتْقاً أي: كانتا ملتصقتين.

15

6 المقدمة الثالثة: في معنى الغريب‏

الغريب: كل أمر عجيب، قليل الوقوع مخالف للعادات المعهودة و المشاهدات المألوفة، و ذلك إما من تأثير نفوس قوية أو تأثير أمور فلكية أو أجرام عنصرية كل ذلك بقدرة اللّه تعالى و إرادته‏ (فمن) ذلك معجزات الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين) كانشقاق القمر، و انفلاق البحر، و انقلاب العصا ثعبانا، و كون النار بردا و سلاما، و خروج الناقة من الصخرة الصماء، و إبراء الأكمه و الأبرص، و إحياء الموتى و منها كرامات الأولياء الأبرار فإن تأثير نفوسهم يتعدى إلى غير أبدانهم حتى يحدث عنها انفعالات غريبة في العالم فيشفى المريض باستشفائهم و تسقى الأرض باستسقائهم، و ربما يحدث الخسف و الزلزلة و الطوفان و الصواعق بدعواتهم، و يصرف الوباء و الموتان باستدعائهم، و تبدل لهم نفرة الطيور بالهدوء و الوقوع، وصولة السباع و شدتها باللين و الخضوع.

(و منها) إخبار الكهنة و الكهانة التي اندرست بمبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و كانوا يأتون الجاهلية بأمور غريبة؛ زعموا أنها كانت بواسطة اختلاط نفوسهم بنفوس الجن.

(و منها) الإصابة بالعين فإن العائن‏ (1) إذا تعجب من شي‏ء كان تعجبه مهلكا للمتعجب منه بخاصية لنفسه لا يوقف عليها.

(و منها) اختصاص بعض النفوس من الفطرة بأمر غريب لا يوجد مثله لغيرها، كما ذكر أن من الهند قوما إذا اهتموا بشي‏ء اعتزلوا عن الناس و صرفوا همتهم إلى ذلك الشي‏ء فيقع على وفق اهتمامهم.

(و من) هذا القبيل ما حكي أن السلطان محمود غزا بلاد الهند و كان فيها مدينة كل من قصدها مرض فسأل عن ذلك؛ فقالوا: إن عندهم جمعا من الهند يصرفون هممهم على ذلك فيقع المرض على وفق اهتمامهم؛ فأشار عليه بعض أصحابه بدق الطبول، و نفخ البوقات الكثيرة ليشوش هممهم ففعلوا ذلك فزال المرض و استخلصوا المدينة.

(و من) هذا القبيل ما ذكر أن رجلا فيلسوفا في زمن خوارزم شاه محمد بن تكش جاء من بلاد الهند إلى خراسان فأسلم، و كان يقال له: داناي هند، يستخرج طالع كل إنسان أراد حتى جربوه بالطوالع الرصيدية فلم يخطئ شيئا، و زعم أن ذلك له بواسطة حساب يعرفه، فرفع أمره‏

____________

(1) العائن: أي: الحاسد.

16

إلى السلطان، فقال له هل تقدر على استخراج غير الطوالع؟ قال: نعم، قال: أخبرني عما رأيت البارحة في نومي فرجع إلى نفسه و حسب، ثم قال: رأى السلطان أنه في سفينة و بيده سيف فقال السلطان: لقد أصاب لكنا لا نقنع بهذا القدر؛ لأني على طرف جيحون‏ (1) كثيرا ما أركب السفينة و السيف لا يفارقني فربما قال اتفاقا، فامتحنه مرة أخرى فأصاب فقربه من نفسه و كان يستعين به في أموره.

(و من) ذلك أمور سماوية كظهور الكواكب ذوات الأذناب و التماثيل و الشانين و انقضاض شهب يستضي‏ء الجو منها.

(و منها) سقوط جسم من الجو ثقيل كما ذكر الشيخ الرئيس‏ (2) أنه سقط في زمانه بأرض جوزجان جسم كقطعة حديد قدر خمسين منّا مثل حبات الجاورش المنضمة فأرادوا كسرها فما كان يعمل فيها الحديد البتة (3).

(و منها) سقوط ثلج أو برد في غير أوانه كما حكي عن بعض شيوخ قزوين أنه أتاهم في زمن الشمس برد عظيم كل واحدة على قدر الجوزة (4) فأهلك كثيرا من الحيوانات و النبات، و المشمش لا يدرك بقزوين إلا في الصيف.

(و منها) سقوط أحجار من الحديد و النحاس في وسط الصواعق، و ذلك يوجد ببلاد الترك، و ربما يوجد بأرض جيلان أيضا.

(و حكى) أبو الحسن علي بن الأثير الجزري في تاريخه: أنه نشأت بأفريقية في سنة إحدى عشر و أربعمائة سحابة شديدة الرعد و البرق فأمطرت حجارة كثيرة، و أهلكت كل من أصابته.

(و أغرب) من هذا ما حكاه الجاحظ أنه نشأت سحابة بايدج و هي مدينة بين أصبهان و جوزستان سحابة طحيا تكاد تمس رءوس الناس و سمعوا منها كهدير الفحل، ثم إنها دفعت بأشد مطر ثم استسلموا للغرق ثم دفعت بالضفادع و الشبابيط العظام السمان، و الشبوط: نوع من السمك فأكلوا و ملحوا و ادخروا كثيرا.

____________

(1) على طرف جيحون: أي على شاطئ نهر جيحون و هو أحد أنهار الهند الشهيرة.

(2) الشيخ الرئيس: هو الفيلسوف المعروف بابن سينا.

(3) و هذه الأجسام تسمى نيازك و هي أجسام صلبة تدور حول الأرض.

(4) الجوزة ثمر يؤكل بقدر البرتقالة أو أكبر بقليل.

17

و من ذلك أمور أرضية مثل صيرورة اليبس بحرا كأرض اليونان فإنها كانت بلادا معمورة، و الآن استولى الماء عليها، و صيرورة البحر يبسا كأرض ساوة فإنها كانت بحرا و الآن لا يرى فيها أثر البحر.

(و منها) ما زعموا أنه يصعد من الأرض بخار لا يصيب شيئا من الحيوان و النبات إلا جعله حجرا صلدا و آثار ذلك ظاهرة من أرض مصر و مثله ثم بأرض قزوين.

(و منها) وقوع خسف بناحية من الأرض و خروج ماء أسود منها و قد شوهد ذلك في كثير من النواحي منها مدينة عنجرة بأرض الروم، و قرية دركزين من أعمال همدان.

و منها زلزلة تبقى شهرا أو أكثر في بعض النواحي، و قد شوهد ذلك بأرض نيسابور و الري.

و حدثني أبو القاسم الرافعي- (قدّس اللّه روحه)- أنه شاهد في هذه الزلزلة سقفا قد انشق حتى رأى الكواكب من جانب، ثم عاد إلى حاله و لم يظهر عليه أثر الشق.

(و منها) ظهور معدن ببعض الأصقاع لم يعرف قبل ذلك من الزمان كظهور معدن الذهب عند الإسماعيلية.

(و منها) ظهور نبت بأرض لا عهد للناس بوجوده هناك كظهور الترنجبين بأرض ساوة.

(و منها) تولد حيوان غريب الشكل لم ير مثله. كما روي الشافعي‏ (1) رضي اللّه عنه، أنه رأى باليمن إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن امرأة، و من وسطه إلى فوق بدنان مفترقان بأربع أياد و رأسين و وجهين و هما يأكلان و يشربان يختصمان و يصطلحان.

و ذكر أن امرأة بكلوسامان من قرى بلخ ولدت شخصا له نصف بدن و نصف رأس و يد واحدة و رجل واحدة على صورة النسناس؛ الذي يوجد في غياض الشجر باليمن ثم حملت مرة أخرى فولدت بدنا له رأسان.

____________

(1) الإمام الشافعي رضي اللّه عنه: هو أبو عبد اللّه محمد بن إدريس بن العباس بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب ابن عبد مناف القرشي المطلبي الإمام المعروف صاحب المذهب الشافعي و من أهم مصنفاته: كتاب الأم، و المسند، و ديوان في الشعر. ولد سنة 150 هجرية، و توفي سنة 204 هجرية، انظر صفة الصفوة لابن الجوزي.

18

و زعم الحكماء أنهم وجودوا ثلاثة معان في الأمور غريبة؛ و قد وضعوا لكل معنى اسما:

(و أحد هذه المعاني): الآثار النفسانية، و الانفعالات التابعة للتصورات من غير واسطة أمر طبيعي، فاستعمال تلك التصورات في الخير معجزة من الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، و كرامة من الأولياء عليهم الرحمة و الرضوان، و استعمالها في الشر سحر من النفوس البشرية.

(و ثانيهما): أمور غريبة تحدث من قوى سماوية و أجسام عنصرية مخصوصة بهيئات و أشكال و أوضاع تسمى الطلسمات.

(و ثالثهما): أمور غريبة تحدث من أجساد أرضية كجذب المغناطيس الحديد و تسمى النيرنجات.

و هذا هو القول الكلي في الأمور الغريبة و سيأتي الكلام في جزئياتها إن شاء اللّه تعالى.

19

7 المقدمة الرابعة: في تقسيم الموجودات‏

كل موجود سوى الواحد سبحانه مخلوق، و كل ذرة من جوهر و عرض و صفة موصوف فيها غرائب و عجائب يظهر فيها حكم اللّه تعالى و قدرته، و إحصاء ذلك غير ممكن.

لكنا نشير إلى ذلك و نقول إجمالا: الموجودات منقسمة: إلى ما لا نعرف أصلها و لا يمكننا النظر فيها، فكم من موجود لا نعلمه كما قال اللّه تعالى: وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ‏ [النحل: 8]، و إلى ما نعرف جملها و لا نعرف تفصيلها، و هي منقسمة إلى ما لا يدرك بالبصر: كالعرش و الكرسي و الملائكة و الجن و الشياطين و غيرها فمحال النظر فيها، و لا يمكن أن يقال فيها إلا ما صح بالنصوص و الأخبار و الآثار.

و أما المدركات بالبصر: كالسموات و الأرض و ما بينهما، و السموات مشاهدة بكواكبها و شمسها و قمرها و دورانها، و الأرض مشاهدة بما فيها من جبالها و بحارها و أنهارها و معادنها و نباتها و حيوانها و ما بين السماء و الأرض: و هو الجو مدرك بغيومها و أمطارها و ثلوجها و رعودها و بروقها و صواعقها و شهبها و عواصف أرياحها، فهذه هي أجناس المشاهدات من السموات و الأرض و ما بينهما، و كل جنس منها ينقسم إلى أنواع، و كل نوع ينقسم إلى أصناف، و كل صنف ينقسم إلى أقسام.

و لا نهاية لاستيعاب ذلك و انقسامها في اختلاف صفاتها و هيئاتها و معانيها الظاهرة و الباطنة، و في جميع ذلك مجال البصر فلا تتحرك ذرة في السموات و الأرض إلا و في تحريكها حكمة أو حكمتان أو عشرة أو ألف، و كل ذلك دليل على وحدانيته و كبريائه و عظمته كما قال بعضهم:

و للّه في كل تحريكة* * * و تسكينة أبدا شاهد

و في كل شي‏ء له آية* * * تدل على أنه واحد

20

8 المقالة الأولى: في العلويات و النظر فيها في أمور

(النظر الأول: في حقيقة الأفلاك و أشكالها و أوضاعها و حركاتها بطريق الإجمال) ذهب الحكماء إلى أن الفلك جسم كروي مشتمل على الوسط متحرك عليه ليس بخفيف و لا ثقيل و لا بارد و لا حار و لا رطب و لا يابس و لا قابل للخرق و لا للالتئام، و لهم على ذلك أدلة مذكورة في الكتب الحكمية، و كتابنا هذا ليس بصددها، و الأفلاك كرات محيطة بعضها ببعض حتى حصلت من جملتها كرة واحدة يقال لها: العالم، و أدناها إلى العناصر فلك القمر، ثم فلك عطارد، ثم فلك الزهرة، ثم فلك الشمس، ثم فلك المريخ، ثم فلك المشترى، ثم فلك زحل، ثم فلك الثوابت، ثم فلك الأفلاك.

و اعلم أن لكل فلك مكانا لا ينتقل عنه، لكنه متحرك فيه بأجرامه لا يقف طرفة عين، و سرعة حركاتها أسرع من كل شي‏ء شاهده الإنسان حتى صح في الهندسة أن الفرس في حالة الركض الشديد من الوقت الذي رفع يديه إلى أن يضعها يتحرك الفلك الأعظم بثلاثة آلاف فرسخ، ثم إن من الأفلاك ما يتحرك من المشرق إلى المغرب؛ كالفلك الأعظم، و منها ما يتحرك من المغرب إلى المشرق؛ كفلك الثوابت و أفلاك السيارات، و منها ما يتحرك بالنسبة إلينا دولابية، و منها ما يتحرك حمائلية (1)، و منها ما يتحرك رحوية، و منها ما يشمل على الوسط و لكن ليس‏

____________

(1) فكّر في هذه النجوم و اختلاف سيرها؛ ففرقة منها لا تديم مراكزها و لا تسير إلا سيرا ضعيفا مجتمعة، و فرقة مطلقة تنتقل في البروج و تفترق في مسيرها؛ فكل واحد منها يسير بسيرين مختلفين: أحدهما: عام على الفلك نحو المغرب، و آخر: خاص لنفسه مع المشرق، و قد شبه الأولون هذه المطلقة بنملة تدب على رحا، و الرحا تدور ذات اليمين و النملة تدور ذات الشمال، فإن النملة في تلك الحالة تتحرك حركتين مختلفين: إحداهما بنفسها متوجهة أمامها، و الأخرى مستكرهة مع الرحا تجتذبها إلى خلفها، فليسأل الزاعمون أن النجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال و من غير عمد، ما منعها أن تكون كلها راتبة، أو تكون كلها متنقلة؛ فإن الإهمال معنى واحد فكيف صار بحركتين مختلفتين على تقدير وزن؟ فهذا بيان أن مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد و تدبير، و ليس بإهمال كما تزعم المعطلة، فإن قلت: و لما صار بعض النجوم راتبا و بعضها متنقلا قلنا: إنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي تكون من تنقل المتنقلة منها، و مصيرها في كل واحد من البروج زمان محدود، كما قد يستدل على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس و القمر و النجوم في منازلها، و لو كانت كلها متنقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف، و لا رسم يقاس عليه؛ لأنه إنما يقاس مسير المتنقلة بتنقلها في البروج الراتبة كما يقاس سير سائر على الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها.

و جملة القول: أنها لو كانت بحالة واحدة لاختل نظامها و بطلت المآرب فيها و لساغ لقائل أن يقول: إن كينونتها على حال واحدة يوجب عليها الإهمال من الجهة التي وصفنا؛ ففي اختلاف مسيرها و تصرفها و ما في ذلك من الأرب و المصلحة أبين دليل على العمد و التدبير فيها، انظر: الدلائل و الاعتبار ص 11.

21

مركزه مركز العالم كالأفلاك التسعة، و منها ما يشتمل على الوسط لكن ليس مركزه مركز العالم كخارج المراكز، و منها ما ليس مشتملا على الوسط كأفلاك التداوير، و سيأتي شرحها إن شاء اللّه تعالى.

و من الأفلاك ما لم يعرف له إلا كوكب واحد كأفلاك السيارات، و منها ما لم يعلم عدد كواكبها إلا اللّه تعالى كفلك الثوابت، و منها ما ليس له كوكب أصلا في العالم بحسب ما عرف من آراء المتقدمين و أصحاب الأرصاد و لا سيّما بطليموس؛ فإن اعتماد القوم على رصده خمس و أربعون حركة للفلك الأعظم، و حركة لفلك الثوابت، و ثمان عشرة حركة لأفلاك الكواكب العلوية لكل واحد منها ست حركات، و حركتان لفلك الشمس، و ست حركات لفلك الزهرة، و تسع حركات لفلك عطارد، و ست حركات لفلك القمر، و حركتان لما دون فلك القمر و هما حركتا الثقل و الخفة، و هذا ما بلغ إليه فهم العقلاء و ذهن الأذكياء، و اللّه هو الموفق.

(النظر الثاني) في نظرية القمر و هو يحده سطحان كرويان متوازيان مركزهما مركز العالم:

السطح الأعلى منهما لمقعر فلك عطارد، و الأدنى لمحدب كرة النار و يتم دورته في كل ثمانية و عشرين يوما بحركته التي تختص به من المغرب إلى المشرق‏ (1)، و فلك تدويره يدور في الفلك الحاوي في كل أربعة عشر يوما مرة، ففي الدورة الأولى يكون القمر بوجهه الممتلئ إلى مركز الأرض، ثم إن فلكه الكلي ينقسم إلى أربعة أفلاك: ثلاثة منها شاملة للأرض، و واحد صغير غير شامل أما الشاملة فالأول منها: يسمى فلك الجوزهر و هو الذي يماس السطح الأعلى منه السطح الأدنى من فلك عطارد، و الثاني منها: يماس السطح الأعلى منه مقعر فلك الجوزهر و الثالث منها:

فلك خارج المركز في الفلك المائل من مركزه خارج عن مركز العالم مائل إلى جنب من الفلك الكلي بحيث يماس مقعر سطحية السطح الأدنى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما، و يسمى الأوج، و يماس مقعر سطحيه السطح الأدنى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما، و يسمى الحضيض فيحصل سطحان مختلفا الثخن: أحدهما: حاو للفلك الخارج. و الآخر: محوي فيه.

____________

(1) فأما مسير القمر ففيه دلالة واضحة جليلة تستعمله العامة في معرفة الشهور و لا يقوم عليه حساب السنة؛ لأن دوره لا يستوي في الأزمنة الأربعة و نشوء الثمار و تصرمها، و لذلك صارت شهور القمر و سنوه تتخلف عن شهور الشمس و سنيها، و صار الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة في الشتاء و مرة في الصيف، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‏ [البقرة: 189].

22

ورقة الحاوي مما يلي الأوج، و غلظه مما يلي الحضيض، ورقة المحوي و غلظه بالعكس، و يقال لكل واحد منهما: المتمم. أما الفلك الصغير فهو في ثخن الفلك الخارج المركز، يقال له:

فلك التدوير و القمر مركوز فيه يتحرك بحركته و حركة هذا الفلك حركة مختصة به، مغايرة لحركة الفلك الكلي، و زعموا أن ثخن فلك القمر و هو بعد ما بين سطحه الأعلى و سطحه الأدنى مائة ألف و ثمانية عشر ألفا و ستة و ستون ميلا، و بطليموس قد ذكر ثخن الأفلاك و مقادير أجرام الكواكب و دوائرها و أقطارها (1)، و لا تستصعبن ذلك فإنه لا يصعب إلا على من لا دراية له بعلم الهندسة، و أما من حل الثانية من إقليدس فيسهل عليه ذلك إن كان فطنا.

9 فصل‏

و أما القمر فهو كوكب مكانه الطبيعي الفلك الأسفل من شأنه أن يقبل النور من الشمس على أشكال مختلفة، و لونه الداني إلى السواد يبقى في كل برج ليلتين و ثلث الليلة، و يقطع جميع الفلك في شهر، و هو أصغر الكواكب فلكا، و أسرعها سيرا، و زعموا أن جرم القمر جزء من تسعة و ثلاثين جزءا، أو ربع الجزء من جرم الأرض، و دورة القمر أربعمائة و اثنان و خمسون ميلا بالتقريب.

هذا ما وصل إليه آراء الحكماء بحكم المقدمات الحسابية.

10 فصل: في زيادة ضوئه و نقصانه‏

القمر جرم كثيف مظلم قابل للضياء لا القليل منه على ما يرى في ظاهره، فالوجه الذي يواجه الشمس مضي‏ء أبدا، فإذا كان قريبا من الشمس كان الوجه المظلم مواجها للأرض، و إذا بعد عن الشمس إلى المشرق و مال النصف المظلم من الجانب الذي يلي المغرب إلى الأرض تظهر من النصف المضي‏ء قطعة هي الهلال، ثم يتزايد الانحراف و تزداد بتزايده القطعة من النصف‏

____________

(1) فكّر أيضا في إنارة القمر و الكواكب في ظلمة الليل و الأرب في ذلك؛ فإنه مع الحاجة إلى الظلمة و لهدوء الحيوان و برد الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون في الليل ظلمة داجية و لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شي‏ء من العمل؛ لأنه ربما احتاج الناس إلى العمل؛ لضيق الوقت عليهم في بعض الأعمال أو لشدة الحر و إفراطه بالنهار فيعمل في ضوء القمر أعمال شتى كحرث الأرض و ضرب اللبن و قطع الحطب و ما أشبه ذلك فجعل ضوء القمر بالليل معونة للناس على هذه الأعمال إذا احتاجوا إلى ذلك، و جعل طلوعه في بعض الليل دون بعض، و في تصريف القمر خاصة في مهله و محاقه و زيادته و نقصانه و كسوفه من التنبيه على قدرة خالقها المصرف لها هذا التصريف لصلاح العالم. انظر: الدلائل و الاعتبار ص 9.

23

المضي‏ء، حتى إذا كان في مقابلة الشمس ينقص الضياء من الجانب الذي بدأ بالضياء على الترتيب الأول حتى إذا صار في مقابلة الشمس كان النصف المواجه للشمس هو النصف المواجه لنا فنراه بدرا، ثم يقرب من الشمس فينقص الضياء من الجانب الذي بدأ بالضياء على الترتيب الأول حتى إذا صار في مقابلة الشمس ينمحق نوره و يعود إلى الموضع الأول، و ينزل كل ليلة منزلا من المنازل الثمانية و العشرين ثم يستتر ليلة، فإن كان الشهر تسعة و عشرين استتر ليلة ثمانية و عشرين، و إن كان ثلاثين استتر ليلة تسعة و عشرين، و يقطع في استتاره منزلا ثم يتجاوز الشمس فيرى هلالا، و ذلك قوله تعالى: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ‏ [يس: 39] يريد أنه ينزل كل ليلة منزلا منها حتى يصير كأصل العذق إذا قدم، ورقّ، و استقوس.

11 فصل: في خسوفه‏

و سببه توسط الأرض بينه و بين الشمس فإذا كان القمر في إحدى نقطتي الرأس و الذنب، أو قريبا منه عند الاستقبال تتوسط الأرض بينه و بين الشمس فيقع في ظل الأرض، و يبقى على سواده الأصلي فيرى منخسفا، و الشمس أعظم من الأرض فيكون ظل الشمس مخروطا قاعدته دائرة صفحة الأرض؛ لأن الخطوط الشعاعية التي تخرج من الشمس إلى جرم الأرض لا تكون متوازية فإذا اتصلت بمحيط الأرض و نفذت في الجهة الأخرى تلاقيا عند نقطة فيحصل ظل الأرض على شكل المخروط، فإذا لم يكن للقمر عرض عن فلك البروج عند الاستقبال وقع كله في جرم المخروط فيخسف كله حينئذ، و إن كان له عرض يخسف بعضه، و ربما يماس جرم القمر مخروط الظل و لا يقع فيه شي‏ء و ذلك إذا كان عرض القمر مساويا لنصف مجموع القطرين، أعني: قطر القمر، و قطر الظل، و إذا كان أقل من نصف القطرين يخسف بعضه.

12 فصل: في خواص القمر و تأثيراته العجيبة

و زعموا أن تأثيراته بواسطة الرطوبة كما أن تأثيرات الشمس بواسطة الحرارة و يدل عليها اعتبار أهل التجارب، و منها أمر البحار، فإن القمر إذا صار في أفق من آفاق البحر أخذ ماؤه في المد مقبلا مع القمر، و لا يزال كذلك إلى أن يصير القمر في وسط سماء ذلك الموضع فإذا صار هناك انتهى المد منتهاه فإذا انحط القمر من وسط سمائه جزر الماء و لا يزال كذلك راجعا إلى أن يبلغ القمر مغربه فعند ذلك ينتهي الجزر منتهاه، فإذا زال القمر من مغرب ذلك الموضع ابتدأ المد مرة ثانية إلا أنه أضعف من الأولى، ثم لا يزال كذلك إلى أن يصير القمر في وتد الأرض فحينئذ ينتهي المد منتهاه في المرة الثانية في ذلك الموضع، ثم يبتدئ بالجزر و الرجوع، و لا يزال كذلك‏

24

حتى يبلغ القمر أفق مشرق ذلك الموضع فيعود المد إلى ما كان عليه أوّلا، فيكون في كل يوم و ليلة مقدار مسير القمر فيهما في ذلك البحر مدان و جزران.

(و منها) أمر أبدان الحيوانات فإنها في وقت زيادة القمر و ضوئه تكون أقوى، و السخونة و الرطوبة و النمو عليها أغلب و تكون الأخلاط في بدن الإنسان ظاهرة و العروق تكون ممتلئة و بعد الامتلاء تكون الأبدان أضعف، و البرد عليها أغلب و النمو أقل، و الأخلاق في غور البدن، و العروق أقل امتلاء، و ذلك أمر ظاهر عند علماء الطب.

(و منها) أن الأطباء ذهبوا إلى أن أحوال البحر أنات و تقارب أيامها مبنية على زيادة ضوء القمر و نقصانه، و كتب الطب ناطقة بذلك، و زعموا أن الذين يمرضون في أول الشهر أبدانهم و قواهم على دفع المرض أقوى، و الذي يمرضون في آخر الشهر بالضد.

(و منها) أن شعور الحيوانات يسرع نباتها ما دام القمر زائد النور و يغلظ و يكبر، و إذا كان ناقص النور أبطأ نباته و لم يغلظ.

(و منها) أن الحيوانات تكثر ألبانها من ابتداء زيادة نور القمر إلى الامتلاء و تزداد أدمغتها، و بياض البيض المنعقد في أول الشهر أكثر، و إذا نقص نور القمر نقصت غزارة الألبان و مادة الأدمغة و كثرة بياض البيض.

(و منها) أن الإنسان إذا أكثر القعود أو النوم في ضوء القمر تولّد في بدنه الكسل و الاستراخاء و يهيج عليه الزكام و الصداع، و إذا كانت لحوم الحيوانات بادية لضوء القمر تغيرت رائحتها و طعمها.

(و منها) أن السمك يوجد في البحار و الأنهار من أول الشهر إلى الامتلاء أكثر مما يوجد من الامتلاء إلى آخر الشهر، و يكون أيضا في النصف الأول من الشهر أسمن منه في النصف الأخير.

(و منها) أن حشرات الأرض خروجها من أجحرتها في النصف الأول من الشهر أكثر من خروجها منه في النصف الأخير، و كل حيوان يلسع أو يعض فإنه في النصف الأول من الشهر أقوى منه في النصف الأخير، و سمّه أشد تأثيرا.

(و منها) أن السباع في النصف الأول أشد طلبا للصيد منها في النصف الأخير. (و منها) أن الأشجار إذا غرست و القمر زائد النور علقت و أسرعت النشوء و الحمل، و إن وقع اللقاح و الحمل و القمر زائد النور كانا جيدين، و إن وقعا و القمر ناقص النور أو زائلا من وسط السماء لم‏

25

يسرع النبات، و أبطأت في الحمل و ربما يبست.

(و منها) أن الفواكه و الرياحين و الزرع و البقول و الأعشاب زيادتها من وقت زيادة القمر إلى الامتلاء أكثر من زيادتها و نموها من الامتلاء إلى المحاق، و هذا أمر ظاهر عند أرباب الفلاحة حتى عند عامتهم فضلا عن علمائهم، فإنهم يجدون تأثير ذلك و لا سيما في البقول و الخوخ و البطيخ و السمسم و القثاء و الخيار و القرع من أول الشهر إلى نصفه يزيد أكثر مما يزيد من نصف الشهر إلى آخره.

(و منها) أن الفواكه إذا وقع عليها ضوء القمر أعطاها لونا عجيبا من حمرة أو صفرة، فالتي يقع عليها الضوء في النصف الأول من الشهر أحسن لونا مما يقع عليها في النصف الأخير.

(و منها) أن نبات القصب و الكتان إذا وقع عليهما ضوء القمر في النصف الأول أشد تقطعا مما وقع عليهما آخر الشهر.

(و منها) أن المعادن التي تتكون يكون جوهرها و صفاؤها أشد إذا كان تولدها من أول الشهر و لو كان في آخره لا يكون كذلك.

13 خاتمة: في المجرة

و هو البياض الذي يرى في السماء يقال لها: شرج السماء إلى زماننا هذا لم يسمع في حقيقتها قول شاف‏ (1).

زعموا أنها كواكب صغار متقاربة بعضها من بعض، و العرب تسميها أم النجوم؛ لاجتماع النجوم و فيها زعموا أن النجوم تقاربت من المجرة فطمس بعضها بعضا فصارت كأنها سحاب، و هي ترى في الشتاء أول الليل في ناحية من السماء و في الصيف أول الليل في وسط السماء ممتدّا من الشمال إلى الجنوب، و بالنسبة إلينا تدور دورا رحويّا فتراها نصف الليل من المشرق إلى المغرب، و في الليل من الجنوب إلى الشمال فما كان منها شماليّا يكون جنوبيّا، و ما كان جنوبيّا يكون شماليّا، و اللّه أعلم بحقيقتها، و تكون على فلك يختص بها يدور بالنسبة إلينا رحويّا أو على شي‏ء من الأفلاك المذكورة.

____________

(1) لقد توصل علماء الفلك في عصرنا الحاضر إلى حقيقة هذه المجرات، و ذلك بواسطة الأقمار الصناعية و التلسكوب الفلكي و وضح لهم أن الكون مكون من ملايين المجرات و كل مجرة مكونة من ملايين المجموعات الشمسية.

26

(النظر الثالث في فلك عطارد) و هو يحده سطحان كرويان متوازيان مركزهما مركز العالم:

السطح الأعلى منهما مماس لمقعر فلك الزهرة، و الأدنى لمحدب فلك المقر و يتم دورته التي تختص به من المغرب إلى المشرق في سنة واحدة و ينفصل عنه فلك خارج المركز بمنزلة الفلك الخارج المركز للقمر في داخل ثخن الفلك الكلي، و يقال له: المدير، و ينفصل عن فلك المدير فلك آخر خارج المركز يقال له: خارج المركز الثاني و الكوكب في فلك التدوير، و يلزم أن يكون لعطارد أوجان: أحدهما: في الفلك الكلي، و الثاني: في المدير، و يكون له أيضا حضيضان، و زعموا أن ثخن فلك عطارد و هو مسافة ما بين سطحه الأدنى ثلاثمائة ألف و ثمانمائة و ثمانون ألفا و اثنان و ثمانون ميلا، على رأي بطليموس صاحب الرصد، فإنه استخرج ذلك بالبراهين الهندسية، و اللّه أعلم.

14 فصل‏

و أما عطارد فسماه المنجمون‏ (1) منافقا؛ لكونه مع السعد سعدا، و مع النحس نحسا على زعمهم، و جرمه جزء من اثنين و عشرين جزءا من جرم الأرض، و دورة جرمه مائتان و ستة و ثمانون فرسخا، و قطر جرمه مائتان و ثلاثة و سبعون ميلا، و يبقى في كل برج سبعة و عشرين يوما تقريبا و هو كثير الرجعة و الاستقامة، يدور حول الشمس.

(النظر الرابع في فلك الزهرة) و هو يحده سطحان متوازيان مركزهما مركز العالم: الأعلى منهما مماس لفلك الشمس، و الأدنى لفلك عطارد، و تتم دورته المختصة به من المغرب إلى المشرق في سنة واحد مثل فلك الشمس، غير أن فلك تدويره يسرع تارة فتصير الزهرة قدّام الشمس، و يبطئ أخرى فتصير الزهرة خلف الشمس، و ثخن جرم فلك الزهرة و هو مسافة ما بين سطحه الأعلى و الأدنى ثلاثة آلاف و سبعمائة و خمسة و تسعون ميلا، و صورته مشابهة لصورة فلك القمر سواء و فلك الشمس، على تقدير أن يكون جرم الشمس فلك التدوير من غير فرق.

15 فصل‏

و أما الزهرة فسماها المنجمون السعد الأصغر؛ لأنها في السعادة دون المشترى، و أضافوا إليها الطرب و السرور و اللهو، و جرم الزهرة جزء من أربعة و ثلاثين جزءا و ثلث الجزء من جرم‏

____________

(1) مما لا شك فيه أن عمل المنجمين من الأعمال التي حرمها الإسلام؛ لأنها تندرج تحت السحر و هو من عمل الجاهلية التي حرمها الإسلام، و قد ورد عن رسول اللّه بسند صحيح قوله: «من ذهب إلى عراف أو كاهن و لم يصدقه لم تقبل صلاته أربعين يوما، و إذا صدقه فقد كفر بما أنزل على محمد».

27

الأرض، و قطر جرمها أربعمائة و تسعة و أربعون ميلا و سدس الميل، تبقى في كل برج سبعة و عشرين يوما، و أما خواصها فزعموا أن النظر إليها مما يوجب فرحا و سرورا، و إذا كان بالناظر إليها حرارات السل تخفف عنه، و زعموا أن من شأنها الشبق و الباه و الألفة، حتى لو نكح رجل امرأة و الزهرة حسنة الحال وقع بينهما من المحبة و الألفة ما يتعجب منه.

(النظر الخامس في فلك الشمس) و هو يحده سطحان كرويان مركزهما مركز العالم: الأعلى منهما مماس لمقعر فلك المريخ، و الأدنى منها مماس لمحدب فلك الزهرة، و دورته من المشرق إلى المغرب تتم في ثلاثمائة و ستين يوما و ربع اليوم، و ينفصل عنه فلك شامل للأرض مركزه خارج المركز كما ذكره في أفلاك الكواكب الثلاثة من غير فرق إلا أن الشمس ها هنا بمنزلة فلك التدوير؛ إذ ليس للشمس فلك التدوير، و ذلك من لطف اللّه تعالى و عنايته بالعباد؛ لأنه لو كان فلك التدوير كما لسائر الكواكب السيارة رجعت، و برجعتها يتمادى الصيف ستة أشهر، و كذلك الشتاء فيؤدي إلى هلاك الحيوان و النبات؛ لأن الشمس إذا بقيت مسامتة لرءوس قوم ستة أشهر لتغير مزاج حيوانهم و احترق نباتهم، و إن بعدت عن قوم ستة أشهر استولى البرد على مزاجهم و انطفأت حرارتهم و فسد نباتهم، و ثخن جرم فلك الشمس ثلاثمائة ألف و خمسة و خمسون ألفا و أربعة و سبعون ميلا.

16 فصل: في الشمس‏

و هي أعظم الكواكب جرما و أشدها ضوءا و مكانها الطبيعي الكرة الرابعة (1) و هي بين الكواكب‏

____________

(1) فكّر في تنقل الشمس في هذه البروج لإقامة دور السنة و ما في ذلك من التدبير فهذا الدور هو الذي يضم الأزمنة الأربعة من: الشتاء، و الربيع، و الصيف، و الخريف و يستوفيها على التمام؛ لأنه في هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلات و الثمار و تنتهي إلى غاياتها من النضج و الصلاح، ثم يعود فيستأنف النشوء و النمو فما أحسن ما قال الأولون:

(الزمان مقدار الحركة)، ألا ترى أن السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل، فبالسنة و أجزائها يكال الزمان و توزن الأوقات من لدن خلق اللّه العالم إلى كل وقت و عصر، و بها يحسب الناس الأعمال و الأوقات المؤقتة للديون و الإيجار و المعاملات و غير ذلك من أمورهم، و بمسير الشمس تكمل السنة و يقوم حساب الزمان على الصحة.

و تأمل شروق الشمس على العالم كيف دبّر أن يكون؟! فإنها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف فيه لا تعدوه لما وصل شعاعها إلى كثير من الجبال؛ لأن الجبال و الجدران كانت تحجبها عنها فصارت بتدبير اللّه تطلع أول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من المغرب ثم لا تزال تدور و تغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار فلا يبقى موضع من المواضع إلا أخذ بقسط من الأرب فيها.

انظر: الدلائل و الاعتبار ص 8.

28

كالملك و سائر الكواكب كالأعوان و الجنود، فالقمر كالوزير و ولي العهد، و عطارد كالكاتب، و المريخ كصاحب الجيش، و المشترى كالقاضي، و زحل كصاحب الخزائن، و الزهرة كالخادم و الجواري، و الأفلاك كالأقاليم، و البروج كالبلدان، و الحدود و الوجوه كالمدن، و الدرجات كالقرى، و الدقائق كالمحال، و الثواني كالمنازل، و هذا تشبيه جيد، و من لطف اللّه تعالى جعلها في وسط الكواكب السبعة؛ لتبقى الطبائع و المطبوعات في هذا العالم بحركاتها على حدها الاعتدالي؛ إذ لو كانت في فلك الثوابت لفسدت الطبائع من شدة البرد، و لو انحدرت إلى فلك القمر لاحترق هذا العالم بالكلية، و خلقها سائرة غير واقفة و إلا لاشتدت السخونة في موضع و البرودة في موضع و لا يخفى فسادهما، بل تطلع كل يوم من المشرق، و لا تزال تمشي موضعا بعد موضع إلى أن تنتهي إلى المغرب، فلا يبقى موضع مكشوف مواز لها إلا و يأخذ موضع شعاعها، و تميل كل سنة مرة إلى الجنوب و مرة إلى الشمال؛ لتعم فائدتها، و أما جرمها فضعف جرم الأرض مائة و ستّ و ستون مرة، و قطر جرمها أحد و أربعون ألف و تسعمائة و ثمانية و سبعون ميلا.

17 فصل: في كسوفها

و سببه كون القمر حائلا بين الشمس و بين أبصارنا؛ لأن جرم القمر كمد فيحجب ماوراءه عن الأبصار، فإذا قارن الشمس و كان في إحدى نقطتي الرأس و الذنب أو قريبا منه فإنه يمر تحت الشمس فيصير حائلا بينها و بين الإبصار؛ لأن الخطوط الموهومة الشعاعية التي تخرج من أبصارنا متصلة بالبصر على هيئة مخروط رأسه نقطة البصر و قاعدته المبصر، فإذا حال بيننا و بين الشمس يتحصل مخروط الشعاع أولا بالقمر، فإن لم يكن للقمر عرض عن فلك البروج وقع جرم القمر في وسط المخروط عن الشمس بمقدار ما يوجب العرض فينكسف بعضها، و ذلك إذا كان العرض أقل من مجموع نصف القطرين، فإذا كان يماس جرم القطر مخروط الشعاع لا تنكسف الشمس، ثم إذا انكسفت الشمس لا يكون لكسفوها مكث؛ لأن قاعدة مخروط الشعاع إذا انطبق على صفحة القمر انحرف عنه في الحال فتبتدئ الشمس بالانجلاء و لكن يختلف قدر الكسوفات باختلاف أوضاع المساكن بسبب اختلاف المنظر، و قد لا تنكسف في بعض البلاد أصلا.

29

18 فصل: في خواص الشمس و عجيب تأثيرها في العلويات و السفليات‏

(أما) في العلويات فإخفاؤها جميع الكواكب؛ لكمال شعاعها، و إعطاؤها للقمر النور؛ بسبب قربه منها و بعده عنها، و جميع ما ذكرنا من فوائد القمر فائدة إذا أشرقت على الماء صعدت منه أبخرة بسبب السخونة، فإذا بلغ البخار إلى الهواء البارد تكاثف من البرد و انعقد سحابا ثم تذهب به الرياح إلى الأماكن البعيدة عن البخار فينزل مطرا يحيي اللّه به الأرض بعد موتها، و تظهر منه الأنهار و العيون فيصير سببا لبقاء الحيوان و خروج النبات و تكون بالمعادن و قد قال عزّ و جلّ: وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ‏ [الأعراف: 57].

(و منها) أمر المعادن فإن العصارات التي تنحلب في باطن الأرض في مياه الأمطار إذا اختلطت بالأجزاء الأرضية تصحبها الشمس فتتولد منها الأجساد المعدنية بحسب مواده كالذهب و الفضة و سائر الفلزات، و كالياقوت و الزبرجد و سائر الأحجار النفيسة، و كالزئبق و الكبريت و الزرنيخ و الملح و النوشادر، و لا يخفى عموم فوائد هذه الأشياء كلها.

(و منها) أمر النبات فإن الزروع و الأشجار لا تنبت إلا في المواضع التي تطلع عليها الشمس، و كذلك، لا ينبت تحت النخل و الأشجار العظيمة التي لها ظلال واسعة شي‏ء من الزروع؛ لأنها تمنع شعاع الشمس عما تحتها و حسبك ما ترى من تأثير الشمس بسبب الحركة اليومية في النيلوفر، و الأذريون، و ورق الخروع؛ فإنها تنمو و تزداد عند أخذ الشمس في الارتفاع و الصعود فإذا زالت الشمس أخذت في الذبول حتى إذا غابت ذبلت و ضعفت، ثم عادت في اليوم التالي إلى حالها.

(و منها) تأثيرها في الحيوانات؛ فإنا نرى الحيوانات إذا طلع نور الصبح خلق اللّه تعالى في أبدانها قوة فتظهر فيها قوة حركة و زيادة نشاط و انتعاش، و كلما كان طلوع نور الشمس أكثر إلى أن تصل إلى وسط سمائهم أخذت حركاتهم و قواهم في الضعف، و لا تزال تزاد ضعفا إلى زمان غيوبها، فإذا غابت الشمس رجعت الحيوانات إلى أماكنها و لزمتها كالموتى فإذا طلعت الشمس عليهم في اليوم الثاني عادوا إلى الحالة الأولى، و من عجيب تأثيرها في الحيوانات أن تجعل أهل البلاد القريبة عن مسامتتها كبلاد السودان الذين هم الإقليم الأول سودا محترقين، و تجعل وجوههم من شدة الحرارة قحلة، و جثثهم خفيفة، و أخلاقهم وحشية شبيهة بأخلاق السباع،

30

و المواضع البعيدة عن مسامتتها كبلاد الصقالبة و الروس تجعلهم لضعف حرارتها بيضا، و تجعل شعورهم سبطة شقرا، و أبدانهم رخصة عظيمة، و أخلاقهم شبيهة بأخلاق البهائم.

(و منها) ما زعمت البراهمة أن أوج الشمس في كل برج ثلاثة آلاف سنة و تقطع الفلك في ستة و ثلاثين ألف سنة، و الآن إذا انتقل إلى البروج الجنوبية انتقلت أحوال الأرض و هيئاتها فصار العامر غامرا، و الغامر عامرا، و البحر يبسا، و اليبس بحورا، و الجنوب شمالا، و الشمال جنوبا.

(النظر السادس في فلك المريخ) و هو يحده سطحان متوازيان مركزهما مركز العالم: فالأعلى منهما مماس لفلك المشترى، و الأدنى مماس لفلك الشمس، و تتم دورته التي تختص به من المغرب إلى المشرق في سنة واحدة و عشرة أشهر و اثنين و عشرين يوما، و صورته كفلك القمر و فلك الزهرة من غير فرق و لا حاجة إلى إعادته، و كذلك فلك زحل، و على رأي بطليموس: ثخن فلك المريخ و هو المسافة التي بين سطحه الأعلى و سطحه الأسفل عشرون ألف ألف و ثلاثمائة ألف و ستة و سبعون ألفا و تسعمائة و ثمانية و تسعون ميلا.

19 فصل‏

و المنجمون يسمون المريخ النحس الأصغر؛ لأنه دون زحل في النحوسة، و أضافوا إليه البطش و القتل و القهر و الغلبة، و جرم المريخ مثل جرم الأرض مرة و نصف المرة بالتقريب، و ثخن جرمه تسعمائة ألف و ثمانمائة و خمسة و ثمانون ميلا، و يبقى في كل برج إذا كان مستفيما أربعين يوما.

(النظر السابع في فلك المشترى) و هو يحده سطحان متوازيان: الأعلى منهما مماس لفلك زحل، و الأدنى مماس لفلك المريخ مركزهما مركز العالم، و يتم دورته المختصة به من المغرب إلى المشرق في إحدى و عشرين سنة و عشرة أشهر و خمسة عشر يوما، و صورته كصورة فلك المريخ و الزهرة و قد مضى ذكرهما، و ثخن جرمه و هو المسافة التي بين سطحه الأعلى و سطحه الأسفل عشرون ألف ألف و ثلاثمائة و اثنان و ثلاثون ألفا و اثنان و ثلاثون ميلا بالتقريب.

20 فصل‏

و أما المشترى فسماه المنجمون السعد الأكبر؛ لأنه فوق الزهرة في السعادة، و أضافوا إليه الخيرات الكثيرة و السعادة العظيمة، و جرم المشترى مثل جرم الأرض أربعة و ثمانون مرة، و ثلث و ربع و قطر جرم المشترى كقطر جرم الأرض أربع مرات و ربع و سدس، يقطع في كل يوم خمس دقائق.

31

(النظر الثامن في فلك زحل) و هو يحده سطحان متوازيان مركزهما مركز العالم: الأعلى منهما مماس لفلك الكواكب الثابتة، و الأدنى منها مماس لفلك المشترى، و تتم دورته المختصة به من المغرب إلى المشرق في تسع و عشرين سنة و خمسة أشهر و ستة أيام، قال بطليموس: ثخن جرم فلك زحل أحد و عشرون ألف ألف ميل و ستمائة و ستة و ثلاثون ألفا و ستمائة و ستة أميال.

21 فصل‏

و سماه المنجمون النحس الأكبر؛ لأنه في النحوسة فوق المريخ، و أضافوا إليه الخراب و الهلاك و الهم و الغم و جرم زحل كجرم الأرض إحدى و ثمانين مرة و قطره كقطر جرم الأرض أربعين مرة و ثلثي المرة، و زعموا أن النظر إليه يفيد غمّا و حزنا، كما أن النظر إلى الزهرة يفيد فرحا و سرورا.

(النظر التاسع في فلك الثوابت) و هو يحده سطحان متوازيان مركزهما مركز العالم: فالأعلى منهما مماس للفلك الأعظم المحيط بجميع الأفلاك المحرك لها، و الأدنى منها مماس لفلك زحل، و هذا الفلك أيضا يتحرك من المغرب إلى المشرق حركة بطينة فيقطع في كل مائة سنة جزءا من الأجزاء التي بها تكون الدائرة ثلاثمائة و ستين جزءا، و دورته تتم في سنة و ثلاثين ألف سنة، و قطباها قطبا دائرة البروج التي ترسمها الشمس، و سيأتي ذكر ذلك إن شاء اللّه تعالى.

و قد وجد في رصد بطليموس، و أرصاد من كان قبله أن جميع الكواكب الثابتة مركوزة في جرم هذا الفلك و لذلك لا تختلف أوضاعها و كلها تتحرك بحركة فلكها البطيئة على محيط دائرته غير مفارقة لها و كثيرة مختلفة الأقدار مثبتة في جميع جرم هذا الفلك، قال بطليموس: ثخن فلك الثوابت و هو المسافة التي بين سطحه الأدنى أربعة و ثلاثون ألفا و سبعمائة و أربعون و أربعون ميلا بالتقريب، و هذا المقدار هو قطر الكواكب الثابتة التي هي في العظم الأول و جرم الكواكب الذي هو في العظم الأول مثل جرم الأرض أربعة و سبعين مرة و خمس، و جرم أصغر الكواكب الثابتة و هو الذي يكون في العظم السادس مثل جرم الأرض ثماني عشرة مرة، و قطر فلك الكواكب الثابتة و هو محدد فلك البروج مائة و أحد و خمسون ألف ألف ميل و خمسمائة و سبعة و ثلاثون ألفا و مائة و أربعة و ثمانون ميلا، و لعل البعض يستبعد معرفة مقادير هذه الأجرام، و يخطر له أن الذي على سطح الأرض كيف يدري ثخن الفلك و أجرام كواكبه؟ فالأولى بتركه الاستبعاد؛ فإن الأمر الذي لا يعرفه هو لايستحيل أن يعرفه غيره و من مارس علم الهندسة لا يتعذر عليه براهين هذه الأمور؛ فإن لكل عمل رجالا فسبحان من أبدع هذه الأجسام الرفيعة، و زينها بهذه الأجسام المنيرة، و خص كل واحد منها بما شاء من المقدار، و أعطى الإنسان آلة يدرك بها هذه الأمور الغامضة، فقال تعالى: وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء: 70].

32

22 فصل: في الكواكب الثابتة

اعلم أن عددها مما يقصر ذهن الإنسان عن ضبطه، لكن الأولين قد ضبطوا منها ألفا و اثنين و عشرين كوكبا، ثم وجدوا من هذا المجموع تسعمائة و سبعة عشر كوكبا تنتظم منها ثماني و أربعون صورة، كل صورة منها تشتمل على كوكبها و هي الصور التي أثبتها بطليموس في كتاب‏ (المجسطي) بعضها في النصف الشمالي من الكرة، و بعضها على منطقة فلك البروج التي هي طريقة السيارات، و بعضها في النصف الجنوبي، فسمّى كل صورة باسم الشي‏ء المشبه بها، فوجد بعضها على صورة الإنسان كالجوزاء، و بعضها على صورة الحيوانات البحرية كالسرطان، و بعضها على صورة الحيوانات البرية كالحمل، و بعضها على صورة الطير كالعقاب، و بعضها خارجا عن شبه الحيوانات كالميزان و السنبلة، و وجدوا من هذه صورة حيوان و بعضه الآخر من صورة حيوان آخر كالرامي و منها من لم تتم صورته حتى جعل من صورة أخرى كوكبا مشتركا منهما مثل ممسك الأعنة؛ فإن صورته لم تتم حتى جعل الكوكب النير الذي على طرف القرن الشمالي من الثور مشتركا بينهما فصار على قرن الثور و على رجل ممسك الأعنة و إنما ألغوا هذه الصورة و سموها بهذه الأسماء؛ ليكون لكل كوكب اسم يعرف به متى أشاروا إليه و قد ذكروا موقعه من الصورة، و موضعه من فلك البروج، و بعده و في الشمال أو الجنوب عن الدائرة التي تمر بأوساط؛ لمعرفة أوقات الليل و الطالع في كل وقت.

(و أما) الكواكب الأخرى و هي مائة و ثمانية عشر كوكبا فإنها لم ينتظم منها شي‏ء من الصور فأضافوا كل ما وجدوه منها قريبا من صورة إلى تلك الصورة و سموها خارج الصورة مثل النير الذي فوق رأس الحمل الذي تسميه العرب الناطح، و أما عدد الصور و مواقعها من الفلك فهي ثمان و أربعون صورة، منها في النصف الشمالي من الكرة إحدى و عشرون صورة، و منها على البروج اثنتا عشرة صورة (1) و منها في النصف الجنوبي من الكرة خمس عشرة صورة.

____________

(1) على العاقل من بني البشر أن يفكر لم صار هذا الفلك بشمسه و قمره و نجومه و بروجه يدور على العالم هذا الدوران الدائم بهذا التقدير و الوزن إلا لما في اختلاف النهار و الليل و هذه الأزمان الأربعة من السنة على الأرض و ما عليها من أصناف الحيوان و النبات من ضروب المصلحة كالذي بينا آنفا؟ و هل يخفى على ذي لب أن هذا تقدير مقدر بصواب و حكمة من مقدر حكيم؟

فإن قلت: إن هذا شي‏ء أتفق أن يكون هكذا فما يمنعك أن تقول هذا في دولاب تراه يدور لسقي حديقة فيها شجر و نبات فترى كل شي‏ء من آلته مقدارا بعضها تلقاء بعض على ما فيه صلاح تلك الحديقة و ما فيها؟

33

فلنذكر الآن كوكبة كل صورة على الانفراد و عدد كواكبها و أسمائها و ألقابها على مذهب المنجمين؛ ليستدل بأحدهما على الآخر، و يعمل صورها المسماة باسمها المشبه و يرسم كل كوكبة على مواقعها من الصورة؛ ليكون مشاكلا لما يرى في السماء و التي هي خارجة عن الصورة؛ ليستدل الإنسان بأخذ ارتفاعها على الأوقات بها على قدرة اللّه تعالى صانعها جلت قدرته و تقدست أسماؤه له الحمد كثيرا.

23 فصل: في الصور الشمالية

و هي إحدى و عشرون صورة، و عدد كواكبها من نفس الصورة ثلاثمائة و أحد و ثلاثون كوكبا، و التي حوالي الصورة ليست من نفسها تسعة و عشرون كوكبا فجميع الكواكب التي في هذا النصف من الكرة ثلاثمائة و ستون كوكبا، و هذه أسماؤها:

(كوكبة الدب الأصغر) هي أقرب كوكبة إلى القطب الشمالي، و كواكبها من نفس الصورة سبعة، و الخارج عن الصورة خمسة، و العرب تسمي هذه السبعة بنات نعش الصغرى، فالأربعة التي على المربع نعش، و الثلاثة التي على الذنب بنات، و تسمي النيرين من الأربعة الفرقدين، و النير بالذي على طرف الذنب الجدي، و هو الذي يتوخى به القبلة، و جميع الكوكب الداخلة في الصورة و الخارجة عنها تشبه بحلقة سمكة و تسمى الفأس؛ لشبهها بفأس الرحا الذي يكون القطب في وسطه و قطب معدل النهار عنده بأقرب شي‏ء إلى كوكب الجدي.

(كوكبة الدب الأكبر) كواكبه تسعة و عشرون كوكبا من الصورة و ثمانية حوالي الصورة، و العرب تسمي الأربعة النيرة التي على المربع المستطيل، و الثلاثة التي على ذنبه بنات نعش‏

____________

و بماذا كنت تثبت هذا القول لو قلته؟ و ما ترى الناس كانوا قائلين لك لو سمعوه منك سوى تسفيه رأيك و تضليل عقلك؟ أفتنكر أن تقول هذا في دولاب خسيس مصنوع بحيلة تصيره لمصلحة قطعة من الأرض أنه كان بلا صانع و مقدر و تقدم على أن تقول هذا الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة تقصر عنها أذهان البشر لصلاح جميع الأرض و ما عليها أنه شي‏ء اتفق أن يكون بلا صنعة و لا تقدير؟ و لو اعتل هذا الفلك كما تعتل هذه الآلات التي تتحد لرفع الماء و غيرها ما كان عند الناس من الحيلة من صلاحه و لو تخلفت عنهم مقدار عام أو بعض عام كيف تكون حالهم؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء؟ أفلا ترى كيف كفي الناس هذه الأمور الجليلة التي لم يكن لها فيها عندهم حيلة فصارت تجري على مجاريها لا تعتل و لا تختل منافعها و مصالحها و لا تتخلف عن مواقيتها؛ لصلاح العالم و ما فيه.

انظر: الدلائل و الاعتبار للجاحظ ص 12.

34

الكبرى، فالأربعة التي على المربع المستطيل نعش، و الثلاثة التي على الذنب بنات، و تسمي الذي على طرف الذنب القائد، و الذي على وسطه العناق، و الذي يلي النعش و هو الذي على ذنب الجوزاء و فوق العناق كوكب صغير ملاصق له تسميه العرب السها و هو الذي يمتحن الناس به أبصارهم، زعموا أن من نظر إليه، و قال: أعوذ برب السهية من كل عقرب و حية أمن ليلته‏ (1)، و تسمى الستة التي على الأقدام الثلاثة على كل قدم منها اثنان قفزات الظباء كل اثنين منها قفزة، و القفزة الأولى و هي التي على الرجل اليمنى تتبعها الصرفة و هي الكوكب النير على ذنب الأسد، و الكواكب المجتمعة التي فوق الصرفة تسميها العرب الهقعة، تقول العرب: ضرب الأسد بذنبه الأرض فقفزت الظباء، و الكواكب السبعة التي على عنقه و صدره و على الركبتين كأنها نصف دائرة تسمى سرير بنات نعش، و تسمى الحوض أيضا، و الكواكب التي على الحاجب و العينين و الأذن و الخطم تسمى الظباء، تقول العرب: إن الظباء لما قفزت من الأسد وردت الحوض، و أما الثمانية التي حول الصورة اثنان منها ما بين الهقعة و القائد و أحدهما أنور من الآخر تسميه العرب كبد الأسد، و الستة الباقية تحت القفزة الثالثة التي على اليد اليسرى ثلاثة منها أنور هي ظباء، و البواقي خفية أولاد الظباء.

24 فصل: في خواص القطب الشمالي‏

ظاهر حوله بنات نعش الصغرى و كواكب خفية إذا جمعتها صارت في صورة سمكة، و القطب في وسيط هذه السمكة، و السمكة تدول حول القطب زعموا أن لهذا القطب فوائد:

(منها) أن النظر إليه و إلى الدب الأصغر يشفي من الرمد و جرب العين، و ذلك أن يقوم صاحب الجرب أو الرمد ليلة الأحد إذا ظهرت النجوم بعد ساعتين من غيبوبة الشمس حيال القطب الشمالي و الدب الأصغر، فينظر إليه ثم يأخذ ميلا من فضة يغمسه في الماورد الخالص، و يكحل به العين و إن كان المريض إحداهما فعل ذلك من ليلة الأحد في كل ليلة، و كلما كان أكثر كان أجود، فإن الرمد و الجرب يذهبان بإذن اللّه تعالى إلا أن الرمد أسرع.

____________

(1) لا شك أن هذا الدعاء من أدعية العرب الجاهلين قبل الإسلام أما بعد الإسلام فقد علمنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كثير من الأدعية التي يحفظ اللّه بها عبده منها: «أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق»، و المعوذتين و سورة الإخلاص و غيرها،

انظر: الأذكار للإمام النووي، و عمل اليوم و الليلة لابن السني.

35

(و منها) ما زعموا أن الأسد و الببر و النمر و الدب إذا قامت حيال هذا القطب و أطالت النظر إليه شفيت.

(و منها) أن اللبوة (1) إذا حملت فإنه ينالها عناء فربما بقيت تلك الليلة لا تأكل شيئا، ثم تأتي إلى نهر فيه ماء حار، أو عين ينبع منها ماء فتقوم في الماء إلى نصف ساقها، و تنظر إلى القطب الشمالي فإنها تبرأ من الوصب‏ (2).

(كوكبة التنين) التنين كواكبه أحد و ثلاثون كوكبا في الصورة و ليس حواليها شي‏ء من الكواكب المرصودة، و العرب تسمي الكوكب الذي على اللسان الرابض و الأربعة التي على الرأس العوائذ، و في وسط العوائذ كوكب صغير جدّا تسميه العرب الربع و هو ولد الناقة، و تسمي النيرين اللذين على مؤخرة الذئبين و الاثنين اللذين هما في غاية الخفاء قبل الذئبين أظفار الذئب، و قد وقعت العوائذ بين الذئبين و بين النسر الواقع منعطفين على الربع فشبّهت العرب النيرين بذئبيين قد طمعا في استلاب الربع، و شبّهت العوائذ بأربع أينق‏ (3) قد عفن على الربع، و في أصل الذنب كوكب يسمى بالذيخ و هو ذكر الضباع.

(و كوكبة قيقاوس) كواكبه أحد عشر كوكبا في الصورة، و عشرة خارج الصورة و هي من كوكبة ذات الكرسي و بين كواكب الجدي و هو النير الذي على ذنب الدجاجة الذي يسمى الردف، و العرب تسمي الكواكب الذي على صدره النثرة، و الذي على منكبه الأيمن الفرقد، و الدائرة التي تحصل من كواكب ذراعه و مما هو خارج و هو من كواكب الدجاجة من جناحها الأيمن تسمى القدر و الذي على الرجل اليسرى الراعي، و بين رجليه كوكب يسمى كلب الراعي، و بين رجليه و بين يدي الجدي كواكب صغار تسميها العرب الأغنام.

(كوكبة العواء) كواكبها اثنان و عشرون كوكبا في الصورة، و واحدة خارجها و هو صورة رجل بيده اليمنى عصا فيما بين كواكب الفكة، و بنات نعش الكبرى و تسمي العرب الكواكب التي على الرأس، و التي على المنكبين عصا الضباع، و التي على يده اليسرى و على الساعد من هذه اليد و ما حول اليد من الكواكب بالخفية أولاد الضباع، و الخارج عن الصورة كوكب أحمر نير بين‏

____________

(1) اللبوة: أنثى الأسد.

(2) الوصب: أي الوجع و المرض، أو التعب و الضور.

انظر: لسان العرب مادة (وصب).

(3) أينق: أنثى الجمل، مفردها: ناقة.

36

فخذيه يسمى السماك الرامح، و السماك يسمى مفردا حارس السماء و حارس الشمال؛ لأنه يرى أبدا في السماء لا يغيب تحت شعاع الشمس، و الكواكب التي على الساق اليسرى تسمى الرامح.

(كوكبة الفكة) كواكبها ثمانية يقال لها بالفارسية: كاسة دورشان و هي على استدارة خلف عصا الضباع، و في استدارتها ثلمة، لأجل ثلمتها يقال لها: قصعة المساكين و من كواكبها كوكب يقال له: النير من الفكة.

(كوكبة الجاثي) و يقال: هي الراقص له صورة رجل قد مد يده، و جثا على ركبتيه إحدى رجليه على طرف عصا العوار و هي اليمنى، و الأخرى عند الأربعة بالتي على رأس التنين التي تسمى العوائذ، و كواكبه ثمانية و عشرون كوكبا في الصورة خلاف الكوكب المشترك بينه و بين العواء، و واحد خارج الصورة.

(كوكبة السلياق) كواكبه عشرة، و النير منها يسمى النثر الواقع، شبهته العرب بنسر قد ضم جناحيه إلى نفسه كأنه واقع على شي‏ء و العامة تسميه الأثافي، و قدام النير كوكب خفي تسميه العرب الأظفار.

(كوكبة الدجاجة) كواكبها سبعة عشر كوكبا في الصورة، و اثنان خارج الصورة، و العرب تسمي الأربعة المصطفة الفوارس، و قد قطعت المجرة عرضا، و النير الذي على الذئب الردف؛ لأنه يتلو الأربعة، و جعله بعضهم الذي على الصدر في الوسط، و اثنان عن يمينه، و اثنان عن يساره، و الردف خلفه.

(كوكبة ذات الكرسي) هي صورة امرأة قاعدة على كرسي له قائمتان كقائمة المنبر و عليه مسند، و قد أدلت رجليها و هي في نفس المجرة فوق الكوكب الذي على رأس قيقاوس، و كواكبها ثلاثة عشر كوكبا، و العرب تسمي النير من هذه الكواكب الكف المخضب و هي كف الثريا اليمنى المبسوطة، فشبهت العرب تلك الكواكب بيد مبسوطة، و الكواكب النيرة منها بأنامل مخضوبة.

(كوكبة سياوس) و هي حاملة رأس الغول، و هي صورة رجل قائم على رجله اليسرى و قد رفع رجله اليمنى و يده اليمنى فوق رأسه و بيده اليسرى رأس غول و كواكبها ستة و عشرون كوكبا في الصورة، و ثلاثة خارجة عن الصورة.

37

(كوكبة ممسك الأعنة) هي صورة رجل قائم خلف رأس الغول بين الثريا و بين كوكبة الدب الأكبر، و كواكبها أربعة عشر كوكبا، و في وسط الصورة كواكب تسميها العرب على المرفق الأيسر العنز، و الاثنين اللذين على المعصم الأيسر الجديين، و يسمى العيوق معها العناق، و يسمى أيضا رقيب الثريا، و يسمى الذي على المنكب الأيمن، و الاثنان اللذان على الكعبين توابع العيوق.

(كوكبة الحور و الحية) أما الحور فصورة رجل قائم قد قبض بيده على حية و كواكبها أربعة و عشرون في الصورة و خمسة خارجها، و أما الحية فكواكبها ثمانية عشر، و على عنقها كوكب يسمى عنق الحية، و تسمى الكواكب المصطفة على رأس الحية نسقا شاميا، و المصطفة تحت عنقه نسقا يمانيا، و يسمى ما بين النسقين الروضة، و الكواكب التي بين النسقين في الروضة الأغنام، الذي على رأس الحور يسمى الراعي، و الذي على رأس الجاثي كلب الراعي.

(كوكبة السهم) هي خمسة كواكب بين منقار الدجاجة و بين النسر الطائر في نفس المجرة العظيمة نصلة إلى ناحية المشرق، و الفوق إلى ناحية المغرب، و طول السهم في رأي العين إذا كان في كبد السماء نحو ذراعين.

(كوكبة العقاب) كواكبه تسعة في الصورة، و ستة خارجها، و في الصورة ثلاثة مشهورة تسمى النسر الطائر، و بإزالة النسر الواقع، و العامة تسمي الثلاثة المشهورة من خارج الصورة الميزان؛ لاستواء كواكبه، و الاثنين اللذين فوقها الظليمين‏ (1).

(كوكبة الدلفين) كواكبه عشرة مجتمعة تتبع النسر الطائر، و النير الذي على ذنبه يسمى ذنب الدلفين، و العرب تسمي الأربعة التي في وسط العنق الصليب و الذي على الذنب عمود الصلب.

(كوكبة قطعة الفرس) كواكبها أربعة تتبع الدلفين: اثنان منها متضايقان بينهما شبر، و اثنان بينهما ذراع، و الأول في موضع الفم، و الآخرون على الرأس.

(كوكبة الفرس الأعظم) كواكبه عشرون و هي على صورة فرس له رأس و يدان و بدن إلى آخر الظهر، و ليس له كفل و لا رجلان، و الأول من كواكبه على السرة و هو على رأس المرأة المسلسلة مشترك بينهما و يسمى سرة الفرس، و آخر على متنه يسمى متن الفرس، و كوكب على منكبه الأيمن يسمى منكب الفرس، و آخر عند منشأة العنق يسمى عنق الفرس، و آخر على‏

____________

(1) الظليم: أي ذكر النعام.

38

جحفلته خلف الأربعة التي على قطعة الفرس يسمى فم الفرس، و العرب تسمي الأربعة النيرة التي على المربع أحدهما عند منتهى العنق متن الفرس، و منكب الفرس، و جناح الفرس، و المنكب المشترك الدلو، و تسمي الاثنين المتقدمين عليها العرقوة، و الاثنين اللذين في البدن النعائم، و الكرب أيضا شبهته العرب بمجموع العرقوتين في الوسط في رأس الدلو حيث يشد فيه الحبل، و ذلك الموضع من الدلو يسمى الكرب، و تسمي الاثنين اللذين على الرأي سعد البهائم، و الاثنين اللذين على العنق سعد الهمام، و الاثنين المتقاربين اللذين في الصدر سعد البارع، و الاثنين الذين على الركبة اليمنى سعد المطر.

(كوكبة المرأة المسلسلة) كواكبها ثلاثة و عشرون من الصورة سوى النير الذي على الرأس فإنه على سرة الفرس، و سميت هذه المرأة مسلسلة؛ لامتداد إحدى يديها و هي اليمنى نحو الشمال و الأخرى نحو الجنوب، و لاجتماع الكواكب بين رجليها شبهوها بمن سلسل، و يسمى الكوكب النير الذي فوق مئزرها بطن الحوت.

(كوكبة الفرس التام) هي أحد و ثلاثون كوكبا و هي فرس آخر أحسن شبها بالفرس من الأول و بعض الفرس الأول داخل فيه، و من السطر الذي من الكوكب على وجهه و رأسه تولدت صورة الرأس، و تمر على عرفه على تقويس فيفصل بكوكب على متنه و هو من كواكب الفرس الأعظم الذي على طرف اليد اليسرى للفرس الأعظم، ثم على كوكبين أحدهما في وسط ذنبه، و الآخر على طرف الذنب، و يخرج من الجحفلة سطر يمر على الغلصمة و النحر، و به تتم صورة العنق و الصدر.

(كوكبة المثلث) كواكبها أربعة بين الشطرين و بين النير الذي على الرجل اليسرى من صورة المرأة و هي على شكل مثلث فيه طول أحدها على رأس المثلث، و يسمى هذا الاسم و ثلاثة على قاعدتها.

25 فصل: في البروج الاثني عشر

هذه صورة قريبة من الدائرة التي تمر على أوساط البروج في المائل عن طريقة الكواكب السيارة و هي التي سميت البروج الاثنا عشر بأسمائها كل اسم باسم الصور التي كان فيه، فلنذكر كوكبة كل صورة و عدد كواكبها و موقعها من الصورة و ألقاب بعضها على رأي المنجمين العرب، و لنبدأ بالصورة التي في الوجه الأول منها:

39

(كوكبة صورة الحمل) كواكبه ثلاثة عشر في الصورة، و خمسة خارجها مقدمة إلى جهة المغرب، و مؤخرة إلى المشرق، و وجهه على ظهره، و النيران اللذان على القرن يسميان الشرطين، و النير الخارج عن الصورة يسمى النطح، و اللذان على الألية مع الذي على الفخذ و هو على مثلث متساوي الأضلاع تسمى البطين، و العرب جعلت بطن الحمل منزلا للقمر كبطن السمكة و سمته البطين.

(كوكبة الثور) صورته صورة ثور مؤخره إلى المغرب، و مقدمه إلى المشرق، و ليس له كف و لا رجلان تلفت رأسه إلى جنبه و قرناه إلى ناحية المشرق و كواكبه اليمنى من ممسك الأعنة مشترك بينهما، و الخارج عن الصورة أحد عشر كوكبا، و على موضع القطع منه أربعة مصطفة، و النير الأحمر العظيم الذي على عينه الجنوبية يسمى الدبران، و عين الثورة أيضا، و تالي النجم، و حادي النجم، و الفنيق، و العرب تسمي الكواكب التي على كاهل الثور الثريا و هما كوكبان نيران في خلالهما ثلاثة كواكب صارت مجتمعة متقاربة كعنقود العنب، و لذلك جعلوها بمنزلة كوكب واحد و سموا النجم، و زعموا أن في ذلك المطر عند نوثها الثروة، و تسمي الاثنين المتقاربين على الأذنين الكلبين، و يزعمون أنهما كلبا الدبران، و العرب تتشاءم بالدبران، و تقول:

أشأم من حادي النجم، و يزعمون أنهم لا يمطرون بنوء الدبران إلا و سنتهم مجدبة.

(كوكبة التوءمين) كواكبها ثمانية عشر في الصورة، و سبعة خارجها و هي صورة إنسانين رأسهما في الشمال الشرقي، و أرجلهما إلى الجنوب و المغرب و قد اختلطت كواكب أحدهما بكواكب الآخر، و العرب تسمي الاثنين النيرين اللذين على رأسهما الذراع المبسوطة، و اللذين على ثدي التوءم الثاني الهقعة و اللذين على قدم التوءم المتقدم و قدام قدمه البخاتي.

(كوكبة السرطان) كواكبه تسعة من الصورة، و أربعة خارجها، و العرب تسمي الكواكب النيرة منها النثرة، و في المجسطي ذكر النثرة باسم المعلف، و اسم الكوكبين التاليين للننره الحمارين، و الكوكب النير الذي على الرجل المؤخرة الجنوبي الطرف.

(كوكبة الأسد) كواكبه سبعة و عشرون في الصورة، و ثمانية خارجها، و العرب تسمي الكوكب الذي على وجهه مع الخارج عن الصورة سرطان الطرف و تسمي الأربعة التي في الرقبة و القلب الجبهة، و تسمي التي على البطن و على الحرقفة (1) الزبرة (2) و الذي على مؤخر

____________

(1) الحرقفة: أي عظم رأس الورك (ج) حراقيف.

(2) الزبرة: أي القطعة الضخمة يقال: زبرة الحديد أي: القطعة الضخمة من الحديد قال تعالى: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى‏ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [الكهف:

96]. انظر: لسان العرب مادة (زبر)

40

الذنب قلب الأسد و تسميه أيضا الصرفة؛ لانصراف البرد عند سقوطه بالمغرب بالغدوات، و انصراف الحر عند طلوعه من تحت شعاع الشمس بالغدوات.

(كوكبة العذراء) و هي ستة و عشرون في الصورة، و ستة خارجها و هي صورة امرأة رأسها على جنوب الصرفة، و قدماها الزبانان اللذان على كفتي الميزان، و العرب تسمي التي على طرف منكبها الأيمن العواء و هو المنزل الثالث عشر من منازل القمر، و زعم بعضهم أن الكواكب التي على بطنها، و تحت إبطها كأنها كلاب تعوي خلف الأسد و تسمى عواء البرد أيضا؛ لأنها إذا طلعت أو سقطت جاءت ببرد و الكوكب النير الذي بقرب يدها التي فيها السلسلة السماك الأعزل سمّى أعزل؛ لأنه بإزائه السماك الرامح، و يسمى أعزل؛ لأنه لا سلاح معه و المنجمون يقولون لهذا الكوكب: السنبلة، و يسمى أيضا ساق الأسد و الذي على قدمه اليسرى الغفر، و إنما سمي بالغفر؛ لنقصان ضوء كواكبه كأنه سترها.

(كوكبة الميزان) ثمانية كواكب في الصورة بين كوكبة العذارء و كوكبة العقرب، و تسعة خارجها، و ليس فيها شي‏ء من الكواكب المشهورة.

(كوكبة العقرب) أحد و عشرون كوكبا من الصورة، و ثلاثة خارجها و هي صورة مشهورة، و العرب تسمي الثلاثة التي على الجبهة الإكليل، و تسمي النير الأحمر الذي على البدن قلب العرب، و تسمي الذي قدام القلب و الذي خلفه النياط، و تسمي الذي في الخزوات الفقرات، و تسمي الاثنين اللذين على طرف الذنب الشولة.

(كوكبة الرمي) و هي القوس أحد و ثلاثون كوكبا في الصورة، و ليس حواليه شي‏ء من الكواكب المرصودة، و العرب تسمي الأول الذي على النصل، و الذي على مقبض القوس، و الذي على الطرف الجنوبي من القوس، و الذي على طرف اليد اليمنى من الدابة النعام الواردة؛ لأن المجرة شبهت بنهر، و النعام قد وردت النهر، و تسمي الذي على المنكب الأيسر و الذي فوق السهم و الذي على الكتف الأيسر، و الذي تحت الإبط و هو بعيد عن المجرة إلى ناحية المشرق‏

41

النعام الصادرة شبهتها بنعام شرب الماء، و صدر عن النهر، و تسمي اللذين على الستة الشمالية من القوس الظليمين، و اللذين على الفخذ اليسرى و الساق الصردين‏ (1).

(كوكبة الجدي) كواكبه ثمانية و عشرون كوكبا في الصورة، و ليس حوالي الصورة شي‏ء من الكواكب المرصودة، و العرب تسمي الاثنين اللذين على القرن الثاني سعد الذابح سمي ذابحا للصغير الملاصق له، قيل: الصغير شأنه الذي يذبحه، و تسمي الاثنين النيرين اللذين على الذنب المحبين.

(كوكبة ساكب الماء و هو الدلو) كواكبه اثنان و أربعون كوكبا في الصورة، و ثلاثة خارجها، و العرب تسمي اللذين على منكبه الأيمن سعد الملك، و اللذين على منكبه الأيسر مع الذي على ذنب الجدي سعد السعود، و الثلاثة التي على يده اليسرى سعد بلع، و إنما سميت بهذا الاسم؛ لأن البعد بين هذين الاثنين أوسع من البعد بني الذابح، فشبهتها بفهم مفتوح؛ ليبلع، و تسمي الذي على ساعده مع الثلاثة التي على يده اليمنى سعد الأخبية، و إنما سمي بذلك؛ لأنه إذا طلع اختبأت الهوام تحت الأرض من البرد، و تسمي النير الذي على فم الحوت الجنوبي الضفدع الأول.

(كوكبة السمكة و هو الحوت) و كواكبها أربعة و ثلاثون في الصورة، و أربعة خارجة، و هما سمكتان: إحداهما السمكة المتقدمة، و هي التي على ظهر الفرس الأعظم في الجنوب، و الأخرى على جنوب كوكبة المرأة المسلسلة، و بينهما خيط من كواكب يصل بينهما على تعريج.

26 فصل: في الصورة الجنوبية

هي الكواكب التي في النصف الجنوبي من الكرة و هي خمس عشرة صورة، نذكر مواضع كواكبها من الصورة إن شاء اللّه تعالى، و مواضع صورها و أسمائها على مذهب العرب و المنجمين على ما رسمنا فيما تقدم.

(كوكبة قيطس) هي صورة حيوان بحري مقدمه في ناحية المشرق على جنوب كوكبة الحمل، و مؤخره في ناحية المغرب خلف الثلاثة الخارجة عن صورة ساكب الماء و كواكبه اثنان‏

____________

(1) الصرد: طائر أكبر من العصفور ضخم الرأس و المنقار يصيد صغار الحشرات، و ربما صاد العصفور، و كانوا يتشاءمون به.

انظر: لسان العرب مادة (صرد).

42

و عشرون، و العرب تسمي الكواكب التي في الرأس الكف الجذماء؛ لأن امتداده دون امتداد الكف الخضيب، و تسمي الخمسة التي على يديه النعامات، و الكواكب التي على أصل الذئب تسمى النظام، و التي على الشعبة الجنوبية من الذنب تسمى الضفدع الثاني، و الأول مذكور في الدلو.

(كوكبة الجبار) كواكبه ثمانية و ثلاثون كوكبا في الصورة و هو صورة رجل قائم في ناحية الجنوب على طريقة الشمس بيده عصا، و على وسطه سيف، و العرب تسمي الكواكب الثلاثة التي على الوجه الهنعة، و النير الأعظم الذي على منكبه اليمنى منكب الجوزاء، و يد الجوزاء أيضا، و الكوكب النير الذي على المنكب اليسرى الناجذ، و المرزم أيضا، و الثلاثة المصطفة التي على وسطه منطقة الجوزاء، و الثلاثة المنحدرة المتقاربة سيف الجبار، و النير الأعظم الذي على قدمه اليسرى رجل الجبار، و تسمي التسعة المقوسة التي على الكم تاج الجوزاء.

(كوكبة النهر) كواكبه أربعة و ثلاثون في الصورة، و ليس حواليه شي‏ء من الكواكب المرصودة يبتدئ من عند النير الذي على قدم الجوزاء فيمر في المغرب على تعريج إلى قرب الأربعة التي على صور قيطس، ثم يمر في الجنوب على ثلاثة كواكب، ثم ينعطف إلى المشرق فيمر على ثلاثة كواكب أيضا، ثم ينعطف إلى الجنوب فيمر على ثلاثة كواكب مجتمعة، ثم ينقطع فيمر في الجنوب على كوكبين متقاربين، ثم ينعطف إلى المغرب، فيمر على كوكبين متقاربين أيضا، ثم على ثلاثة كواكب متقاربة، ثم ينتهي إلى كوكب نير على آخر النهر، و العرب تسمي الأول و الثاني و الثالث من كوكبة الكرسي الجوزاء، و تسمي الأربعة التي في وسط النهر من الخمسة التي في جانبه الآخر أدحى النعام و هو عشه، و التي حوالي هؤلاء الكواكب تسمى البيض، و النير الذي على آخر النهر يسمى الظليم، و بين هذا الظليم و الظليم الذي على فم الحوت كواكب كثيرة تسمى الرئال و هي فراخ النعام.

(كوكبة الأرنب) هي اثنا عشر كوكبا في الصورة، و ليس حواليه شي‏ء من الكواكب المرصودة و هي تحت رجل الجبار، وجهه إلى المغرب، و مؤخره إلى المشرق، و العرب تسمي الأربعة التي اثنان منها على يديه، و اثنان على رجليه كرسي الجوزاء، و عرش الجوزاء أيضا.

(كوكبة الكلب الأحمر) كواكبه ثمانية عشر في الصورة، و أحد عشر خارجها و هي صورة كلب خلف كوكبة الجوزاء، و لذلك سمي كلبا، و العرب تسمي النير الأعظم الذي على موضع الفم الشعري العبور، و كان قوم في الجاهلية يعبدونه؛ لأنه يقطع السماء عرضا دون غيره من‏

43

الكواكب، و ذلك قوله تعالى: وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى‏ [النجم: 49] (1)، و سمي عبورا؛ لأنه عبر المجرة إلى سهيل، و تسمى اليمانية؛ لأن مغيبها في شق اليمن، و تسمى بالأربعة البيت منها على كتفه و على ذنبه ما بينهما و على فخذه العذارى، و الأربعة المصطفة التي على الاستقامة خارج الصورة تسمى القرود، و النيران من خارج الصورة حضار الوزن، و من العرب من يسميها مختلفين؛ لأنهما يطلعان قبل سهيل فيظن أحدهما سهيلا فيخلف عليه، و الآخر يعلم أنه غير سهيل فيخلف له.

(كوكبة الكلب المتقدم) و هما كوكبان بين النيرين اللذين على رأس التوءمين، و بين النيرين الذي على فم الكلب الأكبر يتأخر عنهما إلى المشرق، و أحدهما أنور و تسميه العرب الشعري الشامية؛ لأنها تغيب في شق الشام، و تسميه الشعرى الغميضاء؛ لأنه عندهم أحب سهيلا، و قد عبرت اليمانية المجرة إلى ناحية سهيل و بقيت هذه في الشمال الشرقية فبكت على سهيل و غمضت عيناها، و تسمي الاثنين أيضا ذراع الأسد المقبوض، و سميت مقبوضة؛ لتأخرها عن الذراع الأخرى، و هما النيران اللذان على رأس التوءمين.

(كوكبة السفينة) كواكبها خمسة و أربعون كوكبا من الصورة، و ليس حواليها شي‏ء من الكواكب المرصودة، و ذكر بطليموس أن النير العظيم الذي على المجداف الجنوبي هو سهيل و هو أبعد كوكب عن السفينة في الجنوب يرسم على الإسطرلاب، و أما العرب فالروايات عنها في سهيل و في كواكب السفينة مختلفة الرأي، بعضهم أن النير الذي على طرف المجداف الثاني يسمى سهيلا على الإطلاق.

27 فصل: في فوائد القطب الجنوبي‏

أما القطب الجنوبي فإنه في مقابلة القطب الشمالي، و إنه خارج عن كواكب السفينة بقرب نير المجداف، و تدور حوله كواكبه أسفل سهيل، و زعموا أن لهذا القطب فوائد:

(منها) أن كل حيوان أنثى إذا تعسرت ولادتها تنظر إلى القطب، و إلى سهيل تضع في الحال.

(و منها) أن من انقطعت عنه شهوة الباه‏ (2) من غير شرب دواء يداوم النظر إلى القطب الجنوبي في ليال متوالية ترجع إليه شهوته.

____________

(1) و الشعرى: نجم معروف كانوا يعبدونه في الجاهلية.

(2) الباه: أي الزواج، أو الجماع.

44

(و منها) أن صابح الثآليل‏ (1) إذا أخذ بعدد كل ثؤلؤل ورقة من شجرة الغرب، و يومئ إلى سهيل، و إلى القطب و يقول: هذا لقلع الثآليل حتى يقول اثنين و أربعين مرة إما في ليلة واحدة أو في ليال، ثم يدق الورق في هاون اسفيدوز، و يجعله على الثآليل فإنها تجف و تنفرك، و زعموا أنها من الخواص العجيبة المجربة.

(و منها) أن صاحب الماليخوليا (2) إذا أدام النظر إلى القطب و سهيل مرة بعد أخرى، أو في ليلة مرات يزول عنه ذلك، و زعموا أنهم جربوه فوجدوه صحيحا، (و منها) أن النظر إلى هذا القطب و سهيل يحدث للإنسان طربا و سرورا؛ و لهذا صنف من الزنج مخصوصون بمزيد من الطرب؛ لأنهم متقاربون من مدار القطب و سهيل.

(و منها) أن صاحب الظفرة في العين إذا أدام النظر إلى القطب و سهيل تزول ظفرته، و ذلك بأن يديم النظر إلى القطب و سهيل، و يحدق النظر إليهما، و يكون النظر متواليا، أوله ليلة الثلاثاء و لا يقطعه إلى أن تزول الظفرة فإنها تذهب إلى تمام اثنتين و أربعين، أو تسع و أربعين.

(كوكبة الشجاع) كواكبه خمسة و عشرون كوكبا في الصورة، و اثنان خارجها رأسه على زباني الجنوبي من صورة السرطان و هي بين الشعرى الغميضاء، و قلب الأسد يميل عنهما إلى الجنوب ميلا يسيرا، ثم ينعطف إلى كوكب نير على آخر عقدته منشأة الظهر فوقه أربع كواكب على شمال النير، و العرب تسمي الذي على آخر العنق الفرد؛ لانفراده عن أشباهه و أما سائر كواكب الشجاعة فعن العرب فيها روايات كثيرة لا طائل تحتها.

(كوكبة البلطية) هي سبع كواكب على شكل كوكبة الشجاع و العرب تسمي هذه الكواكب الملتف.

(كوكبة الغراب) هي سبع كواكب خلف البلطية على جنوب السماك الأعزل، و العرب تسمي هذه الكواكب عجز الأسد، و تسميها أيضا عرش السماك الأعزل و تسميها أيضا الأحمال.

(كوكبة قطورش) هي سبعة و ثلاثون كوكبا، و صورته صورة حيوان، و مقدمه مقدم إنسان من رأسه إلى آخر ظهره، و مؤخره فرس من منشأ ظهره إلى ذنبه، وجهه إلى المشرق، و مؤخر ذنبه‏

____________

(1) الثآليل: هي مرض في صورة حبوب مستديرة مشققة في حجم الحمصة، أو دونها تظهر على الجلد، مفردها:

ثؤلول.

(2) الماليخوليا: مرض ضعف القوة العقلية و هو شبيه بالجنون العقلي.

45

إلى المغرب و بيده شمراخان و قد قبض بيده اليمنى كوكب حضار، و على يده الأخرى الوزن، و هما اللذان يسميان المخلفين كما ذكرنا قبل.

(كوكبة السبع) و هي تسعة عشر كوكبا من الصورة خلف كوكبة قيطورش، و بعضها مختلط بكوكبة قيطورش و قد قبض قيطورش على يده، و العرب تسمي كوكبة قيطورش و السبع الشماريخ الجملة؛ لكثرتها و كثافة جميعها، و ليس حولها شي‏ء من الكواكب المرصودة.

(كوكبة المجرة) كواكبها سبعة في الصورة، و لم يقع عن العرب شي‏ء في هذه الكواكب.

(كوكبة الإكليل الجنوبي) و هي ثلاثة عشر كوكبا في الصورة قدام الاثنين اللذين على عرقوب الرامي، فمن العرب من يسمي هذه الكواكب القبة؛ لاستدارتها، و منهم من يسميها أدحى النعام و هو عشه؛ لأنها على جنوب النعامين الصادر و الوارد اللذين قد مضى ذكرهما.

(كوكبة الحوت الجنوبي) و هي أحد عشر كوكبا في الصورة على جنوبي كواكب الدالي رأسه إلى المشرق، و ذنبه إلى المغرب، و يسمى النير الذي على فمه فم الحوت.

تمت الكواكب الثابتة و باللّه التوفيق و هو حسبنا و نعم الوكيل.

28 فصل: في منازل القمر

و هي ثمانية و عشرون منزلا ينزل القمر كل ليلة بواحدة منها من مستهله إلى ثمان و عشرين ليلة من الشهر، ثم يستسر، و استسراره محاقه حتى لا يرى منه شي‏ء، فإن كان الشهر تسعا و عشرين استسر ليلة ثمان و عشرين‏ (1)، و إن كان ثلاثين استسر ليلة تسع و عشرين، و هو في السرار يقطع منزله، فهذه المنازل الثمانية و العشرون يبدو منها أبدا أربعة عشر بالليل فوق الأرض و أربعة عشر تحت الأرض و كلما غاب منها واحد طلع رقيبه، و العرب تسمي أربعة عشر من هذه بالنازل شامية، و أربعة عشر يمانية، فأول الشامية الشرطين، و آخرهما السماك الأعزل، و أول اليمانية الغفر، و آخرها الرشا، و العرب تسمي سقوط النجم في الغرب و طلوع مقابله مع الفجر نوءا، و سقوط كل نجم منها على ثلاثة عشر يوما خلا الجبهة فإن لها أربعة شعر يوما فيكون انقضاء سقوط الثمانية و العشرين مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى الأول في ابتداء السنة

____________

(1) قال تعالى: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ* لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏ [يس: 39، 40].

46

المستقبلة، و ما كان في هذه الثلاثة عشر يوما من مطر أو ريح أو حر أو برد فهو من نتوء ذلك النجم الساقط عند الحكماء، و لهم أقوال طويلة في أحكام نزول النيرين. فأول هذه المنازل:

(الشرطين) يقال لهما: قرنا الحمل، و يسميان الناطح و بينهما في رأي العين قاب قوسين، و إذا حلت الشمس بها اعتدل الزمان و استوى الليل و النهار، و طلوعهما لست عشرة ليلة تخلو من نسيان، و سقوطهما لثماني عشرة ليلة تخلو من تشرين الأول، و حلول الشمس بهما لعشرين ليلة تخلو من أدار، و كلما نزلت الشمس الشرطين فقد مضت سنة، و إنما سميا شرطين؛ لأنهما علامة دخول أول السنة و في نوء الشرطين يطيب الرمان و تكثر المياه و تنعقد الثمار و يحصد الشعير و رقيب الشرطين الغفر.

(البطين) يقال له: بطن الحمل و هي ثلاثة كواكب خفية كأنها أثافي، و هذه صورتها، و هو بين الشرطين و الثرياء و طلوعه لليلة تبقى من نيسان، و سقوطه لليلة تبقى من تشرين الأول، و عند سقوطه يرتج البحر فلا تجري فيه جارية، و يذهب الحداء و الرخم و الخطاطيف إلى الغور، و يستكن النمل، و تقول العرب: إذا طلع البطين فقد اقتضى الدين، و حكى ابن الأعرابي أنهم يقولون: ما أوتي البطين و الدبران أو أحدهما، و كان لنوئه مطر إلا كاد أن يكون ذلك العام جديبا، و قالوا: إنه أشر الأنواء و أقلها مطرا و في نوئه يجف العشب، و يتم حصاد الشعير، و يأتي أول حصاد الحنطة، و رقيب البطين الزبانا.

(الثريا) و يقال له: النجم و هو أشهر هذه المنازل و هي ستة أنجم و هي هذه:

و في خلالها نجوم كثيرة خفية، و العرب تقول: إن طلع النجم غدية ابتغى الراعي كسية، و طلوعها لثلاث عشرة ليلة تخلو من أيار، و سقوطها لثلاث عشرة ليلة تخلو من تشرين الآخر، و الثريا تظهر في المشرق عند ابتداء البرد ثم ترتفع في كل ليلة حتى تتوسط مع غروب الشمس، و في ذلك الوقت أشد ما يكون البرد، ثم تنحدر عن وسط السماء؛ فتكون في كل ليلة أقرب من أفق المغرب إلى أن يهل الهلال معها، ثم تمكث يسيرا و تغيب نيفا و خمسين ليلة، و هذا المغيب هو استسرارها ثم تبدو بالغداة من المشرق في قوة بالحر، و قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا طلع النجم لم يبق من العاهة شي‏ء» أراد عاهات الثمار؛ لأنها تطلع بها بالحجاز و قد أزهر البسر.

و أما نوؤها فمحمود، و هو خير نجوم الوسمي؛ لأن مطره في الوقت الذي فقدت الأرض فيه الماء، فإذا طلعت الثريا ارتج البحر و اختلفت الرياح و سلط اللّه الجن على المياه، و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من ركب البحر بعد طلوع الثريا فقد برئت منه الذمة»، و في نوء الثريا تتحرك‏

47

الرياح و يشتد الحر و يدرك التفاح و المشمش و يجف العشب، و في آخره يمتد النيل و يكثر اللبن، و رقيب الثريا الإكليل.

(الدبران) و هو كوكب أحمر منير يتلو الثريا، و يسمى تابع النجم، و سمي دبرانا لاستدباره الثريا، و هذه صورته:

و نوؤه غير محمود، و العرب تتشاءم به، و طلوعه لست و عشرين ليلة من أيار، و سقوطه لست و عشرين ليلة من تشرين الأول، قال الساجع: إذا طلع الدبران يبست الغدران، و في نوئه يشتد الحر، و هو أول البوارح و تهب السمائم‏ (1) و سود العنب، و رقيب الدبران القلب.

(الهقعة) هي رأس بالجوزاء، و هي ثلاثة كواكب صغار تشبه الأثافي، و هذه صورتها و إنما سميت هقعة تشبيها بعرض الفرس الذي يقال له: الهقعة، و تطلع لتسع خلون من حزيران، و تسقط لتسع خلون من كانون الأول، و نوؤها لا يكادون يذكرونه إلا بنوء الجوزاء، و العرب تقول: إذا طلعت الهقعة رجع الناس عن النجعة، و في نوئها يدرك البطيخ و سائر الفواكه و يشتد الحر و يكثر هبوب السمائم، و رقيب الهقعة الشولة.

(الهنعة) هي كوكبان أبيضان بينهما قيد سوط في المجرة، و هذه صورتها: 55 يقال لأحد الكوكبين: الزر، و الآخر: لنيسان و ثلاثة تحيط بهما فمجموعهما خمسة؛ أربعة متتابعة إلى جانب، و واحد في جهة العرض على هيئة الألف الكوفي، و طلوع الهنعة لاثنتين و عشرين ليلة تخلو من حزيران، و سقوطها لاثنتين و عشرين ليلة تخلو من كانون الأول، و نوؤها من أنواء الجوزاء، و تقول العرب: إذا طلعت الجوزاء كسب الصبا، و في نوئها انتهاء شدة الحر و إدراك الرطب و التين و تغير المياه، و رقيب الهنعة النعائم.

(الذراع) هو ذراع الأسد المقبوضة، و للأسد ذراعان: مقبوضة و مبسوطة، فالمبسوطة تلي اليمن، و المقبوضة تلي الشام، و طلوعها لأربع تخلو من تموز، و سقوطها لأربع تخلو من كانون الآخر، و نوؤها محمود قل ما يخلف، و زعمت العرب أنه إذا لم يكن في السنة مطر لم يخلف الذراع، و العرب قد تقول: إذا طلع الذراع ترقرق الشراب في كل قاع، و في نوئها تشتد بوارح الصيف حرّا و سموما، و فيه يدرك الرمان و يحمر البسر (2) و يقطع القصب النبطي، و رقيب الذراع البلدة.

____________

(1) تهب السمائم: أي تشتد رياح السموم، و هي ريح حارة تهب غالبا بمصر في شهر مايو، و أكثر ما تكون نهارا.

(2) يحمر البسر أي: ينضج البلح، و البسر ما لم يتم نضوجه من البلح، و يطلق أيضا على ردي‏ء البلح و في المثل:

(بسرا و سوء كيلة).

48

(النثرة) هي ثلاثة كواكب متقاربة، و هي أنف الأسد، و طلوعها لسبع عشرة ليلة من تموز، و تسقط لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر، و تقول العرب: إذا طلعت النثرة قنأت البسرة؛ أي: اشتدت حمرتها، و عند سقوط النثرة يجري الماء في العود و يصلح تحويل الفسيل، و في نوئها غاية شدة الحر، و فيه سموم حارة حتى قيل: إن نوءها كل يوم تظهر آفة تفسد شيئا من الزرع و الثمار، و رقيب النثرة سعد الذابح.

(الطرفة) هو طرف الأسد، و هما كوكبان صغيران مثل الفرقدين‏ (1) و طلوعه لليلة تخلو من آب، و سقوطه لليلة تبقى من كانون الثاني، و تقول العرب: إذا طلعت الطرفة كثرت الطرفة، و عند ذلك قطاف أهل مصر، و في نوئه بوارح و سموم، و فيه يؤكل الرطب و يقطف العنب، و رقيب الطرف سعد بلع.

(الجبهة) هي جبهة الأسد، و هي أربعة كواكب فيها عوج بين كل كوكبين في رأي العين قيد سوط، و هي معترضة من الجنوب إلى الشمال، و الجنوبي منها يسميه المنجمون قلب الأسد، و طلوعها لأربع عشرة ليلة تمضي من آب من مطلع سهيل، و سقوطه لاثنتي عشرة ليلة تخلو من شباط، عند سقوطها ينكسر حد الشتاء و توجد الكمأة و يورق الشجر و تهب الرياح اللواقح، و تقول العرب: لو لا طلوع الجبهة ما كان للعرب رفعة، و نوؤها محمود، يقال: ما امتلأ واد من نوء الجبهة ماء إلا امتلأ عشبا، و سهيل يطلع بالحجاز مع طلوع الجبهة، و مع طلوعها يصير البسر رطبا، و في نوئها ينكسر البرد و يكثر الرطب و يسقط الطل، و رقيب الجبهة سعد السعود.

(الزبرة) هي زبرة الأسد؛ أي: كاهله، و هي كوكبان نيران بينهما قيد سوط، و الزبرة شعر الأسد الذي ينزل عند الغضب، و أحدهما أنور من الآخر، و فيهما قليل عوج، و طلوعهما لأربع ليال تخلو من آب، و سقوطهما لخمس ليال تخلو من شباط، و يكون في نوئها مطر شديد، فإن أخلف قصر، و عند طلوع الزبرة يرى سهيل بالعراق، و يبرد الليل مع السموم بالنهار، و رقيب الزبرة سعد الأخبية.

(الصرفة) هي كوكب واحد على أثر الزبرة أزهر مضي‏ء جدا، عنده كواكب صغار طمس، و يزعمون أنه قلب الأسد، و سميت صرفة لانصراف الحر و البرد عند طلوعها و سقوطها، و طلوعها لتسع ليال تخلو من أيلول، و سقوطها لتسع ليال تخلو من آذار، و مع طلوعها يزيد النيل‏

____________

(1) الفرقد: نجم قريب من القطب الشمالي ثابت الموقع تقريبا؛ و لذا يهتدى به، و هو المسمى بالنجم القطبي، و بقربه نجم آخر مماثل له و أصغر منه، و هما الفرقدان.

49

و أيام العجوز في نوئها، و زعموا أن الصبي إذا فطم بنوء الصرفة لم يكد يطلب اللبن، و في نوئها مطر و رياح و برد بالليل، و يأتي المطر الموسمي، و رقيب الصرفة فرع الدلو المقدم.

(العواء) هي أربعة أنجم على أثر الصرفة تشبه الهاء المردودة الأسفل بالخط الكوفي، و العرب شبهوها بكلاب تتبع الأسد، و قال قوم: هي وركا الأسد، و طلوعها لاثنتي عشرة ليلة تخلو من أيلول، و سقوطها لاثنتين و عشرين ليلة تخلو من آذار، و نوؤها يسير، و العرب تقول: إذا طلعت العوا طاب الهوا، و في نوئها يستوي الليل و النهار، و يأخذ الليل في الزيادة و النهار في النقصان، و هو ابتداء الخريف، و رقيب العواء بفرع الدلو المؤخر.

(السماك) هو السماك الأعزل، و أما السماك الرامح فلا ينزله القمر، و هو كوكب أزهر، و إنما سمي أعزل؛ لأن الرامح عنده كوكب يقال له: راية السماك، و أما الأعزل فلا شي‏ء عنده، و الأعزل هو الذي لا سلاح معه، و العرب يجعلون السماكين ساقا الأسد، و طلوع السماك الأعزل لخمس ليال مضين من تشرين الأول، و سقوطه لأربع ليال تخلو من نيسان، و نوؤه غزير قلما يخلف مطره إلا أنه مذموم؛ لأنه ينبت البسر، و هو نبت إذا بلعته الإبل مرضت، و العرب تقول:

إذا طلعت السماك ذهبت العكاك، و في نوئه صرام النخل و قطع العنب، و يأتي المطر الولي، و رقيب السماك بطن الحوت، و هذه آخر المنازل الشامية.

29 (و أما المنازل اليمانية فأولها):

(الغفر) و هو ثلاثة كواكب خفية، و إنما سمي غفرا؛ لأن عند طلوعه تستتر نضارة الأرض و زينتها، و طلوعه لثمان عشرة ليلة تخلو من تشرين الأول، و سقوطه لست عشرة ليلة تخلو من نيسان، قال الساجع: إذا طلع الغفر اقشعر السفر و ذبل النضر، و في نوئه يؤبر النخل و يقطع القصب الفارسي، و مطره ينبت الكمأة، و رقيب الغفر الشرطين.

(الزبانا) هي زبانا العقرب؛ أي: قرناها، و هما كوكبان مفترقان بينهما في رأي العين مقدار خمسة أذرع، و طلوع الزبانا آخر ليلة من تشرين الأول، و سقوطها لليلة تبقى من نيسان، و العرب يصفونها بهبوب البوارح، و هي الشمال الشديدة الهبوب، و تكون في الصيف حارة، قال الساجع:

إذا طلعت الزبانا فاجمع لأهلك و لا تتوانى، و في نوئه يدخل الناس بيوتهم في إقليم بابل و يشتد البرد، و مطره ينبت الكمأة، و الزبانا رقيبه البطين.

(الإكليل) هو رأس العقرب، و هو ثلاثة كواكب زاهرة مصطفة معترضة و طلوع الإكليل‏

50

لثلاث عشرة ليلة تخلو من تشرين الثاني، و سقوطه لثلاث عشرة ليلة تخلو من أيار، و العرب يقولون: إذا طلع الإكليل هاجت السيول، فإذا سقط غارت مياه الأرض، و لا تزال تغور إلى سقوط بطن الحوت و ذلك لخمس مضين من تشرين الأول، و في نوئه تكثر الأمطار و الغيوم، و رقيب الإكليل الثريا.

(القلب) هو قلب العقرب، و هو الكوكب الأحمر وراء الإكليل بين كوكبين يقال لهما:

النياط، و ليسا على حمرته، و أول النتاج بالبادية عند طلوع القلب و طلوع النسر الواقع، و هما يطلعان معا في البرد، و ذلك لست و عشرين ليلة تخلو من تشرين الثاني، و سقوطه لست و عشرين ليلة تخلو من أيار، و ما نتج في هذا الوقت يكون سيئ الغذاء؛ لشدة البرد و قلة اللبن و الزيت، و العرب يقولون: إذا طلع القلب جاء الشتاء كالكلب، و نوء القلب تتشاءم به العرب، و يكرهون السفر إذا كان القمر نازلا في العقرب، و في نوئه يشتد البرد و تهب الرياح الباردة و يسكن الماء في عروق الشجر، و رقيب القلب الدبران.

(الشولة) هي كوكبان متقاربان يكادان يماسان ذنب العقرب، و سميت شولة لارتفاعها، يقال: شال بذنبه، و بعدها إبرة العقرب كأنها لطخة غيم، و هي تطلع لتسع ليال خلون من كانون الأول، و تسقط لتسع تخلو من حزيران، و تقول العرب: إذا طلعت الشولة اشتدت على العيال العولة، و في نوئها يسقط الورق كله و تكثر الأمطار و تتفرق الأعراب الذين حضروا المياه، و رقيب الشولة الهقعة.

(النعائم) هي ثمان كواكب على أثر الشولة: أربعة في المجرة، و هي النعائم الواردة، و سميت واردة؛ لأنها شرعت في المجرة كأنها تشرب، و أربعة خارجة عن المجرة، و هي النعائم الصادرة، سميت صادرة؛ لأنها خارجة عن المجرة، كأنها شربت ثم صدرت عن الماء، و كل أربعة منها على تربيع، و طلوعها لاثنتين و عشرين ليلة تخلو من كانون الأول، و سقوطها لاثنتين و عشرين ليلة تخلو من حزيران، و العرب تقول: إذا طلعت النعائم توسعت البهائم، و في نوئها أول الشتاء و استواء الليل و النهار، و رقيب النعائم الهنعة.

(البلدة) هي فضاء في السماء لا كوكب بها بين النعائم و بين سعد الذابح، و ليس فيه إلا نجم واحد خامد لا يكاد يرى، و هي ستة كواكب مستديرة صغار خفية تشبه القوس، و يسميها بعض العرب القوس، و طلوع البلدة لأربع ليال خلون من كانون الآخر، و سقوطها لأربع ليال مضين‏

51

من تموز، و تقول العرب: إذا طلعت البلدة حمت الجعدة، و في نوئها يجمد الماء، و يشتد كلب الشتاء، و تنقى البساتين من الأدغال و الحشيش، و تكرب الكروم، و رقيب البلدة الذراع.

(سعد الذابح) هو كوكبان غير نيرين بينهما في رأي العين قدر ذراع، و أحدهما مرتفع في الشمال، و الآخر هابط في الجنوب، و طلوعه لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر، و سقوطه لسبع عشرة ليلة تمضي من تموز، و العرب تقول: إذا طلع سعد الذابح حمى أهله النابح، و في نوئه يصعد الماء إلى فروع الشجر، و يدرك الجوز و اللوز، و يرجى المطر، و رقيب سعد الذابح النثرة.

(سعد بلع) هو نجمان مستويان في المجرى: أحدهما خفي، و سمي الأكبر بالعا كأنه بلع الآخر الخفي و أخذ ضوءه، و طلوعه لليلة تبقى من كانون الآخر، و سقوطه لليلة تبقى من آب، و تقول العرب: إذا طلع سعد بلع صار في الأرض لمع، و في نوئه يكثر المطر، و تنقى الضفادع، و تتزاوج العصافير، و يبيض الهدهد، و تهب الجنوب، و يقل اللبن، و رقيب سعد بلع الطرف.

(سعد السّعود) هو ثلاثة كواكب: أحدهما نير، و الآخران دونه، و العرب تتيمن به؛ فلهذا سمي بهذا الاسم، و طلوعه لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شباط، و سقوطه لأربع عشرة ليلة تمضي من آب، و تقول العرب: إذا طلع سعد السعود كره في الشمس القعود، و نوؤه محمود، و في نوئه يتحرك أول الشعب و يصوت الطير و تهيج السنانير و يورق الشجر و تأتي الخطاطيف و تصيب الإبل مرعاها و يدرك الورد و سائر الرياحين، و رقيب سعد السعود الجبهة.

(سعد الأخبية) هو أربعة كواكب متقاربة، واحد منها في وسطها، و هو مثل رجل بطة، اثنان منها على الطول، و اثنان منها على العرض، يقال: إن السعد منها واحد، و هو أنورها، و الثلاثة خفية، و قيل: إنما سمي الأخبية لأن عند طلوعه تخرج الحشرات المختبئة في الأرض و طلوعه لخمس و عشرين ليلة تخلو من شباط، و سقوطه لأربع ليال تبقى من آب، و تقول العرب: إذا طلع سعد الأخبية خلت من الناس الأبنية، و نوؤه غير محمود، يكثر فيه المطر جدّا و يقطع الكرم، و رقيب سعد الأخبية الزبرة.

(الفرع الأول) هو فرع الدلو المقدم، و الدلو أربعة كواكب واسعة مربعة، فاثنان منها هما الفرع الأول، و اثنان هما الفرع المؤخر، و فرع الدلو هو مصب الماء بين العرقوتين، و طلوع الفرع الأول لتسع ليال خلون من آذار، و سقوطه لتسع ليال مضين من أيلول، و العرب تقول: إذا طلع الدلو طلب اللهو، و نوؤه محمود، و فيه تسقط الجمرة الثالثة، و ينعقد اللوز و التفاح و المشمش بالحر، و برده يهلك الثمار، و رقيب الفرع الأول الصرفة.

52

(الفرع الثاني) قد وصف عند الفرع الأول، و طلوعه لاثنتين و عشرين ليلة تخلو من آذار، و سقوطه لاثنتين و عشرين ليلة تمضي من أيلول، و نوؤه محمود، و طلوع الفرعين و غروبهما يكون في إقبال البرد و إدباره، و عند سقوط الفرع المؤخر يجز النخل بالحجارة و تهامة و كل غور، و يشتار العسل، و في نوئه آخر أمطار الشتاء، و فيه يكثر العنب و يدرك النبق و البلاقاء، و يستوي الليل و النهار، و رقيب الفرع الثاني العواء.

(بطن الحوت) هي كواكب كثيرة في مثل حلقة السمكة، و تسمى الرشاء أيضا، و هي كواكب معترضة ذنبها نحو اليمن و رأسها نحو الشام، و طلوعها لأربع ليال تخلو من نيسان، و سقوطها لخمس تمضي من تشرين الأول، و عند سقوطه ينتهي غور المياه، و يطلع بعده الشرطين، و يعود بالأمر إلى ما كان عليه في السنة الأولى، و تقول العرب: إذا طلعت السمكة أمكنت الحركة، و رقيب بطن الحوت السماك.

و نوؤه غزير المطر قلما يخلف، و هو أوان حصاد الشعير بالجروم، قال أبو إسحاق الزجاجي: إن السنة أربعة أجزاء، كل جزء منها سبعة أنواء، كل نوء منها ثلاثة عشر يوما، و زادوا فيها يوما لتتم السنة ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما، و هو مقدار قطع الشمس فلك البروج، و اللّه الموفق.

(النظر العاشر في فلك البروج) اعلم أنه ليس فلكا كسائر الأفلاك، بل هو أمر موهوم؛ و ذلك لأنهم ذهبوا إلى أن لكل كوكب من الكواكب كرة تخصه، و أن لكل كرة حركة تخصها، و أن الكوكب مركوز في جرم الفلك كنقطة، و أن كل كرة تتحرك على قطبين، و أن النقطة التي عليها برسم دائرة موهومة على سطح الكرة، فإذا تحرك فلك الشمس من المشرق إلى المغرب كانت حركته قسرية، و إنما حركة فلك الشمس المختصة به من المغرب إلى المشرق فإذا تمت دورته حدثت من مركز الشمس دائرة عظيمة في فلك الشمس، و تتوهم هذه الدائرة قاطعة للعالم؛ فتحدث في سطح الفلك الأعلى دائرة عظيمة مركزها مركز العالم و هي الدائرة التي تسمى فلك البروج.

ثم إن الدائرة التي هي أعظم الدوائر التي تمر بمركز العالم، و تقطع العالم نصفين و قباها قطبا العالم اللذان يسميان الشمالي و الجنوبي تسمى دائرة معدل النهار، فنقول: دائرة فلك البروج تقطع دائرة معدل النهار نصفين على نقطتين متقابلتين، تسمى إحداهما: نقطة الاعتدال الربيعي، و الأخرى: نقطة الاعتدال الخريفي، ثم تتوهم دائرة أخرى تمر بنقطتي معدل النهار، و هما قطبا