إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب - ج1

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
383 /
3

[الجزء الأول]

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي أنزل القرآن هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ، و هدانا الى التفقه في أحكام الدين و صلى اللّه على خير خلقه و أفضل بريته المبعوث رحمة للعالمين و الناسخ بشريعته السمحاء شرائع الأولين و على آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين. و اللعنة على أعدائهم من الأولين و الآخرين الى قيام يوم الدين.

و بعد فيقول المعترف بقصور باعه الراجي رحمة ربه جواد بن على التبريزي أن من نعم اللّه سبحانه على أن فقهني في الدين و اجتمع الى ابحاثى الفقهية فريق من أرباب الفضل و رواد العلم الذين أخذوا على عاتقهم حفظ معالم الدين و نشر أحكامه و قد ابدوا رغبتهم الى ضبط محاضراتى التي كان محورها كتاب المكاسب تأليف المحقق البارع وحيد عصره و فريد دهره سماحة آية اللّه العظمى و حجته الكبرى الشيخ مرتضى الأنصاري تغمده اللّه برحمته و أسكنه بحبوحة جنته الذي نزلت عند نظره انظار الفحول و أعاظم العلماء الأبرار ذوي الحظ الوافر في حفظ آثار المتقدمين و حاز قصب السبق في إحياء علوم الدين و إرشاد المؤمنين الى ما فيه خير الدارين.

4

فنزلت عند رغبتهم و أجبت مسؤولهم فجمعت محاضراتى في هذا المؤلف المتواضع و سميته (إرشاد الطالب الى التعليق على المكاسب) ليكون تذكرة.

و اللّه تبارك و تعالى أسأل و إياه أرجو أن يجعله ذخرا ليوم فاقتي يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون و أن يتقبله بقبوله الحسن انه قريب مجيب و بالإجابة جدير و إياه أستعين فإنه نعم المولى و نعم النصير.

5

[في المكاسب]

قوله (ره) في المكاسب (1)

____________

(1) عنوان الكتاب بالمكاسب أولى من عنوانه بالمتاجر، و ذلك، فإن التجارة مصدر ثان لتجر أو اسم مصدر، و معناها البيع و الشراء بغرض الربح، فيطلق التاجر على من تكون حرفته البيع و الشراء و تحصيل الربح بهما، و كيف كان فلا تعم التجارة ما إذا لم يكن البيع أو الشراء بقصد الربح، فضلا عن الأعمال التي يكون الشخص أجيرا عليها، و يقع البحث في الكتاب عن حكم تحصيل المال بها.

و هذا بخلاف المكاسب، فإنه جمع مكسب: بمعنى ما يطلب به المال، فيعم مثل تلك الأعمال.

لا يقال: قد وقع البحث في الكتاب عن حرمة بعض الأعمال و حلها مع عدم تعارف كسب المال بها، كالبحث عن حرمة الغيبة و سب المؤمن، و كما يقال ان البحث فيها استطرادي، كذلك يمكن ان يكون المهم في المقام البحث في الأعيان المحرم و المحلل بيعها و شراؤها، و ذكر غيرها للاستطراد، فلا موجب لعنوان الكتاب بالمكاسب.

فإنه يقال: قد ذكرنا أن عنوان الكتاب بالمكاسب أولى لا أنه متعين، مع أن الالتزام بكون المقصود بالبحث تلك الأعيان فقط غير سديد، و الا لكان ذكرها في شرائط العوضين من كتاب البيع أولى من إفرادها و البحث فيها قبل كتاب البيع و هذا بخلاف ما لو كان المقصود بيان المكاسب المحرمة و تمييزها عن المحللة منها‌

6

[و ينبغي أولا التيمن بذكر بعض الاخبار]

قوله (ره) و ينبغي أولا التيمن بذكر بعض الاخبار (1).

____________

سواء كان الكسب بالأعيان أو المنافع و الأعمال، حيث أن إفرادها و البحث فيها مستقلا أنسب.

(1) كان المناسب التيمن قبل الاخبار بالكتاب المجيد المستفاد منه بعض الضوابط للكسب الحرام، كقوله سبحانه:

لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ (1).

فنقول الأكل في الآية بمعنى وضع اليد و التملك، لا الأكل الخارجي، حيث أن إضافته إلى الأموال موجبة لهذا الظهور، سواء كانت الإضافة إلى عنوان المال أو الى مثل الدار و الثوب من مصاديقه، فإذا قيل أكل زيد دار فلان أو ماله فظاهره وضع يده عليهما و تملكهما.

و الحاصل أن النهى عن الأكل في الآية من قبيل النهى عن المعاملة، و ظهوره فيها هو الإرشاد إلى فسادها، كما أن ظهور النهى المتعلق بالأفعال الخارجية هو تحريمها تكليفا، و ليس المراد أنه لا يمكن النهى عن المعاملة تكليفا، سواء كانت المعاملة بمعناها المصدري أو الاسم المصدري، فإن إمكان النهي عنها كذلك، بل وقوعه في الشرع كحرمة البيع وقت النداء أو حرمة بيع الخمر بمعنى كون بيعها مبغوضا للشارع من الواضحات، كيف و قد وقع الكلام في أن النهى عن معاملة تكليفا هل يقتضي فسادها أم لا.

بل المراد ان حمل النهى عن معاملة على التكليف يحتاج إلى قرينة، و مع عدم القرينة ظاهره الإرشاد إلى فسادها اى عدم إمضاء الشارع، فمثلا ملاك النهى عن البيع يوم الجمعة- و هو ادراك صلاتها و عدم تفويتها- قرينة على الحكم التكليفي و اللعن الوارد على بايع الخمر و مشتريها قرينة عليها، كما أن قوله (عليه السلام) ثمن الخمر سحت دليل على فساد المعاملة عليها، حيث ان مع صحتها لا يكون الثمن سحتا.

____________

(1) سورة النساء 4: الاية: 29

7

..........

____________

و على الجملة (فتارة) تكون المعاملة محرمة تكليفا فقط كالبيع وقت النداء، و (أخرى) تكون محرمة وضعا فقط كبيع الميتة على ما سيأتي، و (ثالثة) تكون محرمة وضعا و تكليفا كبيع الخمر، و الآية المباركة دالة على أن أكل أموال الناس و تملكها بالباطل فاسد، و المراد بالتملك بالباطل المحكوم بفساده هو التملك بالباطل و لو ببناء العقلاء.

و الحاصل أن وضع اليد على مال الغير بالنحو الباطل- و لو في اعتبار العقلاء- فاسد عند الشارع أيضا، و ليس المتعلق للنهى هو خصوص التملك بالباطل في اعتبار الشرع، حيث لا معنى للنهى عنه لانه من اللغو الواضح، و ايضا خطاب النهى عن وضع اليد على مال الغير و تملكه بالباطل كسائر الخطابات من قبيل القضية الحقيقية، و الموضوع فيه مطلق التملك بالباطل لا خصوص بعض أنواع التملك، كالقهر على المالك، أو القمار، فمفاد الآية أنه لا يكون وضع اليد على مال الغير مع انطباق عنوان الأكل بالباطل عليه موجبا للملك شرعا، سواء كان سنخ ذلك الوضع في زمان صدور الآية أم لم يكن.

و ما عن السيد الخوئي أطال اللّه بقاءه من كون الآية ناظرة الى ما كان مرسوما في ذلك الزمان من أنحاء التملك و الحكم عليها بأن كلها باطلة إلا التجارة عن تراض فيه ما لا يخفى.

أما (أولا) فلما ذكرنا من أن متعلق النهى هو التملك بالباطل لا التملك مطلقا، و لا خصوص بعض ما كان مرسوما في ذلك الزمان.

و اما (ثانيا) فلان التجارة عن تراض غير داخل في متعلق النهى حتى مع عدم ذكر الاستثناء، فيكون استثناؤها منقطعا لا متصلا.

و أما (ثالثا) فلان الموجب لأكل مال الغير شرعا لا ينحصر بالبيع و الشراء، فضلا عما إذا كانا بقصد الربح، كما هو ظاهر التجارة، كيف و موجبات التملك كثيرة كالإجارة و الصلح و المزارعة و المساقاة و المضاربة و الوكالة و القرض الى غير ذلك، و الالتزام بالتخصيص و رفع اليد عن الحصر في هذه الموارد الكثيرة بعيد جدا‌

8

قوله (ره) روى في الوسائل و الحدائق (1).

قوله (ره) فقال جميع المعايش (2)

____________

(1) لا يخفى أن الاخبار العامة المذكورة في الكتاب كلها ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد عليها، نعم لا بأس بها لتأييد الحكم بعد استفادته من غيرها.

أما رواية تحف العقول- و ان قيل بان الكتاب من الكتب المعتبرة و أن مؤلفه شيخ صدوق كما عن صاحب الوسائل (ره)- فلا ريب في أنها باعتبار إرسالها ضعيفة فإن غاية الأمر ان يكون كتاب تحف العقول مثل بحار المجلسي أو وسائل الحر العاملي (قدس سرهما) ، و مؤلفه كمؤلفهما.

و من الظاهر أن مجرد اعتبار كتاب لا يقتضي قبول كل ما فيه، كما أن جلالة المؤلف لا تقتضي قبول كل رواياته و الغمض عن رواتها الواقعة في اسناد تلك الروايات الى الامام (عليه السلام).

و الحاصل أنه لا يكفي في العمل بالرواية العدالة أو الوثاقة في خصوص الراوي الناقل لنا حتى مع اعتبار الكتاب، بمعنى عدم وقوع الدس فيه، بل لا بد من إحراز حال جميع رواتها.

و دعوى أن مؤلف تحف العقول قد حذف الأسانيد في غالب روايات كتابه للاختصار لا للإبهام لم يعلم لها شاهد، بل على تقديره ايضا لا يمكن العمل بها، فإنه لا بد في العمل بالرواية من إحراز حال جميع رواتها كما مر، حيث من المحتمل اعتقاد المؤلف صدورها عن الامام (عليه السلام) لأمر غير تام عندنا، لا حذفها لكون رواتها ثقات أو عدولا.

فالمتحصل أن حذف المؤلف سند الرواية مع الاحتمال المزبور لا يكون توثيقا أو تعديلا لرواتها كما لا يخفى، و مثلها دعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور، و ذلك فان بعض الأحكام المذكورة فيها لم يعهد الإفتاء به من فقيه فضلا عن جل أصحابنا، و نحوهما دعوى وجود القرائن في الرواية الكاشفة عن صدق مضمونها كما عن السيد اليزدي (ره)، و لعل الصحيح هو العكس كما هو مقتضى اضطراب متنها، و اشتباه.

المراد و عدم كون العمل معهودا لبعض ظاهرها كما سنشير اليه.

(2) المعايش جمع المعيشة بمعنى ما يعيش به الإنسان مثلا و يتحفظ به على‌

9

قوله (ره) فأول هذه الجهات الأربع الولاية (1) قوله (ره) مما لا يجوز (2) قوله (ره) فكل مأمور به (3) قوله (ره) فكل أمر يكون فيه الفساد (4)

____________

حياته، و كان منها المال المكتسب الذي يصرفه في حوائجه، و يكون قوله مما يكون لهم فيه المكاسب بيانا للمعايش بمعنى أن المعايش التي يكون فيها كسب المال اربع جهات، و يمكن كونه بيانا للمعاملة اى المعاملات التي يراد بها المال أربعة أقسام.

(1) لم يعلم وجه كون الولاية هو الأول و الأخير هي الإجارات، كما لم يعلم الوجه في افراد الإجارات و السكوت عن مثل المزارعة و المساقاة و المضاربة و الوكالة و غيرها، اللهم الا ان يكون التعبير بالأول كلفظة ثم لمجرد العطف و الترتيب في الذكر، و لكن يبقى في البين وجه السكوت عن غير الإجارة.

(لا يقال): الوجه في عدم ذكرها دخولها في الصناعات و التجارات، (فإنه يقال):

التجارة معناها البيع و الشراء بقصد الربح كما مر، فلا يدخل فيها مطلق البيع و الشراء فضلا عن غيرهما، و لو دخلت المزارعة و غيرها في الصناعات لكانت الإجارة أيضا داخلة فيها، فإنه لا فرق بين تسليم الأرض للعامل فيها بالمزارعة و بين إجارتها كما لا يخفى.

(2) يتعلق بالتفسير بإشرابه معنى التمييز اى تفسير وجوه الحلال من التجارات و تمييزها عما لا يجوز للبائع بيعه و للمشتري شراؤه.

(3) ظاهر الرواية أن الموجب لحلية البيع أحد أمرين، (الأول) أن تكون في المبيع مصلحة ضرورية للعباد (الثاني) ما يكون فيه جهة صلاح مقصودة لهم، حيث أن الأول ظاهر قوله فكل مأمور به إلخ، و الثاني ظاهر قوله و كل شي‌ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات.

(4) لم يظهر الفرق بين هذا و بين المعطوف على ذلك فيما بعد من قوله أو‌

10

..........

____________

يكون فيه وجه من وجوه الفساد، الا أن يقال الفرق هو أن المفروض في الأول كل أمر يكون فيه الفساد المحض، و في الثاني كل شي‌ء يكون فيه جهة الفساد و لو مع الصلاح أيضا، و هذا الفرق مقتضى عطف الثاني على الأول بلفظه أو، و فيه ان مجرد اشتمال شي‌ء على جهة فساد لا يوجب بطلان المعاوضة فيما إذا كانت معها جهة الصلاح ايضا، و قد مر في بيان ضابط صحة البيع و حليته أن الاشتمال على جهة صلاح كاف في حل بيع الشي‌ء و شرائه.

نعم لا بد من كون جهة الصلاح من المنفعة المقصودة للعقلاء لظهور الصلاح في الشي‌ء في ذلك، و الا فلا يوجد شي‌ء خال عن مصلحة ما الا نادرا.

و الحاصل أن الملاك الثاني لفساد البيع غير صحيح، فإنه يصح بيع ما فيه الفساد فيما إذا كانت فيه جهة صلاح مقصودة ايضا، و مع عدم جهة صلاح مقصودة محللة يدخل الشي‌ء فيما فيه الفساد المحض، بل الموجب لبطلان البيع على ما يأتي خلو الشي‌ء عن الجهة المقصودة للعقلاء المحللة شرعا، سواء كانت فيه مفسدة أم لم تكن، و هذا الضابط لبطلان البيع لا يستفاد لا من المعطوف، و لا من المعطوف عليه، و لا من الأمثلة الواردة في الحديث، بل في بعضها لا يكون فساد إلا في نفس البيع لا في العوضين، كما في البيع الربوي، فان المتجانسين لا فساد فيهما أصلا، بل الفساد في نفس البيع بالزيادة، و الفساد أو الحرمة في هذا القسم تابع للدليل الدال على ثبوت المنع، بخلاف ما إذا لم يكن في الشي‌ء المنفعة المحللة المقصودة، أو كانت فيه المفسدة الخالصة، فإن الحكم بالفساد فيهما لا يحتاج الى دليل آخر، كما يأتي تفصيل ذلك ان شاء اللّه تعالى.

ثم انه قد ذكر في الحديث ان في جلود السباع جهة الفساد فلا يصح بيعها، و لعل هذا لا عامل به، و بهذا يظهر حال ما تقدم من أن ضعف الحديث منجبر بعمل الأصحاب، و مثله المنع عن بيع ما لا يجوز نكاحه فلاحظ.

11

قوله (ره) يلي أمره (1) قوله (ره) أو يوجر نفسه (2) قوله (ره) من غير ان يكون (3) قوله (ره) أو قرابته (4) قوله (ره) أو وكيله في إجارته (5) قوله (ره) نظير الحمال (6) قوله (ره) و الخنازير و الميتة (7) قوله (ره) فيه أو له أو شي‌ء منه (8)

____________

(1) معطوف على يملك أي إجارته ما يملكه أو يلي أمره، الأول كما في إجارته عبده، الثاني إجارته من يكون له عليه ولاية، و دابته و ثوبه معطوفان على نفسه في قوله فإجارة الإنسان نفسه.

(2) لعله من قبيل الخبر يعنى تفسير الإجارات ان يؤجر نفسه أو داره و نظيره قوله فلا بأس ان يكون أجيرا أي اما تفسير الإجارات فلا بأس أن يكون أجيرا إلخ.

(3) يعتبر ان لا يكون في إجارة نفسه أو مملوكه أو من يلي أمره في جهة من المنافع المحللة داخلا في عنوان الظلمة بأن يعد من أعوان الجائر و عما له، و الا فلا تجوز.

(4) لا ولاية له على غير ولده من أقرباؤه، فيكون عطف القرابة على ولده بلا وجه، الا ان يحمل على صورة الوصاية أو الوكالة، و لكنهما لا تختصان بالقريب.

(5) عطف على نفسه يعنى لا بأس بان يوجر نفسه أو وكيله في إجارته، و المراد بالوكيل الوكيل في العمل، و المراد بضمير الجمع في قوله لأنهم وكلاء الأجير العاملون الذين يكونون وكلاء في العمل عن الذي يؤجرهم من نفسه لا من عند السلطان حتى يكون هو و هم داخلين تحت عنوان الظلمة.

(6) مثال للموجر الذي يوجر نفسه أو وكيله من عنده لا من عند السلطان.

(7) و لعل الخنازير و الميتة معطوفتان على هدم المساجد، فيكون اجارة نفسه في الخنازير و الميتة باعتبار العمل المناسب لهما.

(8) لعل المراد بالأول كونه أجيرا في نفس العمل المحرم بان يوجده، و المراد بالثاني كونه أجيرا لعمل يكون ذلك مقدمة للمحرم، بان يكون غرض الأجير‌

12

قوله الا لمنفعة من استأجرته (1) قوله (ره) و العمل به و فيه (2) قوله (ره) و في الفقه المنسوب الى مولانا الرضا- (عليه السلام) (3) قوله (ره) فحرام ضار للجسم (4) قوله (ره) و عن دعائم الإسلام (5)

____________

وصول المستأجر بما فعله الى الفعل المحرم، و المراد بالثالث فعل الجزء من المركب المحرم، و المراد من الرابع الإجارة لعمل يكون ذلك مقدمة للجزء من المركب المحرم، ثم ان حرمة الإجارة في غير الفرض الأول مختصة بما إذا قصد بمتعلقها التوصل الى الحرام، و الا فلا وجه للحرمة فضلا عن فسادها.

(1) ظاهره الاستثناء من قوله كل أمر منهي عنه، و لا يبعد ان يكون الصحيح استأجره بدل استأجرته و (التاء) زائدة يعنى كالذي يستأجر الأجير ليحمل الميتة و ينحيها عن أذاه و أذى غيره.

(2) لعل المراد بالأول تمام العمل و بالثاني بعضه.

(3) لم يرد في الرواية ما انحصر المدرك فيه بها، و لو كان واردا لما أمكن الاعتماد عليها حيث لم يثبت ان الكتاب المزبور للإمام (عليه السلام)، و مجرد دعوى السيد الفاضل الثقة المحدث القاضي أمير حسين رحمة اللّه عليه أنه اطمئن من القرائن بذلك بعد ما أخذه من القميين الذين جاءوا به الى مكة لا يكون طريقا معتبرا لنا خصوصا مع قوة احتمال ان الكتاب المزبور كان لوالد الصدوق (ره) و وقع الوهم باعتبار التعبير في الكتاب عن المؤلف (ره) بعلي بن موسى، و يؤيد ذلك توافق عباراته غالبا مع عبارات رسالته الى ولده و لتفصيل الكلام محل آخر.

(4) يعنى فحرام بيعه و شراؤه و سائر المعاملة عليه، و ارتكابه ضار للجسم، و قلنا ان المراد بالحرام حرمة بيعه حتى لا يلزم التكرار اللغو كما لا يخفى.

(5) الأمر في الرواية المزبورة كما مر في الفقه الرضوي، و لا يخفى أن ما في دعائم الإسلام على تقدير اعتبار مؤلفه رواية مرسلة حيث ان المؤلف و هو نعمان بن‌

13

قوله (ره) في النبوي المشهور (1)

[أنواع الاكتساب]

قوله (ره) مع إمكان التمثيل (2)

____________

محمد بن منصور قاضى مصر المالكي أولا كان في أيام الدولة الإسماعيلية، فلا يمكن روايته عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، و الواسطة مجهولة لنا، نعم ذكر في الكتاب أنه حذف الأسانيد للاختصار، و لكن قد تقدم عدم نفع مثل هذه الدعوى، و لا تدخل الرواية معها في موضوع دليل الاعتبار، حتى فيما إذا صرح المؤلف بأن الرواية كانت صحيحة، و ذلك فإن الصحة في كلام القدماء لا يدل على توثيق الراوي، و انما يدل على اعتبارها عند من وصفها بها.

(1) النبوي ضعيف سندا و لكنه صحيح مضمونا، و ذلك فإنه إذا تعلقت الحرمة بعين في خطاب الشرع فظاهره تحريم جميع الأفعال المقصودة منها فيكون أخذ العوض عليها من أكل المال بالباطل، حيث مع التحريم المزبور لا منفعة محللة لها، و هذا بخلاف ما إذا تعلقت الحرمة بفعل خاص من العين مع بقاء سائر الأفعال المقصودة منها على الحل، كما إذا ورد في الخطاب حرمة أكل التراب فإنه مع بقاء سائر منافعه على الحل لا بأس بالمعاوضة عليه، كما هو كذلك في البلاد التي اراضيها رمل و التراب فيها عزيز.

(2) لا يخفى أن المستحب هو نفس الرعي أو الزراعة لا الاكتساب بهما كما هو مورد الكلام و لو اشتغل أحد بالرعي لنفسه أو لغيره تبرعا فعل المندوب، و كذا الحال في الزراعة بل في الصناعة الواجبة أيضا، حيث ان المطلوب فيها فعل ما يتوقف عليه نظام المسلمين و لو كان بنحو التبرع، و ربما يقال المستحب كالاكتساب للتوسعة على العيال و رفع حوائج الناس، و الواجب كالاكتساب الذي توقف عليه الإنفاق الواجب، و فيه ان الكلام في المقام ليس في الكسب بمعناه المصدري بل في الأعيان أو الأعمال التي يكون كسب المال بها، و أن كسبه بأي منهما حرام أو حلال، و في المذكور نفس الاكتساب مستحب، أو واجب من غير ملاحظة عين خاصة أو عمل خاص كما لا يخفى.

14

[أنواع المكاسب المحرمة]

قوله (ره) بقصد ترتب الأثر المحرم (1) قوله (ره) الا من حيث التشريع (2)

[النوع الأول الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني]

[يحرم المعاوضة على بول]

قوله (ره) يحرم المعاوضة على بول (3)

____________

(1) لا يخفى أن حقيقة بيع الخمر و شرائه هو تمليكه للآخر بعوض و تملك العوض من الآخر، و إذا فرض الدليل على حرمة بيعه و شرائه زائدا على الفساد كما هو مقتضى اللعن الوارد على بايعه و مشتريه يكون نفس إنشاء التمليك أو التملك محرما، و على ذلك فتقييد متعلق النهى بما إذا كان قاصدا لترتيب الأثر المحرم بلا وجه، بل لو كان مشتريه مثلا قاصدا شربه بعد تملكه فهو أمر آخر داخل في التجري و لا يرتبط بحرمة نفس البيع و الشراء.

(2) لا يكون التشريع الا بالالتزام بحكم شرعي من غير إحرازه بوجه معتبر، و مجرد بيع الخمر مثلا مع فرض فساده لا يكون تشريعا، حيث ان المتبايعين لا يلتزمان بصحته شرعا حتى يكون البناء المزبور تشريعا، بل غايته إقدامهما على البيع مع علمهما ببطلانه، نظير بيع الغاصب لنفسه، و الحاصل أنهما يلتزمان بالملكية في بنائهما و لا ينسبانها الى الشرع حتى يكون تشريعا.

(3) استدل على بطلان بيع الأبوال النجسة بوجوه ثلاثة: الأول حرمة شربها فيدخل فيما تقدم من أن المنهي عنه باعتبار أكله أو شربه لا يجوز بيعه و شراؤه، و الثاني نجاستها و قد ذكر في حديث تحف العقول عدم جواز بيع أقسام النجس، و الوجهان ضعيفان على ما مر، و الثالث عدم الغرض المحلل للعقلاء في الأبوال النجسة حتى يكون لها المالية المعبر عنها بالقيمة.

أقول الصحيح في عدم جواز بيعها هو هذا الوجه، و بهذا يظهر عدم الفرق بينها و بين الأبوال الطاهرة، لانتفاء المالية فيهما فعلا، و ما يظهر من المصنف (ره) من الميل الى جواز بيع أبوال ما يؤكل لحمها بناء على جواز شرب أبوالها اختيارا لا يمكن المساعدة عليه، فان شربها ما لم يكن بحيث يبذل باعتباره المال لا يصحح البيع، بل يكون تملك المال بإزائها من أكله بالباطل المحكوم بالفساد في ظاهر‌

15

قوله (ره) عدا بعض افراده كبول الإبل الجلالة (1)

____________

الاية المباركة، و ذكر السيد الخوئي أطال اللّه بقاءه أنه لا دليل على حرمته بيع الأبوال النجسة وضعا، فضلا عن حرمته تكليفا، و ذلك فان الآية المباركة ناظرة إلى أسباب تملك مال الغير التي كانت متعارفة زمان الجاهلية، من بيع الحصاة و القمار و نحوهما و ان تلك الأسباب كلها باطلة، إلا التجارة عن تراض، و أما أنه يعتبر في التجارة عن تراض المالية في المبيع فليست الآية في مقام بيان مثل تلك الجهة، بل يكفي في صحة البيع تعلق غرض المشترى بالمبيع حتى لا يكون بذله المال بإزائه سفيها، ثم ذكر أن هذا ايضا لا يعتبر، فإنه لا دليل على بطلان البيع السفهى، بل الدليل دل على بطلان بيع السفيه، و فيه أن عنوان أكل مال الغير بالباطل كسائر العناوين التي تعلق بها الحكم الشرعي في خطابات الشارع في كون مدلولها ثبوت الحكم لعنوان الموضوع بنحو القضية الحقيقية، فإن حمل الخطاب على ثبوت الحكم لعنوان بنحو القضية الخارجية أو على أخذ العنوان مشيرا الى عنوان آخر يكون هو الموضوع في الحقيقة يحتاج إلى قرينة.

و الحاصل ان ظاهر الآية هو أن عنوان تملك مال الغير بالباطل في اعتبار العقلاء فيما إذا تحقق يكون محكوما بالفساد شرعا، و صدق العنوان على تملك المال بإزاء بول الحمار مثلا فضلا عن الأبوال النجسة كبول الكلب لا يحتاج إلى تأمل، و معه لا يحصل فيه عنوان البيع حتى يحكم بحله، فضلا عن عنوان التجارة عن تراض.

(1) الاستثناء راجع الى عدم النفع المحلل، و لكنه غير صحيح، و ذلك فان بول الإبل الجلالة أو الموطوئة بناء على نجاسته كما هو الصحيح يجرى فيه ما جرى في سائر الأبوال النجسة حتى الوجه الثالث، حيث أن تصوير جواز التداوي بالبول المزبور- في مورد الانحصار به و عدم التمكن من بول الإبل الآخر- لا يوجب كونه من المنفعة المحللة التي توجب المالية، ثم ان ظاهر كلام المصنف (ره)

16

قوله (ره) فالظاهر جواز بيعها (1) قوله (ره) و بالجملة فالانتفاع بالشي‌ء حال الضرورة (2)

____________

أيضا نجاسة البول المزبور كما هو مقتضى التعرض له في بيع الأبوال النجسة، نعم زعم عدم جريان الوجه الثالث فيه.

(1) قد ذكرنا أن مجرد جواز شرب شي‌ء أو أكله لا يوجب جواز بيعه و أخذ المال بعوضه، كما أن مجرد عدم جواز أكل شي‌ء أو شربه لا يوجب بطلان بيعه، بل لا بد من كون الشرب أو الأكل منفعة مقصودة للعقلاء بحيث يبذلون العوض له بلحاظهما و لا يعتبر في المنفعة المقصودة عدم اختصاصهما بحال و عمومهما لجميع الأحوال فلاحظ الأثر الظاهر للثوب السميك المنسوج من الصوف و الوبر حيث ان ذلك الأثر مقصود في حال البرد لا مطلقا، و من ذلك القبيل الأدوية و العقاقير المتعارفة لأن المنفعة المقصودة منها مختصة بحال المرض لا مطلقا، و لو فرض عدم جواز استعمالها في غير حال المرض، فهذا النحو من تحريم الأكل و الشرب لا يوجب بطلان بيعها و شرائها، بل الموجب له هو ما إذا كان التحريم راجعا إلى المنفعة المقصودة كما ذكرنا.

و مما ذكرنا يظهر أنه لو كانت المنفعة المقصودة من الشي‌ء منحصرة بالانتفاع به في خصوص حالة الاضطرار الرافع للتكليف كفت في جواز بيعه و شرائه، كما في المظلة التي يستعملها الطيار عند الاضطرار الى الهبوط لاحتراق الطائرة و نحوه، و من هذا القبيل الأدوية أو العقاقير المصنوعة لاستعمالها حالة الاضطرار إليها، مع كونها نجسة أو فيها ما لا يجوز اكله حتى طبا في غير تلك الحالة، و على ذلك فلو كانت هناك رواية دالة على أن حرمة أكل شي‌ء أو شربه حال الاختيار موجبة لفساد بيعه، فلا بد من رفع اليد عن عمومها في مثل العقاقير و الأدوية، فإنه لا يمكن الالتزام ببطلان المعاملات الجارية عليها و يكون كسائر الموارد التي يرفع فيها اليد عن العمومات بالسيرة الجارية على خلافها في بعض إفرادها.

(2) حاصل ما يذكره في الفرق بين الأدوية التي لا يجوز استعمالها حال الصحة‌

17

لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم (1) و الجواب عنه مع ضعفه (2) اما لجواز شربه اختيارا (3)

____________

و بين مثل الأبوال الطاهرة التي لا يجوز شربها اختيارا ان الحرمة في الأول ثابتة لاستعمالها بعنوان أنها ضارة للجسم، و يتبدل هذا العنوان حال المرض، فيكون استعمالها صلاحا للجسم، و هذا بخلاف الأبوال، فإن حرمة شربها بعنوان أنها من الخبائث، و ليس انتفاء الحرمة عن شربها حال التداوي أو غيره لتبدل عنوان الخبيث بالطيب، بل باعتبار الاضطرار الى المحرم، فلا يوجب جواز البيع في الأدوية لثبوت المالية لها قياس الأبوال الطاهرة عليها حتى فيما إذا استعملت للتداوي.

(1) في كون المحرم علينا خصوص أكلها لا سائر الانتفاعات من الإسراج بها و نحوه، فيكون الفرق بين الشحوم و اللحوم بأن حرمة الأكل في الأول لا توجب فساد البيع، بخلاف حرمة أكل الثاني، حيث ان اللحوم منفعتها المقصودة منحصرة بالأكل.

(2) الجواب عنه مبتدأ و خبره لزوم تخصيص الأكثر، بمعنى أن الأخذ بظاهر النبوي المذكور يلازم تخصيص الأكثر، مع أنه ضعيف سندا و دلالة، و قوله لقصورها تعليل لضعفه في جهة دلالته، و لكن تعليل ضعف دلالته به من قبيل أخذ المدعي دليلا عليه كما لا يخفى.

(3) تقدم أن صحة البيع في شي‌ء لا تدور مدار جواز شربه، بل اللازم كون شربه من المنفعة المقصودة منه بحيث يخرج أخذ المال بإزائه من أكله بالباطل.

و الظاهر أن الشرب حتى في بول الإبل ليس كذلك، و اما حكم الشرب اختيارا و بلا حاجة إليه فمقتضى موثقة عمار (1) عدم الجواز في بول الإبل و غيره، قال: «سئل أبو عبد اللّه (ع) عن بول البقر يشربه الرجل؟ قال: ان كان محتاجا اليه يتداوى به‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (59) من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث: (1)

18

..........

____________

يشربه و كذلك أبوال الإبل و الغنم» حيث ان ظاهر التعليق على الشرط انتفاء الجواز مع عدم الحاجة، و به يرفع اليد عن إطلاق نفى البأس في مثل رواية أبي البختري (1) عن جعفر عن أبيه أن النبي (ص) قال: «لا بأس ببول ما أكل لحمه» نعم في رواية الجعفري (2) قال: «سمعت أبا الحسن موسى (ع) يقول: أبوال الإبل خير من ألبانها، و يجعل اللّه الشفاء في ألبانها» و مقتضى الحكم بكون أبوالها خيرا من ألبانها هو جواز شربه حتى اختيارا، و بلا ضرورة، و بعد وقوع المعارضة بينها و بين المفهوم يرجع الى أصالة الحلية، و دعوى ان الرواية ناظرة إلى بيان حكم طبي لا شرعي يدفعها أن حمل كلام الشارع على بيان مجرد الحكم الطبي خلاف الظاهر، و العمدة في عدم إمكان رفع اليد بها عن المفهوم ضعفها سندا، فان في سندها بكر بن صالح و هو ضعيف، بل و لا يبعد مع فرض المعارضة الرجوع الى عموم حرمة الخبائث فإن الأبوال منها حتى من المأكول لحمه.

اللهم الا ان يقال لم يعلم شمول الخبائث للابوال الطاهرة، حيث من المحتمل كون معناها الرجس المعبر عنه بالفارسية ب‍ (پليد) فتختص بالنجسة منها أضف الى ذلك انه يمكن القول بعدم المفهوم للشرط الوارد في الموثقة، فإن اختصاص حرمة فعل بصورة عدم الحاجة اليه و حله معها غير معهود في الشرع، و الشرط فيها باعتبار أنه لا يكون للإنسان داع الى شرب مثل البول من غير حاجة إليه كالتداوى به ثم ان جواز شرب البول مطلقا أو مع الحاجة الى التداوي به يختص بأبوال ما يؤكل لحمه، و أما الأبوال النجسة فلا يجوز شربها الا مع الاضطرار الرافع للتكليف، و لا يجوز بمجرد الحاجة، و على الجملة الأمر فيها كما في سائر المحرمات.

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (59) من أبواب الأطعمة المباحة الحديث: (2)

(2) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (59) من أبواب الأطعمة المباحة الحديث: (3)

19

كما يدل عليه رواية سماعة (1)

[يحرم بيع العذرة]

يحرم بيع العذرة (2)

____________

(1) لا دلالة لرواية سماعة (1) على عدم جواز الشرب مع عدم الحاجة حيث ان الراوي فرض في سؤاله شربه عند الحاجة لا أنه (ع) أخذه في الجواب قيدا للجواز كما لا يخفى.

(2) المنسوب إلى الشهرة عدم جواز بيع العذرة مما لا يؤكل لحمه، و يستدل عليه برواية يعقوب بن شعيب عن ابى عبد اللّه (ع) قال: «ثمن العذرة من السحت» (2) و في سندها على بن مسكين، و لذلك لا يمكن الاعتماد عليها، مع أنها معارضة برواية محمد بن مضارب عن أبى عبد اللّه (ع) قال: «لا بأس ببيع العذرة» (3) و قد جمع الطوسي (قده) بينهما بحمل الاولى على عذرة الإنسان، و الثانية على عذرة البهائم، و ذكر المصنف (ره) في تقريب الجمع المزبور أن الرواية الأولى نص في عذرة الإنسان و ظاهرة في غيرها، بعكس الثانية، فيطرح ظاهر كل منهما بنص الأخرى، و أيد التقريب بموثقة سماعة قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (ع) و أنا حاضر، فقال: انى رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها و ثمنها، و قال: لا بأس ببيع العذرة» (4) باعتبار أن الجمع بين الحكم بعدم الجواز و الجواز في كلام واحد للمخاطب الواحد دليل على أن الموضوع لعدم الجواز غير الموضوع للجواز، فتكون هذه الموثقة قرينة على أن تعارض الروايتين الأولتين ليس باعتبار العلم بعدم ثبوت الحكمين معا، بل باعتبار دلالتهما، فلا يصح فيهما الرجوع الى المرجحات السندية أو الخارجية، كما لا يصح القول بأن الحكم بعد فقد الترجيح هو التخيير بين المتعارضين، أو التساقط، لا طرح ظهور كل منهما‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (59) من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث: (7)

(2) وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب: (40) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (1)

(3) وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب: (40) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (2)

(4) وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب: (40) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (3)

20

حمل خبر المنع على التقية (1)

____________

كما عليه جمع الطوسي (قده).

أقول: لا يصح جعل الموثقة قرينة على ما ذكر، إذ يحتمل كونها من قبيل الجمع في الرواية، بأن سمع الراوي الحكمين في مجلسين و جمع بينهما في النقل، بل يمكن ايضا كون المخاطب في أحدهما غير المخاطب في الآخر، فتكون الموثقة من الروايتين المتعارضتين، و يؤيد ذلك تكرار (قال) و عطفه على الأول و الإتيان بالاسم الظاهر بدل الضمير، حيث أنه لو كان كلاما واحدا لكان الأنسب أن يقول:

(لا بأس ببيعها)، نعم كونها من الجمع في المروي محتمل ايضا، و لكن اختلاف صدرها و ذيلها يوجب إجمالها، هذا (أولا).

و (ثانيا) أن المتيقن في الإرادة من الخارج لا يوجب أن يكون أحد الدليلين نصا في ذلك المتيقن و ظاهرا في غيره ليجمع بينهما بالأخذ بذلك المتيقن، و طرح الظاهر، كما إذا ورد مثلا الأمر بإكرام العلماء في خطاب، و النهى عنه في خطاب آخر، فان حمل الأول على العادل، و الثاني على الفاسق، بدعوى كون ذلك متيقنا بالإرادة منهما لا يوجب كون الحمل من الجمع العرفي، و مثل الجمع المزبور حمل حرمة البيع و الثمن على الفساد، و حمل نفى البأس على الجواز تكليفا، و ذلك فإنه ليس بأولى من حمل حرمة البيع و تحصيل الثمن على التكليف فقط، و الأخذ بظاهر نفى البأس و هو الإرشاد إلى صحة البيع.

(1) لا يخفى أن الحكم بجواز بيع العذرة لا يحتاج إلى الرواية، فإن وجود المنفعة المقصودة للعقلاء في شي‌ء بحيث يبذلون بإزائه المال كاف في نفوذ بيعه، و المعاملة عليه، و قد تقدم أيضا أن مجرد نجاسة شي‌ء لا يوجب فساد بيعه، و لذا يتعين القول بالجواز، مع أن الترجيح للخبر الدال عليه، لان معظم العامة على المنع.

و ما ذكره المصنف (ره) من أن رواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه لا يمكن المساعدة عليه، فان مراده بالوجوه يمكن أن يكون ضعف الرواية سندا بمحمد بن‌

21

[يحرم المعاوضة على الدم]

يحرم المعاوضة على الدم (1)

____________

مضارب، و مخالفتها لفتوى المشهور بالمنع، و كذا مخالفتها للروايات العامة، حيث ذكر في بعضها عدم جواز بيع وجوه النجس، و لكن ضعف السند مشترك بين الرواية الدالة على الجواز و الدالة على المنع، و لم يعلم أن فتوى المشهور بالمنع هل كان لخلل في رواية الجواز غير المعارضة المزبورة، و غير ضعف سندها و خلافها للاحتياط كما أن الروايات العامة لا تصلح للاعتماد عليها كما مر، و على الجملة لا فرق بين الأرواث الطاهرة و النجسة في أن المنفعة المحللة المقصودة كالتسميد بها و استعمالها وقودا كافية في الحكم بجواز الاكتساب بها.

(1) الأظهر جواز المعاوضة عليه فيما إذا فرضت له منفعة محللة، كما في يومنا هذا بالإضافة إلى دم الإنسان، فإنه يستعمل في المعالجة بتزريقه لإنسان آخر يحتاج اليه. و الإجماع التعبدي في المقام غير حاصل، لاحتمال أن المدرك على تقدير الاتفاق بعض الروايات المتقدمة التي علم حالها، و نقل الإجماع لا يزيد على محصله، و كذا الحال في غير دم الإنسان من الدماء النجسة المستعملة للتسميد في المزارع و البساتين و أما مرفوعة أبي يحيى الواسطي (1) الدالة على عدم جواز بيع الدم، فلضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها، قال: «مر أمير المؤمنين (ع) بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة نهاهم عن بيع الدم و الغدد و آذان الفؤاد و الطحال و الكبد.»‌

و ما ذكره المصنف (ره) و تبعه السيد الخوئي دام بقاؤه- من كون الرواية ناظرة إلى بيع الدم للأكل، و حرمة البيع في هذا الفرض لا تحتاج الى دليل خاص، فإنها على القاعدة- لا يمكن المساعدة عليه، لإطلاق النهي في الرواية (أولا) و (ثانيا) أن قصد المشترى و علم البائع باستعمال المبيع في المحرم لا يزيد عن بيع العنب مع علم البائع باستعماله المشترى في التخمير، و قد التزموا فيه بالجواز.

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (16) الباب (31) من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث: (2)

22

[حرمة بيع المني]

و الظاهر أن حكمهم (1)

[يحرم المعاوضة على الميتة]

يحرم المعاوضة على الميتة (2)

____________

(1) أى أن الحكم بأن الولد في الحيوانات تابع للام متفرع على أن منى الحيوان لا يكون قابلا لصيرورته ملكا لأحد، و لو كان قابلا له لكان الولد- كالزرع في ملك الغير- ملكا لصاحب الفحل، و على ذلك فلو قيل بأن المنى قابل للتملك كما في منى الإنسان حيث أن الولد فيه تابع للفحل و يكون ملكا لمالك الفحل، فلا بد في الحكم بعدم جواز بيع المنى الواقع في الرحم من التشبث بنجاسته، و لكن هذا التشبث ايضا غير صحيح، و ذلك فإن المني الخارج من الباطن الى الباطن كالدم الموجود في الباطن لا دليل على نجاسته. و علل في الغنية عدم جواز بيع هذا القسم بالجهالة أو عدم القدرة على التسليم ايضا كما في المني الموجود في صلب الفحل المعبر عنه بالعسيب في مقابل الملاقيح المراد بها الواقع في الرحم. و المراد بالجهالة عدم العلم بتكون الولد منه، و يؤيد المنع في العسيب النبوي «أن رسول اللّه (ص)، نهى عن خصال تسعة: عن مهر البغي و عن عسيب الدابة يعني كسب الفحل» (1).

أقول: و لكن الأظهر جوازه، فإن المني الموجود في صلب الفحل- نظير البذر الذي لا يعلم حاله من جهة نموه و عدمه- قابل للبيع، و يكون تسليمه بإرساله للضرب، و الرواية المزبورة ضعيفة سندا، بل و دلالة، فإن ظاهر كسب الفحل إجارته للضرب، و بما أن إجارته لذلك جائزة- كما هو مدلول بعض الروايات المعتبرة- فلا بد من حمل النهى على الكراهة، و في صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (ع) قال: «قلت له: أجر التيوس، قال: ان كانت العرب لتعاير به و لا بأس» (2) و بهذا يظهر الحال في بيع الملاقيح يعني المني المستقر في رحم الام فيما إذا كان المنى تابعا للفحل، و كان البيع قبل فساده أو استحالته الى الدم.

(2) ذكر (ره) في وجه عدم جواز بيع الميتة وجوها: (الأول)- الاخبار العامة المتقدمة كحديث تحف العقول حيث ذكر فيه عدم جواز بيع النجس و ما نهى عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة، الجزء (12) الباب: (5) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (13)

(2) وسائل الشيعة، الجزء (12) الباب: (12) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (2)

23

..........

____________

الانتفاع به (الثاني) أنه لا يجوز الانتفاع بالميتة مطلقا سواء كان الانتفاع بما هو مشروط بالطهارة كالأكل أو الشرب أو اللبس في الصلاة أو كان من غيره من سائر الانتفاعات، كما يظهر ذلك من الاخبار التي ذكر فيها أن الميتة لا ينتفع بها، و إذا كان الانتفاع ممنوعا فتدخل فيما لا نفع فيه، فيكون أخذ الثمن في مقابلها من اكله بالباطل (الثالث) رواية السكوني حيث عد فيها من السحت ثمن الميتة. و لكن يظهر من بعض الروايات جواز بيع الميتة، كرواية الصيقل قال: «كتبوا الى الرجل:

جعلنا اللّه فداك، انا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها، و نحن مضطرون إليها، و انما علاجنا جلود الميتة و البغال و الحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسها بأيدينا و ثيابنا و نحن نصلي في ثيابنا، و نحن محتاجون الى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا؟ فكتب: اجعل ثوبا للصلاة.» (1) و ناقش (ره) في دلالتها على جواز بيع الميتة بما أشار إليه بقوله «و يمكن أن يقال ان مورد السؤال.» و حاصله أنه لم يفرض في الرواية تعلق البيع بجلود الميتة أو غلاف السيوف مستقلا أو في ضمن بيع السيوف حتى يكون نفى البأس المستفاد من التقرير دليلا على جواز بيع الميتة، بل غايته دلالتها على جواز الانتفاع بالميتة بجعلها غمدا للسيف الذي يباع بشرط الغمد.

أقول: مورد السؤال في الرواية شراء الجلود و بيعها و مس تلك الجلود بأيديهم و ثيابهم، حيث أن الصيقل أو ولده لم يكن شغلهم شراء السيوف و بيعها، بل عملها و بيعها، كما أنه لا معنى للسؤال عن مس السيوف بأيديهم و ثيابهم و ترك السؤال عن مس الجلود كما لا يخفى، و ناقش (ره) (ثانيا) بأن دلالة الرواية على جواز بيع الميتة و شرائها بالتقرير و لا اعتبار به، فإنه غير ظاهر في الرضا خصوصا في المكاتبات المحتملة للتقية.

____________

(1) وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (38) من أبواب ما يكتسب به، الحديث (4)

24

و لكن الإنصاف أنه إذا قلنا بجواز الانتفاع (1)

____________

و فيه أن مورد السؤال- كما ذكرنا- استعمال الجلود و بيعها و شراؤها و مسها بالأيدي و الثياب و الصلاة في تلك الثياب، و نهى الامام (ع) في الجواب عن الصلاة فيها و السكوت عن الباقي ظاهر في جواز غيرها، و هذا إطلاق مقامي، لا ترك للتعرض لما يكون في ذهن السامع و إقراره على اعتقاده، كما هو المراد بالتقرير.

و ربما نوقش في الرواية بوجه ثالث و هو أن المفروض فيها الاضطرار الى الاستعمال، و الكلام في المقام في الاختيار، و فيه أن الاضطرار المفروض فيها بمعنى الحاجة، لا الاضطرار الرافع للتكليف، مع أن الاضطرار إلى المعاملة الفاسدة لا يصححها، و بعبارة أخرى عدم جواز بيع الميتة وضعي لا تكليفي، و الاضطرار أو الإكراه يكون رافعا للتكليف لا موجبا لصحة المعاملة.

و الصحيح في الجواب ان الرواية في سندها ضعف لجهالة الصيقل و ولده فلا يمكن الاعتماد عليها (لا يقال): (راوي المكاتبة محمد بن عيسى لا الصيقل و أولاده، و الا لكان هكذا قالوا كتبنا الى الرجل، و الحاصل أن ضمير الفاعل في قال يرجع الى محمد بن عيسى فلا يضر باعتبارها جهالة الصيقل و أولاده، (فإنه يقال) نعم راوي المكاتبة محمد بن عيسى الا أن نقل القضية الراجعة إلى الغير و منها المكاتبة (تارة) يكون بشهود الناقل و حضوره تلك الواقعة و في مثل ذلك لا يضر جهالة ذلك الغير باعتبار الرواية، و (أخرى) يكون نقلها بحسب حكاية نفس ذلك الغير، و في مثل ذلك تكون جهالة ذلك الغير موجبة لسقوط النقل عن الاعتبار. و رواية محمد بن عيسى من قبيل الثاني، كما هو مقتضى كلمة عن الداخلة على ابى القاسم الصيقل و ولده في سندها، و الا لكان المتعين أن ينقل الطوسي (ره) الرواية هكذا: (محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى، قال: ان أبا القاسم الصيقل و ولده كتبوا الى الرجل).

(1) ثم ذكر (ره) أنه لا بأس ببيع الميتة على تقدير الالتزام بجواز الانتفاع بها، كما هو الحال في الانتفاع بجلودها في غير ما هو مشروط بالطهارة، فإن حديث‌

25

و مما ذكرنا يظهر قوة جواز بيع الميتة (1)

____________

تحف العقول لا ينافي جواز البيع في الفرض، لأن النهي عن بيع أقسام النجس معلل فيه بعدم جواز الانتفاع، فلا يشمل النجس الذي يجوز الانتفاع به، و كذا الحال في رواية دعائم الإسلام، حيث أنها لا تشمل ما يجوز الانتفاع به. و الإجماع على عدم جواز بيع النجس في فرض عدم جواز الانتفاع، كما يظهر ذلك مما ذكروه في جواز بيع الزيت النجس للاستصباح، و في جواز بيع العبد الكافر و كلب الصيد و نحوه.

(أقول): لم يذكر (ره) وجه رفع يده عن ظاهر رواية السكوني الدالة على بطلان بيع الميتة، كما هو مقتضى كون ثمنها سحتا.

(1) الأظهر عدم جواز بيع الميتة مطلقا حتى مع جواز الانتفاع بها، أما جواز الانتفاع، فلان المنع و ان كان ظاهر بعض الروايات، الا أنه لا بد من رفع اليد عن ظهورها بحملها على كراهة الانتفاع، بقرينة ورود الترخيص في البعض الآخر من الروايات، و في صحيحة على بن المغيرة قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الميتة ينتفع منها بشي‌ء؟ فقال: لا.» (1) و موثقة سماعة، قال: «سألته، عن جلود السباع أ ينتفع بها؟ فقال: إذا رميت و سميت فانتفع بجلده، و اما الميتة فلا» (2) و صحيحة الكاهلي، قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده، عن قطع أليات الغنم؟

فقال: لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال: ان في كتاب على (عليه السلام) أن ما قطع منها ميت لا ينتفع به» (3) الى غير ذلك، و ربما يحمل النهى فيها على الكراهة بشهادة رواية ابن إدريس عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال:

«سألته، عن الرجل يكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء، أ يصلح أن ينتفع بما‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (34) من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث: (1)

(2) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (34) من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث: (4)

(3) وسائل الشيعة الجزء (16) الباب: (30) من أبواب الذبائح- الحديث: (1)

26

..........

____________

قطع؟ قال: نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها» (1) و رواها أيضا في قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جده عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام).

و لكن مثل هذه الرواية لا تصلح لرفع اليد بها عن ظاهر ما تقدم، فان طريق ابن إدريس إلى جامع البزنطي غير معلوم لنا، و في سند قرب الاسناد عبد اللّه بن الحسن العلوي و لم يثبت حاله، كما لا تصلح لذلك رواية الصيقل المتقدمة، لضعفها على ما تقدم، و ان كانت دلالتها على جواز الانتفاع بل على جواز البيع تامة، كما لا تصلح لرفع اليد عن ظهور ما تقدم رواية أبي بصير، قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الصلاة في الفراء؟ فقال: كان على بن الحسين (ع) رجلا صردا فلا تدفئه فراء الحجاز، لان دباغها بالقرظ، فكان يبعث الى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه و القى القميص الذي يليه، فكان يسأل عن ذلك، فيقول:

ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة، و يزعمون أن دباغه ذكاته» (2).

و الوجه في عدم صلاحها ضعف سندها (أولا)، و عدم ظهور جهة إلقاء الفرو المزبور (ثانيا)، فان الفرو المفروض باعتبار أخذه من بلد الإسلام محكوم بالتذكية، و الاحتياط لا يجري في أمثال المقام مما يعلم صحة العمل حتى مع النجاسة الواقعية أو لبس الميتة، كما هو مقتضى حديث لا تعاد، فلا يصح ما قيل من أن الإلقاء كان للاحتياط، كما أن التعليل و الاستمرار على العمل لا يناسبان القول بأنه (عليه السلام) كان عالما بعلم الإمامة أن الفرو المزبور من الميتة، بل العمدة في الحمل على الكراهة صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الماشية تكون لرجل، فيموت بعضها أ يصلح له بيع جلودها و دباغها و يلبسها؟ قال: لا، و ان‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (16) الباب: (30) من أبواب الذبائح- الحديث: (4)

(2) التهذيب الجزء (2) الباب (11) ما يجوز الصلاة فيه من اللباس، الحديث: (4)

27

..........

____________

لبسها فلا يصلى فيها» (1)، فإنها ظاهرة في جواز لبسها في غير الصلاة، و أن قوله (عليه السلام) و ان لبسها استثناء عن النهى، و الا لكان التعبير هكذا: (و لا يلبسها و لا يصلى فيها) ليستفاد منه حرمة اللبس و المانعية للصلاة معا، و مثلها موثقة سماعة، قال: «سألته عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت؟ فرخص فيه، و قال: ان لم تمسه فهو أفضل» (2) حيث يحمل الترخيص على الانتفاع باللبس و نحوه لا ما يعم البيع بقرينة النهي عن بيع الميتة في الصحيحة المتقدمة.

و يؤيد جواز الانتفاع الروايات المتقدمة التي كان في سندها ضعف، و أما المنع عن بيع الميتة فمضافا إلى صحيحة على بن جعفر المتقدمة يقتضيه ما ورد في كون ثمن الميتة سحتا (3) و لكن في السند ضعفا، لأن السكوني و ان كان لا بأس به على ما ذكره الشيخ في العدة من أن الأصحاب قد عملوا برواياته، الا أن الراوي عنه- و هو النوفلي- فيه كلام، و لكن ليس هو على نقل الصدوق في الخصال راويا عن السكوني، الا أن في السند موسى بن عمرو، و ليس عندي توثيق له.

و الحاصل أن الرواية مؤيدة و العمدة في المنع الصحيحة، و هي لا تشمل الأجزاء التي لا تحلها الحياة، و لا الميتة من الحيوان الذي لا يكون له دم، بل لو تم الإطلاق لما تحله الحياة، لرفع اليد عنه بمثل حسنة حريز، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لزرارة و محمد بن مسلم: اللبن و اللبأ و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كل شي‌ء يفصل من الشاة و الدابة فهو ذكى، و ان أخذته منه بعد أن يموت فاغسله و صل فيه» (4) حيث أن ظاهرها أن مثل المذكورات محكومة بالذكاة، فيجوز أكلها أو لبسها في الصلاة، الى غير ذلك من أحكام التذكية التي‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (16) الباب: (34) من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث: (6)

(2) وسائل الشيعة الجزء (16) الباب: (34) من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث: (8)

(3) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (5) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (5)

(4) وسائل الشيعة الجزء (16) الباب (33) من أبواب الأطعمة المحرمة- الحديث (3)

28

لم يجز بيعه ايضا (1) مع أن المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2)

____________

منها جواز البيع.

(1) بل الأظهر جواز بيع المذكى المشتبه من غير حاجة الى دليل خاص عليه، و الوجه في ذلك أن الانتفاع من الميتة بسائر الانتفاعات غير المشروطة بالطهارة و التذكية جائز كما تقدم، سواء كانت الميتة مشتبهة أو ممتازة، كما أنه لا بأس بمثل هذه الانتفاعات من المذكى المشتبه بالميتة قطعا، و هذه المنفعة المحللة توجب المالية، غاية الأمر أنه يرفع اليد عن ذلك في الميتة بقيام الدليل على المنع عن بيعها، و أما في ناحية المذكى المشتبه فلم يقم دليل على المنع، فيحكم بصحة بيعه أخذا بالإطلاق في مثل أحل اللّه البيع، و على ذلك فيقع البيع في الفرع المفروض على المذكى، و يسلم البائع كلا المشتبهين إلى المشتري ليقبض ما يصح بيعه من غير فرق بين إسلام المشترى و كفره. و لعل ذكر المستحل في الصحيحتين باعتبار أن المسلم لا يقدم غالبا على شراء المذكى بداعي الانتفاع بمثل تلك الانتفاعات و هذا بخلاف المستحل فإنه يشتريه، و علم البائع بأن المشتري المستحل يستعمله في الأكل لا يضر بجواز البيع، كما يأتي في مسألة بيع العنب ممن يعلم أنه يعمله خمرا.

(2) رواه في المستدرك عن الجعفريات، أخبرنا محمد، حدثني موسى، قال: «حدثني أبى عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليه السلام) أنه سئل عن شاة مسلوخة و أخرى مذبوحة عن عمى على الراعي أو على صاحبها، فلا يدرى التذكية من الميتة، قال: يرمى بها جميعا الى الكلاب» و ظاهرها عدم جواز الانتفاع بالميتة أصلا، فتكون من الروايات المحمولة على الكراهة.

29

فافهم (1) و يمكن حملها على صورة قصد البائع (2) و في مستطرفات السرائر (3)

____________

(1) لعله إشارة الى أن التفصيل بين المشتبهات و ان كان خلاف ما ذكره (ره) في الأصول من أنها لا تجري في أطراف العلم الإجمالي، سواء كانت موافقة لمقتضى العلم الإجمالي بالتكليف- كما في المقام- أو مخالفة له، باعتبار أن شمولها لاطرافه يوجب التناقض في مدلول دليلها، الا أن القائل بجواز ارتكاب بعض أطراف العلم تخييرا يلتزم بالتفصيل المزبور، فالإشكال عليه بجريان استصحاب عدم التذكية في كل منهما مبنى على ذلك المسلك.

نعم لقائل أن يقول: ان موضوع عدم جواز البيع هي الميتة، لا غير المذكى، و استصحاب عدم التذكية لا يثبت عنوان الميتة، فلا بأس باستصحاب عدم كون المبيع ميتة، بناء على عدم تساقط الأصلين المتنافيين معا، للعلم بالتكليف، بل يجري أحدهما تخييرا، و الحاصل أن مقتضى الأصل جواز بيع أحدهما.

نعم القول بجواز ارتكاب بعض الأطراف في نفسه ضعيف، و توضيحه موكول الى محله.

(2) لا يخفى عدم الموجب لذلك، فإنه لم يفرض في قوله (عليه السلام):

(إذا اختلط الذكي بالميت) في صحيحة الحلبي اختلاط جميع أجزاء الحيوان أو اشتباه أحد الحيوانين بالاخر، ليقال: ان المراد منه قصد بيع الأجزاء التي لا تحلها الحياة بل الكلام المزبور يعم ما إذا كان هناك مقدار من اللحم أو الشحم بعضه مذكى و بعضه ميتة و قد اختلطا كما لا يخفى.

(3) لم يظهر وجه ذكر الرواية في اشتباه المذكى بالميتة. و لعل هذا الكلام كان بعد التعرض لرواية الصيقل و قبل قوله: (و لكن الإنصاف أنه إذا قلنا بجواز‌

30

مع أنها معارضة بما دل (1) لوجود المقتضى و عدم المانع (2)

[يحرم التكسب بالكلب الهراش و الخنزير البريين]

يحرم التكسب بالكلب الهراش و الخنزير البريين (3)

____________

الانتفاع) حيث أنه ربما يقع الوهم بأن رواية البزنطي- مثل رواية الصيقل- منافية للأدلة المانعة عن بيع الميتة،

(1) و رواه الكليني عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن على، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام)، فقلت: جعلت فداك: ان أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها؟ قال: هي حرام، قلت فنصطبح بها؟ قال: أ ما تعلم أنه يصيب اليد و الثوب و هو حرام» (1) و لا يخفى أن هذه الرواية لا تصلح لمعارضة ما دل على جواز الانتفاع بالميتة، و منه رواية جامع البزنطي، و ذلك فان ظاهر قوله (عليه السلام): (و هي حرام) حرمة أكل الاليات المقطوعة، و لذا أعاد السائل السؤال عن سائر الانتفاعات، و مقتضى قوله (عليه السلام) في الجواب ثانيا: (أ ما تعلم) كون النهى عن الانتفاعات المزبورة إرشاديا لئلا يبتلى الشخص المستعمل تلك الاليات بنجاسة البدن و الثوب، و الا فلا يكون اصابة اليد أو مس الميتة و لو عمدا حراما تكليفا، بل على تقدير كون المنع عن الانتفاع تكليفا، يحمل على الكراهة جمعا، كما تقدم. و كون المراد بالحرام هي الكراهة ككون المراد بالوجوب الاستحباب غير عزيز في الروايات.

(2) لا يخفى أن المانع ما عد فيه ثمن الميتة من السحت، و لا عذر لمثل المصنف (ره) الذي لا يلاحظ سند الروايات في الإغماض عنها، فإن الإطلاق فيه يعم ميتة ما لا نفس له، الا أن يعتذر بعدم عمل المشهور بهذا الإطلاق.

(3) يشهد لذلك مثل صحيحة محمد بن مسلم و عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه‌

____________

(1) وسائل الشيعة: الجزء (16) الباب (32) من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث (1)

31

..........

____________

معا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت» (1) فإن الرواية لو لم تكن ظاهرة في خصوص الكلب الهراش فلا ريب في أنها تعمه، بل في ثبوت المالية لكلب الهراش الموجبة لخروج أخذ العوض عليه عن عنوان الأكل بالباطل تأمل. نعم لا ريب في جواز التكسب به بمثل من يكون خبرته في جمع تلك الكلاب و قتلها تحصيلا لراحة الناس، و التكسب بهذا النحو خارج عن مدلول الرواية، و ليس لدينا إجماع تعبدي يمنع عن ذلك، و أما الخنزير فيستفاد فساد بيعه من مثل صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمرا أو خنزيرا إلى أجل، فأسلما قبل أن يقبضا الثمن، هل يحل له ثمنه بعد الإسلام؟ قال: انما له الثمن فلا بأس أن يأخذه» (2) حيث أن ظاهر السؤال ارتكاز فساد بيع المسلم الخمر أو الخنزير، و انما سأل عن أخذ الثمن باعتبار فرض البيع حال الكفر، و ظاهر الجواب ايضا أن عدم وقوع البيع حال الإسلام و حدوث ملك الثمن حال الكفر موجب لعدم البأس بأخذه. و في مرسلة ابن ابى عمير عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن نصراني أسلم و عنده خمر أو خنزير، و عليه دين هل يبيع خمرة أو خنازيره و يقضى دينه؟ قال: لا» (3) نعم في حسنة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) «في رجل كان له على رجل دراهم، فباع خمرا و خنازير و هو ينظر فقضاه، فقال: لا بأس به أما للمقتضي فحلال، و أما للبائع فحرام» (4) و لكن لا بد من حملها على بيع الكافر من مثله، بقرينة ذكر الخمر المحكوم بيعه بالبطلان جزما، فيما إذا كان بايعه مسلما.

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (14) من أبواب ما يكتسب به- الحديث: (3)

(2) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (61) من أبواب ما يكتسب به- الحديث: (1)

(3) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (57) من أبواب ما يكتسب به- الحديث: (1)

(4) وسائل الشيعة الجزء (14) الباب: (60) من أبواب ما يكتسب به- الحديث: (2)

32

..........

____________

و الحاصل أنه لا يمكن الأخذ بإطلاق الرواية حتى تقع المعارضة بينها و بين ما تقدم، و مثلها صحيحة زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يكون لي عليه الدراهم، فيبيع بها خمرا أو خنزيرا، ثم يقضى منها؟ قال: لا بأس به، أو قال خذها» (1). و على الجملة فلا بأس بالانتفاع بمثل جلد الخنزير و شعره كما هو مقتضى أصالة الحل، و لكن لا يجوز بيعه، كما تقدم نظير ذلك في الميتة، و ربما يقال أن جواز الانتفاع بمثل جلده بل جواز بيعه مقتضى بعض الروايات: (منها) رواية سليمان الإسكاف قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شعر الخنزير يخرز به؟ قال: لا بأس به، و لكن يغسل يده إذا أراد أن يصلى» (2) و رواية برد الإسكاف، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شعر الخنزير يعمل به؟ قال: خذ منه فاغسله بالماء حتى يذهب ثلث الماء و يبقى ثلثاه، ثم اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة، فإن جمد فلا تعمل به، و ان لم يجمد فليس له دسم فاعمل به، و اغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة، قلت و وضوء؟ قال: لا اغسل يدك كما تمس الكلب» (3) و نحوها غيرها.

و لكن لا يخفى عدم الدلالة فيها على جواز البيع أصلا، فإن العمل بشعر الخنزير حتى فيما إذا كان بنحو الصنعة يمكن وقوعه بنحو الإجارة، بأن يكون الشخص أجيرا للخرازة أو صنع الحمائل من شعر الخنزير، و لا ينحصر الكسب به بالبيع، و بما أن الروايات المشار إليها واردة في حكم العمل بشعر الخنزير، لا الكسب به، فلا يمكن دعوى إطلاقها و شمولها لبيع المصنوع من شعر الخنزير كما لا يخفى.

و هذا مع الإغماض عن ضعفها سندا بل دلالة أيضا، فإنه لو جاز الانتفاع بشعر الخنزير،

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (60) من أبواب ما يكتسب به- الحديث: (3)

(2) وسائل الشيعة الجزء (2) الباب: (13) من أبواب النجاسات- الحديث: (3)

(3) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (58) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (2)

33

[و كل مسكر مائع و الفقاع]

و كل مسكر مائع و الفقاع (1)

____________

فلا يفرق بين كون الشعر دسما أولا، و لا أظن الالتزام بالتفصيل من أحد، و ربما يقال باستفادة جواز الانتفاع من صحيحة زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستسقى به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟

قال: لا بأس» (1). و غير خفي أن الحكم بجواز الوضوء لا يلازم الحكم بجواز استعمال شعر الخنزير كالاستسقاء به من البئر، فإنه يمكن أن يكون الوضوء بالماء المزبور جائزا مع حرمة إخراج ماء البئر بذلك الحبل، كما هو الحال في الاستسقاء بحبل الغير، فإنه يجوز الوضوء من ذلك الماء مع أنه لا يمكن الالتزام بجواز إخراج الماء به بلا اذن مالكه، و بعبارة أخرى لا يستلزم جواز الانتفاع بالوضوء من الماء المزبور على تقدير الاستسقاء جواز استعمال نفس ذلك الشعر أو الاستسقاء به، كما لا يخفى.

(1) بلا خلاف معروف أو منقول، و قد نزل الفقاع- بل كل مسكر- منزلة الخمر في بعض الروايات المعتبرة، و مقتضى هذا التنزيل ترتيب جميع آثار الخمر، و في صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن الماضي (عليه السلام)- قال: «ان اللّه عز و جل لم يحرم الخمر لاسمها، و لكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (2).

و في موثقة ابن فضال، قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) أسأله عن الفقاع؟ فقال: هو الخمر و فيه حد شارب الخمر» (3) و قريب منهما غيرهما، و كيف كان فيستفاد من بعض الروايات حرمة المعاملة على المسكر تكليفا و وضعا، ففي موثقة زيد بن على عن آبائه (عليهم السلام)، قال: «لعن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الخمر‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (1) الباب: (14) من أبواب الماء المطلق، الحديث: (2)

(2) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (19) من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث (1)

(3) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (27) من أبواب الأشربة المحرمة الحديث: (2)

34

..........

____________

و عاصرها و معتصرها و بائعها و مشتريها و ساقيها و آكل ثمنها و شاربها و حاملها و المحمولة إليه» (1) حيث أنها دالة على حرمة بيعها تكليفا، كما هو ظاهر لعن بائعها و مشتريها، و فساده وضعا كما هو مقتضى لعن آكل ثمنها، و في مقابلها صحيحة جميل التي رواها ابن ابى عمير و على بن حديد جميعا عنه قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يكون لي على الرجل الدراهم، فيعطيني بها خمرا؟ فقال: خذها ثم أفسدها، قال على: و أجعلها خلا» (2).

و ظاهرها جواز أخذ الخمر و معاوضتها بالدراهم، و قد حملها المصنف (ره) على أحد أمرين: (الأول) إبراء المديون عما عليه من الدراهم و أخذ الخمر مجانا و الانتفاع بها بعد ذلك بجعلها خلا. (و الثاني)- أخذ الخمر أمانة بأن ثبت الحق فيها لمعطيها، ثم يجعلها الأخذ خلا و يتملك ذلك الخل عن مالكه المديون وكالة أو تقاصا، و لكن كلا الأمرين طرح لظهورها في مقام المعارضة كما لا يخفى.

و ذكر السيد الخوئي طال بقاؤه أن هذه الرواية عامة من جهة بايع الخمر، أي أنها بإطلاقها تشمل كونه مسلما أو كافرا، و خاصة من جهة المعاملة، حيث أنها بقصد التخليل. و في مقابل ذلك ما يدل على أنه لا يجوز للمسلم بيع الخمر سواء كان بقصد التخليل أو غيره، و هذا خاص من جهة البائع و عام من جهة المعاملة، فتقع المعارضة بينهما في البائع المسلم فيما إذا كان بيعه للتخليل، و بعد تساقطهما يرجع الى إطلاق قوله (عليه السلام): (ثمن الخمر سحت)، و الرواية المزبورة رواية يونس في مجوسي باع خمرا أو خنازير الى أن قال: «أسلم رجل و له خمر أو خنازير، ثم مات و هي في ملكه- الى ان ذكر- و ليس له أي للمسلم أن يبيعه و هو حي و لا يمسكه» (3) و نحوها‌

____________

(1) وسائل الشيعة، الجزء (12) الباب: (55) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (3)

(2) وسائل الشيعة، الجزء (17) الباب: (31) من أبواب الأشربة المحرمة: الحديث: (6)

(3) وسائل الشيعة، الجزء (12) الباب: (57) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (1)

35

..........

____________

مرسلة ابن ابى عمير أو أبي نجران (1) و فيه أن رواية يونس ضعيفة سندا. نعم مرسلة ابن ابى عمير لا بأس بها على شهادة الشيخ (ره) في العدة من أنه لا يرسل و لا يروى إلا عن ثقة، حيث أن هذا الكلام منه (ره) توثيق عام لمشايخ ابن ابى عمير لا يرفع اليد عنه الا في موارد علم فيها نقله عن غير الثقة، و ليس لنا علم- و لو إجمالا- بإرساله عن غير الثقة حتى يمنع هذا العلم عن الأخذ بمرسلاته، نعم بالإضافة إلى رواياته المسندة فروايته فيها عن غير الثقة معلوم إجمالا، و لكن هذا العلم ينحل بالظفر بأشخاص نحتمل انحصار غير الثقة من مشايخه بهم، و لكن سيأتي عدم تمامية ذلك و أنه لا اعتبار لمرسلاته.

و مع الإغماض عن السند فلا يتم ما ذكر، لظهور صحيحة دراج في جواز شراء الخمر مطلقا، سواء كان بقصد التخليل أو لغاية أخرى، و الأمر بجعل الخمر خلا حكم آخر في الرواية، و ليس قيدا لجواز شرائها، فإنه فرق بين قوله: (خذها و اجعلها خلا) كما في الرواية، و بين قوله (خذها إذا جعلتها خلا)، حيث إن الأول كنظائره من الأمر بتغسيل الميت و الصلاة عليه لا يوجب تقييدا في الحكم الأول، و على ذلك فظاهر الصحيحة جواز شراء الخمر وضعا و تكليفا، فتكون منافية لما دل على حرمة بيعها و فساده، و الترجيح مع الاخبار الدالة على المنع تكليفا و وضعا، لموافقتها للكتاب العزيز الدال على لزوم الاجتناب عن الخمر، باعتبار كونه رجسا، فان لزوم الاجتناب يعم بيعها و شراءها كما لا يخفى.

و ذكر الإيرواني (ره) أن تفسير الإفساد بجعل الخمر خلا من ابن ابى عمير لا من الامام (عليه السلام)، و لا عبرة بفهم ابن ابى عمير فيما إذا كان ظاهر كلامه‌

____________

(1) وسائل الشيعة، الجزء (12) الباب: (57) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (2)

36

..........

____________

(عليه السلام) غيره، و ظاهر إفساد الخمر جعلها بحيث لا يرغب فيها حسما لمادة الفساد، فلا دلالة في الرواية على تجويزه (عليه السلام) أخذ الخمر بدلا عن الدراهم، ليكون ذلك منافيا لما تقدم من المنع عن بيعها وضعا و تكليفا.

أقول لا ينبغي الريب في عدم وجوب اهراق الخمر و جواز جعلها خلا، و يشهد لذلك غير واحد من الروايات كموثقة زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلا؟ قال لا بأس» (1) و كيف كان فلا يجب إتلاف الخمر بإهراقها، بل يجوز إفسادها بجعلها خلا، و لو لم يكن ظاهر إفسادها هو التخليل كما فسره به على بن حديد، فلا أقل من حمله على ما يعمه جمعا بينها و بين مثل الموثقة مما دل على جواز أخذها و تخليلها، كما أن ظاهر قوله (عليه السلام): خذها في الجواب عن السؤال عن أخذها بدل الدراهم- هو تجويز المبادلة، و الا لكان اللازم أن يقول (عليه السلام) خذها و لك ما عليه من الدراهم.

ثم لا يخفى أن تقييد المسكر بالمائع- في كلام المصنف (ره) ليس باعتبار أنه لا بأس ببيع المسكر الجامد، باعتبار أن الكلام في المقام في عدم جواز بيع النجاسات، و المسكر الجامد بالأصالة- باعتبار عدم نجاسته- خارج عن موضوع البحث، و داخل فيما يأتي مما يحرم التكسب به باعتبار حرمة الانتفاع.

(تنبيه)

لا يخفى أن ما ورد- من أن كل مسكر خمر حكما أو موضوعا- لا يوجب الحكم بحرمة بيع ما يعرف في زماننا هذا بالاسبيرتو (الكل صنعتي) بل المائع المزبور محكوم بالطهارة للأصل- و بجواز البيع باعتبار المنفعة المقصودة المحللة‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (31) من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث: (3)

37

[يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة]

يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة (1)

____________

فيه، و ليس مسكرا بالفعل لتعمه تلك الروايات، و علاجه بالماء أو غيره لتصبح مسكرا غير محرز و على تقديره فلا يضر، لظهورها في أن الموضوع للنجاسة و الحرمة هو ما يكون مسكرا بالفعل و معدا للإسكار فلاحظ.

(1) لو لم تكن للمتنجس منفعة محللة مقصودة، كما إذا كانت منفعته المقصودة الأكل أو الشرب، فحرمتهما مع عدم إمكان تطهيره توجب كون أخذ المال في مقابله من أكله بالباطل. و العجب من المصنف (ره) أنه لم يتعرض لهذا الاستدلال، بل ذكر في وجه بطلان بيعه روايات تقدم عدم صحة الاعتماد عليها، بل مع الإغماض عما تقدم، فلا يمكن الاستدلال بها على حكم المقام، فإنه لم تتعلق الحرمة في خطاب الشرع بنفس المتنجس حتى يعمه قوله: (إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه) أو قوله في رواية دعائم الإسلام: (ما كان محرما أصله لم يجز بيعه و شراؤه) بل حرمة شرب المتنجس أو أكله مستفادة مما ورد في أبواب مختلفة، كالنهي الوارد عن شرب الماء و المضاف المتنجسين، و كالأمر الوارد بإهراق المرق المتنجس و غسل لحمه، و غير ذلك مما هو إرشاد الى عدم جواز تناول المتنجس.

(لا يقال) يكفي في تعلق النهى بنفس المتنجس مثل قوله سبحانه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبٰائِثَ (1) (فإنه يقال) لم يعلم أن المراد بالخبائث الأعيان ليدعى شمولها للأعيان المتنجسة أيضا، بل الظاهر أن المراد بها الأعمال القبيحة و ذوات المفاسد، كما ان المراد بالطيبات خلافها. و هذا مقتضى وصف النبي الأمي بأنه يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث، حيث أن التعرض في مقام توصيفه لتحليله بعض المأكول و المشروب و تحريمه بعضهما الأخر دون سائر ما جاء به من الأحكام غير مناسب، و لو لم يكن ما ذكرنا ظاهرا فلا أقل من الاحتمال. كيف؟ و قد‌

____________

(1) سورة الأعراف (7) الاية (156)

38

قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها (1)

[المستثنى من الأعيان النجسة]

[يجوز بيع المملوك الكافر]

يجوز بيع المملوك الكافر (2)

____________

ذكر الخبائث في قوله سبحانه نَجَّيْنٰاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كٰانَتْ تَعْمَلُ الْخَبٰائِثَ (1) و المراد به الفعل القبيح بلا شبهة.

و على الجملة لم يثبت أن الخبيث نفس المتنجس، بل هو أكله و شربه، هذا كله بالإضافة الى ما لا يقبل التطهير. و اما ما يقبل التطهير كالحليب المتنجس يعمل جبنا و يطهر ذلك الجبن بالغسل، فلا بأس ببيعه، و لا يكون مجرد تنجسه مانعا عنه، لان المتنجس لا يزيد على الأعيان النجسة التي ذكرنا صحة بيعها مع المنفعة المقصودة المحللة لها.

(1) قال في المبسوط لا يجوز بيع الأعيان النجسة كالكلب و الخنزير و جميع المسوخ، و في الخلاف لا يجوز بيع القرد للإجماع على أنه مسخ نجس، و ذكر في أطعمة الكتاب أن المسوخ كلها نجسة انتهى. و لكن الأظهر طهارتها فإنها مقتضى الأخبار المعتبرة الموجبة لحمل ما ورد في ترك سؤر المسوخ على التنزه، و عليه فلو قيل بعدم جواز بيعها يكون محل التعرض له القسم الثاني مما يجوز بيعه باعتبار عدم المنفعة المحللة المقصودة فيه.

(2) يجوز بيع الكافر بلا خلاف ظاهر، بل ادعى الإجماع على الجواز، و ليس الإجماع بعيدا، و يمكن تحصيله بالتتبع في الموارد المناسبة لمسألة جواز بيع العبد الكافر من جواز استرقاق الكفار و لو بأسرهم، حيث أن الكافر يملك بالاسترقاق و جواز البيع من آثار الملك، و من جواز شراء بعض الكفار من بعضهم كما فيما إذا باع الكافر الحربي ولده، فيجوز للمسلم شراؤه، و من ان العبد إذا أسلم على مولاه الكافر يباع عليه، فإنه يستفاد من المذكور في تلك المسألة أنه يجوز للكافر بيع عبده قبل إسلامه، و يجبر على البيع بعد إسلامه، و من جواز عتق العبد الكافر‌

____________

(1) سورة الأنبياء (21) الاية (74)

39

عدا ما يظهر من بعض الأساطين (1) و ان كان عن فطرة على اشكال (2) ثم ذكر المحارب الذي لا تقبل توبته (3)

____________

الموقوف على تملك العبد أولا بالشراء أو غيره، و من تجويزهم بيع المرتد، و من حكمهم بخيار الفسخ للمشتري فيما إذا ظهر كفر العبد المشترى على ظاهر الإسلام، حيث أنه لو لم يصح بيع الكافر لكان البيع باطلا لا خياريا الى غير ذلك.

(1) كأن مراد بعض الأساطين أن المرتد الفطري لا يسقط عنه القتل، و لكن إذا تاب يحكم بإسلامه أى يجرى عليه أحكام الإسلام. و من تلك الأحكام طهارته، فيجوز بيعه، و أما إذا لم نقل بقبول توبته اى بعدم جريان أحكام الإسلام عليه فلا يجوز بيعه حتى بعد توبته، لكونه نجسا كسائر الكفار.

(2) اى على اشكال في رهنه، و وجه الاشكال- على ما في جامع المقاصد- هو أن جواز بيع المرتد يوجب جواز رهنه بطريق أولى، باعتبار أن البيع من العقود اللازمة، فجوازه يوجب جواز العقد الجائز، و من أن المقصود بالبيع مجرد ملك العين. و هذا يحصل في المرتد ايضا، بخلاف الرهن، فإنها الوثيقة على الدين و المرتد في معرض القتل، اما مطلقا، كما في الفطري، أو مع عدم توبته، كما في الملي، فلا يحصل الوثوق المعتبر في حقيقة الرهن.

(3) المراد بالمحارب المحكوم بالقتل من شهر السلاح على الناس لاخافتهم في المصر أو خارجه، سواء كان مسلما أو كافرا حرا أو عبدا، و إذا تاب هذا المحارب و أظهر الندم على فعله قبل القدرة عليه، سقط عنه الحد. و أما إظهاره الندم بعد القدرة عليه، فلا يوجب سقوط الحد، كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).

ثم إذا كان المحارب عبدا يجوز بيعه، و لا يكون الحكم عليه بالقتل موجبا‌

____________

(1) سورة المائدة (5) الاية (34)

40

[يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش]

من غير ظاهر إطلاق المقنعة و النهاية (1)

____________

لسقوطه عن الملك و المالية رأسا، حيث أن له منفعة مقصودة و أقلها عتقه في كفارة و نحوها، فيكون نظير العبد المرتد الفطري كما لا يخفى.

(1) اى ان بيع كلب الصيد من غير السلوقي جائز إلا في ظاهر الكتابين، فان المستفاد منهما عدم جواز بيع غير الكلب السلوقي، و هذا بإطلاقه يعم كلب الصيد غير السلوقي، ثم ان الإطلاقات الدالة على بطلان بيع الكلب و كون ثمنه سحتا تامة، و لا بد في رفع اليد عنها من ثبوت الحجة على تقييدها. و الصحيح ثبوتها بالإضافة إلى كلب الصيد سلوقيا كان أو غيره، كصحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه و محمد ابن مسلم معا عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت» (1) فان مقتضى التقييد بالذي لا يصيد جواز بيع كلب الصيد، و بمثلها يرفع اليد عن إطلاق مثل صحيحة إبراهيم بن ابى البلاد، قال: «قلت لأبي الحسن الأول (ع): جعلت فداك ان رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن أربعة عشر الف دينار، و قد جعل لك ثلثها، فقال لا حاجة لي فيها ان ثمن الكلب و المغنية سحت» (2) و نحوها غيرها.

(لا يقال): ان ما دل على جواز بيع كلب الصيد منصرف إلى السلوقي، (فإنه يقال): لا موجب لتوهم الانصراف الا غلبة الاصطياد به خارجا، و الغلبة ممنوعة أولا، و لا توجب الانصراف ثانيا، بل الموجب له كثرة الاستعمال و غلبته، بحيث توجب أنس الأذهان من المطلق به.

و ذكر المصنف (ره) أنه على تقدير الانصراف بغلبة الوجود، فلا تتم دعوى الانصراف في مثل قوله (ع) في الصحيحة «ثمن الكلب الذي لا يصيد أو ليس بكلب الصيد» مما يكون الموضوع للفساد هو الكلب الذي يصح سلب مبدأ الاصطياد عنه، فإنه لا يصح سلب المبدأ عن كلب الصيد، و لو كان من غير السلوقي، و هذا بخلاف‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (14) من أبواب ما يكتسب به- الحديث: (3)

(2) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (16) من أبواب ما يكتسب به- الحديث: (4)

41

و يؤيد بما عن المنتهى (1)

____________

ما يكون فيه الموضوع لصحة بيعه هو الكلب الموصوف بالاصطياد به أو المضاف الى عنوان الصيد، فان توهم الانصراف فيهما باعتبار غلبة الوجود ممكن.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنه لا فرق بين إثبات المبدأ و الوصف و بين نفيهما، و ذلك فإنه لو كان الوصف أو المبدأ في طرف الإثبات منصرفا الى نوعه الغالب يكون في نفيه ايضا كذلك، بمعنى أنه يكون المسلوب ذلك النوع الخاص، و الحاصل أنه يصح نفى كلب الصيد عن غير السلوقي إذا كان في طرف إثباته منصرفا إلى السلوقي.

(1) ذكر في المنتهى ما حاصله أن الموجود في كلام المفيد و الشيخ (رحمهما اللّه) جواز بيع الكلب السلوقي، و مرادهما بالسلوقي مطلق كلب الصيد، و ذلك فان غالب كلاب السلوق و هي قرية في اليمن صيود، و بهذا الاعتبار ينسب كلب الصيد الى تلك القرية، و يطلق على كلب الصيد أنه سلوقى، و يحتمل أن يكون مراد المنتهى أن المذكور في كلام المفيد و الشيخ و ان كان مطلق السلوقي، الا أن مرادهما الصيود منه لا مطلق كلاب تلك القرية، و أطلق في العبارة و لم يقيد السلوقي بالصيود باعتبار التغليب، حيث أن أكثر كلاب تلك القرية معلمة، و هذا الاحتمال في عبارة المنتهى ضعيف، و لذا ذكر المصنف (ره) أن الأظهر في عبارته هو الأول، و الوجه في ضعفه أن الأنسب- على ذلك الاحتمال- أن يكون التفريع على التعليل هكذا، فأطلق المنسوب إليها و لم يقيد بالصيود، مع أن التفريع الموجود هكذا، فنسب الكلب إليها أي نسب كلب الصيد إليها. و بعبارة أخرى عبر عن مطلق كلب الصيد بالكلب السلوقي.

ثم ان مقتضى الإطلاقات عدم جواز بيع الصغار من الكلاب التي لا تصلح فعلا للصيد و تصلح له بعد كبرها و تعليمها، و الوجه في ذلك ظهور الوصف في الروايات المقيدة في الصالح للصيد فعلا و اما الصالح بالإمكان و معلقا على الكبر‌

42

و ظاهر الفقرة الأخيرة (1) لكون المنقول مضمون الرواية (2) بل ظهور الاتفاق (3)

____________

و التعليم، فباق في الإطلاقات المانعة و القاضية بأن ثمن الكلب سحت.

(1) المراد بالفقرة الأولى (قوله لا بأس بشراء الكلب الصائد و الحارس للماشية و الزرع) كما أن المراد بالفقرة الأخيرة (قوله لا خير في الكلب فيما عدا الصيود و الحارس) فان كان مراد ابن الجنيد من الحارس في هذه الفقرة الأخيرة عين ما ذكره في الفقرة الأولى فلازم ذلك اختصاص جواز البيع بالحارس للماشية و الزرع، و عدم شموله الحارس لغيرهما، و ان كان مراده معناه المطلق، فيعم الجواز جميع أقسام الحارس.

(2) يريد بيان قصور دلالة المرسلة. و تقريره أن المروي على تقدير كونه منقولا باللفظ أو بما يرادفه أو ترجمته و لو بلغة اخرى يكون النقل مع ثقة الناقل حجة، لأن احتمال الاشتباه في الترجمة أو الإتيان بغير المرادف مدفوع بسيرة العقلاء الجارية في الاعتناء باخبار الثقات حتى في مثل هذه الموارد، بخلاف ما إذا كان المنقول مضمون الكلام و حاصله، فإنه لا يخلو من إظهار الرأي في كلام الغير، و لذا لو كان المخبر بالمضمون ثقة كمال الثقة لم يكن اعتبار قوله الا من باب حجية الرأي، و نقل الشيخ (ره) في المقام من هذا القبيل، فان قوله (ره) (أنه روى ذلك) لا يحتمل كونه متن الرواية، و على ذلك يكون فتوى المشهور بالجواز جائزة لقصور المرسلة في جهة دلالتها ايضا حيث يظهر من افتائهم أن تلك الرواية كانت ظاهرة في الجواز، و هذا بعد إحراز أن مستند حكمهم تلك الرواية بعينها.

(3) يعنى قصور سند المرسلة و دلالتها منجبر بالإجماع الظاهر من قول الشيخ (ره) في كتاب الإجارة و هو أن أحدا لم يفرق بين بيع هذه الكلاب و إجارتها مع ملاحظة الاتفاق على صحة إجارتها، و الظاهر من قول العلامة (ره) في التذكرة من‌

43

..........

____________

انه يجوز بيع هذه الكلاب عندنا، و الظاهر من الكلام المحكي عن الشهيد (ره) في الحواشي حيث ذكر فيها أن أحدا لم يفرق بين الكلاب الأربعة.

أقول قد ظهر مما ذكرنا الى هنا أن مقتضى الأدلة الالتزام بعدم جواز بيع غير الكلب الصالح فعلا للصيد و ما تقدم من مرسلة الشيخ (ره) لا يزيد على سائر المرسلات التي لا يمكن الاعتماد عليها.

(لا يقال) لا يمكن التمسك في إثبات بطلان بيع الكلب مطلقا بمثل صحيحة إبراهيم بن ابى البلاد، لعدم الإطلاق فيها باعتبار عدم ورودها في مقام بيان حكم بيع الكلب، بل في مقام تحقير الجارية المغنية و تسوية ثمنها مع ثمن الكلب، و كذا لا يمكن التمسك برواية السكوني عن ابى عبد اللّه (ع) قال: «السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر البغي و الرشوة في الحكم و أجر الكاهن» (1) و الوجه في ذلك عدم الإطلاق لها ايضا باعتبار أنها لم ترد في بيان الحكم لثمن الكلب حتى يؤخذ بإطلاقه، بل في مقام تعداد السحت نظير ما ورد في تعداد الحرام من الكذب و الغيبة و التهمة و الربا و غير ذلك، أو في تعداد الواجب من أنها الصلاة و الصوم و الحج و الزكاة الى غير ذلك.

و الحاصل انه كما لا دلالة فيما ورد في تعداد الحرام على كون الربا مثلا بإطلاقه حراما أو أن الحرام قسم خاص منه و لا دلالة فيما ورد في تعداد الواجب على وجوب الحج بإطلاقه أو أن له شرطا، و لذا لا يمكن التمسك عند الشك في جزئية شي‌ء أو شرطيته للصلاة مثلا بالإطلاق المزبور في نفى جزئية ذلك المشكوك فيه أو شرطيته، كذلك لا دلالة فيما ورد في تعداد السحت، على أن السحت ثمن مطلق الكلب أو ثمن كلب خاص. و على ذلك فلا يصح الحكم ببطلان بيع كلب الزرع أو الماشية أو الحارس أخذا بالإطلاقات المزبورة، و ايضا لا يمكن الحكم بفساد بيعها أخذا‌

____________

(1) وسائل الشيعة، الجزء (12) الباب: (5) من أبواب ما يكتسب به- الحديث: (5)

44

..........

____________

بمفهوم الوصف في مثل صحيحة عبد الرحمن و محمد بن مسلم معا، و ذلك فان المراد بالذي يصيد ليس هو خصوص الكلب المعلم للصيد حتى يكون المراد بالذي لا يصيد غير المعلم للصيد، بل المراد به معناه اللغوي و هو الذي يأخذ الحيوان الممتنع، سواء كان مأكول اللحم أولا، حتى إذا كان الأخذ المزبور من الكلب بمقتضى طبعه الذي من السباع، فالكلب الذي لا يصيد هو ما يكون مهملا و عاطلا عن مقتضى طبعه بالمرة بحيث لا يأخذ الحيوان الممتنع، و الحاصل أن الكلاب الأربعة كلها من كلاب الصيد و يصح بيعها كما هو مقتضى وجوب الوفاء بالعقود و إطلاق دليل حل البيع، و الفاسد بيعه هو الكلب الهراش العاطل عن مقتضى طبعه بالمرة و الساقط عن درجة كونه سبعا.

(فإنه يقال): لا بد من الحكم ببطلان بيع كلب الماشية أو الزرع أو الحارس و نحوها بمقتضى الإطلاق فيما ورد في كون ثمن الكلب سحتا و بمقتضى التقييد فيما ورد من عموم جواز بيع الكلب الذي لا يصيد، و ذلك فان الخطاب الدال على الحكم لموضوع يحمل على كون المتكلم به في مقام البيان من جهة القيود المحتملة للحكم و موضوعه الا مع القرينة على الخلاف، و من القرينة على الخلاف ما إذا تعلق الوجوب أو الحرمة بأفعال مختلفة ثم ورد خطاب آخر في تعداد تلك الواجبات و المحرمات المبينة في الخطابات السابقة: و أما إذا كان بيان وجوبها أو حرمتها بذلك الخطاب الجامع فلا بأس بالأخذ بالإطلاق فيه في ناحية الحكم و موضوعه.

مثلا إذا ورد في الخطاب أن من الحرام الرشا في الحكم و الغيبة و الكذب و الغناء حمل على كونه بيانا لحرمة تلك الأفعال، فيؤخذ بالإطلاق في ناحية الحرمة و متعلقها، لما تقدم من أن الأصل في الخطاب الدال على الحكم و موضوعه صدوره في مقام بيان ذلك الحكم من جهة متعلق الحكم، فيؤخذ بإطلاقه من‌

45

بأن الدية لو لم تدل (1)

____________

سائر الجهات، كما إذا كان متعلق الحكم في الخطاب من الأمور التي لا يعرفها العرف كالعبادات، مثل ما ورد في بناء الإسلام على الخمس: (الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية) حيث أن عدم معرفة العرف بتلك العبادات قرينة على أنها ليست في مقام بيانها من جهة اجزائها و شرائطها، بل في مقام بيان اهميتها بالإضافة إلى سائر الوظائف و الواجبات، و لذا يمكن التمسك في إثبات كون الأهم كل الفرائض اليومية بلا فرق بين صلاة و اخرى بإطلاق المتعلق من هذه الجهة كما لا يخفى.

و الحاصل أنه لا قرينة على أن مثل رواية السكوني الواردة في أن ثمن الميتة أو الخمر أو الكلب و غيرها من السحت في مقام تعداد ما ثبت كونه سحتا بالخطابات الأخرى لنحتاج في تعيين ما هو السحت سعة و ضيقا إلى ملاحظة تلك الخطابات، بل الظاهر أن الرواية في مقام بيان أن المذكورات محكومة بكونها سحتا، فيؤخذ بالإطلاق في ناحية الخمر و الكلب و الميتة و غيرها، كما أن صحيحة إبراهيم بن ابى البلاد ورودها في مقام الجواب عن سؤال ثمن الجارية المغنية لا ينافي كونها في مقام بيان حكم ثمن الكلب ايضا، و ايضا ليس المراد بالصيد في مثل قوله الكلب الذي لا يصيد أو يصيد مطلق صيد الحيوان، فإنه لا يقع البيع و الشراء خارجا على الكلاب المهملة الساقطة عن مقتضى طبعها بالمرة ليحتاج في المنع عن بيعها في الروايات المتعددة إلى التقييد المزبور، بل المراد بالذي يصيد هو الصالح لإرساله للصيد فعلا، نظير ما يقال عن الحيوان الصالح فعلا للركوب أنه يركب، و في مثل هذا يحتاج المنع عن بيع غيره الى التقييد فلاحظ.

(1) الصحيح أنه لا دلالة لتعيين الدية على المالية و لا على عدمها و ذلك لثبوت الدية في قتل العبد مع كونه مالا و في الحر مع عدم كونه ملكا أو مالا، نعم في الماليات مقتضى قاعدة الإتلاف ضمان القيمة في مورد لم تثبت فيه الدية، هذا مع أن في ثبوت الدية في غير السلوقي تأملا، لضعف الرواية الدالة عليها و أما الدالة‌

46

و أما كلام ابن زهرة فهو مختل (1)

____________

على أن دية السلوقي أربعون درهما فرواية معتبرة (1).

(1) و بيانه ان المصنف (ره) قد صحح فيما تقدم كلام ابن زهرة بحمل الكلب المعلم للصيد فيه على المثال و وجه التصحيح أن ابن زهرة ذكر في وجه عدم جواز بيع النجس عدم جواز الانتفاع به و استثنى عن حرمة بيعه شيئين (أحدهما)- الكلب المعلم للصيد و (ثانيهما) الزيت، و قال بورود الترخيص في الانتفاع بالزيت المتنجس للاستصباح، و بما أن الانتفاع بكلب الماشية و نحوها ككلب الصيد جائز، فيكون مقتضى ذلك جواز بيعهما ايضا، فيحمل الكلب المعلم للصيد في كلامه على المثال، و يذكر المصنف فعلا أن التصحيح غير مفيد، و كلام ابن زهرة مختل على كل حال أى سواء حمل الكلب المعلم للصيد فيه على المثال أو لا، فإنه إذا لم يحمل على المثال فيرد عليه أنه لا وجه لتخصيص جواز البيع بكلب الصيد مع جريان وجه الجواز عنده في كلب الماشية و غيرها أيضا، و أن حمل على المثال بما يجوز بيعه من الكلاب فلا وجه لإهمال العبد الكافر و الاقتصار في الاستثناء على كلب الصيد و الزيت المتنجس.

اللهم إلا أن يدفع هذا الخلل بحمل كلب الصيد في كلامه على المثال لمطلق النجس الذي يجوز الانتفاع به، بحيث يعم العبد الكافر ايضا و يكون ذكر الزيت بعد ذلك لورود النص الخاص في جواز الانتفاع به.

أقول: يمكن أن يكون ذكر كلب الصيد للمثال للكلاب الأربعة، و إهماله العبد الكافر لعدم قوله (ره) بنجاسته، فلا بد من ملاحظة ما ذكره في مسألة نجاسة الكافر.

و المتحصل في المقام أنه لا يجوز بيع غير كلب الصيد من سائر الكلاب أخذا بالإطلاق السابق و بمقتضى التقييد في مثل صحيحة عبد الرحمن المتقدمة نعم لا بأس‌

____________

(1) وسائل الشيعة- الجزء (19) الباب: (19) من أبواب ديات النفس- الحديث: (4)

47

[الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي]

الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي (1)

____________

بإجارتها اوهبتها الى غير ذلك من المعاملات التي لا تندرج في عنوان البيع كما هو مقتضى عموم الوفاء بالعقود و نفوذ الصلح و الهبة أو نحوها كما لا يخفى، بقي في المقام أمر و هو انه ليس المراد بالصيود و الذي يصيد تلبس الكلب فعلا بالصيد بان يكون حال البيع مرسلا الى الصيد للقطع بعدم اعتبار هذا التلبس في جواز بيعه بل المراد هو الصالح للاستعمال في الصيد في مقابل مالا يصيد، و المراد بكلب الصيد اما الكلب الذي يستعمل فعلا في الصيد بحيث يكون شغله الفعلي هو الصيد نظير كلب الماشية أو الزرع حيث يكون ظاهرهما ما شغله حراسة الزرع أو الماشية، فيكون الصيود أو الذي يصيد أعم مطلقا من كلب الصيد، و يكون المراد بكلب الصيد عين المراد من الصيود، و بينهما تساو، و على كل فموضوع عدم الجواز في صحيحة عبد الرحمن هو الكلب الذي لا يصيد إى لا يصلح لاستعماله في الصيد.

و أما الصالح له فيجوز بيعه، سواء كان مع صلاحه له حارسا للزرع و نحوه أيضا أو لا، و الذي لا يجوز بيعه من كلب الماشية أو الزرع أو الحائط ما لا يكون صالحا فعلا لاستعماله في الصيد، و ايضا الكلاب القابلة للصيد، بعد كبرها و تعليمها، باعتبار أن عدم فعلية الصلاح فيها داخلة في المطلقات القاضية بأن ثمن الكلب سحت، بل يصح أن يقال إنها لا تصيد، فيعمها قوله (ع): «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت» و احتمال- كون المراد بالصيود معنى يعم ما له الاستعداد للصيد و لو لم يكن فعلا صالحا له- ضعيف: و على تقدير الإغماض يكون معنى الصيود أو الذي يصيد أو لا يصيد مجملا مرددا بين الأقل و الأكثر، فيرجع في غير الصالح فعلا إلى إطلاق ما دل على كون ثمن الكلب سحتا».

(1) لا يخفى أنه لا يحكم بنجاسة العصير العنبي بنشيشه أو غليانه، سواء كان ذلك بالنار أو بالشمس أو بنفسه، و انما يحكم بنجاسته، فيما إذا صار خمرا، و الحكم بالطهارة مقتضى الأصل في الأشياء، و لكن المنسوب الى المشهور نجاسته بنشيشه‌

48

..........

____________

أو غليانه، و ذلك لصحيحتين: (الأولى) صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى- عبد اللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): «الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع من العصل، و المرز من الشعير، و النبيذ من التمر» (1).

و فيه أنه ليس مفادها أن عصير الكرم بإطلاقه خمر، بل أن الخمر المحكوم بالنجاسة و حرمة الشرب و عدم جواز بيعها تحصل منه كحصولها من الأربعة الباقية، و لذا لا يمكن الالتزام بدلالتها على كون عصير العنب خمرا حتى مع عدم غليانه، و كذا الحال في الزبيب و أنه خمر فيما إذا القى في الماء حتى يدخل الماء في جوفه و يصير نقيعا.

و الحاصل أن مفاد الرواية أن المأخوذ من غير الخمسة لا يكون خمرا و لا يختص الخمر بالمأخوذ من بعض هذه الخمسة، كما كان عليه فتاوى العامة على ما قيل (الثانية) صحيحة معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج، و يقول قد طبخ على الثلث و أنا أعرفه أنه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟ قال خمر لا تشربه» (2) حيث أن الحكم بكون العصير خمرا مقتضاه ثبوت جميع أحكامها له و منها نجاستها و عدم جواز بيعها و فيه أولا أن الموجود في رواية الكليني (فقال لا تشربه) بلا ذكر لفظ خمر بل الظاهر أن نسخ التهذيب كانت مختلفة و كانت الزيادة في بعضها و لذا نقل في الوسائل الرواية عن الكافي أولا، ثم قال و رواه الشيخ (ره) بلا تعرض منه لزيادة لفظ خمر في رواية التهذيب:

و الحاصل أنه لم تثبت لفظة خمر في رواية الشيخ (ره)، بل على تقديره يكون خلو رواية الكافي موجبا لعدم ثبوته لا لترجيح رواية الكافي، و كون رواياته أضبط حتى يقال لا دليل على الترجيح، بعد كون كل منهما خبر عدل يدخل في دليل اعتبار‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (1) من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث: (1)

(2) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (7) من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث: (4)

49

وجب عليه غرامة الثلثين (1)

____________

خبر العدل لو لا الآخر، بل باعتبار أن عدم اللفظ في أحد النقلين في المقام ليس من اختلافهما بالأقل و الأكثر في النقل حتى يؤخذ بالثاني، و يقال أن راوي الأقل لا ينفى الزائد فإن الظاهر في مثل المقام مما يوجب وجود للفظ في أحدهما اختلاف المضمون أن الراوي بلا زيادة ينفى وجودها.

أضف الى ذلك أنه على تقدير ثبوت لفظ الخمر في النقلين لا يصح الحكم بنجاسة العصير قبل ذهاب ثلثيه، و ذلك فان قوله خمر لا تشربه ليس بيانا للحكم الواقعي للعصير، بل الحكم الواقعي له كان معلوما لدى السائل، و إنما سأل الإمام (عليه السلام) عن الشبهة الموضوعية و اعتبار اخبار ذي اليد فيها.

و الحاصل ان الرواية غير ناظرة إلى بيان الحكم الواقعي للعصير بعد غليانه حتى يؤخذ بإطلاق التنزيل و كونه خمرا، بل هي ناظرة إلى بيان الحكم الظاهري، و أنه عند الجهل بحال العصير لا يعتنى باخبار ذي اليد الذي لا يعتقد حل العصير بذهاب ثلثيه. و من الظاهر أن الحكم الظاهري تابع للحكم الواقعي، فإن كان التنزيل في خطاب الحكم الواقعي من جميع الجهات، كان الحكم الظاهري أيضا كذلك، و لو كان من جهة حرمة شربه فقط، فلا يمكن كون الحكم الظاهري تنزيلا مطلقا، فلا بد من ملاحظة خطاب الحكم الواقعي لا التمسك بإطلاق خطاب الحكم الظاهري فتدبر.

(1) بل الأصح ضمان تفاوت قيمتي العصير بلحاظ قبل غليانه و بعده، و ذلك فإن الأوصاف- و منها غليان العصير و عدمه، و ان لم يكن بالنسبة إليها ضمان المعاوضة بمعنى انه لا يقع بعض الثمن في مقابل وصف المبيع و بهذا- يفترق الوصف عن جزء المبيع، إلا أنها تدخل في ضمان اليد أو الإتلاف، و بعبارة أخرى كما أن تلف الشي‌ء، أو بعضه في يده أو إتلافهما على الآخر يوجب ضمان المثل أو القيمة، كذلك النقص في الأوصاف.

و قد اعترف المصنف (ره) بان غليان العصير في يد الغاصب ليس من تلف العين كانقلاب‌

50

مثل قوله (ع) و إن غلى فلا يحل بيعه (1)

____________

الخل خمرا حتى يكون ضامنا لأصل المال، و عليه يكون التالف هو وصف عدم الغليان، فيرجع الى التفاوت بين القيمتين لا إلى غرامة الثلثين و أجرة إذهابهما.

(1) كما في رواية أبي كهمس قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (ع) عن العصير، فقال: لي كرم و أنا أعصره كل سنة و أجعله في الدنان و أبيعه قبل أن يغلي؟ قال:

لا بأس به، و إن غلا فلا يحل بيعه، ثم قال: هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يصنعه خمرا، (1) و هذه لضعف سندها بعدم ثبوت توثيق لأبي كهمس لا يمكن الاعتماد عليها، مع أن ظاهرها بقرينة ما في ذيلها من قوله (ع): (نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يصنعه خمرا) ان جهة سؤال الراوي انما هو بيع العصير ممن يجعله خمرا.

و المذكور في الجواب التفصيل بين بيعه قبل غليانه و بيعه بعده بالجواز في الأول و عدم الجواز في الثاني، و مقتضى قوله: (فلا يحل) عدم الجواز حتى مع إعلام الحال للمشتري، و دعوى المصنف (ره)- أنها لا تشمل ما إذا كان البيع بقصد التطهير مع إعلام المشتري بالحال- لا يمكن المساعدة عليها.

و بهذا يظهر الحال في رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا! قال: إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال، فلا بأس» (2) مع أن في سندها قاسم بن محمد الجوهري عن على ابن أبي حمزة و الظاهر أنه البطائني، و ذكر السيد الخوئي طال بقاه ان أبا بصير في نظير الرواية مردد بين ابن البختري و بين ليث المرادي و كلاهما كوفي و لم يكن في الكوفة في ذلك الزمان عنب كثير حتى يباع عصيرة ممن يجعله خمرا أو يطبخه دبسا، فالظاهر أن مراد السائل هو عصير التمر و لا ريب في جواز بيعه حتى بعد غليانه و قبل كونه خمرا فالرواية أجنبية عن المقام.

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (59) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (6- 2)

(2) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب: (59) من أبواب ما يكتسب به، الحديث: (6- 2)

51

..........

____________

أقول لا يخفى ما فيه (أولا)- كون الراوي كوفيا بحسب الأصل لا يدل على أن سؤاله راجع الى ما يكون في بلده. و (ثانيا) أنه لا علم لنا بحال الكوفة في ذلك الزمان من قلة العنب أو كثرته فيها. و (ثالثا) أن تقييد الجواب بقوله: (و هو حلال) ظاهر في اعتبار عدم الغليان، و إلا كان تأكيدا و إطلاق العصير ينصرف الى عصير العنب. و يظهر ذلك بمراجعة ما ورد في حكم العصير. و أما مرسلة محمد بن الهيثم عن أبى عبد اللّه (ع)، قال: «سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلى من ساعته أ يشربه صاحبه؟ قال: إذا تغير عن حاله و غلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه، و يبقى ثلثه» (1) فمع ضعفها بالإرسال و غيره ظاهرها السؤال عن شرب العصير، و ظاهر الجواب بنفي الخير غايته عدم جواز الشرب لا عدم جواز بيعه، فلا نظر في الرواية إلى المعاملة على العصير أصلا.

و الحاصل أن مقتضى القاعدة جواز بيع العصير بعد غليانه أخذا بمقتضى إطلاق حلية البيع و نفوذه حتى فيما إذا قيل باعتبار حديث تحف العقول الوارد فيه النهى عن بيع وجوه النجس، أو باعتبار النبوي الدال على أن تحريم الشي‌ء يلازم حرمة ثمنه و فساد بيعه، و ذلك فإن النجاسة في العصير أو الحرمة طارئة ترتفع بذهاب الثلثين، و هذه النجاسة المعبر عنها بقبول الشي‌ء للطهارة غير داخلة في مدلول الحديث كسائر الأعيان المتنجسة القابلة لها، كما أن مثل الحرمة المزبورة غير داخلة في مدلول النبوي، و لذا يصح بيع ما يحرم في حال خاص كحال الإحرام، و الحاصل أن ظاهر النبوي هو ان النهى عن شي‌ء مطلقا بحيث يعم جميع أحواله يلازم فساد بيعه.

ثم إنه لا بأس بالإشارة في المقام الى حكم العصير العنبي و الزبيبي و التمري بعد الغليان من حيث الحل و الحرمة، فنقول لا ينبغي الريب في حرمة شرب العصير‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (17) الباب: (2) من أبواب الأشربة المحرمة الحديث: (7)

52

..........

____________

العنبي بعد غليانه سواء كان غليانه بالنار أو بنفسه أو بغير ذلك، بل لا أعرف خلافا في ذلك. و الأظهر حله حتى فيما إذا كان غليانه بنفسه بذهاب ثلثيه، سواء كان الذهاب بالشمس أو بالهواء أو بالنار (لا يقال) العصير إذا غلى بنفسه يصير خمرا و مسكرا فينحصر حله بانقلابه خلا (فإنه يقال): مجرد غليانه بنفسه لا يوجب كونه خمرا، و لو فرض بقاء العصير بعد غليانه بنفسه أو بغيره على حاله حتى صار مسكرا فهو خارج عن مفروض الكلام.

و كيف كان فيشهد لما ذكرنا مثل صحيحة حماد بن عثمان عن ابى عبد اللّه (ع)، قال: «لا يحرم العصير حتى يغلى» (1) و في معتبرته الأخرى عنه (ع) قال: «سألته عن شرب العصير، فقال: تشرب ما لم يغل و إذا غلى فلا تشربه، قلت: و أي شي‌ء الغليان؟ قال: القلب» (2) و في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (ع): «كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (3) و المراد بإصابة النار الغليان بقرينة ما سبق و في موثقة ذريح، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

إذا نش العصير أو غلى حرم» (4) و المراد بالغليان فيها هو القلب بالنار و بالنشيش ما لا يكون فيه القلب عادة كالغليان بنفسه، فيكون حاصل الموثقة أنه إذا غلى العصير بنفسه أو كان غليانه بالنار بنحو القلب فقد حرم، و يقتضي ذلك عطف الغليان على النشيش مع ملاحظة ان ما دل على اعتبار القلب ظاهره المورد الذي يمكن فيه و هو‌

____________

(1) الوسائل الجزء (17) الباب: (3) من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث: (1- 3- 4)

(2) الوسائل الجزء (17) الباب: (3) من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث: (1- 3- 4)

(3) الوسائل الجزء (17) الباب: (2) من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث: (1)

(4) الوسائل الجزء (17) الباب (3) من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث: (1- 3- 4)