إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب - ج3

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
284 /
3

[الجزء الثالث]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[تتمة كتاب البيع]

[تتمة شروط المتعاقدين]

[تتمة بيع الفضولي]

[أولياء التصرف]

[يجوز للأب و الجد ان يتصرفا في مال الطفل]

يجوز للأب و الجد ان يتصرفا (1)

____________

(1) يجوز للأب و الجد يعنى أب الأب التصرف في مال الطفل بالبيع و الشراء و غيرهما من التصرفات و ولايتهما على الطفل بالإضافة إلى ماله و نكاحه في الجملة مما لا اشكال فيه و يشهد لذلك الروايات الواردة في موارد متفرقة مثل ما ورد في وصية الأب بالمضاربة بمال الطفل كحسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع) انه سئل عن رجل اوصى الى رجل بولده و بمال لهم و اذن له عند الوصية ان يعمل بالمال و يكون الربح بينه و بينهم فقال لا بأس به من أجل ان أباه قد اذن له في ذلك و هو حي (1).

فإن ظاهر التعليل ثبوت الولاية للأب بالإضافة الى مال الطفل و قريب منها غيرها و ما ورد من ان الوالد يجوز له الرجوع فيما وهبه لولده إلا إذا كان الولد صغيرا كصحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سألته عن الصدقة إذا لم تقبض هل تجوز لصاحبها قال إذا كان الأب تصدق بها على ولد صغير فإنها‌

____________

(1) الوسائل الجزء (13) الباب (92) من الوصايا الحديث (1)

4

..........

____________

جائزة لأنه يقبض لولده إذا كان صغيرا و إذا كان الولد كبيرا فلا يجوز له حتى يقبض (1) حيث ان ظاهرها ولاية الأب على مال الطفل الصغير و ما ورد في ولاية الأب و الجد على نكاح الصغير و الصغيرة حيث ان ثبوت الولاية لهما في النكاح و لكونه من الفروج اولى بالاحتياط يقتضي ثبوتها لهما في التصرفات المالية التي أمرها أهون من النكاح اللهم الا ان يقال مجرد ثبوت الولاية لهما في النكاح لا يقتضي ثبوتها لهما في التصرفات المالية لاحتمال الخصوصية في النكاح و لذا تثبت في النكاح الولاية لهما على نكاح الباكرة الرشيدة و لا يمكن الالتزام بولايتهما في التصرفات في أموالها.

و يظهر من المصنف ره الاستدلال على ولاية الأب و الجد بمال الطفل بما ورد في جواز أخذ الوالد من مال ولده (2) و لكن لا يخفى ان جواز أخذه مال ابنه للإنفاق على نفسه و دفع اضطراره لا يقتضي ثبوت الولاية له بالإضافة الى مال ولده كيف و مورد كثير من الروايات المشار إليها الأخذ من مال الولد الكبير مع انه ليس للوالد ولاية على ولده الكبير كما يظهر من صحيحة على بن جعفر المتقدمة و غيرها مع ان عدم الولاية مقتضى الأصل.

و بهذا يظهر الحال فيما ورد في جواز تقويم الأب جارية الابن و البنت على نفسه و وطيها بالملك كصحيحة الحسن بن محبوب قال كتبت الى ابى الحسن الرضا (ع) انى كنت وهبت لابنة لي جارية حيث زوجتها فلم تزل عندها في بيت زوجها حتى‌

____________

(1) الوسائل الجزء (13) الباب (5) أحكام الهبات الحديث (5)

(2) الوسائل الجزء (12) الباب (78) أبواب ما يكتسب به

5

..........

____________

مات زوجها فرجعت الى هي و الجارية أ فيحل لي ان أطأ الجارية قال قومها قيمة عادلة و اشهد على ذلك ثم ان شئت فطأها (1) فان ظاهرها جواز تملك جارية البنت البالغة و هذا غير الولاية بالتصرفات في مال الصغير.

و كيف كان فلا ينبغي الريب و الكلام في أصل ثبوت الولاية للأب و الجد على الطفل في ماله.

و انما الكلام يقع في جهات الاولى- في اعتبار العدالة في ولايتهما الثانية- اشتراط تصرفهما بالصلاح للطفل أو باشتراط عدم المفسدة عليه أو عدم اعتبار شي‌ء الثالثة- ان الأب مع الجد في مرتبة واحدة في الولاية و ان مع فقد الأب يكون الجد القريب مع أبيه في مرتبة واحدة أيضا أو انه لا ولاية للجد البعيد مع القريب.

أما الأولى- فالمنسوب الى المشهور عدم اعتبار العدالة و المحكي عن الوسيلة و الإيضاح اعتبارها و ذكر المصنف ره في وجه عدم الاعتبار، الأصل و الإطلاقات و فحوى الإجماع المذكور في التذكرة على ولاية الأب الفاسق في- النكاح، حيث ان مع ثبوت الولاية فيه للفاسق يكون ثبوتها له في التصرفات المالية أولى.

أقول اما الأصل فإن وصلت النوبة إليه فمقتضاه الاعتبار لما ذكرنا سابقا من انه إذا كان الحكم المجعول انحلاليا يكون ثبوت الحكم لو أجد القيد متيقنا و ثبوت فرد آخر من الحكم لفاقده مشكوكا و مقتضى الأصل عدم جعل ذلك الحكم الآخر و عدم ثبوته سواء كان الحكم من قبيل التكليف كما إذا علم بتحريم اللعب بآلات القمار‌

____________

(1) الوسائل الجزء (12) الباب (79) من أبواب ما يكتسب به الحديث (1)

6

..........

____________

و دار الأمر بين ان يكون متعلق التحريم خصوص اللعب بها مع الرهن أو اللعب بها سواء كان في البين رهن أم لا فان مقتضى الاستصحاب عدم جعل الحرمة للمشكوك و لا مجال في مثل المقام لاستصحاب عدم أخذ خصوصية العوض في متعلق الحرمة فإن استصحاب عدم أخذها فيه لا يثبت ان المتعلق هو اللعب بها مطلقا أو كان من قبيل الوضع كما في المقام فإنه قد علم ان الشارع قد جعل الولاية للأب و الجد بنحو الانحلال و استصحاب عدم أخذ خصوصية العدالة في الموضوع لا يثبت ان الموضوع مطلق و يكون جعل الولاية للعادل متيقنا و بالإضافة الفاسق مشكوكا فالأصل عدم جعل الولاية للثاني.

اما الأخذ بالإطلاق فهو صحيح فإنه لم يقيد ما دل على ولاية الأب و الجد في النكاح بصورة عدالتهما كما انه لم يقيد الحكم في صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة على بن جعفر المتقدمين بما إذا كان الأب عادلا.

و اما دعوى الإجماع في التذكرة أو غيرها على عدم اعتبار عدالة الأب و الجد في النكاح فلا يعتبر عدالتهما في غيره بالفحوى فقد ذكرنا ثبوت الإطلاق في الروايات الدالة على ولايتهما في النكاح و معه يكون الإجماع مدركيا حيث ان مدرك اتفاقهم هو الإطلاق المزبور و لو لم يكن هذا قطعيا فلا أقل من احتماله و مع الاحتمال لا يحرز الإجماع التعبدي فضلا عن التعدي الى غير النكاح بالفحوى مع انا ذكرنا ما في الفحوى المزبور فلا نعيد.

و قيل في وجه اعتبار العدالة ان الولاية في مورد الكلام هي على القاصر من الطفل أو المجنون المتصل جنونه بحال صغره و القاصر لا يتمكن على دفع الضرر عن نفسه‌

7

..........

____________

و صرف التلف و الفساد عن ماله و يستحيل في حكمة الصانع و لطفه ان يجعل الولاية بنفسه و ماله للفاسق فان جعل الولاية له عبارة عن اتخاذه أمينا على أمواله بحيث يكون إقراراته و إخباراته نافذة على المولى عليه مع ان الشارع لم يجعل الامانة للفاسق كما يدل عليه قوله سبحانه وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ.

أقول لو تم هذا الوجه لكان مقيدا للإطلاق المتقدم و لكن أورد المصنف ره عليه تبعا لجامع المقاصد ان في دلالة الآية على حكم المقام تأملا و انه لا محذور في ان يجعل الشارع الولاية للأب الفاسق أو الجد الفاسق فإنه متى ظهر عند الحاكم بقرائن الأحوال نظير ضعف جسم الطفل و نحافته أو يرى جده مثلا يصرف على نفسه سرفا مع عدم تملكه المال خيانة أب الطفل أو جده عزله عن الولاية و منعه عن التصرف في أموال الطفل و وضع يده عليها و ما لم يظهر الخيانة فولايته ثابتة.

و ان لم يعلم انه كيف يعامل مع الطفل و أمواله اجتهد بتتبع القرائن و شواهد الأحوال و لعل وجه التأمل عنده (قده) في دلالة الآية على حكم المقام هو ان المراد بالركون الى الظالم الدخول في أعوانه و جعل الظالم وليا على نفسه حيث ان هذا في نفسه أمر محرم كما يفصح عن قوله سبحانه في ذيل الآية فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ و القرينة على كون المراد من الركون ذلك ما ذكر بعد ذلك و ما لكم من دون اللّه أولياء ثم لا تنصرون و لذلك لم يلتزم أحد فيما نعلم باعتبار العدالة في الوكيل أو العامل في المضاربة أو المستعير أو الودعي و نحو ذلك مع ان في جميع ذلك ركون من الموكل و المضارب و المالك الى الوكيل و العامل و المستعير و الودعي.

و قد يورد على الاستدلال بالآية بوجه آخر و هو ان الكلام في المقام في الولاية‌

8

..........

____________

الشرعية للأب و الجد الفاسقين بالإضافة الى مال الطفل و هذه الولاية على تقدير ثبوتها لهما ركون من الشارع إليهما لا من العباد ليدخل في المنهي عنه في الآية.

لا يقال إذا كان الركون الى الفاسق من العباد قبيحا و ذا مفسدة يكون من الشارع ايضا كذلك خصوصا بملاحظة قوله سبحانه لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ فإنه يقال لا منافاة بين قبح فعل من العباد و عدم قبحه من اللّه سبحانه الا ترى ان قتل العباد و إتلاف أموالهم أمر قبيح و محرم مع ان اللّه سبحانه يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا و ينزل البلاء من الزلازل و الطوفان على قوم و يدمرهم من بكرة أبيهم الى غير ذلك.

و قوله سبحانه لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ خطاب متوجه الى العباد و لا يعم اللّه سبحانه و بتعبير آخر انه قد يستقل العقل بقبح فعل مطلقا أو بخصوص الحكيم كالظلم و إغراء الناس بالجهل و مثله لا يصدر عن اللّه سبحانه و قد لا يستقل كما في بعض الأفعال التي منع الشرع العباد عنها و في مثله لا طريق لنا إلى إحراز المفسدة فيما إذا صدر عن الشارع.

و قد يقال ان نظر صاحب الإيضاح بنص القرآن إلى آية النبأ الرادعة عن الاعتماد على خبر الفاسق فإن الولاية للأب و الجد لازمها قبول اقراراتهما و أخبارهما بالتصرفات في مال الطفل فيكون ما دل على ثبوت الولاية لهما بإطلاقه مقتضيا لقبول اخبار الأب و الجد الفاسقين و آية النبأ بإطلاقها يمنع عن قبول أخبارهما فيقدم إطلاق الآية لعدم اعتبار الخبر مع معارضته للكتاب العزيز و لا أقل من تساقط الإطلاقين فلا تثبت الولاية لهما مع كونهما فاسقين.

و قد يجاب عن ذلك بعدم الإطلاق في آية النبأ بالإضافة إلى مثل المقام حيث‌

9

عزله و منعه عن التصرف في ماله (1)

____________

ان ظاهرها و لو بملاحظة التعليل الوارد فيها عدم جواز الاعتماد على خبر الفاسق في الوقائع المهمة التي بكون العمل فيها بالخبر مع عدم مطابقته للواقع موجبا لفساد مهم و ندامة عامة كالاخبار بارتداد قوم بنى المصطلق.

و لكن لا يخفى ان مورد نزولها كانت واقعة مهمة و الا فالآية حكم انحلالي كسائر الإطلاقات و تعليل لزوم التبين بإصابة القوم لرعاية مورد النزول و الا فالمعيار الندامة على مخالفة الواقع و فوته. و الصحيح في الجواب ان قبول إخبار ذي اليد و الولي بالتصرفات فيما بيده أو بولايته مما جرت السيرة العقلائية من دون نظر الى كونهما عادلين و الردع عما جرت عليه سيرتهم يحتاج إلى النهي عنه بخصوصه و لا يصح بالعموم فضلا عن الإطلاق و قد ذكرنا تفصيل ذلك في بحث عدم كون الآيات الناهية عن اتباع غير العلم رادعة عن العمل باخبار الثقات.

بقي في المقام أمر و هو ما عن النائيني و الإيرواني (قدس سرهما) من ان اعتبار العدالة في الولي بناء على القول به ليس من قبيل اعتبارها في الشاهد و القاضي و امام الجماعة و مرجع التقليد بل اعتبارها طريقي لإحراز وقوع التصرف الصحيح في مال الطفل و لو تصرف الأب الفاسق أو الجد كذلك في مال الطفل مع المصلحة فيحكم بصحته.

أقول لا مجال للالتزام باعتبارها طريقا مع الاستناد في اعتبارها إلى النهي عن الركون الى الظالم أو ان الفاسق كالكافر لا يصلح لإعطاء الولاية نعم لو استند في اعتبارها إلى آية النبأ لكان الالتزام باعتبارها طريقيا وجيها.

(1) لا يخفى ان الولاية الثابتة للأب و الجد ولاية من الشارع و لا دليل على‌

10

و هل يشترط في تصرفه المصلحة (1)

____________

نفوذ إلغاء الحاكم و عزله نعم بما ان التحفظ على مال الطفل و الدفع عن نفسه مع عدم الولي أو خيانته داخل في الأمور الحسبية فعلى الحاكم منع ولى الطفل عن التصرف في ماله فيما أحرز خيانته حفظا عن فساده و تلفه.

و بتعبير آخر لا ولاية للأب أو الجد في مال الطفل بالإضافة إلى التصرف الفسادي.

ثم انه لا ملزم لاستعلامه الحال مع عدم علمه بالإفساد بعد كون تصرفات الولي محمولة شرعا على الصحة تكليفا و وضعا.

(1) هذه هي الجهة الثانية و قد يستظهر من الروايات الواردة في جواز أخذ الأب من مال ولده و جواز تقويم جاريته عدم اعتبار الصلاح للطفل بل و عدم اعتبار عدم الفساد ايضا و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع) قال سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه قال يأكل منه ما شاء من غير سرف و قال في كتاب على (ع) ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء و له ان يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن قد وقع عليها و ذكر ان رسول اللّه (ص) قال لرجل أنت و مالك لأبيك و موثقة سعيد بن يسار قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) أ يحج الرجل من مال ابنه و هو صغير قال نعم قلت يحج حجة الإسلام و ينفق منه قال نعم بالمعروف ثم قال يحج منه و ينفق منه ان مال الولد للوالد و ليس للولد ان يأخذ من مال والده إلا باذنه و في رواية محمد بن سنان ان علة تحليل مال الولد لوالده ان الولد موهوب للوالد في قوله تعالى يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ و كان التعليل مقتضاه ان يكون مال الطفل موهوبا لوالده بحيث يحسب ماله مالا لوالده و حيث ان المالك مسلط على ماله و يجوز له التصرف‌

11

..........

____________

فيه ما لم يكن فيه سرف و تبذير يكون الوالد بالإضافة الى مال ولده كذلك.

و ربما يقال ان آية لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا لا يقتضي اعتبار العدالة في الأب و الجد باعتبار ان ولايتهما لا يكون من قبيل ركون الشارع أو غيره الى الظالم بل ولايتهما باعتبار كون المال لهما كما يقال باستظهار ولايتهما كذلك من قوله (ص) أنت و مالك لأبيك و لو بمعونة رواية عبيدة بن زرارة عن أبي عبد اللّه (ع) قال انى لذات يوم عند زياد بن عبد اللّه إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال أصلح اللّه الأمير ان ابى زوج ابنتي بغير اذنى فقال زياد لجلسائه الذين عنده ما تقولون فيما يقول هذا الرجل فقالوا نكاحه باطل قال ثم اقبل على فقال ما تقول يا أبا عبد اللّه فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم أ ليس فيما تروون أنتم عن رسول اللّه (ص) ان رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا فقال له رسول اللّه (ص) أنت و مالك لأبيك قالوا بلى فقلت لهم فكيف يكون هذا و هو و ماله لأبيه و لا يجوز نكاحه قال فأخذه بقولهم و ترك قولي.

أقول ظاهر الروايات المتقدمة و غيرها مما يوافقها كون مال الولد لوالده و لازم ذلك ان يكون المال الواحد لمالكين مستقلين و حمل كون مال الولد لوالده على ولاية الوالد مع كونه بلا قرينة لازمه ولاية الوالد على ولده الكبير ايضا كما هو مورد بعض تلك الروايات و لا أظن الالتزام كذلك من أحد خصوصا بملاحظة التفصيل الوارد في رواية صدقة الوالد لولده و هذه قرينة جلية على ان المراد بالمال في مثل قوله (ص) أنت و مالك لأبيك ليس الملك الاعتباري فإن الولد لا يكون مملوكا لوالده بهذا المعنى بلا خلاف و ريب بل المراد الملكية التكوينية بمعنى‌

12

..........

____________

كون الأب منشأ لوجود الولد و ماله بحسب نظام الخلقة و هذا ليس من الحكم الشرعي بل يناسب ان يكون ملاكا للحكم الشرعي و هو جواز أخذ الوالد من مال ولده بلا استيذان منه و لو كان الولد كبيرا.

و جواز الأخذ مقيد بصورة حاجة الأب و عدم إنفاق الولد بشهادة صحيحة عبد اللّه بن سنان قال سألته يعني أبا عبد اللّه (ع) ما ذا يحل للوالد من مال ولده قال اما إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له ان يأخذ من مال ولده شيئا و ان كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له ان بطأها الا ان يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه الحديث و في حسنة الحسين بن العلاء قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) ما يحل للرجل من مال ولده قال قوته بغير سرف إذا اضطر اليه فقلت له فقول رسول اللّه (ص) للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له أنت و مالك لأبيك فقال انما جاء بأبيه إلى النبي (ص) فقال يا رسول اللّه هذا أبى و قد ظلمني ميراثي من أمي فأخبره الأب انه قد أنفقه عليه و على نفسه و قال أنت و مالك لأبيك و لم يكن عند الرجل شي‌ء أو كان رسول اللّه يحبس الأب للابن فان المستفاد منهما تقييد جواز الأخذ بصورة حاجة الأب و عدم إنفاق الولد فيرفع بهما اليد عن بعض الإطلاقات المتقدمة بحمل ما شاء في صحيحة محمد بن مسلم على عدم كونه زائدا على نفقته المعروفة.

و في صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (ع) ان رسول اللّه قال لرجل أنت و مالك لأبيك ثم قال أبو جعفر (ع) ما أحب أن يأخذ من مال ابنه الا ما احتاج اليه مما لا بد منه وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ و يحمل ما في صحيحة سعيد بن يسار من حج الوالد و الإنفاق فيه من مال ولده على صورة تساوى نفقة حجه مع نفقة حضره كما يتفق ذلك كثيرا ممن‌

13

ان المتقدمين عمموا الحكم باعتبار المصلحة (1) و قد حكى عن الشهيد في حواشي القواعد (2).

____________

يكون منزله قريبا من مكة.

نعم يجوز للأب تقويم جارية الابن و البنت للروايات المتقدمة. و المتحصل انه لا يستفاد بملاحظة مجموع روايات الباب غير الحكم للأب بجواز أخذ مقدار نفقته من مال الولد من غير حاجة الى المراجعة إلى الحاكم أو والي المسلمين و جواز تقويمه جارية الولد و نفوذ نكاح الجد حتى مع عدم رضاء ابنه. و في صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوي أن يزوج أحدهما و هوى أبوه الآخر أيهما أحق ان ينكح قال الذي هوى الجد أحق بالجارية لأنها و أباها للجد.

و اما رواية عبيد بن زرارة فلا دلالة لها على ان قول رسول اللّه (ص) أنت و مالك لأبيك ناظر إلى ولاية الجد و ذلك فإن ولاية الجد على نكاح البنت ثابتة في الشرع و إنما استدل الامام (ع) على ولايته بالقول المزبور إلزاما على الحاضرين و لذا لم يذكر قوله (ص) في سائر روايات الولاية نعم ذكر في صحيحة على بن جعفر المتقدمة لأنها و أباها للجد و قد ذكرنا ان ذلك ملاك الحكم بتقديم ولاية الجد على ولاية الأب أضف الى ذلك ضعف الرواية سندا و عدم صلاحها للاعتماد عليها.

(1) يعنى ان المتقدمين ذكروا ان الولي يجوز له كل تصرف يكون صلاحا للطفل من غير استثناء تصرفات الأب و الجد.

(2) يعنى حكى عن الشهيد ره انه قال في حواشيه على القواعد عن قطب الدين عن العلامة انه لو باع الولي بدون ثمن المثل يكون باطلا و اما إذ اقترض الولي ماله،

14

..........

____________

صح، مع ان الاقتراض إتلاف لعين مال الطفل و ربما لا يتمكن على أداء بدله.

و بتعبير آخر قد يكون اقتراض مال الطفل فساده فما وجه الفرق بين البيع بدون ثمن المثل و الاقتراض و توقف (ره) في نفى البأس بالبيع المزبور لانه لا يتمكن على مخالفة الأصحاب حيث ان ظاهرهم عدم جوازه.

أقول لا يجوز الاقتراض ايضا فيما إذا لم يكن الولي مليا بحيث يحتمل عدم تمكنه على رده فان مثل صحيحة منصور بن حازم و ان تقتضي بإطلاقها جواز اقتراض الولي و لو مع احتماله عدم التمكن على أداء بدله الا انه لا يمكن الأخذ بالإطلاق المزبور في مقابل الآية الناهية عن القرب بمال اليتيم و المانعة عن الاقتراض المزبور و لو بإطلاقها.

نعم يرفع اليد عن منع الاقتراض بالإضافة إلى جارية الولد فان اقتراضها جائز و لو مع عدم كون الأب مليا و آية النهي لا يعم الأب و على تقدير شمولها كما إذا فرض يتم الطفل من ناحية امه فيرفع اليد عن عمومها أو إطلاقها لما تقرر في محله من ان إطلاق الخاص أو المقيد يقدم على عموم العام أو إطلاق المطلق.

لا يقال كيف لا يجوز للولي اقتراض مال الطفل مع عدم كونه مليا و في رواية أحمد بن محمد بن ابى نصر قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يكون في يده مال لأيتام فيحتاج اليه فيمد يده و يأخذه و ينوي أن يرده فقال لا ينبغي ان يأكل إلا القصد و لا يسرف فان كان من نيته ان لا يرد عليهم فهو بالمنزل الذي قال اللّه عز و جل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً.

فإنه يقال جواز الاقتراض حتى مع احتمال عدم تمكنه على الرد مقتضى إطلاقها‌

15

و لكن الأقوى كفاية عدم المفسدة (1)

____________

فيمنعه إطلاق الآية الناهية المتوجهة إلى الأولياء هذا مع ضعف الرواية سندا بسهل ابن زياد.

(1) استدل على كفاية عدم المفسدة مضافا الى الإطلاق في الروايات الواردة في موارد متفرقة بما ورد في نكاح الجد و نفوذه فيما أراد الجد نكاح البنت من أحد و هوى أبوها نكاحها من آخر معللا بان البنت و أباها للجد فان مقتضى ذلك نفوذ تصرفات الجد ما لم تكن منافية للولاية كما إذا كانت مفسدة للطفل و يرفع بذلك اليد عن إطلاق الآية أو عمومها لو فرض شمولها للجد، و كذا يدل على اعتبار عدم الفساد قول رسول اللّٰه (ص) أنت و مالك لأبيك على ما تقدم من استشهاد الامام (عليه السلام) به لنفوذ نكاح الجد و تقديم نكاحه على نكاح الأب فان في الاستشهاد المزبور دلالة على ولاية الجد بمال الطفل.

أقول قد تقدم عدم دلالة شي‌ء مما ذكر على المدعى فلا نعيد نعم لا ينبغي الريب في عدم جواز التصرف فيما إذا كان التصرف المزبور فسادا لمال الطفل لمنافاته لمقتضى الولاية المجعولة للولي و يمكن ان يقال عدم اعتبار كونه صلاحا لمثل موثقة عبيد بن زرارة قال قلت لأبي عبد اللّٰه (ع) الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل و يريد جدها ان يزوجها من رجل آخر فقال الجد اولى بذلك ما لم يكن مضارا ان لم يكن الأب زوجها قبله و يجوز عليها تزويج الأب و الجد.

و لكن في التعدي عنها الى التصرف المالي تأمل مع ملاحظة الآية الناهية عن القرب بمال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.

16

و لو فقد الأب و بقي الجد فهل أبوه و الجد (1)

____________

(1) يعني إذا فقد الأب فهل أب الأب يقوم مقام الأب و يشارك مع الجد البعيد في الولاية على الطفل أو تختص الولاية بالجد القريب أى أب الأب مقتضى ما ورد من ان الشخص و ماله الذي منه مال ابنه لأبيه و من ان البنت و والدها للجد هي المشاركة فإن الولاية لو لم تختص بالجد الأعلى فلا أقل من تساويه الجد الأدنى نظير ما تقدم في ولاية الأب مع الجد و مقتضى آية أولوا الأرحام بعضهم اولى ببعض هو الاختصاص لكون الجد الأدنى أولى بالميت من الأعلى و الأولوية في الآية ليست بمعنى التفضيل ليكون القريب و البعيد مشتركين في الولاية بل بمعنى المجرد كما في قول القائل فلان أحق بهذا الأمر من غيره.

و الحاصل المستفاد من الآية المباركة اختصاص الولاية بالجد الأدنى و يرفع اليد عن ذلك في مورد اجتماع الأب و الجد فان اشتراكهما بل و اشتراك الجد البعيد أيضا في فرض حياة الأب مقتضى الروايات التي تقدمت بعضها.

أقول لو تم ما ذكر من دلالة قول رسول اللّٰه (ص) أنت و مالك لأبيك و ان الولد و والده للجد على الولاية لكان شموله للجد الأعلى و الأدنى معا موجبا لرفع اليد عن إطلاق الآية و بتعبير آخر لا مجال للأخذ بإطلاق الآية مع تمام الوجه الأول المقتضي لاشتراك الجد الأعلى و الأدنى في الولاية على الطفل بل الصحيح ان الآية لا دلالة لها على الولاية و إرثها بل هي ناظرة إلى إرث المال و لذا لم يلتزم أحد بثبوت الولاية على الطفل بحسب طبقات الإرث و العمدة في ولاية الجد مع الأب ما ورد في نفوذ نكاحهما كما ان الإطلاق في بعض ما ورد في نكاحهما يعم الجد الأعلى و لكن في صورة حياة الأب و لا يبعد ان يقال انه لا يحتمل ثبوت الولاية للجد الأعلى مع حياة الأب و عدم‌

17

[ولاية الفقيه]

و مورده المسائل الفرعية و الموضوعات المستنبطة (1)

____________

ثبوتها مع وفاته خصوصا بملاحظة تعليل الحكم بان الجد أولى بالجارية لكونها و أباها للجد.

بقي في المقام أمر و هو ان في استفادة الولاية بمال الطفل للجد مما ورد في ولاية الجد و الأب في نكاح البنت اشكالا فان هذه الولاية ثابتة لهما في النكاح حتى بالإضافة إلى البنت البالغة الباكرة على الأصح مع أنه لا يمكن التعدي الى مال الباكرة البالغة و عليه فيحتمل اختصاص هذا الحكم بالنكاح و لا يكون للجد مع الأب ولاية في مال الطفل و يمكن دفعه بالتشبث بإطلاق الأب و الوالد و شمولهما للجد ايضا و في صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (ع) انه قال في الرجل يتصدق على ولده و قد أدركوا إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث فان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز لأن والده هو الذي يلي أمره فتدبر.

(1) المسائل الفرعية و هي القضايا المتكلفة للأحكام التكليفية التي تتعلق بأفعال المكلفين أو الوضعية المجعولة لموضوعاتها يرجع في معرفتها الى الفقيه و كذا في الموضوعات المستنبطة الشرعية كالعبادات بل العرفية حيث يرجع فيها ايضا الى الفقيه في جهة سعتها و ضيقها بالإضافة إلى الحكم المترتب عليها فيرجع مثلا في ان حرمة الغناء فيها سعة تعم الكلام الحق أو تختص بما إذا كان في كلام باطل.

و الحاصل ان للفقيه مناصب ثلاثة: الأول- جواز الإفتاء في المسائل الفرعية.

الثاني- جواز القضاء بين الناس و مورد القضاء المرافعات بل و غيرها- في الجملة- و في معتبرة سالم بن مكرم قال قال أبو عبد اللّٰه (ع) إياكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى أهل الجور و لكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم‌

18

و الولاية تتصور على وجهين (1)

____________

فإنه قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه فإنها و ان تكون ناظرة إلى المرافعات الا ان التعليل مقتضاه الرجوع إليه في جميع شئون القاضي كالحكم بثبوت رؤية الهلال و اما إثبات نفوذ الحكم الابتدائي عن الفقيه مطلقا فلا يستفاد منها نعم ربما يستفاد ذلك من مقبولة عمر بن حنظلة حيث ورد فيها الراد عليهم كالراد عليه (ع) الا انها للمناقشة في سندها لا تصلح للاعتماد و قد تكلمنا فيها في بحث القضاء مفصلا.

الثالث- ولاية التصرف في أموال و الأنفس على ما يأتي.

و ينبغي ان يعلم أن البحث في ولاية الفقيه بمعنى نفوذ تصرفه في مال الغير أو في وجوب اتباع حكمه بحث فقهي حيث ان الأول كالبحث في ولاية الأب و الجد أو عدول المؤمنين- الثاني كالبحث في وجوب طاعة الوالدين و كل من النفوذ و وجوب الطاعة في المقام بمعنى كون أمر الفقيه بفعل أو نهيه عنه يكون من العناوين الثانوية للأفعال كأمر الوالد و نهيه أم لا حكم شرعي فرعى.

و ولاية النبي (ص) بالتصرف في أموال الناس و وجوب طاعته فيما إذا كان أمره أو نهيه بعنوان الولاية على الرعية أيضا حكم شرعي عملي و لكن بما ان معرفة النبي (ص) و الامام (ع) و الاعتقاد بهما بما لهما من الشئون مطلوب نفسي أيضا فيكون البحث في وجوب معرفتهما و الاعتقاد بهما بما لهما من الشئون من مسائل الكلام كيف و معرفة الأول و الاعتقاد به مقوم للإسلام و معرفة الثاني و الاعتقاد به مقوم للايمان أى المذهب و مع ذلك شرط لصحة الأعمال و لا أقل من كونه شرطا لقبولها.

و هذا الوجوب النفسي للمعرفة و الاعتقاد لا يجري في غير النبي (ص) و الامام المعصوم كما لا يخفى.

(1) الوجه الأول من الولاية ان يجوز للحاكم الشرعي التصدي له سواء جاز‌

19

مقتضى الأصل عدم ثبوت الولاية لأحد (1)

____________

لغيره ايضا ذلك التصرف بإذنه أم لا و الثاني ما لا يكون للحاكم التصدي لذلك التصرف مستقلا الا أنه يجوز للغير القيام به باذن الحاكم فيكون اذنه شرطا في جواز ذلك التصرف للغير أو وجوبه عليه أو شرطا للواجب و بين الوجهين من حيث المورد عموم من وجه فإنه ربما يجوز للحاكم التصدي كما يجوز لغيره القيام به باذنه كما في التصرف في أموال القصر و القيام بتجهيز ميت من تركته و لا ولى له و هذا مورد الاجتماع.

و ربما يجوز للحاكم التصدي و لا يجوز للغير القيام به كنصب القيم و المتولي و نحوهما بناء على اعتبار المباشرة في جعل هذه المناصب.

و ربما يجوز للغير العمل باذن الحاكم و لكن لا يجوز للحاكم المباشرة استقلالا كما في إيصال السهم المبارك بل سهم السادة الى مصارفهما فإنه لا يجوز للحاكم على قول الاستقلال في الإيصال بقهره على المالك و أخذ المال من يده و يجوز للمالك الإيصال مع الاستيذان و هذا بالإضافة الى غير المالك الممتنع و اما الممتنع فيجوز للحاكم القهر عليه و التفصيل في بحث الخمس إنشاء اللّٰه تعالى.

(1) الأصل عدم ثبوت الولاية بالإضافة إلى أموال الناس و أنفسهم لأحد حيث ان هذه الولاية أمر جعلي اعتباري مسبوق بالعدم و القائل بثبوتها للفقيه يمكن ان يتشبث بان هذه الولاية كانت للنبي و الأئمة (عليهم السلام) و قد أعطيت للفقيه ايضا من قبلهم.

فينبغي لنا التكلم في مقامات ثلاثة: الأول الولاية التي كانت للنبي (ص) و الامام (ع) ما هي من حيث سعتها و ضيقها بحسب ما بأيدينا من الأدلة.

20

..........

____________

الثاني هل أعطيت تلك الولاية بتمامها للفقيه من قبل النبي (ص) أو الإمام (عليه السلام) أم لا.

الثالث إذا لم تثبت تلك الولاية للفقيه فهل له ولاية بعض التصرفات في الأموال و الأنفس و ما هي حدود ذلك البعض من حيث السعة و الضيق.

اما الكلام في المقام الأول فقد أشرنا ان الولاية المفروض فيها الكلام أمر اعتباري في مقابل الولاية التكوينية التي عبارة عن تأثير مشية النبي (ص) أو الإمام (ع) في أمر كوني بمجردها أو مع فعل ما يكون ذلك التأثير من قبيل خرق العادة كإحياء عيسى على نبينا و آله و عليه الصلاة و السلام و تفجير موسى (ع) العيون بضرب عصاه الى غير ذلك.

و دعوى ان هذه الأمور تحصل بمشية اللّٰه و لم يكن صدورها عنهم كصدور سائر أفعالهم يكذبها ظاهر الكتاب المجيد قال اللّٰه سبحانه حكاية عن قول عيسى أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ الآية- و ذكر كون هذه الأفعال باذن ربه لا ينافي صدورها عنه (ع) حيث ان الاذن المزبور تكويني و عبارة عن إعطاء اللّٰه جلا و علا القدرة عليها نظير قوله سبحانه مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اللّٰهِ.

و ثبوت هذه الولاية التكوينية للأئمة (عليهم السلام) يظهر من الروايات المختلفة الواردة في الحوادث المتفرقة و الشواهد التاريخية بحيث يحصل للمتتبع الجزم به.

و ربما يستدل في ثبوتها لهم (عليهم السلام) بكونهم أفضل من أنبياء السلف و ان عليا (ع) كنفس النبي (ص) فكيف لا يثبت لهم (عليهم السلام) ما كان ثابتا للأنبياء‌

21

..........

____________

و لكن الاستدلال مخدوش فان كونهم (سلام اللّٰه عليهم) أفضل ثبوت اكملية أنفسهم و شدة تقربهم اليه سبحانه و سعة علمهم لا ثبوت المعجزة بأيديهم حيث ان وجه الحاجة الى المعجزة يختص بالنبي (ص) و لا يجري في الخليفة و الوصي حيث يكون ذلك بتعيين النبي (ص) و نصبه كما لا يخفى.

و اما الاستدلال على ولايتهم التشريعي فبآيات منها قوله سبحانه النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ حيث يقال ان المستفاد من الآية المباركة ان كل تصرف اعتباري يكون للمؤمن فيه ولاية بحيث يكون التصرف المزبور منه نافذا كبيع ماله و طلاق زوجته يكون للنبي (ص) ولاية عليه فيصح ما إذا باع على المالك أو أوقع طلاق زوجته أو وهب ماله الى غير ذلك.

كما يقال ان النبي (ص) بمنزلة نفس المؤمن بل اولى منه فيجوز للنبي (ص) ما يجوز للمؤمن من التصرفات سواء كان تلك التصرفات اعتبارية أو غيرها كانت متعلقة بمال المؤمن أو نفسه.

و قد يقال ان مفاد الآية المباركة لزوم طاعة النبي و ان على المؤمن أن يترك مشية نفسه في مقابل مشية النبي و أمره. و بعبارة أخرى الأفعال التي ثبت في الشرع كون زمامها بيد المؤمن و انه لا إلزام عليه فيها من الشرع بحيث يكون فيها داعي المؤمن إلى الفعل أو الترك نفسه يلزم عليه الأخذ بإرادة النبي و أمره و يترك دعوة نفسه.

و الحاصل أن أمر النبي و نهيه بما هو شارع و مخبر عن اللّٰه سبحانه غير أمره بما هو ولى الأمر على المؤمنين و مقتضى الآية وجوب طاعته بالإضافة إلى القسم الثاني أيضا من أمره.

22

..........

____________

أقول اما دعوى كون النبي (ص) بمنزلة نفس المؤمن بل هو اولى منه فيجوز له ما يجوز للمؤمن من الأفعال فهذا مما لا يمكن الالتزام به فان من الأفعال ما يجوز للمؤمن باعتبار كون داخلا في العنوان الذي حكم الشرع بجوازه لمن ينطبق عليه ذلك العنوان كجواز الاستمتاع من الزوجة فيجوز الفعل للنبي أيضا فيما إذا دخل في ذلك العنوان و هذا من حكم الشرع يشترك فيه النبي و أمته و اما إذا لم يدخل في ذلك العنوان فلا يجوز له كما لا يجوز لغيره و الأحكام المختصة بالنبي (ص) في الشرع معدود و معروف.

و ما قيل من أنه يجوز كل تصرف للنبي (ص) في نفس الغير و ماله و لكن من جهة الأسباب الشرعية المقررة لجواز تلك الأفعال مثلا يجوز له الاستمتاع بزوجة الغير بعد طلاقها و نكاحها بعد انقضاء عدتها فمرجعه الى ولايته على التصرفات الاعتبارية فقط كما لا يخفى. و كذا دعوى كونه (ص) اولى بالتصرفات الاعتبارية التي يجوز للمؤمن أو الحقوق الثابتة له من حق القصاص و حق أخذ الدية و المطالبة بالدين فإنه لا أظن لأحد الالتزام بأن للنبي القصاص إذا تركه ولى الميت و لم يطالب به أو أبر المديون عن دينه مع مطالبة الدائن.

و قد ورد في معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال أمير المؤمنين (ع) إذا حضر سلطان من سلطان اللّٰه جنازة فهو أحق بالصلاة عليها ان قدمه ولى الميت و الا فهو غاصب (1) نعم التصرفات العامة أو الخاصة المعبر عنهما بالأمور الحسبية و التي يرجع فيها كل قوم إلى رؤسائهم على ما يأتي يكون بيد النبي (ص)

____________

(1) الوسائل الجزء (2) الباب (23) من أبواب صلاة الجنازة الحديث (4)

23

و اما العقل القطعي (1)

____________

و الامام (ع) لكون النبي (ص) و الامام (ع) من بعده ولى الأمر و هذه الأمور من شئون ولى الأمر كما يستفاد ذلك ما ورد في خصوص الحدود و التعزيرات و غيرهما و يقتضيه أيضا ما يأتي في بيان الأمور الحسبية.

و اما الاستدلال على ولايته (ص) على التصرف على أموال الناس بقوله (ص) في قضية سمرة بن جندب للأنصاري اذهب فاقلعها و ارم بها وجهه فلا يمكن المساعدة عليه حيث لا دلالة في الحديث على عدم ضمان الأنصاري النخلة التي قلعها و انما يدل على جواز قلعها و يمكن ان يكون الوجه في جوازه ان حرمة إتلاف مال الغير مع وجوب التحفظ على العرض في الفرض كانا متزاحمين و بما ان وجوب التحفظ على العرض لو لم يكن أهم من حرمة الإتلاف بالقلع فلا ريب في عدم كون حرمة الإتلاف أهم فيجوز في مقام التزاحم رعاية التحفظ على العرض.

و الحاصل ان ما ذكر (ص) لسمرة لا يخرج عن بيان الحكم الشرعي و لذا عنون في الوسائل الباب بان من كانت له نخلة في حائط الغير و فيه عياله فأبى أن يستأذن و ان يبيعها جاز قلعها و دفعها اليه و لو كان الحكم الولاية في المال لكان الأنسب تمليك النخلة من الأنصاري تحفظا على ضياع المال و التعليل بنفي الضرر راجع الى المنع عن الدخول بلا استيذان كما لا يخفى.

(1) و المستقبل ما يستقل به العقل مع قطع النظر عن حكم الشرع بخلاف العقل غير المستقل فإنه يكون بتبع حكم الشرع.

و تقرير الأول في المقام ان الامام (ع) منعم أى ولي النعمة فإنه ببركة وجوده تنزل السماء مطرها و تسكن الأرض لسكانها و تجري الشمس و القمر بحسبانهما و ان‌

24

..........

____________

كان كل ذلك بمشيته العلى القدير إجلالهم (صلوات اللّٰه عليهم) و إذا كان الامام منعما فيجب معرفته و طاعته لأن في مخالفته و ترك معرفته احتمال الضرر كما ذكر ذلك في معرفة اللّٰه و رسوله و وجوب طاعتهما.

و اما غير المستقل فإنه وجب في الشرع اطاعة الوالدين و إذا اقتضت الأبوة وجوب طاعة الأب على ابنه في الجملة أي في غير الموارد التي يكون طاعته فيها معصية للّٰه سبحانه كانت الإمامة مقتضية لوجوب طاعة الامام على الرعية باعتبار ان حقها أعظم من حق الأبوة.

و لكن لا يخفى ان الوجهين من حكم العقل على تقدير عدم المناقشة في الثاني بأنه من القياس الظني و في الأول بأن احتمال الضرر في ترك معرفة الامام و طاعته كاف لا حاجة الى إثبات كونه ولى النعم كما ذكر مقتضاهما وجوب طاعة الامام على الرعية لا نفوذ تصرفاته في أموال الناس كما لم يكن هذه الولاية للوالد على مال ابنه على ما تقدم.

و لا يخفى أيضا ان وجوب طاعة الوالد على الولد غير ثابت بل الثابت حرمة عقوق الوالدين فقط فلا بأس بتركها فيما إذا لم يكن ترك طاعة الوالد إيذاءه و تألمه كما إذا ترك طاعتة في مورد لا يعلم الوالد بذلك.

و المتحصل إلى هنا ان الواجب على الرعية اطاعة الرسول و الأئمة (عليهم السلام) في أوامرهم و نواهيهم سواء كان الأمر و النهى من قبيل الحكم الشخصي أو الحكم العام بالإضافة إلى عامة المسلمين أو طائفة منهم و حتى الأمر و النهى من المنصوب من قبلهم (عليهم السلام) كالوالى و الحاكم فيما إذا لم يكن الأمر و النهى من الوالي أو الحاكم‌

25

بالنسبة إلى المصالح المطلوبة للشارع الغير المأخوذة (1)

____________

مخالفا على موازين الأحكام الثابتة في الشرع حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و المنصوبين من قبلهم (عليهم السلام) داخل في عنوان أولوا الأمر في الآية المباركة. و ما ورد في تفسيرها من ان المراد منهم هم الأئمة (عليهم السلام) لا ينافي ذلك فإن طاعة المنصوب من الرسول (ص) و الامام (ع) طاعة للنبي و الامام.

ثم ان ترك طاعة النبي أو الإمام (ع) ان كان بعنوان الخروج عليهم فذلك موجب لسقوط احترام نفس الخارج سواء كان الخروج للعناد و النصب للإمام (ع) أو لغير ذلك من الدواعي كما يظهر ذلك بملاحظة الحوادث الواقعة في زمان النبي (ص) و خلافة على (ع) غاية الأمر إذا كان الخروج للنصب و العداوة فهو موجب للكفر أيضا و إذا كان بداع آخر غير النصب فكونه موجبا للكفر غير ثابت.

نعم إذا قتل في الحرب مع الإمام أو المنصوب من قبله لا يجب تجهيزه كما يشهد لذلك ملاحظة الغزوات الحوادث الواقعة في زمان خلافة على (ع).

و التمسك في إثبات كفر هم بعموم ما دل على تجهيز كل ميت مسلم بدعوى ان أصالة عمومه بضميمة العلم بعدم وجوبه في قتلي الخوارج و غيرهم يكشف عن كفرهم لا يمكن المساعدة عليه لما تقرر في محله من انه لا اعتبار بالعموم فيما إذا أحرز خروج الشي‌ء عن حكم العام و دار الأمر بين ان يكون الخروج بنحو التخصص أو التخصيص.

و اما إذا كان ترك الطاعة كترك طاعة اللّٰه و لمجرد الاحتراز عن كلفة التكليف يكون ذلك من مجرد المعصية نظير المعصية في تكاليف الشرع.

(1) المصالح المطلوبة للشارع الغير المأخوذة على شخص معين المعبر عنها بالأمور الحسبية هي التي علم من الشرع العمل بها و عدم جواز تركها و ان التكليف‌

26

أما الولاية على الوجه الأول (1)

____________

بها لم يتوجه الى الشخص معين و لا تكون من الواجب الكفائي لتكون مطلوبة على كل أحد كالتصرف في أموال القصر من الذين ليس لهم أولياء و الموقوفات العامة التي لم يعين المتولي لها من قبل الواقفين أو قام الدليل على كونها بيد ولى أمر المسلمين و الحاكمين كإقامة الحدود و التعزيرات و التصديق لجميع الحقوق الشرعية و صرفها لمواردها و التصدي لتنظيم أمر جوامع المسلمين و بلادهم.

و لو فرض الشك في اعتبار الرجوع فلا بد من الاحتياط و الرجوع الى اذن الامام (ع) و لا يمكن التمسك بإطلاق دليل ذلك التصرف سواء كان على الجواز أو المنع كما لا يمكن الرجوع الى أصالة البراءة عن الاعتبار لأن المفروض تمكن المكلف على الرجوع اليه (ع) و مع إمكان الفحص عن المخصص أو المقيد لا يمكن التمسك بالإطلاق أو العموم فضلا عن الأصل العملي. و ما ربما يظهر من عبارة المصنف (ره) من اختصاص عدم الجواز بالأصول العملية فيه ما لا يخفى.

(1) يقع الكلام في المقام في ان الولاية الثابتة للنبي و الأئمة (عليهم السلام) تثبت للفقيه العادل في زمان الغيبة أم لا فقد يقال نعم و يستدل عليه بروايات واردة؟؟؟

العلماء منها عن الصدوق (ره) في عيون الاخبار عن الرضا من آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول اللّٰه (ص) اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات فقيل له يا رسول اللّٰه و من خلفائك قال الذين يأتون من بعدي و يروون عني أحاديثي و سنتي فيعلمونها الناس من بعدي و رواه في معاني الاخبار عن أبيه عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن اليعقوبي عن عيسى بن عبد اللّٰه العلوي عن أبيه عن جده عن على مثله.

و في المستدرك عن صحيفة الرضا بإسناده عن آبائه (عليهم السلام) قال قال‌

27

..........

____________

رسول اللّٰه (ص) اللهم ارحم خلفائي ثلاث مرات قيل له يا رسول اللّٰه و من خلفائك قال الذين يأتون من بعدي و يروون أحاديثي و سنتي و يعلمونها للناس من بعدي.

و عن القطب الراوندي في كتاب لب اللباب عن النبي (ص) قال رحمة اللّٰه على خلفائي قالوا و من خلفائك قال الذين يحيون سنتي و يعلمونها عباد اللّٰه و من يحضره الموت و هو يطلب العلم ليحيى به الإسلام فبينه و بين الأنبياء درجة.

و عن السيد هبة اللّٰه نقلا عن الأربعين لقطب الراوندي عن أمير المؤمنين عن النبي (ص) قال أدلكم على الخلفاء من أمتي و أصحابي و من الأنبياء قبلي هم حملة القرآن و الأحاديث عنى و عنهم في اللّٰه و اللّٰه عز و جل و من خرج يوما في طلب العلم فله أجر سبعين نبيا.

أقول هذه الرواية و ان كانت على نقل العيون و معاني الأخبار مسندة الا انه في سندها ضعف لان سند العيون هو اسناد إسباغ الوضوء و سند معاني الأخبار فيه عيسى بن عبد اللّٰه العلوي عن أبيه مع انه لم يعلم ان اليعقوبي هو داود بن على الهاشمي و المنقولات في المستند مرسلات.

و دعوى ان هذه الرواية لكثرة طرقها لا يخرج عن بعض المراسيل التي يعمل بها الأصحاب كمراسيل ابن ابى عمير لا يمكن المساعدة عليها أو لا فان المراسيل لا يعمل بها حتى مراسيل ابن ابى عمير و ثانيا على تقدير العمل بمراسيل ابن ابى عمير فهو لشهادة الشيخ و غيره بأنه لا يرسل الا عن ثقة و مع الغمض عن أمر السند فدلالتها على الولاية للعلماء بالمعنى المتقدم ممنوعة فإن النبي (ص) و ان كان له منصب زعامة الدينية بمعنى بيان أحكام الشرع و منصب الزعامة الدنيوية بمعنى كونه زعيما للمسلمين‌

28

..........

____________

بالمعنى المتقدم الا ان هذه الرواية و أمثالها ناظرة إلى الخلافة أى مرتبة من الزعامة الدينية بمعنى نشر الأحكام و إبلاغها للناس و يشهد لذلك ما في ذيلها من قوله يروون أحاديثي و يعلمونها للناس و أجر التعليم.

و دعوى كون ذلك من باب المعرف للولي حيث ان المعروف و المتيقن من معنى الخلافة هي الزعامة الدنيوية لا يمكن المساعدة عليها فإنه قد عطف في بعض النقل على الأمة أصحابه و من الظاهر انه لم يكن لأصحابه ولاية على المؤمنين بالمعنى المزبور ليكون العلماء من غيرهم أيضا خلفاء بالمعنى المزبور.

و منها رواية على بن أبي حمزة قال أبا الحسن (ع) موسى بن جعفر يقول إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض التي يعبد اللّٰه عليها و أبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله و ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شي‌ء لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها (1) و هذه الرواية ضعيفة في سندها و دلالتها.

اما سندها فان على بن أبي حمزة كذاب متهم كما عن ابن فضال و معه لا عبرة بوقوعه في سند كامل الزيارات أو تفسير على بن إبراهيم حيث ان وقوعه في سندهما لا يزيد عن التصريح بتوثيقه الذي يسقط عن الاعتبار بالمعارضة و كذا الحال في توثيق الشيخ (ره) في كتاب العدة و قال لأجل ذلك عمل الطائفة باخباره فإنه مع معارضته ما عن ابن فضال و غيره لا يمكن الاعتماد عليه مع ان المتبع في كلمات الأصحاب لا يجد موارد العمل بروايته فيما إذا انفرد.

و ما عن ابن الغضائري في ترجمة ابنه الحسن من أن أباه أوثق منه لا يوجب توثيقه‌

____________

(1) أصول الكافي ج 1 باب فقد العلماء ص 38 الحديث (3).

29

..........

____________

لان الكتاب المزبور لم يثبت انه لحسين بن عبيد اللّٰه الغضائري أو ابنه لأن النجاشي لم لم يذكر أن لشيخه كتاب الرجال مع انه اعرف بحاله و كتابه موضوع لذكر كتب مشايخه و غيرهم كما انه لم يذكر ذلك الشيخ أو غيره من أصحاب الرجال و من المحتمل ان يكون الكتاب المزبور وضعه بعض المخالفين و نسبه الى ابن الغضائري.

هذا أولا:

و ثانيا انه ذكر في الكتاب المزبور في ابنه الحسن أنه ضعيف و أبوه أوثق منه فيكون ظاهر الكلام المزبور ان ابنه الحسن أضعف من أبيه.

و اما ضعف الدلالة فإن كون الفقهاء حصونا للإسلام فمقتضاه كونهم رادعين عن التحريف و التأويل في أحكام الشرع فإن الإسلام في نفسه عبارة عن الأحكام و القوانين المجعولة من الشرع و الرئاسة العامة و ثبوت الولاية له كولاية الرسول (ص) و الامام (ع) لا يستفاد منها بوجه كما لا يخفى.

و منها معتبرة السكوني عن ابى عبد اللّٰه (ع) قال قال رسول اللّٰه (ص) الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخل في الدنيا قيل يا رسول اللّٰه و ما دخولهم في الدنيا قال اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم (1) فإنه قد يقال انه يستفاد منها ان العلماء أمناء الرسل في جميع الشئون المتعلقة بهم صلى اللّٰه عليهم أجمعين و أوضحها الزعامة على الأمة و ليس شأن رسول اللّٰه ذكر الأحكام فقط ليكون الفقيه أمينا فيه فقط.

و فيه ان الأمين يطلق على حافظ الشي‌ء ليرده على صاحبه أو من يأمر صاحبه برده اليه‌

____________

(1) أصول الكافي ج 1 باب المستأكل بعلمه و المباهي به الحديث (5).

30

..........

____________

و هذا بالإضافة إلى الأحكام الشرعية ظاهر فان حافظ الأحكام العالمين بها كلا أو بعضا و إبلاغها و تعليم الجاهلين بها و المستفسرين من وظيفة العلماء.

و اما الزعامة العامة فعلى تقدير ثبوتها لجميع الرسل فليس حفظها من وظيفة العلماء فقط بل كل المسلمين مكلفة بالتحفظ لها و عدم وصولها إلى أيدي الخونة و الجائرين و إقرارها لمن قرر الشارع لخلفائه من بعده و كذا الحال بالإضافة إلى بسط العدالة الاجتماعية.

و بعبارة أخرى الحديث ناظر الى كون العلماء حافظا للشرع من التلف و عدم وصولها إلى عامة الناس و المستفسرين عنها كما يشهد بذلك ما في ذيله فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم و منها التوقيع المروي عن محمد بن محمد بن عصام عن محمد ابن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب قال سألت محمد بن عثمان العمرى ان يوصل لي كتابا قد سألت عن مسائل أشكلت على فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (ع) أما ما سألت عنه أرشدك اللّٰه و ثبتك الى ان قال و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّٰه و أما محمد بن عثمان العمري فرضي اللّٰه عنه و عن أبيه من قبل فإنه ثقتي و كتابه كتابي (1).

و هذا التوقيع ضعيف من جهة سنده بإسحاق بن يعقوب حيث انه مجهول و في جهة دلالته حيث ان المراد بالحوادث غير ظاهر فإنها وردت في الكلام المنقول عن الامام (ع) مسبوقا بالسؤال الذي لم يصل إلينا فلعل كان في السؤال قرينة على إرادة‌

____________

(1) الوسائل الجزء (18) الباب (11) من أبواب وجوب الرجوع الى رواة الحديث الحديث (9)

31

..........

____________

الاستفسار عن الوقائع التي يحتاج فيها الى الحاكم لرفع الخصومة و فصل النزاع فيكون التوقيع مساوقا لما دل على وجوب إرجاع المنازعات الى رواة الأصحاب و لا ينافي ذلك ما ذكره المصنف (ره) من القرائن على عدم ارادة وجوب تعلم الأحكام و هي ان الأمر بالرجوع في نفس الحوادث لا في أحكامها و ان تعليله (ع) وجوب الرجوع إليهم بأنه حجته عليهم و انه (ع) حجة اللّٰه مقتضاه التولية و إعطاء الولاية للرواة و لو كان المراد تعلم الأحكام الشرعية لكان التعليل بأنهم حجج اللّٰه عليكم أنسب و ان تعلم الأحكام الشرعية من الرواة من ضروريات الإسلام من السلف الى الخلف فلا مورد لسؤال مثل إسحاق بن يعقوب عنه و جعله من المسائل المشكلة عليه هذا.

مع انه كما ذكرنا لم يظهر حال إسحاق بن يعقوب ليقال انه يبعد سؤاله عن طريق تعلم الأحكام الشرعية و جعله من المسائل المشكلة عليه كيف و قد وقع السؤال عن طريق تعلمها و ممن يؤخذ معالمها في غير واحد من الروايات.

أضف الى ذلك ان تعليل الإرجاع إلى رواة الحديث بأن الرواة حجته (ع) عليهم و الامام (ع) حجة اللّٰه لا يقتضي ان يكون الحديث ناظرا إلى الولاية العامة بل يمكن ان يكون ناظرا الى القضاء و تعلم الأحكام فان الحجة ما يحتج به فالإمام (ع) يحتج بما ذكر للرواة و الرواة بما ذكر و العامة الناس و التفرقة الواردة في الرواية يمكن ان يكون بهذا الاعتبار و الا فكل من الولاية و الاعتبار على تقديرهما ثابت بأصل الشرع.

و مما ذكرنا يظهر الحال في الاستدلال على ولاية الفقيه بما ذكر في مقبولة عمر بن‌

32

..........

____________

حنظلة من قوله (ع) فإنه قد جعلته حاكما فإنه لا يستفاد منه الا ثبوت منصب القضاء و الحكم للفقيه و قد يستدل على ثبوت الولاية العامة للفقيه برواية إسحاق بن عمار عن ابى عبد اللّٰه (ع) قال قال أمير المؤمنين (ع) لشريح يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي (1).

و وجه الاستدلال ان منصب القضاء ثابت للفقيه و إذا لم يكن الفقيه شقيا و نبيا يكون وصيا لا محالة و مقتضى كونه وصيا ثبوت الولاية له و لكن لا يمكن المساعدة على الاستدلال المزبور لما تقرر في الأصول انه إذا علم عدم ثبوت حكم العام لفرد و شك في كونه بنحو التخصيص أو التخصص فلا اعتبار بأصالة العموم أو الإطلاق و الحصر المزبور في الرواية مقتضاه عدم جواز القضاء لغير النبي و الوصي و قد علم بجواز القضاء للفقيه العادل و يدور الأمر بين كونه بنحو تخصيص المفهوم أو التخصص فلا يمكن إثبات كونه بنحو و دخول الفقيه في عنوان الوصي.

أضف الى ذلك انه لا طريق لنا إلى إثبات ان كل الأنبياء كان لهم الولاية العامة فضلا عن وصيهم و الرواية المزبورة و ان كانت ضعيفة سندا الا انه بمضمونها صحيحة سليمان بن خالد عن أبى عبد اللّٰه (ع) قال اتقوا الحكومة فإن الحكومة انما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصى (2) نبي و لكن في نسخة كنبي و على تلك النسخة فلا دلالة فيها على الحصر.

و المتحصل لو كانت للرواية المزبورة أو الصحيحة دلالة فهي عدم جواز القضاء و الحكم لغير النبي أو الوصي و الفقيه العادل كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل الجزء (18) الباب (3) من أبواب صفات القاضي الحديث (2)

(2) الوسائل الجزء (18) الباب (3) من أبواب صفات القاضي الحديث (3)

33

..........

____________

و منها ما عن تحف العقول مجاري الأمور و الأحكام بيد العلماء (1) حيث ظاهره التشريع أى فليكن مجاري الأمور و الأحكام بيد العلماء.

و بتعبير آخر الأحكام غير الأمور و كون الثاني عطفا تفسيريا للأول خلاف الظاهر فيكون مقتضى الحديث ان الولاية و حق التصدي للأمور و الأحكام بيد العلماء.

أقول لو كان المراد من الحديث ما ذكر لكان الحديث الأمور و الأحكام بيد العلماء إذ لا حاجة الى إضافة المجاري ليحتاج في معناها الى التكلف بل ظاهر الحديث بملاحظة ما قبله و بعده بأن أمور اللّٰه و مناصبه التي وقعت بأيدي غير أهلها مجاريها بيد العلماء بمعنى انهم لو أظهروا الحق و لم يتفرقوا عنه و لم يختلفوا في السنة بعد البينة لكانت جارية في مجراها و كان المتصدي لها أهلها المقرر لها في السنة.

هذا مع ضعف الرواية سندا و منها مرسلة التحرير عن رسول اللّٰه (ص) علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل (2) و فيه ان الكلام المزبور بيان فضيلة العلماء و مقامهم عند اللّٰه لا تشريع الولاية الثابتة للأنبياء للعلماء مع ان ثبوت الولاية كما تقدم لكل واحد من أنبياء بني إسرائيل غير ظاهر و ان إرساله و لو مع تمام ظهوره يمنع عن الاعتماد عليه.

و منها قوله (ع) في نهج البلاغة أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤا به ان اولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية.

____________

(1) المستدرك الجزء الثالث الباب (11) الحديث (17)

(2) المستدرك الجزء الثالث ص 189 الحديث (30)

34

..........

____________

أقول الظاهر ان المراد بأولى الناس أقربهم منزلة إلى الأنبياء كما هو المراد من قوله سبحانه أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ الاية و لو كان المراد التصدي بمناصب الأنبياء لكان مقتضاه ثبوت الولاية للأئمة (عليهم السلام) حيث انهم (سلام اللّٰه عليهم) اعلم الناس بحسب العصور و بما جاء به الأنبياء و في ذيل الكلام المزبور ان ولى محمد (ص) من أطاع اللّٰه و ان بعدت لحمته و ان عدو محمد بن عصى اللّٰه و ان قربت قرابته.

و منها صحيحة القداح عن ابى عبد اللّٰه (ع) قال قال رسول اللّٰه (ص) من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك اللّٰه به طريقا إلى الجنة و أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به و انه يستغفر لطالب العلم من في السماء و من في الأرض حتى الحوت في البحر و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر و ان العلماء ورثة الأنبياء ان الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما و لكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر (1) و وجه الاستدلال ان كون العلماء ورثة الأنبياء مقتضاه وقوع ما ترك الأنبياء بيدهم سواء كان علما و أحاديث أو الولاية على الأمة.

لا يقال ظاهر الرواية انحصار تركة الأنبياء بالعلم و الحديث بمعنى ان شأن النبي ان يكون تركته علما لا مالا.

فإنه يقال لا دلالة للرواية على الانحصار و التصريح بالعلم في الرواية باعتبار كونها واردة في مقام الترغيب اليه لا يقال لم يعلم ان الولاية على الأمة مما تركها الأنبياء حتى يرثها العلماء فإنه يقال يشهد لكون الولاية مما تركها قوله (ع) و أرى تراثي نهبا.

____________

(1) أصول الكافي ج 1 باب ثواب العالم و المتعلم الحديث 1.

35

..........

____________

أقول لو سلم ان الولاية داخلة فيما تركه الأنبياء فلا يستفاد من الرواية كيفية إرثها و أنها تنتقل الى كل من العلماء أو أنها تختص بأعلمهم كاختصاص إرث الحبوة بالولد الأكبر و بتعبير آخر ظاهر الرواية ان كلا من العلماء يرث النبي (ص) و اما مقدار إرثه و كيفية إرثه فلا يستفاد منها فمن المحتمل اختصاص الولاية بأعلمهم كما ذكرنا ذلك في بيان قوله (ع) اولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤا به فتكون الولاية منتقلة إلى أئمة الاطهار حيث انهم (سلام اللّٰه عليهم) اعلم الرعية في كل عصر.

و مما ذكرنا يظهر الحال في رواية أبي البختري عن ابى عبد اللّٰه (ع) قال ان العلماء ورثة الأنبياء و ذلك ان الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا و انما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشي‌ء منها فقد أخذ حظا وافرا (1) و التقريب ما تقدم من ان انحصار تركتهم بالأحاديث إضافي و الجواب أيضا ما ذكر.

أضف اليه ضعف هذه الرواية سندا فتحصل انه لا دلالة في هذه الاخبار على ثبوت الولاية الثابتة للنبي و الأئمة (عليهم السلام) للفقيه لا في زمان حضورهم و لا في زمن الغيبة.

ان قلت كيف يصح القول بأن النبي (ص) و الأئمة (عليهم السلام) لم يتعرضوا للزعامة في زمان الغيبة و ان يتركوا المؤمنين حيارى مع ان الدين الإسلامي متكفل لاحكام غير العبادات و المعاملات من السياسات التي يكون الغرض منها تنظيم الأمور الاجتماعية للمسلمين و بسط العدالة الإسلامية في بقاع الأرض.

فإنه يقال عدم استفادة الولاية العامة للفقهاء من الروايات المتقدمة لا يوجب‌

____________

(1) الوسائل الجزء (18) الباب (8) من أبواب صفات القاضي الحديث (2)

36

..........

____________

ذلك حيث يمكن ان يكون عدم التعرض للوظيفة في ذلك الزمان لعدم حاجة الناس في عصرهم الى بيانه (عليهم السلام) و انه كان أنسب لرعاية التقية التي كانوا يعيشون حالها و إيكال الأمر و تشخيص الوظيفة إلى فقهاء زمان الغيبة حيث يتمكنون ببركة القواعد الشرعية و الخطابات العامة على كيفية تنظيم الأمور الاجتماعية و تعيين الوظيفة فيها.

و على ذلك فينبغي الكلام في موضعين- الأول ما إذا تصدى أمر المسلمين من ليس أهلا له كما في غالب بلاد المسلمين في عصرنا الحاضر الثاني- ما إذا أراد التصدي لأمور المسلمين من يكون صالحا للتصدى لتنظيم أمور هم و رعاية مصالحهم اما المقام الأول فما لا ينبغي الريب فيه ان الشارع لا يرضى بتصدي الظالم الفاسق لأمور المسلمين لا سيما إذا كان ذلك الظالم آلة بيد الكفار في تضعيف الإسلام و أهل الايمان و ترويج الفسق و الفجور ليلحق المسلمين و لو تدريجا بركب الكفار في رسومهم و عاداتهم و هدم ما أتعب النبي (ص) و الأئمة (عليهم السلام) و الصالحين و الشهداء من المسلمين في تشييد أركان الدين و تطبيق أحكامه على نظم بلادهم.

و الحاصل نهى الشارع عن الركون الى الظالم و الأمر بالاعتصام بحبل اللّٰه و الأمر بالكفر على الطاغوت و أولياء الشيطان و الأخذ بولاية اللّٰه سبحانه و رسوله و تمكين الناس من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و غير ذلك شاهد صدق بان على المسلمين قطع أيدي الظلمة عن المؤمنين و بلادهم مع التمكن عليه حيث انه لو أمكن ذلك بالمقدمات التي غير محرمة في نفسها فهو و اما إذا توقف ذلك على ارتكاب محرم في نفسه فلا بد من ملاحظة الأهمية بين المتزاحمين و لا ريب في ان الظالم المزبور‌

37

..........

____________

إذا كان بصدد هدم الحوزة الإسلامية و إذلال المؤمنين و ترويج الكفر و تسلط الكفار على المسلمين و بلادهم يكون على المسلمين أخذ القدرة من يده و إيكالها الى الصالح فإنه أهم و لو مع توقفه على بعض المحرمات بعنوانه الاولى حتى القتال مع العلم بالظفر و الاطمئنان بأخذ القدرة من يده كل ذلك تحفظا على الحوزة الإسلامية و دفاعا عن المسلمين و اعراضهم و بلادهم من دنس الكفر و الضلال و الفساد هذا كله بحسب الكبرى، و اما بحسب الصغرى فإن أحرز فقيه حال الظالم و انه بصدد إذلال المسلمين و تسليط الكفار عليهم و على بلادهم و الصدمة على أعراضهم و أموالهم و حكم بحكم على طبق إحرازه فنفوذ حكمه و ان كان مبنيا على نفوذ الحكم الابتدائي للفقيه العادل الا انه إذا اعتقد الناس به و حصل لهم الجزم بصحة إحرازه و لو مع القرائن يثبت الحكم المتقدم.

و لا يخفى ان ما ورد في بعض الاخبار من الأمر بإلزام البيت و الصبر الى خروج السفياني و غيره من العلامات الخروج القائم (ع) لا ينافي ما ذكرنا فان المراد من تلك الروايات أمر الناس بعدم الاستجابة لمن يدعو من أهل بيت النبي (ص) الخلافة لنفسه و ان الأئمة (عليهم السلام) لا يتصدون لأمر الخلافة و الوصاية للنبي (ص) الى ذلك الزمان و من يدعو الناس الى الخروج انما يريد الخروج لنفسه لا للإمام (ع) و ان لخروجه وقتا محدودا لا بد من انتظاره و اما قضية الدفاع عن الحوزة الإسلامية في زمان الغيبة و التصدي للأمور العامة للمسلمين تحفظا على أعراضهم و أموالهم و تمكين الناس من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و إسقاط الفسقة و الفجرة عن القدرة و إيكالها على من هو صالح للتصدى لها حسبة من غير ان يدعى المتصدي الوصاية و الخلافة لنفسه فليس فيها نظر الى ذلك فلاحظها.

38

..........

____________

و يزيد وضوحا كون تلك الروايات غير ناظرة إلى صورة الهجوم على الحوزة الإسلامية معتبرة يونس عن ابى الحسن الرضا (ع) قال قلت له جعلت فداك ان رجلا من مواليك بلغه ان رجلا يعطى السيف و الفرس في سبيل اللّٰه فأتاه فأخذهما منه و هو جاهل بوجه السبيل ثم لقيه أصحابه فأخبروه ان السبيل مع هؤلاء لا يجوز و أمروه بردهما فقال فليفعل قال قد طلب الرجل فلم يجده و قيل له قد شخص الرجل قال فليرابط و لا يقاتل قال ففي مثل قزوين و الديلم و عسقلان و ما أشبه هذه الثغور فقال نعم فقال له يجاهد قال لا الا ان يخاف على ذراري المسلمين فقال أ رأيتك ان الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغي لهم ان يمنعوهم قال فليرابط و لا يقاتل و ان خاف على بيضة الإسلام و المسلمين قاتل فيكون قتاله لنفسه و ليس للسلطان قال قلت فان جاء العدو الى الموضع الذي هو فيه مرابط كيف يصنع قال يقاتل عن بيضة الإسلام لا عن هؤلاء لأن في دروس إسلام دروس دين محمد (ص) (1) و ظاهرها كما ترى عدم البأس بالقتال مع من يكون استيلائه على المسلمين و بلاده موجبا لضعف الإسلام و انهدام معالمه.

بلا فرق بين زمان الحضور و الغيبة كما لا يخفى.

الموضع الثاني- فنقول لا ينبغي الريب في ان تهيئة الأمن للمؤمنين بحيث يكون بلادهم على أمن من كيد الأشرار و الكفار من أهم مصالحهم و المعلوم وجوب المحافظة عليها و ان ذلك مطلوب للشارع فان تصدى شخص صالح لذلك بحيث يعلم برضاء الشارع بتصديه كما إذا كان فقيها عادلا بصيرا أو شخصا صالحا كذلك مأذونا من الفقيه العادل فلا يجوز للغير تضعيفه و التصدي لإسقاطه عن القدرة حيث ان‌

____________

(1) فروع الكافي الجزء (3) ص 21

39

..........

____________

تضعيفه إضرار للمؤمنين و نقض للغرض المطلوب للشارع بل يجب على الآخرين مساعدته و تمكينه في تحصيل مهمته و من المساعدة عليه التبرع في الجيش الذي يمهده لحفظه الثغور و الدخول في القوى التي أو كل إليهم حفظ الأمن الداخل المأخوذ على عاتق الناس حسبة و يشبه المقام ما إذا وضع فقيه عادل يده على مال اليتيم أو على المال الوقف الذي لا متولي له فإنه لا يجوز للغير ممانعته و تهيئة المقدمة لوضع يد نفسه عليها غاية الأمر ان وجه عدم الجواز في الثاني حرمة التصرف في تلك الأموال و في الأول لكونه تضعيفا لحوزة المسلمين و إخلالا لأمر انتظام بلادهم و أمنهم كما لا يخفى.

ثم انه إذا وقف تأمين نظام البلاد على تحصيل المال كالزكاة حيث يجوز صرفها على تحصيل الأمن و نظام البلاد وجب إيصالها اليه مع احتياجه و مطالبته بها بل لو طالب المال تبرعا في صورة احتياجه وجب على الناس الاستجابة كل ذلك تمكينا للمتصدي من المال اللازم لتهيئة أمن البلاد و تأمين الحوائج العامة التي تصدى لتأمينها كما ان للمتصدي تحصيل المال بإخراج المعادن من الأراضي المباحة و وضع اليد على الغابات و نحوها و يكون كل هذه الأموال ملكا للحكومة الإسلامية نظير ملك المال للعناوين و لا يدخل في ملك شخص المتصدي غاية الأمر يكون للمتصدي الولاية في التصرف في تلك الأموال ليصرفها في الموارد التي يتوقف عليه نظام البلاد و تأمين حوائج أهلها.

و لا يبعد أيضا أن يقال بوجوب اطاعة المتصدي المزبور في الأمور الراجعة إلى الجهات التي أشرنا إليها أخذا بقوله سبحانه أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

40

..........

____________

و ما ورد في تفسيره من ان المراد بأولى الأمر الأئمة (عليهم السلام) لا ينافي ذلك حيث ان ذلك لنفى ولاية ولاة الجور و أنهم (عليهم السلام) هم أولوا الأمر لا المشار إليهم.

و لا يخفى ان كل تصرف لا يخرج عن حدود التحفظ على حوزة الإسلام و المسلمين نافذ من المتصدي لأمور المسلمين فيما إذا كان مقتضى الأدلة الأولية جوازه كتهيئة مراكز الثقافة لنشر العلوم و بسط الرفاه الاجتماعى و ان كل تصرف يكون مقتضى الأدلة عدم جوازه كالتصرف في بعض أموال آحاد الناس و أخذه قهرا عليهم و أمثال ذلك فلا يدخل في ولاية المتصدي حتى فيما إذا اعتقد المتصدي أو وكلائه جوازه لبعض الوجوه الا فيما أشرنا إليه سابقا كما يجوز لسائر الفقهاء التصدي لبعض الأمور الحسبية فيما إذا لم يكن التصدي لها مزاحمة و تضعيفا لمركز المتصدي للزعامة كنصب القيم لليتيم و التصدي لتجهيز ميت لاولى له و نحو ذلك و اللّٰه سبحانه هو العالم.

ثم ان من الأمور التي يقوم بها الفقيه كما أشرنا سابقا اجراء الحدود و التعزيرات فإنه كما ذكرنا سابقا انه لا يجوز لكل أحد إقامتها على ما يستفاد من بعض الروايات بل يظهر منها ان ذلك للإمام كحسنة الحسين بن أبى العلاء (1) و المراد من الامام من اليه الحكم سواء كان المعصوم (ع) أو نائبه الخاص أو الفقيه الذي يصح له الحكم كما يدل عليه معتبرة حفص بن غياث قال سألت أبا عبد اللّٰه (ع) من يقيم الحدود السلطان أو‌

____________

(1) الوسائل الجزء (18) الباب (17) الحديث (2).

41

..........

____________

القاضي فقال اقامة الحدود الى من اليه الحكم (1).

و يؤيده مثل رواية على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال سألته عن يهودي أو نصراني أو مجوسي أخذ زانيا أو شارب خمر ما عليه فقال يقال يقام عليه حدود المسلمين إذا فعلوا ذلك في مصر من أمصار المسلمين أو في غير أمصار المسلمين إذا رفعوا الى حكام المسلمين (2).

و اما الالتزام بعدم تصدى لإجراء الحدود و التعزيرات لغير الامام (ع) بما في دعائم الإسلام و الأشعثيات عن الصادق (ع) عن آبائه عن على (ع) لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلا بإمام فلا يمكن المساعدة عليه فإنه أولا لم يظهر المراد من الامام انه المعصوم (ع) فقط بل المراد منه يعم الفقيه العادل بقرينة نفوذ حكمه و ثانيا ان رواية دعائم الإسلام لإرساله لا يمكن الاعتماد عليه.

و اما الأشعثيات التي بأيدينا و أخذ الرواية منها لم يعلم أنه كتاب محمد بن محمد بن الأشعث الذي وثقه الشيخ النجاشي و قال له كتاب الحج المذكور فيه ما روته العامة عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في الحج إذ ما بأيدينا مشتمل على أكثر أبواب الفقه.

و كذلك لم يعلم ان ما بأيدينا ما ذكر الشيخ النجاشي و الشيخ الطوسي في ترجمة إسماعيل بن موسى بن جعفر (عليهم السلام) ان له كتبا يرويها عن أبيه عن آبائه منها كتاب الطهارة إلى آخر ما ذكراه حيث لم يظهر أن ما بأيدينا هي تلك الكتب مع ان الموجود بأيدينا يختلف عن تلك الكتب و من المحتمل ان تلك الكتب لم تصل حتى الى‌

____________

(1) الوسائل الجزء (18) الباب (28) الحديث (1).

(2) الوسائل الجزء (18) الباب (29) الحديث (1).

42

نعم لو ثبت شرعا اشتراط صحة أدائهما (1) ثم ان النسبة بين مثل هذا التوقيع و بين العمومات (2)

____________

الشيخ الطوسي ره و لذا لم يذكر في كتابيه عنه رواية.

(1) بأن يستنبط الفقيه المطالب بالزكاة أو الخمس من الأدلة الشرعية اعتبار دفعهما الى الفقيه و انه لا يصح دفعهما بدون ذلك مطلقا أو بعد مطالبة الفقيه فإن العامي إذا أحرز تعين تقليده ابتداء كما إذا كان اعلم من الآخرين أو تخييرا كما إذا كان في رتبة الآخرين يجب إيصالهما اليه مطلقا أو بعد اختياره و هذا في غير مورد الكلام فان مورده ولاية الفقيه و ان أمر الفقيه و حكمه نافذ كحكم الامام (ع) مع قطع النظر عن إفتائه.

(2) يعني مقتضى التوقيع وجوب الرجوع في الوقائع الحادثة و العمل فيها إلى الرواة سواء كانت الواقعة من الأمور الحسبية أو غيرها من موارد القضاء و نحوها كما ان ما ورد من ان كل معروف صدقة (1) مقتضاه مشروعية العمل بالمعروف و جواز استقلال كل أحد به سواء كان من الأمور الحسبية أو من المستحبات و الواجبات الكفائية و بعد سقوط إطلاقهما في مورد اجتماعهما و هي الأمور الحسبية و نحوها يرجع الى أصالة عدم مشروعية ذلك المعروف بل لا يبعد حكومة مثل التوقيع على مثل العموم المزبور فإنه لا يكون الاستقلال مع إيجاب الرجوع فيها إلى الرواة من المعروف ليعمه كل معروف صدقة و كذا لا يكون الاستقلال عونا للضعيف بل عونه هو الرجوع في أمره الى الحاكم.

____________

(1) الوسائل الجزء (11) الباب (1) من أبواب فعل المعروف الحديث (2).

43

ثم انه قد اشتهر في الألسن و تداول في بعض الكتب (1)

____________

أقول العامي الذي يحتمل في الواقعة اعتبار الرجوع فيها الى الفقيه لا يجوز له الاستقلال بمباشرته بها حيث يجب عليه في الشبهة الحكمية الاحتياط أو التقليد ممن يتعين عليه الرجوع إليه في الوقائع و إذا رجع الى الفقيه احتياطا أو تقليدا فعلى الفقيه ملاحظة الأدلة في تلك الواقعة فإن كان مقتضاها عدم جواز العمل أو عدم ثبوت الولاية لا له و لا لغيره يعمل على مقتضى تلك الأدلة كما إذا رأى انه ليس له و لا لغيره الولاية على تزويج الصغير و الصغيرة. و ان كان مقتضى الأدلة جواز المباشرة أو جواز التوكيل كالتصرف في مال اليتيم يعمل على ما ظهر له حتى لو ظهر منها جواز تصدي العامي للواقعة فله الإفتاء بذلك.

ثم الأمور الحسبية التي يكون مقتضى الأدلة فيها عدم الجواز كالتصرف في مال الغائب أو القاصرين يكون مباشرة الفقيه أو توكيله هو المقدار المتيقن من الجواز فيؤخذ في غير ذلك بإطلاق النهي أو عمومه و مقتضاه عدم كون التصرف المزبور معروفا أو عونا للضعيف بل يكون ظلما و تعديا عليه كما لا يخفى.

و اما الأمور التي يكون مقتضى الأدلة جواز التصدي لكل أحد فللفقيه الإفتاء بذلك فيجوز للعامي التصدي به استقلالا كما في تغسيل ميت لاولى له.

و دعوى اعتبار الرجوع في مثل ذلك ايضا الى الفقيه أخذا بإطلاق التوقيع، فيها ما لا يخفى لضعف التوقيع سندا و دلالة كما تقدم سابقا.

(1) و حاصله ان المراد بالسلطان هو السلطان بحق كما هو فرض الشارع السلطنة لشخص فينحصر مدلول الرواية بولاية الإمام (ع) و استفادة ولاية الفقيه يحتاج الى عموم أدلة النيابة و قد تقدم انه لا عموم فيها و انه لم يثبت ولايته في غير الإفتاء و القضاء و غير الأمور‌

44

..........

____________

المعبر عنها بالأمور الحسبية التي منها بل و أهمها أمر تنظيم أمر بلاد المسلمين و تحصيل الأمن لها كما اعترف بعدم العموم جمال المحققين في باب الخمس بعد الاعتراف بان المعروف عند الأصحاب كون الفقهاء نواب الامام (ع) و يظهر التأمل في نيابته كذلك من المحقق الثاني أيضا في رسالته الموسومة بقاطع اللجاج.

ثم ان المراد بمن لاولى له ليس مطلق انسان لم يكن له ولى بل الذي ينبغي ان يكون له ولى كالصغير و المجنون و المغمى عليه و الغائب عن أمواله و الموقوف عليهم و الميت الذي لاولى له و قاطبة المسلمين بالإضافة إلى ملكهم كالأراضي المفتوحة عنوة و نحو ذلك فينحصر مدلول الرواية بالأمور الحسبية لا الولاية على الرعية قاطبة على حد ولاية النبي (ص).

نعم يستفاد مما يذكر نفوذ التصرف من السلطان فيما يكون ذلك التصرف صلاحا للمولى عليه حتى ما إذا شك في مشروعيته بحسب سائر الأدلة كما إذا أراد تزويج الصغير مع كونه صلاحا له فإنه لم يكن إثبات ذلك بالتوقيع لما تقدم من ان مدلوله ولاية الرواة في كل واقعة يجب العمل فيها و انه يرجع في تلك الواقعة إلى الرواة و هذا بخلاف هذه الرواية فإن مدلولها ثبوت الولاية للسلطان في كل تصرف يكون صلاحا للمولى عليه و لو لم يكن من الأمور الحسبية نعم يعتبر كون التصرف صلاحا للمولى عليه فلا ينفذ التصرف المزبور مع عدم صلاحه له كما هو مقتضى كونه وليا فإنه فرق بين ان يكون للشخص ولاية لأحد كما هو ظاهر الرواية و ان يكون له ولاية عليه فإنه لا يبعد ان يكون مقتضى الثاني النفوذ و لو لم يكن التصرف‌

45

[ولاية عدول المؤمنين]

بل المراد عدم الملكة يعنى أنه ولى من (1) اعلم أن ما كان من قبيل ما ذكرنا (2)

____________

صلاحا.

(1) كل ما ذكر ممن يحتاج إلى الولي بحسب صنفه و اما الاحتياج اليه بحسب الشخص أو النوع أو الجنس فلم يظهر المراد منه و نتيجة البحث الى هذا المقام ان ما يستدل بها من الروايات على ولاية الفقيه بمعنى ثبوت الولاية له على حد ثبوتها للنبي (ص) و سائر الأئمة (عليهم السلام) لا تكون ناظرة الى ذلك لان جلها تعم الرواة و العلماء الذين كانوا في عصرهم (عليهم السلام) بل المتيقن من بعضها ذلك و الالتزام بثبوت الولاية لهم مع ولاية النبي و الامام (ع) غير ممكن أضف الى ذلك المناقشة في اسناد جلها و دلالة كلها على ما تقدم و لكن بما ان التحفظ على بلاد المسلمين و الدفاع عنهم و عن الحوزة الإسلامية و الممانعة عن استيلاء الخونة و الفساق و الأشرار فضلا عن المنافقين و الكفار مما يعلم وجوبه على حد وجوب سائر الأمور التي يعبر عنها بالحسبة بل ما ذكر أهمها و الأصل و الأساس لها فالواجب على الفقيه العادل البصير مع تمكنه هو التصدي لذلك مباشرة أو بالتوكيل و لا يبعد دخوله بالتصدي في عنوان ولى الأمر اللازم طاعته و طاعة وكلائه فيما إذا لم يكن أمرهم و نهيهم و سائر تصرفاتهم خارجة عن الحدود التي رسمهما الشرع حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و يأتي ان مع تصديه لا يعلم مشروعية التصدي من غيره كما يعلم عدم جواز معارضته أو تضعيفه بل يجب تقويته و المساعدة و المجاهدة على مهامه التي لم تدخل في العنوان المشار اليه بحسب ما بأيدينا من الأدلة.

(2) و حاصل ما ذكر (ره) في المقام ان التصرفات المعبر عنها بالأمور‌

46

..........

____________

الحسبية كالتصرف في أموال القاصرين مع فقد الولي و الحاكم و لو بعدم التمكن من الوصول اليه أو وكيله و في الأوقاف العامة مع عدم متولي خاص لها و فقد الحاكم كما ذكر يتصرف فيها آحاد الناس من العدول للعلم بان هذه التصرفات مطلوب وجودها و غير مأخوذة على شخص خاص و اعتبار الاستيذان من الحاكم الشرعي ساقط للتعذر و اعتبار هذا الاستيذان اختياري لا يسقط مطلوبية التصرف مع تعذره.

نعم فيما إذا احتمل كون الاستيذان شرطا مطلقا بحيث يسقط مطلوبية ذلك التصرف مع عدم التمكن منه فيرجع الى أصالة عدم مشروعيته كبعض مراتب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر كما إذا توقف أحدهما على الجرح حيث ان إطلاقات الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر المقتضية لكون كل منهما واجبا كفائيا لا تعم ما إذا توقف أحدهما على الجرح و الأصل عدم وجوب ذلك الجرح بل عدم جوازه أخذا بما دل على حرمة الإضرار و الإيذاء و الاعتداء.

أقول المشهور عندهم بل كما قيل لا خلاف في ان للأمر بالمعروف و النهى عن المنكر مراتب ثلاث الإنكار بالقلب ثم الإنكار باللسان ثم الإنكار باليد و ان كل واحدة منها في طول الأخرى.

و لكن لا يخفى انه ان كان المراد بالإنكار بالقلب الكراهة الباطنية المتعلقة بالفعل الصادر عن الغير أو الترك كذلك فمن الظاهر ان هذا الإنكار و ان كان من مقتضى الايمان و التسليم لاحكام الشرع الا انه لا يدخل في عنوان الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر حيث ان الأمر و النهى عبارة عن بعث الآخر و تحريكه نحو الفعل‌

47

..........

____________

أو الترك.

و ان كان المراد كما قيل إظهار الشخص ان الفعل الصادر عن الغير مكروه له فهذا داخل في عنوان الإنكار باللسان فيجري عليه ما يجرى على الإنكار باللسان و لا يكون وجوبه مطلقا بل على تقدير احتمال التأثير و عدم الخوف من ترتب الضرر.

و كذلك لا يدخل الإنكار باليد ضربا كان أو جرحا أو حبسا في عنوان الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و ما يستدل على ذلك من بعض الروايات لضعف السند بل الدلالة لا تصلح للاعتماد عليها و على تقديره فلا يكون أحدهما في طول الآخر و في خبر يحيى بن الطويل عن ابى عبد اللّٰه (ع) قال ما جعل اللّٰه عز و جل بسط اللسان و كف اليد و لكن جعلهما يبسطان معا و يكفان معا (1).

و الحاصل ان ما دل على حرمة الإيذاء و الإضرار و اعتداء خروج الضرب فضلا عن الجرح عن كونه معروفا فلا يمكن الأخذ بقوله (ع) كل معروف صدقة و بعبارة أخرى ضرب الغير أو جرحه مع كونهما موجبين لحمل الغير على المعروف و انتهائه عن المنكر من المتزاحمين و على تقدير عدم إحراز الأهمية يكون وجوب الحمل ساقطا باعتبار عدم اباحة مقدمته مع ان وجوب الحمل في نفسه المعبر عنه بالمنع عن المنكر لا يخلو عن تأمل و ان كان ربما يستظهر جواز ذلك و مطلوبيته بالإضافة الى الأهل و العيال من صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه (ع) قال جاء رجل الى رسول اللّٰه (ص) فقال ان أمي لا تدفع يد لامس قال فاحبسها قال قد فعلت قال فامنع من يدخل عليها قال قد فعلت قال قيدها فإنك لا تبرها بشي‌ء أفضل من ان تمنعها من محارم اللّٰه‌

____________

(1) الوسائل الجزء (11) الباب (3) من أبواب الأمر بالمعروف الحديث (2).

48

و الظاهر ان قوله فان توقع (1) و لعل وجهه (2)

____________

عز و جل (1) حيث لا يستفاد منها الا المطلوبية لا الوجوب.

نعم قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً يمكن استفادة الوجوب منها بالإضافة الى الأهل و لو كان المنع عن المنكر بالإيذاء و نحوه بشهادة الصحيحة بأن المنع المزبور إحسان بل يمكن ان يقال لا يحتمل عادة ان يكون المنع عن محارم اللّٰه إحسانا و برا بالإضافة إلى الأم و الأهل و لا يكون إحسانا بالإضافة إلى السائرين و لذا لا يبعد جواز المنع مطلقا كما لا يبعد الالتزام بان على الحاكم و والي المسلمين المنع في موارد كون المنكر بشيوعه موجبا لفساد المجامع الإسلامية و طمس معالم الدين عن بلاد المسلمين كما لا يخفى.

(1) يعنى ان هذا ليس من تتمة كلام العامة بل من تتمة ما ذكره (ره) بقوله (و هل يجوز أخذ الزكوات و الأخماس).

(2) و بتعبير آخر ان قوله (ع) كل معروف صدقة في مقام الترغيب الى فعل المعروف و اما تعيين المعروف و مصاديقه فهو خارج عن مدلوله كما هو الشأن في كل خطاب يتضمن الحكم بعنوان القضية الحقيقية و على ذلك فلا يمكن التمسك بالرواية فيما إذا كان مقتضى الأدلة عدم جواز ذلك التصرف و اشتراط كونه بنظر الفقيه كإقامة الحدود حيث ورد أنها وظيفة الامام و الحاكم و كذلك التصدي لجمع الزكوات و الأخماس أخذا بأصالة عدم الولاية التي لا يكون التصدي بدونها معروفا و لذا لا يمكن التمسك بالرواية المزبورة في نفوذ البيع فضولا فيما إذا كان ذلك البيع‌

____________

(1) الوسائل الجزء (18) الباب (48) الحديث (1) من أبواب حد الزنا.

49

بناء على ان المراد من المماثلة (1)

____________

صلاحا للمالك.

و مما ذكرنا يظهر الحال في التمسك بقوله سبحانه وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ حيث ان تعيين البر و التقوى خارج عن مدلولها و كذلك لا يقتضي قوله (ع) و اللّٰه في عون مؤمن ما دام في عون أخيه.

و على الجملة إذا كان في البين ما يدل على عدم جواز الفعل أو عدم نفوذه حتى مع عدم التمكن على الوصول من الفقيه فلا يمكن إثبات الولاية فيه لعدول المؤمنين بما ذكر من الآية و الرواية بل يحتاج جواز التصدي حسبة الى العلم بجواز التصدي كالتصرف في الأوقاف العامة التي لا متولي لها و تجهيز ميت لاولى له أو قيام دليل خاص عليه كالتصرف في أموال اليتامى مع عدم الولي لهم كما لا يخفى.

(1) و حاصله ان نصب القيم من القاضي المفروض في الرواية غير نافذ و يكون تصرف عبد الحميد و مثله من جهة ولايته على الأيتام بحكم الشارع لا من جهة كونه منصوبا من قبل القاضي و المحتمل في المماثلة الواردة في الرواية أمور: الأول- المماثلة في التشيع الثاني- المماثلة في الوثاقة أي فعل ما هو صلاح للأيتام فيكون ملاحظة مصلحة اليتيم في عبارة المصنف (ره) عطفا تفسيريا للوثاقة الثالث- المماثلة في الفقاهة الرابع- المماثلة في العدالة و احتمال ارادة الثالث أي المماثلة في الفقاهة ضعيف لان مفهوم الشرطية على ذلك الاحتمال انه إذا لم يكن القيم للأيتام فقيها ففي تصرفاته بأس و منع و المنع إطلاقه يجري حتى في صورة تعذر الفقيه مع انه لا يمكن ان تكون الفقاهة بالإضافة الى مال اليتيم شرطا على الإطلاق بحيث لا يجوز لغير الفقيه التصرف حتى مع تعذر الفقيه.

50

ففي صحيحة على بن رئاب (1)

____________

و هذا بخلاف سائر الاحتمالات فإنه لا بأس عليها بالأخذ بإطلاق البأس و المنع و الالتزام بان تصرف غير الشيعة أو الخائن أو الفاسق في مال اليتيم غير نافذ.

و الحاصل يدور المراد في الاحتمالات الثلاثة الباقية فيؤخذ بالأخص منها و هو اعتبار العدل لكونه متيقنا بالإرادة لأن العادل يكون شيعيا و يكون تصرفه بمقتضى التكليف المستفاد من مثل قوله سبحانه وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* صلاحا لليتيم.

أقول لا مجال في المقام للتمسك بإطلاق المفهوم و إثبات ان المراد بالمماثلة المماثلة في غير الفقاهة و ذلك للجزم بان البأس في المفهوم لا يعم تصرف غير الفقيه مع تعذر الفقيه و عدم شمول المفهوم لذلك اما بالتقييد كما إذا كان المراد بالمماثلة الفقاهة فإنه لا بد من تقييد المفهوم و اما تقيدا كما إذا كان المراد بها غير الفقاهة نظير ما يقال انه مع العلم بعدم ثبوت حكم العام لشي‌ء و دوران كونه بالتخصيص أو بالتخصص لا يمكن التمسك بأصالة العموم و إثبات كونه بالتخصص فالصحيح ان الصحيحة مجملة من حيث المراد من المماثلة فيؤخذ بالأخص من الاحتمالات و هي المماثلة في الفقاهة و العدل.

(1) و وجه دلالتها ان قوله (ع) الناظر فيما يصلحهم وصف توضيحي فيكون مفاد الصحيحة نفوذ تصرفات من يكون تصرفاته من جهة صلاح الصغير المفروض عدم القيم الخاص له و لكنها لا تنافي اعتبار العدالة في القيم فإنه يرفع عن إطلاقها بما دل على اعتبار العدالة كما ان ما دل على اعتبارها يكون مفسرا لإجمال الصحيحة الأولى‌

51

و الذي ينبغي ان يقال (1)

____________

فتكون النتيجة ان القائم بمصالح الصغير من غير وصاية و من غير توكيل من الحاكم الشرعي يجب ان يكون عدلا.

و اما موثقة سماعة قال سألته عن رجل مات و له بنون و بنات صغار و كبار من غير وصية و له خدم و مماليك و عقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث قال إذا قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس (1) فلا ظهور للثقة فيها فيمن يطمئن بفعله عرفا و لو كان فاسقا بل لا يبعد ظهورها في العدل و لا أقل من الحمل عليه جمعا بينها و بين صحيحة إسماعيل بن سعد برفع اليد عن إطلاق الثانية بالأولى كما لا يخفى.

(1) يعني في الموارد التي يكون فيها لجواز تصرف غير الفقيه و نفوذه دليل خاص اتبع ذلك الدليل في جهة كونه دالا على اعتبار العدالة في المتصرف أم لا.

و اما الموارد التي يكون تصرف غير الفقيه فيها من جهة دخول ذلك التصرف في عموم قوله (ع) كل معروف صدقة و قوله عون الضعيف من أفضل الصدقة أو عموم قوله سبحانه وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* ففيها تفصيل من جهة ان الفاسق ايضا يجوز له التصدي لتلك التصرفات و يكون تصرفه نافذا كتصرف العادل الا انه لا يسقط التكليف بإصلاح مال اليتيم و حفظه عن الهلاك عن السائرين بمجرد قيام الفاسق بالتصرف مع عدم إحراز كون تصرف الفاسق صلاحا و إحسانا للطفل و لا يكفي في الإحراز حمل التصرف المزبور على الصحة مثلا إذا باع الفاسق مال الصغير لا يجوز مع جهله يكون ذلك صلاحا للطفل شراء ذلك المال من البائع المزبور و لا يجري‌

____________

(1) الوسائل الجزء (13) الباب (88) من أبواب الوصايا

52

..........

____________

أصالة الصحة في فعل البائع فإن الشك في المقام في أصل وجود المأمور به و هو إصلاح مال الطفل و إيجاد الصلاح فيكون نظير ما إذا شك في ان الغير صلى على الميت أم لا نعم إذا أحرز أصل الصلاة و شك في وقوعها صحيحة أم لا فتحمل على الصحة.

و بتعبير آخر شك المشترى في كون بيع البائع صلاحا للطفل أم لا نظير شكه في بلوغ البائع و ولايته على البيع لا مجرى فيه لأصالة الصحة نعم إذا باع الفاسق مال الطفل لآخر و احتمل ثالث ان المشترى قد أحرز كون شرائه و بيع البائع صلاحا للطفل فيجوز لذلك الثالث حمل شرائه على الصحة و لا يجوز له أخذ الثمن من يد البائع و استرداد المبيع من يد مشتريه بدفع الثمن إليه لأنه لا يعلم ان مال الصغير هو الثمن بل مقتضى أصالة الصحة الجارية في شراء المشترى هو كون ماله هو الثمن لا المثمن أقول قد تقدم سابقا انه لا دلالة لقوله (ع) كل معروف صدقة و لا لقوله عون الضعيف من أفضل الصدقة على حكم المقام فان كون تصرف الأجنبي في مال الطفل انما يكون معروفا و عونا مع ولايته على التصرف و نفوذ معاملته و إذا منع عنه مثل قوله (ع) لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه أو أصالة عدم ولايته على التصرف المزبور فيخرج عن كونه معروفا و عونا كما يخرج زيد باستصحاب عدم كونه فاسقا عن عموم النهى عن إكرام الفاسق.

و اما قوله سبحانه وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* فهو خطاب متوجه الى من يكون في أيديهم أموال اليتامى من الأولياء و لا يعم غير الولي و لا يعين الولاية لأحد.

و الحاصل ان التصرف في مال الأيتام مستفاد من الروايات المتقدمة و مفادها‌