الجواهر الفخرية في شرح الروضة البهية - ج5

- الشيخ قدرت الله وجداني فخر المزيد...
483 /
5

الجزء الخامس

[كتاب الجهاد]

كتاب الجهاد (1)

____________

كتاب الجهاد‌

(1) إضافة الكتاب الى الجهاد بيانية و خبر لمبتدإ مقدّر و هو «هذا».

الجهاد- بكسر الجيم-: مصدر من قوله: جاهد في سبيل اللّه مجاهدة و جهادا:

بذل وسعه، و منه في القرآن وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ. و جاهد العدوّ:

قاتله، و في الحديث: لا هجرة بعد الفتح لكن جهاد و نية. (أقرب الموارد).

من حواشي الكتاب: الجهاد فعال من الجهد و هو المشقّة البالغة، و شرعا بذل النفس و المال في إعلاء كلمة الإسلام و إقامة شعائر الإيمان، و هو من أعظم أركان الإسلام، روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: فوق كلّ برّ برّ حتّى يقتل الرجل في سبيل اللّه فليس فوقه برّ. و ناهيك الحثّ عليه في القرآن العزيز في غير موضع. (حاشية الملّا أحمد (رحمه اللّه)).

و من الآيات الدالّة على الجهاد قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ. (البقرة: 216). و الدليل على الوجوب قوله سبحانه «كتب» بمعنى الفرض و الوجوب.

6

[أقسام الجهاد]

و هو (1) أقسام: جهاد المشركين ابتداء (2) لدعائهم إلى الإسلام. و جهاد من يدهم (3) على المسلمين من الكفّار بحيث

____________

- و الآية الاخرى هي قوله عزّ و جلّ وَ مٰا لَكُمْ لٰا تُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا مِنْ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظّٰالِمِ أَهْلُهٰا وَ اجْعَلْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً.

(النساء: 75).

و الآية الثالثة الدالّة على وجوب الجهاد هي قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبٰاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً. (النساء: 71). و محلّ الاستشهاد هو الأمر بأخذ السلاح و النفر طائفة أو انفرادا الى الجهاد.

و الآية الرابعة هي قوله عزّ من قائل وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ هُوَ اجْتَبٰاكُمْ وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. (الحجّ: 78) و الشاهد فيها أيضا الأمر الى الجهاد في اللّه الدالّ على الوجوب.

(1) الضمير يرجع الى الجهاد. يعني أنّ الجهاد على أقسام أربعة:

الأول: جهاد المشركين ابتداء لدعوتهم الى الإسلام.

الثاني: جهاد الكفّار الذين يهاجمون المسلمين مع الخوف من أن يتسلّطوا على بلادهم و أموالهم و أعراضهم.

الثالث: الجهاد على من قصد قتل نفس محترمة أو أخذ مال محترم أو أسر حريم، بلا فرق بين كون القاصد مسلما أو كافرا.

الرابع: الجهاد على من خرج على الإمام المعصوم.

و سيأتي تفصيل ذلك قريبا.

(2) هذا هو القسم الأول من الأقسام الأربعة المذكورة.

(3) دهم الأمر يدهم وزان علم يعلم، أو دهم الأمر وزان منع يمنع: غشيه، دهّمت-

7

يخافون (1) استيلائهم على بلادهم، أو أخذ مالهم و ما أشبهه (2) و إن قلّ.

و جهاد من يريد قتل نفس محترمة (3) أو أخذ مال أو سبي حريم مطلقا (4)، و منه (5) جهاد الأسير بين المشركين للمسلمين دافعا عن نفسه. و ربّما أطلق على هذا القسم (6) الدفاع لا الجهاد، و هو أولى. و جهاد

____________

- النار القدر: سوّدتها. (أقرب الموارد، المنجد).

و من ذلك قوله تعالى مُدْهٰامَّتٰانِ. (الرحمن: 64). أي سوداوان من شدة الخضرة.

(1) فاعل قوله «يخافون» هو ضمير الجمع الراجع الى المسلمين. و الضميران في قوليه «بلادهم» و «مالهم» يرجعان الى المسلمين أيضا.

(2) كالأعراض و الأفكار الإسلامية من آداب و شعائر، كما اذا خيف من تسلّطهم على المدارس العلمية و التعاليم الإسلامية. و هذا هو القسم الثاني من الأقسام الأربعة المذكورة. و لا يخفى أنّ خطرهم بالاستيلاء على ذلك أشدّ و أهمّ من خطرهم على الأراضي و الأموال.

و قوله «و إن قلّ» وصلية. يعني و إن كان المال قليلا.

(3) هذا هو القسم الثالث من الأقسام الأربعة المذكورة.

(4) أي بلا فرق بين من يريد القتل و السبي و أخذ المال بين المسلم و الكافر الحربي و الذمّي.

(5) أي من القسم المذكور جهاد الأسير بين المشركين دفاعا عن نفسه لا لنفع الكفّار و ضرر المسلمين.

(6) المشار إليه هو جهاد الأسير بين المشركين لصالح المسلمين. يعني ربّما يطلق على ذلك الدفاع لا الجهاد، و تظهر ثمرة الاختلاف بين إطلاق الدفاع و الجهاد في موارد:

الأول: عدم جريان أحكام الشهيد عليه اذا قتل في مقام الدفاع، مثل التغسيل-

8

البغاة (1) على الإمام.

و البحث هنا عن الأول (2)، و استطرد ذكر

____________

- و التكفين.

الثاني: عدم شركة الدافع في الغنائم بخلاف المجاهد.

الثالث: حرمة الفرار عند الجهاد بخلاف الدفاع، و غير ذلك من أحكام الجهاد.

(1) البغاة جمع الباغي، و هذا هو القسم الرابع من الأقسام الأربعة المذكورة.

أقول: اعلم أنّ المراد من «البغاة» هو فرق ثلاث:

الناكثين: و هم الذين نكثوا بيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) مثل طلحة و الزبير و غيرهما الذين اجتمعوا حول عائشة و توجّهوا الى البصرة لقتال علي (عليه السلام) حتّى قتل طلحة و الزبير، و سمّيت بحرب الجمل لركوب عائشة على الجمل و حثّها الناس على قتل علي (عليه السلام)، و من أراد التفصيل فليراجع كتب التاريخ.

القاسطين: و هم معاوية و أتباعه الذين ظلموا و تمرّدوا عن العدل و إطاعة إمام الحقّ علي (عليه السلام) و قاتلوه في موضع يسمّى بصفّين، و حكايته أيضا مشهورة و في كتب التاريخ مذكورة.

المارقين: من مرق السهم من الرمية مروقا: نفذ فيها و خرج من الجانب الآخر، أي من غير مدخله، و منه قيل: مرق من الدين: أي خرج منه ببدعة أو ضلالة فهو مارق. (أقرب الموارد).

و هم الذين خرجوا على علي (عليه السلام) و قتلوا إلّا تسعة منهم.

و هؤلاء الذين أخبر عنهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: يا علي، سيقاتلك الناكثون و القاسطون و المارقون.

(2) يعني أنّ البحث هنا عن القسم الأول من الأقسام الاربعة، و هو جهاد المشركين ابتداء لدعوتهم الى الإسلام.

9

الثاني (1) من غير استيفاء، و ذكر (2) الرابع في آخر الكتاب، و الثالث (3) في كتاب الحدود.

(و يجب على الكفاية) (4) بمعنى وجوبه على الجميع إلى أن يقوم به منهم من (5) فيه الكفاية، فيسقط عن الباقين سقوطا

____________

(1) المراد من «الثاني» هو الجهاد على من يدهم المسلمين و يهجم عليهم. يعني ذكر المصنّف (رحمه اللّه) هذا القسم في عرض الكلام تبعا بلا بيان تمام أحكامه.

الاستطراد: هو الانتقال من موضوع الى موضوع آخر بالمناسبة.

و المراد من ذكر المصنّف (رحمه اللّه) هو قوله قريبا «أو هجوم عدوّ يخشى منه على بيضة الإسلام».

(2) فاعل قوله «ذكر» يرجع الى المصنّف (رحمه اللّه). يعني ذكر القسم الرابع و هو جهاد البغاة في آخر كتاب الجهاد بقوله «الفصل الرابع في أحكام البغاة».

(3) بالنصب، عطفا على قوله «الرابع». يعني ذكر المصنّف (رحمه اللّه) القسم الثالث من الأقسام الأربعة في الفصل السادس من فصول كتاب الحدود.

(4) قسّم الاصوليون الواجب الى العيني و الكفائي، أمّا العيني فهو الذي يجب على ذمّة كلّ أحد من المكلّفين و لا يسقط بفعل أحد عن الآخر، مثل الصلاة و الصوم و غيرهما.

و أمّا الكفائي فهو الذي يجب فعله من أيّ أحد من المكلّفين، مثل تغسيل الميّت و تكفينه، فهذا الواجب يكون وجوبه على ذمّة جميع المسلمين حتّى يقوم الجميع أو أحد منهم بإتيانه فيسقط عن الغير.

و الضمير في قوله «وجوبه» يرجع الى الجهاد. يعني أنه يجب على جميع المسلمين أولا، فاذا قام به من يكفي به سقط عن ذمّة الغير.

(5) فاعل قوله «يقوم». يعني أنّ الجهاد يسقط عن الجميع اذا قام به عدّة من المسلمين الذين يكتفي بهم.

10

مراعى (1) باستمرار القائم به إلى أن يحصل الغرض المطلوب به شرعا، و قد يتعيّن (2) بأمر الإمام (عليه السلام) لأحد على الخصوص و إن قام به من (3) كان فيه كفاية، و تختلف الكفاية (بحسب الحاجة) بسبب كثرة (4) المشركين و قلّتهم، و قوّتهم و ضعفهم.

(و أقلّه (5) مرّة في كلّ عام) لقوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ

____________

(1) يعني ليس سقوط وجوب الجهاد عن المسلمين سقوطا قطعيا، بل يراعى سقوطه باستمرار المجاهدين الى أن يحصل الغرض و هو قبول المشركين دعوتهم الى الإسلام أو دفع شرّهم عنه. فلو لم يحصل الغرض المطلوب شرعا لا يسقط الوجوب عن ذمّة الباقين بل عليهم الجهاد الى أن يحصل الغرض المذكور.

و الضميران في قوليه «به» يرجع الى الجهاد.

(2) يعني أنّ الوجوب الكفائي في الجهاد يصير واجبا عينيا اذا أمر به المعصوم (عليه السلام) أحدا أو جمعا.

(3) أي و إن قام بالجهاد عدّة تحصل بهم الكفاية.

(4) فاذا كثرت أعداد المشركين فالكفاية تحصل بالنسبة إليهم، و هكذا اذا قلّت.

و أيضا اذا كانوا أقوياء من حيث التجهيز و القتال فيلاحظ الكفاية بالنسبة الى ذلك.

(5) أي أقلّ الواجب الكفائي في الجهاد الابتدائي مرّة واحدة في كلّ سنة.

و الدليل على الوجوب و المرّة هو قوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تٰابُوا وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (التوبة: 5).

أمّا الاستدلال على الوجوب فهو قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ فعلّق-

11

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ... الخ أوجب بعد انسلاخها (1) الجهاد و جعله (2) شرطا فيجب كلّما وجد الشرط (3)، و لا يتكرّر (4) بعد ذلك بقية العام لعدم (5) إفادة مطلق الأمر (6) التكرار.

____________

- وجوب القتال على انسلاخ الأشهر الحرم.

و لا يحصل الشرط و هو الانسلاخ في طول السنة إلّا مرّة واحدة، ففي كلّ عام يحصل الشرط و يجب الجهاد لأنّ المشروط يتكرّر بتكرّر الشرط، و الاستدلال بالوجوب مرّة واحدة لا أزيد منها، بأنّ الأمر يدلّ على المرّة إلّا اذا قامت‌

القرينة بالتكرار كما قال الاصوليون في كتبهم.

ففي المقام أيضا صدر الأمر بوجوب الجهاد بعد انسلاخ الأشهر المذكورة، فيحمل على المرّة لا التكرار.

(1) يعني أنّ اللّه تعالى أوجب قتال المشركين بعد انسلاخ الشهور المذكورة.

(2) الضمير في قوله «جعله» يرجع الى الانسلاخ.

(3) الشرط هو الانسلاخ و المشروط هو القتال.

(4) أي لا يجب الجهاد متكرّرا بعد القتال في العام بالنسبة الى بقية أيّامه.

(5) هذا الاستدلال الثاني من الاستدلالين المذكورين آنفا.

(6) أي الأمر بالطبيعة المطلقة و المجرّدة عن كلّ شي‌ء لا يدلّ على التكرار و لا على المرّة بناء على أنّ الموضوع له الأمر و هو الطلب المطلق الخالي عن جميع الخصوصيات.

أقول: اختلفوا في المراد من الأشهر الحرم قيل: هي الأشهر الحرم المعروفة: ذو القعدة، و ذو الحجّة، و محرّم، و رجب.

و لعلّ الوجه هو حصول التأمين لعزيمة الناس الى الحجّ ذهابا و إيابا في الثلاثة الاول، و لعزيمة المسلمين للعمرة المفردة الواردة في شهر رجب.-

12

و فيه (1) نظر يظهر من التعليل.

____________

- و قيل: هي بقية ذي الحجّة من يوم النحر و محرّم كلّه فيكون ذلك خمسين يوما، فاذا انقضت هذه الخمسون انقضى الأجلان و حلّ قتالهم.

و قيل: الأشهر الأربعة التي هي عشرون من ذي الحجّة و محرّم و صفر و شهر ربيع الأول و عشر من شهر ربيع الآخر، إذ حرّم فيها دماء المشركين و جعل لهم أن يسيحوا فيها آمنين. (راجع تفسير مجمع البيان: سورة التوبة).

الانسلاخ: خروج الشي‌ء ممّا لابسه، و أصله من سلخ الشاة و هو نزع الجلد عنها، و سلخنا شهر كذا نسلخه سلخا و سلوخا. (مجمع البيان).

(1) قد اختلف المحشّون في رجوع ضمير «فيه» الى الاستدلال بوجوب الجهاد في كلّ عام مرّة بمعنى وجوبه في كلّ سنة، أو الاستدلال بوجوبه مرّة واحدة في كلّ سنة لا أزيد منها.

أقول: و الحقّ أنّ إشكال الشارح (رحمه اللّه) متّجه الى الاستدلال الثاني و هو وجوب الجهاد في أيّام السنة مرّة واحدة بدليل قوله «يظهر من التعليل». فإنّ المراد من «التعليل» هو قوله في الاستدلال بعدم التكرار في بقية الأيّام لعدم إفادة مطلق الأمر التكرار.

فأشكل الشارح (رحمه اللّه) بذلك الاستدلال بأنّ الأمر المطلق كما أنه لا يفيد التكرار كذلك لا يفيد المرّة، بل كلّ منهما يحتاج الى دليل. ففي قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا دلّت القرينة على الوجوب مرّة واحدة، و في قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ* دلّت القرينة على التكرار.

قال صاحب الكفاية في المبحث الثامن من مباحث الفصل الثاني من فصول الأوامر: الحقّ أنّ صيغة الأمر مطلقا لا دلالة لها على المرّة و لا التكرار، فإنّ المنصرف عنها ليس إلّا طلب ايجاد الطبيعة المأمور بها، فلا دلالة لها على-

13

هذا (1) مع عدم الحاجة إلى الزيادة عليها (2) في السنة، و إلّا وجب بحسبها (3)، و عدم (4) العجز عنها فيها، أو رؤية الإمام عدمه صلاحا، و إلّا جاز (5) التأخير بحسبه.

____________

- أحدهما لا بهيئتها و لا بمادّتها. و الاكتفاء بالمرّة فإنّما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة. (كفاية الاصول: ص 100).

من حواشي الكتاب: قوله «و فيه نظر يظهر من التعليل» و هو قوله «لعدم إفادة مطلق الأمر التكرار» فإنّه اذا كان مطلق الأمر لا يفيد التكرار فهذا ممّا لا يفيده فإنّه يحصل الامتثال به مرّة في سنة واحدة. (حاشية ع ل (رحمه اللّه)).

(1) المشار إليه هو وجوب الجهاد في السنة مرّة واحدة. يعني أن ذلك في صورة عدم الحاجة الى الأزيد من المرّة، و إن احتاج الغرض من الجهاد الى أزيد منها فيجب على حسب الحاجة.

(2) الضمير في قوله «عليها» يرجع الى المرّة. يعني أنّ وجوب المرّة في السنة في صورة عدم الاحتياج الى أزيد منها.

(3) الضمير في قوله «بحسبها» يرجع الى الحاجة.

(4) بالجرّ، عطفا على قوله «عدم الحاجة». يعني أنّ وجوب الجهاد في كلّ سنة مرّة واحدة في صورة عدم عجز المسلمين عنها في السنة، و إلّا لا يجب حتّى مرّة في السنة أيضا.

و الحاصل: أنّ في وجوب المرّة في السنة شرطان:

الأول: عدم الحاجة الى الأزيد منها، و إلّا يجب الجهاد في السنة أزيد من المرّة.

الثاني: عدم عجز المسلمين عن المرّة في السنة، أو رؤية الإمام (عليه السلام) عدم الجهاد مرّة في السنة صلاحا.

و الضمير في قوله «عنها» يرجع الى المرّة، و في قوله «فيها» يرجع الى السنة.

(5) أي إن وجد العجز أو الصلاح في تأخير الجهاد فيؤخّر بمقتضاهما.-

14

[شروط الجهاد الابتدائي]

و إنّما يجب الجهاد (بشرط الإمام العادل (1)، أو نائبه) الخاصّ و هو المنصوب للجهاد، أو لما هو أعمّ. أمّا العامّ كالفقيه فلا يجوز له تولّيه حال الغيبة بالمعنى الأول (2)، و لا يشترط (3) في جوازه بغيره من المعاني، (أو هجوم (4) عدوّ) على المسلمين (يخشى منه على بيضة الإسلام (5)) و هي

____________

- و الضمير في قوله «بحسبه» يرجع الى كلّ من العجز و الصلاح.

(1) المراد من «الإمام العادل» هو المعصوم (عليه السلام). يعني من شروط وجوب الجهاد الابتدائي هو وجود الإمام المعصوم (عليه السلام) أو نائبه الخاصّ و هو المنصوب في خصوص الجهاد فقط أو العام و هو المنصوب نائبا مطلقا.

(2) المراد من «المعنى الأول» هو الجهاد الابتدائي لأجل الدعوة الى الإسلام، و هو الأول من الأقسام الأربعة المذكورة. يعني أنّ الفقيه الذي هو النائب العامّ للمعصوم (عليه السلام) في زمان الغيبة لا يجوز له تولية الجهاد في الغيبة، بمعنى أنه لا يجوز له أن يحكم بجهاد المشركين ابتداء.

(3) النائب الفاعل هو الضمير الراجع الى الإمام أو نائبه الخاصّ أو العامّ. يعني أنّ الإمام (عليه السلام) لا يشترط في وجوب الجهاد بغير القسم الأول من الأقسام الأربعة المذكورة.

و الضمير في قوله «جوازه» يرجع الى الجهاد، و في «غيره» يرجع الى الأول.

(4) بالجرّ، عطفا على قوله «بشرط الإمام». و هذا هو القسم الثاني من أقسام الجهاد، فاذا هجم العدوّ على المسلمين بحيث يخاف من هجومه على أصل المسلمين و مجتمعهم و بما هو القوام لهم وجب الجهاد و القتال وجوبا كفائيا، و لا يحتاج الى وجود الإمام المعصوم (عليه السلام) و لا نائبه.

(5) بيضة الإسلام: جماعتهم. و بيضة القوم: أصلهم. و البيضة أصل القوم و مجتمعهم.

(لسان العرب).

15

أصله و مجتمعه فيجب حينئذ (1) بغير إذن الإمام أو نائبه.

و يفهم من القيد (2) كونه كافرا، إذ لا يخشى (3) من المسلم على الإسلام نفسه و إن كان مبدعا. نعم (4) لو خافوا على أنفسهم وجب عليهم الدفاع، و لو خيف على بعض المسلمين وجب عليه (5)، فإن عجز وجب على من يليه مساعدته (6)، فإن عجز الجميع (7) وجب على من بعد، و يتأكّد على الأقرب فالأقرب كفاية (8).

____________

(1) فاذا خيف من هجوم العدوّ على بيضة الإسلام وجب الجهاد بغير إذن الإمام أو نائبه.

(2) المراد من «القيد» هو قوله «يخشى منه على بيضة الإسلام». يعني أنّ المستفاد من ذلك القيد كون العدوّ المهاجم كافرا.

(3) تعليل استفادة الكافر من القيد المذكور بأن العدوّ المهاجم إذا لم يكن كافرا لا يخاف منه على أصل الإسلام و لو كان أهل بدعة.

(4) استدراك من عدم وجوب الجهاد اذا لم يكن العدوّ المهاجم كافرا، بأنه اذا خاف المسلمون على أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم وجب عليهم الجهاد بالمعنى الثالث الذي سمّي بالدفاع، و هذا هو القسم الثالث من الأقسام الأربعة المذكورة.

(5) الضمير في قوله «عليه» يرجع الى بعض المسلمين. يعني لو خاف البعض منهم على نفسه و ماله و عرضه وجب الدفاع على نفسه.

(6) بمعنى أنه اذا عجز بعض المسلمين عن الدفاع على نفسه وجب على الذين يمكنهم الدفاع مساعدة العاجز منهم.

(7) كما اذا عجز الخائف على نفسه و من يليه عن دفع العدوّ المهاجم وجب الدفاع على سائر المسلمين.

(8) يعني يتأكّد الواجب الكفائي في حقّ الأقرب بالنسبة الى الأبعد على العاجز.

16

(و يشترط) في من يجب عليه الجهاد بالمعنى الأول (1) (البلوغ و العقل و الحرّية و البصر و السلامة من المرض) المانع من الركوب و العدو (2) (و العرج) (3) البالغ حدّ الإقعاد، أو الموجب لمشقّة في السعي (4) لا تتحمّل عادة، و في حكمه (5) الشيخوخة المانعة من القيام به

____________

(1) المراد من «الأول» هو الجهاد الابتدائي. يعني أنّ الجهاد المذكور لا يجب على المسلم إلّا بشروط:

الأول: البلوغ، فلا يجب على الصبي و لو كان مراهقا بالبلوغ.

الثاني: العقل، فلا يجب على المجنون مطلقا.

الثالث: الحرّية، فلا يجب على العبد و لو مبعّضا.

الرابع: البصر، فلا يجب على الأعمى.

الخامس: السلامة من المرض المانع من الركوب و العدو، و من العرج البالغ حدّ الإقعاد أو الى الحدّ الموجب للمشقّة، و السلامة من الفقر الموجب للعجز عن نفقته و نفقة عياله.

السادس: عدم الهرم المانع من القيام بالجهاد.

السابع: الذكورة، فلا يجب على المرأة.

هذه الشروط ذكرها الفقهاء، لكن المصنّف (رحمه اللّه) لم يذكر هنا الشرطين الأخيرين.

(2) العدو- بفتح العين و سكون الدال و الواو المخفّفة-: من عدا يعدو عدوا و عدوانا: جرى و ركض. (أقرب الموارد، المنجد).

و المراد هو الركض و المشي السريع.

(3) العرج- محرّكا-: أن تطول إحدى الرجلين على الاخرى، أو أن يصيبها شي‌ء فيجمع صاحبها. (أقرب الموارد).

(4) فلو لم يبلغ العرج حدّ الإقعاد و المشقّة لا يوجب سقوط الوجوب عن صاحبه.

(5) الضمير في قوله «حكمه» يرجع الى العرج. و هذا هو الشرط السادس من-

17

(و الفقر) (1) الموجب للعجز عن نفقته و نفقة عياله و طريقه (2) و ثمن سلاحه، فلا يجب على الصبي و المجنون مطلقا (3)، و لا على العبد و إن كان مبعّضا، و لا على الأعمى و إن وجد قائدا و مطية (4)، و كذا الأعرج. و كان عليه (5) أن يذكر الذكورية فإنّها (6) شرط فلا يجب على المرأة.

هذا (7) في الجهاد بالمعنى الأول (8)، أمّا الثاني (9) فيجب الدفع على القادر، سواء الذكر و الانثى، و السليم و الأعمى، و المريض

____________

- الشروط المذكورة. يعني أنّ الشيوخة المانعة من القيام بالجهاد أيضا توجب سقوط وجوب الجهاد.

(1) بالجرّ، عطفا على قوله «من المرض». يعني يشترط في وجوب الجهاد أيضا السلامة من الفقر.

(2) أي الفقر الموجب للعجز عن مخارج طريق الجهاد و ثمن شراء السلاح له.

(3) أي بلا فرق بين المجنون الأدواري و الإطباقي.

(4) أي و إن وجد الأعمى مركوبا.

(5) أي كان لازما على المصنّف (رحمه اللّه) ذكر الذكورة من شروط الوجوب أيضا كما ذكرها الفقهاء.

(6) الضمير في قوله «فإنّها» يرجع الى الذكورة.

(7) المشار إليه هو الشروط السبعة المذكورة. يعني أن هذه الشروط إنّما هي في الجهاد الابتدائي.

(8) المراد منه «الجهاد الابتدائي».

(9) و هو عند هجوم الكفّار على المسلمين، يعني أمّا القسم الثاني من الأقسام المذكورة في الجهاد فهو جهاد من يدهم على المسلمين من الكفّار بحيث يخشى منه على بيضة الإسلام، فلا يشترط فيه شي‌ء ممّا ذكر بل يجب الدفاع لكلّ من قدر عليه، ذكرا كان أو انثى، صبيّا أو بالغا، مريضا أو سالما، شابّا أو شيخا، و هكذا.

18

و العبد، و غيرهم (1).

[يحرم المقام في بلد المشرك لمن لا يتمكّن من إظهار شعائر الإسلام]

(و يحرم المقام (2) في بلد المشرك لمن لا يتمكّن من إظهار شعائر الإسلام) من الأذان (3) و الصلاة و الصوم و غيرها، و سمّي ذلك شعارا (4) لأنه (5) علامة عليه، أو من الشعار (6) الذي هو الثوب الملاصق للبدن،

____________

(1) مثل الفقير و الشيخ و الأعرج، و التي ذكرناها في شروط الجهاد الابتدائي.

(2) المقام و المقامة- بضمّ الميم-: الإقامة، الموضع الذي تقيم فيه. (أقرب الموارد، المنجد). يعني يحرم على المسلم الإقامة في بلاد المشركين بشرطين:

الأول: اذا لم يتمكّن من إظهار شعائر الإسلام، فلو قدر عليه لا تحرم الإقامة عليه.

الثاني: اذا قدر على الهجرة، فلو لم يتمكّن منها لمرض أو عرج أو فقر فلا تحرم الإقامة عليه.

(3) بيان لشعائر الإسلام، فإنّ هذه من علائم الإسلام و آثاره.

(4) الشعار- بالكسر-: العلامة في الحرب و السفر، و ما تحت الدثار من اللباس و هو ما يلي شعر الجسد، جمعه: أشعرة و شعر.

شعار السلطنة: علاماتها. (أقرب الموارد).

الشعيرة: العلامة، جمعها: الشعائر. (المنجد).

(5) الضمير في قوله «لأنه» يرجع الى الشعار، و قوله «عليه» يرجع الى الإسلام.

(6) قد تقدّم المعنى للشعار في اللغة، منها العلامة، و منها اللباس الملاصق للبدن، فكلا المعنيان يناسب المقام، بمعنى أنّ المراد من «الشعار» هو العلامة أو الثوب الملاصق للجسد.

أمّا تناسب المعنى الأول فظاهر، و أمّا تناسب المعنى الثاني فإنّ الثوب الملاصق يلازم بالبدن و لا ينفكّ عنه، فكذلك الأعمال الواجبة مثل الصلاة و الصوم و غيرهما من لوازم الإسلام.

19

فاستعير للأحكام اللاصقة اللازمة للدين.

و احترز بغير المتمكّن (1) ممّن يمكنه إقامتها لقوّة أو عشيرة تمنعه فلا تجب عليه الهجرة. نعم تستحبّ (2) لئلّا يكثر سوادهم؛ و إنّما يحرم المقام مع القدرة عليها (3)، فلو تعذّرت لمرض أو فقر و نحوه (4) فلا حرج، و ألحق المصنّف فيما نقل عنه (5) ببلاد الشرك بلاد الخلاف التي لا يتمكّن فيها المؤمن من إقامة شعائر الإيمان (6)، مع إمكان انتقاله (7) إلى بلد يتمكّن فيه منها.

[للأبوين منع الولد من الجهاد]

(و للأبوين (8) منع الولد من الجهاد) بالمعنى

____________

(1) إشارة الى قوله «لمن لا يتمكّن من إظهار شعائر الإسلام». أي احترز به ممّن يمكنه إظهار الشعائر إمّا لقوّة منه أو وجود عشيرة تعينه و تدافع عنه فحينئذ لا تجب عليه الهجرة.

(2) فاعله الضمير المؤنث الراجع الى الهجرة. يعني في صورة التمكّن من إظهار شعائر الإسلام لا تجب عليه الهجرة، لكن تستحبّ لئلّا يكثر سوادهم بوجود المسلم في بلدهم.

(3) الضمير في قوله «عليها» يرجع الى الهجرة. يعني أنّ الحكم بوجوب الهجرة في صورة القدرة عليها، فلو لم يقدر على الهجرة للموانع المذكورة لا تجب.

(4) الضمير في قوله «و نحوه» يرجع لكلّ من المرض و الفقر.

(5) يعني أنّ المصنّف (رحمه اللّه) ألحق بلاد أهل التسنّن ببلاد الكفر في وجوب الهجرة اذا لم يتمكّن من إظهار شعائر التشيّع في كلامه الذي نقل عنه.

(6) المراد من «شعائر الإيمان» هو الصلاة و الوضوء و غير ذلك من الشعائر المتعارفة عند الشيعة الإمامية.

(7) أي مع إمكان انتقال المؤمن الى بلد يقدر من إظهار شعائر الشيعة.

(8) أي يجوز للأبوين منع الولد عن الجهاد بالمعنى الأول- و هو الجهاد الابتدائي-

20

الأول (1) (مع عدم التعيّن) عليه (2) بأمر الإمام له، أو بضعف (3) المسلمين عن المقاومة بدونه إذ يجب عليه حينئذ (4) عينا، فلا يتوقّف على إذنهما كغيره من الواجبات العينية.

و في إلحاق الأجداد بهما (5) قول قوي، فلو

____________

- بشرطين:

الأول: في صورة عدم تعيّن الجهاد عليه بأمر المعصوم (عليه السلام)، كما اذا أمره الإمام بالجهاد فيكون واجبا عينيّا عليه، فكما يجب إطاعتهما في الواجبات العينية مثل الصلاة و الصوم و غيرهما فكذلك في الجهاد الذي كان عليه واجبا عينيّا.

الثاني: في صورة ضعف المسلمين عن المقاومة بدون جهاد الولد، ففي هذه الصورة أيضا يكون واجبا عينيّا عليه.

(1) المراد من «الأول» هو الجهاد الابتدائي لدعوة المشركين الى الإسلام.

(2) الضميران في قوليه «عليه» و «له» يرجعان الى الولد.

(3) عطف على قوله «بأمر الإمام». و الباء للسببية. يعني مع عدم وجوب التعيّن بسبب ضعف المسلمين عن المقاومة بدون وجود الولد.

(4) يعني يجب على الولد واجبا عينيّا في صورة أمر الإمام (عليه السلام) و ضعف المسلمين، فالواجب العيني لا يتوقّف على إذن الأبوين كغير الجهاد من الواجبات كما تقدّم.

(5) يعني هل يلحق الجدّ و الجدّة بالأبوين في وجوب تحصيل إذنهما؟ و في جواز منعهما الولد عن الجهاد الابتدائي فيه قولان:

الأول: عدم إلحاقهما بالأبوين، لأنّ توقّف الأمر الواجب و هو الجهاد على إذن الأبوين على خلاف الأصل، فيكتفى بالمتيقّن و هو الأبوين كما دلّ عليه الإجماع و الروايات.

الثاني: إلحاقهما بالأبوين لصدق الآباء و الأمّهات عليهما أيضا و لولاية الجدّ-

21

اجتمعوا (1) توقّف على إذن الجميع، و لا يشترط حرّيتهما (2) على الأقوى.

و في اشتراط إسلامهما قولان (3)،

____________

- و الجدّة على الأب فتشمل على ولدهما في المنع عن الجهاد، فهذا القول قوّاه الشارح (رحمه اللّه).

(1) هذا متفرّع على القول الثاني، بمعنى أنه اذا قلنا بالإلحاق يتوقّف جهاد الولد على إذن الجميع من الآباء و الامّهات.

(2) الضمير في قوله «حرّيتهما» يرجع الى الأبوين. يعني اذا كان الأبوان رقّين يجوز منعهما الولد عن الجهاد.

أمّا وجه القوّة فهو إطلاق أدلّة وجوب الاستئذان فيشمل الحرّ و الرقّ، كما دلّت عليه الرواية المنقولة في الوسائل:

عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: جاء (أتى- خ ل) رجل الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا رسول اللّه، إنّي راغب في الجهاد نشيط، قال:

فجاهد في سبيل اللّه، فإنّك إن تقتل كنت حيّا عند اللّه ترزق، و إن تمت فقد وقع أجرك على اللّه، و إن رجعت خرجت من الذنوب كما ولدت، فقال: يا رسول اللّه، إنّ لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي و يكرهان خروجي، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أقم مع والديك، فو الذي نفسي بيده لانسهما بك يوما و ليلة خير من جهاد سنة. (الوسائل: ج 11 ص 12 ب 2 من أبواب جهاد العدوّ ح 1).

و فيه أيضا عن عمرو بن شمر عن جابر قال: أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجل فقال:

إنّي رجل شابّ نشيط و احبّ الجهاد ولي والدة تكره ذلك، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

ارجع فكن مع والدتك، فو الذي بعثني بالحقّ لانسهما بك ليلة خير من جهاد في سبيل اللّه سنة. (المصدر السابق: ح 2).

(3) القول باشتراط إسلامهما هو أنّ الكافر لا سبيل و لا سلطة له على المسلم كما-

22

و ظاهر المصنّف (1) عدمه.

و كما يعتبر إذنهما فيه (2) يعتبر في سائر الأسفار المباحة و المندوبة و الواجبة كفاية مع عدم تعيّنه (3) عليه، لعدم (4) من فيه الكفاية، و منه (5) السفر لطلب العلم، فإن كان واجبا عينا (6) أو كفاية (7) كتحصيل الفقه و مقدّماته مع عدم قيام من فيه الكفاية، و عدم إمكان تحصيله (8) في

____________

- قال اللّه سبحانه لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. (النساء: 141).

أمّا القول بعدم الاشتراط فهو إطلاق الأدلّة في الأبوين و عدم تقييدها بالإسلام، كما مرّ في الحديثين السابقين.

(1) أي ظاهر عبارة المصنّف (رحمه اللّه) عدم اشتراط الإسلام في الأبوين لأنه قال «للأبوين ... الخ» و لم يقيّدهما بالإسلام.

(2) يعني كما يعتبر إذن الأبوين في الجهاد الواجب كذلك يعتبر في جميع الأسفار المباحة مثل السفر الذي لا يرجّح في الشرع و لا يكره، و المندوبة مثل سفر زيارة الأئمة (عليهم السلام)، و الواجبة كفاية مثل السفر لتحصيل الفقه أو العلوم المقدّماتية له.

(3) أي كون السفر الواجب كفاية عند عدم وجوبه عليه عينا.

(4) تعليل لكون السفر واجبا عينيّا، و هو اذا لم يوجد للواجب الكفائي من به الكفاية.

(5) يعني و من السفر الواجب هو السفر لطلب العلوم الإسلامية.

(6) أي بالأصالة، مثل السفر لتحصيل الاصول الاعتقادية فإنّه واجب عيني لكلّ شخص من المكلّفين.

(7) أي بالذات، مثل تحصيل الفقه فإنّه واجب كفائي و كذا مقدّماته، لكن اذا لم يقم به من فيه الكفاية يكون واجبا عينيّا لمن يقدر عليه.

(8) هذا شرط آخر في كون السفر لتحصيل الفقه واجبا عينيّا، و هو عدم إمكان التحصيل في بلد الأبوين.

23

بلدهما و ما قاربه (1) ممّا لا يعدّ سفرا على الوجه (2) الذي يحصل مسافرا لم يتوقّف (3) على إذنهما، و إلّا (4) توقّف، (و المدين) (5) بضمّ أوله و هو مستحقّ الدين

[يمنع المديون الموسر القادر على الوفاء مع الحلول]

(يمنع) المديون (الموسر) (6) القادر على الوفاء (مع الحلول) (7) حال الخروج إلى الجهاد، فلو كان معسرا أو كان الدين مؤجّلا

____________

(1) أي مع عدم إمكان التحصيل في بلد مقارب لبلد الأبوين، فلو أمكن ذلك لا يجوز السفر الى البلد النائي بدون إذن الأبوين.

(2) هذا متعلّق بقوله «عدم إمكان تحصيله». يعني اذا لم يمكن التحصيل في بلد الأبوين أو البلد القريب على نحو تحصيله في البلاد البعيدة، كما اذا لم يوجد الاستاذ الماهر في بلد الأبوين أو لم تحصل الفراغة كما تحصل في البلاد البعيدة.

(3) هذا جواب لقوله «فإن كان واجبا ... الخ». يعني في صورة كون السفر لتحصيل العلم واجبا عينيّا كما استدلّ بالعيني فلا يحتاج الولد الى إذن أبيه و امّه، كما تقدّم أنّ الواجبات العينية لا تحتاج الى إذن الوالدين.

و الضمير في قوله «إذنهما» يرجع الى الأبوين.

(4) يعني و إن لم يكن السفر لطلب العلم واجبا عينيّا مثل تحصيل العقائد أو كان كفائيا بحيث لا يصير واجبا عينيّا فلا يجوز السفر للعلم إلّا مع إذن الأبوين.

(5) المدين- بصيغة اسم الفاعل- من أدان الرجل: أقرضه. (أقرب الموارد).

و المراد هو صاحب الدين، و هو مبتدأ، و خبره هو قوله «يمنع». يعني أنّ صاحب الدين يجوز له أن يمنع المديون من الجهاد الابتدائي بشرطين:

الأول: اذا كان المديون قادرا لأداء الدين، فلو لم يقدر لا يجوز منعه من الجهاد.

الثاني: مع كون الدين حالّا حين خروج المديون الى الجهاد، فلو كان مؤجّلا لا يجوز منعه أيضا.

(6) هذا هو الشرط الأول من الشرطين المذكورين.

(7) و هذا هو الشرط الثاني.

24

و إن حلّ قبل رجوعه (1) عادة لم يكن له المنع، مع احتماله في الأخير (2).

[الرباط مستحبّ دائما]

(و الرباط) (3) و هو الإرصاد في أطراف بلاد الإسلام للإعلام بأحوال المشركين على تقدير هجومهم (مستحبّ) (4) استحبابا مؤكّدا (دائما) مع حضور الإمام و غيبته (5)، و لو وطّن (6) ساكن الثغر نفسه على الإعلام و المحافظة فهو مرابط (7)،

____________

(1) كما اذا كان مدّة الدين اسبوعين فيحلّ قبل رجوع المدين عن الجهاد عادة، ففيه أيضا لا يجوز منعه من الجهاد.

(2) المراد من «الأخير» هو حلول الدين قبل رجوعه من الجهاد، فإنّ الجهاد في هذه الصورة يوجب تأخير الدين، فيحتمل جواز المنع فيها.

(3) الرباط- بكسر الراء- مصدر من رابط يرابط مرابطة و رباطا الأمر: واظب عليه. و رابط الجيش: لازم ثغر العدوّ، و الأصل أن يربط هؤلاء و هؤلاء خيلهم، ثمّ سمّي الإقامة بالثغر مرابطة و رباطا. (أقرب الموارد).

يعني أنّ المراقبة في ثغور المسلمين لإعلام حال العدوّ أو للاطّلاع عن أسراره و هجومه على المسلمين مستحبّ مؤكّد، و لا يختصّ استحبابه بزمان حضور المعصوم (عليه السلام)، و الروايات الدالّة على ثواب الرباط كثيرة.

(4) خبر لقوله «و الرباط».

(5) يعني أنّ استحباب الرباط لا يختصّ في زمان حضور المعصوم (عليه السلام) بل يستحبّ في الغيبة أيضا.

(6) يعني لو استعدّ و تهيّأ ساكن الحدود على فعل وظائف المرابط صدق عليه اسم المرابط و جرت عليه الأحكام، فيجوز له ما نذر ما جاز على المرابطين، فلا يختصّ بغير الساكنين في الثغور و الحدود.

(7) الضمير يرجع الى ساكن الثغر.-

25

(و أقلّه (1) ثلاثة أيّام) فلا يستحقّ ثوابه و لا يدخل (2) في النذر و الوقف (3) و الوصية (4) للمرابطين بإقامة (5) دون ثلاثة، و لو نذره (6) و أطلق وجب ثلاثة بليلتين بينها كالاعتكاف.

(و أكثره (7) أربعون يوما) فإن زاد الحق بالجهاد في الثواب، لا أنه

____________

- الثغر- بفتح الثاء و سكون الغين-: كلّ فرجة في جبل أو بطن واد أو طريق مسلوك. و الثغر: الفم أو الأسنان ما دامت في منابتها. و الثغر من البلاد: الموضع الذي يخاف منه هجوم العدوّ، فهو كالثلمة في الحائط يخاف هجوم السارق منها.

و الثغر: الموضع الذي يكون حدّا فاصلا بين المتعاديين، واحدته: ثغرة، و جمعه:

ثغور. (المنجد، أقرب الموارد).

(1) أي أقلّ الرباط ثلاثة أيّام، فلو كان أقلّ من ذلك لا يصدقه الرباط و لا تجري للمرابط أقلّ من ذلك أحكام المرابط و التي سيذكرها الشارح (رحمه اللّه) بقوله «فلا يستحقّ ثوابه ... الخ»‌

(2) فاعل قوله «يدخل» مستتر يرجع الى المرابط أقلّ من ثلاثة أيّام. يعني أنّ المرابط أقلّ من ذلك لا يدخل فيمن يشمله النذر اذا نذر إعطاء شي‌ء للمرابطين.

(3) و هكذا الوقف للمرابطين لا يشمل المرابط أقلّ من ثلاثة أيّام.

(4) كما اذا أوصى الشخص مالا للمرابطين.

(5) الجارّ و المجرور متعلّقان بقوله «فلا يستحقّ».

(6) الضمير في قوله «نذره» يرجع الى الرباط. يعني لو نذر رباطا مطلقا بلا تقييده بالثلاثة أو غيرها وجب على الناذر رباط ثلاثة أيّام بينها ليلتان كما لو نذر الاعتكاف فيكون كذلك.

(7) أي أنّ أكثر أيّام الرباط أربعون يوما، بمعنى أنّ المرابط بهذا المقدار يصدقه هذا-

26

يخرج (1) عن وصف الرباط. (و لو أعان (2) بفرسه أو غلامه) لينتفع بهما من يرابط (أثيب) لإعانته على البرّ، و هو في معنى الإباحة لهما (3) على هذا الوجه. (و لو نذرها) أي نذر المرابطة (4) التي هي الرباط المذكور في العبارة (أو نذر صرف مال إلى أهلها (5) وجب (6) الوفاء) بالنذر (و إن كان (7) الإمام غائبا)،

____________

- العنوان و تجري عليه أحكامه، فلو زاد عن ذلك جرت عليه أحكام المرابط أيضا لكن يزيد له ثواب المجاهد في سبيل اللّه.

(1) يعني ليس المرابط أزيد من الأربعين يوما خارجا عن عنوانه، بل هو باق على وصف المرابط و تجري عليه الأحكام المذكورة.

(2) هذا فرع آخر و هو أنّ من أعان المرابط بفرسه أو غلامه يكون مثابا عند اللّه و لا يصدقه العنوان.

(3) ضمير التثنية في قوله «لهما» يرجع الى الفرس و الغلام. يعني أنّ ذلك إباحتهما للمرابطين بهذا الوجه.

(4) هذا التفسير إشارة الى أنّ الضمير المؤنث في قوله «و لو نذرها» يرجع الى المرابطة، فإنّها و إن لم تذكر في العبارة و المذكور فيها هو لفظ «الرباط» لكن معناه هو المرابطة فلا مانع من تأنيث الضمير.

و حاصل العبارة هو: أنّ من نذر الرباط صحّ نذره و وجب عليه الوفاء بالنذر.

(5) كما لو نذر مالا لأهل المرابطة وجب الوفاء بالنذر.

(6) جواب لقوليه «و لو نذرها» و «أو نذر ... الخ».

(7) الجملة وصلية. يعني وجوب الوفاء بالنذر في الموضعين لا يختصّ بحضور الإمام (عليه السلام) بل الرباط مستحسن و مرجّح حتّى في زمان الغيبة، و النذر المتعلّق بالراجح الشرعي و العقلي ينعقد و يجب العمل به.

27

لأنها (1) لا تتضمّن جهادا فلا يشترط فيها حضوره. و قيل: يجوز صرف المنذور للمرابطين في البرّ (2) حال الغيبة إن لم يخف الشنعة بتركه (3)، لعلم المخالف (4) بالنذر و نحوه (5)، و هو (6) ضعيف.

[هنا فصول]

(و هنا فصول:)

____________

(1) هذا تعليل عدم اختصاص رجحان الرباط بزمان الجهاد الذي يحتاج الى حضور المعصوم (عليه السلام).

و الضمير في قوله «فيها» يرجع الى المرابطة، و في قوله «حضوره» يرجع الى الإمام (عليه السلام).

(2) الجارّ و المجرور متعلّقان بقوله «صرف المنذور». يعني قال بعض الفقهاء بجواز صرف المال الذي نذره للمرابطين بأن يصرف في مطلق الامور الخيرية و الإحسان اذا لم يخف من مذمّة أهل السنّة لو سمعوا ذلك.

(3) الضمير في قوله «بتركه» يرجع الى صرف المنذور للمرابطين، كما اذا خاف الناذر من صرفه المنذور للمرابطين على الامور الخيرية من مذمّة أهل التسنّن بأنه ترك الوفاء بنذره.

(4) تعليل لمذمّة المخالف عليه. يعني أنّ مذمّته عليه علمه بنذره و صرفه في غير ما نذر.

(5) الضمير في قوله «و نحوه» يرجع الى علم المخالف. و المراد من نحو العلم هو شهرة نذره بين المخالفين، فاذا اشتهر بينهم بأنه نذر صرف المال للمرابطين و صرفه في غيره يكون مورد الشنعة و المذمّة عندهم.

(6) أي القول بجواز صرف المنذور للمرابطين في البرّ ضعيف لضعف الرواية التي استند بها لأنها قابلة للتوجيه.

28

[الأول في من يجب قتاله و كيفية القتال و أحكام الذمّة]

(الأول) (1) فيمن يجب قتاله و كيفية (2) القتال، و أحكام (3) الذمّة

[يجب قتال الحربي]

(يجب قتال (4) الحربي) و هو غير الكتابي من أصناف الكفّار (5) الذين لا ينتسبون إلى الإسلام، فالكتابي لا يطلق عليه اسم الحربي و إن كان

____________

من يجب قتاله‌

(1) أي الفصل الأول من فصول الجهاد و هو في بيان الفرق التي يجب قتالهم.

و قوله «قتاله» من إضافة المصدر الى مفعوله.

(2) عطف على قوله «فيمن». يعني الفصل الأول في بيان الفرق التي يجب جهادهم و في بيان كيفية القتال.

(3) عطف أيضا على قوله «فيمن». يعني الفصل الأول في بيان ... و في بيان أحكام الذمّة، و سيأتي التوضيح في الذمّة و كيفيّتها.

(4) يعني يجب جهاد الكافر الحربي ابتداء و هو الذي لا يكون من أهل الكتاب و لا من المسلمين الذين يحكمون بكفرهم.

(5) مثل الملحدين و المشركين و عبدة الأصنام و الكواكب و الشمس و غيرهم.

29

بحكمه (1) على بعض الوجوه، و كذا (2) فرق المسلمين و إن حكم بكفرهم كالخوارج، إلّا (3) أن يبغوا على الإمام فيقاتلون من حيث البغي و سيأتي حكمهم (4)، أو على غيره (5) فيدافعون (6) كغيرهم.

و إنّما يجب قتال (7) الحربي (بعد الدعاء إلى الإسلام) بإظهار (8) الشهادتين و التزام (9) جميع أحكام الإسلام،

____________

(1) الضمير في قوله «بحكمه» يرجع الى الحربي. يعني و إن كان أهل الكتاب بحكم الكافر الحربي على بعض الوجوه كما اذا لم يعلموا بشروط الذمّي.

(2) يعني مثل أهل الكتاب في عدم صدق الحربي عليهم بعض فرق المسلمين نسل الخوارج و النواصب و إن حكم بكفرهم في مذهب أهل الحقّ.

(3) استثناء من قوله «و كذا فرق المسلمين». يعني أنّ المسلم المحكوم بالكفر لا يكون حربيا و لا في حكم الحربي إلّا أن يخرج على الإمام المعصوم (عليه السلام).

(4) أي سيأتي حكم الخوارج في الباغين.

(5) الضمير في قوله «على غيره» يرجع الى الإمام (عليه السلام). يعني إلّا اذا خرجوا و هجموا على غير الإمام من المسلمين، فحينئذ يقاتلون و يدافعون لا من جهة الجهاد الابتدائي بل من حيث الدفاع الذي تقدّم في أقسام الجهاد.

(6) يدافعون بصفة فعل المجهول. يعني أنّ الخوارج على غير الإمام يجب دفعهم كما يجب دفع غير الخوارج اذا هجموا على المسلمين.

(7) يعني يشترط في قتال الكافر الحربي ابتداء دعوته الى الإسلام أولا ثمّ قتاله.

(8) بأن يظهر الشهادتين و هو قول «لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه».

(9) بالجرّ، عطفا على قوله «إظهار الشهادتين». يعني إسلامه بإظهار الشهادتين في اللسان، و الالتزام و التعهّد بأحكام الإسلام بأن يلتزم بالصلاة و الصوم و غيرهما.

30

و الداعي (1) هو الإمام أو نائبه. و يسقط اعتباره (2) في حقّ من عرفه بسبق دعائه في قتال آخر، أو بغيره (3)، و من ثمّ (4) غزا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بني المصطلق من غير إعلام و استأصلهم (5). نعم يستحبّ الدعاء

____________

(1) أي الداعي الى الإسلام هو شخص الإمام (عليه السلام) أو نائبه.

(2) الضمير في قوله «اعتباره» يرجع الى الدعاء. يعني يسقط وجوب الدعوة الى الإسلام قبل القتال اذا عرف المشرك الإسلام قبل القتال في سائر المواضع من القتال.

(3) أي عرف الإسلام بغير الدعوة قبل القتال بمعاشرته و مصاحبته مع المسلمين أو قراءته الكتب الإسلامية.

(4) يعني و من جهة سقوط الدعاء عند معرفته الإسلام في غير القتال فقد قاتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بني المصطلق- و هم حيّ من خزاعة- قبل دعوتهم الإسلام.

(5) قوله «استأصلهم» أي قتلهم لآخرهم.

غزوة بني المصطلق: جاء في تفسير قوله تعالى وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ تَعٰالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّٰهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. (المنافقون: 5). أنّ الآية نزلت في عبد اللّه بن ابي المنافق و أصحابه، و ذلك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بلغه أنّ بني المصطلق يجمعون لحربه و قائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا سمع بهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خرج إليهم (قال ابن هشام: في شعبان سنة ستة) حتّى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد الى الساحل، فتزاحف الناس و اقتتلوا فهزم اللّه بني المصطلق و قتل منهم من قتل و نفّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبناءهم و نساءهم و أموالهم ... الخ. (مجمع البيان: ج 10 ص 442، و راجع-

31

حينئذ (1) كما فعل علي (عليه السلام) بعمرو (2) و غيره مع علمهم بالحال،

____________

- تاريخ الطبري: ج 2 ص 260).

و المريسيع- بضمّ الميم و فتح الراء و سكون الياء-: اسم مكان وقع فيه القتال.

المصطلق- بضمّ الميم و سكون الصاد و فتح الطاء و كسر اللام-: لقب جذيمة ابن سعد.

(1) يعني لا تجب الدعوة قبل القتال اذا عرفوا الإسلام قبل ذلك، لكن تستحبّ كما فعل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بعمرو بن عبد ودّ و بغيره من الكفّار قبل القتال، و الحال أنّ عمرا و غيره كانوا يعلمون و يعرفون الإسلام.

(2) هو عمرو بن عبد ودّ.

و قد روى أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل أنّ أول من قال «جعلت فداك» علي (عليه السلام) لمّا دعا عمرو بن عبد ودّ الى البراز يوم الخندق و لم يجبه أحد، قال علي (عليه السلام): جعلت فداك يا رسول اللّه، أ تاذن لي؟ قال: إنّه عمرو بن عبد ودّ! قال: و أنا عليّ بن أبي طالب، فخرج إليه فقتله، و أخذ الناس منه. (بحار الأنوار:

ج 39 ص 1 ب 7 ح 1 نقلا عن كتاب الطرائف).

و عن غير كتاب الأوائل أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا أذن لعلي (عليه السلام) في لقاء عمرو بن عبد ودّ و خرج إليه قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): برز الإيمان كلّه الى الكفر كلّه. (المصدر السابق).

و عن كتاب موفّق بن أحمد المكّي أخطب خوارزم بإسناده الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ أفضل من أعمال أمّتي الى يوم القيامة. (المصدر السابق، المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 32 عن سفيان الثوري، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: ج 13 ص 19).

و روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لضربة علي خير من عبادة الثقلين. (ذكره القوشجي في شرحه على التجريد، و راجع المصدر السابق: ص 2).

32

(و امتناعه) (1) من قبوله، فلو أظهر قبوله و لو باللسان كفّ (2) عنه.

و يجب قتال هذا القسم (3) (حتّى يسلم أو يقتل)، و لا يقبل منه غيره.

[يجب قتال الكتابي مع بشرائط]

(و الكتابي) (4) و هو اليهودي و النصراني و المجوسي

____________

(1) عطف على قوله «بعد الدعاء الى الإسلام». يعني يجب الدعاء قبل القتال الابتدائي، فإذا امتنع من القبول فحينئذ يجوز قتاله.

(2) جواب لقوله «فلو أظهر قبوله». يعني أنّ الكافر الحربي اذا أظهر الإسلام و لو باللسان لا يجوز قتاله.

(3) المراد من «هذا القسم» هو الحربي. يعني لا يجوز ترك القتال مع هؤلاء إلّا أن يقبلوا الإسلام، و لا تقبل منهم الجزية، بخلاف أهل الكتاب فتقبل منهم الجزية.

و الضمير في قوله «غيره» يرجع الى الإسلام.

(4) أي المنسوب الى الكتاب السماوي و هم التابعون للتوراة و الإنجيل، و هم اليهود و النصارى، أمّا المجوس فقد اختلفوا في كونهم من أهل الكتاب أو الملحقين بهم حكما.

قال الشارح (رحمه اللّه) في كتاب النكاح: و إنّما جعلنا المجوسية من أقسام الكتابية مع أنها مغايرة لها و إن الحقت بها في الحكم. و قال أيضا: وجه إطلاقه الكتابية على المجوسية أنّ لها شبهة كتاب صحّ بسببه التجوّز و المشهور بين المتأخّرين أنّ حكمها حكمها. (راجع اللمعة: المسألة الحادية عشرة من مسائل الفصل الثالث في المحرّمات من كتاب النكاح).

من حواشي الكتاب: أشار في الرياض الى أخبار تدلّ على كون المجوس من أهل الكتاب و أنه كان لهم نبي يقال له: جاماسب و جاءهم بكتاب في اثني عشر جلد ثور، فقتلوا النبي و أحرقوا الكتاب.

ذكره النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في جواب كتاب أهل مكّة حيث أرسل (صلّى اللّه عليه و آله) إليهم أن أسلموا-

33

(كذلك) (1) يقاتل حتى يسلم أو يقتل (إلّا أن يلتزم بشرائط الذمّة) فيقبل منه (2)،

____________

- و إلّا لأنابذنّكم بحرب، فالتمسوا منه (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ الجزية و تركهم على عبادة الأوثان، فكتب (صلّى اللّه عليه و آله) إليهم: إنّي لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه (صلّى اللّه عليه و آله) تكذيبا له: فلم أخذت الجزية من مجوس هجر، و أجابهم بما مرّ.

و لفظ المجوس قيل: فارسي اسم رجل أو قبيلة، و قيل: عربي على وزن المفعول من جاس يجوس خلال الديار فذاك مجوس، كقال يقول فذاك مقول، سمّي و لقّب بذلك لأنّ عقله مدخول معيوب.

و في التواريخ أنه زردشت الحكيم ظهر في عهد كشتاسب و اسم كتابه «زند» و شرحه «پازند» و شرح شرحه «پاپازند».

و زعم المجوس أنه شرّع لهم نكاح المحرّمات مثل الامّ و الاخت.

كتب الزند في اثني عشر ألف مسك ثور بعد الدباغة، و نسب إليه القول بحدوث إبليس من وحدة الحقّ، و وحشته، و حدوث مذهب الثنوية على قول، و محاربة الحقّ مع إبليس ثمّ المصالحة الى آخر الزمان. (حاشية المولى الهروي (رحمه اللّه) صاحب الحديقة النجفية).

(1) خبر لقوله «و الكتابي». يعني أنّ أهل الكتاب أيضا مثل الكافر الحربي يجب قتالهم حتّى يقبلوا الإسلام أو يقتلوا أو يلتزموا بشروط الذمّة.

(2) أي يقبل من الكتابي اذا التزم بشروط الذمّة بخلاف غيره كما تقدّم.

أمّا شروط الذمّة فهي:

الأول: بذل الجزية و هي مقدار مال يعيّنه الإمام (عليه السلام) في كلّ عام، و سيأتي تفصيله.

الثاني: التزامهم بأحكام الإسلام في المسائل القضائية في نزاعاتهم و مرافعاتهم.-

34

(و هي: (1) بذل الجزية (2)، و التزام أحكامنا (3)، و ترك التعرّض للمسلمات بالنكاح (4)) و في حكمهنّ الصبيان، (و للمسلمين مطلقا) ذكورا و إناثا (بالفتنة (5) عن دينهم و قطع الطريق) عليهم، و سرقة

____________

- الثالث: ترك الزنا و التعرّض بالمسلمات، و كذلك ترك اللواط و التعرّض بالصبيان.

الرابع: ترك التعرّض للمسلمين و المسلمات و تفتينهم عن دينهم و اعتقاداتهم الحقّة.

الخامس: ترك قطع الطريق على المسلمين و سرقة أموالهم.

السادس: ترك إسكان جاسوس الكفّار في منازلهم و ترك الدلالة للكفّار على أسرار المسلمين و لو بالكتابة أو الإشارة.

السابع: ترك إظهار المنكرات في الإسلام مثل التظاهر بشرب الخمر و القمار و غيرهما.

الثامن: ترك نكاح المحارم في الإسلام مثل الأمّ و الاخت في بلد المسلمين.

فاذا عمل المشركون بالشروط المذكورة تركوا في بلاد المسلمين و تحفظ نفوسهم و أموالهم و أعراضهم في حكومة الإسلام.

(1) الضمير يرجع الى الشروط.

(2) الجزية- بالكسر-: خراج الأرض و ما يؤخذ من الذمّي، جمعها: جزى.

(المنجد). و هذا هو الأول من الشروط المذكورة.

(3) بأن يلتزم الكتابي بأحكام الإسلام في المسائل القضائية.

(4) هذا هو الثالث من الشروط المذكورة. و المراد من «النكاح» معناه اللغوي و هو الوطء.

و الضمير في قوله «حكمهنّ» يرجع الى المسلمات.

(5) بأن يترك الفتنة و التبليغ على خلاف عقائد المسلمين.

35

أموالهم (1)، (و إيواء (2) عين المشركين) و جاسوسهم (3)، (و الدلالة على عورات المسلمين) و هو (4) ما فيه ضرر عليهم كطريق أخذهم و غيلتهم و لو بالمكاتبة، (و إظهار (5) المنكرات في) شريعة (الإسلام) كأكل لحم الخنزير و شرب الخمر و أكل الربا و نكاح المحارم (6) (في دار الإسلام).

و الأولان (7) لا بدّ منهما في عقد الذمّة، و يخرجون بمخالفتهما عنها مطلقا (8). و أمّا باقي

____________

(1) بأن يترك قطع طرق المسلمين و سرقة أموالهم.

(2) الإيواء من أوى الى منزله، و أوى منزله أويا و أواء: نزل به ليلا أو نهارا. (أقرب الموارد).

و هو من باب الإفعال من آوى يؤوي إيواء: أي أنزله في منزله.

(3) عطف تفسير لعين المشركين.

(4) الضمير يرجع الى العورات، و التذكير باعتبار كون الخبر مذكّرا، و قيل: رعاية تطابق الضمير بالخبر أولى من تطابقه بالمرجع.

(5) بأن يترك التظاهر بالمنكرات في الإسلام.

(6) بأن يترك الزواج بالمحارم مثل الامّ و الاخت و البنت في بلاد المسلمين.

(7) المراد من «الأولان» هو بذل الجزية و التزام أحكامنا. يعني أن الشرطين الأولين لا بدّ من ذكرهما في عقد الذمّة فيكونان ركنين فيها، بمعنى أنهم لو لم يعملوا بهما يخرجون عن الذمّة و يكونون في حكم الحربي.

(8) أي سواء شرطهما في العقد صريحا أم لا.

و النائب الفاعل في قوله «يخرجون» هو الضمير الراجع الى أهل الكتاب.

و ضمير التثنية في قوله «بمخالفتهما» يرجع الى الأولين، و في قوله «عنها» يرجع الى الذمّة.

36

الشروط (1) فظاهر العبارة (2) أنها كذلك و به (3) صرّح في الدروس. و قيل:

لا يخرجون بمخالفتها (4) إلّا مع اشتراطها عليهم، و هو (5) الأظهر.

[تقدير الجزية إلى الإمام]

(و تقدير الجزية إلى الإمام) و يتخيّر بين وضعها على رءوسهم (6) و أراضيهم، و عليهما (7) على الأقوى،

____________

(1) أي باقي الشروط المذكورة آنفا.

(2) فإنّ المصنّف (رحمه اللّه) قال «و الكتابي كذلك إلّا أن يلتزم ... الخ». فظاهره استثناء الكتابي اذا عمل بالشروط المذكورة، فإذا لم يعمل بما ذكر يخرج عن الذمّة.

(3) أي تكون باقي الشروط مثل الأولين، و به صرّح المصنّف (رحمه اللّه) في كتابه الدروس.

(4) الضمير في قوله «مخالفتها» يرجع الى باقي الشروط.

و هذا القول في مقابل قول المصنّف (رحمه اللّه) ببطلان الذمّة بمخالفة باقي الشروط أيضا و إن لم يشترط في عقد الذمّة.

(5) أي القول بعدم الخروج بمخالفة باقي الشروط أظهر، لأنهم يكونون في ذمّة الإسلام و لا يخرجون عنها حتّى يخالفوا بما شرط عليهم في العقد، و الفرض عدم ذكر باقي الشروط فيه فلا يخرجون بمخالفة ما لم يذكر في العقد عن الذمّة لعدم الدليل عليه.

(6) يعني أنّ الجزية التي ذكرت من الشروط لا تقدير لها، بل الإمام (عليه السلام) يتخيّر في تعيين مقدارها بالنسبة على أفراد الكفّار بأن يعيّن لكلّ فرد منهم مقدارا معيّنا، أو على أراضيهم بأن يعيّن مقدار مال لكلّ قطعة أو غيرها من أراضي الكفّار.

(7) الضمير في قوله «عليهما» يرجع الى الرؤوس و الأراضي. بمعنى تعيين مقدار الجزية عليهما، و هذا القسم الثالث اختلفوا فيه، فقال البعض بعدم جواز أخذ الجزية لكلا الرؤوس و الأراضي، لكن الشارح (رحمه اللّه) قال بالتخيير فيه أيضا على الأقوى.

37

و لا تتقدّر (1) بما قدّره علي (2) عليه الصلاة و السلام، فإنّه (3) منزّل على اقتضاء المصلحة في ذلك الوقت.

(و ليكن) التقدير (يوم الجباية) (4) لا قبله لأنه أنسب بالصغار، (و يؤخذ منه صاغرا) (5) فيه إشارة إلى أنّ الصغار

____________

(1) النائب الفاعل في قوله «لا تتقدّر» هو الضمير الراجع الى الجزية. يعني أنها لا تتعيّن بمقدار الذي قدّره عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بل هو منزّل بما اقتضته المصلحة في زمانه.

(2) و الرواية الدالّة على ما قدّره علي (عليه السلام) منقولة في الوسائل:

عن الشيخ المفيد (رحمه اللّه) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه جعل على أغنيائهم ثمانية و أربعين درهما، و على أوساطهم أربعة و عشرين درهما، و جعل على فقرائهم اثنى عشر درهما، و كذلك صنع عمر بن الخطّاب قبله، و إنّما صنعه بمشورته (صلّى اللّه عليه و آله). (الوسائل: ج 11 ص 116 ب 68 من أبواب جهاد العدوّ ح 8، المقنعة: ص 272 باب مقدار الجزية).

(3) أي ما قدّره أمير المؤمنين (عليه السلام) ينزّل على مقتضى المصلحة في زمانه.

(4) يعني لا يعيّن مقدار الجزية قبل يوم الأخذ منهم بل فيه يعيّن المقدار، لأنّ ذلك يناسب بتحقيرهم الذي في الآية.

(5) فإنّ أخذ الجزية من الكفّار لا يكون إلّا بتحقيرهم استنادا الى قوله تعالى قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ. (التوبة: 29).

قوله «حتّى يعطوا الجزية» غاية للمقاتلة مع الكفّار. يعني اذا أعطوها لا يجوز قتالهم.-

38

أمر (1) آخر غير إبهام قدرها عليه. فقيل: هو عدم تقديرها حال القبض أيضا (2)، بل يؤخذ منه إلى أن ينتهي إلى ما يراه صلاحا، و قيل: التزام أحكامنا عليهم مع ذلك (3) أو بدونه. و قيل: أخذها منه قائما و المسلم جالس. و زاد (4) في التذكرة: أن يخرج الذمّي يده من جيبه (5) و يحني ظهره

____________

- و قوله «و هم صاغرون» حال من الكفّار. يعني أنّ إعطاءهم الجزية يلزم كونها في حال كونهم صاغرين.

و قد اختلفوا في معنى الصاغر، فقال بعض المفسّرين و كذا الفقهاء بأنّ المقصود منه هو عدم تعيين مقدار الجزية قبل يوم الأخذ بل تؤخذ منهم بمقدار الذي رآه الإمام (عليه السلام) صلاحا.

و قال البعض بأنّ المقصود منه هو التزامهم بأحكام القضاء في الإسلام مع إبهام المقدار.

و قال آخر بأنّ المقصود هو أخذ الجزية منهم في حال كون الذمّي قائما و المسلم جالس.

و زاد في التذكرة بأنّ المقصود منه هو الحالة المذكورة بإضافة إخراج الذمّي يده من جيبه و انحناء ظهره و تطأطؤ رأسه.

(1) يعني يظهر من العبارة أنّ إبهام المقدار غير تصغيرهم، لأنه قال «و ليكن يوم الجباية، و يؤخذ منه صاغرا». فالمعطوف و المعطوف إليه أمران مختلفان.

(2) قوله «أيضا» إشارة الى عدم التقدير يوم الجباية، بمعنى أنه لا يجوز التعيين لا في يوم الأخذ و لا حال الأخذ أيضا.

(3) أي مع الإبهام أو بدون الإبهام.

(4) أي زاد العلّامة (رحمه اللّه) في كتابه التذكرة.

(5) جيب القميص و نحوه: طوقه، جمعه: جيوب، و منه أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضٰاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. (أقرب الموارد، و الآية 12 من سورة النمل).

39

و يطأطئ (1) رأسه، و يصبّ ما معه (2) في كفّة الميزان، و يأخذ المستوفي (3) بلحيته و يضربه في لهزمتيه (4) و هما مجتمع اللحم بين الماضغ و الاذن.

(و يبدأ (5) بقتال الأقرب) إلى الإمام أو من نصّبه (إلّا مع الخطر في البعيد) فيبدأ به (6) كما فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالحارث بن أبي ضرار (7) لما بلغه (8)

____________

(1) يطأطئ- رباعي وزان يدحرج من طأطأ رأسه و غيره-: خفضه. (المنجد).

(2) أي يصبّ المال الذي في يد الذمّي من الدنانير و الدراهم و غيرهما في الميزان.

(3) يعني أنّ المأمور و الجابي يأخذ لحية الذمّي و يضرب على لهزمتيه في حال وصول الجزية.

(4) اللهزمة- بكسر اللام-: عظم ناتئ في اللحى تحت الاذن، و هما لهزمتان.

و يقال: اللهزمتان مضغتان عليّتان تحت الاذنين، جمعها: لهازم، و هما مجتمع اللحم بين الماضغ و الاذن. (أقرب الموارد).

و لعلّ المراد منه ضرب جابي الجزية على وجه الذمّي بعنوان التحقير و التصغير.

(5) في بيان كيفية القتال مع الكفّار، بأنه يبدأ القتال بمن هو أقرب الى الإمام (عليه السلام) أو نائبه في المقاتلة ثمّ الأبعد، إلّا في مقامين:

أحدهما: اذا أحرز الخطر من الأبعد فيبدأ به ثمّ الأقرب.

ثانيهما: اذا صالح الإمام بالأقرب في ترك القتال أو تأخيره فيبدأ أيضا بالأبعد.

(6) الضمير في قوله «به» يرجع الى البعيد.

(7) أي كما فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالحارث بن أبي ضرار، و هو رئيس قبيلة بني المصطلق الذي تقدّم تفصيله آنفا، و الحال كان بينهم و بين النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أقوام من الكفّار، لكن ابتدأ القتال بالبعيد لبلوغه (صلّى اللّه عليه و آله) الخبر بأنه يجمع الجيش لقتال النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فأحرز الخطر منهم فشرع قتالهم قبل الأقرب.

(8) الضمير في قوله «بلغه» يرجع الى النبي، و كذا في «بينه» الأول، و في الثاني يرجع الى الحارث بن أبي ضرار.

40

أنه يجمع له و كان بينه و بينه عدوّ أقرب (1)، و كذا فعل بخالد بن سفيان الهذلي (2)؛ و مثله (3) ما لو كان القريب مهادنا (4).

[لا يجوز الفرار من الحرب إذا كان العدوّ ضعفا]

(و لا يجوز الفرار) من الحرب (إذا كان العدوّ ضعفا) (5) للمسلم المأمور (6) بالثبات، أي قدره مرّتين، (أو أقلّ (7)، إلّا لمتحرّف)

____________

(1) صفة لقوله «عدوّ». يعني قاتل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الحارث بن أبي ضرار و الحال كان بينهما الأعداء من الكفّار.

(2) و الصحيح هو خالد بن أبي سفيان الهذلي. يعني و كذا قاتل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) خالد بن أبي سفيان الهذلي قبل الكفّار الذين كانوا قريبين للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) منه، و ذلك للخطر المحسوس منهم على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

الهذل- بضمّ الهاء و فتح الذال-: و هو من قبيلة بني لحيان من طائفة هذيل، و قد نقل في التاريخ بأنه خالد بن أبي سفيان الهذلي اللحياني.

(3) أي و مثل الخطر من البعيد اذا كان القريب مورد الصلح من جانب الإمام في عدم الابتداء بالقريب لأنّ العدوّ القريب المهادن لا يخاف منه.

(4) مهادنا- من هادنه مهادنة-: صالحه و أودعه. (أقرب الموارد).

(5) يعني لا يجوز للمسلم المقاتل الفرار من القتال اذا كان تعداد الكفّار ضعف تعداد المسلمين، كما اذا كان عدد المسلمين مائة و الكفّار مائتين أو أقلّ، لكن لو كان تعداد الكفّار أزيد من ضعف المسلمين فلا يجب المقاومة بل يجوز الفرار بالإجماع المنقول من الفقهاء أمّا لو احتمل السلامة أو الظفر ففي هذه الصورة يستحبّ له المقاومة.

(6) صفة للمسلم، أي المسلم الذي امر بالثبات و الاستقامة في مقابل العدوّ.

(7) عطف على قوله «ضعفا». يعني لا يجوز الفرار اذا كان تعداد العدوّ أكثر من تعداد المسلمين مرّتين أو أقلّ إلّا في مقامين:-

41

(لقتال (1)) أي منتقل إلى حالة أمكن (2) من حالته التي هو (3) عليها كاستدبار (4) الشمس و تسوية اللأمة (5) و طلب السعة (6) و مورد (7) الماء، (أو متحيّز) (8) أي منضمّ (إلى فئة) يستنجد بها في المعونة على القتال، قليلة (9) كانت أم كثيرة مع صلاحيّتها له، و كونها غير

____________

- أحدهما: اذا قصد من الفرار المكان المناسب ممّا كان.

ثانيهما: اذا قصد الانضمام الى فئة المسلمين.

(1) هذا هو المقام الأول من المقامين اللذين يجوز فيه الفرار للمسلم المأمور بالمقاومة لقصد المكان الأسهل للقتال.

(2) بصفة أفعل التفضيل بمعنى الأسهل.

(3) الضمير يرجع الى المسلم، و في قوله «عليها» يرجع الى الحالة.

(4) مثال للفرار الى مكان أسهل، بأن تكون الشمس على القفا فتكون الحرب حينئذ أسهل من كون الشمس في مقابل الوجه.

(5) اللأمة- بفتح اللام و سكوت الهمزة-: الدرع، جمعه: لأم و لؤم. (أقرب الموارد).

و هذا مثال ثان للفرار بقصد المكان الأسهل.

(6) السعة- من وسع يسع سعة وسعة-: ضدّ ضاق. (أقرب الموارد). يعني يجوز الفرار لتوسعة المكان أو اختيار المحلّ الموجب للظفر على العدوّ، مثل اختيار المكان العالي بالنسبة الى المكان الذي كان فيه.

(7) أي لطلب محلّ الورود الى الماء.

(8) عطف على قوله «إلّا لمتحرّف لقتال». و هذا هو المقام الثاني من المقامين المذكورين لجواز فرار المسلم من القتال، و هو اذا كان القصد من الفرار اللحوق الى فئة المسلمين يستعين بهم على قتال العدوّ.

(9) أي سواء كانت الفئة المستعانة قليلة أو كثيرة لكن مع صلاحيّتها للاستعانة.-

42

بعيدة (1) على وجه يخرج عن كونه مقاتلا عادة.

هذا (2) كلّه للمختار، أمّا المضطرّ كمن عرض له مرض أو فقد سلاحه فإنّه يجوز له الانصراف.

[يجوز المحاربة بطريق الفتح]

(و يجوز المحاربة بطريق الفتح (3) كهدم الحصون (4) و المنجنيق (5) و قطع)

____________

- و الضمير في قوله «صلاحيّتها» يرجع الى الفئة، و في قوله «له» يرجع الى الإعانة.

(1) هذا هو الشرط الثاني في الفئة المستعانة، بأن لا تكون بعيدة بحيث يوجب خروج المسلم اللاحق بهم عن كونه مقاتلا.

(2) يعني أنّ التفصيل المذكور- و هو حرمة الفرار إلّا في مقامين- إنّما هو في خصوص المسلم المقاتل المختار، لكن لو كان مضطرّا للفرار كمن عرض له المرض المانع من القتال أو فقد السلاح للقتال فحينئذ يجوز له الانصراف عن القتال.

أقول: لا يخفى اقتباس المصنّف (رحمه اللّه) قوليه «إلّا لمتحرّف لقتال أو متحيّز» من القرآن الكريم في قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلٰا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبٰارَ* وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ. (الأنفال: 15 و 16).

كيفية القتال مع العدوّ‌

(3) يعني يجوز الحرب مع العدوّ بجميع الطرق الممكنة الموجبة للفتح، و لو بهدم الحصون و الاستعانة بالمنجنيق و قطع الأشجار.

(4) الحصون- جمع الحصن-: كلّ موضع محميّ محرز لا يوصل الى جوفه. (أقرب الموارد).

(5) المنجنيق و المنجنوق: آلة ترمى بها الحجارة، مؤنثة و قد تذكّر، و هي معرّبة،-

43

(الشجر) حيث يتوقّف (1) عليه (و إن كره) قطع الشجر (2)، و قد قطع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أشجار الطائف (3)، و حرّق على بني النضير و خرّب ديارهم (4).

(و كذا يكره إرسال الماء) عليهم (5)، و منعه (6) عنهم، (و) إرسال (النار، و إلقاء السمّ (7)) على الأقوى، إلّا أن يؤدّي إلى قتل نفس

____________

- جمعها: منجنيقات و مجانيق و مجانق، و تصغيره مجينق. (أقرب الموارد).

و هو بالجرّ، عطفا على قوله «كهدم الحصون». يعني أنّ من طرق الفتح هو الاستفادة بهذه الآلة لدفع العدوّ و حصول الفتح.

(1) يعني و كقطع الأشجار اذا توقّف الفتح على القطع. و فاعل قوله «يتوقّف» مستتر يرجع الى الفتح.

(2) أي و إن كان قطع الشجر مكروها لكن اذا توقّف عليه الفتح يكون جائزا بمعنى الأعمّ الشامل على المكروه.

(3) نقل العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) ذلك في بحاره قائلا:

ذكر الواقدي عن شيوخه قال: شاور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حصن الطائف، فقال له سلمان الفارسي: يا رسول اللّه أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فعمل منجنيق (الى قوله:) أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بقطع أعنابهم و تحريقها، فنادى سفيان بن عبد اللّه الثقفي: لم تقطع أموالنا؟ إمّا أن تأخذها إن ظهرت علينا و إمّا أن تدعها للّه و الرحم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): فإنّي أدعها للّه و الرحم، فتركها. (بحار الأنوار: ج 21 ص 168 ب 28).

(4) كما في قوله تعالى فَأَتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ. (الحشر: 2).

(5) أي يكره إرسال الماء على الأعداء لإهلاكهم و غرقهم.

(6) و كذا يكره منع الماء عن الكفّار لإتعابهم بالعطش و إهلاكهم به.

(7) بأن يلقى السمّ في المياه التي يشربونها أو في الأطعمة التي يأكلونها.

44

محترمة (1) فيحرم إن أمكن بدونه (2)، أو يتوقّف عليه (3) الفتح فيجب، و رجّح المصنّف في الدروس تحريم (4) إلقائه مطلقا، لنهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عنه (5)، و الرواية (6) ضعيفة السند بالسكوني.

____________

(1) كما اذا كان بينهم من يحقن دمه و لا يجوز قتله، فلو كان جعل السمّ في الماء و الطعام موجبا لقتله أيضا فحينئذ يحكم بحرمة ذلك لا بالكراهة.

(2) الضمير في قوله «بدونه» يرجع الى إلقاء السمّ. و فاعل «أمكن» مستتر يرجع الى الفتح. يعني أنّ كراهته في صورة إمكان الفتح بدونه، لكن لو توقّف الفتح على إلقاء السمّ فلا يحرم و لو انجرّ الى قتل نفس محترمة بل يجب في بعض الموارد.

(3) الضمير في قوله «عليه» يرجع الى إلقاء السمّ الموجب الى قتل نفس محترمة، و كذا الضمير الفاعلي المقدّر في قوله «فيجب».

(4) بالنصب، مفعولا لقوله «رجّح». يعني أن المصنّف (رحمه اللّه) في كتابه الدروس قال برجحان القول بحرمة إلقاء السمّ، سواء توقّف عليه الفتح أم لا، استنادا الى نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

(5) الضمير في قوله «عنه» يرجع الى إلقاء السمّ.

(6) أي الرواية المتضمّنة لنهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن إلقاء السمّ مطلقا ضعيفة بسبب كون السكوني في سندها.

أمّا الرواية فمنقولة في الوسائل:

عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يلقى السمّ في بلاد المشركين. (الوسائل: ج 11 ص 46 ب 16 من أبواب جهاد العدوّ ح 1).

السكوني- بفتح السين-: اسمه إسماعيل بن أبي زياد منسوب لأب، قال البعض بكونه من أهل التسنّن، و قال آخر بأنه من أهل التشيّع، و ما اشتهر من كونه من-

45

[لا يجوز قتل الصبيان و المجانين و النساء و الشيخ و الخنثى]

(و لا يجوز قتل الصبيان و المجانين و النساء و إن عاونوا إلا مع الضرورة (1)) بأن تترّسوا (2) بهم، و توقّف (3) الفتح على قتلهم. (و) كذا (لا يجوز) قتل (الشيخ الفاني) (4) إلّا أن يعاون برأي (5) أو قتال، (و لا الخنثى)

____________

- قضاة التسنّن إنما هو للتقية.

و نقل توثيقه عن المحقّق الداماد في كتابه الرواشح و العلّامة بحر العلوم. (النضيد).

(1) أي لا يجوز قتل المذكورين و إن عاونوا الكفّار إلّا في مقام الضرورة.

(2) كما اذا جعل الكفّار الطوائف الثلاثة المذكورة ترسا و وسيلة حفظ لأنفسهم، ففي هذه الصورة يجوز قتلهم.

تترّس: أي تستّر بالترس، و منه: تستّرت بك من الحدثان و تترّست من نبال الزمان. (أقرب الموارد).

(3) عطف على «تترّسوا». يعني اذا جعلهم الكفّار ترسا لأنفسهم و لا يمكن الفتح إلّا بقتلهم فحينئذ يجوز قتل الصبيان و المجانين و النساء.

(4) أي الشيخ الذي يعجز عن المقاومة و المساعدة.

الشيخ: من استبانت فيه السنّ و ظهر عليه الشيب. و قيل: من أربعين، و قيل: من خمسين. و قيل: من إحدى و خمسين الى آخر عمره، و قيل: الى الثمانين، و قيل:

المسنّ بعد الكهل، و هو الذي انتهى شبابه، جمعه: شيوخ و شيوخ و أشياخ و شيخة و شيخة و شيوخاء و مشايخ.

و إطلاق الشيخ على الاستاذ و العالم و كبير القوم و رئيس الصناعة إنّما هو باعتبار الكبر في العلم و الفضيلة و المقام و نحو ذلك. (أقرب الموارد).

(5) بأن يكون الشيخ معاونا للكفّار من جهة المشورة و الرأي أو يعاونهم في الحرب و القتال فيجوز قتله.

46

(المشكل) (1) لأنه بحكم المرأة في ذلك (2).

[يقتل الراهب و الكبير إذا كان ذا رأي أو قتال]

(و يقتل الراهب (3) و الكبير) و هو (4) دون الشيخ الفاني، أو هو (5)، و استدرك (6) الجواز بالقيد و هو قوله: (إذا كان ذا رأي أو قتال) و كان يغني

____________

(1) أي لا يجوز قتل الخنثى المشكل أيضا لأنه في المقام بحكم المرأة التي لا يجوز قتلها.

أقول: اعلم أنّ الخنثى على قسمين، الأول: الظاهر، و هو الذي فيه غلبة آثار المرأة أو الرجل فيحكم بكونها امرأة في الأول و رجلا في الثاني، و قد ذكر الفقهاء الآثار الموجبة للإلحاق، فمن أراد التفصيل فليراجع كتب الفقه.

الثاني: الخنثى المشكل، و هي التي لا تغلب فيها آثار الرجل على آثار المرأة و لا العكس، فحينئذ لا يلحق بإحدى الطائفتين.

و من العلائم المذكورة في بعض كتب الفقهاء: خروج البول أولا من الآلة ممّا يوجب إلحاقها بصاحبها.

و منها: التأخير في القطع اذا شرع البول من كلا الفرجين.

و منها: سرعة خروج البول من الآلة ممّا يوجب إلحاقها بصاحبها أيضا.

و منها: عدّ الأضلاع فتزيد المرأة عن الرجل.

و قد ضعّفوا مستند بعض منها.

(2) المشار إليه في قوله «ذلك» هو عدم القتل. يعني أنّ الخنثى تلحق بالمرأة في المقام احتياطا من جهة كونها امرأة.

(3) الراهب: من تبتّل للّه و اعتزل عن الناس الى الدير طلبا للعبادة، جمعه: رهبان، و هي راهبة، جمعها: راهبات. (أقرب الموارد).

(4) أي الشيخ الكبير.

(5) أو أنّ الكبير هو الشيخ الفاني.

(6) أي ذكر جواز قتله مكرّرا بسبب القيد، و هو قول المصنّف (رحمه اللّه) «اذا كان- أي-

47

أحدهما (1) عن الآخر.

(و) كذا (2) (يجوز قتل الترس (3) ممّن لا يقتل) كالنساء و الصبيان، (و لو تترّسوا بالمسلمين (4) كفّ) عنهم (ما أمكن، و مع التعذّر (5)) بأن لا يمكن التوصّل إلى المشركين إلّا بقتل المسلمين (فلا قود (6) و لا دية)، للإذن في قتلهم (7) حينئذ شرعا.

____________

- الكبير- ذا رأي أو قتال». و هذا القيد لم يكن في عبارته المتقدّمة، بل ذكره الشارح (رحمه اللّه) في عبارته.

(1) الضمير في قوله «أحدهما» يرجع الى الفاني و الكبير. يعني أنّ الفاني أيضا يجوز قتله اذا كان صاحب رأي أو قتال، فلا حاجة للتكرار بلفظين.

(2) يعني كما يجوز قتل الشيخ الفاني و الكبير اذا كانا ذا رأي أو قتال كذلك يجوز قتل الصبيان و المجانين و النساء اذا جعلهم الكفّار ترسا لأنفسهم كما تقدّم ذلك.

(3) الترس- بضمّ التاء-: و هم الذين يجعلهم الكفّار وسيلة لحفظ أنفسهم من الصبيان و المجانين و النساء الذين لا يجوز قتلهم.

(4) كما اذا جعل الكفّار عدّة من المسلمين وسيلة لحفظ أنفسهم بمعنى جعلهم ترسا لهم فحينئذ لا يجوز قتلهم في صورة الإمكان، بأن لا يتوقّف الفتح على قتلهم.

(5) أي مع عدم إمكان الفتح و الظفر على المشركين إلّا بقتل هؤلاء العدّة من المسلمين فحينئذ يجوز قتل المسلمين الذين جعلهم المشركين ترسا لأنفسهم.

(6) فإذا جاز قتل المسلمين في المقام فلا قصاص على القاتل، كما لا تجب الدية عليه مطلقا لأنّ الشارع أذن في قتلهم.

(7) الضمير في قوله «قتلهم» يرجع الى المسلمين الذين جعلهم الكفّار ترسا لأنفسهم.

و قوله «حينئذ» إشارة الى عدم إمكان التوصّل الى المشركين إلّا بقتل الترس.

48

(نعم تجب الكفّارة) (1) و هل هي كفّارة الخطأ أو العمد؟ وجهان، مأخذهما (2) كونه في الأصل غير قاصد للمسلم و إنّما مطلوبه قتل الكافر، و النظر (3) إلى صورة الواقع فإنّه (4) متعمّد لقتله، و هو أوجه (5). و ينبغي أن تكون (6) من بيت المال، لأنه للمصالح و هذه من

____________

(1) لا يخفى أنّ في القتل مطلقا تجب الكفّارة على ذمّة القاتل، لكنها تختلف في العمد و الخطأ.

و اعلم أنّ كفّارة القتل الخطأ هي أحد الامور الثلاثة: عتق رقبة، و صوم ستين يوما، و إطعام ستين مسكينا، مرتّبة.

و أمّا كفّارة القتل العمد فهي جميع الامور الثلاثة المذكورة.

(2) أي مأخذ الوجهين:

وجه الحكم بوجوب كفّارة الخطأ، لأنّ المقاتلين لم يقصدوا قتلهم بل المقصود منهم قتل الكفّار لكن اضطرّوا الى قتلهم لعدم إمكان توصّلهم الى الكفّار إلّا بقتلهم، فهو في حكم القتل الخطأ في وجوب الكفّارة المرتّبة بين أحد من الثلاثة المذكورة.

أمّا وجه الحكم بوجوب كفّارة قتل العمد فهو النظر الى واقع الأمر، فإنّ قتلهم يكون بالقصد و العمد فيه.

(3) هذا دليل وجوب كفّارة قتل العمد في المسألة.

(4) أي المسلم المقاتل عامد في قتل الترس. و الضمير في قوله «لقتله» يرجع الى المسلم المجعول ترسا.

(5) أي الوجه الثاني في نظر الشارح (رحمه اللّه) أوجه.

(6) فاعله الضمير المؤنث الراجع الى الدية. يعني أنّ المناسب أن يحكم بوجوبها من بيت المال و لا تتعلّق على ذمّة المقاتل.

49

أهمّها (1)، و لأنّ في إيجابها على المسلم إضرارا يوجب التخاذل عن الحرب لكثير (2).

[يكره التبييت و هو النزول عليهم ليلا و القتال قبل الزوال]

(و يكره التبييت) (3) و هو النزول عليهم ليلا، (و القتال (4) قبل الزوال)، بل بعده (5) لأنّ أبواب السماء تفتح عنده، و ينزل النصر و تقبل الرحمة (6). و ينبغي أن يكون بعد صلاة الظهرين، (و لو اضطرّ) إلى الأمرين (7) (زالت).

____________

(1) يعني أنّ أداء دية المسلمين المقتولين لمصلحة التوصّل الى المشركين من أهمّ مصالح الإسلام، فتصرف الدية من بيت المال.

(2) الدليل الثاني لوجوب الدية على بيت المال هو حصول التخاذل للمقاتلين لو أوجبت الدية على ذمّتهم في المقام بالنسبة الى أكثر المقاتلين.

مكروهات القتال‌

(3) يعني يكره الهجوم و النزول على الكفّار في الليل.

(4) هذا الثاني من مكروهات القتال، و هو القتال قبل الظهر.

(5) أي يترجّح القتال بعد الزوال.

(6) هذه الألفاظ مقتبسة من الرواية الواردة في المقام و هي منقولة في الوسائل:

عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) لا يقاتل حتّى تزول الشمس و يقول: تفتح أبواب السماء و تقبل الرحمة و ينزل النصر، و يقول: هو أقرب الى الليل و أجدر أن يقلّ القتل و يرجع الطالب و يفلت المنهزم. (الوسائل: ج 11 ص 47 ب 17 من أبواب جهاد العدوّ ح 2).

(7) المراد من «الأمرين» هو التبييت و القتال بعد الظهر. و فاعل قوله «زالت» مستتر يرجع الى الكراهة.

50

(و أن يعرقب) (1) المسلم (الدابّة) و لو وقفت (2) به أو اشرف (3) على القتل، و لو رأى ذلك (4) صلاحا زالت كما فعل جعفر بمؤتة (5)، و ذبحها (6) أجود. و أمّا دابّة الكافر فلا كراهة في قتلها، كما في كلّ فعل

____________

(1) عطف على التبييت و القتال. يعني يكره أن يقطع عرقوب الفرس.

تعرقب فلان الفرس: ركبها من خلفها، و زيد ركب العراقيب.

العرقوب- كجمهور-: عصب غليظ مؤثّر فوق عقب الانسان.

و من الدابّة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، أي بين موصل الوظيف و الساق، تقول: فلان يضرب العراقيب و يقرع الظنابيب، أي يغيث و يضيف. (أقرب الموارد).

و هو رباعي، و المراد هنا قطع قوائم الدابّة في الحرب.

(2) هذا و ما بعده وصلية. يعني يكره العرقبة و لو وقفت الدابّة صاحبه. و الضمير الفاعلي يرجع الى الدابّة، و في قوله «به» يرجع الى المسلم.

(3) بأن كان صاحب الدابّة في شرف الموت. و قوله «اشرف» بصيغة المجهول، و النائب الفاعل مستتر يرجع الى المسلم.

و لا يخفى أنّ المراد هو قطع قوائم الدابّة التي تكون للمسلم لئلّا تقع في يد الكافر، أمّا قطع قوائم دابّة الكافر فلا يكره.

(4) المشار إليه في قوله «ذلك» هو العرقبة.

(5) مؤتة- بالضمّ على وزن غرفة بهمزة ساكنة-: اسم أرض قتل بها جعفر بن أبي طالب.

و قد ورد ذلك في الوسائل:

عن السكوني قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لمّا كان يوم مؤتة كان جعفر بن أبي طالب على فرس له، فلمّا التقوا نزل على فرسه فعرقبها بالسيف، فكان أول من عرقب في الإسلام. (الوسائل: ج 8 ص 396 ب 52 من أبواب أحكام الدوابّ ح 2).

(6) يعني ذبح الدابّة أجود من عرقبتها.

51

يؤدّي إلى ضعفه و الظفر به (1).

(و المبارزة) (2) بين الصفّين (من دون إذن الإمام) على أصحّ القولين، و قيل: تحرم، (و تحرم (3) إن منع) الإمام منها، (و تجب) (4) عينا (إن ألزم) بها (5) شخصا معيّنا، و كفاية (6) إن أمر بها جماعة ليقوم بها واحد منهم، و تستحبّ إذا ندب (7) إليها من غير أمر جازم.

[تجب مواراة المسلم المقتول]

(و تجب مواراة (8) المسلم المقتول) في المعركة، دون الكافر (فإن اشتبه)

____________

(1) الضمير في قوله «به» يرجع الى الفعل. يعني يجوز كلّ فعل يوجب الظفر به على العدوّ.

(2) المبارزة- من بارز القرن مبارزة و برازا-: خرج إليه. (أقرب الموارد).

يعني يكره الخروج بين صفيّ المسلمين و الكافرين بلا إذن من الإمام (عليه السلام) على أصحّ القولين، و القول الآخر هو الحكم بالحرمة ما لم يحصل الإذن منه (عليه السلام).

(3) فاعله مستتر يرجع الى المبارزة. يعني أنّ خروج أحد المسلمين بين الصفّين يحرم اذا منع الإمام (عليه السلام) منه.

(4) فاعله مستتر يرجع الى المبارزة أيضا. يعني تكون واجبا عينا اذا ألزمه الإمام (عليه السلام) بالمبارزة.

(5) ضمير التأنيث في قوله «بها» يرجع الى المبارزة.

(6) يعني تكون واجبا كفائيا اذا أمر الإمام (عليه السلام) أحدا من جماعة.

و الضمير في قوله «بها» يرجع الى المبارزة، و في «منهم» يرجع الى الجماعة.

(7) يعني تستحبّ المبارزة و الظهور بين الصفّين اذا ندب الإمام (عليه السلام) الى المبارزة و لم يأمرها بالجزم و الإلزام، كما اذا قال (عليه السلام): أ يوجد أحد للمبارزة و المقاتلة؟

(8) المواراة- من وارى يواري مواراة-: أخفاه. (أقرب الموارد).-

52

بالكافر (فليوارى كميش (1) الذكر) أي صغيره، لما روي من فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في قتلى بدر، و قال: لا يكون ذلك إلّا في كرام الناس (2). و قيل:

يجب دفن الجميع احتياطا (3)، و هو (4) حسن، و للقرعة وجه (5)، أمّا الصلاة عليه فقيل: تابعة للدفن (6)، و قيل: يصلّى على

____________

- و المراد منه دفن المقتولين في معركة الحرب من المسلمين و لا يجب دفن المقتولين من الكفّار.

(1) الكميش: الفرس الصغيرة الضرع. (أقرب الموارد).

و المراد هنا صغير الذكر، و لعلّ صغره من جهة الختان و دلالة كونه مسلما، فإنّ الكافر غير مختون.

(2) هذا ما جاء في الرواية المنقولة من الوسائل:

عن حمّاد بن عيسى (يحيى- خ ل) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم بدر: لا تواروا إلّا من كان كميشا، يعني من كان ذكره صغيرا، و قال: لا يكون ذلك إلّا في كرام الناس. (الوسائل: ج 11 ص 112 ب 65 من أبواب جهاد العدوّ ح 1).

(3) يعني أنّ الاحتياط يحكم بوجوب دفن جميع المقتولين، لأنّ جسد المسلم يجب دفنه، فإذا اشتبه بين الأجساد فالاحتياط يحكم بوجوب دفن الجميع.

(4) أي القول بوجوب دفن الجميع حسن، لأنّ الاحتياط مستحسن في جميع الامور.

(5) فإنّ القرعة شرّعت لكلّ أمر مشكل. (راجع الوسائل: ج 17 ص 579 ب 4 من أبواب ميراث الخنثى)، و في المقام يشكل تشخيص جسد المسلم الواجب دفنه فيعيّن بالقرعة.

(6) ففي كلّ مورد يحكم بوجوب الدفن استنادا بالعلامة المذكورة أو عملا بالقرعة تتمّ الصلاة عليه.

53

الجميع (1) و يفرد المسلم بالنية، و هو (2) حسن.

____________

(1) هذا قول آخر في الصلاة على المسلم المقتول المشتبه بين أجساد الكفّار و هو وجوب الصلاة على الجميع، لكن تختصّ نية الصلاة على جسد المسلم فقط.

(2) أي القول بوجوب الصلاة على جميع أجساد المقتولين حسن.

و الدليل على حسن القول المذكور هو حسن الاحتياط كما تقدّم في استحسان القول بوجوب دفن الجميع احتياطا.

54

[الفصل الثاني يترك القتال لأمور]

(الفصل الثاني) (1) (في ترك القتال) (و يترك) القتال وجوبا (2) (لأمور،)

[احدها الأمان]

(أحدها: الأمان) و هو الكلام و ما في حكمه (3) الدالّ على سلامة الكافر نفسا و مالا، إجابة (4) لسؤاله ذلك، و محلّه (5) من يجب جهاده،

____________

ترك القتال‌

(1) أي الفصل الثاني من الفصول التي قال عنها المصنّف (رحمه اللّه) في أول الكتاب «و هنا فصول» و هو في خصوص ترك المقاتلة مع الكفّار.

(2) يعني يجب ترك القتال لأمور.

(3) من الكتابة و الإشارة الدالّان على سلامة نفس الكافر و ماله، بأن يقول:

آمنتك، أو يقول: أذممتك، أو أنت في ذمّة الإسلام، أو يشير بما يدلّ على المعاني المذكورة.

(4) أي اللفظ و الإشارة الدالّان لأمان الكافر من المسلم بسبب الإجابة لسؤال الكافر و هو الأمان منه.

و قوله «إجابة» مفعول له. و الضمير في قوله «لسؤاله» يرجع الى الكافر. و المشار إليه في قوله «ذلك» هو الأمان.

(5) أي مورد الأمان من الكافر الذي يجب جهاده.