الجواهر الفخرية في شرح الروضة البهية - ج11

- الشيخ قدرت الله وجداني فخر المزيد...
352 /
7

الجزء الحادي عشر

[كتاب النكاح و فيه فصول]

كتاب النكاح (1) كتاب النكاح‌

____________

(1) النكاح- بكسر النون-: مصدر من نكح، ينكح، مثل ضرب، يضرب، أو بفتح الكاف، مثل منع، يمنع.

نكح، نكاحا، و نكحا المرأة: تزوّجها، و- المطر الأرض: اختلط بثراها، و- الدواء فلانا: خامره و غلبه، و- النعاس عينه: غلبها (المنجد).

نكح المرأة نكاحا: تزوّجها، و أنكحه المرأة: زوّجه إيّاها (أقرب الموارد).

قال في القاموس: النكاح: الوطي، و العقد. و عن كتاب مجمع البحرين: النكاح:

الوطي و يقال على العقد، فقيل: مشترك بينهما، و قيل: حقيقة في الوطي، مجاز في العقد. قيل: و هو أولى، إذ المجاز خير من الاشتراك عند الأكثر، و هو في الشرع عقد لفظيّ مملّك للوطي ابتداء، و هو من المجاز تسمية للسبب باسم مسبّبه.

عن كتاب المسالك: النكاح يستعمل لغة في الوطي كثيرا، و في العقد بقلّة، كما قال الجوهريّ، و شرعا بالعكس، بل قيل: إنّه لم يرد في القرآن بمعنى الوطي إلّا في قوله تعالى: حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، لاشتراط الوطي في المحلّل. و فيه نظر، لاحتمال استفادة الوطي من السنّة مع احتمال الاشتراك أو المجازيّة، و لا قرينة و لا يجوز الاستعمال في المعنيين هنا.

قال الشارح (رحمه اللّه) في الحاشية: النكاح لغة التقابل، يقال: تناكح‌

8

(و فيه (1) فصول:)

____________

الجبلان إذا تقابلا، و في الاصطلاح يطلق على العقد المخصوص و الدخول أيضا.

و اختلفوا فيه، قيل: هي مشترك بينهما، و قيل: حقيقة في الدخول، مجاز في العقد، و قيل: بالعكس و هو الوجه، لأنّ السلب عن الحقيقة غير ممكن، و يمكن أن يقال: هذا سفاح ليس بنكاح.

قال الشيخ عليّ (رحمه اللّه) في الحاشية: الأقرب أنّ النكاح حقيقة شرعيّة في العقد و مجاز في الوطي.

(1) الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى الكتاب. يعني أنّ كتاب النكاح مشتمل على فصول و هي تسعة:

الفصل الأوّل: في مقدّمات النكاح.

الفصل الثاني: في العقد.

الفصل الثالث: في المحرّمات و توابعها.

الفصل الرابع: في نكاح المتعة.

الفصل الخامس: في نكاح الإماء.

الفصل السادس: في المهر.

الفصل السابع: في العيوب و التدليس.

الفصل الثامن: في القسم و النشوز و الشقاق.

9

[الفصل الأوّل في المقدّمات]

(الفصل الأوّل في المقدّمات (1))

[النكاح مستحبّ مؤكّد]

(النكاح مستحبّ مؤكّد (2)) لمن يمكنه (3) فعله، و لا يخاف بتركه الوقوع في محرّم و إلّا (4) وجب. قال اللّه تعالى: فَانْكِحُوا (5) مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ، وَ أَنْكِحُوا (6) الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ

____________

مقدّمات النكاح استحباب النكاح‌

(1) يعني أنّ الفصل الأوّل من كتاب النكاح في مقدّمات النكاح.

(2) بالرفع، صفة ل‍ «مستحبّ».

(3) الضميران في قوليه «يمكنه» و «فعله» يرجعان إلى النكاح. يعني أنّ استحباب النكاح مؤكّدا يختصّ بمن يمكن له فعل النكاح و لا يخاف من وقوعه في الحرام بترك النكاح.

(4) يعني لو خاف المكلّف من الوقوع في محرّم بترك النكاح إذا يجب عليه النكاح.

(5) الآية 3 من سورة النساء: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تُقْسِطُوا فِي الْيَتٰامىٰ فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً ....

(6) الآية 32 من سورة النور، و ما بعدها قوله تعالى: وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ

10

وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ، و أقلّ (1) مراتب الأمر الاستحباب، و قال (صلّى اللّه عليه و آله): ...

____________

لٰا يَجِدُونَ نِكٰاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ.

و لا يخفى أنّ الألف في قوله: «فانكحوا» في الآية الاولى للوصل، لأنّ الألف في صيغة الأمر من المجرّد للوصل، بخلاف قوله «و أنكحوا» في الآية الثانية، فإنّها المسمّاة بالقطع، لكون صيغة الأمر فيها مأخوذة من باب الإفعال، و الألف في صيغة الأمر من باب الإفعال لا تسقط و تسمّى بالقطع.

(1) أمّا أكثر مراتب الأمر يفيد الوجوب.

قوله تعالى في الآية «الأيامى» هي جمع، مفرده أيّم بفتح الألف و كسر الياء المشدّدة.

أيّم، ج أيامى، أيائم، أيّمون، و أيّمات. تأيّم الرجل، و تأيّمت المرأة، إذا مكثا زمانا لا يتزوّجان (أقرب الموارد).

من الحواشي المفيدة: الأيامى جمع ايّم و هي المرأة التي لا زوج لها، سواء كانت بكرا، أو ثيّبا، و يقال للرجل الذي لا زوجة له أيضا: ايّم، و الإنكاح: التزويج، يقال: نكح إذا تزوّج، و أنكح غيره إذا زوّجه، و أحد مفعولي «أنكحوا» محذوف، تقديره: و أنكحوا رجالكم الأيامى من نسائكم، و نسائكم الأيامى من رجالكم، و أنكحوا الصالحين من عبادكم و إمائكم الصالحات، و بالعكس، لأنّ الأيامى تشتمل على الرجال و النساء، و الصالحين يشتمل عليها أيضا، و قوله تعالى: مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ في موضع نصب على الحال، و الأمر في الآية للندب.

و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): من أحبّ فطرتي فليسنّن بسنّتي و من سنّتي النكاح.

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة (بمعنى النكاح)

11

«من رغب (1) عن سنّتي فليس منّي، و إنّ من سنّتي النكاح».

(و فضله (2) مشهور) بين المسلمين (محقّق) في شرعهم (حتّى أنّ)

____________

فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر و أحسن للفرج، و من لم يستطع فعليه بالصوم، فإنّه له وجاء.

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): شراركم عزّابكم.

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): من أدرك له ولد و عنده ما يزوّجه فلم يتزوّجه، فأحدث فالإثم بينهما.

في مجمع البيان: عن أبي أمامة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): أربع لعنهم اللّه من فوق عرشه و أمّنت عليه ملائكته:

الذي يحصر نفسه فلا يتزوّج و لا يتسرّى لئلّا يولد له، و الرجل يتشبّه بالنساء و قد خلقه اللّه ذكرا، و المرأة تتشبّه بالرجال و قد خلقه اللّه انثى، و مضلّل الناس الذي يهزو بهم يقول للمسكين: هلمّ اعطيك، فإذا جاء يقول: ليس معي شي‌ء، و يقول للمكفوف: اتّق الدابّة و ليس بين يديه شي‌ء، و الرجل يسأل عن دار القوم، فيضلّله.

(1) رغب وزان علم: أراده بالحرص، و أحبّه. رغب عنه: أعرض عنه و لم يرد، و زهد فيه و تركه. رغب به عن غيره: فضّله عليه (أقرب الموارد).

و المراد هنا هو الإعراض. يعني أنّ من أعرض عن النكاح و تركه فهو ليس منّي.

أقول: لم ترد الرواية المذكورة من طرق الإماميّة، لكنّها منقولة عن كتاب المغني، ج 6، كتاب النكاح، ص 480.

(2) الضمير في قوله: «فضله» يرجع إلى النكاح. يعني أنّ فضل النكاح مشهور بين العلماء من الإماميّة و العامّة.

12

(المتزوّج يحرز نصف دينه) رواه (1) في الكافي (2) بإسناده إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من تزوّج أحرز نصف دينه (3)، فليتّق (4) اللّه في النصف الآخر»، أو «الباقي» (5)، (و روي: «ثلثا دينه» (6))، ....

____________

(1) الضمير في قوله «رواه» يرجع إلى الإحراز المفهوم من قوله «أحرز». يعني أنّ الكلينيّ (رحمه اللّه) روى رواية متضمّنة لذلك المضمون في كتابه الكافي.

(2) في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن كليب بن معاوية الأسديّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من تزوّج أحرز نصف دينه (الوسائل: ج 14 ص 5 ب 1 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 11).

قال صاحب الوسائل: قال الكلينيّ (رحمه اللّه) (في حديث آخر): فليتّق اللّه في النصف الآخر. و عن الصدوق (و في حديث آخر): في النصف الباقي.

(3) لا يخفى أنّ المراد من نصف الدين إنّما هو فروع دينه لا أصوله. يعني أنّ المتزوّج يحرز نصف دينه من جهة الفروع من الواجبات و المحرّمات. فإنّ النكاح يوجب ترك كثير من المحرّمات و فعل كثير من الواجبات (الحديقة).

أيضا في الوسائل:

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: تزوّجوا، فإنّي مكاثر بكم الامم غدا في القيامة حتّى أنّ السقط يجي‌ء محبنطئا على باب الجنّة، فيقال له: ادخل الجنّة، فيقول: لا، حتّى يدخل أبواي الجنّة قبلي (المصدر السابق: ح 2).

(4) فاعله الضمير العائد إلى «من» الموصولة.

(5) عن الصدوق (رحمه اللّه) مرسلا في كتابه المقنع: فليتّق اللّه في النصف الباقي.

(6) عن كتاب المستدرك للشيخ حسين النوريّ (رحمه اللّه):

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما من شابّ تزوّج في حداثة سنّه إلّا عجّ شيطانه: يا ويله، عصم منّي ثلثي دينه، فليتّق اللّه العبد في الثلث الباقي.

13

و هو (1) من أعظم الفوائد بعد الإسلام). فقد روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بطريق أهل البيت (عليهم السلام) (2) أنّه قال: «ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه (3) إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب (4) عنها في نفسها و ماله (5)»، و قال (صلّى اللّه عليه و آله) (6): «قال اللّه عزّ و جلّ: إذا أردت أن أجمع للمسلم خير الدنيا، و خير الآخرة جعلت له قلبا خاشعا، و لسانا ذاكرا، و جسدا على البلاء صابرا، و زوجة مؤمنة

____________

(1) الضمير في قوله: «و هو» يرجع إلى النكاح. يعني أنّ أعظم الفوائد التي تكتسبها المكلّف لنفسه هو قبول الإسلام و بعد ذلك من أعظم الفوائد هو تزويج المكلّف.

(2) الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن عبد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن آبائه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب عنها في نفسها و ماله (الوسائل: ج 14 ص 23 ب 9 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 10).

(3) فاعله الضمير العائد إلى الزوجة، و ضمير المفعول يرجع إلى الزوج.

(4) فاعله الضمير العائد إلى قوله «امرؤ مسلم»، و الضميران في «عنها» و «نفسها» يرجعان إلى الزوجة.

(5) أي تحفظ الزوج من جهة ماله عند غيبته عن الزوجة.

(6) و هذا الحديث أيضا منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن بريد بن معاوية العجليّ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قال اللّه عزّ و جلّ: إذا أردت أن أجمع للمسلم خير الدنيا و الآخرة ... إلخ (المصدر السابق: ح 8).

14

تسرّه (1) إذا نظر إليها، و تحفظه إذا غاب عنها في نفسها (2) و ماله».

[اختيار البكر]

(و ليتخيّر البكر (3))، قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (4): «تزوّجوا الأبكار، فإنّهنّ أطيب شي‌ء أفواها (5)، و أنشفه (6) أرحاما، ....

____________

(1) فاعله الضمير العائد إلى الزوجة، و ضمير المفعول يرجع إلى المسلم.

(2) يعني أنّ الزوجة تحفظ الزوج من حيث نفسها، لكونها عرضا للزوج.

و الضمير في قوله «ماله» يرجع إلى الزوج. يعني أنّ الزوجة المؤمنة تحفظ زوجها من حيث العرض و المال.

(3) البكر- بكسر الباء و سكون الكاف-: العذراء، و الناقة و المرأة إذا ولدتا أوّل بطن، و أوّل كلّ شي‌ء، و كلّ فعلة لم يتقدّمها مثلها (أقرب الموارد).

(4) الرواية بهذا المضمون منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين مولى آل سام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تزوّجوا الأبكار، فإنّهن أطيب شي‌ء أفواها.

قال: و في حديث آخر: و أنشفه أرحاما، و أدرّ شي‌ء أخلافا (أحلاما)، و أفتح شي‌ء أرحاما ... إلخ (الوسائل: ج 14 ص 34 ب 17 من باب أبواب مقدّمات النكاح، ح 1 و 2).

(5) لا يخفى أنّ المراد من طهارة أفواه الأبكار كونهنّ عفائف من حيث التكلّم، فإنّ النساء غير الأبكار لا يكنّ صواحب عفّة من حيث الكلام، لاتّباعهنّ بأفواه أزواجهنّ الذين تفارقوا عنهنّ لعلّة من العلل، بخلاف الأبكار السالمات و الطاهرات من ذلك.

(6) الأنشف أفعل التفضيل من النشف.

نشف الثوب العرق، نشفا: شربه، و الاسم النشف (أقرب الموارد).

حويشة: أصل النشف إزالة الماء و العرق بالمنديل و نحوه، و هو هنا كناية عن طهارة الرحم عن ماء الغير (الرياض).

15

و أدرّ (1) شي‌ء أخلافا (2)، و أفتح شي‌ء أرحاما (3)» (العفيفة (4)) عن الزناء (الولود (5)) أي ما (6) من شأنها (7) ذلك، بأن لا تكون يائسة، (8) و لا صغيرة، و لا عقيما (9)، ....

____________

(1) الأدرّ أفعل التفضيل من الدرّ.

درّ، درّا: كثر، و- الدنيا على أهلها: كثر خيرها (أقرب الموارد).

(2) الأخلاف جمع، مفردها الخلف.

الخلف- بالكسر-: المختلف، ما أنبت الصيف من العشب، و ما ولي البطن من صغار الأضلاع، و حلمة ضرع الناقة، ج أخلاف و خلفة (أقرب الموارد).

و المراد هنا أنّ الأبكار أنفع شي‌ء من حيث الضرع، لكثرة اللبن في ضرعهنّ، بخلاف غيرهنّ.

(3) يعني أنّ الأبكار أفتح شي‌ء من حيث الرحم. و هذا كناية عن كثرة ولادتهنّ، بخلاف غيرهنّ.

(4) العفيفة من عفّ عفافا: كفّ عمّا لا يحلّ (أقرب الموارد).

(5) الولود من الشاة: الكثيرة الولد (أقرب الموارد).

(6) تفسير لمعنى «الولود».

(7) الضمير في قوله «شأنها» يرجع إلى المرأة. يعني أنّ المراد من كون المرأة ولودا ليس كونها صاحب الولد الكثير بالفعل، بل المراد كونها كذلك بالشأن.

(8) يائسة من يئست المرأة: عقمت، فهي يائس (أقرب الموارد).

و المراد منها هنا التي يئست من الحيض و هي التي أكملت ستّين سنة في القرشيّة و النبطيّة، و خمسين سنة إن لم تكن كذلك. قد تقدّم التفصيل في كتاب الطهارة في قوله «و أمّا الحيض فهو ما تراه المرأة ... إلخ».

(9) العقيم: ذات العقم، يقال: رحم عقيم، و امرأة عقيم، أي ذات عقم لا تقبل الولد و لا تلد، ج عقائم و عقم (أقرب الموارد).

16

قال (صلّى اللّه عليه و آله) (1): «تزوّجوا بكرا ولودا، و لا تزوّجوا حسناء (2) جميلة عاقرا، فإنّي أباهي بكم الامم يوم القيامة حتّى بالسقط، يظلّ محبنطئا (3) على باب الجنّة، فيقول اللّه عزّ و جلّ: ادخل الجنّة، فيقول (4): لا (5) حتّى

____________

(1) هذه الرواية ملفّقة من ثلاث روايات:

إحداها هي المنقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تزوّجوا بكرا ولودا، و لا تزوّجوا حسناء جميلة عاقرا، فإنّي اباهي بكم الامم يوم القيامة (الوسائل: ج 14 ص 33 ب 16 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1).

و ثانيتها و ثالثتها هما المنقولتان في كتاب الوسائل أيضا:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين مولى آل سام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تزوّجوا الأبكار، فإنّهنّ أطيب شي‌ء أفواها.

قال: و في حديث آخر: و أنشفه أرحاما، و أدرّ شي‌ء أخلافا (أحلاما)، و أفتح شي‌ء أرحاما، أما علمتم أنّي اباهي بكم الامم يوم القيامة حتّى بالسقط يظلّ محبنطيا على باب الجنّة فيقول اللّه عزّ و جلّ: ادخل، فيقول: لا أدخل حتّى يدخل أبواي قبلي، فيقول اللّه تبارك و تعالى لملك من الملائكة: ائتني بأبويه، فيأمر بهما إلى الجنّة فيقول: هذا بفضل رحمتي لك (المصدر السابق: ص 34 ب 17، ح 1 و 2).

(2) الحسناء مؤنّث أحسن.

(3) المحبنطئ من احبنطأ احبنطاء: انتفخ بطنه (أقرب الموارد).

و المراد منه هنا أنّ الولد يكون بطنه ممتلئا من الغيظ حينما يقال له: ادخل الجنّة وحدك.

(4) فاعله الضمير العائد إلى الولد السقط.

(5) أي يقول الولد السقط: لا أدخل الجنّة حتّى يدخل الجنّة قبل نفسي أبواي.

17

يدخل أبواي قبلي، فيقول اللّه تبارك و تعالى لملك من الملائكة: ايتني بأبويه فيأمر بهما (1) إلى الجنّة، فيقول: هذا (2) بفضل رحمتي لك (3) (الكريمة (4) الأصل)، بأن يكون أبواها (5) صالحين مؤمنين، قال (صلّى اللّه عليه و آله) (6):

أنكحوا الأكفاء (7) و انكحوا (8) فيهم و اختاروا لنطفكم.

[لا يقتصر على الجمال و الثروة]

(و لا يقتصر (9) على الجمال، و الثروة) من دون مراعاة

____________

(1) الضمير في قوله «بهما» يرجع إلى أبويه.

(2) المشار إليه في قوله «هذا» دخول أبوي السقط في الجنّة.

(3) المخاطب هو الولد السقط.

(4) بالنصب، عطف على قوله «البكر».

(5) أي المراد من «كريمة الأصل» هو كون أبوي المرأة المرادة للتزويج من صلحاء المؤمنين.

(6) الحديث منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن السكونيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

اختاروا لنطفكم، فإنّ الخال أحد الضجيعين (الوسائل: ج 14 ص 29 ب 13 ح 2).

و أيضا في الوسائل:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنكحوا الأكفاء و انكحوا فيهم و اختاروا لنطفكم (المصدر السابق: ح 3).

(7) أي أنكحوا الكفو مع الكفو.

(8) الهمزة فيه همزة وصل، لكون الفعل مأخوذا من المجرّد. يعني تزوّجوا في الأكفاء.

(9) يعني لا يقتصر المتزوّج في تزويج المرأة على جمالها و ثروتها، بلا رعاية الأصالة فيها و العفّة لها.

18

الأصل، و العفّة، قال (صلّى اللّه عليه و آله) (1): «إيّاكم و خضراء الدمن (2)»، قيل: يا رسول اللّه، و ما خضراء الدمن؟ قال (3): «المرأة الحسناء في منبت السوء»، و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4): «إذا تزوّج الرجل المرأة لجمالها، أو لمالها و كل (5) إلى ذلك، و إذا تزوّجها لدينها رزقه اللّه المال

____________

(1) الحديث منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده قال: قام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خطيبا، فقال: أيّها الناس، إيّاكم و خضراء الدمن، قيل: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء (الوسائل: ج 14 ص 29 ب 13 ح 4).

(2) خضراء الدمن، و خضرة الدمن ما نبت في الدمن من العشب، و كلتاهما مثل في حسن الظاهر و قبح الباطن. الدمنة: المزبلة. الدمن- بالكسر-: السرقين المتلبّد، و البعر، يقال: في دمنتهم دمن كثير (أقرب الموارد).

و المراد هنا المرأة الجميلة من أبوين غير الأصيلين، كما تقدّم و هما غير الصالحين من المؤمنين، فشبّه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) المرأة الجميلة من أصل رديّ بنبت هذه الدمنة في الضرر و الفساد.

(3) فاعله الضمير العائد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). يعني قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ المراد من خضراء الدمن هي المرأة الحسناء من أصل رديّ.

(4) الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا تزوّج الرجل المرأة لجمالها أو مالها و كل إلى ذلك، و إذا تزوّجها لدينها رزقه اللّه المال و الجمال (الوسائل: ج 14 ص 30 ب 14 ح 1).

(5) قوله «وكل» بصيغة المجهول، من وكل، يكل، وكلا: تركه، و فوّضه إليه، و اكتفى به (أقرب الموارد).

19

و الجمال (1)».

[يستحبّ لمن أراد التزويج أمور]

(و يستحبّ) لمن أراد التزويج قبل تعيين المرأة (صلاة ركعتين و الاستخارة (2)) و هو (3) أن يطلب من اللّه تعالى الخيرة له في ذلك (4)، (و الدعاء بعدهما بالخيرة (5)) بقوله: «اللّهمّ إنّي أريد أن أتزوّج فقدر لي من النساء أعفّهنّ (6) فرجا، و أحفظهنّ لي (7) في نفسها و مالي، و أوسعهنّ رزقا، و أعظمهنّ بركة، و قدّر لي ولدا طيّبا تجعله خلفا صالحا في حياتي (8)، ...

____________

(1) لا يخفى المراد من «رزقه اللّه المال»، لكن رزقه الجمال يمكن كونه من الآخر أو منها بالاستلذاذ منها، كما سيأتي في الدعاء برزق الإلف و الودّ منها. هذا إذا اريد التزويج الفعليّ و إن أريد معنى إرادة التزويج فلا إشكال (الحديقة).

مستحبّات النكاح‌

(2) المراد من «الاستخارة» هو طلب الخير من اللّه تعالى، كما سيشير إليه الشارح (رحمه اللّه).

(3) الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى استحباب الاستخارة المعلوم من قوله «و يستحبّ الاستخارة».

(4) المشار إليه هو التزويج.

(5) الخيرة: بفتح الخاء و سكون الياء: الكثيرة الخير، الفاضلة من كلّ شي‌ء، ج خيرات، و الخيرات (أقرب الموارد).

(6) أي تكون المرأة المطلوبة محفوظة من حيث الفرج.

(7) بأن تكون حافظة لزوجها نفسها و ماله.

(8) بمعنى كون الولد المتولّد منها من الأخلاف الصالحة لوالده في حياته و بعد مماته.

20

و بعد موتي» (1)، أو غيره (2) من الدعاء، (و ركعتي (3) الحاجة)، لأنّه (4) من مهامّ الحوائج (5)، (و الدعاء) بعدهما (6) بالمأثور، أو بما سنح (7)، (و الإشهاد) على العقد، (و الإعلان) إذا كان دائما (8)، (و الخطبة)- بضمّ الخاء (9)- (أمام العقد) للتأسّي، و أقلّها الحمد للّه (10) (و إيقاعه (11))

____________

(1) الرواية المتضمّنة للصلاة و الدعاء المذكورين منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 79 ب 53 ح 1.

(2) الضمير في قوله «غيره» يرجع إلى «قوله».

(3) عطف على قوله «ركعتين». يعني يستحبّ لمن أراد التزويج إتيان ركعتي الحاجة.

(4) الضمير المذكّر في قوله «لأنّه» يرجع إلى التزويج.

(5) يعني أنّ أمر التزويج من الامور المهمّة في حاجات الشخص.

المهامّ جمع المهمّ و المهمّ- بصيغة الفاعل-: الأمر الشديد، ما همّ به من أمر.

(6) ضمير التثنية يرجع إلى ركعتي الحاجة.

(7) أي بما يشاء.

(8) فلا يستحبّ الإعلان إذا كان العقد غير دائميّ.

(9) في مقابل الخطبة بكسر الخاء.

الخطبة- بالضمّ-: المقدّمة، و الخطبة- بالكسر-: طلب المرأة للزواج (أقرب الموارد).

(10) يعني أنّ أقلّ ما يستحبّ من الخطبة قبل إجراء العقد هو قول «الحمد للّه».

(11) الضمير في قوله «إيقاعه» يرجع إلى العقد. يعني يستحبّ إجراء العقد في الليل.

قد نقل الخطبة قبل العقد عن المجلسيّ (رحمه اللّه) عن مولانا الجواد (عليه السلام) عند عقده بنت المأمون بقوله (عليه السلام): الحمد للّه إقرارا بنعمته و لا إله إلّا اللّه إخلاصا لوحدانيّته و‌

21

..........

____________

صلّى اللّه على سيّد بريّته و الأصفياء من عترته، أمّا بعد، فقد كان من فضل اللّه على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ (النور: 32).

أقول: قد سمعت خطبة أمام العقد من البعض قد جلبت نظري و نظر الحاضرين، لاستعمال جملات و كلمات فيها توجب إحساس أهمّيّة العقد، فأحببت أن أذكرها و لو لم تكن مستندة و هي هذه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الّذي أحلّ النّكاح و المهور و حرّم الزّنا و السّفاح و الفجور، و صلّى اللّه على محمّد و آله من الان إلى يوم النشور.

الحمد للّه الّذي زوّج أبانا آدم بامّنا حوّاء في جنّات النعيم و أكرم سارة و هاجر بصحبة خليله إبراهيم و ألّف بين صفوراء و موسى الكليم، كما ألّف بين زليخاء و يوسف الكريم و شرّف خديجة بصحبة محمّد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) صاحب الخلق العظيم و اعلى عليّا بفاطمة بنت حبيب اللّه العليم.

و اشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّ عليّا وليّه و وصيّ نبيّه ذو العلم و الحلم و الكرم و التّكريم.

و أنّ النّكاح سبب لنظام العالم و واسطة لبقاء نسل نبيّنا آدم، كما أمر اللّه تعالى:

وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ، و قال سيّد العرب و العجم: «تناكحوا و تناسلوا تكثروا و إنّي اباهي بكم الامم يوم القيامة و لو بالسقط». صدق اللّه العليّ العظيم و صدق رسوله النبيّ الكريم و نحن على ذلك من الشاهدين و الشاكرين و الحمد للّه ربّ العالمين.

22

(ليلا)، قال الرضا (عليه السلام) (1): «من السنّة التزويج بالليل، لأنّ اللّه تعالى جعل الليل سكنا، و النساء إنّما هنّ سكن (2)».

[ليجتنب إيقاعه و القمر في العقرب]

(و ليجتنب إيقاعه (3) و القمر في) برج (العقرب)، لقول الصادق (عليه السلام):

____________

(1) الرواية منقولة في كتاب مستدرك الوسائل، كتاب النكاح، باب 141 من أبواب مقدّمات النكاح (تعليقة السيّد كلانتر).

(2) يعني كما أنّ الليل يوجب السكونة كذلك النساء توجبن سكونة النفس بهنّ.

(3) الضمير في قوله «إيقاعه» يرجع إلى العقد، و الواو في قوله «و القمر» حاليّة.

يعني يلزم الاجتناب عن إيقاع العقد في حال كون القمر في برج العقرب.

إيضاح: اعلم أنّ (منطقة البروج) مدار وهميّ مائل عن دائرة معدّل النهار، أو من المدار الاستوائيّ نحوا من 5/ 23 درجة، و قسّموا هذا المدار إلى اثني عشر جزء، كلّ جزء برج، و خصّصوا لكلّ فصل من الفصول الأربعة ثلاثة بروج:

الأوّل: برج الحمل.

الثاني: برج الثور.

الثالث: برج الجوزاء.

الرابع: برج السرطان.

الخامس: برج الأسد.

السادس: برج السنبلة.

السابع: برج الميزان.

الثامن: برج العقرب.

التاسع: برج القوس.

العاشر: برج الجدي.

الحادي عشر: برج الدلو.

23

..........

____________

الثاني عشر: برج الحوت.

هذه البروج الاثنا عشر يقطعها القمر في شهر، كلّ يوم 13 درجة و 3 دقائق و 54 ثانية، و لذلك يتمّ دورته- أي الأبراج الاثني عشر كلّها- في 27 يوما و 7 ساعات و 43 دقيقة، و بما أنّ كل برج ثلاثون درجة فيحلّ القمر في كلّ برج ضيفا أقلّ من ثلاثة أيّام، أي يومين و ربع تقريبا.

و قد ذكر المنجّمون القدامى لحلول القمر في كلّ برج آثارا خاصّة لم يزالوا معتقدين بها و لا يمكننا نحن إنكارها رأسا، إذا كان اللّه عزّ و جلّ قد جعل ذلك علامة أو مؤثّرا بإذنه تعالى، كما لا يمكن لأحد إنكار ما للآثار الجوّيّة من تأثيرات في مزاج العناصر السفليّة من معادن و نبات و حيوان. فهذه الشمس الوهّاجة لها تأثيرات كبيرة في عالمنا السفليّ من تحويلات في المناخ و الطقوس و الأحوال و الأوضاع و التكوين و الفساد، ما لا يمكن حصره، كما أنّ لطلوع بعض الكواكب (سهيل) و نورها تأثيرا على نضوج بعض الفواكه أو تلوينها، كما كان للقمر و سيره الشهريّ تأثير في الطبيعة، من جزر و مدّ، و تأثير في مزاج الإنسان: عادة النساء الشهريّة المرتبطة بالأشهر القمريّة كمال الارتباط، إذن فلا مجال لإنكار ما لهذه التحوّلات الجوّيّة من التأثير في العالم السفليّ: عالم الإنسان، و الحيوان، و النبات، و الجماد.

فذكروا لانتقال القمر إلى برج العقرب آثارا، منها: ازدحام الهموم على قلوب الناس، و وقوع الفتن و المنازعات، و كثرة السرقات، و عدم انسجام الأمور، و التأخّر في الأعمال، و وفور الأمراض، لكن تكثر المياه و لا سيّما الأمطار و لعلّها تضرّ بالمزروعات (قد نقلنا المطالب المذكورة في الإيضاح من تعليقة السيّد كلانتر و راجع في ذلك أيضا إلى التنبيهات المظفريّة لمحمّد قاسم بن مظفّر، ص 213).

24

«من تزوّج و القمر في العقرب لم ير الحسنى (1)»، و التزويج حقيقة في

____________

لا يخفى أنّ الاستناد بأقوال المنجمين المنهيّ عنه إنّما هو في أخبارهم عن أحكام النجوم في التأثيرات من حيث اعتبار الحركات الفلكيّة و الاتّصالات الكوكبيّة كما عن جامع المقاصد، لكن لا حرمة في أخبارهم عن الأوضاع الفلكيّة المبتنية على سير الكواكب، نظير أخبارهم عن الخسوف الناشي عن حيلولة الأرض بين النيّرين، و الكسوف الناشي عن حيلولة القمر أو غيره، و الحرام إنّما هو دعوى تأثير الكواكب في الخير و الشرّ، و النفع و الضرر.

قال الشيخ الأنصاريّ (رحمه اللّه): لا يجوز الاستناد لأقوال المنجّمين إلّا فيما هو كالبديهيّ، مثل إخبارهم بكون القمر في هذا اليوم في برج العقرب و انتقال الشمس عن برج إلى برج في هذا اليوم و إن كان يقع الاختلاف بينهم فيما يرجع إلى تفاوت يسير. أمّا أخبار المنجّمين عن الحادثات و الحكم بها مستندا إلى تأثير الاتّصالات فيها بالاستقلال أو بالمدخليّة، فظاهر الفتاوى حرمته مؤكّدة، استنادا إلى قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): من صدّق منجّما أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمّد، و في رواية اخرى عن نصر بن قابوس عن الصادق (عليه السلام): إنّ المنجّم ملعون.

و الحاصل: أنّ الاستناد بأقوال المنجّمين منكر عند الاعتقاد بكون النجوم مؤثّرات في صدور الخير و الشرّ و النفع و الضرر في العالم السفليّ.

عن السيد المرتضى علم الهدى (رحمه اللّه) أنّه أنكر من المنجّم الأمرين:

الأوّل: اعتقاد التأثير و قد اعتراف به ابن طاوس (رحمه اللّه).

الثاني: غلبة الإصابة في أحكامهم، لعدم إحاطتهم بالعلامات و معارضاتها.

(من أراد التفصيل فليراجع: كتاب المكاسب، للشيخ الأنصاريّ (رحمه اللّه)).

(1) الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

25

العقد (1).

[إذا أراد الدخول بالزوجة صلّى ركعتين و دعا]

(فإذا أراد (2) الدخول) بالزوجة (صلّى ركعتين) قبله (3) (و دعا) بعدهما (4) بعد أن يحمد اللّه (5) سبحانه، و يصلّي على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله:

«اللهمّ ارزقني إلفها و ودّها و رضاها (6)، و أرضني بها (7)، و اجمع بيننا بأحسن اجتماع، و انس (8) و ائتلاف، فإنّك تحبّ الحلال، و تكره

____________

محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن محمّد بن حمران، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من سافر أو تزوّج و القمر في العقرب لم ير الحسنى (الوسائل: ج 8 ص 266 ب 11 من أبواب آداب السفر إلى الحجّ، ح 1).

الحسنى: ضدّ السوءى و- العاقبة الحسنة، و- النظر إلى اللّه عزّ و جلّ، و- الظفر، و في القرآن: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنٰا إِلّٰا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ (أقرب الموارد).

(1) يعني أنّ المراد من قوله «من تزوّج» هو العقد، فالكراهة في العقد حين كون القمر في برج العقرب، لا الزفاف في ذلك الزمان.

(2) فاعله الضمير العائد إلى من تزوّج. يعني إذا أراد الشخص المتزوّج الزفاف تستحبّ له صلاة الركعتين.

(3) الضمير في قوله «قبله» يرجع إلى الدخول.

(4) أي دعا بعد الركعتين.

(5) قوله «يحمد اللّه» إشارة إلى استحباب الحمد للّه تعالى بعد الركعتين و الدعاء بعد الحمد و الصلاة على النبيّ.

(6) الضمائر الثلاثة ترجع إلى المرأة.

(7) يعني اللّهمّ أرضني بسبب زوجتي من حيث المودّة بيني و بينها.

(8) أي بأحسن انس بيني و بينها.

26

الحرام»، أو غيره من الدعاء (و تفعل المرأة كذلك) (1)، فتصلّي ركعتين بعد الطهارة و تدعو اللّه تعالى بمعنى ما دعا.

[ليكن الدخول ليلا]

(و ليكن (2)) الدخول (ليلا) كالعقد (3)، قال الصادق (عليه السلام): «زفّوا (4) نساءكم ليلا، و أطعموا ضحى (5)، (و يضع ...)

____________

(1) أي يستحبّ للمرأة أيضا ما ذكر في خصوص المرء من الصلاة و الدعاء.

(2) اللام في قوله «و ليكن» للأمر الاستحبابيّ.

(3) يعني كما أنّ العقد يستحبّ إيقاعه ليلا، كما تقدّم.

(4) قوله: «زفّوا» من زفّ، يزفّ، زفّا، و زفافا العروس إلى زوجها: أهداها.

(5) الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن السكونيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: زفّوا عرائسكم ليلا و أطعموا ضحى (الوسائل: ج 14 ص 62 ب 37 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2).

و المراد من الإطعام في النهار هو الوليمة التي وردت في خصوص الزفاف.

و يدلّ على استحباب الزفاف ليلا رواية اخرى منقولة في الوسائل، نذكرها تبرّكا و تيمّنا، لكونه في خصوص بنت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) رزقنا اللّه تعالى شفاعتها يوما لا ينفع فيه المال و البنون:

محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن جابر بن عبد اللّه قال: لمّا زوّج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة من عليّ (عليهما السلام) أتاه أناس فقالوا له: إنّك قد زوّجت عليّا بمهر خسيس، فقال: ما أنا زوّجته، و لكنّ اللّه زوّجه، (إلى أن قال:) فلمّا كان ليلة الزفاف أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ببغلته الشهباء، و ثنّى عليها قطيفة، و قال لفاطمة:

اركبي و أمر سلمان أن يقودها و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يسوقها فبينما هو في بعض الطريق إذ سمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وجبة، فإذا بجبرئيل في سبعين ألفا، و ميكائيل في سبعين ألفا،

27

(يده (1) على ناصيتها)) و هي ما بين نزعتيها من مقدّم رأسها عند دخولها (2) عليه، و ليقل: «اللّهمّ على كتابك (3) تزوّجتها، و في أمانتك أخذتها، و بكلماتك (4) استحللت فرجها، فإن قضيت في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويّا (5)، و لا تجعله (6) شرك شيطان».

____________

فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): ما أهبطكم إلى الأرض؟ فقالوا: جئنا بزفّ فاطمة إلى زوجها و كبّر جبرئيل، و كبّر ميكائيل، و كبّرت الملائكة، و كبّر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، فوضع التكبير على العرائس من تلك الليلة (المصدر السابق: ح 4).

الوجبة: السقطة مع الهدّة، أو صوت الساقط (المنجد).

قوله «ضحى» على وزن صرد.

الضحى بعد الضحوة، أي حين تشرق الشمس، مؤنّثة و تذكّر، فمن أنّث ذهب إلى أنّها جمع ضحوة، و من ذكّر ذهب إلى أنّه اسم على فعل، مثل صرد، و غير منصرف إذا كان معيّنا، مثل سحر تقول: لقيته ضحى و ضحى، إذا أردت ضحى يومك لم تنوّمه (أقرب الموارد).

(1) الضمير في قوله «يده» يرجع إلى الزوج. يعني يستحبّ للزوج عند دخول الزوجة عليه أن يضع يده على ناصيتها و يقول: اللّهمّ على كتابك ... إلخ.

(2) أي عند دخول الزوجة على الزوج.

(3) لأنّ اللّه تعالى قال في كتابه: فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ.

(4) المراد من كلمات اللّه هو الألفاظ المقرّرة عند إجراء العقد شرعا.

(5) إشارة إلى قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوّٰى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ (الأعلى: 2 و 3).

(6) يعني لا تجعل ما في رحمها شريكا للشيطان، إشارة إلى شركة الشيطان في النطف، أو لكون الإنسان شريكا في عمل الشيطان بعد التولّد و التكليف.

28

( (و يسمّي) اللّه تعالى (عند الجماع دائما) عند الدخول بها، و بعده (1)، ليتباعد عنه الشيطان و يسلم من شركه (2)، (و يسأل اللّه الولد الذكر السويّ (3) الصالح)، قال عبد الرحمن بن كثير: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فذكر شرك الشيطان، فعظّمه حتّى أفزعني (4)، فقلت:

____________

الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا تزوّج أحدكم كيف يصنع؟ قال: قلت له: ما أدرى جعلت فداك. قال: إذا همّ بذلك فليصلّ ركعتين و يحمد اللّه و يقول: «اللّهمّ إنّي اريد أن أتزوّج، اللّهمّ فاقدر لي من النساء أعفّهنّ فرجا، و أحفظهنّ لي في نفسها و في مالى، و أوسعهنّ رزقا، و أعظمهنّ بركة، و اقدر لي منها ولدا طيّبا تجعله خلفا صالحا في حياتي و بعد موتي»، فإذا دخلت عليه فليضع يده على ناصيتها و يقول: «اللّهمّ على كتابك تزوّجتها، و في أمانتك أخذتها، و بكلماتك استحللت فرجها، فإن قضيت في رحمها شيئا فاجعله مسلما سويّا، و لا تجعله شرك شيطان».

قلت: و كيف يكون شرك شيطان؟ فقال: إنّ الرّجل إذا دنا من المرأة و جلس مجلسه حضره الشيطان، فإن هو ذكر اسم اللّه تنحّى الشيطان عنه و إن فعل و لم يسمّ أدخل الشيطان ذكره، فكان العمل منهما جميعا و النطفة واحدة. قلت:

فبأيّ شي‌ء يعرف هذا جعلت فداك؟ قال: بحبّنا و بغضنا (الوسائل: ج 14 ص 79 ب 53 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1).

(1) أي بعد الدخول.

(2) أي يسلم من شرك الشيطان.

(3) بأن يكون الولد متساوي الخلقة، بلا نقص و عيب.

(4) أي فزعت من شرك الشيطان.

29

جعلت فداك، فما المخرج (1) من ذلك؟ فقال: إذا أردت الجماع فقل:

بسم اللّه الرحمن الرحيم الذي لا إله إلّا هو بديع (2) السماوات و الأرض، اللّهم إنّ قضيت منّي في هذه الليلة خليفة (3) فلا تجعل للشيطان فيه شركا و لا نصيبا و لا حظّا، و اجعله مؤمنا مخلصا صفيّا من الشيطان و رجزه (4) جلّ ثناؤك».

[الوليمة عند الزفاف]

(و ليولم (5)) عند الزفاف (يوما، أو يومين) تأسّيا بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أولم على جملة من نسائه، و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ من سنن المرسلين (6) الإطعام عند التزويج» (7)، و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «الوليمة أوّل يوم حقّ، و الثاني

____________

(1) أي فما النجاة من شرك الشيطان.

(2) البديع: فعيل بمعنى المفعول و بمعنى الفاعل و منه: اللّه بديع السماوات و الأرض، أي موجدها و مخترعها، و هو من أسمائه تعالى (أقرب الموارد).

(3) المراد من الخليفة هو الولد، لأنّه خليف الوالد عند الحياة و بعد الممات.

(4) الرجز- بالكسر و بالضمّ-: القذر، و العذاب، و الشرك (أقرب الموارد).

(5) أولم الرجل إيلاما: عمل الوليمة، يقال: أولم على امرأته إذا عمل لها وليمة العرس. الوليمة: طعام العرس، أو كلّ طعام صنع لدعوة. قيل: كلّ طعام يتّخذ لجمع، ج ولائم (أقرب الموارد).

(6) أي من طريقة المرسلين الإطعام عند التزويج.

(7) الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن الوشّاء، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إنّ النجاشيّ لمّا خطب لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) آمنة بنت أبي سفيان فزوّجه دعا بطعام، ثمّ قال: إنّ من سنن المرسلين الإطعام عند التزويج (الوسائل: ج 14 ص 65 ب‌

30

معروف (1)، و ما زاد (2) رياء و سمعة».

(و يدعو المؤمنين) إليها (3) و أفضلهم (4) الفقراء، و يكره أن يكونوا كلّهم أغنياء، و لا بأس بالشركة (5)، (و يستحبّ) لهم (الإجابة (6)) استحبابا مؤكّدا، و من كان صائما ندبا (7) فالأفضل له الإفطار، خصوصا

____________

40 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1).

و أيضا في كتاب الوسائل:

عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال رفعه إلى أبي جعفر (عليه السلام) قال: الوليمة يوم، و يومان مكرمة، و ثلاثة أيّام رياء و سمعة (المصدر السابق: ح 2).

الرواية الاخرى في خصوص موارد الوليمة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن موسى بن بكير، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا وليمة إلّا في خمس: في عرس، أو خرس، أو عذار، أو وكار، أو ركاز، فالعرس التزويج، و الخرس النفاس بالولد، و العذار الختان، و الوكار الرجل يشتري الدار، و الركاز الرجل يقدم من مكّة (المصدر السابق: ح 5).

(1) يعني الوليمة في اليوم الثاني خير و إحسان، كما ورد أيضا في حديث من أنّها مكرمة.

(2) أي الوليمة أزيد من يوم و يومين ليست بمعروف، بل هي رياء و سمعة.

(3) الضمير في قوله «إليها» يرجع إلى الوليمة.

(4) أي أفضل المدعوّين من المؤمنين هم الفقراء منهم.

(5) أي لا مانع من تشريك المدعوّين بين الأغنياء و الفقراء من المؤمنين.

(6) يعني يستحبّ للمؤمنين إجابة دعوة الداعي إلى وليمة العرس استحبابا مؤكّدا.

(7) يعني فمن كان من المدعوّين لوليمة العرس صائما ندبا فالأفضل من صومه المندوب له الإفطار.

31

إذا شقّ (1) بصاحب الدعوة صيامه.

[يجوز أكل نثار العرس]

(و يجوز أكل نثار العرس (2) و أخذه (3) بشاهد الحال)، أي مع شهادة الحال بالإذن في أخذه، لأنّ (4) الحال يشهد بأخذه دائما.

و على تقدير أخذه (5) به فهل يملك بالأخذ، أو هو مجرّد إباحة؟

قولان، أجودهما الثاني (6).

و تظهر الفائدة في جواز الرجوع فيه (7) ما دامت عينه باقية.

____________

(1) أي إذا كان صومه موجبا لمشقّة الداعي إلى الوليمة فالأفضل من صومه إفطاره و إجابة صاحب الدعوة.

(2) العرس- بالكسر-: امرأة الرجل و رجلها، يقال: هو عرسها أي رجلها، و هي عرسه أي امرأته، و هما العرسان. العروس: الرجل و المرأة ما داما في أعراسهما، و هم عرس و هنّ عرائس. العرس، و العرس: طعام الوليمة (أقرب الموارد).

النثار- بالكسر-: ما ينثر في العرس للحاضرين من الكعك، قيل: كان نثار العرب في عرسهم التمر (أقرب الموارد).

(3) الضمير في قوله «أخذه» يرجع إلى النثار. يعني يجوز أخذ نثار العرس بقرينة شاهد الحال على جواز الأخذ.

(4) قوله «لأنّ الحال يشهد ... إلخ» يعني ليس الحال قرينة على جواز أخذ النثار دائما، بل يتفاوت الحال، ففي كلّ حال يعمل بمقتضى القرينة الحاليّة.

(5) الضمير في قوله «أخذه» يرجع إلى النثار، و في «به» يرجع إلى شاهد الحال.

(6) المراد من «الثاني» هو كون جواز أخذ النثار مجرّد إباحة للتصرّف فيه، لا تمليكا للآخذين بحيث لا يجوز الرجوع فيه.

(7) الضمير في قوله «فيه» يرجع إلى النثار. يعني تظهر ثمرة القولين في خصوص‌

32

[يكره الجماع في أوقات و أحوال]

(و يكره الجماع) مطلقا (1) (عند الزوال (2)) إلّا يوم الخميس، فقد روي أنّ الشيطان لا يقرب الولد الذي يتولّد حينئذ (3) حتّى يشيب،

____________

النثار، بأنّه لو كان مجرّد إباحة يجوز للباذل أن يرجع ما دام هو باق، كما هو شأن كلّ إباحة، بخلاف كونه تمليكا و هو ظاهر.

مكروهات النكاح‌

(1) أي سواء كان الجماع في أوّل الزواج أو غيره.

(2) المراد من «الزوال» هو وقت الظهر الذي تزول فيه الشمس من المشرق إلى المغرب.

(3) أي في يوم الخميس. و الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن أبي سعيد الخدريّ في وصيّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام) قال:

يا عليّ، عليك بالجماع ليلة الاثنين، فإنّه إن قضي بينكما ولد يكون حافظا لكتاب اللّه، راضيا بما قسم اللّه عزّ و جلّ.

يا عليّ، إن جامعت أهلك ليلة الثلثاء، فقضى بينكما ولد، فإنّه يرزق الشهادة بعد شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و لا يعذّبه اللّه مع المشركين، و يكون طيّب النكهة و الفم، رحيم القلب، سخيّ اليد، طاهر اللسان من الكذب و الغيبة و البهتان.

يا عليّ، و إن جامعت أهلك ليلة الخميس، فقضى بينكما ولد، فإنّه يكون حاكما من الحكّام (الحكماء- خ)، أو عالما من العلماء، و إن جامعتها يوم الخميس عند زوال الشمس عن كبد السماء، فقضى بينكما ولد، فإنّ الشيطان لا يقربه حتّى يشيب، و يكون قيّما و يرزقه اللّه السلامة في الدين و الدنيا.

33

(و بعد (1) الغروب حتّى يذهب الشفق (2)) الأحمر، و مثله (3) ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لوروده (4) معه في الخبر (5)، (و عاريا)،

____________

يا عليّ، و إن جامعتها ليلة الجمعة و كان بينكما ولد، فإنّه يكون خطيبا، قوّالا، مفوّها، و إن جامعتها يوم الجمعة بعد العصر، فقضي بينكما ولد، فإنّه يكون معروفا مشهورا عالما، و إن جامعتها في ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، فإنّه يرجى أن يكون الولد من الأبدال* إن شاء اللّه (الوسائل: ج 14 ص 190 ب 151 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1).

* المراد من «الأبدال» هو الشخص الذي لا نظير له في الفضل، و قال في كتاب المنجد: الأبدال- على ما يقولون- قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، فإذا مات واحد أبدل اللّه مكانه أخر.

(1) عطف على قوله «عند الزوال». يعنى يكره الجماع أيضا بعد الغروب حتّى يذهب الشفق.

(2) الشفق: ما بقي من ضوء الشمس و حمرتها في أوّل الليل (أقرب الموارد).

(3) الضمير في قوله «مثله» يرجع إلى بعد الغروب. يعني مثل بعد الغروب كراهة الجماع فيما بين الفجر إلى طلوع الشمس.

(4) الضمير في قوله «لوروده» يرجع إلى ما بين الطلوعين، و في قوله «معه» يرجع إلى بعد الغروب.

(5) الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن عبد الرحمن بن سالم، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: هل يكره الجماع في وقت من الأوقات و إن كان حلالا؟ قال: نعم، ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق، و في اليوم الذي تنكسف فيه الشمس، و في الليلة التي ينكسف فيها القمر و في‌

34

للنهي عنه (1)، رواه الصدوق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، (و عقيب الاحتلام (2) قبل الغسل، أو الوضوء)، قال (صلّى اللّه عليه و آله): «يكره أن يغشي (3) الرجل المرأة و قد (4) احتلم حتّى يغتسل من احتلامه الذي رأى، فإن فعل ذلك و خرج

____________

اليوم اللذين يكون فيهما الريح السوداء أو الريح الحمراء أو الريح الصفراء، و اليوم و الليلة اللذين يكون فيهما الزلزلة و قد بات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند بعض أزواجه في ليلة انكسف فيها القمر، فلم يكن منه في تلك الليلة ما يكون منه في غيرها حتّى أصبح، فقالت له: يا رسول اللّه، أ لبغض كان هذا منك في هذه الليلة؟ قال: لا و لكن هذه الآية ظهرت في هذه الليلة، فكرهت أن أتلذّذ و ألهو فيها و قد عيّر اللّه في كتابه أقواما، فقال: وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمٰاءِ سٰاقِطاً يَقُولُوا سَحٰابٌ مَرْكُومٌ* فَذَرْهُمْ حَتّٰى يُلٰاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (الطور: 44 و 45).

ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام): و أيم اللّه لا يجامع أحد في هذه الأوقات التي نهى عنها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد انتهى إليه الخبر، فيرزق ولدا، فيرى في ولده ذلك ما يحبّ (الوسائل: ج 14 ص 89 ب 62 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1).

(1) الضمير في قوله «عنه» يرجع إلى الجماع عاريا. و الرواية الناهية عنه منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن عليّ بن الحسين في (العلل) عن أبيه بإسناده عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن آبائه، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إذا تجامع الرجل و المرأة، فلا يتعرّيان فعل الحمارين، فإنّ الملائكة تخرج من بينهما إذا فعلا ذلك (الوسائل: ج 14 ص 84 ب 58 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 3).

(2) من حلم في نومه حلما، و حلما، و احتلم: رأى في منامه رؤيا (أقرب الموارد).

(3) غشا فلانا، يغشوه، غشوا- واويّ-: أتاه (أقرب الموارد).

(4) الواو حاليّة، يعني يكره للرجل أن يأتي زوجته في حال كونه احتلم قبل الغسل عن الجنابة الحاصلة له من الاحتلام.

35

الولد مجنونا فلا يلومنّ (1) إلّا نفسه» (2) و لا تكره معاودة الجماع بغير غسل، للأصل (3).

(و الجماع عند ناظر إليه (4)) بحيث لا يرى (5) العورة، قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

«و الذي نفسي بيده لو أنّ رجلا غشي امرأته و في البيت مستيقظ يراهما و يسمع كلامهما و نفسهما (6) ما أفلح (7) أبدا، إن كان غلاما كان زانيا، و

____________

(1) جواب قوله «فإن فعل ذلك». يعني لو جامع الرجل امرأته و حصل له الولد مجنونا، كان الباعث لذلك نفسه، فلا يذمّ إلّا نفسه.

(2) الرواية منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 99 ب 70 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(3) أي الأصل يقتضي عدم المنع، و لما روي أنّ النبيّ كان يطوف على نسائه، ثمّ يغتسل أخيرا (شرح الشرائع).

(4) الضمير في قوله «إليه» يرجع إلى الجماع. يعني يكره الجماع أيضا في حال كون شخص ناظرا إليهما، سواء كان الناظر غلاما أو جارية.

(5) أي لا يرى الناظر عورتهما، فلو كان يرى عورتهما يحرم الجماع.

(6) أي يسمع تنفّسهما حين الجماع.

(7) فاعله الضمير العائد إلى المستيقظ، و كذا ضميرا قوليه «كان» و «كانت» يرجعان إلى المستيقظ الذي يسمع نفسهما، لا الولد الذي يحصل من الجماع عند ناظر إليه، أو عند سماعه كلامهما و نفسهما، كما احتمل ذلك بعض المحشّين فقال:

«إنّ المولود من هذا الجماع لو كان غلاما كان زانيا و إن كانت جارية كانت زانية»، فإنّه من البعيد تأثير نظر الناظر وضعا في كون المولود كذلك، بل صفة عدم الفلاح و صفة ارتكاب الزناء، تتحقّق في الناظر و السامع، لأنّهما بسبب‌

36

أن كانت جارية كانت زانية» (1)، و عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يجامع الرجل امرأته، و لا جاريته (2) و في البيت صبيّ، فإنّ ذلك (3) ممّا يورث الزناء» (4).

و هل يعتبر كونه (5) مميّزا؟ وجه ...

____________

مشاهدتهما و سماعهما نفس المرء و المرأة عند الجماع يتحرّكان من حيث الغريزة الشهويّة البشريّة و يتّصفان بتلك الصفة الرذيلة، كما هي مقتضى النفس الأمّارة بالسوء أيضا.

من حواشي الكتاب: يحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى السامع، و كذا ضمير «كان» و «كانت»، لا إلى المجامع. و وجه كراهة جماع المجامع حينئذ تعرّضه لحصول هذا الحال للسامع و قد صرّح بهذا الحال في شرحه على الشرائع. و يحتمل أن يكون المراد عدم فلاح الولد الحاصل من هذا الجماع و كونه زانيا و زانية (حاشية سلطان العلماء (رحمه اللّه)).

(1) و الرواية الدالّة على ما ذكر منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 94 ب 67 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 2.

(2) أي مملوكته التي تحلّ له.

(3) يعني أنّ جماع الرجل امرأته أو جاريته في حال وجود الصبيّ في البيت يوجب حصول الزناء من الصبيّ، و هذا يؤيّد ما ذكرناه من كون المستيقظ الناظر و السامع زانيا أو زانية، لا المولود الحاصل من الجماع في الحال المذكور.

(4) الرواية منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 94 ب 67 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1.

(5) الضمير في قوله «كونه» يرجع إلى الصبيّ. يعني هل يعتبر كون الصبيّ في البيت مميّزا، أم لا؟

37

يشعر (1) به الخبر الأوّل، و أمّا الثاني فمطلق (2).

(و النظر (3) إلى الفرج حال الجماع) و غيره، و حال الجماع أشدّ كراهة، و إلى باطن الفرج أقوى شدّة (4)، و حرّمه بعض الأصحاب، و قد روي أنّه يورث العمى في الولد (5).

(و الجماع مستقبل القبلة و مستدبرها)، للنهي عنه (6)، (و الكلام) من كلّ منهما (7) ....

____________

(1) يعني يؤذن بكون الصبيّ مميّزا الخبر الأوّل.

أقول: لا يخفى إشعار الخبر الأوّل بكون الصبيّ مميّزا في قوله «يسمع كلامهما، و نفسهما» فإنّ السماع كذلك و تشخيص النفس من المجامعين لا يحصل إلّا للصبيّ المميّز، و غير المميّز لا يفهم كيفيّة النفس الحاصلة عند الجماع.

(2) فإنّ الخبر الثاني و هو قوله «و في البيت صبيّ» مطلق، يشمل المميّز و غيره.

(3) بالرفع، عطف على قوله «الجماع». يعنى و يكره النظر إلى فرج المرأة مطلقا، و في حال الجماع يكون أشدّ كراهة.

(4) أي النظر إلى باطن فرج المرأة يكون أقوى في شدّة الكراهة، فإنّ النظر فيه حال الجماع شديد الكراهة، و النظر في باطن الفرج أقوى من حيث الشدّة.

(5) الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي سعيد الخدريّ في وصيّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام) قال: و لا ينظر أحد إلى فرج امرأته و ليغضّ بصره عند الجماع، فإنّ النظر إلى الفرج يوجب العمى في الولد (الوسائل: ج 4 ص 85 ب 59 ح 5).

(6) أي للنهي عن الجماع كذلك في الروايات.

(7) الضمير في قوله «كلّ منهما» يرجع إلى المرء و المرأة المجامعين. يعني و يكره أيضا الكلام منهما عند الجماع حين التقاء الختانين.

38

(عند التقاء الختانين (1) إلّا بذكر اللّه تعالى (2))، قال الصادق (عليه السلام): «اتّقوا الكلام عند ملتقى الختانين، فإنّه يورث الخرس» (3) و من الرجل (4) آكد، ففي وصيّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «يا عليّ، لا تتكلّم عند الجماع كثيرا، فإنّه إن قضي بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس» (5).

(و ليلة الخسوف (6)، و يوم الكسوف (7)، و عند هبوب (8) الريح الصفراء، أو السوداء، أو الزلزلة)، فعن الباقر (عليه السلام) أنه قال: «و الذي بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بالنبوّة، و اختصّه بالرسالة، و اصطفاه بالكرامة، لا يجامع

____________

(1) لا يخفى عدم كراهة كلامهما قبل التقاء الختانين، بل يجوز الكلام المحرّك للغريزة الشهويّة من كليهما بالأخصّ من المرأة. الختان- بالكسر-: الاسم من ختن الصبيّ، ختن الشي‌ء ختنا: قطعه (أقرب الموارد).

الختان- بالكسر-: موضع القطع من الذكر و الفرج، و التقاؤهما يستلزم دخول قدر الحشفة (الحديقة).

فالمراد من «الختانين» هو موضع تختين المرء و المرأة.

(2) فلا يكره الكلام بذكر اللّه عزّ و جلّ عند التقاء الختانين.

(3) الرواية منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 86 ب 60 ح 1.

قوله: «فإنّه يورث الخرس» أي يوجب كون المولود الحاصل من الجماع أخرس.

(4) أي الكلام من الرجل عند التقاء الختانين يكون آكد كراهة.

(5) الرواية منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 87 ب 60 ح 3.

(6) خسف القمر خسوفا: ذهب ضوؤه و أظلم (أقرب الموارد).

(7) الكسوف: مصدر، و قد عرّف الفلاسفة الكسوف الذي هو من صفات الشمس بأنّه استتار وجهها المواجه للأرض و ذلك لحيلولة القمر بينهما (أقرب الموارد).

(8) الهبوب بمعنى ثورة الريح و هيجاناتها.

39

أحد منكم في وقت من هذه الأوقات، فيرزق ذرّيّة فيرى فيها قرّة عين» (1).

(و أوّل ليلة من كلّ شهر إلّا شهر رمضان، و نصفه (2)) عطف على «أوّل (3)»، لا على ....

____________

(1) الرواية منقولة في كتاب مستدرك الوسائل:

دعائم الإسلام: عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه سئل: [هل] يكره الجماع في وقت من الأوقات؟ فقال: نعم، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و من غياب الشمس إلى غياب الشفق، و في الليلة التي ينكسف فيها القمر، و في اليوم الذي تنكسف فيه الشمس، و في اليوم و الليلة اللذين تزلزل فيهما الأرض، و عند الريح الصفراء، أو السوداء، أو الحمراء، و لقد بات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند بعض نسائه في الليلة التي انكسف فيها القمر، فلم يكن منه إليها شي‌ء، فلمّا أصبح خرج إلى مصلّاه، فقالت: يا رسول اللّه، ما هذا الجفاء الذي كان منك في هذه الليلة؟

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان جفاء، و لكن كانت هذه الآية، فكرهت أن ألذّ فيها، فأكون ممّن عنى اللّه في كتابه بقوله: إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمٰاءِ سٰاقِطاً يَقُولُوا سَحٰابٌ مَرْكُومٌ (الطور: 44).

ثمّ قال محمّد بن عليّ (عليه السلام): و الذي بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بالنبوة، و اختصّه بالرسالة، و اصطفاه بالكرامة، لا يجامع أحد منكم في وقت من هذه الأوقات، فيرزق ذرّية، فيرى فيها قرّة عين (مستدرك الوسائل: ج 14 ص 4- 223 ب 47 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1).

(2) بالنصب، عطف على قوله «أوّل ليلة». يعني و يكره الجماع في نصف كلّ شهر أيضا.

(3) في قوله «أوّل ليلة».

40

المستثنى (1)، ففي الوصيّة: «يا عليّ، لا تجامع امرأتك في أوّل الشهر، و وسطه، و آخره، فإنّ الجنون و الجذام و الخبل (2) يسرع إليها (3)، و إلى ولدها»، و عن الصادق (عليه السلام): «يكره للرجل أن يجامع في أوّل ليلة من الشهر و في وسطه (4) و في آخره، فإنّه من فعل ذلك (5) خرج الولد مجنونا، أ لا ترى أنّ المجنون أكثر ما يصرع (6) في أوّل الشهر، و وسطه، و آخره (7)، و روى الصدوق عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «يستحبّ للرجل أن يأتي أهله أوّل ليلة من شهر رمضان، لقوله (8) عزّ و جلّ: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ (9).

____________

(1) هو قوله «شهر رمضان». يعني ليس نصف شهر رمضان مستثنى عن حكم الكراهة، كما أنّ أوّل ليلته يستثنى، بل نصف شهر رمضان يكره الجماع فيه كغيره.

(2) الخبل- بالتحريك-: فساد الأعضاء، و الجنّ، و الجنون (أقرب الموارد).

(3) الضميران في قوليه «إليها» و «ولدها» يرجعان إلى المرأة.

(4) الضميران في قوليه «وسطه» و «آخره» يرجعان إلى الشهر.

(5) المشار إليه هو الجماع في أوّل الشهر و نصفه و آخره.

(6) صرعه، صرعا و صرعا، و مصرعا: طرحه على الأرض (أقرب الموارد).

و المراد هنا عروض الجنون.

(7) الرواية منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 91 ب 64 ح 3.

(8) في سورة البقرة، الآية 187، و «الرفث» في الآية بمعنى المجامعة.

(9) الرواية منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 91 ب 64 ح 1.

41

(و في السفر مع عدم الماء)، للنهي عنه عن الكاظم (عليه السلام) مستثنيا (1) منه خوفه على نفسه.

[يجوز النظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها]

(و يجوز النظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها (2)) و إن لم يستأذنها (3)، بل يستحبّ له النظر، ليرتفع عنه الغرر، فإنّه مستام (4) يأخذ بأغلى ثمن،

____________

(1) يعنى أنّه (عليه السلام) قد استثنى عن حكم الكراهة حال كونه خائفا على نفسه، بمعنى أنّه إذا خاف على نفسه أن ترتكب الحرام لو لم يجامع زوجته إذا لا يحكم بالكراهة.

و الرواية الناهية عن الجماع في السفر منقولة في كتاب التهذيب للشيخ (رحمه اللّه):

أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يكون معه أهله في السفر و لا يجد الماء، أ يأتي أهله؟

قال: ما احبّ أن يفعل ذلك إلّا أن يخاف على نفسه (التهذيب: ج 2 ص 231، الطبع القديم).

أحكام النظر‌

(2) الضمير في قوله «نكاحها» يرجع إلى امرأة يريد نكاحها.

(3) أي و إن لم يطلب الإذن من المرأة.

(4) من سام البائع السلعة، يسومها سوما، و سواما: عرضها و ذكر ثمنها، و- المشتري: طلب بيعها.

«المستام» بصيغة اسم المفعول من باب الافتعال وزان مختار، أصله مستوم، قلبت الواو ألفا، لكون ما قبلها مفتوحا.

و لا يخفى أنّ اسم المفعول و الفاعل كليهما على وزن المستام، لكنّ اسم المفعول مستوم و اسم الفاعل مستوم.

42

كما ورد في الخبر (1)، (و يختصّ) الجواز (2) (بالوجه و الكفّين) ظاهرهما و باطنهما (3) إلى الزندين (4) (و ينظرها قائمة و ماشية)، و كذا يجوز للمرأة نظره (5) كذلك، (و روى) عبد اللّه بن الفضل مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (6) ...

____________

(1) الخبر منقول في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أ ينظر إليها؟ قال: نعم، إنّما يشتريها بأغلى الثمن (الوسائل: ج 14 ص 59 ب 36 ح 1).

و أيضا في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بأن ينظر إلى وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوّجها (المصدر السابق: ح 2).

(2) يعني يختصّ جواز النظر عند إرادة التزويج إلى وجه المرأة و كفّيها.

(3) ضمير التثنية يرجع إلى الكفّين.

(4) الزند- بسكون النون-: موصل طرف الذراع في الكفّ، مذكّر، و هما زندان:

الكوع و الكرسوع (أقرب الموارد).

(5) يعني يجوز للمرأة أيضا النظر إلى وجه المرء و كفّيه ماشيا و قائما عند إرادة النكاح.

(6) الرواية منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن عبد اللّه بن الفضل، عن أبيه، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: أ ينظر الرجل إلى المرأة التي يريد تزويجها، فينظر إلى شعرها و محاسنها؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يكن متلذّذا (الوسائل: ج 14 ص 59 ب 36 ح 5).

43

(جواز (1) النظر إلى شعرها و محاسنها (2)) و هي مواضع الزينة إذا لم يكن متلذّذا، و هي (3) مردودة بالإرسال، و غيره (4).

و يشترط العلم بصلاحيّتها للتزويج بخلوّها (5) من البعل، و العدّة، و التحريم (6)، و تجويز (7) إجابتها، و مباشرة المريد بنفسه، فلا يجوز الاستنابة فيه و إن كان أعمى (8)، و أن لا يكون بريبة (9)، و لا تلذّذ، و

____________

(1) بالنصب، مفعول قوله «روى».

(2) المحاسن جمع، مفرده الحسن: الجمال، و الجمع كذلك على غير القياس و مثله في الندور الملامح جمع لمحة، و المشابه جمع مشبه، و الحوائج جمع حاجة (أقرب الموارد).

(3) أي الرواية المذكورة لا يعمل بها لضعفها بالإرسال و غيره من وجوه الضعف.

أقول: إرسال الرواية هو النقل عن المعصوم (عليه السلام)، و الحال أنّ والد عبد اللّه بن الفضل لم ينقل عن شخص المعصوم، بل نقل بواسطة رجل و هو مجهول، كما ذكرنا سندها عن أبيه، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(4) أي و غير الإرسال، و هو كون الراوي في سندها مشتركا بين الثقة و غيره.

(5) فلا يجوز النظر إلى امرأة ذات بعل، أو ذات عدّة من الطلاق أو الوفاة.

(6) بأن لا تكون محرّمة للناظر، مثل كونها اخت الموقب، أو كونها محرّمة عليه بالرضاع و غير ذلك.

(7) بالجرّ، عطف على قوله «بخلوّها». يعني يشترط العلم بصلاحيّتها للتزويج باحتمال إجابتها، فلا يجوز نظر شخص من الرعايا إلى بنت الملك مثلا بقصد النكاح، لعدم احتمال الإجابة منها.

(8) أي و إن كان مريد النكاح أعمى.

(9) يعني يشترط في جواز النظر إلى المرأة أيضا أن لا يكون النظر بالريبة و التلذّذ.

44

شرط بعضهم (1) أن يستفيد بالنظر فائدة، فلو كان عالما بحالها قبله (2) لم يصحّ (3)، و هو (4) حسن، لكنّ النصّ (5) مطلق، و أن يكون الباعث على النظر إرادة التزويج، دون العكس (6)، و ليس (7) بجيّد، لأنّ المعتبر قصد التزويج قبل النظر كيف كان الباعث.

[يجوز النظر إلى وجه أمة الغير و الذمّيّة و غيرها من الكفّار]

(و يجوز النظر إلى وجه الأمة) أي أمة الغير، و يديها، (و) كذا (الذمّيّة (8))، و غيرها (9) من الكفّار بطريق أولى (10) ....

____________

(1) يعني شرط بعض الفقهاء لجواز النظر إلى المرأة حصول الفائدة للمرء بالنظر إليها، فلو كان عالما بحالها قبل النظر لم يجوز نظره إليها.

(2) الضمير في قوله «قبله» يرجع إلى النظر.

(3) أي لا يجوز النظر.

(4) الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الشرط المذكور من بعض الفقهاء، فإنّ ذلك الشرط حسن، لكنّ النصّ مطلق.

(5) قد ذكرنا الرواية في هامش 6 من ص 42.

(6) المراد من «العكس» هو كون النظر باعثا على التزويج.

(7) أي الشرط المذكور ليس بجيّد، لأنّ الملاك في جواز النظر هو إرادة النكاح، فالباعث كيف كان يجوز معه النظر إليها.

(8) أي يجوز النظر إلى المرأة الذمّيّة، و هي: اليهوديّة و النصرانيّة و المجوسيّة العاملة بشرائط الذمّة المذكورة في مواردها.

(9) أي و كذا يجوز النظر إلى المرأة الكافرة من أيّ فرق كانت.

(10) وجه الأولويّة: جواز النظر إلى الذمّيّة- التي هي أليق لرعاية حرمتها- يدلّ على جواز النظر إلى غيرها من الكفّار.

45

(لا لشهوة) قيد فيهما (1).

[يجوز أن ينظر الرجل إلى مثله ما عدا العورتين]

(و يجوز أن ينظر الرجل إلى مثله (2)) ما عدا العورتين (و إن كان) المنظور (شابّا حسن الصورة (3) لا لريبة) و هو (4) خوف الفتنة، (و لا تلذّذ) و كذا تنظر المرأة إلى مثلها (5) كذلك.

(و النظر (6) إلى جسد الزوجة) باطنا و ظاهرا، و كذا أمته غير المزوّجة (7) و المعتدّة، و بالعكس (8)، و يكره (9) إلى العورة (10)

____________

(1) الضمير في قوله «فيهما» يرجع إلى الأمة و الذمّيّة.

(2) أي يجوز نظر الرجل إلى الرجل بجميع بدنه، إلّا العورتين منه.

(3) أي و إن كان المنظور وجيها.

(4) الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الريبة، و التذكير باعتبار الخبر، و هو قوله «خوف الفتنة».

(5) أي يجوز نظر المرأة إلى المرأة بلا ريبة و تلذّذ.

(6) بالرفع، عطف على فاعل قوله «يجوز» فيما تقدّم قبل ثلاثة أسطر. يعني يجوز النظر إلى جسد الزوجة ... إلخ.

(7) فلو كانت الأمة مزوّجة أو معتدّة لم يجز نظر مالكها إليها.

(8) أي نظر الزوجة و الأمة إلى الزوج و المولى.

(9) نائب الفاعل هو الضمير العائد إلى النظر. يعنى يكره نظر الزوج و المولى إلى العورة من الزوجة و الأمة.

(10) العورة: السوأة، لقبح النظر إليها، و كلّ شي‌ء يستره الإنسان من أعضائه أنفة و حياء من كشفه، ج عورات- بالتسكين- و قرئ عورات النساء- بالتحريك- (أقرب الموارد).

46

فيهما (1)،

[يجوز النظر إلى المحارم]

(و إلى المحارم (2)) و هو من يحرم نكاحهنّ مؤبّدا (3) بنسب، أو رضاع (4)، أو مصاهرة (5) (خلا (6) العورة)، و هي (7) هنا القبل و الدبر.

و قيل: تختصّ الإباحة بالمحاسن (8)، جمعا بين قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (9)، و قوله تعالى: وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ*

____________

(1) أي في الزوجة و الأمة.

(2) عطف على قوله «إلى جسد الزوجة». يعني و يجوز النظر إلى المحارم التي يحرم نكاحهنّ مؤبّدا.

(3) قد أخرج بهذا القيد اخت الزوجة التي لا يحرم نكاحها أبدا، بل يحرم ما دام اختها في حبالة الزوج، فيجوز نكاحها بعد طلاقها أو فوتها.

(4) أي المحرّمات بالرّضاع، مثل الاخت و الامّ و غيرهما.

(5) مثل أمّ الزوجة.

(6) أي إلّا العورة من المحارم.

(7) يعني أنّ المراد من «العورة» هنا القبل و الدبر من المحارم، لا جميع ما يستره من الأعضاء، كما تقدّم معنى العورة في اللغة.

(8) المحاسن: المواضع الحسنة من البدن، و هي جمع حسن أيضا كما تقدّم.

(9) الآية الاولى و الثانية كلتاهما في سورة النور، الآية 30 و 31.

فقال بعض الفقهاء: يجوز النظر إلى محاسن المحارم فقط، فلا يجوز النظر إلى جميع أجسادهنّ، كما هو المشهور، و الدليل على ذلك هو الجمع بين الآية الاولى:

يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ الدالّة على عدم جواز النظر مطلقا، و الآية الثانية:

لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ ... إلخ الدالّة على جواز إظهار النساء زينتهنّ للمحارم. و المراد من «زينتهنّ» هي مواضع الزينة من الوجه و الاذن و ما يعلّق عليه أسباب الزينة.

47

إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ إلى آخره.

[لا ينظر الرجل إلى المرأة الأجنبيّة]

(و لا ينظر الرجل إلى) المرأة (الأجنبيّة) و هي (1) غير المحرم، و الزوجة، و الأمة (إلّا مرّة) واحدة (من غير معاودة (2)) في الوقت الواحد (3) عرفا، (إلّا لضرورة كالمعاملة (4)، و الشهادة) عليها (5) إذا دعي (6) إليها، أو لتحقيق الوطء في الزناء و إن لم يدع (7)، (و العلاج (8)) من الطبيب، و شبهه (9).

[يحرم على المرأة أن تنظر إلى الأجنبيّ]

(و كذا يحرم على المرأة أن تنظر إلى الأجنبيّ، أو تسمع صوته (10)، إلّا لضرورة) كالمعاملة، و الطبّ (11) (و إن كان) ....

____________

(1) الضمير في قوله «و هي» يرجع إلى الأجنبيّة.

(2) فلا يجوز معاودة النظر إلى المرأة الأجنبيّة عمدا.

(3) فيجوز المعاودة في النظر إذا تكرّر الوقت.

(4) يجوز نظر البائع إلى المرأة المشترية سلعة عند الحاجة.

(5) أي يجوز النظر إلى الأجنبيّة عند الشهادة عليها.

(6) نائب الفاعل هو الضمير الراجع إلى الناظر، و الضمير في قوله «إليها» يرجع إلى الشهادة. يعني يجوز النظر إلى الأجنبيّة عند الدعوة إلى الشهادة عليها، فلا يجوز في غير ذلك الحال.

(7) أي و إن لم يدع الناظر للشهادة.

(8) العلاج- بكسر العين- مصدر من عالج يعالج معالجة، و علاجا المريض: داواه.

(9) الضمير في قوله «و شبهه» يرجع إلى الطبيب. و المراد منه مثل الطبيب المحتاج إلى النظر إلى جسد المريض، كالفاصد.

(10) فلا يجوز للمرأة أن تسمع صوت المرء الأجنبيّ.

(11) فيجوز للمرأة أن تنظر الأجنبيّ حين الطبابة و الفصد و العلاج.

48

الرجل (1) (أعمى)، لتناول النهي له (2)، و لقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأمّ سلمة و ميمونة لمّا أمرهما بالاحتجاب من ابن أمّ مكتوم، و قولهما: (3) إنّه أعمى:

«أ عمياوان (4) أنتما، أ لستما تبصرانه» (5).

[نظر المرأة إلى الخصيّ المملوك لها، أو بالعكس]

(و في جواز نظر المرأة إلى الخصيّ (6) المملوك لها (7)، أو بالعكس (8) خلاف (9))، منشأه (10) ظاهر قوله تعالى: أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ

____________

(1) أي و إن كان الرجل الذي تنظره المرأة الأجنبيّة أعمى.

(2) الضمير في قوله «له» يرجع إلى الأعمى.

(3) فقالا: إنّ ابن أمّ مكتوم أعمى، لا يقدر أن يرانا.

(4) قوله «أ عمياوان» تثنية، مفرده عمياء وزان حمراء، و المذكّر منه أعمى، و تثنية المؤنّث عمياوان وزان حمراوان، و الألف في أوّله للاستفهام.

(5) الرواية منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 172 ب 129 ح 4.

(6) الخصيّ: الذي سلّت خصيتاه، ج خصية، و خصيان.

(7) الضمير في «لها» يرجع إلى المرأة.

(8) أي في جواز نظر الخصيّ المملوك إلى مالكته خلاف.

(9) قوله «خلاف» مبتدأ مؤخّر، خبره قوله «في نظر المرأة».

(10) أي منشأ الخلاف ظاهر قوله تعالى: أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ، فإنّ ظاهر الآية يدلّ على جواز نظر المرأة إلى مملوكها الخصيّ و بالعكس، لأنّه أيضا في سياق ما استثني من قوله: وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، مثل غيره ممّن استثني في الآية و هو إحدى عشرة فرقة. انظر الآية 31 من سورة النور: وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ

49

المتناول بعمومه (1) لموضع النزاع (2).

و ما قيل من اختصاصه (3) بالإماء جمعا (4) ...

____________

أَوْ آبٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ (3) أَوْ أَبْنٰائِهِنَّ (4) أَوْ أَبْنٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ (5) أَوْ إِخْوٰانِهِنَّ (6) أَوْ بَنِي إِخْوٰانِهِنَّ (7) أَوْ بَنِي أَخَوٰاتِهِنَّ (8) أَوْ نِسٰائِهِنَّ (9) أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ (10) أَوِ التّٰابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ (11) ... إلخ.

و لا يخفى أنّ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ* في رديف سائر الفرق المستثناة من عدم إظهار الزينة للمؤمنات.

(1) المراد من العموم هو قوله تعالى: أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ، فإنّ مٰا مَلَكَتْ* يعمّ الأمة و العبد كليهما.

(2) موضع النزاع هو العبد الخصيّ المملوك للمرأة.

(3) الضمير في قوله «اختصاصه» يرجع إلى قوله تعالى: مٰا مَلَكَتْ*. يعني قال بعض الفقهاء بأنّ أَوْ مٰا مَلَكَتْ* يختصّ بالإماء، بمعنى أنّه يجوز للمؤمنات إظهار زينتهنّ للإماء التي ملكت أيمانهنّ، فلا يجوز لهنّ أن يبدين زينتهنّ للعبيد الذين يملكن، للجمع بين هذه الآية و قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (النور: 30).

إيضاح: لا يخفى أنّ عموم قوله تعالى من الأمر بغضّ البصر عن غير المحارم يشمل العبد الخصيّ، فيجب عليه أنّ يغضّ بصره عن المرأة التي تملكه أيضا. و عموم قوله تعالى: أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ يشمل العبد الخصيّ و الأمة، فلا يجب على المرأة المالكة للخصيّ إخفاء زينتها عنه، فيتعارض العمومان في العبد الخصيّ، فيحمل ذلك على الإماء المملوكة، لا العبد المملوك الخصيّ، للجمع بين العمومين المتنافيين.

(4) قوله «جمعا» مفعول له لقوله «و ما قيل». يعني أنّ دليل القول باختصاص‌

50

بينه و بين الأمر بغضّ البصر (1) و حفظ الفرج مطلقا (2)، و لا يرد (3) دخولهنّ (4) في نِسٰائِهِنَّ* (5)، لاختصاصهنّ (6) بالمسلمات، و عموم (7) ملك اليمين للكافرات (8).

____________

أَوْ مٰا مَلَكَتْ* بالإماء المملوكات هو الجمع بين العمومين المفهومين من الآيتين، كما أوضحناه.

(1) أي الأمر المستفاد من قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ.

(2) قوله «مطلقا» إشارة إلى عدم الفرق في وجوب غضّ البصر على المؤمنين بين الخصيّ المملوك و غيره.

(3) هذا إيراد لما قيل باختصاص قوله: أَوْ مٰا مَلَكَتْ* بالإماء، بأنّ الإماء يدخلن في قوله: أَوْ نِسٰائِهِنَّ، فلا يحتاج إلى التكرار.

فأجاب عنه بأنّ أَوْ نِسٰائِهِنَّ يختصّ بالنساء المسلمات، و أمّا قوله: أَوْ مٰا مَلَكَتْ* يعمّ الكافرات أيضا.

(4) الضمير في قوله «دخولهنّ» يرجع إلى الإماء.

(5) أي في قوله تعالى في الآية المتقدّمة: أَوْ نِسٰائِهِنَّ.

(6) يعني أنّ قوله: أَوْ نِسٰائِهِنَّ يختصّ بالنساء المسلمات، بمعنى أنّ المؤمنات يجوز لهنّ أن يبدين زينتهنّ للنساء المؤمنات لا الكافرات، بل يجب على المرأة المؤمنة أن تتحجّب في أنظار النساء الكافرات.

(7) الواو في قوله «و عموم» للحاليّة.

(8) فإنّ ملك اليمين يعمّ الإماء المؤمنات و الإماء الكافرات.

أقول: و حاصل الاستدلال عدم جواز نظر المرأة المالكة للخصيّ المملوك و كذا العكس، و هو الأقوى، للاحتياط و تحرّزا عن حصول الفساد.

51

و لا يخفى أنّ هذا (1) كلّه خلاف ظاهر الآية (2) من غير وجه للتخصيص ظاهرا (3).

[يجوز استمتاع الزوج بما شاء من الزوجة]

(و يجوز استمتاع الزوج بما شاء (4) من الزوجة، إلّا القبل في الحيض، و النفاس)، و هو (5) موضع وفاق إلّا من شاذّ من الأصحاب حيث حرّم (6) النظر إلى الفرج، و الأخبار (7) ناطقة بالجواز، و كذا

____________

(1) المشار إليه في قوله «هذا» هو الاستدلال باختصاص الآية بالإماء المملوكات. يعني أنّ ما ذكر من الاستدلال بذلك خلاف ظاهر الآية.

(2) المراد من «ظاهر الآية» عمومها للإماء و العبيد بلا تخصيص للإماء.

(3) كأنّ الشارح (رحمه اللّه) لا يجزم بجواز نظر المرأة إلى الخصيّ المملوك.

أحكام النكاح‌

(4) يعني يجوز استمتاع الزوج من زوجته بأيّ نحو شاء، حتّى بالنظر إلى فرجها عند الجماع و غيره، لكنّ النادر من الفقهاء حرّم الاستمتاع بالنظر إلى فرج الزوجة، استنادا إلى النهي في بعض الأخبار.

(5) الضمير في قوله «و هو» يرجع إلى الجواز المفهوم من قوله «يجوز».

(6) فاعله الضمير العائد إلى القول الشاذّ من الأصحاب.

(7) الواو في قوله «و الأخبار» للحاليّة. هذا ردّ على تحريم الشاذّ من الأصحاب نظر الزوج إلى فرج الزوجة. فمن الروايات المستفادة منها الجواز:

الاولى منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): أ ينظر الرجل إلى فرج امرأته و هو يجامعها؟ قال: لا بأس (الوسائل: ج 14 ص 85 ب 59 من‌

52

القول (1) في الأمة.

[الوطء في دبر المرأة مكروه]

(و الوطء (2) في دبرها مكروه كراهة مغلّظة) من غير تحريم على أشهر القولين (3)، و الروايتين (4)، ....

____________

أبواب مقدّمات النكاح، ح 2).

و الرواية الثانية أيضا منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن يعقوب بإسناده عن سماعة قال: سألته عن الرجل ينظر في فرج المرأة و هو يجامعها؟ قال: لا بأس به إلّا أنّه يوجب العمى (المصدر السابق: ح 3).

(1) أي و كذا يقال بجواز الاستمتاع من الأمة بما شاء حتّى النظر إلى فرجها.

(2) أي الوطي في دبر الزوجة مكروه كراهة مغلّظة.

(3) أي عدم تحريم وطي الزوجة من الدبر أشهر القولين، و المشهور الحرمة.

من حواشي الكتاب: قوله «على أشهر القولين إلى آخره» و عليه أشهر الأصحاب كالشيخين و المرتضى و جميع المتأخّرين، و ذهب القمّيّون و ابن حمزة إلى أنّه حرام، و عليه أكثر العامّة، و جملة ما دلّ على الحلّ تسعة أخبار، ثمانية من طرق الخاصّة (المسالك).

(4) من الروايات الدالّة على جواز وطي الزوجة من الدبر:

الاولى منقولة في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن عليّ بن الحكم قال: سمعت صفوان يقول: قلت للرضا (عليه السلام): أنّ رجلا من مواليك أمرني أن أسألك عن مسألة، فهابك و استحيا منك أن يسألك عنها، قال: ما هي؟ قال: قلت: الرجل يأتي امرأة في دبرها؟

قال: نعم، ذلك له. قلت: و أنت تفعل ذلك؟ قال: لا، إنّا لا نفعل ذلك (الوسائل: ج 14 ص 102 ب 73 من أبواب مقدّمات النكاح، ح 1).

و الرواية الثانية أيضا منقولة في كتاب الوسائل:

53

و ظاهر (1) آية الحرث (2)، (و في رواية) السدير عن الصادق (عليه السلام) (يحرم (3))، ....

____________

محمّد بن الحسن بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ قال: لا بأس به (المصدر السابق: ح 5).

و الرواية الاخرى في كتاب الوسائل:

محمّد بن الحسن بإسناده عن رجل قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن إتيان الرجل المرأة من خلفها؟ فقال: أحلّتها آية من كتاب اللّه قول لوط: هٰؤُلٰاءِ بَنٰاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ و قد علم أنّهم لا يريدون الفرج (المصدر السابق: ح 3).

(1) بالجرّ، عطف على مدخول «على» في قوله «على أشهر القولين». يعني أنّ عدم التحريم مستند إلى ظاهر آية الحرث.

(2) الآية 223 من سورة البقرة: نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ ....

وجه الاستدلال بظاهر الآية أنّ لفظ «أنّى» بمعنى «أين»، فيدلّ على تعدّد المكان، فيجوز للزوج إتيان زوجته من أيّ مكان من المكانين: القبل و الدبر.

(3) و هو دليل القول الآخر في خصوص وطي دبر الزوجة هو الحرمة، كما عن ابن حمزة و القمّيّين.

من حواشى الكتاب: و قد استدلّ المانع بآية الحرث على أنّ ظاهرها كون المأتيّ موضع الحرث، و فيه أنّه قد يؤتى إلى موضع الحرث لا للحرث، بل لغرض آخر، و «أنّى» بمعنى «أين» و هو يدلّ على تعدّد المكان، و هذا هو استدلال المجوّز، و فيه أنّ «أنّى» يجي‌ء بمعنى «كيف» أيضا، مثل أَنّٰى يَكُونُ لِي غُلٰامٌ*، فالآية مجملة و فسّرها بعض العلماء كالطبرسيّ (رحمه اللّه) بمعنى «أين شئتم» و «كيف شئتم»، و هو حمل اللفظ على المعنيين و ليس بمرضيّ عند المحقّقين (المسالك).

54

لأنّه (1) روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «محاشّ (2) النساء على أمّتي حرام (3)» و هو مع سلامة سنده (4) محمول على شدّة الكراهة، جمعا بينه (5) و بين صحيحة ابن أبي يعفور الدالّة على الجواز صريحا.

و المحاشّ جمع محشّة (6) و هو الدبر و يقال أيضا بالسين المهملة (7) كني بالمحاشّ عن الأدبار، كما كني بالحشوش (8) عن مواضع الغائط،

____________

(1) الضمير في قوله «لأنّه» يرجع إلى السدير.

(2) سيشير إلى معنى «المحاشّ» لغة.

(3) رواية السدير منقولة في كتاب الاستبصار للشيخ (رحمه اللّه):

أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبّاس بن موسى، عن يونس، عن هاشم بن المثنّى عن السدير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): محاشّ النساء على أمّتي حرام (الاستبصار: ج 3 ص 244، الطبع الجديد).

(4) لعلّ ترديد الشارح (رحمه اللّه) في سند الرواية من جهة نقل العبّاس عن يونس أو عن غيره و هو مجهول من حيث الثقة، أو من جهة شخص السدير، لأنّه نقل بعض المحشّين في خصوصه عن الصادق (عليه السلام) قال: «السدير عصيدة بكلّ لون».

يعني أنّ سدير متّهم باختيار كلّ عقيدة حقّا أو باطلا (المباحث الفقهيّة).

(5) أي للجمع بين رواية السدير المانعة و بين صحيحة ابن أبي يعفور المجوّزة المتقدّمة في هامش 4 من ص 52.

(6) بفتح الميم.

(7) أي يقرأ المحسّة- بالسين المهملة- أيضا.

(8) الحشوش جمع حشّ- بتشديد الشين- الحشّ- بالتثليث-: البستان، و قيل: النخل المجتمع، و يكنى به عن بيت الخلاء،

55

فإنّ أصلها (1) الحشّ (2)- بفتح الحاء المهملة- و هو الكنيف، و أصله (3) البستان، لأنّهم كانوا كثيرا ما يتغوّطون في البساتين (4)، كذا في نهاية ابن الأثير.

[لا يجوز العزل عن الحرّة بغير شرط]

(و لا يجوز العزل (5) عن الحرّة بغير شرط) ذلك (6) حال العقد، لمنافاته (7) ....

____________

لما كان من عادتهم التغوّط في البساتين، ج حشوش و منه الحديث: «إنّ هذه الحشوش محتضرة»، يعني الكنف و مواضع قضاء الحاجة (أقرب الموارد).

(1) الضمير في قوله «أصلها» يرجع إلى الحشوش.

(2) بتشديد الشين و تثليث الحاء.

(3) الضمير في قوله «و أصله» يرجع إلى لفظ «الحشّ». يعنى أنّ معناه في اللغة البستان.

(4) يعني أنّ تسمية البساتين بلفظ «الحشوش» من باب تسمية الحالّ باسم المحلّ.

و الحاصل: أنّ استعمال المحاشّ في الأدبار إنّما يكون بالمجاز، من باب استعمال الحالّ باسم المحلّ، كما في خصوص «تفرّق المسجد» أي أهل المسجد، و كذا في قولهم «جرى الميزاب» أي جرى ماء الميزاب.

(5) العزل مصدر من عزل الشي‌ء عن غيره عزلا: نحّاه جانبا و أفرزه (أقرب الموارد).

و المراد من «العزل» هنا هو المنع عن ورود النطفة و المني في رحم الزوجة عند الجماع.

(6) المشار إليه في قوله «ذلك» هو العزل. يعني لو لم يشترط الزوج مع الزوجة العزل عند العقد لا يجوز له ذلك، فلو شرط في متن العقد فلا مانع منه.

(7) الضمير في قوله «لمنافاته» يرجع إلى العزل. يعني أنّ علّة عدم جواز العزل هو منافاة العزل لحكمة النكاح.

56

لحكمة النكاح و هي (1) الاستيلاد، فيكون منافيا لغرض الشارع.

و الأشهر (2) الكراهة، لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه سأله (3) عن العزل، فقال: «أمّا الأمة فلا بأس، و أمّا الحرّة فإنّي أكره ذلك، إلّا أن يشترط (4) عليها حين يتزوّجها» (5). و الكراهة (6) ظاهرة في المرجوح الذي لا يمنع من النقيض، بل حقيقة فيه (7)، ....

____________

(1) أي الحكمة للنكاح هي الاستيلاد، و الحال أنّ العزل ينافي لتلك الحكمة.

(2) أي الأشهر بين الفقهاء هو الحكم بكراهة العزل لا الحرمة.

(3) الضمير في قوله «سأله» يرجع إلى أحدهما: الصادق أو الباقر (عليهما السلام).

(4) فاعله الضمير العائد إلى الزوج، و الضمير في قوله «عليها» يرجع إلى الزوجة، و كذلك ضمير قوله «يتزوّجها».

(5) الصحيحة منقولة في كتاب الوسائل: ج 14 ص 106 ب 76 ح 1.

و أيضا في كتاب الوسائل رواية ورد في ذيلها: إلّا أن ترضى، أو يشترط ذلك عليها حين يتزوّجها (المصدر السابق: ح 2)

(6) أي الكراهة في قوله (عليه السلام): «فإنّي أكره ذلك» ظاهرة في المرجوح غير الممنوع من النقيض.

إيضاح: إنّ الراجح المانع من النقيض هو الواجب، مثل الصلوات اليوميّة الممنوعة من النقيض أي الترك، و الراجح غير المانع من النقيض هو الندب، مثل صلاة الليل غير المانع من الترك، و المرجوح المانع من النقيض هو الحرام، مثل شرب الخمر و أكل مال اليتيم ظلما، فالنقيض الممنوع فيه هو ترك ترك الشرب و الأكل يعني الفعل، و المرجوح غير المانع من النقيض هو المكروه، مثل أكل لحم الحمير.

(7) أي الكراهة حقيقة في عدم المنع من النقيض.