الشهادة الثالثة

- الشيخ محمد السند المزيد...
445 /
5

[تصدير]

بسم الله الرحمن الرحيم

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً

المائدة: 3‌

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ

النور 36‌

وَ إِذٰا نٰادَيْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ اتَّخَذُوهٰا هُزُواً وَ لَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَعْقِلُونَ

المائدة: 58‌

وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهٰادٰاتِهِمْ قٰائِمُونَ

المعارج: 33‌

وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ

الانشراح: 4‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تقريظ

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي أخذ الإيمان برسالة خاتم أنبيائه دينا في ميثاقه على جميع أنبيائه لإعطائهم النبوة حيث قال: وَ إِذْ أَخَذَ اللّٰهُ مِيثٰاقَ النَّبِيِّينَ لَمٰا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتٰابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمٰا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قٰالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قٰالُوا أَقْرَرْنٰا قٰالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّٰاهِدِينَ (1). فكان جميع الأنبياء و الرسل على دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد جعل تعالى من أصول هذا الدين و الديانة أيضا ولاية وصيه عليّا (عليه السلام) حيث قال: يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ (2) و قال تعالى الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلٰا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً (3) فجعل الولاية من الدين‌

____________

(1) آل عمران، آية: 81.

(2) المائدة، آية: 67.

(3) المائدة، آية: 3.

8

الواحد الذي بعثت به جميع الأنبياء لا من مختصات الشريعة الأخيرة.

ثم الصلاة و السلام على المبعوث رحمة للعالمين لكل الأزمنة و البيئات البشرية إلى يوم القيامة الذي قال تعالى في شأنه وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ (1) فقرن ذكره بذكر اللّه تعالى حيث ما يذكر، فرفع ذكره في الأذان مع ذكره تعالى كما قرن اسمه باسمه في العرش، و على آله المطهرين الذين أذهب عنهم الرجس و الذي قال تعالى في شأنهم إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ... (2)

و قال فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ (3) و قال رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ (4)، فرفع اللّه تلك البيوت و التي هي رجال معصومون من الرجس مطهرون، كما رفع ذكر نبيه، فقرن الشهادة بولايتهم بالشهادتين. فجعل حقيقة التشهّد في شريعة الإيمان هي الشهادات الثلاث و نعت أهل الإيمان بقوله: وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهٰادٰاتِهِمْ قٰائِمُونَ (5) فجمع لفظ الشهادة.

و بعد: فهذا الكتاب سفر استدلالي في الآيات و الروايات و السيرة و فتاوى المتقدّمين حول الشهادة الثالثة في الأذان و تشهّد الصلاة، قد قام جناب‌

____________

(1) الانشراح: 4.

(2) النور: الآية: 35.

(3) النور، الآية: 36.

(4) النور: الآية: 37.

(5) المعارج، الآية: 33.

9

الفهامة اللوذعي نجم الأفاضل الشيخ علي الشكري دام توفيقه بتقريره بعد ما عرض لي مجموع من التساؤلات حول الوجيزة التي كنت كتبتها في ذلك و طبعت عام 1418 ه‍. ق فوجدت الإجابة عليها تكوّن كتابا مستقلا و قد كتب التوفيق الإلهي أن وقفنا على شواهد روائية و موارد للاستدلال لم يقف عليها البحث الفقهي من قبل.

فأرجو منه تعالى له المزيد من التوفيق و النجاح لخدمة الدين و منهاج الحق و الهدى.

محمّد السند‌

5/ ربيع الأول/ 1426 ه‍. ق‌

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه، الحمد للّه على هدايته إلى حقائق الإيمان و أنار قلوبنا بأنوار العلم و المعرفة بأهل بيته محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بقدر ما احتملته قلوبنا و وعته عقولنا القاصرة ثم الصلوات الزاكيات على سيّدنا و نبينا و شفيع ذنوبنا و حبيب قلوبنا محمّد الصادع بالدين الحنيف و المبلغ لرسالات ربه و على آله الأطهار و الدعاة إلى اللّه و الناشرين لأحكام اللّه لا سيما سيّد العترة المشهود له بالولاية في السموات و الأرضين المقرون اسمه بنبي الرحمة في كل عالم الوجود و الإمكان.

و بعد: إن من منن المولى القدير جل شأنه و معونة سيّد المرسلين و آله الطاهرين أن وفقت لحضور أبحاث الاستاذ المحقق آية اللّه الشيخ محمّد السند (دامت إفاداته و تأييداته) و الارتواء من منهله الصافي العذب و قد امتازت أبحاثه بالدقة و التحقيقات البكر لا سيما بحث الشهادة الثالثة في الأذان و الإقامة و باقي أفعال الصلاة إذ أنني لم أجد أحدا من السابقين و لا المتأخرين قد بلور جزئية الشهادة الثالثة بهذه الطريقة و هذا الفهم الدقيق و الواسع و المستفاد من الضوابط العامة و القواعد الأساسية للمذهب و الدين كما قد امتاز بحثه بالتفحص الطويل و العميق في روايات و تراث أهل البيت (عليهم السلام) فللّه دره‌

12

و على اللّه أجره و ألحقه اللّه و جمعه مع أئمتنا المعصومين الطاهرين.

و بعد: فانه قد قال تعالى: يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ (1).

فيا ترى ما هذا الذي أمر الرسول بالنداء به على رءوس الناس في أخريات حياته المزامن لآخر سورة نزلت عليه؟ و ما هذا الأمر الذي عدل بإبلاغه رب العزة إبلاغ كل الرسالة؟ أو ما كان رسول اللّه قد أبلغ فريضة التوحيد من شهادة أن لا إله الا اللّه منذ أول يوم صدع بالرسالة في مكة أو ما كان رسول اللّه قد أبلغ الفريضة الثانية بأنه رسول اللّه، و أي شي‌ء يعظم خطبه مثل الشهادتين بحيث ينذر الباري نبيه بأن عدم إبلاغه للناس هو بمنزلة عدم الإبلاغ للرسالة برمّتها و ما هو هذا الأمر الذي يتخوف من الناس التمرد عليه و عدم انصياعهم له، أو ما كان الشرك و عبادة الأصنام مستفحلة في قلوبهم و مع ذلك سارع (صلّى اللّه عليه و آله) بإبلاغ التوحيد عند ما أمر بالصدع أو ما كانت قريش و العرب و الجاهلية تنابذ بني هاشم على نبوة النبي و مع ذلك لم يأبه (صلّى اللّه عليه و آله) من الإنذار و التبشير بنبوته، فاذن أي شي‌ء هذا الذي يخشى النبي من عصيان و تمرد الناس عن الاستجابة إليه؟ ثم ما هذا الأمر الذي يوجب سلب الإيمان عن الناس بتمردهم عليه؟

إن هذا الأمر تطالعنا الآية الأخرى في سورة المائدة بالإفصاح عنه حيث قال تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلٰا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ

____________

(1) المائدة، الآية: 67.

13

أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً (1).

و هذه الآية تناغم الآية السابقة، و تفصح عن حدث في ذلك اليوم قد وقع به أياس الكفار من إزالة الدين و به حصلت الضمانة الإلهية لخلود هذا الدين كما حصل به عزة المسلمين و منعة حوزتهم فما هو هذا الشي‌ء الذي حدث في ذلك اليوم و كتب به إعزازهم و ما هذا الأمر في ذلك اليوم الذي لولاه لم يكمل الدين و لولاه لم يرض الربّ تعالى الإسلام دينا؟ و هذا التعبير على وزان التعبير في الآية الأولى من أن لو لا إبلاغ ذلك لما حصل إبلاغ الرسالة أي أنه ثمرة الرسالة و ضمان بقائها و أن من أركان الاعتقاد الذي به يتكامل ظاهر الإسلام إلى طور حقيقة الإيمان إذ أنه الغاية المرضيّ بها من ظاهر الإسلام، قال تعالى: قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ (2).

فكانت بيعة الغدير و ميثاق الولاية بالشهادة الثالثة تتلو الشهادتين و بها كمال الدين لا خصوص الشريعة و رضى الرب للاسلام، و لا مجرد الشرعة و المنهاج فآلت ركنا اعتقاديا ثالثا في الدين بل هي شرط حقيقة التوحيد كما في حديث الرضا (عليه السلام) المعروف بالسلسلة الذهبية عن آبائه عن رسول اللّه حيث قال: «سمعت أبي موسى ابن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمّد يقول سمعت أبي محمّد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول:

____________

(1) المائدة، الآية: 3.

(2) الحجرات، الآية: 14.

14

سمعت أبي الحسين بن علي بن أبي طالب يقول: سمعت أبي امير المؤمنين يقول: سمعت رسول اللّه يقول: سمعت جبرئيل يقول: سمعت اللّه جل جلاله يقول: لا إله إلّا اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي قال: فلما مرت الراحلة نادانا بشروطها و أنا من شروطها» (1).

فآلى بتجريد الشهادتين من الشهادة الثالثة إلى الانخلاع من ربقة الإيمان و قد جعل تعالى من صفات الإيمان في المؤمنين ما أشار إليه في قوله تعالى:

وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهٰادٰاتِهِمْ قٰائِمُونَ (2).

فجاء بلفظ الجمع ليدلّك على زيادة الشهادات على الاثنتين و قد تواترت الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) بل و عن جملة من مصادر العامة على أن التشهّد حقيقة شرعية في الشهادات الثلاث بل و في مجمل العقائد الحقّة و ذلك بلسان اقتران الشهادات الثلاث في كل مراحل نواميس الخلقة الإلهية و سيأتي الإشارة إلى المصادر الروائية و مظانّ أبواب تلك الروايات‌

كما قد ورد أن التشهّد كحقيقة شرعية أخذت في حقيقة الأذان و جعل في مطلع الأذان للنداء به فكانت مجموع هذه المقررات الشرعية بمثابة التقرير الواضح من الشرع على النداء بالشهادة الثالثة في الأذان حيث ينادى فيه بالتشهّد بل قد روى اقتران الشهادات الثلاث في حقيقة التشهّد جملة غفيرة‌

____________

(1) التوحيد- للصدوق- ص 25، باب ثواب الموحدين و العارفين، ح 23.

(2) المعارج، الآية: 33.

15

من الصحابة (1) كما ورد في روايات الفريقين مما يدلّك على تأصل تشريعها النبوي في الأذان منذ عصر صاحب الرسالة كما هو الحال في إبلاغه لميثاق الولاية في بيعة الغدير، هذا مضافا إلى ما يأتي من الأدلة الخاصة على ذلك إلّا أنه كما تنكّر لأصل الولاية و لبيعة الغدير تنكّر أيضا للنداء بالشهادة الثالثة في الأذان كيف لا و قد جرى بعد وفاة الرسول ما لا تستوعبه الأسماع و قد روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن صالح بن السندي عن جعفر بن بشير عن عنبسة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): (قال: إياكم و ذكر علي و فاطمة فإن الناس ليس شي‌ء أبغض إليهم من ذكر علي و فاطمة (عليهما السلام) (2).

و قال ابن أبي الحديد المعتزلي في معرض كلامه عن حرب بني أمية لعليّ و لذكره (قال: إن الطباع تحرص على ما تمنع منه و تلح فيه فالناس لما منعوا من ذكر فضائله و الموالاة له و ألزموا سبه و بغضه ازدادوا بذلك محبة له و إظهارا لشرفه و لذلك سبّوه بني أمية ألف شهر على المنابر فما زاد ذلك ذكر علي إلّا علوا و لا ازداد الناس في محبته إلا غلوا) (3).

و أخرج مالك في الموطأ بإسناده أن رجلا سأل عثمان بن عفّان عن الأختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال: أحلتهما آية فأمّا أنا فلا أحب أن أصنع ذلك، قال: فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) سيأتي ذكر هذه الروايات في مطاوي الكتاب.

(2) الكافي، ج 8، ص 159.

(3) شرح نهج البلاغة، ج 13، ص 223.

16

فسأله عن ذلك فقال: لو كان ليس من الأمر شي‌ء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا.

قال ابن شهاب أراه علي بن أبي طالب و علّق ابن عبد البر في كتاب الاستذكار على هذه الرواية بقوله: (إنّما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب لصحبته عبد الملك بن مروان و كانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب) (1).

و كذلك روي (أنه قد أدخل عدي بن حاتم الطائي على معاوية و قال له:

ما أبقى الدهر من ذكر علي بن أبي طالب فقال عدي: فهل رعي الدهر إلّا ذكرا و قال: كيف حبّك له فتنفس الصعداء، و قال: حبي و اللّه جديد لا يبيد و قد تمكّن من شغاف الفؤاد إلى يوم المعاد و قد امتلأ من حبه صدري و فاض في جسدي و فكري) (2).

و نقل ابن أعثم في الفتوح أيضا (أن معاوية قال له: يا أبا طريف ما الذي أبقى لك الدهر من ذكر علي بن أبي طالب فقال عدي: و هل يتركني الدهر أن لا أذكره قال: فما الذي بقي في قلبك من حبه، قال عدي: كله و إذا ذكر ازداد فقال معاوية: ما أريد إلا أخلاق ذكره فقال عدي: قلوبنا ليست بيدك يا معاوية فضحك معاوية ... الحديث) (3).

____________

(1) الموطأ لمالك بن أنس، ج 2، ص 10، راجع أيضا تفسير ابن كثير ج 1، ص 484، و قد ذكر الشيخ الأميني تسعة مصادر أخرى في كتاب الغدير فراجع ج 8، ص 215، طبعة طهران.

(2) أشعة الأنوار في فضل حيدر الكرار، ص 314- طبعة النجف.

(3) الفتوح لابن أعثم، ج 3، ص 134.

17

و روى أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني عن ابن عائشة قال: كان أبو عدي يكره ما يجري عليه بنو أمية من ذكر علي و سبّه على المنابر و يظهر الإنكار لذلك فشهد عليه قوم من بني أمية بمكة بذلك و نهوه عنه فانتقل إلى المدينة و قال:

شردوا بي عند امتداحي عليّا * * *و رأوا ذاك في داء دويا

فوزي ما أبرح الدهر حتى * * *تختلي مهجتي بحبي عليا

و بنيه لحب أحمد أني * * *كنت اجبتهم بحب الدنيا

حب دين لا حب دنيا و شر * * *الحب حب يكون دنيويا (1)

و نقل ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافي قوله: (لو لا ما غلب على الناس من الجهل و حب التقليد لم يحتج إلى نقض ما احتجّت به العثمانية فقد علم الناس كافة أن الدولة و السلطان لأرباب مقالتهم و عرف كل أحد على أقدار شيوخهم و علمائهم و أمرائهم و ظهور كلمتهم و قهر سلطانهم و ارتفاع التقية عنهم و الكرامة و الجائزة لمن روى الأخبار و الأحاديث في فضل أبي بكر و ما كان من تأكيد بني أمية لذلك و ما رواه المحدثون من الأحاديث طلبا لما في أيديهم فكانوا لا يألون جهدا في طول ما ملكوا أن يخملوا ذكر علي (عليه السلام) و ولده و يطفئوا نورهم و يكتموا فضائلهم و مناقبهم و سوابقهم و يحملوا على شتمهم و سبّهم و لعنهم على المنابر فلم يزل السيف يقطر من دمائهم مع قلة عددهم و كثرة عدوهم فكانوا بين قتيل و أسير و شريد‌

____________

(1) قاموس الرجال ج 10، ص 131، المجدي في أنساب الطالبيين- لعلي بن محمّد العلوي، ص 364.

18

و هارب و مستخف و ذليل و خائف و مترقب حتى أن الفقيه و المحدّث و القاضي و المتكلم يتقدّم إليه و يتوعد بغاية الإبعاد و أشد العقوبة ألّا يذكروا شيئا من فضائلهم و لا يرخصوا لأحد أن يطيف بهم و حتى بلغ من تقية المحدّث أنه إذا ذكر حديثا عن عليّ (عليه السلام) كنّى عن ذكره فقال: قال رجل من قريش و فعل رجل من قريش و لا يذكر عليّا (عليه السلام) و لا يتفوه باسمه ثم رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله و وجّهوا الحيل و التأويلات نحوه من خارجي مارق و ناصب حنق و ثابت مستبهم و ناشئ معاند و منافق مكذب و عثماني حسود يفترض و يطعن ... و قد علمت أن معاوية و يزيد و من كان بعدهما من بني مروان أيام ملكهم- و ذلك نحو ثمانين- لم يدعوا جهدا في حمل الناس على شتمه و لعنه و إخفاء فضائله و ستر مناقبه و سوابقه) (1).

ثم ذكر ابن أبي الحديد روايات مستفيضة من مصادرهم في السنن التي أقامها بنو أمية في النيل من علي (عليه السلام) و شتمه فلاحظ ذلك (2).

و كذلك نقل ابن أبي الحديد في موضع آخر بقوله (و لقد كان الحجاج و من ولاه كعبد الملك و الوليد و من كان قبلهما و بعدهما من فراعنة بني أمية على إخفاء محاسن علي (عليه السلام) و فضائله و فضائل ولده و شيعته و إسقاط أقدارهم أحرص منهم على إسقاط قراءة عبد اللّه و أبي لأن تلك القراءات لا تكون سببا لزوال ملكهم و فساد أمرهم و انكشاف حالهم و في اشتهار فضل علي (عليه السلام)

____________

(1) شرح نهج البلاغة- لابن أبي الحديد- ج 13، ص 219.

(2) شرح نهج البلاغة- لابن أبي الحديد- ج 13، ص 219.

19

و ولده و إظهار محاسنهم، بوارهم و تسليط حكم الكتاب المنبوذ عليهم فخرصوا و اجتهدوا في إخفاء فضائله و حملوا الناس على كتمانها و سترها و أبى اللّه أن يزيد أمره و أمر ولده إلّا استنارة و إشراقا و حبهم إلّا شغفا و شدة و ذكرهم إلا انتشارا و كثرة، و حجتهم إلّا وضوحا و قوة، و فضلهم إلّا ظهورا و شأنهم إلّا علوا و اقدارهم إلّا إعظاما حتى أصبحوا بإهانتهم إياهم أعزاء ...) (1) الحديث.

و من هذا يعلم أن ذكر أهل البيت (عليهم السلام) حاربه أعداء اللّه بهذه الصورة مع أن ذكرهم لم يكن في أذان أو في صلاة بل كان ذكر فضائلهم و محاسنهم و هم سادة الخلق على رءوس الأشهاد من خلال الخطب و مجالس الذكر فكيف إذن لو ذكر علي و أولاده في الأذان و هو الحق ما ذا كانت تصنع قريش و ما ذا كان يصنع معاوية و هو الذي كان يصعب عليه أن يسمع ذكر خاتم النبيين و سيد المرسلين- الذي نقله و نقلهم من الضلالة إلى الهدى- في الأذان و لو لا خوف الاتهّام بصراحة الكفر و الخروج عن الإسلام لأسقط ذكره (صلّى اللّه عليه و آله) من الأذان بل من كل شي‌ء في ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إلى هذا المعنى أشارت روايات عديدة من مصادرهم أذكر بعضا منها.

الأولى: ما رواه أحمد بن أبي طاهر في كتاب (أخبار الملوك) أن معاوية سمع المؤذّن يقول «أشهد أن لا إله إلا اللّه» فقالها ثلاثا، فقال: أشهد أن محمّدا رسول اللّه فقال: للّه أبوك يا ابن عبد اللّه لقد كنت عالي الهمة، ما رضيت إلا أن‌

____________

(1) شرح نهج البلاغة، ج 13، ص 223.

20

يقرن اسمك باسم رب العالمين» (1).

الثانية: (روى الزبير بن بكار في الموفقيات و هو غير متّهم على معاوية و لا منسوب إلى اعتقاد الشيعة لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي (عليه السلام) و الانحراف عنه، قال: بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء و رأيته مغتما فانتظرته ساعة و ظننت أنه لأمر حدث فينا فقلت: ما لي أراك مغتما منذ الليلة؟ فقال: يا بني جئت من عند أكفر الناس و أخبثهم قلت: و ما ذاك؟ قال:

قلت له و قد خلوت به: إنك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فإنك قد كبرت و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو اللّه ما عندهم اليوم شي‌ء تخافه و إن ذلك مما يقي لك ذكره و ثوابه فقال: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عدي، فاجتهد و شمّر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلّا ان يقول قائل: عمر، و إن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: «أشهد أن محمّدا رسول اللّه» فأي عمل يبقى؟ و أي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا و اللّه إلّا دفنا دفنا) (2).

و من هذين الروايتين يعلم عدم تسليم معاوية بالشهادة الثانية و للّه در ابن أبي الحديد حيث قال (و قد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية و لم‌

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد، ج 10، ص 101- طبعة مكتبة المرعشي النجفي.

(2) شرح ابن أبي الحديد، ج 6، ص 129- 130.

21

يقتصروا على تفسيقه و قالوا عنه إنه كان ملحدا لا يعتقد النبوة، و نقلوا عنه في فلتات كلامه و سقطات ألفاظه ما يدل على ذلك) (1).

و لذا مورست التقية و بشكل شديد اتجاه الإعلان بذكر فضائل علي (عليه السلام) و ولده و لا سيما ذكره (عليه السلام) في الأذان منذ عهد رسول اللّه فلم يكن بد من تبليغ الشهادة الثالثة إلى خواص الأصحاب و المؤمنين و المسلمين بولايته بل إن الحكومة آنذاك أحسّت و علمت بوجود ذكر لعلي و ولده بغير صيغة و فصل الشهادة لعلي في الأذان و لذا أقدمت على حذف فصل (حي على خير العمل) من الأذان مع الإيهام و التمويه بعلّة أخرى للحذف في أوساط المسلمين و قد أشارت إلى ذلك رواية الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) حيث سأله ابن أبي عمير فقال (حي على خير العمل، لم تركت من الأذان؟ قال: تريد العلة الظاهرة أو الباطنة؟ قلت: أريدهما جميعا، فقال: أما العلة الظاهرة فلئلا يدع الناس الجهاد اتّكالا على الصلاة، و أما الباطنة فإنّ خير العمل الولاية، فأراد من أمر بترك حي على خير العمل من الأذان أن لا يقع حثّ عليها و دعاء إليها) (2).

الشهادة الثالثة و التقية:

إن من أظهر مصاديق التقية و أبرزها هو الاتقاء عن ذكر فضائل علي (عليه السلام) و ولده و حيث كانت الشهادة الثالثة هي اقتران ذكر علي بذكر اللّه و رسوله في‌

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد، ج 60، ص 129.

(2) الوسائل- أبواب الأذان و الإقامة، باب 19، ح 16.

22

الأذان يعني الإقرار بولايته و وصايته بعد رسول اللّه و لهذا لا معنى أن يسكت عليه الناصبون العداوة لعلي و أولاده لأنه يعني الهدم لحكومتهم و تسلطهم على الناس لأن عليّا (عليه السلام) بعد لم يمت فكيف يذكر اسمه في كل يوم خمس مرات و هو في معزل عن إدارة المسلمين و قيادتهم في الظاهر، هذا مضافا إلى ما ذكره لنا التاريخ من تجريدهم من كل أسباب القوة الظاهرية أو إثبات إمامتهم بعد رحيل رسول اللّه من خلال الهجوم على الدار و إجبار علي (عليه السلام) على البيعة و منع رواية الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما فيه من أحاديث الفضائل الكثيرة في علي (عليه السلام) و لذا بقيت هذه السيرة من ذكر علي (عليه السلام) في الأذان و الصلاة عند المتمسكين بوصايا النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كما سيأتي في رواية كدير الضّبي و بعض الصحابة المخلصين خوفا من اظهارها لما كانوا يجدوا في أنفس الناس من حرج ذكر علي (عليه السلام) فقد روى علي بن إبراهيم القمي معتبرة أبي بصير سمعت أبي عبد اللّه (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى الَّذِينَ كٰانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطٰاءٍ عَنْ ذِكْرِي (1) فقال يعني بالذكر ولاية علي (عليه السلام) و هو قوله: ذكري قلت: قوله (لٰا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) قال: كانوا لا يستطيعون إذا ذكر علي (عليه السلام) عندهم أن يسمعوا ذكره لشدة بغض له و عداوة منهم له و لأهل بيته) (2).

و لذلك عمد أولئك الأعداء إلى كتمان الشهادة لعلي في الأذان بل منع‌

____________

(1) الكهف، آية: 101.

(2) تفسير القمي، ج 2، ص 47.

23

كل ما يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد فقد روي في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ الْبَيِّنٰاتِ وَ الْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ لِلنّٰاسِ فِي الْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللّٰاعِنُونَ (1) فوجّهوا اللعنتين إلى اليهود الكاتمين نعت محمّد و صفته (صلّى اللّه عليه و آله) و ذكر علي (عليه السلام) و حليته و إلى النواصب الكاتمين لفضل علي و الرافضين لفضله.

ثم قال اللّه عزّ و جل: إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا من كتمانه وَ أَصْلَحُوا أعمالهم، و أصلحوا ما كانوا أفسدوه بسوء التأويل، فيجحدون به فضل الفاضل و استحقاق المحق وَ بَيَّنُوا ما ذكره اللّه تعالى من نعت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و صفته من ذكر علي (عليه السلام) و حليته و ما ذكره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فَأُولٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أقبل توبتهم وَ أَنَا التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ (2) الحديث.

فكان هذا الظرف العصيب أحد الأمور التي ساعدت في عدم التفات البعض إلى عدم وصول النصوص الصريحة أو خفاء النصوص الصريحة و بقائها في صدور الذين أمنوا سيرة دينية في صلواتهم و عباداتهم و هكذا إلى أن أصبحت و كأنها من المسلّمات الفقهية عند جماعة من عدم جزئية الشهادة الثالثة في الأذان و كان قبل دور؟ الصدوق (رحمه اللّه) في إيهام الراويين و المصرّحين بالروايات الذاكرة لعلي (عليه السلام) في الأذان و لعله للتقية أو لغلبة مسلك القمّيين في علم الرجال و هذا أيضا ساعد على عدم وضوح الحقيقة و استبهامها بل‌

____________

(1) البقرة، آية: 159.

(2) التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام)، ص 571.

24

دفع البعض إلى الاعتقاد بالبدعية لاعتقاد جزئية الشهادة الثالثة و لكن مع ذلك كانت هناك فتاوى من علمائنا السابقين كالسيد المرتضى المعاصر للصدوق من دفع الذاكرين لعلي (عليه السلام) في الأذان إلى الإمام من خلال فتواه في كتابه المسائل الميّافارقية بأن المعتقد بجزئية الشهادة الثالثة غير مأثوم و كذا فتوى الشيخ ابن براج في المهذّب بل و كذا شيخ الطائفة الطوسي- (رضوان اللّه عليه) في المبسوط بعدم الأثم للعامل بتلك الروايات مع تلك القراءة الدقيقة لفتواه كما سيأتي في تحليلات أستاذنا المحقق حفظه اللّه لفتوى الشيخ (قدّس سرّه) و كذا الشهيد في الذكرى و غيرهم مما سيأتي استعراضه.

فاللازم على الباحث التريث و التدبر و التمعن في مواد البحث و تجنب القراءة السطحية العابرة و عدم الغفلة عن الفذلكات الصناعية و قد تنوعت دلالة الأدلة في هذا البحث بين ما هو صريح كالطوائف الروائية التي أشار إليها الصدوق في الفقيه و بين ما هو بالدلالة الالتزامية و بالتعريض مما ينظم إلى شواهد أخرى فتتكون دلالة الاقتضاء و بين ما هو دال لبّا كالسيرة المتقادمة كما اختلفت درجات الدلالة بتقريب الصياغات المختلفة لها على وجه الجزئية الخاصة في الأذان و التشهّد أو الجزئية المختصة ببيان الصلاة أو الجزئية الندبية الخاصة و العامة أو الشعارية.

فهذا الكتاب مشتمل على عدة أبحاث:

1- تخريج الفذلكة الصناعية الدقيقة للمشروعية وفق ميزان وجوه متعددة أصولية و فقهية و حديثية درائية مع تبيان حقيقة مؤدى أقوال أعلام الطائفة.

2- الإلفات إلى كون الروايات الواردة في ضمّن فصول الأذان المشار إليها‌

25

من قبل الصدوق (قدّس سرّه) هي موجودة في أصول الأصحاب المعتبرة.

3- كون هذه الأخبار معتبرة في نفسها بشهادة وصفها بالشذوذ لا الضعف و أنهم متهمون بالغلو لا أنه متحقق من غلوهم.

4- فتوى ابن براج (قدّس سرّه) في مهذّبه بإحدى طوائف تلك الروايات التي أشار إليها الصدوق (قدّس سرّه) في الفقيه مما يعزز النقطتين السابقتين.

التنويه إلى أن منشأ أعراض الصدوق و العديد من القدماء عن تلك الروايات هو صحيحة زرارة و هي لا تقوى على المعارضة بل لا توجد معارضة لطبيعة و نمط لسان الروايات الواردة في فصول الأذان.

6- إقرار الصدوق (قدّس سرّه) كما يظهر ذلك من الشيخ أيضا بوجود قطاعات من الشيعة في زمانه تؤذّن بالشهادة الثالثة.

7- الإشارة إلى روايات عديدة لم يستدلّ بها من قبل في المقام ذات دلالة قريبة المرمى من المطلوب مع بيان الفنية الفقهية للدلالة.

8- التنبيه على وجود روايات دالّة على الاستحباب المطلق للقرآن في الأذان بين الشهادة الثالثة و الأولتين و تكرارها بعدد تكرارهما.

9- التنبيه على أن التشهّد بالثالثة باللسان وزانه وزان التشهّد بالشهادتين في كونهما سببا للدخول في حظيرة الإسلام و هي كذلك في كونها سببا للدخول في الإيمان بمقتضى تعريفه أنه: «الاعتقاد بالجنان و الاقرار باللسان و العمل بالأركان» و هو مراد المشهور في تعبيرهم- في فصول الأذان- (أنها من أحكام الإيمان بلا خلاف بمقتضى المذهب الحق) و مدلول الروايات المتواترة و المستفيضة ذلك أيضا.

10- تحليل مغزى ورود الكم الغفير المستفيض من الروايات الحاكية عن اقتران الشهادات الثلاث في مواطن شريفة عديدة من مدارج الخلقة.

11- نقل كلام المتقدّمين في جواز و استحباب ذكر الشهادة الثالثة في‌

26

تشهّد و تسليم الصلاة و بيان الفذلكة الصناعية في ذلك و ارتباطها بالأذان و أنها أي ذكر الشهادة الثالثة في التشهّد من المشهور المفتى به عند المتقدّمين من علمائنا رحمهم اللّه، كأمثال الصدوق و والده و المفيد و الشيخ في النهاية و مصباح المتهجد و ابن براج و غيرهم.

هذا و أخيرا أسأل اللّه تعالى أن يوفقنا للإخلاص في ولاية أهل البيت (عليهم السلام) و أن يجعلنا من العارفين بحقيقة مقامهم و المتمسكين بولايتهم و أن يحفظ أستاذنا الأجل في نشر معارف الدين و الحمد للّه رب العالمين.

علي الشكري‌

10/ ربيع الأول/ من عام 1426 هجرية‌

على مهاجرها آلاف التحية و السلام‌

في جوار السيدة الجليلة الطاهرة‌

فاطمة المعصومة- قم المقدسة‌

27

المدخل

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه الشاهد و الشهيد على خلقه الآخذ عليهم المواثيق و العهود و الصلاة و السلام على النبي الشاهد من قبله تعالى و المشهود له بالرسالة و على آله شهداء اللّه على أعمال خلقه و الرسول من بعد شهيدا عليهم.

و بعد: فإن شعيرة الأذان و الإقامة من أبرز الشعائر العظيمة التي يزاولها المسلم و المؤمن في كل يوم كما أنها من أبين و أظهر الشعائر المميزة لجماعة المسلمين في أي بقعة تواجدوا فيها و المميزة لهم عن بقية الملل و الأمم، كيف لا و قد تضمّن الأذان الشهادتين اللتين هما مفتاح بوابة الدخول في الإسلام، فالأذان يحمل في طياته عناوين متعددة كما أشار إليها الفقهاء (1) و لا يقتصر على عنوان المقدمية للصلاة. و بالأحرى أن مقدميته للصلاة متقومة بتلك العناوين المطوية فيه التي: منها: أنه تشهّد بالشهادات الحقة، و التي منها أنه دعوة للصلاة و التي منها أيضا أنه ذكر و تنزيه و تهليل.

____________

(1) سيأتي استعراض حقيقة الأذان و كلمات الفقهاء فيها.

28

الأذان في التشريع القرآني:

لما كان التشهّد هو تشهّد بالشهادات الحقة فهو امتثال لمصداق قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَمٰانٰاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رٰاعُونَ* وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهٰادٰاتِهِمْ قٰائِمُونَ* وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ (1) فإن التعبير بالآية بلفظ الجمع لا بلفظ التثنية مما يدلّك على تعدد الشهادة بالحق و قال ابن عباس (كما روى عنه عطاء: يريد الشهادة بأنه واحدة لا شريك له و القراءة بالجمع هو قراءة سهل و يعقوب و حفص كما روي عنه) (2) و روى عن سهل أن المراد بالإقرار بالشهادات هو الإقرار بالشهادتين (3).

أقوال المفسرين للآية:

ذكر بعضهم أن أحد الأقوال في تفسير الآية أن المراد بإقامة الشهادة أو الشهادات هو الإقرار بالشهادتين يعني الشهادة بالتوحيد و النبوة و يعضد هذا التفسير (4) في الآية السابقة قوله تعالى: وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَمٰانٰاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رٰاعُونَ فإن إقامة الشهادة أحد مصاديق الأمانات كما في قوله تعالى إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا (5) و الآية تشير إلى أن أبرز و أهم‌

____________

(1) سورة المعارج، آية 33- 34.

(2) كنز الدقائق، ج 13، ص 443.

(3) منهج الصادقين، ج 10، ص 12، ملا فتح اللّه الكاشاني.

(4) تفسير اثنى عشري، ج 13، ص 317.

(5) الأحزاب: 72.

29

مصاديق الأمانة و الشهادة هي مواثيق و عهود الإقرار بالتوحيد و الرسالة و الإمامة.

(و قيل: إن مقتضى وظيفة القيام بالشهادات هو القيام بمؤدى الشهادتين، شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أن محمّدا رسول اللّه حيث أن مقتضى الشهادة الأولى عدم التوجّه و الوله لغير اللّه و مقتضى الشهادة الثانية عدم مخالفة الرسول في أمر من أوامره و كذلك هو مقتضى و معنى الشهادة بالولاية و الإمامة و الوصاية بأئمّة الهدى (سلام اللّه عليهم) (1).

(و قيل: أن للأمانة معنى واسع و ليس هي الأمانات المادية المتنوعة للناس فحسب بل إنها تشمل الأمانات الإلهية و أمانات الأنبياء و كل الأئمّة المعصومين و يشير إلى ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا حيث أن سياق الآية بين الآيات المتصلة بها يراد من الأمانة، الإمامة و الولاية كما في قوله تعالى أيضا إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ ...

أي الأمانات الإلهية العظيمة و هي الديانة) (2).

و قد صرّح بشمول الأمانة و العهد للعهود الإلهية بل هي أبرز العهود جملة من المفسرين و الفقهاء في ذيل قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فقال السيد اليزدي (الظاهر كما صرّح به بعضهم أن المراد من العقود في الآية مطلق العهود أعم من التكاليف الإلهية و العهود التي بين الخلق و الخالق كالنذر و شبهه و العهود التي بينهم بعضهم مع بعض) (3).

____________

(1) أطيب البيان: في ذيل الآية ج 13 ص 194.

(2) الامثل في ذيل الآية ج 19 ص 29.

(3) حاشية المكاسب للسيد اليزدي ج 2 ص 371 طبعة دار المصطفى تعليق ص 508.

30

فيتحصل من مفاد الآية: عموم الشهادات بلفظ الجمع للشهادات الثلاث إذ هي من أعظم الأمانات التي حمّلها اللّه البشر و ألزمهم بإقامتها و بأدائها و العمل بها، و من مصاديق أداء الشهادات و إقامتها الإقرار بها باللسان و النداء على رءوس الأنام، فالأمر بها عام شامل لكل تلك الموارد بل إن سياق هذه الآية قد وقع في سياق هذه السورة التي مستهلها نزل فيمن تنكّر لولاية علي في يوم الغدير.

الروايات الواردة في تفسير الأمانة:

فقد وردت روايات مستفيضة عند الفريقين في ذيل قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا (1) و قوله تعالى: إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ ... (2).

و فسّرتها بولاية علي و ولاية الأئمّة من أهل البيت (سلام اللّه عليهم) (3).

روى الصدوق في الموثّقة عن أبي بصير (قال: سألت أبا عبد اللّه عن قول اللّه عزّ و جل: إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ

____________

(1) النساء: 58.

(2) الأحزاب: 72.

(3) فقد عقد المجلسي في البحار بأن من الأمانة في القرآن هي الإمامة، و أخرج فيه عشرات الأحاديث في ذلك و جملة منها عن معاني الأخبار للصدوق و العيون و غيبة النعماني و الكافي للكليني و غيرها من المصادر المعتمدة و كثير من طرقها أسانيد عالية الأسناد.

31

يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا قال: الأمانة، الولاية و الإنسان أبو الشرور المنافق) (1).

روى الصفار في الصحيح عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّٰهَ نِعِمّٰا يَعِظُكُمْ بِهِ قال: إيانا عنا) (2). و غيرها من الروايات (3).

و يتضح من كل ذلك أن ولاية علي و ولده الأطهار (سلام اللّه عليهم) هي أبرز أمانة مقصودة في الآيات الكريمة و أن الإقرار بها هي ضمن الشهادات التي أمر بإقامتها و أن التشهّد بالشهادة الثالثة على حذو التشهّد بالشهادتين أمر مطلوب في كل الأحوال و الأوقات شرعا و أنها من أعظم الشهادات التي يقيمها المكلف و أعظم الأمانات التي استرعي المكلف على أداءها و أن من أبرز مواطن إقامة الشهادات الحقة هو التشهّد بالشهادتين في الأذان، و قد جعلت الآيات الأخر أنه أحسن القول، و أنه دعوة إلى اللّه تعالى كما في آية فصلت و آية المعارج كما يأتي.

و ذكر المصلّين في سياق الآية المتقدمة حيث قال تعالى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ دٰائِمُونَ* وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسّٰائِلِ

____________

(1) معاني الأخبار ص 110 الحديث 2 و عيون الأخبار ص 107.

(2) بصائر الدرجات ص 140.

(3) لاحظ تفسير البرهان و نور الثقلين في ذيل تفسير الآيتين من النساء و الأحزاب.

32

وَ الْمَحْرُومِ* وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَمٰانٰاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رٰاعُونَ* وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهٰادٰاتِهِمْ قٰائِمُونَ* وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ* أُولٰئِكَ فِي جَنّٰاتٍ مُكْرَمُونَ (1).

فهذه الصفات و المديح بها في القرآن قد ذكر للمصلّين في صدر تلك الصفات كما ذكر في ذيلها أيضا إقامة الشهادات و رعاية الأمانات، فلا يخلو السياق من تناسب لأن من موارد إقامة الشهادات و أبرزها هو في الصلاة لا سيّما و أن الصلاة قد تضمّنت التشهّد بالشهادات الحقة في الأذان و الإقامة و التشهّد.

حقيقة الأذان في القرآن:

قال تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعٰا إِلَى اللّٰهِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ قٰالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (2) و أيضا قد قال تعالى وَ إِذٰا نٰادَيْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ اتَّخَذُوهٰا هُزُواً وَ لَعِباً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَعْقِلُونَ (3).

قال المقداد السيوري في كنز العرفان (اتفق المفسرون على أن المراد بالنداء هنا الأذان فيستدل بذلك على مشروعيته، و هو لغة: إمّا من الأذن بمعنى العلم أو من الإذن بمعنى الإجازة و على التقديرين الأذان أصله الإيذان كالأمان بمعنى الإيمان و العطاء بمعنى الإعطاء و قيل إنه فعال بمعنى التفعيل‌

____________

(1) المعارج: 22- 35.

(2) فصلت: 33.

(3) المائدة: 58.

33

كالسّلام بمعنى التسليم و الكلام بمعنى التكليم فأذان المؤذّن حينئذ بمعنى التأذين و هو أقرب) انتهى (1).

و منه يعلم: أن الأذان لم يشرع كجزء ندبي للصلاة فقط بل هو للإعلام و الدعاء لها، أي أن فيه ماهية الشعيرية و سيأتي بيان ذلك في الوجه الرابع مفصّلا و أنه هل هو شعار للصلاة فقط أو للإسلام و للأيمان أيضا.

و قال القطب الراوندي في ذيل الآية (النداء في الآية الدعاء بمد الصوت في الأذان و نحوه، و أخبر اللّه عن صفه الكفار الذين نهى المؤمنين عن اتخاذهم أولياء بأنهم إذا نادى المؤمنون للصلاة و دعوا إليها اتخذوا هزوا و لعبا ... إلى ان قال: فالاستدلال بهذه الآية يمكن على الأذان و كذا بقوله إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ... إلى ان قال: و الأذان في اللغة اسم للإعلام قائم مقام الإيذان كما ان العطاء اسم للإعطاء و هو في الأصل علم سمعي (2)، و الأذان في الشرع إعلام للناس بحلول وقت الصلاة ... إلى ان قال: و قد بيّنا بأن المؤذّن في اللغة كل من تكلم بالشي‌ء نداء و أذنته و آذنته و يستعمل ذلك في العلم الذي يتوصل إليه بالسماع كقوله فأذنوا بحرب من اللّه (3) و رسوله.

و كلامه (قدّس سرّه) يؤكد أن جهة الشعيرية في الأذان هي الأصل في ماهيته ففي مقاييس اللغة لابن فارس في مادة أذن، الهمزة و الذال و النون أصلان‌

____________

(1) كنز العرفان ج 1 ص 112 المقداد السيوري.

(2) أي اعلام بالصوت و علم صوتي.

(3) فقه القرآن- القطب الراوندي ج 1 ص 99- 100.

34

متقاربان في المعنى متباعدان في اللفظ أحدهما أذن كل ذي أذن (1) و الآخر العلم تقول العرب (قد أذنت بهذا الأمر) أي علمته و آذنني فلان أعلمني ...

و من الباب الأذان و هو اسم التأذين.

ثم إن في هذه الآية دلالة على أن تشريع الأذان بنص الكتاب لا ما زعمه العامّة أنه رؤيا في المقام رآها أبو محذورة عبد اللّه بن زيد بل هو و حيّ من اللّه عزّ و جل بنص الكتاب، و كما صرّحت بذلك روايات أهل البيت (2) (سلام اللّه عليهم).

و قال الواحدي في أسباب النزول (قال السّدي: نزلت في رجل من نصارى المدينة كان إذا سمع المؤذّن يقول: أشهد أن محمّدا رسول اللّه قال: حرق الكاذب فدخل خادمه بنار ذات ليلة و هو نائم و أهله نيام، فطارت منها شرارة في البيت فاحترق هو و أهله. و قال آخرون: إن الكفّار لما سمعوا الأذان حضروا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و المسلمون على ذلك، و قالوا: يا محمّد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به في ما مضى من الأمم، فإن كنت تدّعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء من قبل، و لو كان في هذا خير كان أولى الناس به الأنبياء و الرسل من قبلك فمن أين لك صياح كصياح البعير، فما أقبح من صوت و لا أسمج من كفر، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعٰا إِلَى اللّٰهِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً (3)- الآية.

____________

(1) أي الجارحة، عضو السمع.

(2) الوسائل أبواب الأذان الباب الأول.

(3) أسباب النزول للواحدي ص 134 دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان.

35

و يتنبه من ذلك إلى كون الأذان دعاء من اللّه إلى صراطه و أن قريش لم تكن لترضى بذكر اسم النبي و النداء به في الأذان فكيف بذكر ابن عمه و وصيه فكما حسدت قريش بني هاشم على النبوة لم تكن لترضى بجمع النبوة و الخلافة في بني هاشم فكيف تسلم بذكر اسم علي (عليه السلام) بنعت الإمرة في الأذان و قد روى المؤرخون ان معاوية بن أبي سفيان أنظر كما قال ابن أبي الحديد (و قد طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية و لم يقتصروا على تفسيقه و قالوا عنه أنه كان ملحدا لا يعتقد النبوة، و نقلوا عنه في فلتات كلامه و سقطات ألفاظه ما يدل على ذلك. و روى الزبير بن بكار في الموفقيات و هو غير متهم على معاوية و لا منسوب إلى اعتقاد الشيعة لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي (عليه السلام) و الانحراف عنه قال المطرّف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية و كان أبي يأتيه فيتحدث معه، ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية و عقله و يعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك من العشاء و رأيته مغتمّا فانتظرته ساعة و ظننت أنه لأمر حدث فينا فقلت: ما لي أراك مغتمّا منذ الليلة؟ فقال: يا بني جئت من عند أكفر الناس و أخبثهم، قلت: و ما ذاك؟ قال: قلت له و قد خلوت به: إنك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فإنك قد كبرت و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو اللّه ما عندهم اليوم شي‌ء تخافه و إن ذلك مما يبقى لك ذكره و ثوابه، فقال: هيهات، هيهات! أي ذكر أرجوا بقاءه! ملك أخو تيم فعدل، و فعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره؛ إلّا أن يقول قائل:

أبو بكر، ثم ملك أخو عدي، فاجتهد و شمّر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل: عمر، و إن ابن أبي كبشة ليصاح به كل‌

36

يوم خمس مرات: «أشهد أن محمّدا رسول اللّه» فأي عمل يبقى؟ و أي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا و اللّه إلّا دفنا دفنا) (1).

و روى أحمد بن أبي طاهر في كتاب (أخبار الملوك) (أن معاوية سمع المؤذّن يقول «أشهد أن لا إله إلّا اللّه» فقالها ثلاثا، فقال: أشهد أن محمّدا رسول اللّه فقال: للّه أبوك يا بن عبد اللّه! لقد كنت عالي الهمّة؛ ما رضيت إلّا ان يقرن اسمك باسم رب العالمين) (2).

أقول: فإذا كان هذا موقف قريش مع ذكر اسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الأذان فكيف يكون الحال حينئذ مع ذكر اسم علي (عليه السلام) في الأذان فقد روي ان معاوية قال لعدي بن حاتم الطائي: يا أبا طريف ما الذي أبقى لك الدهر من ذكر علي بن أبي طالب؟ فقال عدي: و هل يتركني الدهر أن لا أذكره؟ قال: فما الذي بقي في قلبك من حبه؟ فقال عدي: كله و إذا ذكر ازداد. فقال معاوية: ما أريد إلّا أخلاق ذكره. فقال عدي: قلوبنا أ ليست بيدك يا معاوية فضحك معاوية ...

الحديث) (3).

فيعلم من ذلك أن ماهية الأذان هو نداء إلى الصلاة كما هو دعاء إلى اللّه و صراطه فماهيته مناسبة أتم المناسبة إلى النداء بالولاية بتبع النداء إلى التوحيد و الرسالة، و هذا بيان لأصل ماهية التشريع لا تدليل تفصيلي على المطلب بل‌

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد ج 6، ص 129- 130.

(2) شرح ابن أبي الحديد ج 10، ص 101 طبعة المرعشي النجفي.

(3) الفتوح لابن الأعثم ج 3، ص 134- 135.

37

هو تمهيد لما يأتي من شواهد تفصيلية تنضمّ إلى ذلك و يكون هذا المفاد القرآني علامة على صحة مضامين تلك الشواهد و موافقتها لأصل التشريع و الكتاب العزيز، و يتبيّن من ذلك أن التقية عن بيان الشهادة الثالثة في الأذان مرتبطة برفض قريش و السقيفة لولايتهم فلا غرو مع هذا الوصف من تحديد دائرة بيانها على خواص شيعة علي (عليه السلام) و تأخير بيانها إلى عهود أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المتأخرة و إيكال بيانها إليهم، و اعتماد أسلوب الكناية و الإشارة في بعض ألسن الأدلة الشرعية و الروايات و قد ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنهم لم يذكروا في القرآن بأسمائهم (عليهم السلام) أنما هو حيطة على القرآن من الحذف و التصرف من قبل قريش بل لعمد أئمة الجور في جعل أسماء الجائرين في الأذان لتقمصهم منصبهم (عليهم السلام) فما كانوا ليغصبوا الخلافة و ينكروا الوصاية و يقرّوا الأذان المشتمل على الشهادة الثالثة فيوجب ذلك فتح هذا الباب و التديّن بولاية أئمة الجور في فصول الأذان.

و قال الطبرسي في ذيل الآية الكريمة وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعٰا إِلَى اللّٰهِ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ قٰالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (1).

قال: (و هذا الداعي هو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ... و قيل هو و جميع الأئمّة الدعاة الهداة إلى الحق كما عن مقاتل و جماعة من المفسرين و قيل: هم المؤذّنون .... و في هذه الآية دلالة على أن الدعاء إلى الدين من أعظم الطاعات و أجلّ الواجبات فيتبين من ذلك أن الآيتين الكريمتين بمنزلة الأصل التشريعي الذي ينحدر من تشريع الأذان و تكونان بمنزلة العموم الفوقاني الذي يرجع‌

____________

(1) فصلت: 33.

38

عليه في أحكام و ماهية الأذان و إن لم يكن ذلك بالمعنى المصطلح للعموم الفوقاني بل بمعنى العمومات التي تتعرض إلى حكمة التشريع و أغراضه و بالتالي الماهيات الفوقية للجعل الشرعي، و أن حقيقة الأذان هي دعوة إلى اللّه و قيام بالشهادات الحقة و هو أحسن القول و النداء للصلاة أيضا و ثبت أيضا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أذّن و كان يقول (أشهد أنّي رسول اللّه) و تارة يقول (أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه) فأنكر العامّة أذانه (عليه السلام).

و في رواية ابن النباح (1) مؤذّن علي (عليه السلام) يقول (في أذانه: حي على خير العمل حي على خير العمل، فإذا رآه علي (عليه السلام) قال: مرحبا بالقائلين عدلا و بالصلاة مرحبا و أهلا).

و يفهم منه (عليه السلام) بوصفه لأذان ابن النباح بأن قوله عدل مضافا إلى دعوته للصلاة يشير بذلك إلى تحليل ماهية الأذان و أنها متضمّنة للقول العدل و هو الشهادة بالعقائد الحقة و بالدعوة إلى الصلاة نظير ما مرّ في تحليل ماهية الأذان في حديث الرضا (عليه السلام) و عموم القول العدل شامل للشهادة الثالثة التي هي من أركان العقيدة و الأيمان كما هو الحال في عموم عنوان الإيمان المذكور في حديث الرضا (عليه السلام) في بيان ماهية الأذان.

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 289، ح 894.

39

لمحة عن المسار العملي للمسألة

لقد كتب و استدل لمشروعية الشهادة الثالثة في الأذان و الإقامة في ضمن رسائل عديدة لأعلام الطائفة في الأعصار الأخيرة بل إن المسألة مثارة علميا في كتب الأقدمين و المتقدّمين بل هي ظاهرة عملية ثابتة مارسها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) كما يشير إلى ذلك الصدوق في كتابه الفقيه (1)، بل قد عزي في بعض المصادر إتيان بعض صحابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بها. فقد قال ابن حجر العسقلاني في الإصابة (كدير) بالتصغير الضبّي يقال هو ابن قتادة ... روى حديثه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن كدير الضبي أنه أتى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (2) ...

و قال البخاري في الضعفاء «كدير الضبي روى عنه أبو إسحاق و روى عنه سميك بن سلمة و ضعّفه لما رواه مغيرة بن مقسم عن سماك بن سلمة قال دخلت على كدير الضبي أعوده فوجدته يصلّي و هو يقول: اللهم صلّى على النبي و الوصي، فقلت و اللّه لا أعودك أبدا.) (3).

و روى العقيلي في الضعفاء بسنده عن سماك بن سمكة (قال: دخلت على‌

____________

(1) سيأتي التعرض إلى كلامه مفصلا.

(2) الاصابة في تمييز الصحابة في حرف الكاف القسم الأول في باب ك د. و سيأتي ذكر مصادر أخرى تشير إلى ذلك في ص 52 من المدخل.

(3) لاحظ الملحق 1.

40

كدير بعد الغداة فقالت لي امرأته ادنوا منه فإنه يصلي حتى يتوكأ عليك فذهبت ليعتمد عليّ فسمعته و هو يقول في الصلاة: سلام على النبي و الوصي فقلت ...) (1).

و بالرغم من ذلك فإن كلمات متأخري المتأخرين لم يستوفوا فيها النظر حقه في الروايات الواردة بحثا و دراسة و لم يكثروا التأمل كفايته في كلام المتقدمين فبنوا على الظاهر البدوي من كلامهم و جعلوا مؤدى كلماتهم (أي كلمات المتقدمين) على مفاد واحد مع أنها مختلفة و تقييمهم لاعتبار الروايات متباين، فنظرة الصدوق حول تلك الروايات مختلفة تماما عن نظرة الشيخ الطوسي فضلا عن المرتضى و ابن برّاج فلم ينجز البحث الدرائي حول الروايات كما هو حقّه، كما لم يعالج السبب للموقف الفقهي للصدوق و الشيخ اتجاه تلك الروايات مع أن ذلك السبب مدركي اجتهادي لا تعبّدي بل لم يتم تحليل رأي الصدوق و مغزى مرامه الذي هو أشد المتقدمين طعنا اتجاه تلك الروايات بحسب الظاهر المتراءى مع أن حقيقة موقف الصدوق ليس ما يوحيه ظاهر كلامه بموجب قرائن عدة آتية في تحليل كلامه. و هذه النقاط في كلام المتقدمين مؤثرة مصيريا في تقييم و اعتبار حجية الروايات صدورا.

هذا مضافا إلى نضوب البحث و الاختزال في الاستدلال في المسألة في الجهات الصناعية للوجوه المختلفة فلم يوردوا في المقام طوائف الروايات الأخرى التي لا يخلو مضمونها من ربط و صلة متوسطة أو بعيدة لكنها غير أجنبية عن المقام من رأس و لا مقطوعة الصلة بتاتا.

____________

(1) الضعفاء ج 3، ص 1184 رقم المسلسل 1571. طبعة دار الصنيعي.

41

أضف إلى ذلك أن هناك جملة من الفتاوى لبعض المتقدمين أو المتأخرين مواتية لإثبات الحكم في المسألة لم ينبّه عليها في الكتب المطولة الراصدة لأقوال الفقهاء و هذا مما أوجب استيحاش جملة- ممن مال إلى تقرير الحكم- عن مخالفة ظاهر المشهور، و قد صرّح جملة من الأساطين بذلك، و لم يقف الأمر و الحال عند ذلك بل آل عند بعض متأخري العصر إلى الاستشكال في المسألة و تقريب وجوه المنع و الحرمة غفلة عن ما تقدم.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

المتون الروائية الخاصّة بالشهادة الثالثة في الأذان

إن من الأمور المهمة في المقام اللازم الالتفات إليها أن متون الروايات المتضمّنة لجزئية الشهادة الثالثة في فصول الأذان قد ذكرها الصدوق نصّا في كتابه من لا يحضره الفقيه (1) مع أن الملاحظ في الكثير من الكلمات، الغفلة عن ذلك و توهم أن الصدوق قد أشار إليها إجمالا من دون أن يروي متونها، لا كما صنع الشيخ الطوسي في المبسوط و النهاية حيث أشار إليها إجمالا من دون أن يورد متونها لكنّه بيّن بنحو واضح حال أسانيدها عكس الصدوق الذي بيّن متونها من دون أن يفصح تفصيلا عن طرقها. و هذا ما غفل عنه جلّ المتأخرين في المقام، غاية الأمر أن الصدوق لم يورد مصادر تلك الطوائف من الروايات و لا طرق رواياتها و إنما ألفاظ متونها بنحو المراسيل، لكنه أشار إلى تعددها و تعدد ألسنتها و تطويفها إلى ثلاث طوائف، كما هو ديدن الصدوق في كثير من الأبواب الفقهية الروائية من كتاب من لا يحضره الفقيه حيث يورد العديد من المراسيل مع أنها مسانيد في التهذيب و الكافي، و الشيخ في المبسوط قد نبّه بكلامه الآتي على أنها مسانيد معتبرة غاية الأمر أنها مبتلاة بروايات أخرى معارضة بحسب نظره الشريف.

____________

(1) الفقيه ج 1 كتاب الصلاة أبواب الأذان و الإقامة ص 290 طبعة قم.

44

و سيأتي نص عبارة الصدوق في الفقيه التي تعد رواية منه لتلك الروايات بنحو الإرسال كما أشار إلى ذلك في الجواهر (1) و إن حكم عليها هو بالضعف و سيأتي أنه ليس ضعفا في السند بل هو ضعف من جهة أخرى في نظره (قدّس سرّه) كما سيأتي بيانه مفصّلا حيث قال (و مع ذلك كله فعن المجلسي أنه لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة في الأذان استنادا إلى هذه المراسيل التي رميت بالشذوذ) (2).

و ممن نبّه على وصول المتون الروائية أيضا، المجلسي الأول في شرح الفقيه في كتابه روضة المتقين حيث قال في ذيل عبارة الصدوق- التي تضمّنت حكمه بأن تلك الروايات من وضع المفوضة- (الجزم بأن هذه الأخبار من موضوعاتهم مشكل مع أن الأخبار التي ذكرنا مختلفة الزيادة و النقصان و ما لم نذكره كثيرا و الظاهر أن الأخبار بزيادة هذه الكلمات أيضا كانت في الأصول و كانت صحيحة أيضا كما يظهر من المحقق و العلّامة و الشهيد رحمهم اللّه فإنهم نسبوها إلى الشذوذ و الشاذ ما يكون صحيحا غير مشهور) (3).

و كذلك المجلسي الثاني في البحار قال في ذيل عبارة الصدوق (لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة في الأذان لشهادة الشيخ و العلّامة و الشهيد و غيرهم بورود الأخبار بها) (4).

____________

(1) الجواهر ج 9 ص 86.

(2) الجواهر ج 9 ص 86.

(3) روضة المتقين ج 2 ص 245 طبعة بنياد فرهنكي إسلامي.

(4) البحار ج 84 ص 111.

45

فمن الغريب بعد الالتفات إلى ذلك- أي إلى أن الصدوق قد روى هذه الروايات الدالة على جزئية الشهادة الثالثة في الأذان بنحو الروايات المرسلة و أن الروايات تلك مروية في كتاب الفقيه بمتونها و ألفاظها- تشبث جملة من الأعلام لاستحباب الشهادة الثالثة في الأذان بنمط ندبية المقارنة العامّة بين الشهادتين و الشهادة الثالثة- يتشبثون بمرسلة الاحتجاج الآتية الدالة على استحباب مقارنة الشهادة الثانية بالشهادة الثالثة في مطلق الأحوال من دون تعرضها للأذان فبين المتنين بون بعيد كما أن بينهما بونا كبيرا في المأخذ الروائي فإن المرسل في الأولى هو الصدوق الأقرب عهدا بصدور النص مضافا إلى روايته لها و أنها على طوائف ثلاث، بينما مرسلة الاحتجاج هي رواية واحدة و المرسل لها الطبرسي المتأخر عهدا بثلاث طبقات أو أكثر عن عهد الصدوق، فهذه قيمة درائية حديثية.

و ممن تنبه إلى وصول متون الروايات بالشهادة الثالثة إلينا العلّامة المحدّث الشيخ حسين العصفور البحراني حيث قال في الفرحة الأنسية: (و أما الفصل المروي في بعض الأخبار المرسلة و هو (أشهد أن عليّا ولي اللّه) فمما نفاه الأكثر و ظاهر الشيخ في المبسوط ثبوته و جواز العمل به و هو الأقوى) (1).

و ممن أشار إلى ذلك أيضا صاحب القوانين في كتاب الغنائم حيث قال (و يظهر من هؤلاء الأعلام ورود الرواية بها فلا يبعد القول برجحان الشهادة بالولاية) (2).

____________

(1) الفرحة الإنسية، ج 2، ص 16، طبعة بيروت.

(2) غنائم الأيام ج 2 ص 423 مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي- قم.

46

و ممن أشار إلى ذلك أيضا المحقق الهمداني في مصباح الفقيه قال (و لو لا رمي الشيخ و العلّامة لهذه الأخبار بالشذوذ و ادّعاء الصدوق وضعها لأمكن الالتزام بكون ما تضمّنته هذه المراسيل من الشهادة بالولاية و الإمرة و أن محمّدا و آله خير البرية، من الأجزاء المستحبة للأذان و الإقامة لقاعدة التسامح كما نفى عنه البعد، المحدث المجلسي في المحكي تعويلا على هذه المراسيل) (1).

المتون الروائية:

ثم إنه يعدّ ممن نقل متون هذه الروايات أيضا ابن برّاج و السيد المرتضى و ذلك لكون فتاوى المتقدمين هي متون روايات كما أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي في مقدمة المبسوط بأن الأصحاب كانوا يستوحشون من الفتوى بغير ألفاظ الروايات، و من ثم عرف عن السيد البروجردي أنه كان يقول إن كتب المتقدمين هي متون روايات و هي بمنزلة الأصول المتلقاة، و على ذلك ففتوى ابن برّاج في المهذب و السيد المرتضى في رسائله بمثابة النقل لمتون الروايات لا سيّما و أنها متطابقة مع المتون التي رواها الصدوق في الفقيه و إليك نص المتن الروائي في فتوى ابن برّاج: حيث قال (يستحب لمن أذن أو أقام أن يقول في نفسه عند «حي على خير العمل»: «آل محمّد خير البرية» مرتين).

و هذا المتن هو عين أحد متون طوائف الروايات التي استعرضها الصدوق في الفقيه كما مر.

و المتن الروائي في فتوى السيد المرتضى:- حيث سئل هل يجب في الأذان‌

____________

(1) مصباح الفقيه، كتاب الصلاة فصل الأذان.

47

(بعد قول (حي على خير العمل)- (محمّد و علي خير البشر)؟ فأجاب إن قال:

(محمّد و علي خير البشر) على أن ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز فإن الشهادة بذلك صحيحة و إن لم يكن فلا شي‌ء عليه) (1).

و مراده من الذيل كما سيأتي شرح ذلك إن قال على أنه من فصول الأذان فلا شي‌ء عليه و الملاحظ في هذا المتن الذي أفتى به مغايرته مع المتون الثلاثة التي ذكرها في الفقيه و إن كان مقاربا لأحدها لا سيّما مع متن ابن برّاج حيث خص الموضع ما بعد حي على خير العمل بل قد يستكشف من ذلك ان الشهادة الثالثة لها موضعان أحدهما بعد الشهادة الثانية و هو الشهادة بالإمرة و الولاية و الموضع الآخر بعد (حي على خير العمل) و هو القول بأن (محمّد و آله خير البشر) أو قوله (محمّد و علي خير البشر).

المتون الروائية التي رواها الصدوق:

و إليك متن في عبارة الصدوق في الفقيه: (و قال مصنف هذا الكتاب (رحمه اللّه) هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه و لا ينقص فيه و المفوضة لعنهم اللّه قد وضعوا أخبارا و زادوا في الأذان «محمّد و آل محمّد خير البرية» مرّتين و في بعض رواياتهم بعد أشهد أن محمّدا رسول اللّه «أشهد أن عليّا ولي اللّه» مرتين و منهم من روى بدل ذلك «أشهد أن عليّا أمير المؤمنين حقا» مرّتين و لا شك في أن عليّا ولي اللّه و أنه أمير المؤمنين حقا و أن محمّدا و آله (صلوات اللّه عليهم) خير البرية و لكن ليس ذلك في أصل الأذان و إنما ذكرت ذلك ليعرف‌

____________

(1) المسائل الميّافارقيات: ص 257، و رسائل السيد المرتضى ج 1: ص 279، طبعة مكتبة السيد المرعشي.

48

بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلّسون أنفسهم في جملتنا) (1) انتهى كلامه (قدّس سرّه).

و عبارته و إن كانت كما سيأتي في الفصل الأوّل تحليلها و تقييمها بنحو مفصّل، إلّا أن الذي يعنينا في المقام هو تنصيص الصدوق على كونها روايات لا رواية واحدة و تنصيصه على كونها ثلاثة طوائف و روايته لمتونها بألفاظها.

المتون الروائية التي رواها الشيخ في النهاية و المبسوط:

لا سيّما و أن النهاية كلها متون روايات كما هو معروف بل قد نص الشيخ فيها بلفظ الرواية فقال (و أمّا ما روي في شواذ الأخبار من قول «أشهد أن عليّا ولي اللّه» و «و آل محمّد خير البرية» ....) (2) و سيأتي تتمة كلامه عند استعراض فتواه و قال في المبسوط (و أما قول «أشهد أن عليّا أمير المؤمنين، و آل محمّد خير البرية» على ما ورد في شواذ الأخبار .....) (3) و سيأتي تتمة كلامه أيضا عند استعراض فتواه.

لمحة عن أسانيد المتون الخاصّة:

إنّ الظاهر المنسبق من عبارة الصدوق السابقة و إن كان يتبادر منه حكمه بالوضع في صدور تلك الروايات مع أنه روى متونها إلّا أنه سيأتي أن ذيل عبارته ينافي ذلك إلّا أنه يناسب مقدمة البحث ذكر عبارة المبسوط و تقييمه‌

____________

(1) الفقيه ج 1.

(2) النهاية ج 1 ص 293 طبعة جماعة المدرسين.

(3) المبسوط ج 1 ص 293 طبعة جماعة المدرسين.

49

لدرجة صدور تلك الروايات الدالة على كون الشهادة الثالثة من فصول الأذان و هو يخالف بذلك موقف الصدوق من صدور الروايات و قد وافق الشيخ في ذلك العلّامة الحلي و الشهيد الأوّل كما سيأتي لاحقا في استعراض الأقوال و إليك نص عبارة المبسوط.

قال في كتاب الصلاة منه في فصل الأذان (ففصول الأذان أربع تكبيرات في أوله .... فأما قول «أشهد أن عليّا أمير المؤمنين و آل محمّد خير البرية» على ما ورد في شواذ الأخبار فليس بمعمول عليه في الأذان و لو فعله الإنسان لم يأثم به غير أنه ليس من فضيلة الأذان و لا كمال فصوله) (1) انتهى كلامه (قدّس سرّه).

فقد حكم عليها بالشذوذ و عدم الإثم بالعمل بها و قد عقدنا تذييلين (2) فيهما بحث مفصل في خاتمة الفصل الأول في بيان معنى الشاذ لدى الشيخ و المحدثين و علماء الدراية هو المعتبر سندا المعرض عنه عملا.

و قال في النهاية في كتاب الصلاة (و هذا الذي ذكرناه من فصول الأذان و الإقامة هو المختار المعمول عليه و قد روي سبعة و ثلاثون فصلا في بعض الروايات و في بعضها ..... و في بعضها ..... فإن عمل عامل على إحدى هذه الروايات لم يكن مأثوما و أمّا ما روي عن شواذ الأخبار من قول «أشهد أن عليّا وليّ اللّه، و آل محمّد خير البرية) فمما لا يعمل عليه في الأذان و الإقامة فمن عمل بها كان مخطئا) انتهى كلامه (قدّس سرّه) (3).

____________

(1) المبسوط ج 1: ص 148، طبعة جماعة المدرسين- قم المقدسة.

(2) راجع ص 240.

(3) النهاية ص 293 طبعة جماعة المدرسين- قم المقدسة.

50

و شرح كلامه سيأتي مفصّلا لاحقا لكن نشير إجمالا إلى أن تعبيره في المبسوط ان العامل بها غير مأثوم، قد عبّر به في النهاية عن العمل بطوائف الروايات المختلفة الواردة في عدد فصول الأذان التي هي مسئلة أخرى غير الشهادة الثالثة و جملة تلك الروايات طوائفها معتبرة مما يؤكد اعتبار صدور الروايات في الشهادة الثالثة في فصول الأذان، غاية الأمر أنه وصفها بالشذوذ بمعنى الأعراض عن العمل بها.

فتحصل

أولا: الإلفات إلى كون الروايات الواردة المتضمّنة لكون الشهادة الثالثة من فصول الأذان قد أشار إلى متونها الصدوق في كتابه من لا يحضره الفقيه و غيره من المتقدمين في كتبهم كما مرّ و هي موجودة في أصول الأصحاب المعتبرة في الطبقات السابقة عليه.

ثانيا: إن هذه الأخبار معتبرة في نفسها عند الشيخ و جملة من الأصحاب كما سيأتي شرح ذلك مفصّلا بشهادة وصفها بالشذوذ لا الضعف و أن العامل بها غير مأثوم و غير ذلك من عباراتهم الآتية، و أن الصدوق بمقتضى ذيل كلامه كما مر و سيأتي شرحه لم يجزم بالوضع لها صدورا و إنما طرحها لكونهم من المتهمين بالتفويض عنده لا أنه (قدّس سرّه) متحقق من تفويضهم و من وصفها.

و الجدير بالالتفات أيضا أن عبارة الصدوق في الفقيه ناصّة على تكثّر روايات الشهادة الثالثة في الأذان فعبّر بلفظ (أخبارا) و عبّر أيضا بلفظ (و في بعض رواياتهم) عن ورود الصيغة الثانية في تلك الروايات و عبّر أيضا و منهم من روى بدل ذلك عن الصيغة الثالثة للشهادة الثالثة و التفنن بهذه التعبيرات‌

51

منه (قدّس سرّه) حكاية واضحة عن كثرة طرق تلك الأخبار و مما يشهد لكثرة الطرق أيضا إختلاف صيغ الشهادة الثالثة في الأذان المروية في تلك الروايات و سيأتي بيان ذلك لاحقا.

و سيأتي أن الشيخ و غير واحد بل و كذا الصدوق- و إن اختلف رأية في اعتبار الروايات عن الشيخ و أتباعه- إنما طرحوا هذه الروايات لدعوى المعارض الراجح مما يقضي بكونها حجة في نفسها لو لا المعارض و من ثم لم يحكموا بإثم العامل بتلك الأخبار أي على أنها من فصول الأذان و إنما حكموا بخطئه بحسب صناعة الترجيح أي أن كلا طرفي الروايات معتبر في نفسه و إنما طرحت روايات الشهادة الثالثة لأرجحية معارضها (1) و قد تبع الشيخ في موقفه و تقييمه للروايات و معالجته لها في كل ذلك، كل من العلّامة و الشهيد الأول كما سيأتي نقل كلامهم.

____________

(1) و سيأتي ان دعوى أصل المعارضة من متقدمي الأصحاب ليس في محلة كما نبه عليه المجلسي الأول في روضة المتقين لشرح كتاب الفقيه فضلا عن أرجحية الروايات الخالية من الشهادة الثالثة.

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

صيغ الشهادة الثالثة

يتضح مما تقدم أن للشهادة الثالثة في الأذان و الإقامة أو الصلاة هي بأشكال متعددة و صيغ مختلفة.

الأولى و الثانية و الثالثة:- ما ذكرها الصدوق في الفقيه (1) من متون الروايات (محمّد و آل محمّد خير البرية) مرتين و لم يحدد لها الصدوق في الرواية الواردة موضعا خاصا في الأذان و لعلها بعد (حي على خير العمل)، كما في كلمات السيد المرتضى و ابن برّاج و غيرهما. (و أشهد أن عليّا ولي اللّه) مرتين و قد ذكر الصدوق موضعها بعد الشهادة الثانية و صيغتها مكررة كبقية فصول الأذان. و (أشهد أن عليّا أمير المؤمنين حقا) مرتين و ظاهر الصدوق أن الوارد في الروايات الأخرى هذه الصيغة بعد الشهادة الثانية.

الرابعة:- الصيغة التي رواها السيد المرتضى في كتابه (مسائل الميّافارقيات) بعد حي على خير العمل و هي (أشهد أن محمّدا و عليّا خير البشر) (2).

الخامسة:- الصيغة التي بنى عليها العلّامة الحلي في المنتهى (3) مما رواه من صحيحة الحلبي و هو تسمية الأئمّة بالإجمال في الصلاة كذكر من أذكارها.

____________

(1) الفقيه ج 1 كتاب الصلاة، أبواب الأذان و الإقامة ص 290 طبعة قم.

(2) المسائل الميّافارقيات ص 257.

(3) المنتهى ج 5 ص 292 طبعة الآستانة الرضوية.

54

السادسة:- الصيغة التي ذكرها علي بن بابويه في التشهّد في كتابه الفقه الرضوي حيث قال (فإذا تشهّدت في الثانية فقل بسم اللّه و باللّه و الحمد للّه و الأسماء الحسنى كلها للّه، أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمّدا عبده و رسوله .... فإذا صليت الرابعة فقل في تشهّدك بسم اللّه و باللّه .... أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمّدا عبده و رسوله ... و أشهد أنك نعم الرب و إن محمّدا نعم الرسول و إن عليّ بن أبي طالب نعم الولي و أن الجنة حق .....) (1).

السابعة:- الصيغة التي ذكرها كل من علي بن بابويه و النراقي و الميرزا النوري.

(اللّهم صلّ على محمّد المصطفى و علي المرتضى و فاطمة الزهراء و الحسن و الحسين و على الأئمّة الراشدين ....) (2).

الثامنة و التاسعة:- و هما الصيغتان المذكورتان في دعاء التوجّه في فتاوى القدماء تبعا لما ورد في النصوص و هما (ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب). و (منهاج علي بن أبي طالب) و (هدي علي).

العاشرة:- ما ورد في قضية كدير الضبي بقوله في صلاته (اللهم صلّ على النبي و الوصي).

____________

(1) الفقه الرضوي ص 108.

(2) (فقه الرضا، المستند، مستدرك الوسائل).