الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - ج5

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
595 /
9

الجزء الخامس

الفصل العشرون في واجبات منى

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الفصل العشرون: في واجبات منى

و هي ثلاثة:

[الأوّل: رمي جمرة العقبة]

الأوّل: رمي جمرة العقبة بالحصى، و المعتبر صدق عنوانها، فلا يصحّ بالرمل و لا بالحجارة و لا بالخزف و نحوها، و يشترط فيها أن تكون من الحرم، فلا تجزي من خارجه، و أن تكون بكراً لم يرم بها و لو في السنين السابقة، و أن تكون مباحة، فلا يجوز بالمغصوب و لا بما حازها غيره بغير إذنه، و يستحبّ أن تكون من المشعر.* (1)

____________

(1)*

في المسألة فرعان:

الأوّل: رمي جمرة العقبة بالحصى واجب و لا بدّ من صدق عنوان «الحصى».

الثاني: يشترط في الحصى أُمور:

1. أن تكون ملتقطة من الحرم لا من خارجه.

2. أن تكون أبكاراً لم يرم بها و لو في السنين السابقة.

3. أن تكون مباحة فلا يصحّ بالمغصوب، و لا بما حازه غيره بدون إذنه.

و أخيراً يستحب أن تكون من المشعر.

12

و قبل دراسة فروع المسألة نقول:

«منى» ك‍- «إلى» موضع بمكة، سمّيت به لما يُمنى بها من الدماء. و قال ابن عباس: لأنّ جبرئيل (عليه السلام) لمّا أراد أن يفارق آدم (عليه السلام) قال له: تمنّ، قال: أتمنّى الجنة، فسمّيت به لأُمنية آدم (عليه السلام). ( (1))

و أمّا مناسكها يوم النحر فثلاثة على الترتيب التالي:

1. رمي جمرة العقبة، 2. الذبح، 3. الحلق.

و لفظ جمرة العقبة مركّب من لفظين:

1. الجمرة، 2. العقبة.

و إليك توضيحهما.

يستفاد من المعاجم أنّ للفظة «جمرة» معان أربعة:

1. الجمرة: الاجتماع أو اجتماع القبيلة الواحدة.

2. الجمرة: الجمار الصغار.

3. الجمرة من الجمار بمعنى الابتعاد بسرعة، لأنّ آدم (عليه السلام) حين وجد إبليس في ذلك المكان رماه بالحصى فابتعد الشيطان بسرعة.

4. الجمرة: قِطَع ملتهبة من النار.

قال ابن الأثير: الاستجمار: التمسّح بالجمار و هي الأحجار الصغار، و منه سُمّيت جمارُ الحج، للحصى الّتي يُرمى بها، و أمّا موضع الجمار بمنى فسمّي جمرة لأنّها تُرمى بالجمار، و قيل: لأنّها مجمع الحصى، الّتي يرمى بها. ( (2))

و حاصل كلامه: أنّ الجمار هي الحصى الصغار.

____________

(1). القاموس: 4/ 394؛ و علل الشرائع: 2/ 435.

(2). النهاية: 1/ 292، «مادة جمر».

13

و أمّا تسمية المحل بالجمرة فلأحد وجهين:

إمّا لأنّها ترمى بالجمار، أي تسمية المحل باسم الحال. أو لأنّها مجمع الحصى الّتي ترمى بها. و على كلّ حال فالجمرة اسم المحل إمّا لأنّها ترمى بالجمار، أو لأنّها محلّ اجتماع الجمار.

هذا كلّه حول الجمرة.

و أمّا العقبة: فالعقبة- بالتحريك- مرقى صعب من الجبال، يجمع على عقاب، كرقبة و رقاب، و منه: عقبة كئودة. ( (1))

إذا عرفت ذلك فلنشرع بدراسة فروع المسألة:

الفرع الأوّل: رمي الجمرة حكماً و موضوعاً

هذا الفرع يشتمل على أمرين:

1. وجوب الرمي.

2. كون الرمي بالحصى.

أمّا الأوّل فلا شكّ في وجوب الرمي يوم النحر، و لم ينقل عن أحد خلاف في ذلك. قال العلّامة: لا نعلم خلافاً في وجوب رمي جمرة العقبة، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) رماها و قال: خذوا عنّي مناسككم. ( (2))

و قال في «المنتهى»: إنّ رمي هذه الجمرة يوم النحر واجب إلى آخر ما ذكره في التذكرة.

و هذه الك ( (3)) لمات تكشف عن اتّفاق المسلمين على وجوبه.

____________

(1). مجمع البحرين: 3/ 214، مادة «عقب».

(2). التذكرة: 8/ 214.

(3). المنتهى: 11/ 113.

14

و قال في «المدارك»: أمّا وجوب رمي جمرة العقبة في يوم النحر، فقال العلّامة في التذكرة و المنتهى: إنّه لا يعلم فيه خلافاً. ثمّ قال في المنتهى: و قد يوجد في بعض العبارات أنّه سنّة و ذلك في بعض أحاديث الأئمّة (عليهم السلام)، و في لفظ الشيخ في الجمل و العقود. ( (1)) و هو محمول على الثابت بالسنّة لا أنّه مستحب. و سيوافيك توضيحه.

أمّا الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فما يدلّ على الوجوب كثير، نكتفي بما يلي:

1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «خذ حصى الجمار ثمّ ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قِبل وجهها، و لا ترمها من أعلاها». ( (2))

فقوله: «فارمها من قبل وجهها» أن يكون مستدبراً للقبلة و مستقبلًا للجمرة، بخلاف ما إذا رماها من أعلاها يكون على العكس. و جميع أفعال الحجّ يُستحب أن يكون مستقبل القبلة من الوقوف بالموقفين و رمي الجمار إلّا رمي جمرة العقبة يوم النحر فحسب. ( (3))

2. ما رواه أبو بصير: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الّذي ينبغي له أن يرمي بليل، مَن هو؟ قال: «الحاطبة و المملوك الّذي لا يملك من أمره شيئاً، و الخائف و المَدين و المريض الّذي لا يستطيع أن يرمي، يُحمَل إلى الجمار، فإن قدر على أن يرمي و إلّا فارم عنه و هو حاضر». ( (4)) فإنّ الأمر بحمل المريض إلى الجمار‌

____________

(1). مدارك الأحكام: 8/ 6. لاحظ الجمل و العقود، كتاب الحج الفصل التاسع في نزول منى.

(2). الوسائل: 10، الباب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

(3). السرائر: 1/ 591.

(4). الوسائل: 10، الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 7.

15

حتّى يرمي بنفسه أو يرمى عنه، آية الوجوب.

3. ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أفاض من جَمْع حتّى انتهى إلى «منى» فعرض له عارض فلم يرم حتّى غابت الشمس؟ قال (عليه السلام): «يرمي إذا أصبح مرتين: مرّة لما فاته، و الأُخرى ليومه الّذي يُصبح فيه». ( (1)) و الحديث ظاهر في وجوب رمي جمرة العقبة في كلا اليومين.

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على الوجوب مثل ما دلّ على النيابة عن عدّة طوائف، كالكبير و المبطون و الصبي و المريض. ( (2))

و أمّا ما دلّ على أنّه سنّة فمعناه أنّ وجوبه عُلم بفعل النبي في مقابل ما علم وجوبه بالكتاب العزيز.

ففي رواية معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: رجل نسي السعي بين الصفا و المروة؟ قال (عليه السلام): «يعيد السعي» قلت: فاته ذلك حتى خرج؟ قال: «يرجع فيعيد السعي، إنّ هذا ليس كرمي الجمار إنّ الرمي سنّة و السعي بين الصفا و المروة فريضة». ( (3)) فالحديث إشارة إلى فرض اللّه و فرض النبي.

و يشهد على ما ذكرنا ما رواه الصدوق عن الصادق (عليه السلام) قال: «الوقوف بعرفة سنّة، و بالمشعر فريضة، و ما سوى ذلك من المناسك سنّة». ( (4)) و من المعلوم أنّ الوقوف بعرفة واجب. كما أنّ سائر المناسك كذلك.

قال ابن إدريس: لا خلاف بين أصحابك في كونه واجباً، و لا أظن أحداً‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 15 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1. و لاحظ الحديث 3.

(2). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة.

(3). الوسائل: 9، الباب 8 من أبواب السعي، الحديث 1.

(4). الوسائل: 9، الباب 4 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3. و قد بسط ابن إدريس الكلام في المقام. لاحظ: السرائر: 1/ 606.

16

من المسلمين يخالف في ذلك، و قد يشتبه على بعض أصحابنا ( (1)) و يعتقد أنّه مسنون غير واجب. قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في الجمل و العقود: و الرمي مسنون. أراد بذلك أنّ فرضه عرف من جانب السنّة و ليعلم: أنّ للسنّة إطلاقات:

1. يطلق على المستحبّ الّذي ثبت التداوم عليه من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في مقابل المندوب. و هذا المصطلح لأهل السنّة في علوم الحديث.

2. يطلق على المستحب في مقابل الفريضة، و هذا هو مصطلح علمائنا.

3. يطلق في ما ثبت بفعل النبي في مقابل ما ثبت بالكتاب كما في المقام. ( (2)) هذا كلّه يتعلّق بالحكم، و أمّا الموضوع فهو حصى الجمار فيقع الكلام في المراد من الحصى.

رمي الجمرة موضوعاً

إنّ الموضوع لوجوب الرمي هو الحصى و هي جمع «الحصاة» بمعنى صغار الحجارة، و عليه يجب أن يكون حجراً أوّلًا، و صغاراً ثانياً، خلافاً لأبي حنيفة فقد جوّز الرمي بكلّ ما كان من نفس الأرض حتّى الطين و المدر، و خلافاً للظاهرية فقد جوّزوا بما كان من غير الأرض كالخرق و العصافير. ( (3))

و على كلّ تقدير فقد صرّح بوجوب كون المرمى به حصى، الشيخ في النهاية ( (4)) و المبسوط ( (5)) و الجمل و العقود ضمن الرسائل العشر. ( (6))

____________

(1). لعلّه أراد صاحب الوسيلة الذي قال: إنّ الرمي واجب عند أبي يعلى، مندوب إليه عند الشيخ أبي جعفر (الوسيلة: 180) و لاحظ: المراسم لأبي يعلى المعروف بسلّار: 105.

(2). السرائر: 1/ 606.

(3). الخلاف: 2/ 342.

(4). النهاية: 253.

(5). المبسوط: 1/ 369.

(6). الرسائل العشر: 234 و 249.

17

و أمّا المحقّق فقد قال عند البحث عن الوقوف في المشعر: إذا ورد المشعر استحب له التقاط الحصى منه ... إلى أن قال: و يجب فيه شروط ثلاثة ... أن يكون ممّا يسمّى حجراً. ( (1))

و الظاهر أنّه في مقام الاحتراز عن غير الحجر كالجواهر و الكحل و الزرنيخ و العقيق إذا وجدت في الحرم لا في مقابل كونه صغيراً، و بقرينة أنّه قال في أوّل البحث: «يستحب له التقاط الحصى» منه، فهو دليل على أنّ المختار عنده هو الحصاة.

هذه هي كلمات الأعلام و يدلّ عليه الروايات المتضافرة حول لزوم أخذ الحصى من الحرم حيث يظهر منها أنّ لزوم المرميّ جماراً، كان أمراً مسلماً بين الإمام و الراوي. و لذا كان محور السؤال و الجواب، تحديد مكانها، و إليك بعضها:

1. صحيح زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «حصى الجمار إن أخذته من الحرم أجزأك و إن أخذته من غير الحرم لم يجزئك». قال و قال: «لا ترم الجمار الا بالحصى». ( (2))

2. صحيح حنان بن سدير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يجوز أخذ حصى الجمار من جميع الحرم إلّا من المسجد الحرام و مسجد الخيف». ( (3))

كيفية الرمي

أمّا كيفية الرمي فالظاهر كفاية مطلق الرمي، لتضافر الإطلاقات عليها.

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 257.

(2). الوسائل: 10، الباب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(3). الوسائل: 10، الباب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. و لاحظ الحديث 3 و 4 و ما رواه في الباب 5 من أبواب رمي جمرة العقبة و كيفية الاستدلال في الجميع واحد.

18

نعم ورد في رواية البزنطي، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «حصى الجمار تكون مثل الأنملة- إلى أن قال:- تخذفهن خذفاً و تضعها على الإبهام و تدفعها بظفر السبابة. قال: و ارمها من بطن الوادي و اجعلهن على يمينك كلّهن». ( (1)) و اشتمال الرواية على المستحبات يُضعّف ظهورها في الوجوب، أضف إلى ذلك أنّ تضافر الإطلاقات، يمنع عن تقييدها برواية واحدة.

و ممّا يدلّ على استحبابه، ما دلّ على استحباب انفصال الرامي عن الجمرة قدر عشرة أو خمسة عشر ذراعاً، ( (2)) و من المعلوم أنّ كثيراً من الناس، خصوصاً عند الزحام لا يتمكّنون من رمي الجمرة بالنحو المذكور مع حفظ الفاصل المكاني المذكور فلا بدّ أن يحمل على الاستحباب.

الفرع الثاني: في شروطها

1. التقاطه من الحرم

و لا يكفي التقاطه من الخارج قال العلامة: يجب أن يكون الحصى من الحرم، فلا يجزئه لو أخذه من غيره. ( (3))

روى زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «حصى الجمار: إن أخذته من الحرم أجزأك، و إن أخذته من غير الحرم لم يجزئك». ( (4)) و لا فرق بين المشعر و غيره لما رواه حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته من أين ينبغي أخذ حصى الجمار؟ قال (عليه السلام): «لا تأخذ من موضعين: من خارج الحرم، و من حصى الجمار، و لا بأس بأخذه من‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 7 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

(2). لاحظ الوسائل: 10، الباب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

(3). التذكرة: 8/ 217.

(4). الوسائل: 10، الباب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

19

سائر الحرم». ( (1))

2. يشترط كونها أبكاراً.

قال المحقّق: و يشترط فيه شروط ثلاثة؛ إلى أن قال: و أبكاراً. ( (2))

و المراد بها أن تكون غير مرمي بها رمياً صحيحاً كما في الروضة. ( (3))

و يدلّ عليه: مرسلة حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته من أين ينبغي أخذ حصى الجمار؟ قال: «لا تأخذ من موضعين: من خارج الحرم، و من حصى الجمار، و لا بأس بأخذه من سائر الحرم». ( (4))

و النهي في المقام لبيان الشرطية.

و يدلّ عليه أيضاً خبر عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: «لا تأخذ من حصى الجمار». ( (5))

و في الوسائل: و رواه الصدوق مرسلًا إلّا أنّه قال: «لا تأخذ من حصى الجمار الّذي قد رُمي».

نعم المراد ما رمي به رمياً صحيحاً شرعياً، لا ما إذا رمي به بصورة غير شرعية فهي في حكم الأبكار.

و الروايات و إن كانت غير نقية السند، لكن لا محيص من القول بجبر الضعف بعمل الأصحاب و إلّا فيكون الحكم مبنيّاً على الاحتياط.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3.

(2). شرائع الإسلام: 1/ 257.

(3). الروضة البهية: 2/ 284.

(4). الوسائل: 10، الباب 19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 3. و الباب 5 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

(5). الوسائل: 10، الباب 5 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 2.

20

المسألة 1. وقت الرمي من طلوع الشمس من يوم العيد إلى غروبه، و لو نسي جاز إلى اليوم الثالث عشر، و لو لم يتذكر إلى بعده فالأحوط الرمي من قابل و لو بالاستنابة.* (1)

____________

3. أن تكون مباحة

، فلا يصحّ بالمغصوب، و لا بما حازه غيره بغير إذنه لعدم تمشّي قصد القربة برمي المغصوب، أضف إلى ذلك انصراف الأدلّة عنه.

[المسألة 1. وقت الرمي من طلوع الشمس من يوم العيد إلى غروبه]

(1)* في المسألة فرعان: 1. وقت رمي جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى غروبها.

2. لو نسي وجب عليه القضاء إلى اليوم الثالث عشر.

3. و لو لم يتذكر إلى اليوم الثالث عشر قضاه من قابل مباشرة أو بالاستنابة.

و إليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: تحديد وقت الرمي بداية و نهاية

إنّ الفقهاء عنونوا هذه المسألة فيما يأتي من باب رمي‌

21

الجمرات الثلاث؛ مثلًا قال المحقّق في الفصل الخاص بالأحكام المتعلّقة بمنى بعد العود من مكة: و يجب أن يرمي كلّ يوم من أيام التشريق (الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر) الجمار الثلاث ... إلى أن قال: و وقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، و لا يجوز أن يرمي ليلًا إلّا لعذر. ( (1))

و قد تبع صاحبَ الشرائع شُراحه و غيرهم فعنونوا المسألة في باب رمي الجمرات الثلاث، كما في المسالك ( (2)) و المدارك ( (3)) و الجواهر ( (4)) و المستند ( (5))، غير أنّ بعضهم عنون المسألة في كلا المقامين كالمحقّق الخوئي فقد خصّ وقت الرمي لجمرة العقبة بالعنوان إجمالًا و أحال التفصيل إلى المقام الثاني. ( (6)) و المصنّف عنون المسألة في المقام و فيما يأتي من باب «رمي الجمرات الثلاث» المسألة الثالثة، و على كلّ تقدير فالمشهور أنّ وقت رمي جمرة العقبة للمختار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها. و إليك بعض الكلمات.

قال العلّامة: «يجوز الرمي من طلوع الشمس إلى غروبها». و كلامه هذا ناظر إلى رمي الجمرة يوم النحر بشهادة أنّه قال- بعد هذه الجملة-: و قال جابر: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده ... إلى أن قال فيمن رُخِّص له التقديم: إنّ النبي أمر أُمّ سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثمّ مضت. ( (7))

و قد عبّر في «المنتهى» ( (8)) بما يقرب ممّا ذكر في «التذكرة».

و قال الشهيد: و خامسها وقوع الرمي في وقته، و هو منذ طلوع الشمس إلى غروبها، فلو رمى ليلة النحر أو قبل طلوع الشمس لم يجز إلّا لضرورة كالمريض و المرأة و الخائف و العبد. ( (9))

____________

(1). الشرائع: 1/ 275.

(2). المسالك: 2/ 367.

(3). المدارك: 8/ 230.

(4). الجواهر: 20/ 17.

(5). مستند الشيعة: 13/ 56.

(6). المعتمد: 5/ 191 و 412.

(7). التذكرة: 8/ 228.

(8). منتهى المطلب: 11/ 35.

(9). الدروس: 1/ 429.

22

إلى غير ذلك من الكلمات.

نعم يظهر الخلاف من المشايخ الثلاثة: كالشيخ و ابن زهرة و العلّامة في التحرير، فقد جوّزوا رمي جمرة العقبة عند طلوع الفجر مع الاختيار.

1. قال في «الخلاف»: وقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر بلا خلاف، و وقت الإجزاء من عند طلوع الفجر مع الاختيار. فإن رمى قبل ذلك لم يجزه، و للعليل و لصاحب الضرورة و النساء يجوز الرمي بالليل. ( (1))

2. و قال ابن زهرة في «الغنية»: وقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر بلا خلاف، و وقت الإجزاء من طلوع الفجر مع الاختيار. فمن رمى قبل ذلك لم يجز إلّا أن يكون هناك ضرورة على ما قدمناه. ( (2))

3. و قال العلّامة في «التحرير»: وقت الرمي من طلوع الشمس إلى غروبها، فإذا غربت فات الرمي و قضاه في الغد ... و يجوز تأخير رمي جمرة العقبة إلى قبل الغروب بمقدار أداء المناسك و وقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر، و وقت الإجزاء من طلوع الفجر اختياراً، فإن رمى قبل ذلك لم يجزئه. ( (3))

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الروايات فهي بين مطلقة تعمّ رمي جمرة العقبة و غيرها و هي أكثرها، و خاصة بها، و كلّها تدلّ على أنّ وقت الرمي ما بين طلوع الشمس و غروبها، و بما أنّا سنذكر الروايات عند البحث عن وقت رمي‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 344.

(2). غنية النزوع: 1/ 188.

(3). تحرير الأحكام: 1/ 618، المسألة رقم 2117.

23

الجمار الثلاث نقتصر في المقام بذكر روايتين: إحداهما مطلقة، و الأُخرى خاصة برمي جمرة العقبة.

1. صحيح صفوان بن مهران قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ارم الجمار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها». ( (1)) و إطلاقه يعمّ رمي الجمرة أيضاً.

2. صحيح إسماعيل بن همّام- الّذي يقول في حقّه النجاشي: ثقة هو و أبوه و جدّه- قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: «لا ترم الجمرة يوم النحر حتّى تطلع الشمس». ( (2))

و أمّا في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ارم في كلّ يوم عند زوال الشمس، و قل كما قلت حين رميت جمرة العقبة». ( (3)) فمحمول على الاستحباب بقرينة استحباب الدعاء الوارد فيه، و إلّا فلم يذهب إليه أحد من الأصحاب فيكون معرضاً عنها.

و حصيلة الكلام: أنّه لا خلاف في وقت رمي جمرة العقبة إلّا في أوّله فالمشهور أنّ مبدأه هو طلوع الشمس، خلافاً لما عرفت من أنّ مبدأه هو طلوع الفجر. و أمّا وقت رمي سائر الجمار فسيوافيك في محلّه.

الفرع الثاني: إذا نسي الرمي وجب القضاء

إذا نسي رمي جمرة العقبة يوم النحر إلى غروب الشمس يجب عليه القضاء بلا خلاف في أصل القضاء، و لو كان هنا خلاف فإنّما هو في المدّة، التي ينتهي فيها وقت القضاء. و سيوافيك توضيح الأقوال فيها:

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 2.

(2). الوسائل: 10، الباب 13 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 7.

(3). الوسائل: 10، الباب 12 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

24

و يدلّ عليه صحيح عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أفاض من جَمْع حتّى انتهى إلى منى فعرض له عارض فلم يرم حتّى غابت الشمس؟ قال: «يرمي إذا أصبح مرتين: مرة لما فاته، و الأُخرى ليومه الّذي يصبح فيه، و ليُفرّق بينهما يكون أحدهما بُكْرة و هي للأمس، و الأُخرى عند زوال الشمس». ( (1))

و ظهوره في وجوب القضاء واضح، و يدلّ- مضافاً إليه- على أمرين آخرين:

1. وجوب الترتيب بتقديم القضاء على الأداء.

2. كون القضاء بكرة و الأداء عند زوال الشمس.

و مقتضى القاعدة لزوم الأخذ بكليهما إلّا إذا دلّ الدليل على عدم الوجوب كما هو الحال في الأمر الثاني و يبقى الأوّل على ظاهره. و لو خالف الترتيب فقدم الأداء على القضاء عالماً يبطل للصحيح لا جهلًا و لا نسياناً للصحيح الّذي رواه المشايخ الثلاثة بسند صحيح عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق قال: «لا ينبغي إلّا أن يكون ناسياً» ثمّ قال: «إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أتاه أُناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول اللّه إنّي حلقتُ قبل أن أذبح، و قال بعضهم: حلقتُ قبل أن أرمي، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخّروه إلّا قدّموه. فقال: لا حرج». ( (2))

و رواه الصدوق باسناده عن ابن أبي عمير مثله إلّا أنّه قال: «فلم يتركوا شيئاً‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 15 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1. و قد رواه الكليني و الصدوق باختلاف يسير في المعنى.

(2). الوسائل: 10، الباب 39 من أبواب الذبح، الحديث 4.

25

كان ينبغي لهم أن يقدّموه إلّا أخّروه، و لا شيئاً كان ينبغي لهم أن يؤخّروه إلّا قدّموه فقال: لا حرج».

و يؤيّده ما روي عن البزنطي ( (1)) و صدره و إن كان في مورد النسيان لكن لا نحتمل أنّ جميع هذه الموارد الّتي يقع فيها التقديم و التأخير صدر عن نسيان، بل يعمّ ما إذا صدر عن جهل، بل الغالب هو الجهل. ( (2))

و حاصل الضابطة إذا جهل أو نسي، فأخّر ما تقدّم أو بالعكس صحّ عمله.

الفرع الثالث: في تحديد وقت القضاء

هذه المسألة ممّا اختلفت فيها كلمات الأصحاب بعد اتّفاقهم على وجوب قضاء الرمي على وجه الإجمال، الظاهر أنّ للأصحاب أقوالًا ثلاثة في تحديد الميزان في وجوب القضاء.

القول الأوّل: يظهر من الشيخ في «النهاية» أنّ الميزان في وجوب الرجوع و عدمه هو تواجده في مكّة

- و بطريق أولى في منى- و خروجه من مكة. فعلى الأوّل يجب عليه الرمي مطلقاً، سواء أبقي وقت الرمي (أيّام التشريق الثلاثة: الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر) أم لا، و على الثاني لا يجب حتّى لو بقي زمان الرمي. و ما ذكرناه مقتضى إطلاق كلامه؛ قال: و من نسي رمي الجمار إلى أن أتى مكّة عاد‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 39 من أبواب الذبح، الحديث 6.

(2). شرح المناسك: 230.

26

إلى منى و رماها و ليس عليه شي‌ء. فإن لم يذكر إلى أن يخرج من مكّة لم يكن عليه شي‌ء؛ إلّا أنّه إن حجّ في العام المقبل، أعاد ما كان قد فاته من رمي الجمار. ( (1))

و هذا هو أيضاً خيرة المحقّق الخوئي؛ قال: إنّ مقتضى إطلاق صحيحة معاوية بن عمار لزوم الرجوع و الرمي متى تذكر و لو كان بعد أيام التشريق.

و الظاهر أنّه يوافق الشيخ في القسم الأوّل، أعني: وجوب الرجوع ما دام باقياً في مكّة و لو بعد أيام التشريق. ( (2))

و أمّا في القسم الثاني فالقول بعدم وجوب الرجوع مطلقاً و لو بقي زمان الرمي فلا يظهر من كلامه.

بل يمكن حمل كلام الشيخ في هذا القسم، أي قوله: «إلى أن يخرج من مكّة لم يكن عليه شي‌ء» على ما إذا مضى وقت الرمي.

القول الثاني: إذا كان في مكّة يجب عليه العود إلى منى مطلقاً

، سواء أخرج وقت الرمي أو لم يخرج.

و أمّا إذا خرج من مكة فيجب الرجوع إذا بقي وقت الرمي لا مطلقاً.

و هو خيرة المحقّق فهو يوافق الشيخ في القسم الأوّل أي تواجده في مكّة فيوجب القضاء مطلقاً، سواء أبقي وقت الرمي أم لا، و يخالف إطلاقه في القسم الثاني فلا يوجب الرجوع إلّا إذا كان وقت الرمي باقياً. و إليك نص عبارته: و لو نسي رمي الجمار حتّى دخل مكّة رجع و رمى. و إن خرج من مكة لم يكن عليه شي‌ء‌

____________

(1). النهاية: 267.

(2). شرح المناسك: 230.

27

إذا انقضى زمان الرمي. ( (1)) فالحكم في الشق الأوّل مطلق، و مقيد بعدم الانقضاء في الثاني.

القول الثالث: ما يظهر من المصنّف في المتن و هو أنّ الميزان بقاء وقت الرمي و عدمه

، فعلى الأوّل يرجع و يرمي من غير فرق بين كونه في منى أو مكة أو خروجه منها، و على الثاني لا يجب حتّى و لو كان في منى أو مكة أو في الطريق.

و بما أنّ مصدر هذه الأقوال هو الاستظهار من الروايات فاللازم دراستها فنقول: إنّ في مورد النسيان و الجهل روايتين: إحداهما لمعاوية بن عمّار، و الأُخرى لعمر بن يزيد.

أمّا الأُولى: فقد روى عنه الكليني تارة بواسطة فضالة بن أيّوب عن معاوية بن عمّار، و أُخرى عنه بواسطة ابن أبي عمير، و رواه الشيخ في التهذيب بواسطة ابن أبي عمير، و ربّما يتصور أنّها روايات ثلاث، و الظاهر أنّ المجموع رواية واحدة و الاختلاف في المتن طفيف، غير أنّ السؤال في بعضها عمّن ترك الرمي جهلًا و بعضها الآخر عمّن ترك الرمي نسياناً، و إليك عامّة المتون:

1. روى الكليني بسنده عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتّى نفرت إلى مكّة؟ قال: «فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمي، و الرجل كذلك». ( (2))

2. ما رواه الكليني عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد‌

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 276.

(2). الوسائل: 10، الباب 3 من أبواب العود إلى منى، الحديث 1.

28

اللّه (عليه السلام) قال: قلت: رجل نسي الجمار حتّى أتى مكّة؟ قال: «يرجع فيرميها، يفصل بين كلّ رميتين بساعة». قلت: فاته ذلك و خرج؟ قال: «ليس عليه شي‌ء». ( (1))

3. ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل نسي رمي الجمار؟ قال: «يرجع فيرميها» قلت: فإنّه نسيها حتّى أتى مكة، قال: «يرجع فيرمي متفرقاً يفصل بين كلّ رميتين بساعة» قلت: فإنّه نسي أو جهل حتّى فاته و خرج، قال: «ليس عليه أن يعيد». ( (2))

فإنّ مقتضى إطلاق هذه الرواية (بصورها الثلاث) هو لزوم الرجوع و الرمي متى تذكّر، و لو كان بعد أيّام التشريق بشرط أن يكون في مكة، و لكن مقتضى الرواية التالية أنّ الناسي إنّما يرجع إذا كان وقت الرمي باقياً، لا ما إذا انقضى حتّى و لو كان متواجداً في مكّة. و إليك الرواية.

4. ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتّى تمضي أيّام التشريق فعليه أن يرميها من قابل، فإن لم يحج رمى عنه وليّه، فإن لم يكن له وليّ استعان برجل من المسلمين يرمي عنه، فإنّه لا يكون رمي الجمار إلّا أيّام التشريق». ( (3))

يقع الكلام في موضعين:

1. تحديد وقت القضاء.

2. وجوب القضاء في العام القابل.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 3 من أبواب العود إلى منى، الحديث 2.

(2). الوسائل: 10، الباب 3 من أبواب العود إلى منى، الحديث 3.

(3). نفس المصدر، الحديث 4.

29

أمّا الأوّل فمن ذهب إلى أنّ الملاك هو التواجد في مكة سواء أبقي وقت الرمي أم لا، اعتمد على صحيحة معاوية بن عمار، و من ذهب إلى بقاء وقت القضاء- يعني: أيّام التشريق-، اعتمد على الرواية الأخيرة.

قال في «المدارك»: و إطلاق هاتين الروايتين (يريد الرواية الأُولى و الثانية) يقتضي وجوب الرجوع من مكّة و الرمي و إن كان بعد انقضاء أيام التشريق، لكن صرّح الشيخ و غيره بأنّ الرجوع إنّما يجب مع بقاء أيام التشريق و مع خروجها يقضي في القابل. و استدلّ عليه في التهذيب بما رواه عن عمر بن يزيد؛ و في طريقها محمد بن عمر بن يزيد و لم يرد فيه توثيق، بل و لا مدح يعتد به، و لعلّ ذلك هو السر في إطلاق المصنّف (المحقّق) وجوب الرجوع من مكة و الرمي. ( (1))

يلاحظ عليه: بأنّ عمل المشهور يجبر ضعف الرواية، على أنّ لحن الرواية و مضمونها يشبه روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فمن أنس برواياتهم يعرف ما صدر عنهم و يميّزه عمّا لم يصدر عنهم. على أنّ إيجاب الرمي بعد انقضاء زمانه أمر غريب يحتاج إلى تصريح، و الإطلاق لا يكفي في رفع الغرابة.

و أمّا الثاني: فإنّ مقتضى رواية معاوية بن عمّار عدم وجوب شي‌ء إذا تذكّر بعد خروجه من مكّة، حيث قال: «ليس عليه شي‌ء» بخلاف الرواية الأخيرة ففيها وجوب الرمي بنفسه في السنة القادمة أو بنائبه.

و من المعلوم أنّ ظهور الرواية الثانية أقوى من إطلاق قوله: «ليس عليه شي‌ء»، فيحمل النفي على أنّه ليس عليه إثم و لا جناح. و لذلك احتاط المصنّف في المتن بوجوب الرمي من قابل و لو بالاستنابة.

و مع ذلك ففي إيجاب الاحتياط نظر، إذ في معاوية بن عمّار على ما رواه‌

____________

(1). المدارك: 8/ 237- 238.

30

[المسألة 2. يجب في رمي الجمار أُمور:]

المسألة 2. يجب في رمي الجمار أُمور:

الأوّل: النيّة الخالصة للّه تعالى كسائر العبادات.

الثاني: إلقاؤها بما يسمّى رمياً، فلو وضعها بيده على المرمى لم يجز.

الثالث: أن يكون الإلقاء بيده، فلا يجزي لو كان برجله، و الأحوط أن لا يكون المرمي ب آلة كالمقلاع و إن لا يبعد الجواز.

الرابع: وصول الحصاة إلى المرمى، فلا يحسب ما لا تصل.

الخامس: أن يكون وصولها برميه، فلو رمى ناقصاً فأتمّه حركة غيره من حيوان أو إنسان لم يجز، نعم لو رمى فأصابت حجراً أو نحوه و ارتفعت منه و وصلت المرمى صحّ.

السادس: أن يكون العدد سبعة.

السابع: أن يتلاحق الحصيات، فلو رمى دفعة لا يحسب إلّا واحدة و لو وصلت على المرمى متعاقبة، كما أنّه لو رماها متعاقبة صحّ و إن وصلت دفعة.* (1)

____________

الشيخ «ليس عليه أن يعيد» فهو صريح في عدم وجوب الإعادة، و على هذا يكون الاحتياط استحبابيّاً خلافاً لظاهر المتن.

(1)* في المسألة فروع سبعة: 1. وجوب النيّة، و اكتفى المحقّق بها فقط فقال: فالواجب فيه النية. ( (1)) و مقصوده هو النيّة الخالصة للّه تعالى، لأنّ الرمي عمل قربي و يشترط في صحّة‌

____________

(1). الشرائع: 1/ 258.

31

الأعمال القربية و العبادية، الإتيان بالفعل للّه سبحانه أو لامتثال أمره و إطاعته.

و يظهر من «المسالك» لزوم قصد الوجه، و تعيين نوع الحج، دون لزوم التعرّض للأداء و القضاء، و إن كان التعرّض لأحدهما أولى. ( (1))

و لكن المختار عندنا هو خلاف ما ذكره حيث لا يجب قصد الوجه و لا نوع الحج، و لكن لو وجب عليه الرمي قضاء و أداء وجب عليه تعيين أحدهما لعدم تعيّن أحدهما إلّا بالنية، و كان السيد المحقّق البروجردي (قدّس سرّه) يستظهر من الأوامر الّتي تعلّقت بعنوان خاص، لزومَ قصد ذلك العنوان، و كان يقول: إذا ورد مثلًا: «اقض ما فات» أو قريب من ذلك، فهو ظاهر في وجوب إتيان الفعل بهذا العنوان»، و أمّا عدم وجوب قصد الوجه، فلكونه من الأُمور الّتي تغفل عنها العامّة، و لو كان واجباً لاحتاج إلى النص، فمقتضى الإطلاق المقامي هو عدم وجوبه، و أمّا عدم وجوب تعيين نوع الحجّ عند الرمي، فلكفاية قصده عند الإحرام.

2. الإلقاء على وجه يصدق عليه الرمي، لقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمّار: «ثمّ ائت الجمرة القصوى الّتي عند العقبة فارمها». ( (2))

و الموضوع هو الرمي و هو غير الوضع، و أمّا الطرح فإن كان مقروناً بشدة و قوة يصدق عليها الرمي فهو، و إلّا لا يُجزي.

نعم ورد في خبر أبي نصر البزنطي: «تخذفهن خذفاً و تضعها على الإبهام و تدفعها بظفر السبابة». ( (3))

____________

(1). المسالك: 2/ 293.

(2). الوسائل: 10، الباب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

(3). الوسائل: 10، الباب 7 من أبواب جمرة العقبة، الحديث 1.

32

و لا يخفى أنّ الرمي من الموضوعات العرفية و ليس من الموضوعات الشرعية أو المتشرّعية أو المختصّة بطائفة دون أُخرى، فكلّما صدق عليه الرمي بأي كيفية كانت فهو مجز، و أمّا الكيفية المذكورة للرمي في رواية البزنطي فهي محمولة على الاستحباب، لاقترانها بأُمور مستحبة ذكرت في نفس الرواية و غيرها من رميها عن بُعد عشرة أو خمسة عشر ذراعاً.

نعم قد أتعب بعض الأساطين نفسه الزكية فخرج بنتيجة خاصة من أنّه يجب أن يكون رمي الحصى على كيفية الرمي المتبادر من قولهم: «رمي السهم عن القوس» فيلزم جعل اليد كالسهم ( (1))، و إخراج الحصى منه كإخراج النبل منه قسراً أو شدة كما هناك.

3. أن يكون الرمي باليد، و ذلك للسيرة أوّلًا و كونه منصرف الروايات ثانياً، فلا يكفي الرمي بالرِّجل كما لا يكفي الرمي بالمقلاع، لا لعدم صدق الرمي، بل انّه من أوضح مصاديق الرمي، بل لانصراف الروايات عن هذا الصنف. و إن لم يستبعد المصنّف الجواز.

4. وصول الحصاة إلى المرمى و ذلك لدخول الهدف في مفهوم الرمي، و الهدف هنا هو الجمرة، و يشهد على ذلك قوله (عليه السلام): «ثمّ ائت الجمرة القصوى الّتي عند العقبة فارمها من قبل وجهها». ( (2))

5. أن يكون وصولها برميه، و حاصل هذا الشرط أنّه يجب أن يكون رميه سبباً تامّاً لوصول الحصى إلى الجمرة، سواء أوصلت إليها مباشرة أو أصابت حجراً أو جداراً و ارتفعت منه و وصلت المرمى على نحو لم يكن للواسطة دور في وصولها‌

____________

(1). كذا في المصدر و الصحيح كالقوس.

(2). الوسائل: 10، الباب 3 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

33

إليه، لأنّ المفروض أنّ الرمي يكون على شدة خاصة كافية في إيصال الحصى إلى المرمى. غاية الأمر تارة لا يتدخل بين الرمي و الإصابة شي‌ء آخر و أُخرى يتدخّل.

و لعلّ صحيحة معاوية بن عمّار تشير إلى هذه الصورة: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «فإن رميت بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها، و إن أصابت إنساناً أو جملًا ثمّ وقعت على الجمار أجزأك». ( (1))

نعم لو لم يكن رميه سبباً تامّاً للإصابة بحيث لو لا تدخّل الواسطة لم تصل الحصى إلى المرمى، كما إذا رمى بضعف فوصلت إلى حيوان أو إنسان ثمّ وصلت الجمرة بحركتهما، فلا يصحّ في هذه الصورة، و هذا هو خيرة المصنّف، و قد تبع في ذلك صاحب الشرائع الّذي قال: و إصابة الجمرة بها بما يفعله، فلو وقعت على شي‌ء و انحدرت على الجمرة جاز، و لو قصرت فتمّمها حركة غيره من حيوان أو إنسان لم يجز. ( (2))

و الضابطة في الإجزاء و عدمه هو أنّه لو كان لإصابتها الجسم الصلب دور في إصابتها للجمرة، بحيث لو لم يصبه، لم يصل إلى الجمرة فلا يصحّ لعدم استناد الإصابة إلى رميه. بخلاف ما لو لم يكن له دور. و إليها يشير المصنّف بقوله: نعم لو رمى فأصابت حجراً أو نحوه و ارتفعت منه و وصلت المرمى صحّ وفاقاً لصاحب الجواهر حيث قال: و كذا (يصح) إن أصابت شيئاً صلباً فوقعت بإصابته على الجمرة للصدق بعد أن كانت الإصابة على كلّ حال بفعله. ( (3))

6. أن يكون الرمي بسبع حصيّات و لا يجزي الأقل، و هذا ممّا تسالم عليه الفقهاء.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 6 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

(2). شرائع الإسلام: 1/ 259.

(3). الجواهر: 19/ 105.

34

قال في «التذكرة»: يجب أن يرمي كلّ جمرة بسبع حصيّات كملًا فلا يجوز له الإخلال بواحدة منها. و به قال الشافعي و أصحاب الرأي و أحمد في إحدى الروايتين، كما رواه العامّة أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) رمى بسبع حصيات. و قال أحمد في الرواية الثانية: يجوز أن ينقص حصاة أو حصاتين لا أزيد. و به قال مجاهد و إسحاق. ( (1))

و يدلّ عليه صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في رجل رمى الجمرة الأُولى بثلاث، و الثانية بسبع، و الثالثة بسبع؟ قال: «يعيد يرميهنّ جميعاً بسبع سبع». ( (2))

و صحيحه الآخر قال: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: في رجل أخذ إحدى و عشرين حصاة فرمى بها فزادت واحدة فلم يدر أيّهن نقص، قال: «فليرجع و ليرم كلّ واحدة بحصاة، فإن سقطت من رجل حصاة فلم يدر أيّهنّ هي؟ فليأخذ من تحت قدميه حصاة و يرمي بها». ( (3))

و مورد الحديث و إن كان الجمرات الثلاث، لكنّه لا فرق في الحكم بين جمرة العقبة و غيرها.

7. أن تتلاحق الحصيّات فلو رمى دفعة لا يحسب إلّا واحدة، قال الشيخ في «الخلاف»: إذا رمى- سبع حصيّات- دفعة واحدة، لم يعتد بأكثر من واحدة، سواء أوقعت عليها مجتمعة أو متفرقة. و به قال الشافعي، و قال أبو حنيفة: إذا وقعت متفرقة اعتدّ بهنّ كلهنّ، ثمّ إنّ الشيخ استدلّ بحديث عائشة: «يكبّر مع كلّ حصاة» و ذلك لا يتم إلّا مع التفريق. ( (4))

____________

(1). التذكرة: 8/ 362، المسألة 681.

(2). الوسائل: 10، الباب 6 من أبواب العود إلى منى، الحديث 2.

(3). الوسائل: 10، الباب 7 من أبواب العود إلى منى، الحديث 1.

(4). الخلاف: 2/ 352، المسألة 179.

35

[المسألة 3. لو شكّ في أنّها مستعملة أم لا، جاز الرمي بها]

المسألة 3. لو شكّ في أنّها مستعملة أم لا، جاز الرمي بها، و لو احتمل أنّها من غير الحرم و حملت من خارجه لا يعتني به، و لو شكّ في صدق الحصاة عليها لم يجز الاكتفاء بها، و لو شكّ في عدد الرمي يجب الرمي حتّى يتيقن كونه سبعاً، و كذا لو شكّ في وصول الحصاة إلى المرمى يجب الرمي إلى أن يتيقّن به، و الظن فيما ذكر بحكم الشكّ، و لو شكّ بعد الذبح أو الحلق في رمي الجمرة أو عدده لا يعتني به، و لو شكّ قبلهما بعد الانصراف في عدد الرمي فإن كان في النقيصة فالأحوط الرجوع و الإتمام، و لا يعتني بالشكّ في الزيادة، و لو شكّ بعد الفراغ في الصحّة بنى عليها بعد حفظ العدد.* (1)

____________

و قال في «التذكرة»: و يرمي كلّ حصاة بانفرادها فلو رمى الحصيّات دفعة واحدة لم يجزه، لأنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) رمى متفرقاً، و قال: «خذوا عنّي مناسككم» ...

إلى أن قال: و من طريق الخاصّة قول الرضا (عليه السلام): «و ارمها من بطن الوادي و اجعلهنّ على يمينك كلّهن». ( (1))

و يدلّ على ذلك وراء ما ذكره العلّامة صحيح يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: قلت: ما أقول إذا رميت؟ قال: «كبّر مع كلّ حصاة». ( (2)) و قريب منه صحيح معاوية بن عمّار. ( (3)) و كون التكبير مستحباً، لا يوجب رفع اليد عن وجوب التفريق فكأنّه (عليه السلام) يقول: فرق بين الحصيات و كبّر في كلّ واحدة منها.

(1)* في المسألة فروع نشير إليها واحداً بعد الآخر:

____________

(1). التذكرة: 8/ 223، المسألة 565.

(2). الوسائل: 10، الباب 11 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1 و 2.

(3). الوسائل: 10، الباب 11 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1 و 2.

36

1. لو شكّ في أنّها مستعملة أو لا، جاز الرمي بها، و ذلك لأصالة عدم الرمي بها. و ليس ما ذكرنا من قبيل الاستصحاب الأزلي. لافتراض وجود الموضوع «الحصى» في برهة من الزمان و عدم كونه موصوفاً بالرمي، فنشير إلى الحصى و نقول: كان هذا غير مرمي به في برهة من الزمان و الأصل بقاؤه على ما كان عليه.

2. و لو احتمل أنّها من غير الحرم و حملت من خارجه، لا يعتنى به، لأنّ وجوده في الحرم أمارة عقلائية على أنّها حجارة الحرم، و قد تكوّنت فيه.

3. و لو شكّ في صدق الحصاة عليها لم يجز الاكتفاء بها للشكّ في الموضوع فيجب إحرازه، كما إذا شكّ في كون الماء مطلقاً أو مضافاً فلا يجوز له التوضّؤ به إلّا بعد إحراز إطلاقه.

4. و لو شكّ في عدد الرمي يجب الرمي حتّى يتيقّن كونه سبعاً، و ذلك للأصل، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، و مع الشكّ في عدد الرمي لا تحصل البراءة اليقينية.

5. لو شكّ في وصول الحصاة إلى المرمى يجب الرمي إلى أن يتيقن به و «الظن فيما ذكر بحكم الشك».

أقول: أمّا كون الظن بحكم الشك فلما حقّق في الأُصول من أنّ الشك في حجية شي‌ء كاف في القطع بعدم حجّيته، و «أمّا إذا شك في الإصابة فيجب عليه الرمي إلى أن يحصل اليقين» و ذلك مقتضى قاعدة الاشتغال.

و العجب أنّ الشيخ أفتى بالإجزاء فقال: و إذا رمى فلم يعلم أصاب أم لا؟ يجزيه. و للشافعي فيه وجهان. ( (1)) كلّ ذلك فيما لو لم يتجاوز المحلّ كما سيوافيك في‌

____________

(1). الخلاف: 2/ 344، المسألة 165.

37

[المسألة 4. لا يعتبر في الحصى، الطهارة]

المسألة 4. لا يعتبر في الحصى، الطهارة، و لا في الرامي الطهارة من الحدث و الخبث.* (1)

____________

الفروع التالية.

6. و لو شكّ بعد الذبح أو الحلق في رمي الجمرة أو عدده، أي لو شك في أصل الرمي أو عدده، لا يعتني به لقاعدة الفراغ.

7. لو شكّ قبلهما بعد الانصراف فتارة يشكّ في عدد الرمي الّذي يعبر عنه بالشك في النقيصة، و أُخرى يشك في صحّة ما أتى بعد الفراغ عن العدد.

أمّا الأوّل: فلا يجري فيه قاعدة الفراغ للشك في أصل الفراغ، لاحتمال أنّه رمى ست حصيات، و على هذا الفرض فهو يعدّ في أثناء العمل، و هذا بخلاف الثاني- أعني: ما إذا شكّ في الصحّة بعد حفظ العدد- فالمفروض أنّه فرغ عن العمل و إنّما شكّ في صحّته و فساده فيكون مجرى للقاعدة.

نعم لو شك في الزيادة فهو محكوم بالعدم، للأصل.

(1)* في المسألة فرعان: 1. لا يعتبر في الحصى الطهارة من الخبث.

2. لا يعتبر في الرامي الطهارة من الحدث و الخبث.

أمّا الأوّل: فهو مقتضى إطلاق الأدلّة حتّى أنّ بعض الروايات تعرضت لصفات الحصى المستحبة و لم تتعرض لطهارتها نظير ما رواه البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «حصى الجمار تكون مثل الأنملة، و لا تأخذها سوداء و لا بيضاء، و لا حمراء، خذها كحلية منقّطة». ( (1)) وفاقاً للعلّامة في «التذكرة» قال: و لو كان‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 20 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. و لاحظ بقية روايات الباب.

38

الحجر نجساً استحبّ له غَسْلُه، فإن لم يغسله و رمى به أجزأه لحصول الامتثال. ( (1))

و لكنّه توقّف في «التحرير» في إجزاء الرمي بالنجس و قال: و لو رمى بحصاة نجسة، ففي الإجزاء نظر. ( (2))

و أمّا الفرع الثاني: أي عدم اعتبار طهارة الرامي من الحدث و الخبث، فقد ذهب المشهور إلى عدم اعتباره، خلافاً للمفيد و السيد المرتضى و ابن الجنيد فقد ذهبوا إلى شرطية الطهارة.

قال الأوّل: فإن قدر على الوضوء فليتوضّأ، و إن لم يقدر أجزأ عنه غسله، و لا يجوز له رمي الجمار إلّا و هو على طهر. ( (3))

و قال الثاني: و لا يرمي الجمار إلّا و هو على طهر. ( (4))

و قال ابن الجنيد: و لا يرمي إلّا و هو طاهر، و لو اغتسل لذلك كان حسناً. ( (5))

و أمّا غير هؤلاء فالمختار عندهم هو الاستحباب.

قال المحقّق: و المستحب فيه ستة: ... الطهارة. ( (6))

و قال في «المدارك»: و ما اختاره المصنّف من استحباب الطهارة في الرمي هو المشهور بين الأصحاب. ( (7))

و يدلّ على مختار المشهور روايات:

____________

(1). التذكرة: 8/ 232.

(2). تحرير الأحكام: 1/ 616.

(3). المقنعة: 417.

(4). جمل العلم و العمل «رسائل الشريف المرتضى» المجموعة الثالثة: 68.

(5). مختلف الشيعة: 4/ 261.

(6). شرائع الإسلام: 1/ 256.

(7). المدارك: 8/ 9.

39

1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: «و يستحب أن ترمي الجمار على طهر». ( (1))

2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تقضي المناسك كلّها على غير وضوء، إلّا الطواف فإنّ فيه صلاة، و الوضوء أفضل». ( (2))

3. خبر أبي غسان (حميد بن مسعود) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رمي الجمار على غير طهور؟ قال: «الجمار عندنا مثل الصفا و المروة حيطان، إن طفت بينهما على غير طهور لم يضرك، و الطهر أحب إليّ، فلا تدعه و أنت قادر عليه». ( (3))

نعم في السند ضعف حيث إنّ النجاشي ذكر «حميد بن مسعود» و لم يصفه بشي‌ء من الوثاقة و الضعف فهو من هذا الجانب مهمل لا مجهول.

4. أبو حمزة الثمالي (ثابت بن دينار الثقة) عن أبي جعفر (عليه السلام): أنّه سُئل أ ينسك الناسك و هو على غير وضوء؟ فقال: «نعم، إلّا الطواف في البيت فإنّ فيه صلاة». ( (4))

و احتجّ القائلون بالوجوب بما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجمار؟ فقال: «لا ترم الجمار إلّا و أنت على طهر». ( (5))

و حمله المشهور على الاستحباب بقرينة ما دلّ عليه من الروايات الثلاثة، و لكن تنظّر الشهيد الثاني في هذا الجمع قائلًا: بأنّ في سند هذه الرواية (رواية أبي غسان) مجاهيل فلا تتحقّق المعارضة.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 3.

(2). الوسائل: 9، الباب 15 من أبواب السعي، الحديث 1.

(3). الوسائل: 10، الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 5.

(4). الوسائل: 9، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 6.

(5). الوسائل: 10، الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

40

[المسألة 5. يستناب في الرمي عن غير المتمكن كالأطفال و المرضى و المغمى عليهم]

المسألة 5. يستناب في الرمي عن غير المتمكن كالأطفال و المرضى و المغمى عليهم، و يستحب حمل المريض مع الإمكان عند المرمى و يرمي عنده، بل هو أحوط. و لو صحّ المريض أو أفاق المغمى عليه بعد تمامية الرمي من النائب لا تجب الإعادة، و لو كان ذلك في الأثناء استأنف من رأس، و كفاية ما رماه النائب محلّ إشكال.* (1)

____________

يلاحظ عليه: بأنّ ما دلّ على الاستحباب غير منحصر فيها و قد مرّت صحيحتا ابن عمّار.

6. خبر علي بن الفضل الواسطي، عن أبي الحسن (عليه السلام): «لا ترم الجمار إلّا و أنت طاهر». ( (1))

و أمّا استحباب الغُسْل فقد حكاه في الجواهر عن بعض الأصحاب و استدلّ عليه بصحيح الحلبي قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الغسل إذا أراد أن يرمي؟ فقال: «ربّما اغتسلت، فأمّا من السنّة فلا». ( (2)) و في نقل آخر إضافة قوله: «و لكن من الحرّ و العرق». و الرواية ظاهرة في عدم الاستحباب، و إنّما هو لتنظيف و غسل العرق.

(1)* في المسألة فروع: 1. يستناب في الرمي عن غير المتمكّن.

2. يستحبّ حمل المريض مع الإمكان إلى المرمى، على الأحوط.

3. لو صحّ المريض أو أفاق المغمى عليه بعد تمامية الرمي من النائب لا‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 6.

(2). الوسائل: 10، الباب 2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 4.

41

تجب الإعادة.

4. لو اتّفق ذلك في الأثناء استأنف الرمي من رأس و لا يعتدّ بما رماه النائب.

و إليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: يستناب في الرمي عن غير المتمكّن‌

قال المحقّق: و يجوز أن يرمي عن المعذور كالمريض. ( (1))

و قال في «المنتهى»: و يجوز أن يرمي عن العليل و المبطون و المغمى عليه و الصبي و من أشبههم من أصحاب الأعذار للضرورة. ( (2))

قال في «الجواهر»: و لا خلاف أجده في أنّه يجوز أن يرمي عن المعذور كالمريض إذا لم يزل عذره وقت الرمي. ( (3))

و المسألة منصوصة نذكر منها ما يلي:

1. صحيح معاوية بن عمّار و عبد الرحمن بن الحجاج جميعاً، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكسير و المبطون يُرمى عنهما، و الصبيان يرمى عنهم». ( (4))

و هي متّحدة مع الرواية الثالثة الواردة في هذا الباب، غير أنّ الأُولى نقلها الصدوق و الثانية نقلها الكليني.

2. موثّقة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن المريض تُرمى عنه الجمار؟ قال: «نعم يحمل إلى الجمرة و يُرمى عنه».

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 276.

(2). منتهى المطلب: 11/ 395.

(3). جواهر الكلام: 20/ 30.

(4). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

42

هذا ما نقله الكليني، و أمّا ما نقله الصدوق ففيه إضافة، أعني: قلت: لا يطيق؟ قال: «يُترك في منزله و يُرمى عنه». ( (1))

إلى غير ذلك من النصوص الواردة في هذا الباب.

الفرع الثاني: يستحبّ حمل المريض مع الإمكان إلى المرمى.

و يدلّ عليه ما عرفت من موثّقة إسحاق بن عمّار المتقدّمة.

الفرع الثالث: لو صحّ المريض أو أفاق المغمى عليه بعد تمامية الرمي من النائب لا تجب الإعادة و ذلك لحصول الامتثال بفعل النائب.

و إن شئت قلت: يجب على الإنسان أن يرمي بنفسه إن كان متمكّناً، أو يستنيب إذا كان غير متمكّن، فإذا استناب و رمى النائب عن جانبه فقد امتثل أمر المولى، و الإعادة بحاجة إلى دليل.

هذا كلّه إذا استناب قبل الإغماء و أمّا لو أُغمي على المريض قبل الاستنابة و خيف فوات الوقت، رمى عنه بعض المؤمنين كما يدلّ عليه صحيحة رفاعة بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أُغمي عليه؟ فقال: «يُرمى عنه الجمار». ( (2))

ثمّ إذا استناب قبل الإغماء ثمّ أُغمي عليه بعد الاستنابة فهل تبطل النيابة أو لا؟ الظاهر: لا.

قال العلّامة: و المغمى عليه إن كان قد أذن لغيره قبل إغمائه لم يبطل إذنه. ( (3))

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 4 و 2.

(2). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 5.

(3). تذكرة الفقهاء: 8/ 368.

43

و قال في «المدارك»: و لو أُغمي على المريض بعد الاستنابة لم ينعزل النائب قطعاً، للأصل و إطلاق الخبر؛ و استشكله بعض المتأخّرين بأنّ الإغماء يوجب زوال الوكالة فتزول النيابة.

و هو ضعيف، لأنّ إلحاق هذه الاستنابة بالوكالة في هذا الحكم لا يخرج من القياس. ( (1))

و الحق أنّ باب النيابة غير الوكالة، فإنّ العبادات لا تقبل الوكالة بل تقبل النيابة، و قد مرّ أنّ من أُغمي عليه قبل الاستنابة يجب على المؤمنين الرمي عنه، فإذا صحّ مع عدم الاستنابة يصحّ معها بطريق أولى.

بقي الكلام في وجوب المبادرة إلى الاستنابة، فلا شكّ في جوازها عند العلم ببقاء العذر و عدم الجواز إذا كان موقتاً يرتفع بعد ساعة و يتمكّن من الرمي بنفسه، و لو شكّ فهل يجري استصحاب بقاء العذر إلى آخر الوقت ليرتب عليه أثره و هو جواز الاستنابة؟ فيه تردد، لأنّ مفاد أدلّتها هو جرّ الحالة السابقة إلى الحالة الحاضرة، و أمّا جرّها إلى بعد الحاضرة فهو غير مفهوم من الروايات، و للمسألة نظائر في باب الدماء الثلاثة، فلاحظ.

و على كلّ تقدير فإنّما تتصوّر الاستنابة في غير الصبي، أمّا فيه فيقوم عنه وليه.

الفرع الرابع: لو أفاق ذلك في الأثناء استأنف الرمي من رأس و لا يعتد بما رماه النائب.

وجهه: هو توجّه التكليف إليه عند الإفاقة و استطاعته الرمي بنفسه، و ما أتى به النائب من الرمي، فهو عمل ناقص غير تام، فلا يوجب سقوط الرمي عنه.

____________

(1). مدارك الأحكام: 8/ 239.

44

[المسألة 6. من كان معذوراً في الرمي يوم العيد جاز له الرمي في الليل]

المسألة 6. من كان معذوراً في الرمي يوم العيد جاز له الرمي في الليل.* (1)

____________

و أمّا الاعتداد بما أتى به النائب و تلفيقه بما يأتي هو نفسه به بعد الإفاقة فهو أمر غير واضح، لأنّ الأمر الواحد رهن امتثال واحد صادر من شخص واحد.

(1)* هذه المسألة تختلف جوهراً مع المسألة السابقة، لأنّ الموضوع هناك هو من يستنيب لأجل العجز كالمريض و الصبي و المغمى عليه و قد مرّ أنّه يستنيب، و أمّا هنا (في هذه المسألة) فهو الإنسان المصح و لكنّه معذور عن الرمي يوم العيد كالخائف من العدو و الراعي و المرأة و غير ذلك، فقد رخص له الرمي بالليل. و من هنا يعلم الضعف في كلام المحقّق حيث أدخل المريض في هذه المسألة حيث قال: و لا يجوز أن يرمي ليلًا إلّا لعذر كالخائف و المريض و الرعاة و العبيد. ( (1)) و لعلّ المراد من المريض في كلامه هو المعذور نهاراً دون الليل لا المريض المطلق كما في المسألة السابقة. و لعلّه تبع النص. ( (2)) و قال العلّامة: و قد رخص للمعذور كالخائف و العاجز و المرأة و الراعي و العبد في الرمي ليلًا من نصفه للعذر، لما رواه العامة: «من أنّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر أُمّ سلمة بالرمي ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر».

و المسألة مورد اتفاق الفريقين و نصوص و إطلاق الروايات كالفتاوى جواز الرمي بالليل و إن تمكّن من الاستنابة في اليوم، و وجهه مضافاً إلى الإطلاقات، هو‌

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 275.

(2). لاحظ الوسائل: 10، الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 7. و مع ذلك يحتمل أن يكون قوله: «و المريض» في الحديث مبتدأ غير معطوف على ما سبق، و عندئذ لا تصلح للاستشهاد، فلاحظ.

45

أنّ النيابة في العبادة عن الحي على خلاف القاعدة و لا يعتد بها إلّا إذا ورد النص به.

هل يجوز أن يرمي قبل نصف الليل أو يشترط الرمي بعد انتصافه، كما عليه الشافعي و عطاء و ابن أبي ليلى، أو أنّه لا يجوز الرمي إلّا بعد طلوع الفجر، و هو أيضاً قول مالك؟ ( (1))

و قال المحقّق: و تجوز الإفاضة قبل الفجر للمرأة، و مَن يخاف على نفسه من غير جبر.

و قال ( (2)) في «التذكرة»: يجوز للخائف و غيرهم من أصحاب الأعذار و الضرورات الإفاضة قبل طلوع الفجر من مزدلفة إجماعاً، لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «يقدّم ضعفة أهله في النصف الأخير من المزدلفة». ( (3))

و قال في «المنتهى» بعد بيان المسألة: و هو قول كلّ من يُحفظ عنه العلم لما رواه الجمهور: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر أُمّ سلمة فأفاضت في النصف الأخير من المزدلفة، و أذن لسودة أيضاً. ( (4))

و على ضوء ذلك فيكون المراد الإفاضة قبل الفجر على نحو يصل المعذور إلى منى عند طلوع الفجر، أو قبله بوقت قليل فيكون الرمي بعد طلوعه.

و يدلّ على ذلك خبر علي بن عطية: قال: أفضنا من المزدلفة بليل أنا و هشام بن عبد الملك الكوفي، فكان هشام خائفاً فانتهينا إلى جمرة العقبة طلوع‌

____________

(1). التذكرة: 8/ 229.

(2). الشرائع: 1/ 256.

(3). التذكرة: 8/ 205.

(4). المنتهى: 11/ 92.

46

الفجر، فقال لي هشام: أي شي‌ء أحدثنا في حجّنا؟ فنحن كذلك إذ لقينا أبو الحسن موسى (عليه السلام) قد رمى الجمار و انصرف، فطابت نفس هشام. ( (1))

و في صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا بأس بأن يقدّم النساء إذا زال الليل فيقفن عند المشعر ساعة، ثمّ ينطلق بهنّ إلى منى فيرمين الجمرة، ثمّ يصبرن ساعة. ( (2))

و قد فُسّر الزوال بانتصاف الليل و يحتمل أن يكون كناية عن انتهاء الليل و طلوع الفجر و على كلا المعنيين كان الرمي في ذلك العهد في الفجر أو بعده بوقت قليل، لأنّ وسائل النقل كانت يومذاك بطيئة. و على ضوء ما ذكرنا فالأحوط لو لم يكن الأقوى هو الخروج بعد نصف الليل لا قبله و الرمي بعد الفجر.

و بذلك يقيد إطلاق الروايات، نظير:

1. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يرمي الخائف بالليل، و يضحي و يفيض بالليل». ( (3))

2. موثّقة سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «رخّص للعبد و الخائف و الراعي في الرمي ليلًا». ( (4))

3. صحيح زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في الخائف: «لا بأس بأن يرمي الجمار بالليل». ( (5))

إلى غير ذلك من الروايات الّتي رواها صاحب الوسائل في هذا الباب.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 3.

(2). الوسائل: 10، الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 7.

(3). الوسائل: 10، الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

(4). الوسائل: 10، الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 2.

(5). الوسائل: 10، الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 4.

47

[المسألة 7. يجوز الرمي ماشياً و راكباً]

المسألة 7. يجوز الرمي ماشياً و راكباً، و الأوّل أفضل.* (1)

____________

(1)* قال المحقّق ضمن مستحبات رمي جمرة العقبة: و أن يكون ماشياً و لو رمى راكباً جاز. و قال ( (1)) العلّامة: يجوز الرمي راكباً و المشي أفضل، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) رمى الجمار راكباً، و كذا أبو جعفر الثاني الجواد (عليه السلام). و قال الشافعي: يرمي في اليوم الأخير راكباً و في الأوّلين ماشياً. ( (2))

روى الشيخ بإسناده عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى أنّه رأى أبا جعفر الثاني (عليه السلام) رمى الجمار راكباً. ( (3))

و الروايات في ذلك متضافرة. ( (4))

و كون المراد من الليل هو ما يقابل النهار.

تمّ الكلام في أحكام الرمي‌

و الحمد للّه ربّ العالمين‌

____________

(1). شرائع الإسلام: 1/ 259.

(2). تذكرة الفقهاء: 8/ 365.

(3). الوسائل: 10، الباب 8 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1.

(4). الوسائل: 10، الباب 8 و 9 من أبواب رمي جمرة العقبة.

48

في الهدي

[الثاني من الواجبات: الهدي]

الثاني من الواجبات: الهدي و يجب أن يكون إحدى النعم الثلاث: الإبل و البقر و الغنم، و الجاموس بقر، و لا يجوز سائر الحيوانات، و الأفضل الإبل ثمّ البقر، و لا يجزي واحد عن اثنين أو الزيادة بالاشتراك حال الاختيار، و في حال الاضطرار يشكل الاجتزاء، فالأحوط الشركة و الصوم معاً.* (1)

____________

(1)*

في المسألة فروع:

1. الهدي واجب.

2. يجب أن يكون من إحدى الأنعام الثلاثة.

3. لا يجزي واحد عن اثنين أو الزيادة بالاشتراك.

4. و في حال الاضطرار يشكل الاجتزاء بالواحد و الأحوط الشركة مع الصوم.

و إليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: وجوب الهدي

إنّ الهدي واجب على المتمتّع دون المفرد، نعم يشتركان في الرمي و الحلق.

أمّا وجوبه على المتمتع فهو من ضروريات فقه الحجّ.

49

قال العلّامة في «المنتهى»: و يجب الهدي على المتمتّع و هو قول علماء الإسلام، قال اللّه تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ( (1)). ( (2)) و ربّما يعبّر عن الهدي بالذَّبح- بفتح الفاء و سكون العين و سكون الباء-، و أمّا الذبح- بكسر الفاء- فهو يعني ما يذبح، أي القتيل.

و يدلّ على الوجوب غير واحد من الروايات، منها:

1. قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الّذي يلي المُفْرِد للحجّ في الفضل؟ فقال: «المتعة» فقلت: و ما المتعة؟ فقال: «يهلّ بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت فصلّى الركعتين خلف المقام و سعى بين الصفا و المروة قصّر و أحل، فإذا كان يوم التروية أهلّ بالحجّ، و نسك المناسك، و عليه الهدي» فقلت: و ما الهدي؟ قال: «أفضله بدنة، و أوسطه بقرة، و أخفضه شاة». ( (3))

2. خبر سعيد الأعرج قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «من تمتّع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكة حتّى يحضر الحجّ من قابل فعليه شاة، و من تمتّع في غير أشهر الحج ثمّ جاور بمكة حتّى يحضر الحجّ فليس عليه دم، إنّما هي حجّة مفردة، و إنّما الأضحى على أهل الأمصار». ( (4))

وجهه: أنّ المتمتّع يأتي بعمرته في أشهر الحجّ فإذا أتى بها فيها و أحرم بعدها بالحجّ يكون حجّه حج تمتع و يجب عليه الهدي، بخلاف مَنْ اعتمر في غير أشهر الحجّ كشهر رجب و بقي في مكة حتّى يحجّ يكون حجّه فيها حج إفراد فلا يجب فيه الهدي.

____________

(1). البقرة: 196.

(2). المنتهى: 11/ 144.

(3). الوسائل: 8، الباب 5 من أبواب أقسام الحج، الحديث 3.

(4). الوسائل: 10، الباب 1 من أبواب الذبح، الحديث 11.

50

3. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن المتمتّع كم يجزيه؟ قال: «شاة». ( (1))

فالسؤال في هذه الرواية عن العدد يشهد على أنّ وجوب الهدي كان أمراً متيقّناً و إنّما تعلّق السؤال بالعدد. و احتمال كون الاستحباب كان أمراً مسلّماً بينهما، لا يتناسب مع الاهتمام بالعدد.

و أمّا ما رواه الشيخ بسند صحيح عن العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: في رجل اعتمر في رجب فقال: «إن كان أقام بمكّة حتّى يخرج منها حاجّاً فقد وجب عليه هدي، فإن خرج من مكة (إلى أدنى الحل) حتّى يحرم من غيرها فليس عليه هدي». ( (2))

فظاهر الجملة الشرطية الأُولى وجوب الذبح على غير المتمتع أيضاً، لأنّ من اعتمر في رجب كما هو مفروض الرواية يكون حجّه إفراداً.

و لكن يمكن حمل الشرطية الأُولى على المتمتع كما إذا اعتمر مرّتين إحداهما في رجب و الأُخرى في أشهر الحجّ فيكون المراد من قوله: «أقام بمكة حتّى يخرج منها حاجّاً» من خرج من مكة إلى أحد المواقيت، لعمرة التمتع فيأتي إلى مكة لأداء العمرة حتّى يخرج منها حاجّاً. و يدلّ على ذلك ما رواه إسحاق بن عبد اللّه قال: سألت أبا الحسن عن المعتمر المقيم بمكة يجرّد الحج أو يتمتع مرة أُخرى؟ فقال: «يتمتع أحب إلي- إلى أن قال:- فإن اقتصر على عمرته في رجب لم يكن متمتّعاً، و إذا لم يكن متمتعاً لا يجب عليه الهدي». ( (3))

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 1 من أبواب الذبح، الحديث 1.

(2). الوسائل: 10، الباب 1 من أبواب الذبح، الحديث 2.

(3). التهذيب: 5/ 200 برقم 664.

51

و أمّا الجملة الشرطية الثانية فالمراد من الخروج من مكة هو الخروج لأدنى الحل حتّى يحرم للحج المفرد، و من المعلوم أنّه ليس عليه هدي.

و يمكن أن يكون المراد به تأكيد الفضل، لأنّ من أقام بمكة و كان قد اعتمر في رجب، فالأفضل له أن يضحّي. و قد أشار إلى ما ذكرنا، الشيخ في «التهذيب» ( (1)) فلاحظ.

و لعلّ هذا المقدار كاف في إثبات المقصود، أي وجوب الهدي على المتمتع، و قد عرفت أنّه من ضروريات فقه الحج.

الفرع الثاني: أن يكون الهدي إحدى الأنعام الثلاثة

يجب أن يكون الهدي إحدى الأنعام الثلاثة: الإبل، و البقر، و الغنم. و الجاموس بقر، و لا تجوز سائر الحيوانات.

قال المحقّق: و يجب أن يكون من النعم: الإبل أو البقر أو الغنم. ( (2))

قال العلّامة: يجب أن يكون الهدي من بهيمة الأنعام: الإبل و البقر و الغنم، و لا نعلم فيه خلافاً- إلى أن قال:- و أفضله البدن، ثمّ البقر، ثمّ الغنم. ( (3))

و قال في «الجواهر» بعد عبارة المحقّق: بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه. ( (4))

و يمكن الاستدلال عليه بأُمور:

1. قوله سبحانه: (وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ عَلىٰ مٰا رَزَقَهُمْ مِنْ

____________

(1). التهذيب: 5/ 199، المسألة رقم 663.

(2). شرائع الإسلام: 1/ 260.

(3). المنتهى: 11/ 183.

(4). الجواهر: 19/ 136.

52

بَهِيمَةِ الْأَنْعٰامِ فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْبٰائِسَ الْفَقِيرَ). ( (1))

إنّ إضافة البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية، فإنّ البهيمة كلّ ذوات أربع من دواب البر و البحر، و الأنعام الواردة بعدها تفسّرها و انّ المراد بها: الإبل و البقر و الغنم.

قال في اللسان: قال ابن الأعرابي النعم: الإبل خاصة، و الأنعام: الإبل و البقر و الغنم. و قال أيضاً: و العرب إذا أفردت النعم ما يريدوا إلّا الإبل، فإذا قالوا: الأنعام، أرادوا بها الإبل و البقر و الغنم. ( (2))

2. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتمتع قال: «و عليه الهدي» قلت: و ما الهدي؟ قال: «أفضله بدنة، و أوسطه بقرة، و آخره (و أخفضه) شاة». ( (3))

فالرواية ظاهرة في عدم إجزاء ما هو أصغر من الشاة، كالدجاجة و الحمامة و غيرها من صغار الطيور و المواشي.

3. رواية أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) قال: «شاة». ( (4))

فإنّ المنساق من الرواية أنّه لا يجزي الأقل من الشاة.

4. رواية معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يجزئ في المتعة شاة». ( (5))

فالرواية ظاهرة في أنّ الشاة هي الرتبة الأخيرة و ليس بعدها رتبة حتّى تكون‌

____________

(1). الحج: 28.

(2). لسان العرب: مادة «نعم».

(3). الوسائل: 10، الباب 10 من أبواب الذبح، الحديث 5.

(4). الوسائل: 10، الباب 10 من أبواب الذبح، الحديث 1.

(5). الوسائل: 10، الباب 10 من أبواب الذبح، الحديث 2.

53

الطيور و غيرها مجزّأة.

ثمّ إنّ الجاموس من جنس البقر، كما هو واضح، و قد ورد أيضاً في رواية علي ابن الريان بن الصلت في الأضحية. ( (1))

الفرع الثالث: لا يجزي واحد عن اثنين

و البحث في المقام مركز على جواز الاشتراك في خصوص الهدي الواجب عند الاختيار فخرج عن البحث الأُمور التالية:

أ. الهدي المستحب كما هو الحال في الحجّ المفرد، فإنّ الهدي فيه مستحب و ليس بواجب.

ب. الأضحية الّتي تذبح في الأمصار و في منى على القول بجواز الجمع بين الهدي و الأضحية، أو أفضليته فهي خارجة عن محط البحث.

ج. إذا زاد سعر الهدي و هم متمتعون غير قادرين على الهدي على وجه الاستقلال.

إذا عرفت ذلك فلنذكر كلمات الفقهاء.

1. قال الشيخ في «النهاية»: و لا يجوز في الحجّ الواجب البقرة و البدنة مع التمكّن و الاختيار إلّا عن واحد، و قد يجوز ذلك عند الضرورة عن خمسة و عن سبعة و عن سبعين، فكلّما أقلّ المشتركون فيه كان أفضل، و إذا كان الهدي تطوعاً جاز أن يشتركوا فيه جماعة إذا كانوا أهل خوان واحد مع الاختيار. ( (2))

2. و قال في «المبسوط»: و لا يجوز في الهدي الواجب إلّا واحد عن واحد مع‌

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 18 من أبواب الذبح، الحديث 8.

(2). النهاية: 258.

54

الاختيار، سواء كانت بدنة أو بقرة (إلى آخر ما ذكره في النهاية). ( (1))

3. و قال في «الخلاف»: الهدي الواجب لا يجزئ إلّا واحد عن واحد، و إن كان تطوعاً يجوز عن سبعة إذا كانوا أهل بيت واحد، و إن كانوا من أهل بيتين لا يجزئ. و به قال مالك.

الظاهر أنّ مراد الشيخ في «الخلاف» من الهدي تطوّعاً، هو الأضحيّة بقرينة ما ينقله عن الشافعي: «و قال الشافعي: يجوز للسبعة أن يشتركوا في بدنة أو بقرة في الضحايا و الهدايا، سواء كانوا مفترضين من نذر أو هدايا الحجّ، أو متطوّعين كالهدايا و الضحايا المسنونة، أو متقرّبين و بعضهم يريد لحماً، سواء كانوا أهل بيت واحد أو بيوت شتى. و قال أبو حنيفة: إن كانوا متقرّبين مفترضين أو متطوّعين، أو منهما جاز، و إن كان بعضهم يريد لحماً و بعضهم يكون متقرباً لم يجز. ( (2))

و حاصل كلمات الشيخ عدم الجواز في حال الاختيار و جوازه في صورتين:

الف. جوازه في حال الاضطرار.

ب. إذا كان الهدي تطوعاً كما في الأضحية يوم العيد.

4. و تبعه ابن البراج في عدم الجواز إلّا في صورة الاضطرار و قال: و لا يجزي البُدْن الواحد عن أكثر من واحد إلّا في حال الضرورة. ( (3))

5. و قال المحقّق: و لا يجزي واحد في الواجب إلّا عن واحد، و قيل: يجزي مع الضرورة عن خمسة و عن سبعة إذا كانوا أهل خِوان واحد، و الأوّل أشبه. ( (4))

6. و قال العلّامة: الأقرب الإجزاء في الضرورة عن الكثير دون الاختيار. ( (5))

____________

(1). المبسوط: 1/ 372.

(2). الخلاف: 6/ 65.

(3). المهذّب: 1/ 257.

(4). الشرائع: 1/ 259- 260.

(5). المختلف: 4/ 279.

55

نعم أطلق المفيد القول بالإجزاء في مقنعته. ( (1)) و مثله سلّار في المراسم. ( (2)) و كلاهما محمول على صورة الضرورة.

7. نعم خالف ابن إدريس في ذلك و قال: لا يجزي واحد إلّا عن واحد مع الاختيار. و مع الضرورة و العدم فالصيام. ( (3))

هذه كلمات القوم و كلامنا في المقام مركز على عدم الإجزاء مطلقاً و أنّه إذا لم يتمكّن من الفرد التام وجب عليه الصيام، و أمّا استثناء صورة الاضطرار كما في كلام الشيخ المتقدّم فسيأتي الكلام فيه.

الاستدلال على عدم الإجزاء مطلقاً

يدلّ على عدم الجواز أُمور:

أ. قوله سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ). ( (4))

و الآية ظاهرة في أنّ الواجب هو الهدي التام من غير فرق بين الإبل و البقر و الغنم، لأنّ الهدي اسم للفرد التام لا للأجزاء منه، فإذا لم يجد الفرد التام فعليه الصيام.

ب. و أمّا الروايات فيمكن الاستدلال بها بوجوه ثلاثة:

1. ما ورد فيه التصريح بعدم الإجزاء

1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا تجوز البدنة و البقرة‌

____________

(1). المقنعة: 418.

(2). المراسم: 114.

(3). السرائر: 1/ 595.

(4). البقرة: 196.

56

إلّا عن واحد بمنى». ( (1))

وجه الدلالة: أنّ لفظ «بمنى» شاهد على أنّ السؤال هو عن الهدي لا الأضحية، لأنّ الغالب على ما يذبح في منى، هو الهدي الّذي هو جزء الحج. بل في خبر سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «و إنّما الأضحى على أهل الأمصار». ( (2))

فغاية ما يمكن أن يقال أنّه يعمّ الهدي الواجب و الهدي المستحب كما هو الحال في الحجّ المفرد.

و أمّا الأضحية فالرواية منصرفة عنها.

2. ما رواه الحلبي؛ قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «تجزئ البقرة أو البدنة في الأمصار عن سبعة، و لا تجزئ بمنى إلّا عن واحد». ( (3))

وجه الدلالة: أنّ التفصيل بين الأمصار و منى قرينة على أنّ المراد بما يذبح في الأمصار هو الأضحية و بما يذبح بمنى هو الهدي فتكون النتيجة عدم جواز الشركة في الهدي دون الأضحية.

3. خبر الحلبي: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النفر تجزيهم البقرة؟ قال (عليه السلام): «أمّا في الهدي فلا، و أمّا في الأضحى فنعم». ( (4)) و في السند محمد بن سنان.

و ظاهر الأحاديث الثلاثة هو التفصيل بين الهدي و الأضحية. و عدم جواز الشركة في الهدي مطلقاً و إن لم يتمكّن.

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 18 من أبواب الذبح، الحديث 1.

(2). الوسائل: 10، الباب 1 من أبواب الذبح، الحديث 11.

(3). الوسائل: 10، الباب 18 من أبواب الذبح، الحديث 4.

(4). الوسائل: 10، الباب 18 من أبواب الذبح، الحديث 3.

57

2. ما يدلّ على أنّ الشاة نهاية الدور

4. ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يجزئ في المتعة شاة». ( (1))

5. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتمتّع قال: «و عليه الهدي». قلت: و ما الهدي؟ فقال: «أفضله بدنة، و أوسطه بقرة، و آخره شاة». ( (2))

6. ما رواه البزنطي، عن جميل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سأله عن المتمتّع كم يجزيه؟ قال: «شاة». ( (3))

و هذه الروايات الّتي مرّ بعضها في الفرع الثاني (و قد احتججنا بها فيه على عدم كفاية غير الأنعام الثلاثة من المواشي و الطيور)، و ظاهرة على عدم جواز الشركة، لأنّ المتبادر من الشاة- هو الفرد التام- فهي الرتبة الأخيرة ممّا يبرئ الذمة، فلو جاز الاشتراك في فرد تام لا تكون الشاة هي الرتبة الأخيرة إنّما يكون جزء من الشاة هو الرتبة الأخيرة.

3. ما يقدّم إيداع الثمن على المشاركة

7. صحيح حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في متمتّع يجد الثمن و لا يجد الغنم، قال: «يُخلف الثمن عند بعض أهل مكة، و يأمر من يشتري له و يذبح عنه و هو يجزئ عنه». ( (4))

____________

(1). الوسائل: 10، الباب 10 من أبواب الذبح، الحديث 2.

(2). الوسائل: 10، الباب 10 من أبواب الذبح، الحديث 5.

(3). الوسائل: 10، الباب 1 من أبواب الذبح، الحديث 13.

(4). الوسائل: 10، الباب 44 من أبواب الذبح، الحديث 1.

58

وجه الدلالة: أنّه لو جاز الاشتراك كان عليه أوّلًا الإقدام بالمشاركة، فإذا لم يجد مشاركاً تنتقل الوظيفة من المباشرة إلى النيابة مع أنّ الإمام (عليه السلام) لم يذكره.

هذه الروايات المتضافرة دليل واضح على عدم إجزاء الواحد عن الكثير في الهدي الواجب مطلقاً مختاراً كان أو مضطرّاً. و لو دلّ دليل على جواز الشركة عند الاضطرار، يخصّص ما تقدّم من الروايات بها.

دليل القائل بالجواز في حال الضرورة

قد مرّت كلمات الأصحاب في صدر البحث، فذهب الشيخ و ابن البراج إلى القول بالجواز، و اختار ابن إدريس عدمه.

احتجّ القائل بجواز الشركة في الهدي الواجب عند الضرورة بروايات أربع، ثلاث منها صحيحة، أعني:

1. صحيحة ابن الحجاج.

2. صحيحة حمران.

3. صحيحة معاوية بن عمّار.

و الأُخرى خبر، أعني:

4. خبر زيد بن الجهم.

و إليك دراستها:

1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن قوم غلت عليهم الأضاحي و هم متمتعون و هم مترافقون، و ليسوا بأهل بيت واحد، و قد اجتمعوا في مسيرهم، و مضربهم واحد، ألهم أن يذبحوا بقرة؟ قال: «لا أحب‌