الدلائل في شرح منتخب المسائل - ج1

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
742 /
3

الجزء الأول

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يا صاحب الزمان أدركني‌

الحمد للّه ربّ العالمين و العاقبة للمتّقين و الصلاة على محمّد و آله الطاهرين و اللعن على أعدائهم إلى يوم الدين.

و بعد فهذا شرح استدلالي على كتاب منتخب المسائل الذي ألّفه سيّدي الوالد آية اللّه الورع التقي الذي كان مثلا ظاهرا للتّقى و لا يزال كذلك قدّس اللّه نفسه الطاهرة و حشره مع أوليائه. و إنّما قمت بهذه المهمّة لأجل أداء مقدار يسير من حقوقه. و لأجل اشتراك اسمه الشريف مع اسم أبي الشهداء أهدي هذه البضاعة المزجاة أوّلا إلى ذلك الإمام الشهيد أبي الأئمّة السبط الأصغر و أرجو من المولى أن يجعل ذلك المظلوم القتيل شفيعا لي في يوم فقري و فاقتي يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم.

و ثانيا إلى سيّدي الوالد، و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و إليه أنيب و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين و رحمة اللّه و بركاته.

و سمّيت كتابي هذا بالدلائل في شرح منتخب المسائل.

الأحقر تقي بن الحسين‌

الطباطبائي القمي عفي عنهما‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[في أحكام التقليد]

في أحكام التقليد بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الطيّبين الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

و بعد فهذه رسالة تشتمل على مسائل تعمّ بها البلوى من مهمّات أبواب العبادات و المعاملات تذكر في طيّ مقدّمة و فصول و خاتمة.

أمّا المقدّمة ففيما يرجع إلى التقليد.

مسألة 1: يجب التقليد على من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد سواء كان عامّيا محضا أو كان من أهل العلم و الفضل (1).

____________

(1) الوجوب المذكور فطري من باب دفع الضرر المحتمل و لذا لا فرق فيه بين الإنسان و الحيوان لكن لا ينحصر دفعه بخصوص التقليد بل يحصل بأحد أمرين، و هما: التقليد و الاحتياط، و لا فرق من هذه الجهة بين العامّي المحض و أهل العلم و الفضل لوحدة الملاك و هو الجهل بالحكم الشرعي.

و لا يخفى أنّ التقليد للعامّي لا يكون تقليديّا و لا اجتهاديّا، إذ على الأوّل يلزم التسلسل و لا تقوم الحجّة للعامّي إذا سئل و قيل له بأيّ مجوّز قلّدت، و أمّا على الثاني فيلزم الخلف إذ المفروض أنّه عامّي و العامّي كيف يمكن‌

6

..........

____________

أن يجتهد، و لذا ذكرنا في محلّه من كتاب مباني المنهاج أنّ العامّي يقطع بأنّ الحكم في الشريعة المقدّسة جواز التقليد.

و بعبارة واضحة: العامّي المتديّن يسأل أهل الذكر و الاطّلاع و العلماء الموثوق بهم و يرى أنّهم يخبرون عن جواز التقليد فيقلّد أو يحتاط حيث يعلم بأنّ الاحتياط يكون مجزيا. نعم، إذا شكّ في جوازه و عدم جوازه لا بدّ من الرجوع إلى العالم و يسأله عن حكمه.

ثمّ إنّه لا إشكال في جواز التقليد فإنّ السيرة جارية على رجوع الجاهل إلى العالم في جميع الأمور و إنّ بناء العقلاء على العمل بهذه الطريقة و الشارع الأقدس لم يردع عنها بل أمضاها.

إن قلت: كيف لم يردع عنها و الحال أنّه تعالى نهى عن العمل بغير علم و نهى عن العمل بالظنّ.

قلت: يرد عليه أوّلا: أنّه إذا كان الأمر كذلك فكيف أنّ الأصحاب يعملون بالظواهر و أيضا يلزم عدم حجّية قول العادل و الثقة. و ثانيا: نجيب بالحلّ و هو أنّ قول العادل و الثقة و كذلك الظواهر و كذا قول العالم علم عند العقلاء فلا يشمله الظنّ. و إن شئت فقل إنّ الشارع الأقدس لا يكون له طريق خاصّ في محاوراته و إيصال أحكامه إلى العباد فإذا لم يردع عن طريق عقلائيّ يستفاد منه إمضاؤه و لذا نرى أنّه نهى عن العمل بالقياس فلاحظ.

7

مسألة 2: لا إشكال في جواز تقليد من اجتمع فيه شروط عشرة و هي الذكوريّة و الحريّة و البلوغ و العقل و الإيمان أي كونه اثني عشريا، و طهارة المولد أي عدم كونه ولد زنا، و الاجتهاد المطلق أي لا يكون متجزّيا، و العدالة و الأعلمية و الحياة فلا يجوز تقليد الميّت ابتداء و أمّا البقاء فلا مانع منه و إن كان الاحتياط أولى (1).

____________

(1) في هذه المسألة فروع:

الفرع الأوّل: أنّه يجوز تقليد من كان جامعا للمذكورات العشرة و ما أفاده تامّ و إنّما الكلام في اشتراط الامور المذكورة و لا بدّ أن يقع البحث في كلّ واحد منها.

فنقول: أمّا الذكورية فلا يخفى أنّ الأصل الأوّلي عند الشكّ هو الاشتراط إذ لو لم تتمّ الأدلّة و لم تف بجواز تقليد غير الذكر يكون مقتضى الاستصحاب عدم اعتبار رأي المرأة و الظاهر أنّه لا فرق في السيرة العقلائية بين الرجل و المرأة، كما أنّ النصوص الدالّة على جواز التقليد تفي بالمراد، فإنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) في حديث أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته و قلت: من أعامل و عمّن آخذ و قول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي و ما قال لك عنّي فعنّي يقول فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون، الحديث (1).

إنّ الميزان في الجواز كون الشخص عالما موثوقا به فلا فرق بين الفريقين‌

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 4.

8

..........

____________

فالمقتضى للجواز تامّ و إنّما الكلام في المانع، و ما يمكن أن يذكر في مقام الاستدلال على المنع أمور:

الأوّل: الإجماع و حال الإجماع في الإشكال واضح إذ قد حقّق في محلّه أنّ الإجماع لا يكون حجّة بلا فرق بين المنقول و المحصّل، أمّا المنقول فعدم اعتباره ظاهر، و أمّا المحصّل فعلى تقدير حصوله فمضافا إلى الإشكال العام في الإجماع أنّه محتمل الدرك فلا يكون كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام).

الثاني: ما رواه أبو خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه (1). و الحديث وارد في حكم القضاء و الكلام في المقام في الفتوى.

الثالث: ما رواه عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما .. إلى أن قال: فإن كان كلّ واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، قال: فقال: ينظر إلى ما كان من رواياتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس‌

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث 5.

9

..........

____________

بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ... إلى أن قال: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة.

قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟

فقال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد، فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فأرجئه حتّى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (1) و الحديث ضعيف بعمر مضافا إلى أنّه مربوط بباب القضاء.

الرابع: ما رواه عامر بن عبد اللّه بن جذاعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ امرأتي تقول بقول زرارة و محمّد بن مسلم في الاستطاعة و ترى رأيهما، فقال: ما للنساء و للرأي، الحديث (2).

و هذه الرواية ساقطة سندا بجبرئيل بن أحمد و غيره.

الخامس: ما أفاده سيّدنا الاستاد و هو أنّه علم من مذاق الشرع أنّ اللازم على المرأة التستّر و تصدّي الامور المنزلية و هذا ينافي دخولها في الامور العامّة و من الظاهر أنّ الفتوى منها.

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(2) معجم رجال الحديث ج 17: 255.

10

..........

____________

و يرد عليه: أنّ الإفتاء لا يستلزم الدخول في الامور و لا التصدّي للأمور العامّة بل يمكن أن يكون لها رأي و اجتهاد و تكون مرجعا لأشخاص بلا ملاقاة بين الطرفين، بل لا يلزم أنّ المقلّدين لها يعرفونها إذ يجوز أن يشهد أحد من محارمها بكونها أعلم، و لكن مع ذلك في النفس شي‌ء و ربّما يقال بأنّ الحكم بالجواز يقرع الأسماع و يكون مستنكرا عند أهل الشرع. أضف إلى ذلك ما في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) في قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ (1) قال: هذه لقوم من اليهود ... إلى أن قال: و قال رجل للصادق (عليه السلام): إذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب إلّا بما يسمعونه من علمائهم فكيف ذمّهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوام اليهود إلّا كعوامنا يقلّدون علمائهم؟ ... إلى أن قال: فقال (عليه السلام): بين عوامنا و عوام اليهود فرق من جهة و تسوية من جهة؛ أمّا من حيث الاستواء فإنّ اللّه ذمّ عوامنا بتقليدهم علماءهم كما ذمّ عوامهم، و أمّا من حيث افترقوا فإنّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح و أكل الحرام و الرشاء و تغيير الأحكام و اضطرّوا بقلوبهم إلى أنّ من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز أن يصدّق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه فلذلك ذمّهم، و كذلك عوامنا إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التكالب على الدّنيا و حرامها فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمّهم اللّه بالتقليد لفسقة علمائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام‌

____________

(1) سورة البقرة: 79.

11

..........

____________

أن يقلّدوه و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم فإنّ من ركب من القبائح و الفواحش مراكب علماء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة و إنّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم و آخرون يتعمّدون الكذب علينا، الحديث (1).

فإنّ قوله (عليه السلام): من كان من الفقهاء، لا يشمل المرأة، و أمّا من حيث السند فبنينا أخيرا على اعتباره.

و أمّا الحرّية فلا دليل على اعتبارها في مرجع التقليد، هذا من ناحية، و من ناحية اخرى المقتضي للجواز موجود فإنّه لا فرق في السيرة العقلائية بين الحرّ و العبد كما أنّ النصوص المستدلّ بها شاملة إيّاه فلاحظ.

و أمّا البلوغ فلا فرق بينه و بين غير البالغ من حيث المقتضي فإنّ العقلاء لا يفرّقون بين البالغ و غيره، كما أنّ النصوص الدالّة على جواز التقليد تشمل غير البالغ. و أمّا حديث أبي خديجة (2) المأخوذ فيه عنوان الرجل فراجع إلى القضاء و الكلام في الفتوى هذا من حيث المقتضي، و أمّا من حيث المانع فما يمكن أن يذكر في تقريبه وجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع، و فيه ما فيه كما تقدّم في نظيره.

الوجه الثاني: أنّ المعلوم من مذاق الشارع أنّ غير البالغ غير لائق لهذا المقام. و فيه أنّ الأمر ليس كذلك إذ نرى أنّ المسيح كان نبيّا في المهد،

____________

(1) الوسائل، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.

(2) مرّ تخريجه في ص 8.

12

..........

____________

و إمامنا الجواد (عليه السلام) كان إماما قبل بلوغه، و كذلك الإمام الحاضر و وليّ العصر (عليهم السلام) و الحال أنّ مقام النبوّة و الإمامة لا يقاس به مقام المرجعية.

الوجه الثالث: أنّ القلم مرفوع عن الصبي و غير جار عليه؛ لاحظ حديث عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ فقال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة و جرى عليه القلم و الجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة و جرى عليها القلم (1).

و فيه أنّ عدم جري القلم لا يستلزم سقوط رأيه عن الاعتبار كما هو واضح.

الوجه الرابع: حديث محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: عمد الصبي و خطأه واحد (2).

فإنّ المستفاد من الحديث أنّ عمده في حكم خطأه فلا أثر لرأيه.

و فيه: أنّ الحديث لا يشمل الرأي فإنّ الرواية ظاهرة في أفعاله فلا تشمل رأيه فلاحظ.

و أمّا العقل فلا إشكال في اعتباره إذ لا عبرة برأي من لا يكون عاقلا.

نعم، إذا كان أدواريّا لا مانع عن تقليده في دور عقله.

و أمّا الإيمان فمضافا إلى الإجماع المدّعى في المقام أنّه كيف يمكن إنكار الاشتراط بالإيمان في مرجع التقليد و الحال أنّ غير المؤمن كافر على مسلك بعض الأصحاب حتّى في هذه الدار و هل يمكن تجويز تقليد الكافر في‌

____________

(1) الوسائل، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 12.

(2) الوسائل، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2.

13

..........

____________

الامور الدينيّة كلّا. و إن شئت فقل إنكار الشرط المذكور يقرع الأسماع و مستنكر عند أهل الشرع و يؤيّد عدم الجواز جملة من النصوص.

منها: ما رواه عليّ بن سويد السابي قال: كتب إليّ أبو الحسن (عليه السلام) و هو في السجن: و أمّا ما ذكرت يا عليّ ممّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا اللّه و رسوله و خانوا أماناتهم. إنّهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه و بدّلوه فعليهم لعنة اللّه و لعنة رسوله و لعنة ملائكته و لعنة آبائي الكرام البررة و لعنتي و لعنة شيعتي إلى يوم القيامة (1).

و منها: ما رواه أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه- يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام)- أسأله عمّ آخذ معالم ديني و كتب أخوه أيضا بذلك فكتب إليهما: فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا و كلّ كثير القدم في أمرنا فإنّهما كافوكما إن شاء اللّه تعالى (2).

و منها: ما رواه أبو خديجة سالم بن مكرم الجمّال (3).

و منها: ما رواه عمر بن حنظلة (4).

أضف إلى ذلك ما في تفسير العسكري (عليه السلام) (5) فإنّ الفاسق خارج عن الحدّ فكيف بالسنّي.

____________

(1) الوسائل، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42.

(2) نفس المصدر، الحديث 45.

(3) مرّ تخريجه في ص 8.

(4) مرّ تخريجه في ص 8.

(5) مرّ تخريجه في ص 10- 11.

14

..........

____________

و أمّا طهارة المولد فما يمكن أن يذكر في تقريب الاشتراط وجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع و فيه ما فيه.

الوجه الثاني: الأصل فإنّ مقتضاه عدم اعتبار قول من لا يكون مولده طاهرا.

و فيه أنّه لا فرق في السيرة العقلائية بين ولد الزنا و غيره و أيضا الأدلّة اللفظية تشمله.

الوجه الثالث: أنّه يعتبر في إمام الجماعة طهارة المولد فبالأولوية تعتبر في مرجع التقليد.

و فيه: أنّ ملاكات الأحكام غير معلومة عندنا فلا موضوع للأولويّة فالحكم مبني على الاحتياط.

و أمّا الاجتهاد فلا إشكال في اعتباره إذ مع عدم كونه مجتهدا يكون الرجوع إليه من مصاديق رجوع الجاهل إلى مثله. إنّما الكلام في كفاية التجزّي على تقدير إمكانه و لا إشكال في إمكانه فإذا فرضنا أنّ الشخص عالم بمبادئ الفقه و راجع مسائل الصلاة و صار مجتهدا فيها، فالظاهر أنّه يجوز تقليده في تلك المسائل فإنّه لا فرق في السيرة العقلائية بين المجتهد المطلق و الّذي يكون مجتهدا في جملة من المسائل و لذا نرى أنهم يراجعون كلّ طبيب يختصّ بناحية دون أخرى، كما أنّ المستفاد من النصوص جواز الرجوع إليه إذ المستفاد منها أنّ الميزان عرفانه بالحكم و وثاقته.

إن قلت: إنّ الأمر و إن كان كذلك لكن لا بدّ من الالتزام بالاشتراط و كونه مجتهدا مطلقا و ذلك لحديث العسكري (عليه السلام) في تفسيره فإنّ قوله (عليه السلام): من كان‌

15

..........

____________

من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه الخ (1)، يستفاد منه أنّ الميزان في جواز التقليد كون المرجع فقيها و لا يصدق هذا العنوان إلّا على من يكون مجتهدا على الإطلاق.

قلت: ليس الأمر كذلك، إذ لو فرض جماعة من الأطبّاء كانوا في مجلس كذائي و كلّ واحد منهم يختصّ بناحية في الطب يصدق أنّ جماعة من الأطبّاء جالسون في ذلك المجلس، و مثله ما لو اجتمع جماعة من الفقهاء في مجلس يكون كلّ واحد منهم فقيها بالنسبة إلى أحكام، كما لو كان أحدهم مجتهدا في باب الصلاة و الثاني في باب الحجّ و هكذا، يصدق أنّ جماعة من الفقهاء جالسون في المجلس الكذائي.

و أمّا العدالة فمضافا إلى دعوى الإجماع على الاشتراط و أنّ دعوى عدم الاشتراط يقرع الأسماع و يكون مستنكرا و أنّ المناسبة بين الحكم و الموضوع تقتضي الاشتراط، يدلّ عليه حديث العسكري (عليه السلام) فإنّ المستفاد منه اشتراط العدالة في المرجع، فلاحظ.

و أمّا الأعلميّة فالإنصاف أنّ العقلاء في سيرتهم يراجعون الأعلم في الامور المهمّة، و من الظاهر أنّ الأمر الديني أهمّ الامور، لكن المستفاد من حديث العسكري (عليه السلام) و أحمد بن إسحاق (2) كفاية الاجتهاد، و أمّا الأعلميّة فلا. نعم، مع العلم بالاختلاف يلزم الرجوع إلى الأعلم أو الاحتياط.

و أمّا الحياة فيظهر الحال فيها في شرح الفرع الثاني و هو عدم جواز تقليد‌

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 10- 11.

(2) مرّ تخريجه في ص: 7.

16

..........

____________

الميّت ابتداء.

الفرع الثاني: أنّه لا يجوز تقليد الميّت ابتداء؛ هذا الفرع من الفروع المهمّة لكون ما يترتّب عليه كثير الأهمّية و لا إشكال في تماميّة المقتضي للجواز و لذا جوّزوا البقاء و إنّما منعوا عن التقليد الابتدائي و المانع المتصوّر، الإجماع على عدم الجواز و الحال أنّ الاستدلال بالإجماع مردود:

أوّلا: بإنكار الصغرى، أي تحقّق الإجماع و لا أقلّ من الشكّ فيه فلا يكون قابلا للاستدلال به.

و ثانيا: بأنّ المنقول منه غير حجّة كما حقّق في محلّه و المحصل منه على فرض حصوله محتمل المدرك.

و بعبارة واضحة: الإجماع بما هو ليس دليلا في قبال بقيّة الأدلّة فلا يكون مجال للاستدلال به.

و صفوة القول: أنّه لا فرق في السيرة العقلائية في أمثال المقام بين الميّت و الحيّ، و الشارع الأقدس في الامور العقلائية لا يكون له طريق مخصوص إلّا أن يقوم دليل في مورد يدلّ على خصوصيّة فيه و في المقام لم يقم دليل على الردع، فالسيرة العقلائيّة حجّة كبقيّة موارد السيرة، و لذا لا إشكال في حجّية الظواهر مع أنّ الملاك واحد. فلا مجال لأن يقال: إنّ الأدلّة الدالّة على النهي عن العمل بالظنّ كقوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* (1) و قوله تعالى أيضا: وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (2) و أمثالهما رادعة عن‌

____________

(1) سورة النجم: 28.

(2) سورة الإسراء: 36.

17

..........

____________

تقليد الميّت فإنّه يرد عليه:

أوّلا: أنّه ما الفرق بين المقام و بين العمل بالظواهر فإنّ الملاك واحد.

و ثانيا: أنّ موارد السيرة تكون علما تعبّديّا في نظر العقلاء و معتبرة عندهم.

و ثالثا: أنّ عدم الردع بالخصوص يدلّ على الإمضاء و لذا نرى أنّ الشارع الأقدس نهى عن العمل بالقياس و قد وردت فيه روايات كثيرة، فالنتيجة: أنّ تقليد الميّت كتقليد الحيّ مورد لإمضائه و إجازته مضافا إلى دلالة جملة من النصوص على المطلوب لاحظ ما رواه أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السلام) فإنّه (عليه السلام) قال في هذه الرواية: العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي و ما قال لك عنّي فعنّي يقول فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون، الحديث (1).

فإنّ هذه الرواية بإطلاقها تقتضي اعتبار قول الراوي و أيضا اعتبار قول المجتهد. و قال أبو محمّد (عليه السلام) في هذه الرواية: العمري و ابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان و ما قالا لك فعنّي يقولان فاسمع لهما و أطعهما فإنّهما الثقتان المأمونان، الحديث (2). و الكلام فيه هو الكلام.

و صفوة القول إنّه لا مانع عن الاستدلال بهذه الطائفة من النصوص على حجّية رأي الراوي.

و بعبارة واضحة لو أفتى من وثّقه الإمام (عليه السلام) يصحّ أن يقال إنّ فلانا بيّن‌

____________

(1) الوسائل، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

(2) نفس المصدر.

18

..........

____________

الحكم الشرعي فيشمله قوله (عليه السلام): اسمع له و أطع.

إن قلت: نفرض أنّ التقريب تامّ و المقتضي للجواز موجود لكن يستفاد من حديث الإمام العسكري (عليه السلام) (1) عدم الجواز فإنّ قوله (عليه السلام): فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه الخ، يعطي ضابطة كلّية لجواز التقليد.

و من الظاهر أنّ العنوان المذكور لا يصدق على الميّت.

و بعبارة واضحة أنّ الحديث حيث إنّه في مقام التحديد و بيان الضابط الكلّي ينفي جواز تقليد الميّت، هذا من ناحية، و من ناحية اخرى قد صار بناؤكم على اعتبار تفسير الإمام (عليه السلام).

قلت: لنا أن نقول إنّ الحصر إضافيّ بتقريب أنّ المقصود نفي الاعتبار عن قول الفاسق الفاجر. و بعبارة واضحة: أنّ المستفاد من الحديث أنّ المرجع إذا كان فاسقا مكبّا على الدّنيا لا يجوز تقليده، و أمّا إذا كان صائنا لنفسه عادلا يجوز تقليده، فالحصر إضافيّ لا حقيقيّ، مضافا إلى أنّه يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من الحديث و أمثاله حجّية القول و لا خصوصيّة للشخص و على هذا الأساس نقول: يعتبر قول الراوي و لو كان ميّتا فلاحظ.

و لسيّدنا الاستاد كلام في المقام و هو أنّه لو كان تقليد الميّت جائزا ابتداء يلزم الاعتقاد بالإمام الثالث عشر بتقريب أنّ المقلّد يعلم باختلاف الآراء من زمن الكليني إلى زماننا فيلزم أن يقلّد الأعلم فيكون المرجع منحصرا في شخص واحد و هذا واضح البطلان.

و يرد عليه: أنّ المحذور المذكور على فرض تماميّته إنّما يتوجّه في‌

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 10- 11.

19

..........

____________

صورة العلم بالخلاف، و أمّا مع عدم العلم به فلا محذور. مضافا إلى أنّ الأعلم لا يكون شخصا واحدا في جميع الأعصار، بل يمكن أن يكون الشيخ الأعظم الأنصاري أعلم في زمان و غيره يكون أعلم في زمان آخر و هكذا، أضف إلى ذلك أنّه لا يستلزم الاعتقاد بإمامة الإمام الثالث عشر، و من العجب طرح هذه الشبهة مع أنّها لا ترجع إلى محصل فإنّا نفرض انحصار المرجع في واحد في جميع الأعصار و لا نرى مانعا عنه و لا يترتّب عليه أيّ محذور، بل أمر حسن من جهات و ممّا يؤيد المدّعى أنّ جملة من الأخباريّين قائلون بالجواز، و أيضا ذهب جماعة من الاصوليّين كصاحب القوانين و الفاضل التوني و المقدس الأردبيلي إلى الجواز على ما نقل عنهم.

بقي شي‌ء: و هو أنّ العقلاء مع العلم بعدم موافقة رأي الأعلم مع غيره يحتاطون فكيف يمكن الرجوع إلى غير الأعلم مع احتمال كون الأعلم غير موافق معه.

قلت: يرد على التقريب المذكور:

أوّلا: أنّا لا نسلّم عدم جريان السيرة العقلائيّة فإنّ العقلاء يراجعون أهل الخبرة إلّا في صورة العلم بعدم الموافقة بين أهل الخبرة، إلّا أن يقال بالاستصحاب يحرز عدم الموافقة.

و ثانيا: يكفينا للقول بالجواز النصوص، فإنّ المستفاد من الروايات جواز الرجوع إلى العالم الثقة. نعم، مع العلم بالمعارضة يحكم بالتساقط بحكم العقل، و أمّا مع الشكّ في التعارض فلا مانع من الأخذ بدليل الجواز فإنّ استصحاب عدم التعارض يحرز تحقّق الموضوع، هذا على تقدير القول بأنّ‌

20

..........

____________

المخصّص اللبّي يوجب تعنون العامّ. و أمّا على القول بعدم كونه موجبا له فالأمر أوضح إذ مجرّد الشكّ يكفي للأخذ بدليل الجواز فلاحظ.

الفرع الثالث: أنّه يجوز البقاء: الظاهر أنّ الفارق بين الابتداء و البقاء أمران:

الأمر الأوّل: الإجماع على عدم الجواز ابتداء بخلاف البقاء.

و يرد عليه أوّلا: أنّه لا إجماع حيث نرى أنّ الأخباريّين يجوّزون الابتداء كالبقاء.

و ثانيا: أنّ غاية ما في الباب نقل الإجماع و الإجماع المنقول لا يكون حجّة.

و ثالثا: أنّه مدركيّ و لو احتمالا فلا أثر له.

الأمر الثاني: أنّ جملة من النصوص تدلّ على جواز التقليد كما تقدّم و تلك النصوص تدلّ بإطلاقها على جواز البقاء، و أمّا ابتداء فلا يستفاد من تلك النصوص.

و يرد عليه: أنّه قد تقدّم منّا أنّ الأمر ليس كذلك، و قلنا: إنّ المستفاد من تلك النصوص اعتبار الرأي كما تدلّ على اعتبار القول و النقل.

و بعبارة اخرى لا فرق بين الإخبار و الرواية و بين الرأي من هذه الجهة و يوضح المدّعى أنّه لو فرض أنّ ابن سينا أوصى بأخذ رأي الطبيب الذي يكون متّصفا بصفة كذائية لا يشكّ أحد في جواز الأخذ برأي ذلك الموصى به و لو مع فرض موته بلا فرق بين البقاء و الابتداء. نعم، الاحتياط حسن فإنّه طريق النجاة، فلاحظ.

21

مسألة 3: يجب تقليد الأعلم مع العلم بمخالفته لغير الأعلم في الفتوى في محلّ الابتلاء (1) و المراد من الأعلم هو الأعرف بقواعد الاستنباط الأجود فهما للأحكام من أدلّتها (2).

مسألة 4: يثبت الاجتهاد بالعلم (3) أو البيّنة من أهل الخبرة (4) أو الشياع المفيد للعلم (5) و كذا الأعلميّة (6).

____________

(1) و الوجه فيه أنّ السيرة العقلائية جارية على تقليد الأعلم في هذه الصورة، و أمّا الدليل اللفظي فيسقط عن الاعتبار بالمعارضة.

(2) الظاهر أنّ الأمر كما أفاده فإنّ الأعلم في كلّ فنّ الأعرف بقواعد ذلك الفنّ، و إن شئت قلت: مفهوم الأعلم مفهوم عرفيّ يدركه كلّ أحد و لا يحتاج إلى البحث فيه و القيل و القال فلاحظ.

(3) فإنّه حجّة ذاتا بحكم العقل.

(4) بل يثبت بشهادة العدل الواحد، بل بإخبار ثقة واحد فإنّ ثبوت الموضوعات الخارجيّة لا تنحصر بالإخبار الصادر عن البيّنة. و يمكن أن يقال: إنّه لا يشترط في الاعتبار كون المخبر من أهل الخبرة، بل اللّازم كون الإخبار حسّيا فإذا كان كذلك يكون معتبرا و لو لم يكن المخبر من أهل الخبرة إلّا أن يقال: إذا لم يكن من أهل الخبرة لا يمكن أن يشخّص و يميّز و يدرك الأعلم فلا أثر لإخباره.

(5) لكون العلم حجّة عقلا، و عليه يكون الاطمئنان كافيا لكونه حجّة بحسب السيرة العقلائية.

(6) فإنّ حكم الأمثال واحد.

22

مسألة 5: لو لم يتعيّن له الأعلم فهو مخيّر بين من يجوز تقليده من الأحياء مع عدم العلم باختلافهم في الفتوى في محلّ ابتلائه (1).

____________

(1) إذ لو لم يعلم بالاختلاف في محلّ الابتلاء لا وجه لتعيّن تقليد الأعلم.

و بعبارة اخرى لزوم تقليد الأعلم في مورد الاختلاف في الفتوى حيث إنّ الدليل لا يشمل كليهما لأوله إلى التناقض و لا يشمل أحدهما لا معيّنا و لا مخيّرا لعدم الدليل عليه، و السيرة العقلائيّة في مقام الدوران بين الأعلم و غيره جارية على التخيير. فالنتيجة عدم لزوم تقليد الأعلم.

إن قلت: السيرة العقلائيّة جارية على الفحص عن الأعلم في الموارد المهمّة و لذا نرى يفحصون عن الجرّاح الأعلم إذا كان العمل الجراحي في مورد مهمّ من البدن.

قلت: الأمر و إن كان كذلك لكنّ الروايات الدالّة على حجّية قول المجتهد بإطلاقها تشمل مورد عدم العلم بالاختلاف فإنّ إطلاق الدليل يقتضي العموم و لا مانع عن الشمول إلّا في صورة العلم بالاختلاف، و أمّا مع الشكّ فببركة استصحاب عدم التعارض يجوز الأخذ بكلّ واحد منهم.

23

مسألة 6: لو تعيّن الأعلم و تعذّر الوصول إلى فتاويه لزم تقليد من هو أعلم في الباقين (1).

مسألة 7: يجوز العمل بالاحتياط حتّى في صورة استلزام التكرار إذا كان لداع عقلائيّ (2).

مسألة 8: لو تعذّر الوصول إلى قول المجتهد الحيّ و لو بالهجرة لزم العمل بالاحتياط و مع عدم إمكانه أو لزومه العسر أو الحرج الشديد عمل بقول المشهور ثمّ الأشهر الأوثق و مع عدم إمكانه كذلك أيضا، عمل بقول أوثق الأموات و إلّا عمل بالمظنون و إلّا فبالاحتمال (3).

____________

(1) قد ظهر ممّا ذكرنا عدم لزوم تقليد الأعلم فلا تصل النوبة إلى تعيّن الأعلم في الرتبة الثانية بل الميزان في الجواز كون المرجع مجتهدا و المانع الوحيد العلم بالاختلاف بين الأعلم و غيره أو العلم به في المتساويين.

(2) لا وجه للقيد المذكور في المتن فإنّ غاية ما قيل في مقام الاستدلال على المنع أنّه لو لم يكن للمكلّف داع عقلائيّ في الاحتياط يكون لاعبا و عابثا.

و يرد عليه: أنّه على فرض تسليم المدّعى يكون اللّعب في طريق الامتثال لا في نفسه فلا إشكال من هذه الجهة، و أمّا قصد التمييز و الوجه فغير معتبر في تحقّق الإطاعة و الامتثال فلاحظ.

(3) ما أفاده مبنيّ على عدم جواز تقليد الميّت ابتداء فتصل النوبة إلى‌

24

مسألة 9: لو لم يعلم طريقة الاحتياط سأل من عدلين أو عدلا واحدا يخبر عن طريق الاحتياط على رأي مجتهد يتعيّن عليه تقليده (1).

مسألة 10: لو قلّد غير الأعلم ثمّ تمكّن من تقليد الأعلم فالأحوط له الجمع بين قوليهما و لو بتكرار العمل (2).

____________

دليل الانسداد و قد تقدّم منّا جواز تقليد الميّت ابتداء و عليه لا تصل النوبة إلى التفصيل المذكور في المتن، هذا على تقدير جواز تقليد الميّت ابتداء، و أمّا على تقدير عدم الجواز كما هو مسلك الماتن فتصل النوبة إلى التفصيل المذكور في المتن و الوجه فيه أنّه يلزم العمل بما هو أقرب إلى الواقع ففي الدرجة الاولى يلزم الاحتياط من باب كونه موصلا إلى الواقع و إذا لم يمكن أو كان حرجيّا تصل النوبة إلى المراتب المذكورة بعده لكنّ الحرج رافع للتكليف و لو لم يكن شديدا فلا وجه لتقييد الحرج بالشدّة فلاحظ.

1- قد علم ممّا تقدّم منّا كفاية إخبار الثقة الواحد في الموضوعات فإنّ السيرة العقلائيّة جارية على العمل بقول الثقة الواحد.

(2) قد ظهر ممّا تقدّم منّا أنّه مع عدم العلم بالاختلاف بين الأعلم و غيره يكون المكلّف مخيّرا في اختيار أيّهما شاء، و أمّا مع العلم بالاختلاف فلا بدّ من الرجوع إلى الأعلم بلا فرق بين الموارد فلا وجه للاحتياط المذكور في المتن.

25

مسألة 11: التقليد هو تعلّم فتاوي المجتهد بقصد العمل بها بل القول بكونه مجرّد الالتزام برأي المجتهد و لو إجمالا لا يخلو عن وجه لكنّ الاحتياط لا يترك في غير صورة التعلّم للعمل مع العمل بها (1).

مسألة 12: طريقة تعلّم المسائل أن يسمع من نفس المجتهد أو من ناقل عادل أو موثوق به أو يأخذ من كتاب يعلم أو يطمئن بصحّته (2).

مسألة 13: لو كان مجتهدان يتساوى فقاهتهما في الشياع و لم يعلم أعلميّة أحدهما من الآخر و لا اختلافهما في الفتوى في محلّ الابتلاء تخيّر في تقليد أيّهما أراد و يجوز تقليد أحدهما في بعض

____________

(1) التقليد بما له من المفهوم عبارة عن العمل مستندا إلى فتوى المجتهد و بما ذكر يظهر أنّ تفسيره بمجرّد الالتزام برأي المجتهد ليس وجيها و الذي يهوّن الخطب أنّه لم يرد هذا اللفظ تحت دليل معتبر فلا يترتّب على تحقّقه أثر.

و قد انقدح بما ذكرنا أنّه لا ملزم للاحتياط المذكور في المتن، لكن قد ذكرنا أنّ الحديث الصادر عن العسكري (عليه السلام) في تفسيره و هو قوله (عليه السلام): فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه (1) تام سندا، فلاحظ.

(2) الأمر كما أفاده و وجهه واضح لا يحتاج إلى البحث و التطويل.

____________

(1) تقدّم تخريجه في ص 10- 11.

26

المسائل و تقليد الآخر في بعضها الآخر (1) ما لم يستلزم العلم بمخالفة الواقع (2) و لا يلزم تعيين أحدهما بالخصوص فيما يتوافقان فيه من المسائل (3).

مسألة 14: لا يجوز العدول عن المجتهد الحيّ. نعم، لو حصل مجتهد أعلم فالأحوط الجمع بين قوليهما كما مرّ (4).

مسألة 15: الجاهل القاصر أو المقصّر إذا عمل عملا من غير تقليد لكن أتى به باعتقاد صحته و حصل منه قصد القربة في

____________

(1) الأمر كما أفاده فإنّه مع عدم العلم بالاختلاف في محلّ الابتلاء لا مانع عن تقليد أيّهما شاء.

(2) إذ مع العلم بالمخالفة مع الواقع لا مجال للتقليد كما هو ظاهر واضح.

(3) فإنّ المفروض توافقهما فكأنّ كليهما في الفتوى واحد.

(4) أقول: تارة يعلم المقلّد مخالفتهما في الفتوى، و اخرى لا يعلم، أمّا مع العلم بالمخالفة فمع تساويهما يجب العمل بأحوط القولين، و أمّا لو كان أحدهما أعلم يجب تقليده، و أمّا مع عدم العلم بالمخالفة فيجوز تقليد كلّ واحد منهما، ففي أيّ مورد يتصوّر الاحتياط بالجمع بين القولين. و بعبارة اخرى: لا فرق بين التقليد الابتدائي و العدولي و كلاهما من باب واحد بلا فرق إلّا أن يكون مراده من الجملة المذكورة أنّ المقلّد لو قلّد زيدا في مسائل الصلاة مثلا لا يجوز له العدول إلى غيره في مسائل الصوم و لكن مع ذلك لا وجه لما أفاده.

27

العبادي و اتّفق مطابقته لفتوى من يتعيّن عليه تقليده في تلك الحال و من يرجع إليه بعد ذلك كان صحيحا و إلّا فلا على الأحوط (1).

مسألة 16: العدالة هي ملكة الاجتناب من الكبائر (2) و ترك الإصرار على الصغائر (3) خوفا من اللّه تعالى (4)

____________

(1) لا إشكال في أنّ الاحتياط حسن و لكن مقتضى الصناعة كفاية المطابقة مع الوظيفة الفعليّة إذ التقليد بما هو لا موضوعيّة له و إنّما هو أمارة للوصول إلى الواقع فيكفي العمل برأي من يكون الرجوع إليه متعيّنا بالفعل.

(2) العدالة مفهوم عرفي و لا تكون لها حقيقة شرعيّة و عليه نقول: الظاهر أنّ العدالة عبارة عن كون الشخص في جادّة الشرع و عليه لو صدق هذا العنوان يترتّب عليه آثاره و لو مع عدم تحقّق الملكة.

(3) الظاهر أنّه لا فرق بين الكبيرة و الصغيرة في زوال العدالة عن المرتكب و لا يحتاج إلى الإصرار، إنّما الفرق بين الكبيرة و الصغيرة في أنّ المكلّف لو اجتنب عن الكبائر يكفّر عنه سيّئاته بمقتضى الآية الشريفة: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (1).

(4) لا وجه لهذا القيد فإنّ الميزان كون الشخص على جادّة الشرع بأيّ داع و غاية إلّا أن يقال: إنّ كون الشخص على جادّة الشرع يتوقّف على كونه مطيعا لأمر المولى و من الظاهر أنّ العازم على العصيان لا يكون مطيعا و على جادّة الشرع و لذا يمكن أن لا يكون الشخص فاسقا و لكن‌

____________

(1) سورة النساء: 31.

28

و الأظهر الأحوط اعتبار المروّة فيها أيضا (1) و حسن الظاهر كاشف عن العدالة إذا كان بحيث يحصل منه الاطمئنان و الوثوق بها على الأحوط (2).

____________

لا يكون عادلا أيضا، أمّا عدم كونه فاسقا فلعدم صدور الفعل الحرام عنه، و أمّا عدم كونه عادلا فللعزم على الحرام أو عدم عزمه على الإطاعة.

1- أمّا كون اعتبار المروّة أحوط فلا إشكال فيه، و أمّا كونه أظهر فلا، بل الأظهر خلافه فإنّ خلاف المروّة إن كان حراما فيدخل تحت القسم الأوّل و لا يكون أمرا جديدا و إن لم يكن كذلك فلا وجه لاعتبار عدمه، فلاحظ.

(2) ما أفاده ظاهر فإنّ الاطمئنان حجّة عقلائيّة و هذا من الواضحات عند من يكون عارفا بالصناعة إنّما الكلام في أنّ حسن الظاهر هل يكون كاشفا عن العدالة و لو لم يكن موجبا للوثوق بها أم لا؟

استدلّ سيّدنا الاستاد (قدّس سرّه) على المدّعى بطائفة من النصوص:

منها: ما رواه عبد اللّه بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): رجل طلّق امرأته و أشهد شاهدين ناصبيّين قال: كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته (1).

و منها: ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا، الحديث (2).

و منها: ما رواه حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل‌

____________

(1) الوسائل، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 5.

(2) الوسائل، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 10.

29

مسألة 17: إذا شكّ في أنّه قلّد أم لا، فإن كان ذلك قبل العمل بنى على عدمه (1) و جدّد التقليد، و إن كان بعد العمل لم يعتن بالشكّ

____________

محصن بالزنا فعدل منهم اثنان و لم يعدل الآخران، فقال: إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا و اقيم الحدّ على الذي شهدوا عليه إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا و علموا و على الوالي أن يجيز شهادتهم إلّا أن يكونوا معروفين بالفسق (1).

و الإنصاف أنّ هذه النصوص لا تفي بإثبات المدّعى بل غاية ما يستفاد منها قبول شهادة المذكورين فيها كيف و أنّ لازم قوله الحكم بعدالة الناصبي و السنّي و هل يمكن القول به؟ كلّا. و على الجملة قبول شهادة شخص في مورد لا يدلّ على كونه عادلا و إن شئت فقل: إنّه لا تعتبر العدالة في الشاهد بل يكفي حسن الظاهر و لو مع العلم بكونه ناصبيّا لكن يمكن الاستدلال على المدّعى بحديث سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال: من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم كان ممّن حرمت غيبته و كملت مروءته و ظهر عدله و وجبت اخوّته (2).

فإنّ المستفاد من الحديث أنّ الشخص لو كان موصوفا بما ذكر فيه يحكم بعدالته و لو لم يكن الظاهر المشاهد منه موجبا للوثوق بعدالته واقعا، فلاحظ.

1- للاستصحاب فلا بدّ من التقليد.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 18.

(2) الوسائل، الباب 152 من أبواب العشرة، الحديث 2.

30

و بنى على صحّة العمل (1) و إن كان في أثناء العمل فإن كان ما مضى من العمل مطابقا لرأي من يتعيّن عليه تقليده في هذه الحال صحّ ما مضى و جدّد التقليد في البقيّة إن أمكن و إلّا أعاد بالتقليد (2).

مسألة 18: إذا مات المجتهد و لم يعلم المقلّد بموته صحّ ما أتى به على رأيه إذا كان مطابقا لرأي من يتعيّن عليه تقليده بعده و من يرجع إليه (3).

مسألة 19: إذا كان هناك مجتهدان أحدهما أعلم و الآخر أوثق فالأحوط الجمع بين قوليهما (4).

مسألة 20: إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم من الآخر لكنّهما متوافقان في الفتوى جاز تقليد غير الأعلم منهما، بل يجوز تقليد غير الأعلم مع عدم العلم بمخالفته للأعلم في الفتوى فيما هو محلّ الابتلاء كما مرّ (5).

____________

(1) لقاعدة الفراغ إذا تحقّق موضوعها و هو الدخول في الغير.

(2) قد ظهر ممّا ذكرنا سابقا أنّ الميزان المطابقة مع الوظيفة الفعليّة.

(3) هذا على طبق القاعدة الأوّلية إذ المفروض كون عمله مطابقا مع فتوى من يجب عليه تقليده.

(4) الميزان في التعيّن، الأعلميّة و على هذا لا وجه للاحتياط المذكور فإنّ بناء العقلاء و سيرتهم جار على تقديم الأعلم عند دوران الأمر بينه و بين غيره.

(5) الأمر كما أفاده و مطابق مع ما قلناه سابقا، فلاحظ.

31

كتاب الطهارة

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

[في المياه]

[في كيفيّة التطهير بالماء]

في كيفيّة التطهير بالماء اعلم أنّه يلزم تطهير المتنجّس بالبول بالماء القليل مرّتين (1).

____________

(1) كما هو المشهور بل نسب إلى المعتبر نسبة ذلك إلى علمائنا و تدلّ على هذا الحكم روايات.

منها: ما رواه محمّد عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن البول يصيب الثوب، فقال: اغسله مرّتين (1).

و منها: ما رواه ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب الثوب، قال: اغسله مرّتين (2).

و منها: ما رواه أبو إسحاق النحوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صبّ عليه الماء مرّتين (3).

و منها: ما رواه الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد، قال: صبّ عليه الماء مرّتين فإنّما هو ماء، و سألته عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله مرّتين الحديث (4). إلى غير ذلك من الروايات و بها ترفع اليد عن إطلاق مطهّرية الماء لو كان و عن إطلاق الغسل.

و أمّا ما في مرسلة الكليني أنّه يجزئ أن يغسل بمثله من الماء إذا كان على رأس الحشفة أو غيره (5) فضعيف بالإرسال. و لا يخفى أنّه لا فرق في‌

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 3.

(4) نفس المصدر، الحديث 4.

(5) نفس المصدر، الحديث 5.

34

..........

____________

هذا الحكم بين بقاء البول على المحلّ و بين ارتفاعه بالهواء و نحوه لعدم مستند لهذا التفصيل.

قال في المستمسك في هذا المقام: و قد يستدلّ له بما في رواية الحسين المتقدّمة على ما رواها في المعتبر و الذكرى بزيادة قوله الأوّل للإزالة و الثاني للإنقاء، فإنّه مع اليبس لا حاجة إلى غسلة الإزالة و لكنّه في غير محلّه لعدم ثبوت الزيادة المذكورة و عن المعالم لم أر لهذه الزيادة أثرا في كتب الحديث الموجودة الآن بعد التصفّح بقدر الوسع الخ (1)، فلا يبقى وثوق بصدور هذا المضمون عن الإمام (عليه السلام)، هذا أوّلا.

و ثانيا أنّه يمكن أن يكون الأوّل مزيلا لمرتبة من النجاسة و الثاني ينقي المحلّ، و الذي يؤيّد هذا المعنى أنّه جزم في الذكرى بلزوم التعدّد مع ما نقل عنه و استدلّ عليه بهذه الرواية مع الزيادة، و الحاصل أنّه لو فرض وجود هذه الزيادة لا يمكن رفع اليد عن لزوم التعدّد بأن يقال الأوّل للإزالة فلو زال بأيّ نحو كان يكفي غسله مرّة فإنّه يمكن أن يكون للإزالة بالماء خصوصية.

إيقاظ: اعلم أنّ هذا الحكم و إن ورد في خصوص الثوب و البدن لكن العرف يفهم من هذه الأخبار عموم الحكم لكلّ شي‌ء ينجس بالبول و لا يفهم مدخلية للثوب و البدن.

____________

(1) المستمسك ج 2 ص 12.

35

و غسالته الأولى نجسة مطلقا (1).

____________

(1) لا يخفى أنّ العمدة في مستند هذا الحكم أدلّة انفعال الماء القليل فإنّه لو تمّ دلالتها نحكم بالنجاسة في المقام لإطلاقها الأفرادي و الأحوالي فإنّ مقتضى تلك الأدلّة انفعال الماء بملاقاة النجاسة من غير فرق بين ورودها على الماء و بين وروده عليها، و لكن الكلام تمام الكلام في تمامية تلك الأدلّة و المقام ليس محلّا لذلك البحث و لكن بنحو الإجمال نشير إلى ما في نظرنا من المناقشة في دلالة تلك الأدلّة على هذا المدّعى فنقول: الأدلّة التي دلّت على انفعال الماء القليل تدلّ على انفعاله مطلقا أي أعمّ من أن يكون متغيّرا بالنجاسة أم لا فالمستفاد من تلك الأدلّة نجاسة الماء القليل بالملاقاة و في قبالها روايات تدلّ على أنّ الميزان في النجاسة هو التغيّر و مع عدمه لا ينجس الماء مطلقا أي أعمّ من أن يكون كثيرا أو قليلا فيقع التعارض بين الطائفتين في الماء القليل غير المتغيّر و مقتضاه التساقط و ربما يقال يلزم العمل بالطائفة الثانية لأنّ فيها ما يكون عامّا بالوضع و لكن رجعنا عن تقديم العموم الوضعي على العموم الإطلاقي و قلنا لا فرق بين العام الوضعي و الإطلاقي فإنّ العام الإطلاقي بعد تماميّة مقدّمات الحكمة و انعقاد الإطلاق، يكون الإطلاق حجّة في جميع الأفراد كما أنّ العام الوضعي كذلك فلا وجه لترجيح أحدهما على الآخر و تفصيل البحث موكول إلى محلّ آخر.

و ما في بعض المؤلّفات من انقلاب النسبة بواسطة بعض القرائن فلا نسلّمه و بيّنا ما فيه في محلّه و تحقيق هذه الجهات موكول إلى مسألة‌

36

..........

____________

انفعال القليل فانتظر.

و لكن رجعنا أخيرا و قلنا إنّ الحقّ هو انقلاب النسبة. إذ المناط المراد الجديّ لا ظهور الأدلّة فقط، و عليه لو فرض أنّه علم من مجموع الأدلّة أنّ المراد الجدّي للمولى ذلك الأمر الخاصّ نأخذ به مثلا لو فرض أنّه ورد في دليل إنّه يجب إكرام العالم و في دليل آخر لا يجب إكرام العالم و في دليل ثالث يحرم إكرام العالم الفاسق، يخصّص دليل الوجوب، بالدليل الثالث فيكون الواجب إكرام العالم العادل و بعد التخصيص، يخصّص به الدليل الثاني، فتكون النتيجة وجوب إكرام العالم العادل و حرمة إكرام العالم الفاسق.

و ما ربّما يقال: بأنّ مفهوم أدلّة اعتصام الكرّ كاف في إثبات المطلوب و لو لم يكن عامّا من حيث الأفراد، حيث إنّ نقيض السالبة الكلّية هي الموجبة الجزئية و ذلك لأنّ الإطلاق الأحوالي يقتضي تنجيس الغسالة، غير تام لأنّه كما لا يكون للمفهوم عموم أفرادي كذلك لا يكون له عموم أحوالي، بل الثابت بالمفهوم موجبة جزئية حتّى من حيث الحالات. و بعبارة واضحة أنّ المستفاد من الشرطية انفعال الماء القليل في الجملة.

و هنا وجوه أخر ربّما يتمسّك بها على نجاسة الغسالة:

منها: الرواية المحكية عن العيص بن القاسم قال: سألته عن رجل أصابه قطرة من طشت فيه وضوء فقال: إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه (1).

و قد ذكرها الشيخ (قدّس سرّه) في الخلاف و قد استشكل فيها تارة بأنّها غير‌

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الحديث 14.

37

..........

____________

مذكورة في كتب الأخبار و إنّما نقلها مرسلة الفقهاء في كتبهم كالشيخ في الخلاف و المحقّق في المعتبر و العلّامة في المنتهى، و أخرى بالإضمار.

و أجيب عن الأوّل بأنّ مقتضى نسبة الشيخ الرواية إلى العيص وجدانها في كتابه و طريق الشيخ إلى العيص حسن.

و عن الثاني بأنّ الإضمار ناش عن تقطيع الرواية و إلّا كيف يمكن أن يثبت العيص رواية عن غير الإمام في كتابه الموضوع لثبت الروايات عنهم (عليهم السلام)، و لكن العمدة في الإشكال أنّ طريق الشيخ إلى العيص ضعيف فلا يعتد بالرواية.

و منها: رواية عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرّة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرّات يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ ذلك الماء ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه و قد طهر، إلى أن قال: و قال: اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميّتا سبع مرّات (1).

و تقريب الاستدلال، أنّه لو لم تكن الغسالة نجسة لما كان وجه لإفراغ الماء في المرّة الثالثة. و الجواب عن ذلك أنّه يمكن أن يكون انفصال الغسالة في كلّ مرّة شرطا في حصول الطهارة، و من ذلك تعرف وجه الإشكال في الاستدلال على المدّعى بما ورد من وجوب العصر في كلّ مرّة فإنّه يمكن أن يكون الوجه فيه عدم حصول الطهارة إلّا به.

____________

(1) الوسائل، الباب 53 من أبواب النجاسات.

38

..........

____________

و منها: خبر عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يتوضّأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه، و أمّا الماء الذي يتوضّأ الرجل به فيغسل به وجهه و يده في شي‌ء نظيف فلا بأس أن يأخذ غيره و يتوضّأ به (1) الدالّ على عدم جواز الوضوء بما يغسل به الثوب و يغتسل به من الجنابة بتقريب أنّه لا وجه لهذا النهي إلّا كونه نجسا و الجواب عن ذلك ظاهر فإنّ عدم صحّة الوضوء بماء لا يلازم نجاسته مضافا إلى أنّ السند ضعيف.

و ممّا ذكرنا علم أنّ العمدة كما تقدّم أدلّة انفعال القليل فلا بدّ من ملاحظة تلك المسألة فانتظر.

و ربّما يستدلّ على الطهارة بوجوه:

منها: الأصل، و الجواب عنه أنّ الأصل لا يقاوم الدليل فلا بدّ من ملاحظة الأدلّة.

و منها: مرسلة الواسطي عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: سئل عن مجتمع الماء في الحمّام من غسالة الناس يصيب الثوب، قال:

لا بأس (2). بتقريب أنّ الغسالة المجتمعة في الحمّام تكون من البول و نحوه عادة فطهارتها تستلزم طهارة الغسالة.

و الجواب عن ذلك أوّلا أنّ الرواية مرسلة و لا اعتبار بها، و ثانيا أنّ الغسالة‌

____________

(1) الوسائل، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الحديث 13.

(2) الوسائل، الباب 9، من أبواب الماء المضاف، الحديث 9.

39

..........

____________

المجتمعة تلاقي عين النجس كبدن الكافر مثلا على القول بكونه من الأعيان النجسة و الخصم لا يلتزم بالطهارة في الفرض.

و منها: خبر عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أغتسل في مغتسل يبال فيه و يغتسل من الجنابة فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض، فقال: لا بأس به (1).

و الجواب عنه أيضا هو الجواب في سابقه فإنّ الرواية ضعيفة من حيث السند فإنّ في سندها معلّى بن محمّد و هو غير موثّق و أيضا السند مخدوش بغيره.

و منها: صحيح الأحول، محمّد بن النعمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: أستنجي ثمّ يقع ثوبي فيه و أنا جنب، فقال: لا بأس به (2). بتقريب أنّ الظاهر من العبارة كون الاستنجاء من المني.

و فيه أوّلا: أنّا لا نسلّم هذا الظهور، بل ربّما يقال بظهوره في الاستنجاء من البول أو الغائط و إنّما السائل احتمل خصوصيّة لحالة الجنابة فسأل.

و ثانيا: أنّ غايته طهارة غسالة استنجاء المني و لا يثبت به طهارة مطلق الغسالة كما هو ظاهر.

و منها: مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الواردة في طهارة ماء الاستنجاء في حديث: الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 7.

(2) الوسائل، الباب 13 من أبواب الماء المضاف، الحديث 4.

40

..........

____________

استنجى به، فقال: لا بأس فسكت، فقال: أو تدري لم صار لا بأس به؟ قال:

قلت: لا و اللّه، فقال: إنّ الماء أكثر من القذر (1). فبعموم التعليل يحكم بطهارة الغسالة فيما كان غالبا كما هو محلّ البحث.

و الجواب عنه أيضا ضعف السند للإرسال.

و منها: ما ورد في صبّ الماء على الثوب من بول الصبي و هو ما رواه الحسين بن أبي العلاء في حديث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصبي يبول على الثوب، قال: تصبّ عليه الماء قليلا ثمّ تعصره (2). بتقريب أنّه لو كانت الغسالة نجسة لكان اللازم انفصالها، و الجواب: أنّ الماء الباقي في المحلّ المغسول طاهر بلا كلام، مضافا إلى أنّه قد صرّح في الحديث بقوله (عليه السلام): «ثمّ تعصره».

و منها: ما ورد من تطهير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المسجد من بول الأعرابي بذنوب من الماء (3)، و فيه أنّ الرواية من طريق أبي هريرة فلا يعتدّ بها.

و منها: ما ورد في خبر محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله في المركن مرّتين فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة (4). و فيه: أنّ الرواية لا تدلّ على طهارة الغسالة بل ساكتة من هذه الجهة و لو بنينا على النجاسة نلتزم بعدم نجاسة ما يغسل بالماء النجس‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 2.

(2) الوسائل، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(3) المستدرك، الباب 54 من النجاسات، الحديث 4.

(4) الوسائل، الباب 2 من أبواب النجاسات.

41

..........

____________

من ناحية الغسل.

و منها: التمسّك بالوجه العقلي و هو أنّه لو كانت الغسالة نجسة و يطهر المحلّ بها يلزم تأثير الشي‌ء في ضدّه و هو محال للزوم الملائمة بين العلّة و معلولها.

و الجواب عن ذلك أوّلا: أنّ الأحكام الشرعيّة لا تناط بالوجوه العقليّة، بل تتبع أدلّتها، و ثانيا: أنّه لا يلزم من القول بالنجاسة خرق هذه القاعدة فإنّ الماء الطاهر يؤثّر في المحلّ بأن يطهّره و المحلّ يؤثّر في الماء بأن ينجّسه.

و منها: أنّه يدور الأمر بين رفع اليد عن عموم انفعال الماء القليل و بين رفع اليد عن قواعد ثلاثة أولاها لزوم طهارة الماء المطهّر بالإجماع، ثانيها تنجيس المتنجّس فإنّ الغسالة لو كانت نجسة يلزم أن تنجّس بسرايتها إلى ما يتّصل بالمحلّ المتنجّس، ثالثها اتّحاد حكم الماء الواحد و لو لم نقل بالطهارة يلزم اختلاف حكم الماء الواحد لأنّه لو فرضنا خشبة نجسة فيصيب الماء من أعلاها إلى أسفلها فأعلى الخشبة يطهر بمجرّد مرور الماء عليه و لكن المتخلّف في أعلاه يطهر بعد الانفصال فقبل انفصال الماء عن الخشبة يلزم إمّا اختلاف حكم الماء الواحد لو قلنا بطهارة المتخلّف في أعلى الخشبة قبل الانفصال، و إمّا يلزم أن يطهر الماء المتخلّف بعد الانفصال بلا مطهّر، فبعد تعارض قاعدة انفعال الماء القليل مع هذه القواعد الثلاثة لو لم نقل بترجيح تلك القواعد عليها فلا أقل من التعارض و الرجوع إلى استصحاب الطهارة.

42

..........

____________

و يرد فيما ذكر: أوّلا أنّه لو سلّم التعارض فلا تصل النوبة إلى استصحاب الطهارة فإنّ استصحاب الطهارة يعارضه استصحاب عدم الجعل الزائد فلا يمكن ترتيب آثار الطهارة على مثل هذا الماء. نعم، يمكن أن يتمسّك بقاعدة الطهارة.

و ثانيا: أنّه لو لم يقم دليل على كلّية هذه القواعد الثلاثة بنحو يشمل الفرض فإنّ القدر المعلوم من لزوم كون طهارة المطهّر أن يكون طاهرا قبل الاستعمال، و أمّا لزوم طهارته حتّى بعد الاستعمال فليس عليه دليل و ادّعاء الإجماع عليه كما ترى.

و أمّا قاعدة تنجيس المتنجّس فعلى فرض تسليمها فلم يقم دليل على تنجيسه حتّى في مثل المقام فإنّ هذه القاعدة على فرض صحّتها و إن كان لنا فيها كلام إنّما هي مستفادة من موارد خاصّة فلا إطلاق فيها كي يشمل الفرض. و أمّا القاعدة الثالثة فهي أيضا كذلك فلا مانع من الالتزام بتعدّد الحكم في الماء الواحد في المورد كما لا مانع من الالتزام بطهارة الماء المتخلّف بعد الانفصال مضافا إلى أنّ المتخلّف في أعلى الخشبة بعد الانفصال لا نسلّم اتّحاده مع المنفعل فلا موضوع لهذا الإشكال و إلّا لو صبّ أحد على يده الماء من مرفقه إلى رءوس أصابعه بحيث يصير كلّه رطبا و بعد ذلك أصاب الدم مقدارا من الموضع المرطوب يلزم إمّا القول بنجاسة جميع الموضع الرطب و إمّا يلزم عدم تنجيس الدم و لا يلتزم بواحد من الأمرين كما هو ظاهر.

43

..........

____________

و ثالثا: أنّه لا شبهة في لزوم رفع اليد عن هذه القواعد إمّا للتخصيص أو للتخصّص، مثلا قاعدة تنجيس المتنجّس لا تتمّ في المقام إمّا لعدم تنجّس الغسالة و إمّا لعدم كونها نجسة فيدور الأمر بين التخصّص و الخروج الموضوعي و بين التخصيص.

و أمّا قاعدة الانفعال فلا وجه لرفع اليد عنها.

إن قلت: حيث إنّ مثبتات الأصول اللفظية حجّة يمكن أن يتمسّك بأصالة العموم فببركتها يثبت عدم انفعال القليل لأنّه لازمها.

و بعبارة اخرى إجراء أصالة العموم في دليل تنجيس المتنجّس يقتضي عدم انفعال الغسالة.

قلت: لا نسلّم جريان اصالة العموم بهذا المقدار. و بعبارة اخرى لو كان حال الفرد معلوما و لكنّه يشكّ في كيفيّة خروجه فلا مورد لجريان أصالة العموم أو الإطلاق.

44

و الثانية الأحوط الاجتناب عنها (1).

و أمّا في الكرّ و الجاري فيكفي المرّة (2).

____________

(1) يمكن أن يكون الوجه في التفرقة بين الغسالة الأولى و الثانية هو أنّه يمكن أن يقال إنّ أدلّة تنجيس النجاسات قاصرة عن شمول المتنجّس أو على فرض شمولها معارضة بأدلّة اخر دالّة على عدم التنجيس. لكن يرد عليه: أنّه لو كانت الغسالة الأولى لا تلاقي عين النجاسة كما لو ازيل العين أوّلا بغير الماء ثمّ يغسل بالماء لا يتمّ التقريب و يمكن أن يكون المقصود أنّ المتنجّس بعين النجاسة نجس، فالغسالة الأولى نجسة مطلقا، و أمّا الثانية فنجاستها مبنيّة على الاحتياط، و المقام ليس محلّا لذلك البحث.

و الحاصل: أنّه لو التزمنا بانفعال الماء القليل حتّى من المتنجّس نلتزم بالنجاسة حتّى في الغسالة المطهرة بلا خصوصية فيها إذ ليس للمقام وجه فارق عن بقيّة الموارد و لو لم نقل بالتنجيس في ذلك البحث كما لعلّه الأقوى في النظر فنحكم في المقام أيضا بالطهارة.

(2) الوجه في كفاية المرّة في الجاري ما رواه محمّد بن مسلم (1)، و أمّا كفاية المرّة في الكرّ فربّما يستدلّ عليها بالمرسل المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام):

أنّه كان بالمدينة رجل يدخل على أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) و كان في طريقه ماء فيه العذرة و الجيف و كان يأمر الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل به رجله إذا أصابه فأبصره يوما أبو جعفر (عليه السلام) فقال: إنّ هذا لا يصيب شيئا إلّا‌

____________

(1) تقدّم في ص 40.

45

..........

____________

طهّره فلا تعد للّه منه غسلا (1).

و يرد على هذا الاستدلال أوّلا: بأنّ الرواية ضعيفة من جهة الإرسال و القول بأنّها منجبرة بالعمل كما أفاده الشيخ الهمداني (قدّس سرّه) مردود بأنّ العمل لا يجبر الخبر الضعيف كما بيّنا وجهه ملخّصا في بعض المباحث السابقة، مضافا إلى أنّ استناد المشهور بهذه الرواية غير معلوم و مع عدم إحراز هذا المعنى لا أثر لموافقة الرواية مع قول المشهور.

و ثانيا: أنّه على فرض غمض العين عن ضعفها تكون النسبة بين هذه الرواية و بين ما دلّ على لزوم التعدّد في البول عموما من وجه و لا وجه لتقديم الرواية على تلك الأدلّة فإنّ العموم المستفاد من هذه الرواية بالإطلاق لا بالوضع فلا تتقدّم على تلك الأدلّة، مضافا إلى أنّا ناقشنا في تقدّم العموم الوضعي على الإطلاقي و بعد التعارض تصل النوبة إلى استصحاب النجاسة.

نعم، على ما بيّنا سابقا أنّ الاستصحاب الجاري في الحكم الكلّي دائما معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد و لكن القوم لم يلتزموا بهذه المقالة فاللّازم عليهم الالتزام بالنجاسة.

و ممّا استدلّ به على المدّعى صحيح داود بن سرحان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في ماء الحمّام؟ قال: هو بمنزلة الماء الجاري (2) الدالّ على أنّ ماء الحمّام بمنزلة الجاري بتقريب أنّ ما في الحياض المستمدّ من المادّة لو كان بمنزلة الجاري فبطريق أولى نفس المادّة في حكم الجاري‌

____________

(1) مستمسك العروة ج 2 ص 32.

(2) الوسائل، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

46

..........

____________

و من الظاهر أنّه لا خصوصيّة لبناء الحمّام بل الحكم مرتّب على الماء الكرّ.

هذا ملخّص ما افيد في المقام.

و لكن للمناقشة في هذا الاستدلال مجال واسع فإنّا نحتمل وجدانا أنّ ماء الحمّام لأجل عموم الابتلاء به جعل الشارع له خصوصيّة، أي جعله كالماء الجاري، و لذا يمكننا أن نقول بعاصميّة مائه و لو لم يكن الماء بمقدار الكرّ و مع تطرّق هذا الاحتمال لا موقع لهذا الاستدلال.

فظهر ممّا ذكرنا أنّه يشكل الحكم بكفاية المرّة في الكرّ في المتنجّس بالبول. نعم، يمكن أن يفصّل بين الأجسام التي ينفذ فيها الماء كالثياب و الفرش و غيرها كالبدن و أشباهه بأن يقال بلزوم التعدّد مطلقا في القسم الأوّل و كفاية المرّة في القسم الثاني فيما غمس في الكرّ و الوجه في هذا التفصيل أنّ الروايات الدالّة على تعدّد الغسل بنحو الإطلاق كرواية ابن أبي يعفور (1) واردة في الثوب و ما ورد في البدن دلّ على لزوم صبّ الماء مرّتين على المحلّ المتنجّس، و مقتضى هذه الروايات لزوم تطهير الثوب و نحوه مرّتين مطلقا، و أمّا البدن و أمثاله فلو طهّرناه بصبّ الماء عليه، يلزم التعدّد أعمّ من أن نغسله بالقليل أو بالكرّ، و أمّا لو طهّرناه بالغسل في الكرّ فيكفي المرّة عملا بإطلاق جملة من الروايات الدالّة على كفاية مطلق الغسل.

هذا، و الظاهر أنّه لم يلتزم أحد بهذا التفصيل و لكنّ المستفاد من الأدلّة ما ذكر و اللّه العالم.

____________

(1) تقدّمت في ص 33.

47

و أمّا المتنجّس بالغائط و المني و الدم فيغسل بعد زوال العين بالماء القليل مرّتين على الأحوط (1).

____________

(1) أمّا الاحتياط فحسن، و أمّا لزومه فلم يظهر لي إلى الآن وجهه فإنّ المستفاد من الروايات الواردة في الموارد المتعدّدة كفاية مطلق الغسل. ففي رواية محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن المذي يصيب الثوب، فقال: ينضحه بالماء إن شاء، و قال في المني يصيب الثوب قال: إن عرفت مكانه فاغسله و إن خفي عليك فاغسله كلّه (1).

و في صحيح عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل عريان و حضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كلّه دم يصلّي فيه؟ أو يصلّي عريانا؟ قال: إن وجد ماء غسله و إن لم يجد ماء صلّى فيه و لم يصلّ عريانا (2).

و في حديث ابن أبي عمير قال: و سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت، فقال: يغسل ما أصاب الثوب (3) إلى غير ذلك من الروايات الواردة في أبواب النجاسات و غيرها.

هذا مضافا إلى أنّه يمكن أن يقال: إنّ قوله (عليه السلام) في روايات عديدة: الماء يطهّر و لا يطهّر (4)، يدلّ على مطهّرية الماء على الإطلاق و مقتضاه حصول‌

____________

(1) الوسائل، الباب 16 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

(2) الوسائل، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(3) الوسائل، الباب 6 من أبواب غسل المسّ، الحديث 3.

(4) الوسائل، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

48

..........

____________

الطهارة للجسم الملاقي له بلا اشتراط شي‌ء آخر، اللّهمّ إلّا أن يقال قوله الماء يطهّر ليس في مقام البيان من هذه الجهة فلا إطلاق له و أيضا الروايات الواردة في الموارد الخاصّة ليست في مقام بيان هذه الجهة فتصل النوبة إلى استصحاب النجاسة.

و لكن يرد على هذا الوجه بأنّ استصحاب النجاسة على فرض جريانه و تسليم ما تقدّم من عدم الإطلاق معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد فتصل النوبة إلى قاعدة الطهارة.

و ملخّص الكلام في المقام: أنّ في كلّ مورد ورد الأمر بالغسل يؤخذ بإطلاقه، و عليه يكفي المرّة في القليل كما يكفي في الكثير و في كلّ مورد لم يرد أمر بالغسل بل دلّ الدليل على أنّ الشي‌ء الفلانيّ ينجس ما يلاقى فلو ثبت عدم القول بالفصل بين الموارد يكفي الغسل مرّة أيضا؛ للإجماع. و لو لم يثبت إجماع على عدم الفصل تصل النوبة إلى الأصل العملي و مقتضاه الطهارة بعد تعارض استصحاب النجاسة مع استصحاب عدم الجعل الزائد.

49

و في الكرّ و الجاري يكفي المرّة (1). و إن كانت هي الغسلة المزيلة و لكن مع استمرارها إلى بعد زوال العين على وجه يتحقّق الغسل بعده بذلك و نحوه (2) و ماء المطر حال جريانه من السماء بحكم الجاري بشرط جريانه على الأراضي المتعارفة (3).

____________

(1) كفاية المرّة على ما ذكرنا ظاهرة و لكن على ما بنى عليه من لزوم التعدّد احتياطا وجوبيّا في القليل لم يظهر لي وجه كفاية المرّة في الكرّ و الجاري مع عدم وجود النصّ إلّا أن يكون الإجماع قائما على ذلك في نظره أو يتمسّك بالمرسل (1) الوارد في الغدير من الماء الدالّ على تطهيره لكلّ ما يراه و يحكم في الجاري بالأوّلية.

(2) مناط التطهير تحقّق الغسل فلو تحقّق الغسل كفى و لو كان مزيلا للعين، و بعبارة واضحة لو صدق عنوان الغسل يكفي و لو لم يستمرّ.

(3) يقع الكلام في ماء المطر تارة من جهة كونه عاصما و غير منفعل بالنجاسة و أخرى من حيث تطهيره للمتنجّس.

أمّا الجهة الاولى: فتدلّ على اعتصامه صحيحة هشام بن سالم أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكفّ فيصيب الثوب، فقال: لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه (2).

و أيضا تدلّ على المطلوب صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) لاحظ ص 45.

(2) الوسائل، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

50

..........

____________

في ميزابين سالا أحدهما بول و الآخر ماء المطر فاختلطا فأصاب ثوب رجل، لم يضرّه ذلك (1). مضافا إلى أنّه ادّعى الإجماع على المسألة إجمالا بل ادّعي اتّفاق المسلمين عليها. نعم، وقع الاختلاف بينهم في بعض الخصوصيات:

منها: أنّه هل يشترط في اعتصامه، جريانه من السماء كما اشترطه (قدّس سرّه) أو لا يشترط ذلك، لا يبعد القول بالثاني فإنّه يمكن استفادة هذا المعنى من الرواية الثانية إذ يصدق على النازل من الميزاب ماء المطر و لو كان المطر منقطعا، بل لا بأس بالتمسّك بالرواية الاولى فإنّ المطر لو انقطع و بعد ذلك يكفّ عن السطح يصحّ أن يقال يكفّ ماء المطر عن السطح، فعليه يمكن الالتزام بعدم هذا الشرط و ما ربّما يقال بل قيل من أنّه يلزم على ذلك أنّ الماء المستقرّ في الحوض الذي كان مطرا في الأصل لا ينفعل، و كيف يمكن الالتزام بذلك؟ يجاب عنه: بأنّ المناط في هذه الامور نظر العرف فإنّ العرف لا يطلق على مثل هذا الماء ماء المطر. هذا، و لكن حيث إنّ هذا القول خلاف المشهور ينبغي أن لا يترك الاحتياط فيه، بل ادّعي في بعض المؤلّفات أنّه لا خلاف في هذا الحكم.

و منها: أنّه يشترط جريانه على الأرض نسب إلى الشيخ الطوسي اعتبار جريانه من الميزاب في عدم الانفعال و نسب إلى ابن حمزة اعتبار جريانه الفعلي في اعتصامه. و لا يخفى أنّه لا يمكن المساعدة على شي‌ء من القولين‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 4.

51

..........

____________

فإنّ لازم القول الأوّل عدم اعتصام ماء المطر و لو كان كثيرا لو جرى في مكان لا يكون له ميزاب كما أنّ لازم القول الثاني انفعاله فيما لو نزل في أرض رمليّة و هو كما ترى. و أمّا اعتبار الجريان التقديري فالظاهر أنّه مستفاد من الأدلّة ففي رواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال:

و سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب أ يصلّى فيها قبل أن تغسل؟ قال: إذا جرى من ماء المطر، فلا بأس (1). فإنّ المستفاد من هذه الرواية أنّ اعتصام الماء مشروط بالجريان. و يدلّ عليه ما رواه أيضا عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن البيت يبال على ظهره و يغتسل من الجنابة ثمّ يصيبه المطر أ يؤخذ من مائه فيتوضّأ به للصلاة؟

فقال: إذا جرى فلا بأس به. قال: و سألته عن الرجل يمرّ في ماء المطر و قد صبّ فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلّي فيه قبل أن يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه و لا رجله و يصلّي فيه و لا بأس به (2). فعلّق (عليه السلام) عدم البأس بالجريان.

هذا، و لكنّ الإنصاف أنّه يمكن أن يناقش في كلتيهما، أمّا الاولى فقد قال (عليه السلام): «إذا جرى فلا بأس به» فإنّه يحتمل أن يكون المقصود أنّ هذا الماء الواقع لو كان من ماء المطر فلا بأس به و إن لم يكن منه ففيه بأس. و أمّا الثانية فيمكن أن يقال: إنّ المستفاد منها عدم جواز التوضّي به و هو أعمّ من انفعال الماء و طريق الاحتياط ظاهر.

____________

(1) الوسائل، الباب 6 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

(2) نفس المصدر، الحديث 2.

52

..........

____________

و أمّا الجهة الثانية فاستدلّ عليها برواية الكاهلي عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: قلت: يسيل عليّ من ماء المطر أرى فيه التغيّر و أرى فيه آثار القذر فتقطر القطرات عليّ و ينتضح عليّ منه و البيت يتوضّأ على سطحه فيكف على ثيابنا؟ قال: ما بذا بأس لا تغسله، كلّ شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر (1). و هذه الرواية من حيث الدلالة لا إشكال فيها بل تتقدّم على ما يدلّ على العصر و التعدّد لأنّ عمومه بالوضع لكن من حيث السند ضعيفة فإنّها مرسلة و عمل الأصحاب بها غير معلوم، مضافا إلى أنّا ذكرنا أنّ العمل لا يجبر ضعف الرواية فلا أثر لها. أضف إلى ذلك أنّا أنكرنا تقدّم ما بالوضع على ما بالإطلاق، فالذي يدلّ على كونه مطهّرا ما يدلّ على مطهّرية مطلق الماء فإنّ المطر ماء فلو غسل به المتنجّس يطهر و لكن لا وجه لإلحاقه بالجاري و ترتيب آثار الجاري عليه فإنّه لا دليل على ذلك، إلّا أن يتمسّك بالسيرة المتشرّعيّة فإنّها قائمة على إلحاقه بالجاري من حيث الأحكام و لكن يمكن النقاش في اعتبار السيرة أيضا فإنّها لو كانت ناشئة من فتاوى العلماء كما هو المظنون فلا أثر لها كما هو ظاهر.

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 5.