الخمس في الشريعة الإسلامية الغراء

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
449 /
1

[المدخل]

الخمس‌

في‌

الشريعة الإسلامية الغرّاء‌

شرح استدلالي مقارن على كتاب الخمس من العروة الوثقى بأسلوب موجز تأليف‌

الفقيه المحقق‌

آية الله الشيخ جعفر السبحاني‌

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ)

الأنفال: 41‌

5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على عباد اللّه الصالحين محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

أمّا بعد؛ فإنّ هذه الصحائف تحتوي لبّ ما ألقيته من محاضرات على ثُلّة من الأفاضل و جملة من روّاد العلم و طلّاب الفقه، عند دراسة أحكام الخمس على ضوء كتاب: «العروة الوثقى» لسيد الطائفة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدَّس سرَّه)، فأرجو أن ينتفع بها الإخوان الكرام إن شاء اللّه تعالى.

و بما أنّ الخمس هو أحد الحقوق المالية في الإسلام فلا بأس بالبحث إجمالًا في أصناف الأموال التي تتولّاها أئمة المسلمين، و التي تعدّ عماداً للحكومة الإسلامية و سنادها، و قد وردت أُصولها في الكتاب العزيز و السنّة الشريفة و فصّلها فقهاؤنا في كتبهم- (رضوان اللّه عليهم)- نذكرها في المقام تمهيداً للبحوث الآتية، و ردّاً على من يزعم أنّ الشريعة الإسلامية تعتمد في إدارة البلاد على مجرّد الخمس و الزكاة، و لا يمكن لأيّ حكومة أن تسدّ نفقاتها الهائلة بالفريضتين المحدودتين. (1)

و الإشكال نابع من عدم الاطّلاع على المنابع المالية للحكومة الإسلامية، و فيما يأتي عرض موجز لقائمة المنابع المالية للدولة الإسلامية.

____________

(1) لاحظ مفاهيم القرآن: 2/ 569- 588.

6

تمهيد المنابع المالية للحكومة الإسلامية

إنّ المنابع المالية للحكومة الإسلامية التي بها تستطيع القيام بالوظائف الملقاة على عاتقها عدّة أُمور:

1. الأنفال

و هي كلّ أرض ملكت بغير قتال، و الموات، و رءوس الجبال، و بطون الأودية، و الآجام و الغابات (إذا لم تكن لمالك خاصّ تبعاً للأرض و لو بالإحياء)، و ميراث من لا وارث له، و ما يغنمه المقاتلون بغير إذن الإمام- (عليه السلام)-، و المياه، و الأحراش الطبيعية، و المراتع التي ليست حريماً لأحد، و قطائع الملوك، و ضياعهم غير المغصوبة، فذلك كلّه أمره بيد الإمام- (عليه السلام)-، و في غيبته بيد المجتهد الجامع للشرائط إذا كان مبسوط اليد أو مطلقاً، فيتصرّف فيها في إطار المصالح العامّة، و تصرف عوائدها في مصالح المسلمين و شئونهم، و قد وردت في هذا الصدد آيات و روايات عديدة، و لإيقاف القارئ على مقدار ما تشكّل هذه المصادر الطبيعية من ثروة، نقول: إنّ إيران وحدها تمتلك 19 ميليون هكتاراً من الغابات الغنيّة بالأخشاب التي قدرت ب‍- 300 ميليون متر مكعب من الخشب ذي النوعية‌

7

العالية، هذا مضافاً إلى ما تعطيه أشجار الغابات من الثمار و المواد الخام التصنيعية و الكيماوية التي تشكّل ثروة طبيعية هائلة و مورداً ماليّاً ضخماً.

هذا و يكفي أن نعلم أنّ العالم الإسلامي ينتج 66% من مجموع ما أنتجه العالم من الزيت الخام (النفط) وحده، و ينتج 70% ممّا ينتجه العالم من المطاط (1) الطبيعي، و 40% ممّا ينتجه العالم من الجوت الطبيعي، و 56% من زيت النخيل، و يوجد لدى المسلمين معادن عظيمة للحديد و النحاس، حتى الأورانيوم الذي أصبح ثميناً للغاية. (2)

2. الزكاة

و هي ضريبة تجب في تسعة أشياء: الأنعام، و هي: الإبل و البقر و الغنم؛ و النقدين، و هما: الذهب و الفضة؛ و الغلّات، و هي: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب. (3)

3. زكاة الفطرة

و تسمّى بزكاة الأبدان، و هي: التي تجب على كلّ مسلم في عيد الفطر، و مقدارها مذكور في كتب الفقه.

4. الخراج و المقاسمة

و هما ضريبتان مضروبتان على من يعمل في الأراضي التي فتحها المسلمون بالقتال، و سبب ذلك أنّ هذه الأراضي ليست للمقاتلين، بل هي ملك للمسلمين‌

____________

(1) هو المادة المرنة المعروفة بالكاوتشوك.

(2) كتاب الأنفال و الثروات العامة.

(3) و هناك آراء و مذاهب أُخر فيما تتعلّق به الزكاة. لاحظ الفقه على المذاهب الخمسة.

8

إلى يوم القيامة، فتصرف عوائدها في مصالحهم بعد أن يكون للعامل فيها حصّة إزاء عمله.

فالخراج، عبارة عن الضريبة المالية النقدية على الأرض، مثل أن يدفع العامل عليها عشرة دنانير سنوياً على كلّ جريب.

و المقاسمة، عبارة عن: الشركة في حاصل الأرض الخراجية بالكسر المشاع، كأن يكون عُشر حاصلاتها للدولة.

5. الجزية

و هي الضريبة العادلة المفروضة على أهل الذمّة على رءوسهم أو أراضيهم إذا قاموا بشرائط الذمّة المقرّرة في موضعها.

6. الخمس

و يجب في سبعة أشياء أو أكثر كما سيوافيك.

الأوّل: الغنائم المأخوذة من أهل الحرب قهراً بالمقاتلة.

الثاني: المعادن من الفضّة و الرصاص و الصفر و الحديد و الياقوت و الزبرجد و غيرها، إلى غير ذلك من الموارد التي ستوافيك في الكتاب.

7. المظالم

و هي ما يتعلّق بذمّة الإنسان بتعدّ أو تفريط أو إتلاف في مال الغير إذا لم يعرف صاحبها، فتحوزها الحكومة الإسلامية و تصرفها في المصارف المقرّرة لها.

9

8. الكفّارات

مثل كفّارة قتل العمد، و الخطأ، و مخالفة النذر، و العهد، و اليمين، و ما يتعلّق بذمّة الإنسان في الحجّ؛ فللحاكم الإسلامي أن يتولّ- ى أمرها بدلًا عن صاحب الكفارة تصرفها في محالّها و يسدّ بذلك حاجة المسلمين.

9. اللقطة

و هي الضالّة من الأشياء و لم يعرف لها صاحب، فيجوز للحاكم الإسلامي التصرّف فيها حسب الشروط المقرّرة.

10. الأوقاف و نظائرها

الأوقاف، و الوصايا، و النذور العامة، و القرابين التي يذبحها الحجاج في منى، فيجوز للحكومة الإسلامية التصرّف فيها و صرفها في مصالح المسلمين مطابقاً لنيّة الواقف و الموصي و الناذر.

11. الضرائب الموكولة إلى نظر الحاكم

هناك ضرائب ليس لها حدّ معيّن و لا زمان خاص، بل هي موكولة إلى نظر الحاكم الإسلامي يفترضها عند الحاجة، من عمران البلاد، أو جهاد في سبيل اللّه، أو سدّ عيلة الفقراء، أو غير ذلك، ممّا يحتاج إليه قوام العباد، و البلاد.

و هذا هو الذكر الحكيم يصف صاحب الرسالة و الممثل الشرعي للحكومة بقوله: (النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (1) فهو أولى بهم من أموالهم يتصرّف‌

____________

(1) الأحزاب: 6.

10

فيها كيفما اقتضت المصلحة، و هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- يقول في عهده إلى مالك الأشتر حين ولّاه مصر: «و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك إلّا بالعمارة، و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد و أهلك العباد- إلى أن قال:- فربّما حدث من الأُمور ما إذا عوّلت فيه عليهم من بعد، احتملوه طيبة أنفسهم به، فإنّ العُمران محتمل ما حمّلته، و إنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها». (1)

فلو كان للخراج حدّ معيّن غير متجاوز عنه لما كان لقوله- (عليه السلام)-: «احتملوه طيبة أنفسهم» وجه، فانّ معناه: إنّهم قبلوا ما طلبته من الناس بطيب خاطرهم فيعطونك كذلك، و أمّا المقدار اللازم فيجب عليهم دفعه سواء طابت أنفسهم أم لا.

أضف إلى ذلك قوله- (عليه السلام)-: «فانّ العمران محتمل ما حمّلته» فإنّه يدل على أنّ الوالي إذا عمّر البلاد و صارت عامرة و خصبة و غارقة في الخيرات و النعم، يمكن له أن يفرض عليهم الخراج إزاء ما عمّر.

روى محمّد بن مسلم و زرارة بن أعين، عن الباقر و الصادق- (عليهما السلام)- قالا: «وضع أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، و جعل على البراذين ديناراً». (2)

و فيما رواه الشيخ الأقدم محمّد بن الحسن الصفار (المتوفّى عام 290 ه‍-) بإسناده عن علي بن مهزيار، دلالة على أنّ للإمام الصلاحية في تخفيف الضرائب‌

____________

(1) نهج البلاغة: قسم الرسائل، الرسالة 53.

(2) الوسائل: الجزء 6، كتاب الزكاة، أبواب ما تجب فيه الزكاة و ما تستحب فيه، الباب 16، الحديث 1. فقوله: وضع، يدل على ما ذكرنا من أنّ الحاكم الإسلامي له جعل الضرائب كلّما احتاجت مصلحة البلاد إلى ذلك.

11

الإسلامية أو تصعيدها، و بما أنّ الرواية طويلة يُرجى من القارئ الكريم الرجوع إلى مصدرها. (1)

و هذه و أمثالها من النصوص تدلّ على أنّ هناك قسماً من الضرائب التي ليس لها حدّ معيّن، بل موكولة إلى نظر الحاكم.

12. توظيف الأموال في المجالات الاقتصادية

و للحكومة الإسلامية أن لا تكتفي بما يحصل لها من هذه الطرق بل يجوز لها باستخدام الصناعات الأُم و التجارات و التأمين و الشركات الزراعية، و توفير الطاقة، و إدارة شبكات الري، و المواصلات الجوّية و البحرية و البرّية، و غير ذلك من الخدمات، و هذه العوائد تكفي لميزانية الدولة الإسلامية في مختلف العصور و الأجيال.

هذه نبذة موجزة من فهرس المنابع المالية للحكومة الإسلامية ذكرتها ردّاً لزعم بعض الجُدد من أنّ الحكومة الإسلامية لا تمتلك منابع مالية لإدارة المجتمع سوى زكاة الإبل و البقر و الغنم أو خمس الغنائم و الأرباح، أعاذنا اللّه من الكلام بغير علم، و الاستهزاء بالدين، و لنعطف عنان البحث إلى ما ذكره السيد الطباطبائي (رحمه اللّه) في العروة الوثقى من كتاب الخمس فنقول:

____________

(1) الوسائل: الجزء 6، كتاب الخمس، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 8، الحديث 5.

12

كتاب الخمس

و هو من الفرائض، و قد جعلها اللّه تعالى لمحمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- و ذرّيته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم، و من منع منه درهماً أو أقلّ كان مندرجاً في الظالمين لهم، و الغاصبين لحقّهم، بل من كان مستحلًا لذلك كان من الكافرين.

ففي الخبر عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر- (عليه السلام)-: ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال- (عليه السلام)-: «من أكل من مال اليتيم درهماً و نحن اليتيم». (1)

و عن الصادق- (عليه السلام)-: «إنّ اللّه لا إله إلّا هو حيث حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، و الخمس لنا فريضة، و الكرامة لنا حلال». (2)

و عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا».

و عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: «لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً أن يقول:

____________

(1) الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1، 2. و عبّر عن الأوّل بالخبر لوقوع أبي حمزة البطائني في سنده، و عبّر عن الثاني بقوله: «و عن الصادق» لكن في الوسائل: و قال الصادق؛ و التعبير الثاني دليل على إذعان الصدوق بصدور الحديث عن الإمام دون التعبير الأوّل. و لاحظ أيضاً الحديث 3، 4 و 5 من هذا الباب.

(2) الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1، 2. و عبّر عن الأوّل بالخبر لوقوع أبي حمزة البطائني في سنده، و عبّر عن الثاني بقوله: «و عن الصادق» لكن في الوسائل: و قال الصادق؛ و التعبير الثاني دليل على إذعان الصدوق بصدور الحديث عن الإمام دون التعبير الأوّل. و لاحظ أيضاً الحديث 3، 4 و 5 من هذا الباب.

13

«يا ربّ اشتريته بمالي» حتّى يأذن له أهل الخمس». (1) (1)

____________

(1) أقول: توضيح ما ذكره يتمّ ببيان أُمور:

1. الخمس في الكتب الفقهية

قد اعتنى أصحابنا الإمامية بالبحث عن الخمس، و موارده، و مصارفه، و قد أفرده كثير منهم بالتأليف، و ألّفوا رسائل مستقلّة تقف عليها إذا راجعت الفهارس كفهرس الشيخ و النجاشي و منتجب الدين، و قلّما يتّفق لفقيه أن يؤلّف عدّة كتب في الفقه إلّا و له كتاب في الخمس، كلّ ذلك على خلاف ما صنعه فقهاء العامّة حيث لم يفردوه بالتأليف و لا بالعنوان أيضاً، بل أدرجوا البحث فيه في كتاب الجهاد عند البحث عن الفي‌ء و الغنائم، كما أدرجوا البحث عن أحكام المعادن و الركاز- مع القول بالتخميس فيهما- في كتاب الزكاة، مع أنّ مصرف الخمس في هذه الموارد غير مصرف الزكاة حسب آراء الحنفية.

و أحسن كتاب لهم في هذا الباب كتاب «الأموال» للحافظ أبي عبيد (المتوفّى عام 255 ه‍-) ففيه بُغية الطالب، و هو يكشف الغطاء عن كثير من المسائل المبهمة، و يؤيد نظرية الإمامية في بعض الموارد، فللباحث عن الضرائب المالية مراجعة ذلك الكتاب و نظائره.

غير أنّ شيخ الطائفة لم يُفرِّد للخمس كتاباً في كتاب الخلاف، بل أدرج كثيراً من مسائله في كتاب الجهاد و الفي‌ء و الزكاة، و ذلك تحفّظاً على النظام الدائر بين أهل السنّة، لأنّ الغاية من تأليف ذلك الكتاب هي التركيز على القول بأنّ الهوّة المزعومة بين فقهي الشيعة و السنّة زعم لا أساس له، و لذلك راعى النظم المألوف‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 10، و هو مرسل العياشي. و العجب أنّه تمسّك بالمرسل و ترك المسانيد في الباب الأوّل و لعلّ فيه نكتة.

14

..........

____________

في كتبهم، و أثبت بفضل اطّلاعه أنّه ما من مسألة فقهية إلّا و للشيعة فيها موافق من الصحابة و التابعين أو سائر الفقهاء إلّا الشاذ النادر.

2. الخمس فريضة و حقّ مالي لأصحابه

الخمس فريضة كسائر الفرائض بالأدلّة الثلاثة، و حقّ مالي لأصحابه كما هو صريح الآية: (فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ) (1) «و اللام» آية التملّك، و هو ملك لهم، لا لأشخاصهم بما هم مؤمنون، بل بما هم أئمّة و ولاة، فالمالك في الحقيقة هو جهة الإمامة كما يأتي بيانه، و به صرّح الإمام الهادي- (عليه السلام)- في روايته، روى الصدوق بإسناده، عن أبي علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث- (عليه السلام)-: إنّا نؤتى بالشي‌ء فيقال: هذا كان لأبي جعفر- (عليه السلام)- عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، و ما كان غير ذلك فهو ميراث على كتابِ اللّه و سنّة نبيّه». (2)

و على كلّ تقدير فالخمس حقّ مالي فرضه اللّه سبحانه على عباده في موارد خاصة، لنفسه، و نبيّه، و ذريّته- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-، عوضاً عن الصدقات إكراماً لهم كما في الحديث، و سيوافيك سرّ هذا التشريع و فلسفته عند البحث في قسمة الخمس فانتظر.

و تعلّق سهم من الخمس به سبحانه لا ينافي غناه، لأعمية ملاك التشريع من الحاجة، كيف، و قد جعل أمر سهمه بيد الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- ليصرفه في مصالح الدين، و نظير ذلك قوله سبحانه: (إِنْ تُقْرِضُوا اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً يُضٰاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّٰهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ). (3)

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

(3) التغابن: 17.

15

..........

____________

3. حكم منكر الخمس

لا شكّ أنّ وجوب الخمس كوجوب الزكاة على وجه الإجمال من الضروريات التي يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة المحمّدية، فيعدّ منكره كافراً مرتداً عن الفطرة أو الملّة، و أمّا تفاصيل الحكمين فمن ضروريات الفقه و الدين.

توضيح ذلك: أنّ الضروريات على قسمين، قسم يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة في نظر الناس أو نظر المنكر على ما هو الأقوى (في الارتداد و هو الملازمة بين الإنكارين في نظر المنكر لا الناس)، فهذا ممّا لا شكّ في كونه سبباً للارتداد.

و هناك قسم آخر ليس له هذا الشأن لعدم وضوحه كوضوح القسم الأوّل، و هذا يُعدّ من ضروريات الفقه.

فتفاصيل أحكام الخمس و الزكاة من ضروريات الفقه التي لا يخرج منكرها عن ربقة الإسلام، لا من ضروريات الدين، كما أنّ الاعتقاد بولادة المهدي- (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) - و حياته من ضروريات مذهب التشيّع لا من ضروريات الإسلام، فإنكار ولادته و حياته مخرج للمنكر عن زمرة هذه الطائفة، لا من زمرة المسلمين، و لكلّ حكمه، فلا تختلط.

و الحاصل: أنّ أصل الخمس ممّا عرفته الأُمّة من زمن النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-، فهو يعد من صلب الدين، و أمّا شعبه و فروعه و أنّه في الموارد السبعة كما عليه فقهاء الشيعة، أو في خصوص الغنائم الحربية، أو بضميمة المعادن و الرّكاز، فليست من ضروريات الدين التي يرجع إنكارها إلى إنكار الرسالة، و ليست الملازمة بين إنكار هذه الفروع و إنكار الرسالة المحمّدية على حدّ ينتقل من إنكارها إلى نفي الرسالة، بخلاف إنكار وجوب الصلاة و الصوم، الذي يلازم إنكار رسالة النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- عند المسلمين.

16

[فصل- 1 فيما يجب فيه الخمس]

فصل فيما يجب فيه الخمس

و هو سبعة أشياء: (1)

____________

(1) أقول: لا دليل على الحصر إلّا الاستقراء، نعم ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: «ليس الخمسُ إلّا في الغنائم خاصة» و ذكر صاحب الوسائل فيه وجهين:

1. المراد ليس الخمس الواجب بظاهر القرآن إلّا في الغنائم، فانّ وجوبه فيما سواها إنّما ثبت بالسنّة.

2. المراد جميع الأصناف التي يجب فيه الخمس بحملها على مطلق ما يُظفرُ عليه (1) و الأوّل خلاف الظاهر، و الثاني هو المتعيّن.

كما أنّ عدّه سبعة لا يخلو عن تأمّل، لعدم دخول أخذ العنبر من سطح البحر في الغوص، فلو قلنا بوجوب الخمس فيه تكون الأصناف ثمانية، كما أنّ عدّ الملّاحة (بفتح الميم و تشديد اللام ما يخلق فيه الملح) من المعادن لا يخلو من غموض، خصوصاً إذا أخذ الملح من ساحل البحر، و عليه تكون الأصناف تسعة.

و في مرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح- (عليه السلام)- قال: الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، و الغوص، و من الكنوز، و من المعادن، و الملاحة. 2 فقد عدّ‌

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 و 4.

17

..........

____________

الملاحة في مقابل المعدن.

و في المقنع قال: روى محمد بن أبي عمير، أنّ الخمس على خمسة أشياء: الكنوز، و المعادن، و الغوص، و الغنيمة. و نسى ابن أبي عمير الخامسة (1).

لعلّ المنسي هو الملاحة الواردة في المرسلة، أو الأرض المشتراة من المسلم، أو الحلال المختلط بالحرام.

و الحقّ دخول الجميع تحت الغنائم، إلّا الأرض المشتراة، و إلّا الحلال المختلط بالحرام، لخروجهما عن تحت ذلك العنوان، و على كلّ تقدير فالمتّبع في وجوب الخمس هو الدليل، بلغ موارده إلى السبعة أو تجاوز عنها.

ثمّ إنّ أساس الخمس هو الكتاب العزيز، فاللازم هو تفسير الآية بمفرداتها و جملها، قال سبحانه: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ). (2)

إنّ تفسير الآية بوجه موجز رهن الإمعان في مفرداتها و جملها، و إليك الإشارة لبعض نكاتها:

1. قال سبحانه: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ) استخدم المبهمين أعني: «ما» الموصولة و لفظ «شي‌ء» لإفادة وجوب أداء الخمس، قلّ أو كثر.

2. قال سبحانه: (فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ) جعل نفسه تعالى من أصحاب الخمس كرامة للآخرين كما هو واضح، و بهذا الملاك ربّما يستقرض من الأُمّة و يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ. (3)

____________

(1) الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(2) الأنفال: 41.

(3) الحديد: 11.

18

..........

____________

3. قال سبحانه: (وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ) أعاد حرف الجر للإشارة إلى استقلالهم في أخذ سهامهم الخاصّة بهم.

4. قال سبحانه: (وَ لِذِي الْقُرْبىٰ) المراد منهم أقرباء الرسول بقرينة تقدّم الرسول عليهم، و قد ورد «ذي القربى» و نظيره كذوي القربى، و أُولو القربى في الكتاب الكريم، و يتّضح المراد منه بلحاظ الجملة المتقدّمة عليه، ففي المقام يحمل على أقرباء الرسول لتقدّمه عليهم، كما يحمل على مطلق أقرباء الإنسان و أرحامه في قوله سبحانه: (وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ بِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ) (1) لتقدّم الوالدين.

5. قال سبحانه: (وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ*) أي يتامى الرسول و مساكينهم و أبناء سبيلهم، لا مطلق اليتامى و المساكين و أبناء السبيل، لما تقدّم من أنّ لفظ «الرسول» و «ذي القربى» قرينة على أنّ المعطوف عليهم له صلة بهم.

6. قال سبحانه: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ) قضية شرطية حذف جزاؤها، أي إن كنتم آمنتم باللّه فادفعوا الخمس إلى أصحابه، و يدلّ عليه مضمون قوله (فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ) أي الخمس ملك لهم أو مختصّ بهم فلازمه دفعه إلى أصحابه.

7. قال سبحانه: (وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ) أي آمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، ذهب المفسرون إلى أنّ المراد ما نزل يوم الفرقان من النصر و نزول الملائكة، فكأنّه سبحانه يقول: «إن كنتم مؤمنين و مشاهدين ما نصرناكم به في ذلك اليوم العصيب، فادفعوا الخمس إلى أصحابه».

و ثمّة وجه آخر لتفسير: «ما نزّل على الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-» و لعلّه أحسن، و هو أنّ أصحاب الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- اختلفوا في الغنائم التي حازوها اختلافاً شديداً على وجه لو لا كتاب من اللّه لمسّهم عذاب عظيم، قال سبحانه: (لَوْ لٰا كِتٰابٌ مِنَ اللّٰهِ سَبَقَ

____________

(1) النساء: 36.

19

..........

____________

لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ) (1) ففي تلك الحالة القاسية أصدر سبحانه حكمه القاطع قائلًا: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ). (2)

و المراد من الأنفال هي مطلق الزيادة التي تشمل الغنائم يوم نزولها، و الأنفال في مصطلح القرآن أعم منه في مصطلح الفقه، و حمل الآية على المعنى المصطلح الذي يقابل الغنائم الحربية، كرءوس الجبال و بطون الأودية و غيرهما، يوجب خروج المورد، لأنّها نزلت في وقعة «بدر» و لم يكن يوم ذاك أي كلام حول الجبال و بطون الأودية و الأراضي المأخوذة بلا قتال و لا ....

فإذا كان الحكم الأوّلي هو كون الخمس من شئون القيادة المتمثلة في الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- فلا حقّ لكم فيه غير أنّه سبحانه أجاز لكم التصرّف فيها رحمة بكم، فعليكم ردّ الخمس إلى أصحابه بلا هوادة أمام تلك الكرامة.

8. قال سبحانه: (يَوْمَ الْفُرْقٰانِ) هو يوم بدر، و فيه فرّق اللّه سبحانه بين الحقّ و الباطل.

9. قال سبحانه: (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ*) و هم جمع المسلمين لا يتجاوز عن ثلاثمائة و بضعة عشر رجلًا، و جمع الكافرين و هم بين تسعمائة و ألف، فهزموهم و قتلوا منهم زيادة عن السبعين و أسروا منهم مثل ذلك.

10. قال سبحانه: (أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ).

فالغنيمة و إن كانت في الاصطلاح الفقهي هي الغنائم الحربية، لكنّها في اللغة و القرآن و الأحاديث الشريفة تطلق على مطلق ما يحوزه الإنسان، و إليك البيان.

____________

(1) الأنفال: 68.

(2) الأنفال: 1.

20

..........

____________

الغنيمة في اللغة:

يظهر من أئمّة أهل اللغة أنّ الغنيمة تستعمل في مطلق ما يحوزه الإنسان، و يفوز به، و لو كان بغير حرب و قتال، و الخصوصية المأخوذة أحد الأُمور الثلاثة:

1. أن يظفر به بيُسر و سهولة، كما هو صريح بعض اللغويين.

2. أن يظفر به بلا بذل مقابل، و يؤيده كونه في مقابل الغرم و هو أن يبذل شيئاً لأجل جبر ضرر أو خسارة بلا أخذ مقابل.

3. أن يظفر به من دون ترقّب و توقّع.

و على كلّ تقدير، لم يؤخذ في مفهومه الفوز بالشي‌ء من طريق الحرب و القتال، و إن اشتهر في ألسن الفقهاء كما صرّح به ابن فارس فإنّه بعد ما أشار إلى المعنى اللغوي قال: «ثمّ يختص بما أخذ من مال المشركين» كما سيوافيك، و إليك بعض نصوص اللغويين:

1. قال ابن فارس في مقاييسه: «غَنْم أصل صحيح واحد يدل على إفادة شي‌ء لم يُمْلَك من قبل ثمّ يختص بما أخذ من مال المشركين». (1)

2. و قال الراغب في مفرداته: «و الغنم: إصابته، و الظفر به، ثمّ استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدو و غيرهم». (2)

3. فسره ابن الأثير بالزيادة، و قال في تفسير قوله: «الرهن لمن رهنه، له غنمه و عليه غرمه» و غنمه: زيادته و نماؤه و فاضل قيمته. (3)

____________

(1) مقاييس اللغة: مادة غنم.

(2) مفردات الراغب: مادة غنم.

(3) غريب مفردات الحديث: مادة غنم.

21

..........

____________

4. ذكر مثله ابن منظور في لسانه. (1)

5. و قال الفيروزآبادي في قاموسه: «و الغنم- م- بالضم- الفوز بالشي‌ء بلا مشقة، و أغنمه كذا تغنيماً نَفَله إيّاه و اغتنمه و تغنّمه: عدّه غنيمة». (2)

6. و قال الأزهري في تهذيبه: «قال الليث: الغنم الفوز بالشي‌ء فاز به و الاغتنام انتهاز الغنم». (3)

و ممّا قال أئمّة اللغة في الغنيمة نعرف أنّ العرب كانت تستعمل هذه اللفظة في كلّ ما يفوز به الإنسان حتى و لو لم يكن من طريق الحرب و القتال، و قد وردت هذه اللفظة في الكتاب و السنّة و استعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان، و إليك الشواهد منهما فيما يلي.

الغنيمة في الكتاب و السنّة

لقد استعمل القرآن لفظة المغنم فيما يفوز به الإنسان و إن لم يكن عن طريق القتال بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي أو الأُخروي، إذ يقول سبحانه:

(يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا فَعِنْدَ اللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ). (4)

و المراد بالمغانم الكثيرة هو ما وعد اللّه سبحانه لعباده في الآخرة بدليل مقابلته لعرض الحياة الدنيا فيعلم أنّ لفظ «المغنم» لا يختصّ بالأُمور و الأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا و في ساحات الحروب فقط، بل هي عامة‌

____________

(1) لسان العرب: مادة غنم.

(2) قاموس اللغة: مادة غنم.

(3) تهذيب اللغة: مادة غنم.

(4) النساء: 94.

22

..........

____________

شاملة لكلّ مكسب و فائدة و لو في الآخرة.

ثمّ إنّه قد وردت هذه اللفظة في الأحاديث و أُريد منها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء: فقد روى ابن ماجة في باب «ما يقال عند إخراج الزكاة» عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-: «اللّهمّ اجعلها مغنماً و لا تجعلها مغرماً». (1)

و في مسند أحمد، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-: «و غنيمة مجالس الذكر الجنّة». (2)

و في وصف شهر رمضان عنه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-: «غنم للمؤمن». (3)

و في نهاية ابن الأثير: «الصوم في الشتاء غنيمة باردة» و إنّما سمّاها غنيمة لما فيها من الأجر و الثواب.

ثمّ إنّ بعض الفقهاء- (رضوان اللّه عليهم)- حاول استنباط جميع أحكام الموارد السبعة من الآية الشريفة.

و لا يخفى ما فيه من التكلّف، لعدم شمولها للأرض التي اشتراها الذمي من المسلم، و للحلال المختلط بالحرام.

إنّ تعميم وجوب الخمس إلى غير المأخوذ من طريق القتال لا يختصّ بالشيعة، فقد ذهب غيرهم إلى ثبوت الخمس في المعادن و الركائز كما يأتي في محلّه، و إن جعلوا مصرفهما مصرف الزكاة، إلّا الأحناف كما سيوافيك، و روى البخاري أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- قال: «و في الركاز الخمس». (4)

____________

(1) سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، الحديث 1797.

(2) مسند أحمد: 2/ 330 و 374 و 524.

(3) مسند أحمد: 2/ 177.

(4) صحيح البخاري: 8/ 43، كتاب الزكاة.

23

..........

____________

أصحاب الخمس هم أصحاب الفي‌ء

دلّت الآية المباركة على أنّ خمس ما يفوز به الإنسان فهو لأصحابه الستّة كما دلّت آية الفي‌ء على أنّ جميع ما أفاء اللّه على نبيّه و أرجعه إليه بلا خيل و لا ركاب، فهو كلّه للّه و للرسول و لذي القربى و الثلاثة الباقية، قال سبحانه: (مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لٰا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ) (1) و الآية بصدد مصرف الفي‌ء المذكور في الآية و قد نزلت في في‌ء بني النضير، و المورد غير مخصص، فكلّ ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فهو للّه و للرسول و لذي القربى و الأصناف الثلاثة، كما قال سبحانه: (مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ) (2) و إيجاف الدابة، تسييرها بإزعاج و إمراغ، و «الخيل» الفرس، و «الركاب» الإبل، أي ما أرجعه سبحانه على رسوله، من الموارد التي ما أوجفتم عليه أنتم- أيّها المؤمنون- بخيل و ركاب حتى يكون لكم فيه حقّ و إنّما هو أمر سلّط اللّه سبحانه نبيّه عليه، فأمره بيده؛ و هل جميع الفي‌ء لهؤلاء الستة أو الخمس منه؟ ظاهر الآية هو الأوّل، و لا وجه للثاني.

و المراد من الثلاثة الأخيرة بقرينة الرسول وذي القربى هم أيتامهم و مساكينهم و أبناء سبيلهم، و روي الأعم، رواه في مجمع البيان (3) و التفصيل موكول إلى محلّه.

____________

(1) الحشر: 7.

(2) الحشر: 6.

(3) الطبرسي: مجمع البيان: 5/ 261.

24

..........

____________

مالكية أصحاب الخمس له

ثمّ الكلام في قوله: (وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ) فهل اللّام فيه، لام الاختصاص أو لام التمليك؟ الظاهر هو الثاني لتبادره، و على هذا فهل المالك هو شخص الرسول بما هو هو أو هو جهة الرسالة و القيادة و الإمامة المتمثلة فيه؟ الظاهر هو الثاني، و الإمام يملك أوسع من الخمس و الفي‌ء بما أنّه إمام الأُمّة و قائدها، ليصرفها في مصارفها المعيّنة أو المصالح العامة. قال سبحانه: (كَيْ لٰا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ) و الدولة اسم للشي‌ء الذي يتداوله القوم يداً بيد، أي جعلنا الفي‌ء لهؤلاء الستة لئلّا يكون الفي‌ء متداولًا بين الرؤساء منكم يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية.

و يؤيد كون المالك هو الرسول و الإمام للجهة الخاصّة ما رواه أبو علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث- (عليه السلام)-: إنّما نؤتى بالشي‌ء فيقال: هذا كان لأبي جعفر- (عليه السلام)- عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي- (عليه السلام)- بسبب الإمامة فهو لي، و ما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه و سنّة نبيّه». (1)

و الحديث صريح في أنّ للإمام مالين: مالٌ بسبب الإمامة، و مالٌ بما هو من آحاد الناس يملك كما يملك آحادهم، و الثاني يُورث دون الأوّل فهو ينتقل إلى ممثِّل الزعامة بعده.

نعم النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- يملك الخمس و الفي‌ء بسبب الإمامة، و لكنّه إذا نحله لشخص، فالمنحول له يتملّكه شخصياً كسائر أمواله، فما نحله الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- لبنته و كريمته فاطمة الزهراء- (عليها السلام)- من فدك، نحله بما هو إمام الأُمّة و بيده أُمور الفي‌ء، و هي- (سلام اللّه عليها)- تملّكته كما يتملّك سائر الناس، فصارت مالكة تتصرف‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

25

[الأول: الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب قهراً بالمقاتلة معهم]

الأول: الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب قهراً بالمقاتلة معهم، بشرط أن يكون بإذن الإمام- (عليه السلام)-، من غير فرق بين ما حواه العسكر و ما لم يحوه، و المنقول و غيره، كالأراضي و الأشجار و نحوها. (1)

____________

فيه ما تشاء و لا يحلّ لأحد المنع من تصرّفها بحجّة أنّه كان فيئاً، فإنّه كان فيئاً قبل النحل و البذل و بعده صار ملكاً شخصياً لها فليس فيئاً و لا ملكاً للرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-، فما حدث بعد رحيل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- من إخراج عمّال الصديقة الطاهرة و مصادرته، كان ظلماً و تعدّياً.

فدع عنك نهباً صيح في حجراته * * *و لكن حديثاً ما حديث الرواحل

و بذلك يعلم حكم تصرّف الفقيه في الأخماس و الفي‌ء فلا يملكه شخصياً، بل يملكه بما هو زعيم للمسلمين يصرفه كما يصرفه الإمام المعصوم، فإذا نحله أو وهبه أو ملّكه لشخص فهو يتملّكه شخصياً، كسائر أمواله.

بقي الكلام في الخمس و أرباح المكاسب، و ربّما يقال: ليس منه أثر في كلمات الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- و لا الأئمّة المتقدّمين على الباقر و الصادق- (عليهما السلام)-؟، و لكنّه زعم باطل، بل نجد جذوره فيها في كلمات الرسول و أحاديثه نشير إليه في محلّه.

إذا عرفت ما ذكرنا، فلنرجع إلى تبيين الموارد التي ثبت فيها الخمس حسب ما ذكره السيد الطباطبائي في عروته.

(1) أثبت الخمس في الغنائم بشروط أربعة:

1. كون المأخوذ منه كافراً حربيّاً.

2. أن يكون الأخذ بالقهر لا بالنهب.

26

..........

____________

3. بالمقاتلة معهم لا صلحاً.

4. أن يكون بإذن الإمام- (عليه السلام)-. و إليك بيانها:

1. كون المأخوذ منه كافراً حربيّاً

المحاربون من الكفّار طوائف ثلاث:

1. الملاحدة المنكرون للمبدأ و المعاد.

2. المشركون المعترفون باللّه غير موحدين في الخالقية أو الربوبية أو العبادة.

3. أهل الكتاب المنتمون لإحدى الشرائع السماوية النازلة قبل رسالة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-.

و يجوز قتال هؤلاء إذا لم يكن بينهم و بين المسلمين اتفاق على صلح أو تهادن إلى مدّة، و إلّا فالعهد محترم إلى أن ينقضي وقته، أو ظهرت بوادر النقض أو المكر و الخدعة من جانب العدو، فعندئذ يُنبذ إليهم، عملًا بقوله سبحانه: (وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْخٰائِنِينَ). (1)

و التفصيل موكول إلى محلّه:

و أمّا المرتدّ، ملّة و فطرة، فهو و إن كان يشارك الكافر في وجوب القتل و حرمة ذبيحته و نجاسة سؤره، لكن عُصم ماله بإسلامه قبل أن يرتدّ فهو مال محترم لا يجوز أخذه بدون رضاه، أو رضا وارثه، إذا قلنا بتقسيم ماله قبل قتله.

و أمّا الباغي، فالمحكّم فيه سيرة الإمام- (عليه السلام)- في البصرة حيث لم يتعرّض لأموالهم و لم يَسب نساءهم و أولادهم، بل اكتفى بما حواه العسكر في ميدان الحرب، و بالجملة، المرجع عند الشكّ في حلّيّة أخذ مال الشخص المعتصم‌

____________

(1) الأنفال: 58.

27

..........

____________

بالإسلام بنحو من الأنحاء هو قوله سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ). (1) و كقوله- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه». (2)

نعم، ورد في بعض الروايات بجواز أخذ مال الناصب كيفما اتّفق (3) و سيوافيك البحث عنه.

2. أن يكون مأخوذاً بالقهر و الغلبة

احترازاً عن الأخذ غيلة أو سرقة لأنّ الموضوع «كلّ شي‌ء قوتل عليه». (4)

3. أن يكون الأخذ بالقتال

و بإيجاف الخيل و الركاب، كما في الآية المباركة (5) فخرج المأخوذ بالصلح كما هو الحال في «فدك» و غيرها، و سيوافيك أنّ المأخوذ بالصلح من الأنفال.

4. أن يكون القتال بإذن الإمام

و المتبادر منه الإمام المعصوم، و سيوافيك الكلام في هذا الشرط فانتظر.

ثمّ إنّ المراد ممّا حواه العسكر هو ما تسلط عليه فلا فرق بين المقبوض و غير المقبوض، كما لا فرق بين المنقول و غيره كالأراضي و الأشجار.

قال في المستند: و هو صريح الحلّي، و خمس الشرائع، و الفاضل في المنتهى،

____________

(1) النساء: 29.

(2) غوالي اللآلي: 2/ 113، الحديث 309.

(3) الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6 و 7.

(4) الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(5) الحشر: 6، قال سبحانه: (مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ).

28

..........

____________

و المحقّق الأردبيلي، و عن المبسوط، أنّه مقتضى المذهب، و قيل: هو الظاهر من جميع الأصحاب. و في الجواهر: بل هو معقد إجماع المدارك، و كأنّه من المسلّمات عندهم، و إليك بعض كلماتهم:

1. قال الشيخ في النهاية: و ما لم يحوه العسكر من الأرضين و العقارات و غيرها من أنواع الغنائم يخرج منه الخمس و الباقي تكون للمسلمين قاطبة. (1)

2. و قال في الخلاف في كتاب الفي‌ء: ما لا ينقل و لا يحول من الدور و العقارات و الأرضين عندنا أنّ فيه الخمس. (2)

3. و قال في المبسوط: فإن فُتح عنوة كانت الأرض المحياة و غيرها من أموالهم ما حواه العسكر و ما لم يحوه العسكر غنيمة، فيخمس الجميع. (3)

4. و قال في الشرائع: غنائم دار الحرب ممّا حواه العسكر و ما لم يحوه من أرض و غيرها. (4)

5. و قال في المنتهى: الغنائم التي توجد في دار الحرب ما يحويه العسكر و ما لم يحوه أمكن نقله كالثياب و الأموال و الدواب و غير ذلك أو لا يمكن كالأرضين و العقارات. (5)

استدل على قول المشهور بوجوه:

الأوّل: إطلاق الآية لصدق الغنيمة على المنقول و غيره.

____________

(1) النهاية: 198، باب قسمة الغنائم و الأخماس.

(2) الخلاف: 4/ 333، كتاب الفي‌ء، المسألة 18.

(3) المبسوط: 2/ 28، كتاب الجهاد.

(4) الشرائع: 1/ 179، كتاب الخمس.

(5) المنتهى: 1/ 44؛ و يظهر من القاضي في المهذّب خلاف ما هو المشهور حيث قال: الأرض إذا فتحت عنوة كانت لجميع المسلمين و لم يستثن الخمس؛ لاحظ الجزء 1/ 182.

29

..........

____________

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّ الأراضي و ما لا يملكه المقاتلون، غير داخلة في مفاد الآية و لا تشملها الآية بخطابها و مضمونها، و إنّما تشمل ما يملكونه، فيخاطبون بدفع خمس ما ملكوا، و ذلك لأنّ الغنيمة و إن كانت صادقة على الأراضي و غيرها، لكن إضافتها في الآية إلى المقاتلين، أعني قوله تعالى: (أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ) تخصصها بما يقع في اختيارهم و يدخل في ملكهم، و هو ليس إلّا المنقول، لا غيرها، و لا وجه لخطاب من لا يملكه بدفع الخمس منه.

و إن شئت قلت: إنّ فرض الخمس على المقاتلين لأجل اغتنامهم، فيؤمرون بدفع الضريبة المالية، و أمّا ما ملكه غيرهم أعني المسلمين إلى يوم القيامة، فلا وجه لتوجيهه إلى المقاتلين، إذ عندئذ يكون من مصاديق قول القائل: «غيري جنى و أنا المعاقب فيكم» غيري ملك و أنا المخاطب بدفع الضريبة.

و أُجيب عن الاستدلال بالآية تارة بأنّ دليل الأراضي مخصص للآية (1)، و أُخرى بأنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه، فالآية خاصّة لأجل كون الموضوع فيها الخمس، عامّة لشمولها الأراضي و غيرها، و دليل الأراضي خاص لاختصاصه بها، و عام لشموله مقدار الخمس و غيره، فالمرجع هو البراءة من دفع الخمس. (2)

يلاحظ عليهما: أنّهما مبنيان على شمول الآية للأرضين لكي نحتاج في إخراجها عن حكم الآية بدليل خاص، أو لأجل التعارض، و أمّا على ما ذكرنا فالآية منصرفة عن الأراضي و لا تعمّها.

مضافاً إلى ما في بيان النسبة بين الدليلين، فالنسبة تلاحظ بين الموضوعين، و ليس الخمس في الآية موضوعاً، و إنّما هو حكم فلاحظ.

الثاني: خبر أبي بصير، عن الباقر- (عليه السلام)-: «كلّ شي‌ء قوتل عليه على شهادة أن‌

____________

(1) السيد الحكيم: المستمسك: 9/ 444.

(2) جامع المدارك: 2/ 103.

30

..........

____________

لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّداً رسول اللّه فانّ لنا خمسه، و لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا». (1)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من «كلّ شي‌ء قوتل عليه»: هو المنقول بشهادة قوله- (عليه السلام)-: «و لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس» و الأراضي المفتوحة عنوة غير قابلة للشراء، لا بمقدار الخمس و لا غيرها.

و بعبارة أُخرى: مورد الرواية ما إذا أمكن شراء العين، ففي مثله يقول: لا حقّ لأحد أن يشتري من الخمس، و الأراضي لا يصحّ شراؤها مطلقاً، فلا ينطبق عليه قوله- (عليه السلام)-: «و لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس»، و هذا قرينة على أنّ المراد من كلّ شي‌ء «قوتل عليه» هو المنقول.

الثالث: مرسلة أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا بعض أصحابنا و رفع الحديث، قال: الخمس من خمسة أشياء: من الكنوز، و المعادن، و الغوص، و المغنم الذي يقاتل عليه، و لم يحفظ الخامس. (2)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد ذكر رءوس ما يتعلّق به الخمس على وجه الإجمال، و يدلّ عليه قوله من خمسة أشياء، و أنّ الراوي نسي الخامس، و ليس في مقام سائر الخصوصيات حتّى يتمسك بالإطلاق.

الرابع: صحيحة عمر بن زيد الثقة، عن أبي سيّار مسمع بن عبد الملك الثقة في حديث قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: إنّي كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، و كرهت أن أحبسها عنك، و أعرض لها و هي حقّك الذي جعل اللّه تعالى لك في أموالنا، فقال: «و ما لنا من الأرض، و ما أخرج منها إلّا الخمس؟! يا أبا سيّار الأرض كلّها لنا، فما أخرج اللّه‌

____________

(1) الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(2) الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 11.

31

..........

____________

منها من شي‌ء فهو لنا»، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كلّه، فقال لي: «يا أبا سيّار قد طيّبناه لك و حلّلناك منه فضمّ إليك مالك». (1)

أقول: الظاهر أنّ ما في الوسائل: «و ما لنا من الأرض» مصحف «أو ما لنا من الأرض» كما في الكافي و على ذلك تخرج الرواية عن صلاحية الاستدلال، لأنّ أبا سيّار لما دفع إليه الخمس زعم أنّ الخمس مالهم.

فأعاد الإمام كلامه بصورة الإنكار قائلًا: «أو مالنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلّا الخمس؟!» أي تتصور أنّ ما يرجع إلينا هو خصوص الخمس، بل: «يا أبا سيّار الأرض كلّها لنا فما أخرج اللّه منها من شي‌ء فهو لنا» فالرواية بصدد بيان أنّ الأرض كلّها للإمام لا الخمس منها، و هذه ملكية تشريفية لا تنافي ملكية الناس على أموالهم.

الاستدلال على خروج الأراضي من موارد الخمس

هذا ما يمكن الاستدلال به للقول المشهور، مضافاً إلى الإجماع المدّعى في كلام المدارك، و حاله معلوم، و قد عرفت عدم تمامية دلالته.

بقي الكلام فيما يمكن به الاستدلال على القول الآخر، أي خروج الأرض عن تعلّق الخمس بها، فقد استدل له بوجوه غير تامّة نشير إليها:

1. صحيحة الربعي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- إذا أتاه المغنم، أخذ صفوه و كان ذلك له، ثمّ يقسّم ما بقي خمسة أخماس و يأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه». (2)

____________

(1) الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12. و في الكافي مكان «و ما لنا»: «أو مالنا». لاحظ الكافي: 1/ 480، كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض كلّها للإمام.

(2) الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.

32

..........

____________

وجه الدلالة ظهورها في أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- يأخذ الخمس ممّا يقسم بين الناس، و الأرض ليست ممّا تقسم.

و بعبارة أُخرى: ما دلّ من الأخبار على قسمة الغنائم أخماساً، و يشعر بأنّ مورد الخمس متصوّر على ما فيه هذه الأقسام و الأراضي لا تقسم على الغانمين بل هي ملك لجميع المسلمين إلى يوم القيامة.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في الرواية مضيّق لا ينطبق إلّا على المنقول و هو «إذا أتاه المغنم» فلا يكون دليلًا على عدم تعلّقه بغيره.

2. مرسلة حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: «يؤخذ الخمس من الغنائم، فيجعل لمن جعله اللّه له و يقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه و ولى ذلك- إلى أن قال:- و الأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمّرها و يحييها». (1)

وجه الدلالة: أنّه بعد ما بيّن أوّلًا حكم الغنائم و لزوم أخذ الخمس منها توجّه إلى بيان الأرضين و جعلها مقابلة للغنائم، فإنّ المتبادر أنّه استثناء من تعلّق الخمس عليها و أنّها خارجة عنه.

و احتمال أنّ قوله: «و الأرضون بمنزلة الاستثناء عن الحكم بتقسيم أربعة أخماس لا بمنزلة الاستثناء عن أصل تعلّق الخمس بالغنائم، و يكون قوله في الذيل: «ليس لنفسه من ذلك قليل و لا كثير» بمعنى أنّه ليس من ذلك الخراج الذي يكون لأربعة (كذا) أخماس الباقي للإمام شي‌ء (2) بعيد إلى الغاية، و ذلك لأنّه لو كان المراد منه ما ذكره فقد تقدّم التصريح به قبل هذه الفقرة و قال: «و ليس لمن قاتل شي‌ء من الأرضين و لا ما غلبوا عليه إلّا ما احتوى عليه العسكر» و مع هذا التصريح لا حاجة إلى الاستثناء الجديد.

بل الظاهر أنّه استثناء من أصل تعلّق الخمس عليه لا للمقاتلين، كما صرّح‌

____________

(1) الوسائل: 11، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

(2) كتاب الخمس للحائري (قدَّس سرَّه): 25.

33

..........

____________

به قبله، و لا لنفس الإمام كما قال: «و ليس لنفسه من ذلك قليل و لا كثير» و أبعد منه تفسيره للذيل لأنّه إيضاح للواضح.

قال المحدّث البحراني: إنّ الأخبار الواردة في الأراضي و نحوها بالنسبة إلى المفتوح عنوة إنّما دلّت على أنّها في‌ء للمسلمين من وجد و من سيوجد إلى يوم القيامة، و أنّ أمرها إلى الإمام- (عليه السلام)- يقبلها أو يعمّرها و يصرف حاصلها في مصالح المسلمين- إلى أن قال:- و يؤيد ما قلناه الأخبار الواردة في حكم الأرض المفتوحة عنوة و منها خيبر، و عدم التعرض فيها لذكر الخمس بالكلية مع ذكر الزكاة فيها و لو كان ثابتاً فيها لكانت أولى بالذكر لتعلّقه برقبة الأرض. (1)

3. ملاحظة الأخبار الخراجية فلا تجد فيها أثراً للخمس، و لو كان من ارتفاع الأرض، بل الوارد فيها أمران: قبالة الأرض، و إجارتها للسلطان، و العشر و نصف العشر من باب الزكاة، فلاحظ كتاب الجهاد، الباب 72، من أبواب جهاد العدو الذي عنوانه «باب أحكام الأرضين»، و قد ورد في رواية صفوان و أحمد بن محمد بن أبي نصر: و على المتقبلين سوى قبالة الأرض، العشر و نصف العشر في حصصهم. (2)

و في صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر: «و ما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام- (عليه السلام)- يقبله بالذي يرى كما صنع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- بخيبر قبل أرضها و نخلها». 3

و من هذا الباب ما ورد في أرض السواد، من أنّها للمسلمين جميعاً. 4

4. إنّ الأراضي المفتوحة عنوة، ضريبة إسلامية تحت سلطة الإمام، يصرف‌

____________

(1) الحدائق: 12/ 325.

(2) 2 و 3 الوسائل: 11، الباب 72 من أبواب أحكام الأرضين، الحديث 1 و 2.

(3) 4 الوسائل: ج 12، الباب 21 من أبواب عقد البيع، الحديث 4 و 5؛ و ج 17 الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1. مضافاً إلى أنّ الظاهر أنّ الإمام- (عليه السلام)- يقبله نيابة عن المسلمين لا نيابة و أصالة بالنسبة إلى الخمس كما لا يخفى.

34

..........

____________

عوائدها في مصالح المسلمين، و الخمس يتعلّق بما في يد غير الإمام، و أمّا ما هو في يده و اختياره كالأراضي فتعلّق الخمس به بعيد جدّاً، و هذا نظير الموقوفات العامّة التي تصرف عوائدها في مصالح المسلمين، فلا تتعلّق به الضريبة من الخمس و الزكاة.

فلم يبق في المقام ما يدلّ على تعلّق الخمس بالأراضي، إلّا أحاديث تحليل الخمس للشيعة لتطيب مواليدهم، فيحتمل أن يكون المقصود مثل هذه الأراضي ففيها إشعار تعلّق الخمس بالأراضي المفتوحة عنوة، لكنّها ليست صريحة في الأراضي، فلاحظ دراسة هذه الروايات بدقّة.

إكمال

قد عرفت أنّ ما دلّ على حكم الأرضين من أنّها للمسلمين بالنسبة إلى الآية على فرض دلالتها بإطلاقها على تعلّق الخمس بالأراضي هو الخصوص المطلق أو من وجه، و لكن صريح المحقّق الهمداني أنّ كون الآية أخص حيث قال: و أمّا ما دلّ على أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين فهي غير آبية عن التقييد بالآية الشريفة و غيرها (1)، و ضعفه واضح.

ثمرة البحث

تظهر الثمرة فيما إذا باع رجل شيئاً من الأراضي المأخوذة عنوة، فعلى القول الأوّل يكون الكل للمسلمين و لا يتعلّق به الخمس، و يكون البيع باطلًا، و لا تجري أصالة الصحة لعدم وجه للصحة أبداً، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بتعلّق الخمس بها فمن المحتمل أن يكون البيع من سهم الإمام- (عليه السلام)- وصل إلى البائع عن توارث.

نعم على القول بأنّه يجوز للإمام عند الضرورة، بيع الأراضي المفتوحة عنوة، تنتفي الثمرة.

____________

(1) مصباح الفقيه: 11، كتاب الخمس.

35

بعد إخراج المؤن الّتي أنفقت على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ و حمل و رعي و نحوها منها، و بعد إخراج ما جعله الإمام- (عليه السلام)- من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، و بعد استثناء صفايا الغنيمة كالجارية الورقة، و المركب الفارة. و السيف القاطع و الدرع فإنّها للإمام- (عليه السلام)-، و كذا قطائع الملوك فإنّها أيضاً له- (عليه السلام)-. (1)

____________

(1) إنّما يتعلّق الخمس بعد استثناء أُمور:

1. المؤن.

2. الجعائل.

3. صفايا الغنائم‌

4. صوافي الملوك‌

5. قطائعهم‌

6. الرضائخ للنساء و العبيد و غيرهم ممّن لا حقّ لهم في الغنيمة.

7. النفل، و هو العطاء للغانمين.

و لم يذكر المصنّف شيئاً من الأخيرين و لأجله تركنا ذكرهما.

و إليك توضيحها:

(1) 1. إخراج المؤن

المراد تقسيط المؤنة على مستحق الخمس و المقاتلين حسب النسبة، لأنّ تحميلها على واحد منهما على خلاف قاعدة العدل و الانصاف، و هي محكّمة في كلّ مال مشترك بين شخصين أو أشخاص، إذا توقف حفظها أو نقلها على مئونة، فتقسّط المؤنة على الجميع.

36

..........

____________

ثمّ المؤن المبذولة على الغنيمة على قسمين، قسم تنفق لأجل تحصيلها، و قسم تنفق لأجل حفظها بعد تحصيلها، و خصّ المصنف الخارج بالقسم الثاني، دون الأوّل، و على ذلك فالمؤن التي تنفق في طريق التسلّط على الغنائم و تحصيلها لا تخرج من الغنيمة، بخلاف ما تنفق لأجل التحفظ عليها أو نقلها من مكان غير مأمون إلى مكان مأمون أو سقي الدواب و رعيها إذا كانت من الغنائم.

و هذا بخلاف الموارد الأُخر، ففي المعدن إنّما يتعلّق الخمس إذا كان ما أخرجه عشرين ديناراً بعد استثناء مئونة الإخراج و التصفية و نحوهما، و مثله المال في الكنز و الغوص، إنّما يعتبر النصاب بعد إخراج مئونة الإخراج.

و لكن الظاهر عدم الفرق بين ما ينفق قبل تحصيلها، و ما ينفق بعده، فإنّ المؤن المبذولة على الغنائم بالمعنى الأخص قبل تحصيلها، نوعان، نوع لا يعدّ مئونة للغنائم كالنفقات التي يتوقف عليها أصل الجهاد و الهجوم على العدو، و هذا ما لا يحتسب من مئونة الغنائم الحربية. و نوع يعدّ من مئونة نفس الغنائم، كما إذا استلزم التسلّط على الغنائم بعد هزيمة العدو و استلامه، بذل مئونة لجمعها من جبهات الحرب و الصحاري ثمّ حملها إلى مركز الغنائم حتى يتسلط عليها الحاكم الإسلامي و الموكّلون من جانبه عليها.

و مثل ذلك لا يعدّ من المؤن اللاحقة بل من المؤن السابقة على تحصيلها، بمعنى التسلط الكامل عليها، و على ذلك فلا فرق بين الغنيمة بالمعنى الأخصّ و الغنيمة بالمعنى الأعم، فإنّ المؤن السابقة يخرج منها بشرط أن تكون المؤنة مبذولة في طريق التسلط على الغنائم لا مئونة على أمر آخر كحمل المقاتلين إلى جبهات القتال ممّا لا يعدّ مئونة للغنائم.

إنّما الكلام فيما هو الدليل على استثناء المؤن، فيمكن الاستدلال عليه:

أوّلًا: بعدم صدق الاغتنام إذا تساوت المؤنة مع الغنيمة أو علت عليها، فلا‌

37

..........

____________

ينطبق عليه قوله: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ). (1)

و ثانياً: ما تضافر عنهم- (عليهم السلام)- من أنّ الخمس بعد المؤنة (2) و هي و إن كانت منصرفة إلى الخمس في الأرباح و الفوائد دون الغنائم مع وجود الضعف في سند بعضها (3)، لكن يمكن الاستيناس بها على حكم المورد، لو لم يمكن إلغاء الخصوصية.

نعم لا تشمل الروايات لما ينفق بعد التسلّط الكامل إذا كان بقاء الغنيمة متوقفاً عليها، ففي مثله يرجع إلى قاعدة العدل و الإنصاف فيشترك في تأديتها أصحاب السهام حسب نسبتها.

ثمّ إنّه لو قلنا بتعلّق الخمس على المال بنحو الإشاعة، أو بنحو الكلي في المعيّن فالقول ببسط المؤن على الخمس و سهم المقاتلين واضح، لأنّ المؤنة مئونة للعين و هي متعلّقة للطرفين بنحو من الأنحاء.

و أمّا لو قلنا بأنّ تعلّقه على العين بنحو تعلّق الحقّ على العين كتعلّق حقّ الراهن على العين المرهونة أو ما يضاهيه- كما سيوافيك تفصيله في محلّه- فربّما يستشكل بأنّ المؤن على العين لا على الحق، و لكنّه ضعيف لأنّ العين لمّا كانت متعلّق الحقّ فحفظها حفظ الحقّ و مئونتها مئونته، فلو هلكت العين لهلك الحقّ أيضاً، و لعلّ هذا الجواب يتمشّى مع تمام الاحتمالات إذا قلنا بأنّ تعلّقه بالعين أشبه بتعلّق الحقّ على العين، و سيوافيك تفصيله.

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) الوسائل: الجزء 6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، و الباب 8 من تلك الأبواب الحديث 1- 4.

(3) الرواية الثالثة في الباب 12 من أبواب قسمة الخمس، لا الثانية. أعني: ما رواه إبراهيم بن محمد الهمداني، فانّه كان وكيل الرضا- (عليه السلام)-. رجال الكشي: 467، فما عن بعضهم من عدم وضوح السند كأنّه ليس في محلّه.

38

..........

____________

2. الجعائل

و أمّا الثاني: أعني إخراج ما جعله الإمام- (عليه السلام)- من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، فهو ما يعبّر عنه بالجعائل، قال الشيخ في المبسوط: يجوز للإمام- (عليه السلام)- و خليفته إذا دخل دار الحرب أن يجعل الجعائل على ما فيه مصلحة المسلمين، فيقول: من دلّنا على قلعة كذا فله كذا، و كذلك على طريق غامض فله كذا، و ما أشبه ذلك، ثمّ لا يخلو إمّا أن يجعله من ماله أو مال أهل الحرب، فإن جعله من ماله لم يصح حتى يكون معلوماً موصوفاً في الذمّة أو مشاهداً معيناً، لأنّه عقد في ملكه فلا يصحّ أن يكون مجهولًا، و إن كان من مال المشركين جاز مجهولًا و معلوماً، فيقول: من دلّنا على القلعة الفلانية فله جارية منها أو جارية فلان. (1)

وجهه، أنّ النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بنصّ الكتاب، فهو عندئذ أولى بالتصرّف في أموالهم الشخصية حسب المصالح، فكيف الغنائم، أضف إلى ذلك أنّ الجعل إذا كان قبل التسلّط على الغنائم يمتنع دخوله تحت عنوان الغنائم و لا تعمه أدلّته من رأس، و أمّا إذا كان بعد التسلّط و بعد كون المجعول مصداقاً للغنائم و متعلّقاً لحكمها فالإمام- (عليه السلام)- بما له الولاية على أموال مستحق الخمس و المقاتلين، يصحّ له أن يهدي من أموالهم إلى من شاء، إذا كان فيه مصلحة، و ليس على الآخذ شي‌ء، إلّا إذا قلنا بوجوب الخمس في الهدية، و عندئذ يخرج عن الغنيمة بالمعنى الأخص و يدخل تحت الغنيمة بالمعنى الأعم، و يجب إخراج الخمس إذا حال الحول.

و تدل على ذلك صحيحة زرارة قال: الإمام- (عليه السلام)- يجري و ينفل و يعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام، و قد قاتل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- بقوم لم يجعل لهم في الفي‌ء‌

____________

(1) المبسوط: 2/ 27.

39

..........

____________

نصيباً، و إن شاء قسّم ذلك بينهم. (1)

و مثله ما في مرسلة حمّاد 2: «له أن يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه» 3 من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم و غير ذلك ممّا ينوبه، فإن بقي بعد ذلك شي‌ء أخرج الخمس منه فقسّمه في أهله و قسم الباقي على من ولي ذلك، و إن لم يبق بعد سدِّ النوائب شي‌ء فلا شي‌ء لهم.

و لا يجب على المجعول له شي‌ء من باب الغنيمة، فإنّه غنيمة الحرب بالنسبة إلى المقاتلين، لا بالنسبة إلى المجعول له، بل هو من الجوائز و المِنح، نعم يتعلّق به الخمس من باب الأرباح و الفوائد و يخمس بعد المؤنة.

3. صفايا الغنائم

قال الشيخ في النهاية في باب الأنفال: و له أيضاً من الغنائم قبل أن تقسم، الجارية الحسناء، و الفرس الفارة، و الثوب المرتفع، و ما أشبه ذلك ممّا لا نظير له من رقيق أو متاع. 4

و قال الشيخ في كتاب الفي‌ء و قسمة الغنائم من كتاب الخلاف: المسألة السادسة: ما كان للنبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- من الصفايا قبل القسمة، فهو لمن قام مقامه، و قال جميع الفقهاء: إنّ ذلك يبطل بموته. 5

و قال في المبسوط: و كان للنبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- الصفايا، و هو ما اختاره من الغنيمة قبل القسمة من عبد أو ثوب أو دابة فيأخذ من ذلك ما يختاره و لم يقسم عليه بلا خلاف، و هو عندنا لمن قام مقامه من الأئمّة- (عليهم السلام)-. 6

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 2 و 4.

(2) 3 أي يصيبه: و النائبة هي المصيبة.

(3) 4 النهاية: 199.

(4) 5 الخلاف: 2/ 184، كتاب الفي‌ء، المسألة 6.

(5) 6 المبسوط: 2/ 65، كتاب قسمة الفي‌ء.

40

..........

____________

و الظاهر من العبارة كون المسألة إجماعية بين المسلمين.

و قال العلّامة في المنتهى: و من الأنفال ما يصطفيه من الغنيمة في الحرب مثل: الفرس الجواد، و الثوب المرتفع، و الجارية الحسناء، و السيف القاطع، و ما أشبه ذلك، ما لم يجحف بالغانمين؛ و ذهب إليه علماؤنا أجمع. روى الجمهور: أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- كان يصطفي من الغنائم الجارية و الفرس. (1)

و تدل على ذلك، صحيحة ربعي بن عبد اللّه بن الجارود، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: «كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- إذا أتاه المغنم أخذ صفوة و كان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس و يأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه- إلى أن قال:- و كذلك الإمام أخذ كما أخذ الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-». (2) و مرسلة حمّاد: و للإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال، صفوها الجارية الفارهة و الدابة الفارهة و الثوب و المتاع ممّا يحبّ أو يشتهي فذلك له قبل القسمة و قبل إخراج الخمس. (3)

ثمّ إنّ اختصاص صفايا الأموال للإمام- (عليه السلام)- تقطع النزاع بين المقاتلين، لزيادة الاشتياق من الناس إلى الصفايا.

و هل المراد من الصفو كلّ ما ينتخبه الإمام و يصفيه كما هو الظاهر ممّا رواه في الوسائل عن المقنعة: عن الصادق- (عليه السلام)- قال: «و لنا صفو المال» يعني يصفوها ما أحبّ الإمام من الغنائم و اصطفاه لنفسه قبل القسمة. 4 أو المراد ما يكون صفواً و نقياً في نفسه و قد جاء في خبر أبي بصير: «الجارية الروقة و المركب الفارة و السيف القاطع و الدرع- ثمّ قال:- فهذا صفو المال»؟ 5 الظاهر هو الثاني، و ما رواه في المقنعة محمول على الغالب، لأنّه لا يحب إلّا صفو المال.

____________

(1) منتهى المطلب: 1/ 553.

(2) الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.

(3) 3 و 4 الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4، 21.

(4) 5 الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 15.

41

..........

____________

4. صفايا الملوك

صفايا الملوك، بل كلّ شي‌ء يعدّ من مختصاتهم، قال الشيخ في النهاية في باب الأنفال: الأنفال كانت لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- خاصة في حياته و هي لمن قام مقامه بعده في أُمور المسلمين، و هي: كلّ أرض خربة- إلى أن قال:- و صوافي الملوك و قطائعهم ممّا كان في أيديهم من غير وجه الغصب.

و قال العلّامة في المنتهى: و من الأنفال صفايا الملوك و قطائعهم ممّا كان في أيديهم من غير جهة الغصب، ممّا كان يختصّ بملكهم فهو للإمام- (عليه السلام)- إذا لم يكن غصباً من مسلم أو معاهد.

و تدل على ذلك مرسلة حمّاد: و له صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود. (1)

و الظاهر من مرسلة حمّاد أنّ للإمام صوافي الملوك، مع أنّ الظاهر من موثق سماعة كلّ شي‌ء يكون للملوك فهو خالص للإمام. (2)

5. القطائع

المراد الأراضي التي أقطعها لنفسه فهي أيضاً للإمام، و يدل عليه ما رواه داود بن فرقد قال، قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: قطائع الملوك كلّها للإمام و ليس للناس فيها شي‌ء. (3)

و كان على الماتن أن يذكر الرضائخ، و هو العطاء اليسير للنساء و العبيد، فيخرج من المال قبل التقسيم و لا يؤخذ خمسه، ففي مرسلة حمّاد: «و له أن يسدّ بذلك جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم و غير ذلك ممّا ينوبه».

____________

(1) الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4 و لاحظ 8 و 31 من هذا الباب.

(2) الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 8 و لاحظ الحديث 31.

(3) الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 6 و 30 و 32.

42

و أمّا إذا كان الغزو بغير إذن الإمام- (عليه السلام)-، فإن كان في زمان الحضور و إمكان الاستئذان منه فالغنيمة للإمام- (عليه السلام)-، و إن كان في زمن الغيبة فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة، خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول و غيره يجب فيه الخمس على الأحوط، و إن كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الإسلام. (1)

____________

(1) في المسألة قولان:

الأوّل: شرطية الإذن، فلولاه لصار المجموع للإمام، اختاره الشيخ في النهاية و الخلاف، و القاضي ابن البرّاج في المهذّب، و ابن إدريس في السرائر، و الكيدري في إصباح الشيعة، و المحقّق في الشرائع، و ابن سعيد في الجامع للشرائع، و العلّامة في التذكرة و الإرشاد، و الشهيد الثاني في المسالك.

الثاني: عدم شرطية الإذن، و هو الظاهر من المحقّق في النافع، و العلّامة في المنتهى، و الأردبيلي في مجمع الفائدة، و السيد السند في المدارك، و هذان القولان على طرفي النقيض.

و هناك تفاصيل أُخرى نأتي بها عند الفراغ من استعراض القولين و دليلهما، و إليك نصوص الأصحاب في المقام، و لنقدم كلام القائلين بالشرطية:

1. قال الشيخ في النهاية: و إذا قاتل قوم أهل حرب من غير أمر الإمام فغنموا كانت غنيمتهم للإمام- (عليه السلام)- خاصة دون غيره. (1)

2. و قال في كتاب الفي‌ء من كتاب الخلاف في المسألة السادسة عشرة: إذا‌

____________

(1) النهاية: 200، باب الأنفال.

43

..........

____________

دخل قوم دار الحرب و قاتلوا بغير إذن الإمام فغنموا كان ذلك للإمام خاصة، و خالف جميع الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم. (1)

3. و قال في كتاب السير (الجهاد) في المسألة الثالثة: إذا غزت طائفة بغير إذن الإمام- (عليه السلام)-، فالإمام مخيّر إن شاء أخذه منهم، و إن شاء تركه عليهم، و به قال الأوزاعي و الحسن البصري، و قال الشافعي يخمس عليهم، و قال أبو حنيفة: لا يخمس (أي ملك للمقاتلين). دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم. (2)

4. و قال القاضي في المهذّب في باب ذكر الأنفال: و كلّ غنيمة غنمها قوم قاتلوا أهل الحرب بغير إذن الإمام أو ممّن نصبه- إلى أن قال:- و جميع الأنفال كانت لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- في حياته و هي للإمام القائم مقامه. (3)

5. و قال ابن إدريس: إذا قاتل قوم أهل حرب بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة خاصة للإمام دون غيره. (4)

6. و قال الكيدري: و ما غُنم من أهل الحرب بغير إذن الإمام كان كلّ هذا للإمام القائم مقام الرسول. (5)

7. و قال المحقّق في باب الأنفال: و ما يغنمه المقاتلون بغير إذنه فهو له. (6)

8. و قال ابن سعيد الحلي في بيان الأنفال: و كلّ غنيمة قوتل عليها أهلها: الحربيون من غير إذن الإمام. (7)

____________

(1) الخلاف: 4/ 190، كتاب الفي‌ء، المسألة 16.

(2) الخلاف: 5/ 518، كتاب السير، المسألة 3.

(3) المهذّب: 1/ 186.

(4) السرائر: 1/ 497، باب ذكر الأنفال.

(5) إصباح الشيعة: 128.

(6) الشرائع: 1/ 183.

(7) الجامع للشرائع: 150.

44

..........

____________

9. و قال العلّامة في التذكرة: و ما تأخذه سرية بغير إذن الإمام فهو للإمام خاصة عندنا. (1)

10. و قال الشهيد الثاني في المسالك عند شرح قول المحقّق «فهو للإمام»: هذا هو المشهور بين الأصحاب، و به رواية مرسلة منجبرة بعمل الأصحاب. (2)

هذه النصوص هي لمشاهير القائلين بالقول الأوّل، و إليك نصوص القائلين بعدم الشرطية:

1. قال المحقّق في المختصر النافع: و قيل إذا غزا قوم بغير إذنه فغنيمتهم له (الإمام) و الرواية مقطوعة. (3)

2. و قال العلّامة: و إذا قاتل قوم من غير إذن الإمام ففتحوا كانت الغنيمة للإمام- (عليه السلام)-. ذهب إليه الشيخان و السيد المرتضى (رحمه اللّه) و أتباعهم.

و قال الشافعي: حكمُها حكم الغنيمة مع إذن الإمام لكنّه مكروه.

و قال أبو حنيفة: و هي لهم و لا خمس.

و لأحمد ثلاثة أقوال، كقول الشافعي، و أبي حنيفة، و ثالثها: لا شي‌ء لهم فيه (أي للإمام).

احتجّ الأصحاب بما رواه عباس الوراق، عن رجل سمّاه، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام، و إذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس».

____________

(1) التذكرة: 1/ 426، كتاب الجهاد.

(2) المسالك: 1/ 474.

(3) المختصر النافع: 126.

45

..........

____________

احتجّ الشافعي بعموم قوله تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ) الآية، و هو يتناول المأذون فيه و غيره.

و احتجّ أبو حنيفة بأنّه اكتساب مباح من غير جهاد، فكان كالاحتطاب و الاحتشاش.

و احتجّ أحمد على ثالث أقواله بأنّهم عصاة بالفعل فلا يكون ذريعة الفائدة التملّك الشرعي، إلى أن قال: و إن كان قول الشافعي فيه قوياً. (1)

3. و قال المحقّق الأردبيلي، بعد نقل رواية الورّاق و نقد سندها: و الجبر بالعمل غير مسموع لعدم الدليل، و ما يدل على ملكية المال المأخوذ ممّن لا حرمة لماله من الإجماع و غيره يدل على عدمه. (2)

4. و قال السيّد السند في المدارك بعد تضعيف رواية الورّاق: و قوى العلّامة في المنتهى مساواة ما يغنم بغير إذن الإمام لما يغنم بإذنه. و هو جيد لإطلاق الآية الشريفة، و خصوص حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة فقال: «يؤدّي خمسنا و يطيب له». (3)

هذه هي نصوص فقهائنا، و قد وقفت على أقوال العامة في عبارة المنتهى، و ذكرها أيضاً ابن قدامة في كتابه. (4)

و اللازم دراسة القولين (الشرطية و عدمها) ثمّ دراسة التفاصيل.

____________

(1) المنتهى: 1/ 553- 554، كتاب الخمس و قد نقلناه بطوله لما فيه من الوقوف على أقوال أهل السنّة و دلائلهم.

(2) مجمع الفائدة و البرهان: 4/ 343.

(3) مدارك الأحكام: 5/ 417- 418.

(4) لاحظ المغني: 1/ 294.

46

..........

____________

أدلّة القائلين بالاشتراط

استدل القائلون بالاشتراط بحديثين:

أحدهما ضعيف سنداً تام دلالة، و الآخر على العكس، و إليك بيانهما:

1. مرسلة عباس الوراق، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: قال: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام- (عليه السلام)-، و إذا غزوا بأمر الإمام- (عليه السلام)- فغنموا كان للإمام الخمس». (1)

لا غبار في الدلالة، و إنّما الإشكال في السند، إذ فيه: الحسن بن أحمد بن يسار (بشّار) و هو مجهول لم يعنونه أصحاب الرجال؛ كالمامقاني في تنقيحه، و التستري في قاموسه، نعم ذكره السيّد الخوئي في معجمه و لم يذكر في حقّه شيئاً يذكر.

و هو يروي عن «يعقوب» المشترك بين تسعة عشر رجلًا و إن كان بعضهم خارجاً عن دائرة الاحتمال، و هو يروي عن العباس الورّاق، و هو عباس بن موسى الثقة، عن رجل سمّاه عن أبي عبد اللّه، فهي رواية مقطوعة.

2. صحيحة معاوية بن وهب: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم كيف يقسّم؟ قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم، أُخرج منها الخمس للّه و للرسول و قسِّم بينهم ثلاثة أخماس، و إن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام- (عليه السلام)- يجعله حيث أحبّ». (2)

____________

(1) الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 16.

(2) الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 3 و رواه في كتاب الجهاد.

47

..........

____________

و لكن ظهوره البدائي يعرب عن أنّ الإمام بصدد التفصيل بين أمير أمّره الإمام، و أمير لم يأمره الإمام، لكن الذيل يدلّ على أنّه كان بصدد التفصيل بين الأخذ عن قتال و الأخذ بغير قتال مع كون الأمير في كلتا الصورتين مبعوثاً عن طرف الإمام، فما أخذوا بالقتال يخمس، و ما أخذوا بالغيلة و السرقة فهو للإمام، و أين هو من التفصيل بين الأخذ بالإذن و عدمه؟

مضافاً إلى أنّ السائل فرض كون السرية مبعوثة من جانب الإمام، حيث قال: السرية يبعثها الإمام، و عندئذ يكون كلا الشقين الواردين في كلام الإمام- (عليه السلام)- واردين على ذاك المفروض لا غير.

أمّا الشقّ الأوّل، أعني قوله: إن قاتلوا مع أمير أمّره الإمام عليهم فهو ظاهر؛ و أمّا الشق الثاني، أعني قوله: و إن لم يكونوا ...، فهو بمعنى إن لم تكن السرية بعثها الإمام قاتلوا عليها المشركين و إنّما أخذوه من غير طريق القتال فهو للإمام. فالبعث من جانب الإمام مفروض في كلا الشقين في جانب الموضوع، و إنّما التفصيل بين القتال و عدمه لا بين البعث و عدمه.

دليل القول بعدم اشتراط الإذن

و استدل بعدم شرطية الإذن بوجوه:

1. إطلاق الآية من دون تقييد بالإذن و لا يرفع عنه إلّا بدليل قاطع، و يكفيك في تمامية إطلاق الكتاب أنّ المحقق لم يجوّز تقييد الكتاب و عمومه بالخبر الواحد، و قد عرفت ضعف مرسلة الوراق، و لم يثبت استناد الأصحاب إليها في مقام الإفتاء و إن أفتوا بمضمونه، و هذا هو المهمّ.

48

..........

____________

و أمّا صحيحة معاوية بن وهب، فقد عرفت أنّه ظاهر في التفصيل بين القتال و غيره كالخدعة و السرقة و الصلح مع كون البعث من جانب الإمام في كلا الشقين، و أمّا القتال بغير إذنه فليس مورداً للسؤال و الجواب.

2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم و يكون معهم فيصيب غنيمة قال: «يؤدّي خمساً و يطيب له» (1) مع كون القتال لم يكن عن إذنهم- (عليهم السلام)-.

و أجاب صاحب الجواهر عن الاستدلال بوجهين:

الأوّل: حمله على الإذن منه- (عليه السلام)- له في تلك الغزوة، إذ الغالب عدم صدور أصحابهم إلّا بإذنهم خصوصاً في مثل ذهاب الأنفس.

الثاني: حمله بسبب ما تقدّم على التحليل منه- (عليه السلام)- لذلك الشخص. (2)

و يردّ الأوّل: أنّ محور البحث هو كون البعث و القتال عن إذنه لا كون فرد مأذوناً منه و الإذن لفرد واحد غير كاف في تحقّق الشرط، كيف و قد قال في صحيحة معاوية بن وهب: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام- (عليه السلام)-».

و يردّ الثاني: أنّ الظاهر كون المال ملكاً لرجل لأجل الاغتنام لا لأجل التحليل، و إلّا كان المناسب أن يقول أحللت له الباقي.

و الأولى في الاستدلال على القول الثاني أن يقال بعدم التعارض بين المرسلة و الصحيحة، و ذلك بوجهين:

____________

(1) الوسائل ج 6، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 2، الحديث 8. رواه الشيخ عن سعد، و المراد به سعد بن عبد اللّه بشهادة روايته عن علي بن إسماعيل بن عيسى الثقة، و الرواية صحيحة رجالها كلّهم ثقات، و سند الشيخ إلى سعد بن عبد اللّه صحيح في المشيخة و الفهرست.

(2) الجواهر: 16/ 127.

49

..........

____________

1. إنّ المتبادر من الإمام في المرسلة هو الإمام المعصوم، و لكن الصحيحة حاكمة عليها و مفسرة لها و تكشف عن أنّ المقصود هو مطلق الحاكم الإسلامي، و لذلك قال- (عليه السلام)-: «يؤدّي خمساً و يطيب له» و على ذلك فالحروب التي خاضها الأمويون و العباسيون في طريق نشر الدعوة الإسلامية، كانت من مصاديق المرسلة.

و يؤيد ذلك أنّ الإمام في المرسلة بصدد إعطاء الضابطة لما يجري في عصره أو جرى قبل عصره، و لو كان المراد منه الإمام المعصوم لاختص الحكم بعصر الرسول و الوصي، و صارت الأعصار اللاحقة، مصداقاً للشق الأوّل.

و منه يظهر حال صحيحة معاوية بن وهب على القول بدلالتها حيث قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام ...» فلو أُريد منها المعصوم يلزم إرجاع كلام الإمام إلى ما لا يكون له موضوع في زمانه إلى يومنا هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد منه فيها هو الأعمّ من المعصوم و العادل و الفاسق، يكون الحكم الصادر ناظراً إلى الحروب الموجودة و أنّها على قسمين.

2. إنّ الموضوع هو الإمام المعصوم أو من نصّبه تنصيباً خاصاً أو عاماً، و لكنّهم- (عليهم السلام)- أمضوا ما كان يجري في أعصارهم من الحروب و الغزوات و بعث السرايا للدعوة إلى الإسلام و قد صدروا في إمضائهم عن علمهم بمصالح الدين و العباد حيث إنّهم- (عليهم السلام)- «عقلوا الدين عقل وعاية و رعاية لا عقل سماع و رواية، فإنّ رواة العلم كثير و رعاته قليل». (1)

و على ضوء ذلك، يرتفع النزاع، فتكون النتيجة أنّ الغزو إذا كان بأمر حاكم إسلامي، فهو من الغنائم، و إلّا فيكون الكلّ للإمام، و كلّ ذلك لدفع الهرج‌

____________

(1) نهج البلاغة، الخطبة 234، و الكلمة في حقّ أئمّة أهل البيت- (عليهم السلام)-.

50

..........

____________

و الفوضى.

و الفرق بين الوجهين واضح لمن كان له ذوق سليم.

3. صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبو جعفر- (عليه السلام)-- و فيه-: «و الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن، و مثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله». (1)

و توهم أنّ الإمام- (عليه السلام)- لم يكن إلّا في مقام بيان أصل الخمس لا شرائطه كما ترى.

4. مرسلة حمّاد بن عيسى، عن العبد الصالح في حديث: «كلّ أرض فتحت أيّام النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-، إلى آخر الأبد، و ما كان افتتاحاً بدعوة أهل الجور و أهل العدل، لأنّ ذمّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)- في الأوّلين و الآخرين ذمّة واحدة». (2)

نجد فيها أنّه عطف الأراضي المفتوحة بيد أهل الجور، على ما فتحت أيّام النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلَّم)-، و عدّ الجميع من الأراضي الخراجية، فيستأنس منها كفاية إذن الجائر في الأراضي و غيرها.

5. ما ورد في باب تحليل الخمس و الفي‌ء و الأنفال لشيعتهم ليطيب مولدهم، و المتبادر من الروايات هو السبايا، و هي تحكي عن عدم اشتراط الإذن في تعلّقه بالغنائم و إلّا كان الجميع لهم، لأنّ هذه الغنائم في عصر الخلفاء الأمويين و العباسيين كانت مأخوذة بغير إذنهم. (3)

____________

(1) الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5. و المراد من الاصطلام و هو الاستيصال.

(2) الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4.

(3) لاحظ الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 1، 19، 20.