الشروط أوالالتزامات التبعية في العقود - ج3

- السيد محمد تقي الخوئي المزيد...
128 /
231

الجزء الثّالث

[تتمة الفصل الثاني خيار الشرط]

المقام الخامس: بيع الخيار

تعريفه أدلته

232

المقام الخامس: بيع الخيار

تعريفه:

من أفراد خيار الشرط و مصاديقه ما يضاف البيع اليه، و يصطلح عليه في كلمات الفقهاء بيع الخيار، و يعرف في عرف العوام ببيع الشرط.

«و هو: أن يبيع شيئا و يشترط الخيار لنفسه مدة، بأن يرد الثمن فيها و يسترجع المبيع» (1).

و هذا التعبير هو الغالب في كلماتهم في مقام التعريف، و إلّا فستعرف في المبحث الأول من هذا المقام- أنحاء أخذ ردّ الثمن شرطا في الخيار- من الأقوال ما لا ينسجم مع ظاهر هذا التعريف على الأقل.

و لا أظن أن هناك ما يدعو الى التعرض لبيان كل ما قيل أو يقال في تعريفه، بعد اتفاق الجميع على أن ما يذكر في مثل هذه المقامات ليس من الحد المنطقي للمعرّف، و وضوح محور البحث على جميع المذاهب.

____________

(1) المكاسب ج 15 ص 7- 8.

233

أدلته:-

يمتاز هذا الفرد من خيار الشرط- بيع الخيار- بعد اشتراكه مع سائر الأفراد فيما استدل له من الإجماع، و عموم أدلة الوفاء بالشرط، بوجود أدلة خاصة تقتضيه، و تدل عليه بعنوانه.

فإنّه مضافا إلى الإجماع عليه بخصوصه- على ما يظهر من كلمات غير واحد منهم- تقتضيه جملة من النصوص المعتبرة الواردة في الموضوع بخصوصه.

و هذه النصوص هي:-

1- صحيحة سعيد بن يسار

، قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنا نخالط أناسا من أهل السواد و غيرهم فنبيعهم و نربح عليهم العشرة اثنى عشر، و العشرة ثلاثة عشر، و نؤخر «نوجب» ذلك فيما بيننا و بين السنة و نحوها، و يكتب لنا الرجل على داره أو على أرضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي أخذ منا شراء، قد باع و قبض الثمن منه، فنعده إن هو جاء بالمال إلى وقت بيننا و بينه أن نردّ عليه الشراء فإن جاء الوقت و لم يأتنا بالدراهم فهو لنا، فما ترى في الشراء؟ فقال: أرى أنّه لك إن لم يفعل، و إن جاء بالمال للوقت فردّ عليه» (1).

2- خبر أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام)

، قال: «و إن بعت رجلا على شرط فإن أتاك بمالك و إلّا فالبيع لك» (2).

3- موثقة إسحاق بن عمار

، قال: حدثني من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و سأله رجل و أنا عنده، فقال: «رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه، فقال:

أبيعك داري هذه، و تكون لك أحب إلي من أن تكون لغيرك، على أن تشترط لي إن‌

____________

(1) الوسائل ج 12 ب 7 من أبواب الخيار ح 1.

(2) المصدر نفسه ح 2.

234

أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ، فقال: لا بأس بهذا، ان جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه، قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة، لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى انه لو احترقت لكانت من ماله» (1).

4- رواية معاوية بن ميسرة

، قال: «سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل باع دارا له من رجل، و كان بينه و بين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط انك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك فأتاه بماله، قال: له شرطه. قال أبو الجارود: فإن ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين، قال:

هو ماله. و قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): أ رأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار دار المشتري» (2).

5- رواية دعائم الإسلام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

«انه سئل عن رجل باع داره على شرط أنه إن جاء بثمنها إلى سنة أن يرد عليه، قال: لا بأس بهذا و هو على شرطه» (3).

هذا كل ما في الباب من نصوص، و هي الأصل المعتمد في الحكم، بعد الإجماع و الأدلة العامة.

و كيف كان، فلمعرفة حدود الحكم تفصيلا و ضوابطه، يقع الكلام في هذا المقام في مباحث ثمانية.

____________

(1) المصدر السابق ب 8 من أبواب الخيار ح 1.

(2) المصدر نفسه ح 3.

(3) مستدرك الوسائل- الطبعة الحجرية- ج 2 باب 6 من أبواب الخيار.

235

المبحث الأول: أنحاء أخذ ردّ الثمن شرطا في الخيار.

المبحث الثاني: في كفاية ردّ الثمن في الفسخ.

المبحث الثالث: تقسيمات الثمن المشروط ردّه.

المبحث الرابع: مسقطات هذا الخيار.

المبحث الخامس: تلف المبيع أو الثمن في زمن الخيار.

المبحث السادس: ردّ الثمن إلى وكيل المشتري أو وليه.

المبحث السابع: في ردّ بعض الثمن.

المبحث الثامن: اشتراط المشتري الفسخ بردّ الثمن.

236

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

237

المبحث الأول في أنحاء أخذ ردّ الثمن شرطا في الخيار

أ- مقام الثبوت.

ب- مقام الإثبات.

238

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

239

تمهيد

لا إشكال و لا خلاف في كون ردّ الثمن عنصرا أساسيا في هذا الخيار، بحيث لا يكون الفسخ قبله نافذا و مؤثرا، و هو مما لا بحث فيه.

و إنما البحث في هذا المقام ينصب على أنحاء و صور أخذ ردّ الثمن شرطا في الخيار و كيفية جعله عاملا مؤثرا فيه.

و الحديث يقع تارة في مقام الثبوت و ما يمكن تصوره من الوجوه في حدّ ذاته أو ما يمكن قصده من قبل المتبايعين خارجا.

و أخرى في مقام الإثبات، و ما يشمله الدليل الشرعي من الوجوه، سواء في ذلك الأدلة الخاصة أو العامة.

أ- مقام الثبوت.

حقيقة الخيار- على ما عرفتها سابقا- هي حق فسخ العقد و إبطاله و فرضه كأن لم يكن.

نعم، قد يعبّر عنه- في بعض الأحيان- بملك فسخ العقد، لكنه من المسامحة في التعبير، كما لا يخفى.

فما هو الحق؟

بعد اتفاق الأعلام على كون الحق من الأمور الاعتبارية و الأحكام الوضعية، اختلفت كلماتهم في بيان حقيقته و تعريف ماهيته، و ما يتقوم و يمتاز به عن سائر الأمور الاعتبارية من التكليف و الوضع.

فقد «ذكر جماعة: أن الحق مرتبة ضعيفة من الملكية، و صاحبه مالك لشي‌ء يرجع أمره إليه، بخلاف الحكم، فإنه مجرد جعل الرخصة في فعل شي‌ء أو تركه، أو الحكم‌

240

بترتب أثر على فعل أو ترك.

و ذكر طائفة: أن الحق ما يقبل السقوط و الإسقاط، أو النقل و الانتقال، بخلاف الحكم، فإنه لا يقبل شيئا من هذه الأمور» (1).

و قد ناقش في الأول المحقق الأصفهاني (قده) بقوله: «أن حقيقة الملك سواء كانت من مقولة الإضافة أو مقولة الجدة ليس لها مراتب مختلفة بالشدة و الضعف، حتى يكون اعتبارها في مواردها مختلفا باعتبار مرتبة قوية تارة و اعتبار مرتبة ضعيفة أخرى.

بيانه: أن مقولة الإضافة- كما حقق في محله- ليس لها وجود استقلالي، بل تابعة للمقولة التي تعرضها الإضافة، فإن كانت من مقولة تختلف بالشدة و الضعف كالكيف- مثلا- فلا محالة تتصف مقولة الإضافة بهما تبعا، فالحرارة قابلة للشدة و الضعف، فتتصف مقولة الإضافة بالأحرّ و هكذا.

و إن كانت من مقولة لا تجري فيها الشدة و الضعف فلا تتصف مقولة الإضافة بهما، كمقولة الجوهر- مثلا- فإن زيدا المحيط على عين في الخارج ليس له و لا لتلك العين شدة و ضعف حتى تتصف الإحاطة بهما بالعرض.

و أما مقولة الجدة فهي لا تتصف في نفسها بالشدة أو الضعف، بل تتصف بالزيادة و النقص، فإن الهيئة الحاصلة للرأس من العمامة انقص من الهيئة للبدن من القميص، فإن الثاني أزيد إحاطة من الأول لسعة المحيط و المحاط في الثاني دون الأول.

و اللازم هنا هو التفاوت بالشدة و الضعف، فإن شخص هذا المانع لم تتفاوت جدته باعتباره ملكا أو اعتباره حقا، فلا معنى لدعوى تفاوت مراتب الملك شدة و ضعفا، و أما زيادة و نقصانا فهو أجنبي عما نحن فيه، ضرورة أن المالك للعين و المنفعة أزيد ملكا ممن يملك أحدهما.

فتبين: أن جعل الحق بمعنى الملك لا وجه له، و دعوى اختلافه بالمراتب‌

____________

(1) مصباح الفقاهة ج 2 ص 47.

241

فاسدة.

نعم، كونه بمعنى اعتبار السلطنة الوضعية- ممن يجعل الملك غير السلطنة- لا مانع منه، و أما من يرى أن الملك بمعنى السلطنة فالإيراد متوجه عليه أيضا» (1).

و كأنه بذلك قد ردّ ما ذكره جماعة منهم المحقق الايرواني (رحمه اللّٰه) من: «أن الفرق بين الحق و الملك بعموم الاستيلاء و السلطان و خصوصه، فالملك يكون بدخول الشي‌ء تحت السلطان بتمام شئونه و كافة حيثياته، و الحق يكون بدخوله تحت السلطان ببعض جهاته و حيثياته.

فالشخص مسلط على أمته بأن يبيع و يهب و ينكح إلى آخر التصرفات السائغة، فيقال حينئذ أن الأمة ملكه، و أيضا مسلط على زوجته في خصوص المباضعة، فيقال أن الزوجة متعلق حقه، و كذا الحال في العين المملوكة و العين المستأجرة إلى غير ذلك من موارد الحق و الملك» (2).

ثمّ إن المحقق الأصفهاني بعد ردّه للقول بكون الحق مرتبة ضعيفة من الملك، ذكر أنه: «يمكن أن يقال- و إن لم أجد من وافق عليه صريحا- أن الحق مصداقا في كل مورد اعتبار مخصوص له آثار خاصة، فحق الولاية ليس إلّا اعتبار ولاية الحاكم و الأب و الجد، من أحكام نفس هذا الاعتبار جواز تصرفه في مال المولّى عليه تكليفا و وضعا، و لا حاجة إلى اعتبار آخر.

فإضافة الحق إلى الولاية بيانية، و كذلك حق التولية و حق النظارة، بل كذلك حق الرهانة، فإنه ليس إلّا اعتبار كون العين وثيقة شرعا، و أثره جواز الاستيفاء ببيعه عند الامتناع عن الوفاء، و حق التحجير أي المسبب عنه ليس إلّا اعتبار كونه أولى بالأرض من دون لزوم اعتبار آخر، و حق الاختصاص في الخمر ليس إلّا نفس اعتبار اختصاصه به في قبال الآخر من دون اعتبار ملك أو سلطنة له، و أثر الأولوية‌

____________

(1) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 1 ص 10.

(2) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 1 ص 73.

242

و الاختصاص عدم جواز مزاحمة الغير له.

نعم، لا بأس بما ساعد عليه الدليل من اعتبار السلطنة فيه، كحق القصاص حيث قال عز من قائل فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (1).

و كذا لو لم يكن هناك معنى اعتباري مناسب للمقام، كما في حق الشفعة، فإنه ليس إلّا السلطنة على ضم حصة الشريك إلى حصته بتملكه عليه قهرا، فإن الشفع هو الضم، و الشفعة كاللقمة كون الشي‌ء مشفوعا أي مضموما إلى ملكه، و لا معنى لاعتبار نفس الشفعة، و إلّا كان معناه اعتبار ملكية حصة الشريك، مع أنه لا يملك إلّا بالأخذ بالشفعة لا بمجرد صيرورته ذا حق، و كذا حق الخيار هو السلطنة على الاختيار، و هو ترجيح أحد الأمرين من الفسخ و الإمضاء، لا اعتبار كونه مختارا، فإنه في قوة اعتبار كونه مرجحا أي فاسخا أو ممضيا مع أن لا فسخ و لا إمضاء بمجرد جعل الحق» (2).

أما السيد الوالد- «(رحمه اللّٰه)»- فقد اختار اتحاد الحكم و الحق حقيقة و ماهية، باعتبار كونهما معا من الأمور الاعتبارية، و هي «و ان اختلفت من حيث الآثار اختلافا واضحا، و لكنها تشترك في أن قوامها بالاعتبار المحض.

إذا فلا وجه لتقسيم المجعول الشرعي أو العقلائي إلى الحق و الحكم، لكي نحتاج إلى بيان الفارق بينهما، بل كلها حكم شرعي عقلائي قد اعتبر لمصالح خاصة، بناء على مسلك العدلية من تبعية الأحكام للملاكات الواقعية.

نعم، تختلف هذه الأحكام في الأثر- كما أشرنا إليه قريبا- اختلافا ظاهرا، فبعضها يقبل الاسقاط، و بعضها لا يقبله.

و السر في هذا الاختلاف هو أن زمام تلك الأمور بيد الشارع حدوثا و بقاء، فقد يحكم ببقائه، كما حكم بحدوثه، و قد يحكم بارتفاعه و لو كان ذلك باختيار أحد‌

____________

(1) الأسراء: 33.

(2) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 1 ص 10- 11.

243

المتعاملين أو كليهما.

نعم، المتبع في ذلك- في مقام الإثبات- هو الأدلة الشرعية.

و على الجملة: ان الجواز و اللزوم الوضعيين، كالجواز و اللزوم التكليفيين، فان جميعها من الأحكام الشرعية، و لا تفاوت في ماهيتها و ذواتها و ان اختلفت آثارها» (1).

نعم، لا مانع من تخصيص إطلاق الحق اصطلاحا بطائفة من الأحكام، و هي التي تقبل الإسقاط، إذ لا مشاحة في الاصطلاح.

و أظن- و إن كان الظن لا يغني عن الحق شيئا- إن هذا الإطلاق صار سببا لاختلاف العلماء في حقيقة الحق و الحكم، و بيان الفارق بينهما» (2).

و لا وجه للإيراد عليه بأن اشتراك الحق و الحكم في «كونهما معا من الأمور الاعتبارية» أو اندراجهما تحت جنس عال باعتبار «ان جميعها من الأحكام الشرعية» لا يجعلهما متحدين ماهية و حقيقة، و إلّا لا تحدث ماهية الحرية و الرقية، و الملكية و الزوجية، و الحرمة و الوقف، باعتبار كونها من الأمور الاعتبارية، و قوام جميعها بالاعتبار المحض، بل و اتحدت حقيقة الإنسان و الحجر لاندراجهما معا تحت الجسم- الجنس العالي- فإنه بعيد عن محط نظره- (رحمه اللّٰه)- جدا، و قياس مع الفارق- إذ فرق في الأمرين المندرجين تحت جنس واحد، بين المتحدين من حيث السنخية، و المختلفين من هذه الناحية.

فحيث يقال ان الجواز الحكمي متحد مع الجواز الحقي من حيث الماهية، و كذلك اللزوم الحكمي في قبال اللزوم الحقي، لكونهما معا من الأمور الاعتبارية أو كون جميعها من الأحكام الشرعية، فهو أمر يساعد عليه الوجدان و يشهد له الفهم العرفي، فإن إثبات تباين ما هما من سنخ واحد في الماهية أمر يحتاج إلى العناية و الإثبات.

و أين ذلك من قياسها بالحرية في قبال الرقية، و الزوجية في قبال الطلاق، بل‌

____________

(1) مصباح الفقاهة ج 2 ص 46.

(2) مصباح الفقاهة ج 2 ص 47.

244

و الحجر في قبال الإنسان، لمجرد اتحادهما في الجنس العالي.

و قد أوضح سماحته- (رحمه اللّٰه)- في أبحاثه الفقهية حقيقة الحكم و الحق و ما يحصل به التمايز بينهما مفصلا.

فذكر: «ان الحق عبارة من حكم تكليفي محض أو وضعي محض يتعلق دائما بفعل الإنسان نفسه قابل للإسقاط، فكل حكم تكليفي أو وضعي قابل للإسقاط فهو حق- بالمعنى المصطلح- و كل حكم كذلك لا يقبل الاسقاط و ليس امره بيد المكلف فهو حكم- بالمعنى الذي يقابل الحق.

بيان ذلك: ان الملكية- التي هي في قبال الحكم التكليفي- قد تتعلق بالأعيان الخارجية أو في الذمة، و قد تتعلق بالمنافع، سواء أ كانت من قبيل الأعمال الخارجية أم كانت قائمة بعين خارجية كسكنى الدار و ركوب الدابة، و لا تتعلق بفعل الإنسان نفسه، فإنه ليس من الملكية بالمعنى المصطلح و إن كان منها بمعنى السلطنة.

و أما الحقوق فهي تتعلق دائما بفعل من له الحق نفسه، و قد يكون من عليه الحق معينا كحق الشفعة و الخيار، و قد لا يكون كذلك كحق التحجير، حيث ان من عليه الحق إنما هو جميع البشر، و لكن على كلا التقديرين لا يكون الحق إلّا حكما متعلقا بفعل نفس من له الحق.

و الفرق بينه و بين سائر الأحكام ان من له الحق له إسقاطه إذا شاء، و هو بخلاف سائر الأحكام، و إلّا فليس هناك أي فرق بينهما.

و الذي يدلنا على ذلك انا لا نرى أيّ فرق بين جواز قتل القاتل عمدا قصاصا و جواز قتل الكافر الحربي، و كذا جواز الفسخ في البيع الخياري و جواز الفسخ في الهبة لغير الرحم، و مثله اللزوم الحقي كالبيع و اللزوم الحكمي كالنكاح.

فإنّه لا فرق بين هذه الأحكام من أي جهة من الجهات كانت، سوى أن الأول منها قابل للإسقاط سواء بالعفو أو إسقاط الخيارات أو الإقامة، بخلاف الثاني حيث أن أمره ليس بيد المكلف، و ليس له إسقاطه، اتفق مع الطرف الآخر أم لم يتفق، فإن النكاح- مثلا- لا يرتفع بتواطؤ الزوجين عليه، بل لا بدّ من الطلاق أو سائر‌

245

الأسباب الموجبة لرفعه.

و الحاصل: ان الحق ليس شيئا وراء الحكم الشرعي- التكليفي أو الوضعي- و إنما هو هو بعينه، غاية الأمر إنه متعلق بفعل الإنسان نفسه، و قابل للإسقاط من قبله، و ليس هو مرتبة ضعيفة من الملكية» (1).

و بالجملة فما أفاده- «(رحمه اللّٰه)»- أمر عرفي لا يحتاج في إثباته إلى تحمل العناية و الكلفة، و يشهد له ملاحظة موارد استعمال الكلمة في الآيات الكريمة و الأمثلة العرفية، من دون أن يرد عليه شي‌ء مما ذكر في الاشكال على الوجوه السابقة.

و معه يتعين اختياره، و الالتزام بأنّه هو بعينه الحكم التكليفي أو الوضعي، غايته أنه من الصنف الذي يناط أمره بيد المكلف نفسه.

و كيف كان فحيث عرفنا أن الحق صنف من الأحكام التكليفية أو الوضعية، نعود إلى صلب الموضوع لنرى ما يقتضيه دخول القيد عليه في جهة من جهاته.

فنقول: ان أخذ القيد في الحكم مطلقا- سواء الوضعي أم التكليفي- لما كان موجبا للتضييق في الناحية المأخوذ فيها لا محالة، و تخصيص متعلقه- القيد- بلحاظه إلى حصتين، حصة واجدة له و اخرى فاقدة، كان اعتباره و أخذه متصورا على وجوه:- الأول: أن يكون قيدا في نفس الحكم- الوضعي أو التكليفي- نظير دلوك الشمس المأخوذ في وجوب الصلاة على نحو التعليق أو التوقيت، و هلاك المرء المأخوذ في إرث الأخت في قوله تعالى إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ (2).

الثاني: ان يكون قيدا في متعلق الحكم- الوضعي أو التكليفي- نظير الطهارة الحدثية المعتبرة في الصلاة، و إسلام المشتري المعتبر في نقل المصحف أو العبد المسلم اليه، حيث تعلق الحكم- جواز النقل و البيع المعبّر عنه بسلطنة المالك على التصرف‌

____________

(1) مباني العروة الوثقى، كتاب الوصية ص 386.

(2) النساء: 176.

246

- بخصوص النقل إلى المشتري المسلم، فالإسلام قيد في متعلق الحكم.

الثالث: ان يكون قيدا في موضوع الحكم- بقسميه أيضا- كالاستطاعة المأخوذة قيدا للمكلف الموضوع لوجوب الحج، و الإسلام المأخوذ قيدا للإنسان الموضوع للحكم بانتقال ما تركه المورث المسلم اليه.

ثم ان القيد المأخوذ في نفس التكليف أو الوضع- بنحو التعليق أو التوقيت- يوجب تضييقا و تحصيصا فيهما لا محالة، فلا يتحققان إلّا بعد تحقق القيد كما هو واضح، فلا وجوب للصلاة و لا ملكية للأخت قبل الدلوك و هلاك المرء.

و أما القيد المأخوذ في المتعلق، فهو إنّما يوجب التضييق فيه مبدئيا، و يتبعه التضييق في الحكم من ناحيته، بمعنى عدم شمول الحكم لغير المتصف بالقيد من افراد الطبيعة، إلا أنه يبقى مطلقا و على سعته من ناحية موضوعه، فيكون ثابتا لموضوعه في جميع آنات الوقت المضروب له.

و أما القيد المأخوذ في الموضوع، فهو يوجب تضييقا في الموضوع- كما هو واضح- و تضييقا في الحكم من ناحيته، بمعنى أن غير المستطيع من افراد المكلفين خارج عن موضوع وجوب الحج، كما يوجب تضييقا في المتعلق أيضا، بمعنى كون الحج الصادر من المكلف قبل استطاعته خارجا عن متعلق الوجوب.

و عليه: فلو فرضنا للوجوب وقتا محددا، لم يكن القول ببقائه على سعته، و كونه ثابتا في جميع آنات ذلك الوقت، بما فيها زمن ما قبل حصول القيد- على الاستطاعة مثلا.

و الحاصل: ان تقييد الموضوع يستلزم مضافا إلى تضييق دائرة الموضوع نفسه، تقييدا في المتعلق و في الحكم جميعا.

و بناء على ما أسلفناه يظهر أن الشق الثالث من التقييد- رجوع القيد إلى الموضوع- و إن كان احتمالا علميا في مقام تحديد مرجع القيد، إلّا أنه ليس شقا عمليا في قبال الاحتمالين الآخرين، باعتبار رجوعه لا محالة إلى الصورة الأولى، لاستلزامه تقييد الحكم نفسه.

247

و على هذا الأساس ينحصر الاحتمال- من الناحية العلمية- بين رجوع القيد إلى الحكم نفسه، و بين رجوعه إلى المتعلق، و يكون الفرق بينهما هو الفرق بين الواجب المشروط و الواجب المعلق، على ما ذكره صاحب الفصول (قده).

إذا عرفت ما قدمناه تفصيلا، يظهر لك ان ردّ الثمن المأخوذ قيدا في الخيار- في محل البحث- لا يخلو امره من أحد احتمالين:

1- كون ردّ الثمن قيدا لنفس الحكم- حق الخيار- على وجه التعليق أو التوقيت، بحيث لا يكون قبله خيار أو حق.

2- أن يكون قيدا لمتعلق الحكم- فسخ العقد- و بذلك يبقى الحكم من ناحية الموضوع على سعته و إطلاقه، و يكون الحق ثابتا للمشترط في جميع آنات الوقت المحدّد بما فيه ما قبل الردّ أيضا، غاية الأمر أن متعلقه عبارة عن خصوص الحصة المقارنة لردّ الثمن أو المتأخرة عنه من الفسخ.

و أما الاحتمال الثالث، أعني أخذ ردّ الثمن قيدا في الموضوع، بأن يجعل الخيار للبائع الراد للثمن، فهو غير وارد.

و ذلك لا لما يتوهم من أنّ البائع- المشترط- لما كان جزئيا خارجيا و شخصا معينا لم يكن له إطلاق كي يقبل التحصيص و التضييق.

فإنه يدفعه بأنه و إن لم يكن له إطلاق بحسب وجوده الخارجي، إلّا أنه لما كان له إطلاق و سعة بلحاظ الحالات الطارئة عليه صحّ تقييده و تضييقه بذلك اللحاظ، فيجعل الحق له في حالة ردّه للثمن دون باقي الحالات.

بل لما ذكرناه من رجوع هذا الاحتمال- في النتيجة- إلى الاحتمال الأول، حيث يكون القيد مأخوذا في الحكم و الموضوع و المتعلق جميعا، و نتيجته عدم تحقق الحق و عدم ثبوت الخيار قبل تحقق وصف الموضوع- ردّ الثمن.

و لعل ما ذكرناه هو السبب في عدم ذكر الشيخ الأعظم (قده) لهذا الاحتمال في عداد الاحتمالات التي ذكرها في أخذ كيفية ردّ الثمن شرطا في الخيار.

قال (رحمه اللّٰه): «ان اعتبار ردّ الثمن في هذا الخيار يتصور على وجوه:-

248

أحدها: أن يؤخذ قيدا للخيار على وجه التعليق أو التوقيت، فلا خيار قبله، و تكون مدة الخيار منفصلة دائما عن العقد و لو بقليل، و لا خيار قبل الردّ ..

الثاني: أن يؤخذ قيدا للفسخ، بمعنى أن له الخيار في كل جزء من المدة المضروبة، و التسلط على الفسخ على وجه مقارنته لردّ الثمن أو تأخره عنه.

الثالث: أن يكون ردّ الثمن فسخا فعليا، بأن يراد منه تمليك الثمن ليتملك منه المبيع.

الرابع: أن يؤخذ ردّ الثمن قيدا لانفساخ العقد، فمرجع ثبوت الخيار له إلى كونه مسلطا على سبب الانفساخ، لا على مباشرة الفسخ.

الخامس: أن يكون ردّ الثمن شرطا لوجوب الإقالة على المشتري، بأن يلتزم المشتري على نفسه أن يقيله إذا جاء بالثمن و استقاله» (1).

و من الواضح أن الفرض الثالث في كلامه (قده) راجع إلى الفرض الثاني، بل هو في الحقيقة فرد من افراده و مصداق من مصاديقه.

و أما الفرضان الأخيران فهما أجنبيان عن اشتراط الخيار و خارجان عن محل البحث، و إن كان اشتراطهما في حدّ ذاته ممكنا، و سيأتي التعرض إليهما.

إذا ففيما يرتبط بالمقام- اعتبار ردّ الثمن في الخيار- لم يذكر الشيخ الأعظم (قده) غير صورتين: أن يكون الردّ قيدا للخيار، و أن يكون قيدا للفسخ مع ثبوت الخيار للمشترط- البائع- في كل جزء من المدّة المضروبة.

و قد تبعه على ذلك جل المتأخرين من الأعلام كالطباطبائي و الأصفهاني و الايرواني و النائيني و السيد الوالد، حيث لم يتصوروا للمقام- اعتبار ردّ الثمن في الخيار- غير صورتين في عداد ما ذكروها من الصور لاشتراط ردّ الثمن.

قال المحقق الأصفهاني (قده): «المقام الثاني: فيما يمكن أن يقع الشرط عليه بأنحائه.

____________

(1) المكاسب ج 15 ص 14- 18.

249

فمنها: أن يشترط البائع على المشتري حق حل العقد معلقا على ردّ الثمن أو مؤقتا من حيث المبدأ بزمان ردّ الثمن، فيمتاز الثاني عن الأول بعدم التعليق في مقام الإثبات مع اشتراكهما بعدم الحق قبل ردّ الثمن ..

و منها: أن يشترط البائع على المشتري حق الخيار من حين العقد متعلقا بالفسخ عند ردّ الثمن، فردّ الثمن قيد لنفس الفسخ، لا قيد لنفس الحق كما في الأول، ففي الحقيقة ينحل الى شرط الخيار مطلقا، و شرط اعماله عند ردّ الثمن، و كلاهما مشروع» (1).

و بمضمونها عبارة غيره من الأعلام، حيث لم يذكروا في عداد ما يتصور من وجوه في ربط مصير العقد بردّ الثمن، إلّا صورتين لاعتباره في ثبوت الخيار مع ذكرهم لصورة ثالثة تعود في حقيقتها إلى الصورة الثانية، فلاحظ.

نعم، تفرّد السيد الخميني بإضافة صورة ثالثة إلى الصورتين المذكورتين في كلماتهم، و جعلها الصورة الأولى في تسلسل كلامه.

قال (قده): «الأول: في أنحاء ما يتصور من هذا الشرط، و أن أيا منها موافق للقواعد العامة:- منها: أن يؤخذ الردّ قيدا للخيار، بمعنى أن يشترط الخيار المتقيد بردّ الثمن من غير تعليق و لا توقيت، بل بنحو التضييق جعلا، فيكون له الخيار المتقيد المتضيق في جميع الوقت المضروب، نظير جعل الخيار تحت السقف ثلاثة أيام، لا بمعنى تعليقه بذلك حتى لا يثبت إلّا تحته، بل بمعنى تقييده بذلك، و هذا لا إشكال في صحته لعدم التعليق فيه و عدم الجهالة في الجعل و المجعول، و الجهل بوقت الأداء خارج عن محط الجعل، نظير الجهل بإعمال خيار الشرط إذا جعل ثلاثة أيام.

و منها: أن يعلق الخيار على ردّ الثمن في الوقت المضروب، و يرجع إلى ذلك بحسب اللب ما إذا جعل الخيار في وقت الردّ و ظرفه، فلا يثبت إلّا بعد تحقق المعلق‌

____________

(1) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 2 ص 41.

250

عليه أو الوقت المأخوذ.

و في هذين الفرضين لم يكن الخيار متقيدا، لعدم كون المعلق عليه قيدا، فيكون الخيار بلا قيد ثابتا، فما افاده الشيخ الأعظم (قده) غير مرضيّ، و لعله مبني على ما ذهب إليه من رجوع القيود في الواجب المشروط إلى المادة ..

و منها: أن يؤخذ قيدا للفسخ لا للخيار، و هذا ان رجع إلى أن لا فسخ له إلّا بردّ الثمن فهو باطل، لأن الخيار حق الفسخ، فجعله مطلقا مع التقييد بما ذكر متنافيان، و ان رجع إلى شرط ترك الأعمال مضافا إلى شرط الخيار فلا مانع منه، لكن لو تخلف و فسخ قبل ردّه كان نفوذه و عدمه مبنيين على استفادة الوضع من الشرط المذكور و عدمه، و هو محل الكلام» (1).

ثم تعرض (قدس سره) لسائر الصور المذكورة في كلمات الأعلام.

إلّا أن ما أفاده (قده) لا يخلو عن اشكال بل منع، و لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك:- أولا:- ان مرجع الصورة الأولى المذكورة في كلامه، ان كان الى أخذ القيد- ردّ الثمن- في الموضوع، بجعل الخيار للبائع الراد للثمن دون غيره.

فقد عرفت فيما تقدم أن مرجعه إلى الصورة الأولى في كلمات الأصحاب، و ان تقييد الموضوع يعني تضييق الحكم نفسه على نحو التعليق أو التوقيت لا محالة.

و معه لا وجه لجعل ما ذكره صورة مستقلة في قبال الصورة الأولى المذكورة في كلماتهم، كما لا وجه للحكم بأن للمشترط «الخيار المتقيد المتضيق في جميع الوقت المضروب» لما عرفته من توقفه فيها على فعلية ردّ الثمن.

و ان لم يكن مرجع ما ذكره- (رحمه اللّٰه)- و محط نظره إلى ما ذكرناه، كما يظهر من جعله صورة مستقلة في قبال تلك الصور، فلا أدري كيف تعقّل و تصور الخيار المقيّد بردّ الثمن بنحو التضييق جعلا، من دون توقيت أو تعليق في الحق نفسه أو موضوعه‌

____________

(1) كتاب البيع ج 4 ص 223- 224.

251

أو متعلقه؟.

و بعبارة اخرى: ان التضييق في الجعل أما ينشأ من التضييق في نفس الحق- الحكم- و اما ينشأ من تضييق موضوعه أو متعلقه، و لا سبيل اليه بغير ذلك.

و عليه فإذا فرضنا الحكم- نفس حق الخيار- ليس بمعلق و لا موقت بردّ الثمن، لتصريحه بقوله: «من غير تعليق و لا توقيت»، و موضوع الحكم البائع- غير مقيد بوصف رد الثمن، لفرض ان نظره (قده) ليس إلى ذلك و إلّا لاتحد ما ذكره مع الصورة الأولى في كلمات الأصحاب، و متعلق الحكم- فسخ العقد- غير مضيّق بردّ الثمن، لفرضه ذلك صورة ثالثة في كلامه، فمن أين نشأ التضييق في الجعل، و كيف يتعقل الخيار بردّ الثمن جعلا مع إطلاق الحكم و الموضوع و المتعلق؟.

و الحاصل: ان نفس الخيار مع قطع النظر عن موضوعه و متعلقه، ليس أمرا قابلا للتوصيف و التضييق بردّ الثمن، ما لم يكن جعله و إنشاؤه على نحو التعليق أو التوقيت.

و توهم كون التضييق في ردّ الثمن بلحاظ كونه موضوعا للخيار، فيكون تقييده من جهة القصور الذاتي فيه الناشئ من جعله ضيقا، و من قبيل ما يقال: ضيق فم الركية، و من دون ان يرجع الى التعليق أو التوقيت.

يدفعه: ان ردّ الثمن ليس متعلقا للخيار و لا موضوعا له، و إنّما هو شرط فيه، فلا وجه لتصور القصور الذاتي من ناحيته بحسب الجعل.

و بالجملة: ليس لحق الخيار بنفسه و في حدّ ذاته بالقياس إلى ردّ الثمن و عدمه حالات و انقسامات، كي يصح قصد قسم معين منها، أو حالة دون اخرى، بل تحتاج إضافته اليه و تقسيمه بلحاظه إلى لحاظ ارتباط جعلي خارجي بينهما، يكون الخيار بالإضافة إليه مقصودا تارة و غير مقصود اخرى، و هذا الارتباط ليس إلّا هو الشرط و التعليق.

على ان ما افاده (قده) معنى فلسفي دقيق ليس في متناول العرف فهمه و دركه، فلا معنى لجعله معنى عرفيا في قبال الاشتراط و التعليق.

ثانيا: ان تنظير المقام بجعل الخيار تحت السقف ثلاثة أيام و تقييده به من دون‌

252

تعليقه عليه.

يرده: ان «تحت السقف» ظرف مكاني للخيار، و تقييده به كتقييده بالظرف الزماني أمر معقول و متصور، فإن الأمور بطبعها متقيدة بالزمان و المكان، و أين ذلك من تقييده بردّ الثمن جعلا من غير توقيت أو تعليق، الذي عرفت عدم إمكانه و تعلقه.

على أنه يمكن التفصيل بين ظرف الزمان و ظرف المكان، و الالتزام بالجواز في الأول و المنع في الثاني- جعل الخيار تحت السقف.

فان التقييد بالظرف- تحت السقف- ان رجع الى متعلق الحكم أو موضوعه، بأن يكون الفسخ تحت السقف، أو الفاسخ تحت السقف حين الفسخ، فهو و ان كان امرا معقولا و متصورا بحد ذاته، إلّا أنه أجنبي عن محل كلامه، و لا ينفعه في إثبات أخذ الردّ قيدا للخيار من غير تعليق و لا تقييد.

و ان رجع الى الحكم نفسه- كما هو ظاهر قوله: «ان يشترط الخيار المتقيد بردّ الثمن من غير تعليق و لا توقيت» و لم يكن المراد منه كون إنشائه تحت السقف- كما هو واضح لكونه أجنبيا عن محل البحث- لم يظهر له وجه معقول و صورة يعتمد عليها في معناه، و ما ذكره لا يتجاوز كونه ألفاظا لا يمكن تصور معناها في الخارج، و لم يعهد له مورد في التشريعيات أو في الاعتبارات العقلائية.

و ذلك على العكس منه في التقييد بظرف الزمان، فإنه أمر معقول و متصور في حدّ نفسه، بل شائع و متعارف في الاعتبارات العقلائية. و يكفينا في المثال عليه باب الإجارة حيث يجعل المؤجر ملكية منفعة داره للمستأجر مدة سنة أو أقل أو أكثر، فيكون الزمان قيدا و ظرفا للجعل.

ثالثا: ان التقييد لما كان مقابلا للإطلاق و السريان و الشمول، كان كل ما يمنع السريان و يوجب التضييق قيدا لا محالة، سواء فيه الشرط- المعلق عليه- أو الوصف أو الوقت أو غيرهما مما يوجب تحديدا للشمول في المفهوم.

و عليه فلا وجه لقوله: «و في هذه الفرضين- التعليق و التوقيت- لم يكن الخيار متقيدا، لعدم كون المعلق عليه قيدا، فيكون الخيار بلا قيد ثابتا. فما افاده الشيخ‌

253

الأعظم (قده) غير مرضي».

فإن التعليق و التوقيت تقييد لا محالة لمنعهما من سريان الحكم و شموله لما دونهما، فما افاده الشيخ الأعظم (قده) هو الصحيح الذي ينبغي اعتماده.

على ان ما افاده (قده) بالتعبير المتقدم، مناف بل مناقض لما ذكره قبل ذلك مباشرة، حيث أفاد: «فلا يثبت- الخيار المعلق على ردّ الثمن في الوقت المضروب- إلّا بعد تحقق المعلق عليه أو الوقت المأخوذ».

ضرورة ان مقتضى ثبوت الخيار مطلقا و من دون تقييد بشي‌ء- كما افاده- ثبوته في جميع آنات الوقت و من غير تحديد بما «بعد تحقق المعلق عليه أو الوقت المأخوذ» كما أفاده أخيرا، فلاحظ.

هذا مع ان قوله (قده): «و لعله- ما افاده الشيخ الأعظم (قده)- مبني على ما ذهب اليه من رجوع القيود في الواجب المشروط إلى المادة» اعتراف منه بكون المعلق عليه و الوقت من القيود، بداهة ان ما ذكر في كلمات الشيخ الأعظم (رحمه اللّٰه) من القيد في المقام مما يمكن دعوى إرجاعه إلى المادة في الواجب المشروط، ليس إلّا المعلق عليه و الموقت.

و هو مناف مع تصريح التزامه ب‍ «عدم كون المعلق عليه قيدا».

على ان التقييد في الهيئة تقييد في المادة أيضا لا محالة.

رابعا: ما ذكره في فرض أخذ ردّ الثمن قيدا للفسخ من ان: «هذا ان رجع إلى أن لا فسخ له إلّا بردّ الثمن فهو باطل، لأنّ الخيار حق الفسخ، فجعله مطلقا مع التقييد بما ذكر متنافيان».

لا وجه له و لا يمكن المساعدة عليه إطلاقا، و ذلك ان تقييد متعلق الحكم المطلق بنفسه- الذي لم يثبت له قيد مباشرة من التعليق أو التوقيت- يقتضي تضييق دائرته- الحكم نفسه- لا محالة، فلا يشمل غير الحصة المتصفة بالقيد و الطبيعة الواجدة له، أما الطبيعة العارية عنه فلا تكون داخلة تحت مظلته، و هو واضح لا لبس فيه، سواء في ذلك الأحكام التكليفية و الأحكام الوضعية.

254

فدعوى بطلان أخذ ردّ الثمن قيدا للفسخ على تقدير رجوعه «إلى ان لا فسخ إلّا بردّ الثمن» لأن «جعله مطلقا مع التقييد بما ذكر متنافيان» توهم لا أساس له، و خير شاهد عليه ما يذكر في اشتراط الطهارة في الصلاة، إذ لا إشكال في كون أصل الوجوب مطلقا غير مقيد بالطهارة، و أنها إنما تعتبر في متعلقه، أعني الصلاة حيث انها مقيدة بالطهارة، بحيث لا صلاة من دونها.

أو ترى انه يصح أن يقال: بأن الطهارة إذا أخذت قيدا للصلاة لا للوجوب نفسه، بحيث كان مرجعه الى نفي الصلاة من دونها، فهو باطل، لأن جعل الوجوب مطلقا مع التقييد بما ذكر متنافيان؟

فان ما نحن فيه من هذا القبيل حرفا بحرف، و لا فرق بينهما سوى كون الحكم فيما نحن فيه وضعيا، و في المثال تكليفيا، لكنك قد عرفت ان ذلك لا يعني أي فرق بينهما، و انهما سواء من ناحية الاشتراط و أخذ قيد فيهما أو في متعلقهما أو موضوعهما.

خامسا: لا وجه لترديده في أخذ الثمن قيدا للفسخ بين أن يكون مرجعه إلى:

انه لا فسخ له إلّا بردّ الثمن، و الحكم فيه بالبطلان، و بين كون مرجعه إلى: اشتراط ترك اعمال حق الفسخ و استخدامه، و الالتزام فيه بعدم المانع منه.

فإنه لا ضرورة لصرف الكلام عن ظاهره إليهما معا، بل المتعين إبقاؤه على حاله و حقيقته مع الالتزام فيه بالصحة و النفوذ.

ذلك ان حقيقة الخيار- على ما عرفت- هو حق فسخ العقد، و هي- في حدّ ذاتها- ماهية مهملة لا بشرط من حيث الحق و المتعلق و الموضوع، حالها في ذلك حال سائر المفاهيم المطلقة، لكنها قابلة للتقييد و التضييق في نواحيها الثلاث من دون ان تخرج بذلك عن حقيقتها و تنسلخ عن واقعها، كما هو الشأن في كل ما يكون لا بشرط.

و عليه ففي المقام حيث يؤخذ ردّ الثمن قيدا للفسخ، يثبت الحق الحصة خاصة من الفعل و هو الفسخ المقارن بردّ الثمن أو المتأخر عنه، من دون ان يرجع ذلك الى‌

255

شي‌ء آخر وراءه، و مقتضاه نفوذ خصوص تلك الحصة، لكونها حقا للبائع دون غيرها، لعدم ثبوتها حقا له، كما لو جعل التضييق في نفس الحكم أو موضوعه.

و الحاصل: ان التقييد في متعلق الحق لا يختلف عن التقييد في الحق نفسه أو في موضوعه، فكما ان جعل الحق في شهر معين دون غيره يقتضي عدم نفوذه فيما عدا ذلك الشهر، و جعله للبائع خاصة يقتضي عدم نفوذه من المشتري، كذلك يقتضي جعله- الحق- متعلقا بالفسخ المقارن للردّ أو المتأخر عنه، حيث ينفذ فيها بلا شبهة و لا اشكال دون غيرها، و من دون حاجة الى تكلف إرجاعه الى هذا الوجه أو ذاك، فضلا عن التفصيل فيه بلحاظهما.

و أخيرا، فمن غير البعيد ان يكون الأصل في كلامه الأخير- هذا- هو ما ذكره المحقق الأصفهاني (قده) في المقام بقوله: «ففي الحقيقة ينحل الى شرط الخيار مطلقا، و شرط اعماله عند ردّ الثمن، و كلاهما مشروع» (1).

و كيف كان، فهو لا يخلو عن مسامحة واضحة، ذلك ان المقصود للمتعاقدين و المجهول من قبلهما، ليس إلّا أمرا بسيطا و شرطا واحدا، هو ثبوت حق الفسخ عند ردّ الثمن، و ليس هناك شرطا كي يقال: ان كليهما مشروع.

نعم، جعل الحق متعلقا لحصة خاصة من الفعل- الفسخ المقارن لردّ الثمن أو المتأخر عنه- يقتضي نفوذه في خصوص تلك الحصة الواجدة للوصف، دون العاري عنه، لكنه أجنبي عن تعدد الشرط، فلاحظ.

ثم انك قد عرفت- فيما تقدم- ان الشيخ الأنصاري (قده) قد ذكر بالإضافة إلى الصورتين المتقدمتين، صورا ثلاث فانهى مجموع ما يتصور في اعتبار ردّ الثمن في رفع العقد و إبطاله الى خمس صور.

و قد عرفت ان الصورة الثالثة منها من افراد الصورة الثانية و مصاديقها و ليست هي صورة مستقلة في قبالها، غاية الأمر انه قد أخذ في المتعلق زائدا على ردّ الثمن قيد‌

____________

(1) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 2 ص 41.

256

كون الفسخ به لا بالقول.

و يترتب عليه ان البائع إذا سلّم الثمن للمشتري لا بقصد فسخ العقد، بل بقصد الأمانة أو القرض أو العارية أو ما شاكلها، ثم بدا له فسخ العقد و اجرى صيغة الفسخ بقصد تملك المشتري ما عنده من الثمن، لم يصح و لم يقع فسخه نافذا، لخروجه عن مورد الحق المجعول له.

و اما الصورتان الأخيرتان: فقد عرفت انهما اجنبيتان عن جعل الخيار و ثبوت حق فسخ العقد للمشترط، فان أولاهما عبارة عن أخذ ردّ الثمن شرطا في انفساخ العقد، و الثانية عبارة عن أخذه شرطا في وجوب الإقالة.

و لو بنينا على استقصاء جميع الوجوه المتصورة في اعتبار ردّ الثمن و أخذه شرطا في إبطال العقد- بمعناه العام- سواء في ذلك ثبوت الخيار أو الفسخ أو الانفساخ أو الإقالة، أو وجوب بيعه منه ثانيا أو غيرها، لتجاوزت الأقسام و الأنحاء المتصورة ذلك بكثير، نذكر بعضها على سبيل المثال، لخروجها عن محل البحث.

منها: أن يكون ردّ الثمن شرطا في عود المبيع، بمعاملة جديدة إلى البائع الأول، و يمكن تصوير هذا على نحو شرط الفعل، بأن يكون ردّ الثمن شرطا في وجوب بيعه على المشتري و إيقاعه لمعاملة النقل، كما يوجب تصويره على نحو شرطه النتيجة، بأن يكون ردّ الثمن شرطا في تحقق المعاملة و النقل قهرا.

و منها: ان يكون ردّ الثمن شرطا في وجوب الفسخ على المشتري.

و منها: ان يكون ردّ الثمن شرطا في وجوب تمليك المشتري المبيع مجانا للبائع و بغير عوض.

الى غير ذلك مما قيل أو يمكن أن يقال، مما لا اثر لذكره في المقام لكونه أجنبيا عن محل البحث.

هذا كله بحسب مقام الثبوت.

ب- مقام الإثبات:

و اما مقام الإثبات، فالكلام فيه يقع في موضعين:-

257

الأول: في اقتضاء إطلاق قوله (ص): «المسلمون عند شروطهم».

الثاني: في اقتضاء النصوص الخاصة الواردة في المقام.

اما الموضع الأول:

فالظاهر شمول الإطلاق لجميع الصور المتقدمة على حد سواء، بل لم يظهر من أحد من الأعلام الاستشكال فيه، عدا ما ذكره الشيخ الأعظم (قده) بالنسبة للصورة الرابعة، و ما ذكره المحقق الأصفهاني (قده) بالنسبة للصورة الأولى.

قال الشيخ الأعظم (قده): «الظاهر صحة الاشتراط بكل من الوجوه الخمسة عدا الرابع، فان فيه اشكالا من جهة ان انفساخ البيع بنفسه بدون إنشاء فعلي أو قولي يشبه انعقاده بنفسه في مخالفة المشروع من توقف المسببات على أسبابها الشرعية» (1).

و وافقه عليه المحقق النائيني (قده) مستدلا عليه بأنه: «يرد عليه أحد المحذورين: و هو امّا انفساخ العقد بلا سبب، و اما اقتضاء وجود الشي‌ء عدم نفسه.

فان بيع الدار و اشتراط انفساخه بردّ مثل الثمن إما يرجع إلى شرط انفساخ العقد بلا سبب فهو باطل، لأن انتقال الدار من المشتري إلى البائع بلا سبب أي بلا إنشاء قولي و فعلي غير ثابت في الشريعة، فيكون شرطا مخالفا للكتاب.

و إما يرجع إلى ان نفس اشتراط الانفساخ إنشاء للفسخ، فهو يوجب انفساخ البيع بهذا الشرط، فلا بيع حتى يشترط في ضمنه انفساخه بردّ مثل الثمن.

و بالجملة يجب أن يكون البيع محققا ثابتا حتى يشترط في ضمنه- شرطا سائغا كملكية الكتاب- مثلا- بناء على عدم اعتبار حصولها من سبب خاص بأن لم تكن كالنكاح و الطلاق المتوقف حصولهما على أسباب خاصة، و اما إذا كان البيع منفسخا بالشرط الحاصل في ضمنه فلا يعقل تأثير هذا الشرط في الملكية» (2).

أما المحقق الأصفهاني (قده) فقد ذكر في توجيه بطلان اشتراط البائع على‌

____________

(1) المكاسب ج 5 ص 21.

(2) منية الطالب في حاشية المكاسب ج 2 ص 44.

258

المشتري حق حل العقد معلقا على ردّ الثمن أو موقتا من حيث المبدأ بزمان ردّ الثمن، ان: «في الأول محذور التعليق الممنوع عنه شرعا، و في الثاني جهالة مدة الخيار من حيث المبدأ حيث لا يعلم وقت ردّ الثمن» (1).

و للتمأمل في ما أفادوه مجال.

اما ما نقله الشيخ الأعظم (قده)، فيرده: انحصار المحذور المتوهم في كون اشتراط الانفساخ من شرط النتيجة، لكنك قد عرفت في مبحث الشروط انه لا اشكال فيه بحد ذاته ما لم يدلّ الدليل على اعتبار سبب خاص في المورد المعين.

و بعبارة اخرى: ان كل ما يتصور في المنع من نفوذ شرط النتيجة أمران:

أ- كونه شرط أمر غير مقدور، لعدم القدرة على المسببات من دون أسبابها، و حيث تعلق الشرط بنفس الانفساخ من دون سبب فعلي أو قولي له، كان من اشتراط تحقق المسبب بغير السبب و هو محال.

ب- استلزام إيجاد المسببات بغير أسبابها الشرعية، و هو باطل، لأن العقود الشرعية توقيفية، فلا يصح إنشاء البيع و القرار المعاملي بمبادلة مال بمال باشتراطه في ضمن عقد آخر، لأنه من تحقيق ذلك المسبب بغير سببه الشرعي، فيكون من الشرط المخالف للمشروع.

و في كلا الوجهين ما لا يخفى.

اما الأول: فلكفاية الشرط في السببية، فإن عموم دليل الشرط و لزوم الوفاء به يكفي سببا لانفساخ العقد بردّ الثمن.

بل يكفي الشرط في تحقق القرار المعاملي و مبادلة مال بمال بأخذه في ضمن عقد آخر، و لا يلزم منه تحقق المسبب بدون سببه.

و لعل وضوح اندفاع هذا الاشكال حمل الشيخ الأعظم (قده) على عدم التعرض إليه في كلامه.

____________

(1) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 2 ص 41.

259

و اما الثاني: فيرده انه إنما يتم فيما ثبت توقف إنشائه على مبرز خاص كالنكاح و الطلاق، و اما ما عداه مما لم يقم دليل على اعتبار لفظ معين في إنشائه، بل يكفي فيه صرف إبراز الاعتبار النفساني كيف ما تحقق، فلا مانع من إنشائه بالشرط.

و حيث ان الفسخ من هذا القبيل، إذ لم يرد ما يدل على اعتبار أمر بخصوصه- من لفظ أو فعل- في إنشائه، كفى في ثبوته و تحققه أخذه شرطا في ضمن العقد.

و اما ما افاده المحقق النائيني (قده) فيدفعه: ان اشتراط الانفساخ في العقد بردّ الثمن لا يستوجب استلزام عدمه من وجوده، ذلك ان الشرط لا يقتضي الانفساخ من حينه كي يقال انه لا بيع حتى يشترط في ضمنه الانفساخ، بل الشرط إنما يقتضي الانفساخ من حين ردّ الثمن، فالبيع متحقق و ثابت قبل ردّ الثمن، فإذا عرض عليه ذلك النسخ بحكم الشرط.

و الحاصل: ان الانفساخ إنما يطرأ على البيع الثابت و يقتضي ارتفاعه بموجب الاشتراط.

و اما ما نقله المحقق الأصفهاني (قده) فيندفع بما افاده هو (قده) بقوله:

«و يندفع التعليق بان الممنوع منه هو التعليق في العقود بل خصوص البيع بالإجماع، و ليس فيه محذور عقلي كما توهم- لما مرّ منّا في مبحث شروط العقد- و إلّا لكان توقيت الخيار بزمان الردّ أيضا كذلك، إذ لا عبرة بصورة التعليق، بل بتأخر الأمر المسبب اليه عن سببه الإنشائي.

و تندفع الجهالة بأن اللازم عند من يقول بالبيع بشرط الخيار عند ردّ الثمن تعيين المدة كما هو المتعارف من تحديده بالرّد في رأس السنة في يوم أو يومين أو أزيد.

و اما ما عن شيخنا الأستاذ (قده) من ان الجهالة غير ضائرة هنا حيث لا غرر لأن أمر الخيار بيده، فغير واف بالمقصود، إذ لو كان غرر لكان على المشتري، حيث لا يعلم انه متى يفسخ العقد، فيمنعه عن التصرف على وفق غرضه» (1).

____________

(1) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 2 ص 41.

260

و ما افاده (قده) بالنسبة لإشكال التعليق تام و متين، حيث لا دليل على بطلان التعليق بقول مطلق، و تفصيل الحديث موكول الى محله في بحث اعتبار التنجيز في العقد.

و اما ما أفاده بالنسبة لإشكال الجهالة، فهو بظاهره مما لا يمكن المساعدة عليه، بل هو خروج عن محل البحث، فان الكلام ليس في اشتراط الخيار- و لو بنحو شرط النتيجة- في ضمن يوم أو يومين أو أزيد بعد مرور السنة على تاريخ العقد، كي يقال بعدم الجهالة فيه بالمرة، باعتبار ان ظرف الرد و الخيار محدّد بالأيام المعينة بعد مرور السنة.

و انما الكلام في اشتراط الانفساخ بردّ الثمن خلال تمام المدة المضروبة- السنة مثلا- بحيث يتحقق الانفساخ بالردّ في أي جزء منها.

فلا وجه لتحديده بالردّ في رأس السنة في يوم أو يومين أو أزيد.

فالصحيح في الجواب أن يقال: ان تحديد زمان ردّ الثمن المأخوذ شرطا في الخيار بما لا يقبل الزيادة و النقيصة يوجب رفع الجهالة و الغرر، حاله في ذلك حال اشتراط الخيار مباشرة- من غير تعليق بردّ الثمن- في تلك الفترة.

قال المحقق النائيني (قده): «و اما الجهالة فإنما تضر لو لم يعين مدة أصلا، كأن يقول: «إذا جئت بالثمن في أي وقت كان لي الخيار» فيصير كما لو قال: «بشرط ان يكون لي الخيار إن قدم زيد» و هذا بخلاف ما لو قال: «لي الخيار إذا جئت بالثمن في أي وقت من الأوقات من زمان العقد إلى سنة فان الخيار هنا غير مجهول إلّا من باب الجهل بالمعلق عليه، و هو يرجع إلى إشكال التعليق لا الجهالة» (1).

إلّا انه يرد على هذا الجواب ان لازمة صحة التعليق على قدوم الحاج- المتفق على بطلانه- لأن المقصود منه إنما هو الحاج من الموسم المعيّن و السنة المعينة- كما هو واضح- فإذا لم يكن الجهل بالمعلق عليه موجبا للضرر و ضائرا لدى العقلاء لتحدده‌

____________

(1) منية الطالب في حاشية المكاسب ج 2 ص 44.

261

بالزمان المعين، كان لازمة الحكم بالصحة في المثال أيضا، و الحال انه أكثر الأمثلة شيوعا في كلماتهم لإناطة الخيار بالمدة المجهولة، بل لم ينسب الخلاف في بطلانه إلى أحد من الأعلام قط.

اللهم إلّا أن يقال: ان البطلان في المثال ناشئ من جهالة مدة الخيار باعتبار وضوح عدم ارادة المتعاقدين لتمام السنة التالية للموسم، بل و عدم إرادة أبعد آجال قدوم الحاج من أشهر تلك السنة، بحيث يكون مرادهما إثبات الخيار من حين العقد إلى نهاية شهر ربيع الآخر- مثلا- على فرض كونه آخر آجال قدوم الحاج، و إلّا لكان مقتضى القاعدة الحكم بالصحة، كما لو حدّدا ذلك الأجل صريحا، و إنما مرادهم هو الأجل المبهم و الفرد المردد بين افراد ما ينطبق عليه العنوان، و استلزامه للغرر و الجهالة أوضح من ان يخفى.

و من هنا فلا وجه لقياس المقام عليه، لوضوح زمن الخيار فيما نحن فيه و لو بتبع تحديد زمن المعلق عليه- ردّ الثمن.

و الحاصل: اننا لا نجد فرقا من حيث الجهالة و الغرر- نفيا أو إثباتا- بين تحديد نفس الخيار مباشرة و بلا واسطة بزمان معين و أمد محدّد كالسنة- مثلا- بحيث يكون للبائع استخدامه في كل لحظة من لحظات تلك المدة، و بين تحديد المعلق عليه الخيار بذلك الأمد و الحد، بحيث يكون له تحقيق ذلك في جميع آنات ذلك الزمان ليثبت له الخيار أو يتحقق به الانفساخ قهرا، فإذا كان الثاني مستلزما للجهالة و الغرر كان الأول مستلزما لهما أيضا.

و الذي يهوّن الخطب وضوح عدم استلزامهما معا ذلك لارتفاعه بتحديد زمان الخيار بما لا يقبل الزيادة و النقصان مباشرة، أو زمان ما يعلق عليه الخيار كذلك.

إذا فالذي يتحصل مما تقدم: انه لا مانع امام إطلاق أدلة الشرط من شموله لجميع الصور المذكورة في كلماتهم لاعتبار ردّ الثمن في الخيار، فإنها بأجمعها مشمولة للزوم الوفاء و وجوب العمل على طبقه.

و اما الموضع الثاني:

أعني دلالة النصوص الخاصة.

262

فاما صحيحة سعيد بن يسار، و موثقة إسحاق بن عمار، فقد استظهر الشيخ الأنصاري (قده) دلالتهما على الصورة الرابعة (1)، و احتمل دلالتهما على الصورة الخامسة ب‍ «ان يكون ردّ المبيع إلى البائع فيهما كناية عن ملزومه، و هي الإقالة» (2).

و نفى «أن يكون وجوب الردّ كناية عن تملك البائع للمبيع بمجرد فسخه بعد ردّ الثمن، على ما فهمه الأصحاب، و مرجعه إلى أحد الأولين» (3).

اما المحقق الأصفهاني (قده) فقد ذكر ان التزام المشتري بالردّ «اما التزام بالإقالة التي لازمها ردّ المبيع إلى البائع المستقيل، و اما التزام بردّ المبيع ردّا ملكيا معاطاتيا، فيكون التزاما بمعاوضة جديدة معلقا على مجي‌ء البائع بالثمن ..، إلّا أن حمل ردّ المبيع على الردّ المتفرع على الإقالة أولى من حمله على التمليك الجديدي المعاطاتي، نظرا إلى مناسبة الردّ للإقالة و ما يشبهها من الفسخ و الانفساخ، و ان كان التمليك الجديد أيضا ليس بعيدا عن عنوان الردّ لسبقه بمالكية البائع للمبيع» (4).

في حين استظهر المحقق الايرواني (قده) دلالتهما على «اشتراط فسخ المشتري أو الإتيان بمعاملة جديدة» (5).

و اعتبر السيد الخميني اشتراط الفسخ على المشتري إذا جاءه البائع بالثمن، أقرب الاحتمالات التي تذكر في المقام إلى لفظ الرواية (6).

و اما رواية معاوية بن ميسرة، فقد استظهر الشيخ الأنصاري (قده) منها الاحتمال الرابع، محتملا فيها المعنى الثالث أيضا.

قال (رحمه اللّٰه): «الرابع: أن يؤخذ ردّ الثمن قيدا لانفساخ العقد، فمرجع ثبوت الخيار له إلى كونه مسلطا على سبب الانفساخ، لا على مباشرة الفسخ.

____________

(1) المكاسب ج 15 ص 17.

(2) المكاسب ج 15 ص 19.

(3) المصدر نفسه ص 19- 20.

(4) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 2 ص 41.

(5) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2 ص 23.

(6) كتاب البيع ج 4 ص 227.

263

و هذا هو الظاهر من رواية معاوية بن ميسرة، و يحتمل الثالث» (1).

و قد ردّ المحقق الايرواني (قده) هذا الاستظهار بقوله: «ظهورها في ذلك مقابل احتمال اشتراط حصول مبادلة قهرية عند ردّ مثل الثمن ممنوع» (2).

أما المحقق الأصفهاني (قده) فقد استظهر منها احتمال شرط النتيجة، سواء فيه شرط الملكية و شرط الانفساخ.

قال (رحمه اللّٰه): «و ظاهرها انه من شرط النتيجة، فاما هو شرط ملكية الدار للبائع عند إحضار الثمن، و اما شرط انفساخ البيع عنده، و ليس في الكلام عنوان الردّ و شبهه حتى يتمحض في الشق الثاني، إلّا أن المتعارف بين الناس الذي كثر السؤال عنه هو ردّ المبيع بعنوان انحلال المعاملة، لا إحداث معاملة جديدة» (3).

أمّا السيد الخميني (قده) فقد اعترف بظهور لفظها في شرط النتيجة، لكنه استبعده لعدم تعارفه، محتملا ان يكون ذلك كناية عن ثبوت الخيار (4).

أقول: اما رواية معاوية بن ميسرة، فظاهرها هو احدى الصورتين الأوليين- على ما هو المحكي عن قدماء الأصحاب- إن لم نقل بكونها في الثانية أظهر.

ذلك ان المفهوم عرفا من قول المشتري: «إن أتيتني» هو ردّ المال اليه، و من الواضح ان المراد بالرد هو فعل ما له دخل في إيصال المال اليه و القبض من طرفه، دون ما قد يوهمه إطلاق الإتيان، باعتبار ان الإتيان بالمال و استصحابه و إحضاره عند المشتري أعم من ردّه اليه و عدمه.

و يشهد لما ذكرناه ذكر المفعول الثاني في القضية، و وضوح عدم صدقها على إتيان البائع إلى زيارة المشتري مستصحبا المال و عودته بعدها كذلك.

كما ان المفهوم من قوله: «بمالي» هو خصوص ردّ المال- عينا أو بدلا- بعنوان‌

____________

(1) المكاسب ج 15 ص 16- 17.

(2) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2 ص 22.

(3) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 2 ص 41.

(4) كتاب البيع ج 4 ص 227.

264

حل العقد السابق، كي يصدق معه إضافته إليه، فيكون الإتيان بالمال إتيانا بماله، حيث يراه العرف دواما و استمرارا للإضافة السابقة، و إلّا فإضافة الملك الابتدائي الجديد اليه و اعتباره مالا له باعتبار ثبوت نظيره له قبل ذلك لا يخلو عن التكلف و العناية.

على أن الذي يتقوم بإتيان المال و إحضاره، ينحصر في الفسخ بردّ الثمن، و إلّا فالملك الجديد لا يتوقف على إتيان المال، فإنه يمكن حصوله بإنشائه من المشتري و لو مع عدم إحضار البائع للمال.

و حيث ان المفهوم من حلّ العقد في المقام هو فسخ البائع- الراد للمال- له، دون الإقالة و الانفساخ القهري، لاحتياج إسنادهما إليه إلى العناية و التكلف، كان المتحصل من المقدم في الشرطية هو فسخ البائع العقد بردّ الثمن إلى المشتري.

فإذا انضم هذا الحاصل إلى مدلول التالي في الشرطية: «فالدار دارك» الظاهر في كونه كناية عن انفساخ البيع، على نحو ذكر اللازم و ارادة الملزوم، نتج من مجموع القضية انفساخ البيع بفسخه بردّ الثمن.

و بعبارة أخرى: يكون مدلول القضية الشرطية في المقام: انك ان فسخت البيع بردّ الثمن إلى المشتري، فالبيع ينفسخ.

و من الواضح انه كناية عن جعل حق الفسخ بردّ الثمن للبائع، على سبيل ذكر اللازم و ارادة الملزوم.

و ما ذكرناه ينطبق على الصورتين الأوليين معا على حد سواء.

لكنه لا يبعد دعوى تعلق: «بردّ الثمن» بالفسخ نفسه، دون كونه ظرفا أو معلقا عليه للحق، و معه يتعين حملها على الصورة الثانية، و لا أقل من كونها أظهر فيها.

و منه يظهر انه لا وجه لما أفاده في كتاب البيع من أن «الظاهر من لفظها شرط النتيجة، لكن يبعده عدم تعارفه، و يحتمل أن يكون ذلك كناية عن ثبوت الخيار له» (1).

____________

(1) كتاب البيع ج 4 ص 227.

265

فإنه لا ظهور للرواية في شرط النتيجة، و إنما هي ظاهرة في اشتراط حق الفسخ بردّ الثمن.

ثم إن مما ذكرناه يظهر الحال في رواية دعائم الإسلام، إذ يجرى فيها ما ذكر في رواية معاوية بن ميسرة حرفا بحرف، فليس المراد من قوله: «إن جاء بثمنها» إلا ردّ الثمن بعنوان فسخ البيع، و ليس المراد من قوله: «ان يردّ عليه» إلا انفساخ البيع بفسخه بردّ الثمن، كناية عن جعل حق الفسخ بردّ الثمن، المنطبق على الصورة الثانية.

و ما ذكرناه يجري في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا.

بل و في موثقة إسحاق بن عمار و صحيحة سعيد بن يسار أيضا، فإن قوله: «إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة» في الأولى و قوله: «ان جاء هو بالمال إلى وقت بيننا و بينهم» في الثانية، ظاهر ان في ردّ الثمن إلى المشتري و إحضاره عنده بعنوان فسخ البيع، و ليس قوله: «ان ترد عليّ» أو «ان نرد عليه الشراء» إلّا كناية عن انفساخ البيع بفسخه بردّ الثمن، فيكون حاصله جعل حق الفسخ له بردّ الثمن.

نعم، لا ينكر كون الظاهر الأولي لقوله: «تردّ عليّ» أو «نردّ عليه الشراء» هو اضافة الردّ إلى المشتري و فعله، إلّا أنه لا يعني ثبوت الخيار بمعنى وجوب الفسخ عليه بردّ الثمن من قبل البائع، فإنه كما ينسجم مع هذا الاحتمال ينسجم مع كونه حكما متفرعا على فسخ البائع للعقد بعد ردّه للثمن، فيكون كناية عن ثبوت الخيار للبائع بردّه للثمن.

بل ان بعد الاحتمال الأول في حد نفسه و صعوبة دركه من عامة الناس في مقام الاشتراط، يحتم المصير إلى الثاني.

ثم ان مما ذكرناه يظهر انه لا مبرر لما افاده المحقق الايرواني (قده): بقوله:

«بل الإنصاف أن استظهار شي‌ء من الوجوه من هذه الروايات بعد القطع بعدم العناية و التوجه إلى هذه الخصوصيات التي تضمنتها الوجوه، في غير محله، و إنما النصوص جارية على المعاملات التي كانت متداولة في أيدي الناس في ذلك العصر،

266

و لا معرفة لنا بما كان متداولا ليتضح لنا المراد من النصوص» (1).

و الذي يتحصل مما تقدم ان النصوص الخاصة الواردة في بيع الخيار، ظاهرة في الصورة الثانية من الصور المذكورة في أنحاء أخذ ردّ الثمن في الخيار، و لا أقل من كونها فيها أظهر من غيرها.

إلّا أن ذلك لا يعني تغييرا محسوسا في الحكم بالنسبة إلى بقية الصور المذكورة، بعد ما عرفت من شمول إطلاق أدلة لزوم الوفاء بالشرط لجميع تلك الصور على حدّ سواء.

نعم بناء على المنع من شمول الإطلاق للصورة الأولى- لما قيل من استلزامها الغرر- يظهر اثر القول بعموم النصوص الخاصة لها و عدمه.

فإنه- على تقدير ثبوت ظهورها فيها- يتعلق الالتزام فيها بالصحة، و استثناؤها من حكم قاعدة نفي الغرر بفضل التعبد الشرعي.

____________

(1) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2 ص 22- 23.

267

المبحث الثاني في كفاية ردّ الثمن في الفسخ

268

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

269

المبحث الثاني: في كفاية ردّ الثمن في الفسخ.

نسب المحقق صاحب المقابيس (قده) إلى «ظاهر الأصحاب- بناء على ما تقدم من ان ردّ الثمن في هذا البيع عندهم مقدمة لفسخ البائع- انه لا يكفي مجرد الردّ في الفسخ» (1) بل لا بدّ من تحقيق الفسخ بعده.

و ذكر في وجهه: «ان بيع الشرط عندهم ما اشترط فيه الخيار بعد ردّ الثمن، فيتعقبه الخيار بعد الردّ، و لا ينفسخ البيع معه إلّا بالفسخ، و الاكتفاء بالردّ لكونه فسخا بنفسه مردود، لعدم دلالته عليه قطعا، و ان كان مما يؤذن بإرادته، فإن الإرادة غير المراد» (2).

و فيه: انه ان أراد من عدم دلالة الردّ على الفسخ، عدمها في خصوص الفرض المذكور- ما أخذ الردّ فيه شرطا متقدما لنفس الخيار، بحيث كان الخيار فيه بعد ردّ الثمن- فما افاده (قده) من الحكم تام و متين، إلّا أنه لا وجه لتعليله بأنه يؤذن بإرادته و الإرادة غير المراد، فان الفسخ فيه لا يتحقق و لا ينفذ بالردّ حتى مع إرادته له صريحا و قصده إياه بخصوصه، لأن المفروض تأخر الخيار عن الردّ، فلا يعقل تحقق تنفيذه و اعماله به.

و ان أراد عدم دلالة الردّ عليه مطلقا- سواء فيه الفرض المذكور و غيره- ففيه من المنع ما لا يخفى، إذ لا يعتبر في الفسخ خصوص اللفظ، بل يحصل بكل ما دلّ عليه، و الردّ إن لم يكن من ابرز مصاديقه فلا أقل من كونه مما يدل عليه، و قد التزم الاعلام بتحققه بما هو أخفى منه كثيرا.

و الاحتمال الأول هو الأقرب احتمالا إلى مراده (قده) كما هو ظاهر قوله: «ان بيع الشرط عندهم ما اشترط فيه الخيار بعد ردّ الثمن، فيتعقبه الخيار بعد الردّ».

____________

(1) مقابس الأنوار/ في اشتراط البائع الفسخ مع ردّ الثمن ص 248.

(2) مقابس الأنوار/ في اشتراط البائع الفسخ مع ردّ الثمن ص 248.

270

و من هنا فلا وجه لتعليله بما نقله الشيخ الأعظم (قده) من: «ان الردّ من حيث هو لا يدل على الفسخ أيضا» و من ثمّ التعليق عليه بقوله: «و هو حسن مع عدم الدلالة، اما لو فرض الدلالة عرفا، اما بان يفهم منه كونه تمليكا للثمن من المشتري، ليتملك منه المبيع على وجه المعاطاة، و اما بأن يدل الردّ بنفسه على الرضا بكون المبيع ملكا و الثمن ملكا للمشتري، فلا وجه لعدم الكفاية» (1).

فإن من غير البعيد أن يكون نظر صاحب المقابس (قده) إلى خصوص الفرض المذكور، و معه يكون ما أفاده- (رحمه اللّٰه)- تامّا و متينا من حيث الحكم، و ان كان في الاستدلال عليه: بأنه يؤذن بإرادته، و الإرادة غير المراد، تأمل بل منع.

على ان فرض دلالة الردّ على تمليك المشتري للثمن ليتملك منه المبيع على وجه المعاطاة، أو دلالته على الانفساخ القهري، خروج عن محل الكلام و فرض بيع الخيار بمعنى أخذ الردّ شرطا في الخيار، على ما تقدم توضيحه.

____________

(1) المكاسب ج 15 ص 31- 32.

271

المبحث الثالث تقسيمات الثمن المشروط ردّه

(أ) العين الشخصية (1) مقبوضة غير مقبوضة (2) اشتراط ردّ عينها اشتراط ردّ بدلها مع تلفها اشتراط ردّ بدلها مع وجودها (3) الإطلاق في الاشتراط (ب) الكلي في الذمة الثابت في ذمة البائع الثابت في ذمة المشتري

272

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

273

المبحث الثالث: تقسيمات الثمن المشروط ردّه.

الثمن المشروط ردّه في الخيار: إما أن يكون عينا شخصيته، و إما أن يكون كليا في الذمة.

و الأول ينقسم بلحاظ قبضه من قبل البائع إلى:- أ- الثمن المقبوض.

ب- الثمن غير المقبوض.

كما ينقسم بلحاظ ما يؤخذ شرطا في الردّ إلى:

أ- اشتراط ردّ عينها.

ب- اشتراط ردّ بدلها على فرض تلف العين.

ج- اشتراط ردّ البدل حتى مع وجود العين.

د- الإطلاق في اشتراط الردّ من دون تعيين شي‌ء من الوجوه السابقة.

و الثاني ينقسم إلى:

أ- ما كان ثابتا في ذمة البائع.

ب- ما يكون ثابتا في ذمة المشتري.

و على هذا الأساس يكون الكلام في هذا المبحث في مقامين:

الأول: ان يكون الثمن المشروط ردّه عينا شخصية.

الثاني: ان يكون الثمن المشروط ردّه كليّا في الذمة.

274

المقام الأول: أن يكون الثمن المشروط ردّه عينا شخصية.

و الكلام فيه يقع في موضعين:

الأول: ما يتعلق بقبض الثمن المعين.

الثاني: ما يتعلق بالمردود.

الموضع الأول: ما يتعلق بقبض الثمن المعين.

لا اشكال و لا خلاف بينهم في الحكم مع قبض الثمن الشخصي من قبل البائع، و إنما الخلاف بينهم في صحته مع عدم قبض البائع للثمن الشخصي المعين.

و منشأ الخلاف عدم صدق «ردّ الثمن» أو «الإتيان بماله» و ما هو بمضمونهما معه، إذ كيف يتحقق الردّ الذي هو عبارة عن إعادة المال إلى المشتري مع عدم قبض البائع ذلك منه.

غير ان الأرجح عند الأكثر هو ثبوت الخيار، باعتبار ان الردّ شرط على تقدير تحقق القبض خارجا لا مطلقا.

قال الشيخ الأنصاري (قده): «فان لم يقبضه فله الخيار و ان لم يتحقق ردّ الثمن، لأنه شرط على تقدير قبضه» (1).

و من الواضح ان مراده (قده) من قوله: «لأنه شرط على تقدير قبضه» ليس كون ردّ الثمن على ذلك التقدير شرطا لنفس الخيار و الحق، كي يقال: بان اشتراطه به يقتضي عدمه عند عدمه، سواء أ كان عدم الردّ متحققا من عدمه بنفسه، أو لأجل عدم تحقق القبض الموجب لعدم تحققه في الخارج.

____________

(1) المكاسب ج 15 ص 23.

275

بل مراده (قده) هو كون ردّ الثمن- على تقدير القبض- شرطا في متعلق الخيار، أعني الفسخ كما هو ظاهر كلامه (قده).

و عليه فيكون من الطبيعي ثبوت الخيار للبائع و ان لم يتحقق القبض خارجا، باعتبار ان الشرط المأخوذ في المتعلق لا يكون شرطا ننفس الحكم- الوضعي أو التكليفي- بالإضافة إلى موضوعه.

فالخيار ثابت للبائع، و متعلقه هو الفسخ بشرط الردّ على تقدير القبض، و اما مع عدمه فيسقط الردّ عن الشرطية للمتعلق- الفسخ- و يبقى الخيار متعلقا بمطلق الفسخ و ان لم يسبقه ردّ.

نظير ما يقال في أبواب الأحكام التكليفية عند تعذر بعض شرائط المتعلق، كالصلاة، المشروطة بالقيام مع القدرة و الإمكان، حيث يبقى الوجوب متعلقا بها مجردة عن الشرط عند العجز عنه.

إذا عرفت هذا، يظهر لك انه لا وجه لما افاده السيد الخمينى (قده) تعليقا على كلام الشيخ الأعظم (رحمه اللّٰه) بقوله: «و فيه نظر واضح، فان الشرط إذا كان هو الرد على تقدير القبض يكون الخيار مشروطا به، فمع عدم تحققه و لو بعدم تحقق القبض لا يتحقق الخيار، و المفروض انه ليس هنا شرطان» (1).

و الوجه فيه ما عرفته من كون الرد على تقدير القبض شرطا لمتعلق الخيار- الفسخ- و معه لا يكون الخيار مشروطا به.

على ان قوله: «و المفروض انه ليس هنا شرطان»، يدفعه: ان تقدير القبض في ردّ الثمن يعني في الحقيقة شرطيته للردّ، و حيث كان الردّ شرطا للفسخ، كان في المقام شرطان، غاية الأمر انهما طوليان لا عرضيان.

و لعل لأجل ما ذكرناه لم يستشكل العلمان- الأصفهاني و الايرواني- في تعليقتهما عليه، إلّا كونه «خلاف الظاهر جدا» (2) أو خلاف «مقتضى الجمود على كلمة‌

____________

(1) كتاب البيع ج 4 ص 228.

(2) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 2 ص 43.

276

الردّ في عبارة المشترط» (1)، مع إقرارهما بكون مقتضاه ثبوت الخيار في فرض عدم تحقق القبض من البائع، بل و اعتبار المحقق الايرواني (قده) الحكم فيه هو «الظاهر المتعارف» (2).

هذا و قد استدل السيد الطباطبائي (قده) على ثبوت الخيار في محل الكلام- عدم تحقق الردّ لعدم تحقق القبض- بدليل آخر غير الذي ذكره الشيخ الأعظم (رحمه اللّٰه) و تبعه على ذلك كل من المحققين الأصفهاني و الايرواني (قده).

و حاصله: إلغاء موضوعية الردّ في اعتباره في الخيار، بدعوى أن ظاهر أخذ الردّ و اعتباره في الخيار و ان كان- في نفسه و مع قطع النظر عن القرائن الخارجية- يقتضي دخله في ثبوت الخيار، بحيث لا يثبت من دونه و ان كان ذلك من جهة عدم تحقق القبض، إلّا ان ملاحظة القرينة الخارجية و الالتفات إلى الغرض العقلائي من هذا النحو من الاشتراط، توجب ظهور الكلام في كون المراد من الردّ هو حصول الثمن عند المشتري من دون خصوصية لسبب حصوله عنده، و انه كان بفضل بقائه لديه من الأول، أو رجوعه اليه بالردّ.

و بعبارة اخرى: ان اشتراط الردّ تعبير آخر لاشتراط حصول الثمن عند المشتري قبل الفسخ، و حيث انه متحقق في فرض عدم قبض البائع له، فلا وجه للمنع عن ثبوت الخيار فيه.

قال (قده): «المسألة مبنية على ان الردّ هل هو معتبر من باب الموضوعية أو من باب الطريقية لوصول الثمن إلى المشتري، أي حصوله عنده.

فعلى الأول لا خيار لعدم تحقق شرطه، و هو الردّ المسبوق بالقبض، لا لاشتراط القبض قبله كما بينه المصنف، بل لعدم تحقق الموضوع حينئذ.

و على الثاني فله الخيار لأن المفروض حصول الثمن عنده، و الغالب في أنظار‌

____________

(1) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2 ص 23.

(2) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2 ص 23.

277

العرف هو الطريقية، إذ لا غرض لهم في تحقيق موضوع الردّ بما هو ردّ» (1).

و قال المحقق الأصفهاني (قده): «إذا كان الثمن عينا شخصية، فإن كانت غير مقبوضة، فهل يتحقق الخيار لكون الغرض من الردّ حصوله عند المشتري و هو حاصل، فالمعلق عليه أيضا كذلك، أو لأن المعلق عليه الخيار هو الردّ بعنوانه، و هو غير متحقق إلّا بعد القبض، فما علق عليه الخيار غير حاصل، فلا خيار؟

و الظاهر بحسب الأغراض العقلائية من هذا النحو من الاشتراط هو الأول، فلا عبرة بعنوان الرد الظاهر فيما يتوقف على القبض» (2).

و قال المحقق الايرواني (قده): «ان الثمن المعلق على ردّه الخيار لو لم يقبض من المشتري الى أن أتى رأس المدة، فهل يجوز الفسخ أو يتوقف استحقاق الفسخ على القبض ثم الردّ، و لا يكفى حصول الثمن عند المشتري كيف ما اتفق؟ وجهان مبنيان على ان الدخيل في حدوث الخيار هل هو عنوان الردّ بما هو ردّ، أو ان الردّ اعتبر مقدمة لحصول الثمن عند المشتري، فلو حصل الثمن عنده بعدم إقباضه للبائع كفى ذلك في ثبوت الخيار. الظاهر المتعارف هو الأخير» (3).

و ما افاده (قده) تام و متين بالنسبة إلى الصورتين الأوليين من الصور المذكورة في أخذ الردّ في الخيار، و هما صورتا أخذه شرطا لنفس الخيار، و أخذه شرطا للفسخ.

و اما فيما عداها فلا وجه للقول بتحقق الانفساخ القهري، أو الإقالة أو التمليك الابتدائي من جديد، حيث لم يتحقق السبب.

إلّا أن الذي يهوّن الخطب ما عرفته من خروج هذه الصورة عن محل الكلام و موضوع البحث- بيع الخيار- فلا حاجة الى الإطالة بالنقض و الإبرام في دخولها أو خروجها عما ذكروه من الدليل.

____________

(1) حاشية الطباطبائي على المكاسب ج 2 ص 26.

(2) تعليقة الأصفهاني على المكاسب ج 2 ص 42.

(3) تعليقة الايرواني على المكاسب ج 2 ص 26.

278

نعم، الحق السيد الخميني (قده) الصورة الأولى من الصورتين الأوليين بباقي الصور المفروضة في عدم شمول دليلهم لها.

قال (قده) تعقيبا على كلام السيد الطباطبائي: «و فيه: ان الشرط على أقسام كما تقدم.

فمنها: ما لا يعقل ان يكون الردّ فيه طريقا اليه، كشرط فسخ العقد بالردّ، و شرط تملك المثمن بتمليك الثمن بالردّ.

و منها: ما لا معنى للطريقية فيه، كشرط الانفساخ، فان لازمة على الطريقية أن يكون العقد بمجرد وجوده منفسخا، ضرورة ان الثمن حاصل عنده و الشرط محقق، و كشرط الخيار معلقا على الردّ أو موقتا، فان لازمة لغوية الاشتراط، فان المعلق عليه حاصل، فهذا الشرط اما باطل للغويته، أو ملغى و يرجع الى شرط الخيار في سنة- مثلا- بلا تعليق و توقيت، ضرورة ان المفروض هو ثبوت الخيار بوجود المعلق عليه في أي وقت من أول العقد الى آخر الوقت المضروب، و الفرض انه حاصل من أول الأمر، فلا معنى لتعليقه عليه، مضافا الى ان الطريقية بقول مطلق في مثله محل إشكال» (1).

أقول: اما ما أفاده بالنسبة الى ما عدا الصورة الأولى فلا كلام لنا معه، لما عرفته من خروجها عن محل البحث.

أما ما افاده من محذور اللغوية في اشتراط الخيار معلقا أو موقتا بردّ الثمن.

فيدفعه: ان ما أفاده إنما يتم مع علم المتعاملين بالحال و قصدهما حين العقد بقاء الثمن عند المشتري في تمام زمان الخيار، فإنه حينئذ يصح أن يقال: ان اشتراط الردّ- على الطريقية- لغو محض، لحصول المعلق عليه من الأول.

و اما مع عدم علمهما بالحال و قصدهما حين العقد و الاشتراط القبض و الإقباض من الطرفين، كما هو الشائع الغالب في المعاملات، فإنه- باستثناء الموارد الشاذة النادرة التي يقصد فيها بقاء المبيع عند البائع أو الثمن عند المشتري لأسباب خاصة، على خلاف ما يقتضيه طبع الملك- الحاصل بالعقد- من كونه تحت يد مالكه، فان‌

____________

(1) كتاب البيع ج 4 ص 228.

279

سيرة الناس على تسليم ما انتقل عنهم الى مالكه الجديد و استلام ما انتقل إليهم بإزائه.

فلا وجه لاعتبار اشتراطه لغوا، فإنهما إذا لاحظا الاقتضاء العقلائي المتقدم ذكره، فاشترطا بلحاظه تعليق الخيار أو توقيته بالردّ على نحو الطريقية، أعني حصول الثمن في يد المشتري، لم يكن ذلك من العبث و اللغو جزما، و ان صادف و اتفق عدم قبض البائع الثمن من المشتري لسبب ما.

و بعبارة اخرى: ان قناعة المشتري حين العقد لما كانت- و بلحاظ المتعارف في العقود- على انتقال الثمن منه الى البائع، لم يكن اشتراطه لتعليق الخيار على ردّه اليه بمعنى حصوله عنده من اللغو و العبث، بل على العكس من ذلك تماما يعدّ أمرا عقلائيا أقدم عليه المشتري ضمانا لتحصيل ماله عند استرداد البائع لمتاعه بالفسخ.

و مجرد انكشاف عدم الحاجة إليه بحسب الواقع لبقاء الثمن عنده اتفاقا، لا يوجب انقلاب ما صدر منه في ظرفه بدافع عقلائي صحيح و شائع إلى أمر لغو و عبث لا يقدم عليه العاقل.

على ان ما افاده (قده) من الاشكال- لو تم- لا يختص بتقدير كون الردّ بمعنى الحصول عند المشتري، بل هو مشترك الورود بينه و بين الاحتفاظ بظاهر كلمة الردّ و معناه اللغوي.

فإنه و كما يكون اشتراط الحصول عند المشتري، على تقدير عدم قبض البائع اتفاقا، لغوا- بناء على تسليمه- يكون اشتراط الردّ- بمعناه اللغوي الحقيقي- إلى المشتري، على تقدير عدم قبض البائع للثمن اتفاقا، لغوا أيضا، و هو ما يعني لغوية اشتراط الخيار نفسه لعدم تمكن البائع من إعماله.

و هذا الاشكال- الاشتراك في الورود- لا يختص بفرض جهل المشترط- المشتري- ببقاء الثمن عنده، بل يجري حتى في فرض العلم و العمد حين العقد، إذ لا فرق فيه أيضا بين كون الردّ بمعناه اللغوي أو بمعنى الحصول، فان ما ذكره من محذور اللغوية يجري حتى مع حمل الردّ على معناه اللغوي، فما يكون به التفصي عن‌

280

المحذور على ذلك التقدير يكون به التفصي على تقدير حمله على الحصول.

و الذي يهوّن الخطب في هذا الفرض- العلم ببقاء الثمن عند المشتري- أن أصل الاشتراط معه أمر غير عقلائي لا يقدم عليه العاقل، فلا وجه لإطالة البحث فيه في كون الردّ بمعناه اللغوي أو بمعنى الحصول، و التفصيل بلحاظهما.

بقي إن نعرف انه (قده) بعد ذكره لما تقدم، قارن بين اشتراط الردّ في المقام و الأداء في الدين من جهة، و الأداء في قاعدة اليد من جهة أخرى، و اختار كون الردّ في المقام من قبيل الأول دون الثاني.

موضحا الفرق بينهما بقوله: «و ليس المقام نظير الأداء في قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (1) ضرورة أن لا خصوصية هناك للأداء، بل الغاية هو وصول مال الغير إليه بأي نحو كان، بل المقام يوجه نظير أداء الدين بمال معين، فان وصوله إلى الدائن بأي وجه لا يكون أداء، بل لا بدّ من إعطاء المالك إياه لأدائه حتى يقع، و في المقام أيضا لا يصير الثمن ملكا للمشتري، و لا يتحقق الخيار بالرغم من البائع الشارط، و لو بغصب الثمن منه، أو بترك أدائه اليه مع المطالبة- مثلا- بل لا بدّ في تحقق الخيار من ان يتحقق الشرط باختيار منه، امّا بردّه إذا كان عنده، أو بإذنه للتصرف فيه و التسلط عليه، و الطريقية بهذا النحو لا مضايقة فيها» (2).

و فيما افاده (قده) نقاط تستحق التوقف عندها.

الأولى: نفيه كون الردّ في المقام نظير الأداء في قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» و تنظيره للمقام بأداء الدين بمال معين.

ففيه: انه لا يفي بإثبات ما هو بصدده، أعني دفع استظهار الطريقية من أخذ ردّ الثمن الشخصي المعيّن شرطا في الخيار، بل ان ما افاده (قده) لا يتجاوز الادعاء المحض.

____________

(1) السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 95.

(2) كتاب البيع ج 4 ص 228- 229.