أسس النظام السياسي عند الإمامية

- الشيخ محمد السند المزيد...
368 /
9

كلمة الأستاذ

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

و الحمد للّٰه الذي قرن طاعته بطاعة رسوله و بطاعة ولاة أمره الذي يتنزّل ليلة القدر من عالم أمره.

ثمّ الصلاة و السلام على المرسَل رحمةً للعالمين من البشر و الكائنات و البيئات الكونيّة المحيطة في هذه النشأة و النشئات الأخرى و على آله ولاة الأمر المعصومين و لا سيما على المهدي الذي أبرز نعوته أنّه قائم بالأمر و ليس قاعداً عن أمر الناس طيلة عشرة قرون من ستار غيبته لتحرّكه الخفى و أنشطته السرّية و شبكة منظومته النافذة المخترقة لأنظمة البشر في البلدان و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

إنّ البحث في النظام السياسي لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) هو في الحقيقة بحث عن الإمامة الإلهية التي يقوم عليها الإيمان عندهم و هو في الحقيقة بحث عن وجه من الوجوه المهمة في شئون الإمامة، فإنّ كثيراً من البحوث حول الإمامة عند المتكلّمين يركّز على جانب صفات الإمام مِن بُعد أشبه بالفردي بخلاف الحديث عن النظام، فإنّه الالتفات إلى الإمامة كنظام اجتماعي سياسي و هذا البُعد أحد النظم و النظامات المرتسمة في هيكلية الإمامة، و قد أشار إلى مثل هذا البعد في الإمامة قوله تعالى: «إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ» فأشير في أبرز تعريفٍ لخلافة التصرف و التدبير في النظام البشري الأرضي إلى حيلولة تدبير الإمامة من وقوع الفساد الأكثري‌

10

و سفك الدماء المستأصل لغالبية وجود النسل البشري، و كذلك إشارة الصديقة الطاهرة (عليها أفاضل الصلوات) في خطبتها في التأسيس المعرفي «و إمامتنا نظاماً للملّة ...» فينبغي في تبيين الحقائق في معاني الإمامة الإلهية شرح الجانب المنظومي فيها بتوسط آليات علوم النُّظُم في قراءة النصوص.

و من المهم في دراسة النظام السياسي الاجتماعي عدم الاقتصار علي الهيكل الإداري الرسمي للدولة السياسية، فإن ذلك لا يمثّل مسحاً كاملًا لذلك؛ بل ما هو إلّا فصل من مجموع النظام العام، كما هو مقرّر حالياً في العلوم الإنسانية الاجتماعية و السياسية؛ فالبنية الثقافية بما تحمل من مكوّنات عقائدية و أعراف قانونية فقهية كرسوم و عادات متجذّرة في الهويّة الاجتماعية هي المحاور البنويّة لصرح النظام.

و على ضوء ذلك فإن مواقع التدبير و القدرة في النظام لا تنحصر في نظام الدولة الرسمية؛ فإنّ ذلك الموقع و إن كان ذو دور فاعل هامّ إلّا أنّ هناك مواقع عديدة أخرى مؤثرة أكثر باقتدار في النظام العام.

هذه الرؤية لبنية و محاور و هوية النظام العام تضفي بظلالها على قراءة كثير من النصوص الشرعيّة حول دور أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و دور الإمام المهدي- (عجل اللّٰه فرجه)- في الغيبة الكبرى الذي هو امتداد لدور الأنبياء و الرسل في ضمن حلقات لسلسلة واحدة، و كذلك علي قراءة النصوص الشرعيّة حول دور الفقهاء في عصر الغيبة الكبرى، و مؤثّرة في قراءة الدور الذي مارسه فقهاء الإمامية في قرون متطاولة.

كما و قد بات من المسلّم أكاديمياً في الأدبيات السياسية و الاجتماعية تنوّع صور الحكومات و القوى المتنفّذة في إدارة النظام الاجتماعي السياسي، فلا تنحصر قدرة التدبير في الحكومة الرسمية المعلنة على السطح فتنوّعت أسماء الأنواع الأخرى كحكومة الظلّ، و قوى الضغط، و حكومة الأعراف، و سلطة الأموال؛ فتنوعت الأنظمة الاجتماعية و السياسية إلى نظام المذاهب و نظام العشائر و نظام الديانات و نظام الطبقات و غيرها.

11

إنّ أحد دواعى الخوض في هذا البحث و كتابته هو ما انطبع خطأً عند جملة من أبناء المذاهب الإسلامية الأخرىٰ و أهل الحلّ و العقد عندهم أنّ مذهب الإمامية حيث تبنّىٰ في الآونة الأخيرة إقامة الحكومة الرسمية، فهو بمثابة الإعلان منهم بالتخلّى من اشتراط العصمة في الإمامة و القيادة السياسية العُليا و أنّ النظام آل عندهم بنائه علىٰ قاعدة الشورىٰ- بمعناها المقرّر عندهم و هى حاكمية الأكثرية، لا بمعناها القرآنى و هي المداولة العلمية الفكرية و جمع الخبرات و المعلومات و الانفتاح الفكرى و العلمى و المعلوماتى- و أنّ هناك حالة تمذهب جديد و ظهور لمذهبية بازغة للتوِّ فيهم و هى و إن كانت غير محسوسة لدىٰ الروّاد عندهم فضلًا عن أوساط قاعدتهم بنحو متميّز إلّا أنّ ظهور المذهبية في طبيعة بَدْوِها لا يُستشعر بها إلّا أنّها تأخذ في التنامى و الظهور و التشكّل و البروز كلّما تمادىٰ المسار، فتبدأ من إطار فكري مبتني علىٰ متبنيّات عقديّة يرتكز عليها و لو بنحو الإبهام فتُضفي بظلالها على المنهاج الفقهى و السياسى و منابع التراث و مستنداتها.

و كلّ ذلك الوهم ناشئ من عدم القراءة العلمية العميقة إلى الأسس الاعتقادية التى يتبنّىٰ عليها النظام السياسي عند الإمامية و كيفية تأثير تلك الأصول الاعتقادية علىٰ طابع النظام السياسي، مضافاً إلىٰ عدم تفرقتهم بين سعة دائرة الدين و الشريعة و ضيق دائرة النظام السياسي الاجتماعى و أنّ الإمامية متقيّدة في كلّ صغيرة و كبيرة بالكتاب و العترة و أنّ موقعية حجّية العترة لديهم هى الحجّية الذاتية نظير حجّية الكتاب، لا كحجّية طريقية كفتاوى الفقهاء و أخبار الرواة، سواء علىٰ مستوى المعارف الاعتقادية أو الفروع العملية و إذا كانت دائرة الفروع العملية أوسع بكرّات و مرّات من دائرة النظام السياسى، فضلًا عن دائرة المعارف الاعتقادية و الآداب و السنن، فكيف يتوهّم انحصار موقعيّة الإمامة في ضيق تلك الدائرة فقط؟

فهذا الوهم الخاطئ ناشئ- في أحسن تقاديره لو حمل على الصحّة- من السطحية في القراءة الأديانية و المذهبيّة و حقيقة موقعية الإمامة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ فإنّ خليفة المسلمين بالفعل في العصر الراهن في اعتقاد الإمامية و الإمام المنصوب مِن قِبل‌

12

اللّٰه تعالى إنّما هو المعصوم- و هو المهدى عجل اللّٰه ظهوره على السطح عياناً أمام الملأ- و أنّه الذى تنتهى إليه الولايات و الصلاحيّات و أنّ كلّ التشريعات العامّة و الأحكام و القواعد مأخوذة عن الكتاب و العترة، فأين تخلّى الإمامية عن ذلك؟ و هل نبذت الإمامية اتّباع أهل البيت و الأخذ عنهم بما هم أسباب اتصال بين الأرض و السماء و أنّهم الكتاب المبين الناطق الذى نصبهم اللّٰه و رسوله قَيّمين على المصحف، مبيِّنين للوح المحفوظ و الكتاب المكنون، لا بما هم رواة و فقهاء؛

فهل رَسىٰ النظام العقائدى للإماميّة الراهن القائم في هذا اليوم إلّا علىٰ ذلك و علىٰ معارف أهل بيت النبوة و كذلك نظام السنن و الآداب عندهم و نظام القضاء و نظام الفتيا و التشريعات العامّة و غيرها من الأنظمة و هل استحلّ أحد من علماء الإماميّة لنفسه نبذ ذلك؟ و رفع يده عن التمسك بكلّه؟

و هذا البحث في الحقيقة محاولة للقراءة الاعتقادية لأسس النظام السياسى الذى ترسمها الإمامية في عصر غيبة الخفاء و السرّية لحركة الإمام المهدى- (عجل اللّٰه فرجه)- و نشاطه و أن هذا الأساس كلّه مبنىّ على النظام العقائدى عند أهل البيت (عليهم السلام).

و أنّ مناعة البُنى العقائدية في منهاج أهل البيت (عليهم السلام) يلجئ التابعين لهم إلىٰ البصيرة و الحصانة عن الانزلاق و الانتهاج إلىٰ سبل الزائغة الأخرىٰ، فإنّ الذاكرة التاريخية تتحفظ لنا بمحن و امتحانات مرّت بها الطائفة من أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بقي فيها منهاج أهل البيت صلباً منيعاً لم تزلزله العواصف، بل ازداد تشعشعاً و وضوحاً و شَعتْ معالمه بأنوار كشفت المبهمات و أنارت السبيل بجلاء واضح، كلّ ذلك لما اشتمل عليه هذا الدين من إعجاز في نسيج مكوّناته؛ كيف و قد وعد اللّٰه بإظهار دينه و إتمام نوره.

و قد بحثنا عن منظومة السياسة و السلطة وفق معطيات الشيعة الإمامية و مكتب أهل البيت (عليهم السلام) في برنامجنا الدراسية و قد قام بتحرير و تأليف ما تداولناه من هذه البحوث كلّ من العلّامة النبيل السيّد محمد حسن الرضوي و العلّامة الفهّامة الشيخ مصطفى الإسكندري- أدام اللّٰه تأييدهما لخدمة الشريعة الغرّاء و الصراط الحق للفرقة الناجية- و هذا‌

13

الكتاب بمثابة الحلقة الأولى التي ستتبعها بقية الحلقات بمشيئة اللّٰه تعالى.

محمّد السند‌

قم المقدسة‌

25- محرم الحرام- 1426 ه‍‌

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

إليكم

إنَّ جوهر الموقف الشرعى الشيعى من السلطة علىٰ وجه العموم يستجلى ممثّلًا- بعد الكتاب و السنّة- في المصنفات الفقهيّة الشيعية التى لم تتناول في معظم الأبحاث السياسية إلّا لماماً؛ فالسياسة الشرعية الشيعية بعدَ كون جذورها في الأصول الاعتقادية- خاصة الإمامة- هى موضوع فقهى و تتحدّد معالمها و أحكامها في المجال الفقهى.

و بدأنا رحلة شائكة لاقتفاء جذور الفقه السلطانى الشيعى منذ عصر النص الى الوقت الراهن و حاولنا قراءة في الجذور من زاوية كلامية و فقهية لاستكشاف الأسس التى رسمها مكتب أهل البيت (عليهم السلام) في مجال النظرية و التطبيق.

و استفدنا لخطواتنا في هذه الرحلة الشائكة من إرشادات و إفادات شيخنا الأستاذ المحقّق الفقيه آية اللّٰه الشيخ محمّد السند- حفظه اللّٰه تعالى- و قد قمنا بتحرير أبحاثه الأنيقة لفتح باب جديد في التحقيق.

و قد تداول شيخنا الأستاذ عرض تلك المباحث ضمن حلقات دراسيّة و محاضرات و مقالاتٍ من سنة 1417 إلى سنة 1426 الهجرية و افتخرنا بتلقّى هذه الدراسات و تدوينها و تنظيمها بجهدٍ و تتابعٍ طوال تسع سنوات.

و أبواب و فصول الكتاب الإجمالية تنقسم بشكل رئيسى إلى مجموعة مباحث في الحكومة تارة و أخرى في الحاكم و ثالثة في المحكوم.

16

كما أنّها ستتوزّع المباحث في السلطات المتنوعة التشريعية و التنفيذية و القضائية و كذلك في سلطة الإعلام و سلطة الرقابة و في الثوابت و القواعد الأساسية في النظام الاجتماعى السياسى و نظام الحكم و منظومات الأنظمة المختلفة، كما سيتمّ التطرق إلىٰ ضرورة الحكومة و الجدل الدائر حول ذلك في عصر الغيبة و حقيقة دور المعصوم في هذه الفترة و دور نيابة الفقهاء و حقيقة الشورىٰ في الحكم عند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) و أنّها بمعنى اعتماد منهج الكيان و النظام الاستشارى و المؤسّسات العلمية أو أنّها بمعنىٰ سُلْطَوي لتحكيم إرادة الأكثرية المتغلّبة، كما سيتمّ استيفاء البحث في الفصول التى هى مثار جدل وسيع في عصرنا الحاضر من بحث حقوق الأقلّيات و المعارضة و اختلاف تشكيل الأحزاب و حقوق الإنسان و حقوق المرأة و العدالة الاجتماعية و العولمة.

و قد احتوى هذا المجلد على بابين يتضمّنان فصولًا في المباحث العامّة الكلّية في الحكومة و الحاكم.

و يعدّ هذا الجزء كالحلقة الأولىٰ من هذه الموسوعة السياسيّة و نسأل اللّٰه تبارك و تعالى أن يوفّقنا لإنجاز ذلك المشروع الضخم الثري و نستمدّ من صاحب الولاية الكبرىٰ الإلٰهية أن يشرقَ مسيرتنا بأنوار البصيرة و يفيض علينا الحكمة الربانيّة و يجعلنا خادماً للشريعة، و آخر دعوانا أن الحمد للّٰه رب العالمين.

قم المقدسة/ ذو الحجة 1424 ه‍‌

محمّد حسن الرضوي‌

مصطفى الإسكندري‌

17

خطوات تمهيدية

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

إشارة

من الواضح أنّ الأسس التشريعية القانونية لأيّ مدرسة من المدارس- الاعتقادية أم السياسية- لا تكفي بمفردها لإعطاء صورة و شكل للنظام في أيّ حقل من الحقلات؛ سواء كان النظام السياسي أو النظام القضائي أو الحقوقي أو غيرها من الأنظمة، بل لا بدّ علاوة علىٰ تلك الأصول التشريعية الأولية الفوقية، من آليّات صياغية لأطر تتنزّل فيها تلك التشريعات علىٰ واقع بيئة الموضوعات في ذلك الحقل؛ فتكون الصياغات القانونية متجاوبة و متناغمة مع البيئة الموضوعية الراهنة؛ و تكون تلك الأطر و الأشكال و مسارها التطبيقي إلىٰ تلك الأصول التشريعية. فالنظام التقنيني في أيّ حقل لا يشترط ثباته مثل ما هو الحال من الأصول التشريعية و إنما هو مواكبة من الأسس القانونية للجانب المتغيّر في أطوار المعاش البشري و مسار التمدّن الإنساني.

و علىٰ ضوء ذلك فيطرح السؤال بدرجة من الصراحة عن معالمِ نظامٍ سياسي علىٰ وفق الأسس الاعتقادية و التشريعية في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و أتباعهم من الطائفة الإمامية الاثنى عشرية و لِعطاء نبذة عن ذلك- و التفصيل و البسط سيطالعه القارئ في أبواب و فصول الكتاب- نشير بنحو الاقتضاب:

إنّ النظام السياسي المرسوم من قِبل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في فترة عدم تصدّى‌

20

المعصوم على المكشوف العلنى للسلطة السياسية يتكوّن مِن منظومة من الأركان؛ و قد أشير إلىٰ معالم هذا النظام من العمل بنحو الإجمال في جملة من الروايات عنهم (عليهم السلام) كما في التوقيع الشريف من الناحية المقدسة:

فإنّا نحيط علماً بأنبائكم و لا يعزب عنا شيئاً من أخباركم و معرفتنا بالإذلال الذى أصابكم، مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً و نبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم، كأنّهم لا يعلمون، إنّا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لو لا ذلك لنزل بكم اللأواء و اصطلمكم الأعداء، فاتقوا اللّٰه جلّ جلاله و ظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم، يهلك فيها من حمّ أجله و يحمىٰ عنها من أدرك أمله و هى إمارة لأزوف حركتنا و مباثّتكم بأمرنا و نهينا، و اللّٰه متمّ نوره و لو كره المشركون.

اعتصموا بالتقية مِن شبّ نار الجاهلية يحششها عصب أموية يهول بها فرقة مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم منكم فيها المواطن الخفية و سلك في الظعن منها السبل المرضية. (1)

فقوله (عليه السلام): ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً؛

اشارة واضحة إلى المنهاج الذى خطّوه لنظام العمل في هذه الفترة و كذلك قوله (عليه السلام): و سلك في الظعن منها السبل المرضية؛ و هو متضمن للتوصية بالاعتصام بهذا النظام المرسوم من قبلهم (عليهم السلام) و أنّ الالتزام به ضمانة لبلوغ إنجاز الهدف.

و نظير ذلك روى عن أبى عبد اللّه الصادق (عليه السلام) بعد ما بيّن النظام المرسوم من قبلهم (عليهم السلام) حيث قال:

و إنّهم لا يريدون بجائحة إلّا أتاهم اللّٰه بشاغل إلّا مَن تعرّض لهم. (2)

إنّ من مهامّ بحوث هذا الكتاب هو تسليط الضوء على أنّ العمل بإقامة النظام‌

____________

(1) الطبرسى، الاحتجاج، ج 2، ص 598 و 599. [توقيع منه (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله)]

(2) النعمانى، الغيبة، ب 11، ح 5، ص 197.

21

الاجتماعى الإيماني لا ينحصر في الصيغة السياسية المعلنة الرسمية و لا في الكيان للدولة الرسمية، بل إنّ آليات العمل و أطوار الأدوار لإقامة هذا النظام و الكيان تتّخذ إشكالًا عديدة و أساليب كثيرة و أدوات مختلفة و صياغات متنوعة و كلّ منها لا يقلّ في الأهميّة عن الآخر.

فإنّه قد توهّم أنّ النشاط و الحركة السياسية و الدينية منحصرة أو عمدتها هو في إقامة النظام السياسي في الساحة الرسمية و أنّ هذا النمط هو الكفيل بتحصيل أنفذ مواقع القدرة، بينما الظاهر من مفاد الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام)- و يشهد له جملة من أدبيات العلوم السياسية و الاجتماعية في الآونة الأخيرة- أنّ قوّة التحكّم و شدّتها، لها قنوات عديدة؛ مِن أهمّها و عمدتها هو مسار جميع الأنبياء و المرسلين و هو المسار الثقافى بما يتضمن من العقائد و الأخلاق و الآداب و القوانين و بناء الأعراف الاجتماعية بنحو المتجذّر علىٰ ذلك و أنّ الأدوات الكفيلة بأداء ذلك غير منحصرة بالقنوات الرسمية.

بل إنّ هناك جملة من القنوات الطبيعية و التقليدية التى لا تحصى عدداً نافذة التأثير في إنجاز ذلك من دون أن يعنى ذلك إغفال دور النظام السياسي الرسمي، كما أنّ الأخذ بنمط النظام العلنى هو ذو عرض عريض من الأنحاء و الحالات و الدرجات و لك أن تتمثل بالتركيب الوجودى للإنسان الصغير و تقايسها على المجتمع و الدولة، الإنسان الكبير.

ففى الإنسان الصغير الحقيقى، الفكر و العقل و العلم تتكفّله قوى تهيمن و تشرف على فريق القوىٰ النظرية و فريق القوىٰ العملية و قوّة الرَّويّ و التدبّر التى هى قوّة ذات جنبتين عملية و علمية و هى التى تتكفّل بتدبير أفعال الإنسان و تسييس حركاته و سلوكه، هذه القوّة تتأثّر بمجموع من القوىٰ العلمية و العملية الفوقانية عليها، كما تؤثّر فيها صفات الإنسان العلمية و العملية و الخَلفية الفكرية للإنسان و المعلومات التى زرّق لها و أنحاء العادات و العادات التى تربّىٰ و نشأ و‌

22

ترعرع عليها و مدى آفاق العلم التى انفتح عليها و مَدىٰ الدرجات الروحية التى رُوِّض عليهما إلىٰ غير ذلك من العوامل و المؤثّرات الكثيرة. نعم قوّة الرَّويّ و التدبّر تُسَيّس ما دونها من القوىٰ الغضبية و الشهوية و القوّة المحركة للعضلات و الأعضاء و الجوارح.

فإذا تبيّن تشكيلة هذا البناء الوجودى للإنسان الحقيقى و طبقات وجوده يتبيّن موقعية دور الأنبياء و المرسلين و خطّ الرسالة السماوية أنّه يقع في المواقع المتقدّمة الفوقية ليتمّ التحكّم في الطبقات النازلة و إن كان خلفاء اللّٰه المصطفون لم ينفكّوا منذ أول الخليقة عن موقع قوّة التسييس بالنحو الخفى النافذ تحت السطح و قد عرف في الآونة الأخيرة أنّ الحرب و الغزو الثقافى من أخطر الحروب و أنفذ أنواع السيطرة في أدبيات العلوم السياسية.

و نلقي بعض الضوء على أركان ذلك النظام:

منها: النيابة التى أذنوا فيها للفقهاء و العلماء التابعين لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، العارفين بعلومهم، العاملين بوصاياهم و تعاليمهم؛ و هذه النيابة هى بنحو استغراقى شمولى لكلّ من تتوفّر فيه في الشرائط اللازمة (1)؛ فإنّه يُخوَّل له تلك الصلاحيات المفوّضة مِن قبلهم (عليهم السلام) في النظام الاجتماعي للمؤمنين؛ و هذه الشمولية المفوَّضة ثابتة لكلّ منهم بنحو الاستقلال، لكن في ظلّ النظام المجموعى للمؤمنين، فعموم النيابة ليس بنحو العموم المجموعى و لا العموم البدلى بنمط صرف الوجود و هذا يخلق نحواً من التعددية و المشاركة بنحو التكثّر.

و لو أريد بيان ذلك بمثال فهو بنحو الملكية المشاعة في التصرف بين أفراد على العين الواحدة من دون لزوم تصادم أو تعارض بينهم في حين أنّ البيئة‌

____________

(1) قد أشرنا إلى ذلك في الفصل الثانى من الإمامة الإلهية، ج 1.

23

الموضوعية هى بيئة مجموعية و جماعية و لكنها تختلف عن الملكية في الأراضي المفتوحة عنوة مثلًا، حيث أنّها بنحو الملكية المجموعية الجماعية فليس هذا التفويض في الصلاحيّة النيابية بنحو الشورىٰ بالمعنى المطروح لدى أهل سنة الخلافة و هى حاكميّة الأكثرية و لا بنحو صرف الوجود في الشمول البدلى بحيث يؤدّى إلىٰ استبداد اول فرد تتوفّر فيه الشرائط بهذه النيابة و هذه الصيغة هى من خصائص العموم الاستغراقى المتميّزة عن خصائص العموم المجموعى و العموم البدلى.

و السرّ في كون عموم النيابة المفوَّضة للفقهاء و العلماء من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ طبيعة هذا النظام الاجتماعى للمؤمنين- و هو ما يعرف بالطائفة الإمامية- الذى هو الموضوع و البيئة الأرضية لهذه النيابة، أنّ طبيعة العمل المرسوم من قبلهم (عليهم السلام) لا يتحقق القيام بعهدته و كاهل مسئولية إلّا بنحو الكثرة الكاثرة المتعدّدة، لا سيّما أنّ نظام العمل المرسوم يقتضى التنوّع و المراقبة المتبادلة- التواصى- و التكافل و لا سيّما بعد عدم وقوف هذه البيئة عند حدود جغرافية و لا حدود قومية أو عرفية و لا عند حدود قطرية، بل هى منتشرة المدىٰ و المدار بحسب سعة انتشار الإيمان في أفراد البشرية، كما سيتبين ذلك تفصيلًا في فصول الكتاب.

و منها: المسئولية الملقاة على عامّة المؤمنين المكلّفين من المشاركة في إقامة الوظائف العامّة و إحراز شرائط النّواب، كما هو الحال في خطاب «وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ» (1)،

«لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ» (2)،

____________

(1) الرحمن/ 8.

(2) الحديد/ 25.

24

«كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، «كُونُوا قَوّٰامِينَ لِلّٰهِ شُهَدٰاءَ بِالْقِسْطِ» (2) و غيرها من الخطابات.

فإنّ المؤمنين مخاطبون بها لا مِن بُعد التدبير و الإدارة و الإشراف القيادي، فإنّ هذه الجهة و البُعد مخصوص بولاة الأمر المطهرين، بل عامة المؤمنين مخاطبون بها من بُعد المشاركة و التعاون مع ولاة الأمر المطهرين أصحاب الأمر في ليلة القدر و الرقابة على الجهاز الحاكم و على كلّ جهة دينية و مدنية فاعلة في النظام الاجتماعى و السياسي و الديني و الثقافى في مجتمع المؤمنين؛ و إلىٰ هذا المفاد مؤدّىٰ الآية:

«وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ يُطِيعُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ» (3)

و كذلك قولهم (عليهم السلام) خطاباً للمؤمنين:

أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلىٰ رواة حديثنا.

فَوَجَّهَ الخطاب بمسئولية الرجوع إلىٰ عامّة المؤمنين. و أيضاً:

اجعلوا بينكم رجلًا قد عرف حلالنا و حرامنا فانّى قد جعلته عليكم قاضياً. (4)

و غيرها من الروايات.

و منها: دور أهل الخبرة في الموضوعات المختلفة، فإنّ حجّية أهل الخبرة في كلّ مجال و موضوع ممّا تسالم عليه علماء المذهب.

و هذه الحجّية مستفادة من جملة من الآيات التى تشيّد العلم و أهله ممّا‌

____________

(1) النساء/ 135.

(2) المائدة/ 8.

(3) البراءة/ 71.

(4) الحرّ العاملى، وسائل الشيعة، كتاب القضاء، ب 11/ ح 6.

25

يقتضى- بالدلالة الالتزامية- بالحجّية الإيمائية و الإشارية، فضلًا عن السيرة الممضاة و هذه الحجّية الطريقية لا تقتصر في صياغتها على الكاشفية، بل هى متنوعة بتنوّع الحجّية في الأقسام النظرية و العملية، أى جانب الخبرة النظرية و الخبرة العملية و الجانب العلمى و الإدارى و غيرها من قوالب الحجّية. و هذا نمط من مشاركة شرائح عموم المؤمنين.

و منها: الوظائف الكبرىٰ المرسومة من قبلهم (عليهم السلام) فضلًا عن توصيات الكتاب و السنة و كبرىٰ تلك الوظائف نشر و ترسيخ العقائد الحقّة الحقيقية الواقعية و هداية و ارشاد البشرية إليها و هو ما يعرف اليوم بالمسئولية الثقافة و ما تقوم بشطر من عهدتها وزارة الثقافة و التربية و التعليم العالى في الحكومات الرسمية المعلنة و كذلك وزارة الإعلام، بل سلطة الإعلام التى هى سلطة رابعة في مقابل السلطات الثلاث، لكن هذا الدور لا يضيق و لا ينحبس و لا يقتصر فيه علىٰ أداء الحكومات السياسية.

و يشير إلىٰ هذا الدور و خطورة موقعيته قوله تعالى:

«وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا» (1)

فَنَبَّه تعالى على أنّ أهمّ أدوار الإمامة هى الهداية، كما أنّ أبرز أدوار النبوة هى الهداية بنحو البشارة و النذارة، كما في قوله تعالى:

«إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً» (2)

«رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ» (3)

«إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ» (4)

____________

(1) الانبياء/ 73.

(2) الأحزاب/ 45.

(3) النساء/ 165.

(4) الرعد/ 7.

26

و منها: نشر الأحكام الشرعية و الآداب الدينية و الأخلاق المحمودة من جهة العلم بها و زيادة مستوى الوعي الثقافى بها و ترسيخ دائرة العمل بها و كلّ ذلك نوع من الثقافة و الوعي القانوني الشرعى الذى يوطّئ للوظائف الأخرىٰ و يؤكّد عليها الكتاب و السنّة.

و منها: بناء الأعراف الصالحة القويمة التى يعبّر عنها بالقانون المفعَّل و التى تفوق القوانين المدوَّنة نفوذاً و تأثيراً و التزاماً من قِبل المجتمع و أشدّ في التقيد بها في النظام الاجتماعى من القوانين المدوَّنة و هى عبارة عن بناء عينيّة النظام الاجتماعى حقيقة و النظام المدنى.

و منها: سلطة القضاء و فصل النزاع و الخصومات من دون انحصار ذلك بآليّة القنوات الرسميّة ضرورة، فإنّ الرجوع إلىٰ القنوات التقليدية في العرف الشرعي الاجتماعى أسهل مَنالًا و أسرع وصولًا من عقبات المقررات الإدارية الرسمية المعقَّدة، بل إنّ في جملة من الموارد يتمّ الفصل بالمصالحة أو الاحتكام إلى القوانين الأولية و هى الفتاوىٰ و قد اضطرّت الأجهزة الرسمية القضائية في الدول الرسمية إلى الاستعانة بهذه الآليات التقليدية تفادياً عن تضخّم الركام المكدّس من ملفّات النزاعات الجنائية أو المدنيّة بعد عدم قدرة النُّظُم القضائية الرسمية الحديثية عن القيام بكافّة هذه الأدوار.

و منها: انشاء بيت المال و صندوق الخزينة للطائفة من الخمس و الزكاة و غيرهما من الموارد عبر القنوات و الآليات التقليدية بعيداً عن القنوات الرسمية التى تسيطر عليها الأنظمة السياسية و هذا ممّا يُعطى نمطاً من استقلالية المالية للطائفة عاشته منذ القرون الأولىٰ في عهد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى يومنا الحاضر ممّا يضمن استقلال الإرادة عن الأنظمة الوضعية.

و كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

أمنن على من شئت تكن أميره و احتج إلى من شئت تكن أسيره، و استغن‌

27

عمن شئت تكن نظيره. (1)

فلا زالت الطائفة مؤيّدة مسدّدة علىٰ جادّة الحقّ بحفظ تعزّزها عن الرضوخ لإرادات الأنظمة السياسية و بلاط الحكومات.

و منها: المشاركة في الأنظمة الوضعية بقيام ثلّة من المؤمنين بذلك- كَثُر التعداد أم قلّ- مع التشدّد علىٰ جملة من الشروط الهامّة في ذلك، أوّلها أن لا يكون في ذلك إعطاء الشرعية لأنظمة الوقت و أنشطتها و بأن لا يستند النشاط الممارِس مِن قِبل المؤمنين المشاركين إلى المذهب و مسار الشرعية فيه.

و بعبارة أخرى: لا تتبنّىٰ عموم طائفة المؤمنين شرعية ذلك النظام الذى حصلت فيه المشاركة و المراد بسلب الشرعية عن تلك الأنظمة هو أنّ سلوك تلك الأنظمة لا يلصق بالدين القويم و بمنهاج أهل البيت و طريقتهم (عليهم السلام)، فالبون شاسع بين النظرية و التطبيق، إذ لا تطابق بينهما إلّا عند النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أهل بيته المعصومين (عليهم السلام) لأنّهم القرآن الناطق و سيرتُهم و سياساتُهم وحيانيّة، كما قال تعالى:

«مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ* وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ* إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوىٰ» (2)

و قوله تعالى:

«إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ* فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (3)

و هو ما يتنزّل في ليلة القدر من برامج و أنظمة في التدبير كلّية و جزئية لا تغادر صغيرة و لا كبيرة، فَعَلىٰ مستوى العمل و السلوك و السيرة و السنن لا يتواجد الشرعية المطلقة إلّا في النبي و أهل بيته (عليهم السلام)، بل إنّ سيرة النبي و أهل‌

____________

(1) الصدوق، كتاب الخصال، باب التسعة، ح 14.

(2) النجم/ 1- 4.

(3) الدخان/ 1- 2.

28

بيته (عليهم السلام) ذات قيمة موضوعية ذاتية في رسم الميزان و منهاج الصواب، و أمّا في غيرهم فالمحكَّم هو الميزان و قواعد الشرع المبين؛ و من ثمّ كان هناك تشدّد بالغ في توصيات أهل البيت (عليهم السلام) على فصل مسار الشرعية عن مسار الأنظمة الوقتية ليظلّ الميزان و القسطاس رقيباً على المسار الثانى و ليكون المسار الأول مرجعاً يحتكم اليه و يُقاضىٰ إليه أصحاب المسار الثاني و لئلّا تتحكم السياسات الوقتية و مصالح الحكومات في تغيير هويّة الميزان و حقيقة العدل و قواعد الحق عمّا هى عليه.

و من ثمّ كانت المشاركة بمختلف درجاتها قوّةً و ضعفاً و بمختلف أشكالها و أنماطها لا تحمل اسم الشرع و لا تنسب إلى ذمّة الشريعة و لا إلىٰ عهدة الدين. و هذا الشرط فيه من التّحفظ و الصيانة للدين عن التغيير كما فيه من الحماية و الوقاء لبيضة الدين و معالمه عن الاندراس.

و الشرط الثانى في المشاركة هو الإصلاح بقدر الوسع و إقامة الحق و العدل و عدم السعى في الفساد و الظلم و العدوان و البغى و المنكر و الفحشاء و سفك الدماء المحترمة و هتك الأعراض الخَفِرة و للمشاركة فيها، و غير ذلك من الشروط الأخرىٰ.

و منها: الوحدة في الرؤية و التعبئة باتجاهها بمراقبة الأمر العام و الأمور الذائعة، فإنّ الذيوع و الإفشاء و الانتشار لأىِّ شي‌ء أمر بالغ النفوذ في الموقف و المسيرة لجماعة المؤمنين سواء في الحقل الفكرى و الاعتقادى و الأخلاقي أو الأمنى و السياسى و التى تتّخذ من أدوات التحسين و التقبيح، و التخطئة و التصويب، و التصحيح و التغليط، و التحذير و الإثارة، و التطمين و الإرعاب، و التشويق و التنفير، و المدح و الذم، و التشجيع و التهديد، و الموادّة و العداوة، و غيرها من نوافذ هذا الباب و التى يتمّ من خلالها تغيير الأعراف و السنن و الأفكار و العادات و التقاليد.

29

المحاور المهمّة في النظام السياسى

إنّ من المحاور المهمّة المثارة في تدوين النظام السياسي في الأدبيات السياسية و القانونية هو جملة من المحاور:

الأول: مدى و مدار حاكميّة السماء و القانون الإلهي في مقدّرات نظام الحكم و كذلك الحاكم المفوّض إليه صلاحيّة الحكم.

الثاني: مدى مشاركة الأمّة في مسار الحكم و الحكومة و النظام السياسي و الدور المفتوح لها.

الثالث: مؤدّى النسبة و التناسب بين المحورين السابقين علىٰ صعيد السلطات الأربعة في الحكم: السلطة التنفيذية و السلطة القضائية و السلطة التشريعية و السلطة الإعلامية.

المحور الأول: العناصر الأساسية في حاكميّة التشريع الإلهي و صلاحيّات الحاكم المفوّض إليه الحكم

و يتضمّن هذا المحور بيان أسس الثبات في أصول التشريع و في مصدر صلاحيّات الحاكم في الحقول المختلفة في الأنظمة الاجتماعية و السياسية و هذه العناصر مؤثّرة لا محالة في شكل و إطار النظام السياسي مهما فُرض تغيّره و تكييفه بحسب الأطوار البيئيّة لحياة البشر.

30

و بعبارة أخرىٰ: إنّ القضية القانونية أو الفقهية المحكَّمة في بنود أيّ نظام سياسي أو اقتصادي أو غيرهما تتشكّل من محورين أساسيين:

محور الموضوع أو المتعلّق للحكم و محور المحمول أو الحكم.

و القضية تتألّف من هذين الجانبين بإطارها و شكلها، إذ مجموعهما هو المكوّنات الأساسية للقضية و هذه القضية و القضايا القانونية و الفقهية يمكن فرضها علىٰ صعيد كلّ المحاور التي تقدّم تعدادها؛ فتفرض علىٰ صعيد السلطة التشريعية و القضائية و السياسية و الإعلامية.

و القضايا هي الراسمة لشكل النظام و الأنظمة في الحقول المختلفة و على ضوء ذلك يتبيّن أنّ هناك مشاركة بين المحمول و الموضوع في رسم القضية و رسم إطار النظام، فَبُعدُ المحمول- الذي هو الحكم- يمثّل جانب الثبات و بُعد الموضوع يمثّل جانب المتغيّر.

أما بيان تعداد عناصر الثبات، فمن البديهي أنّ ثبات الشريعة يَعني ثبات الأحكام و بالتالي ثبات المحمول و ذلك حسب سلسلة مراتب الحكم بدءاً من الأصول القانونية الفوقية إلى أن تصل إلى سلسلة بقية الأحكام المتنزّلة منها، حتى تعود الأحكام في الطبقات النازلة إلى كونها أحكاماً ولائيّة أو ما يعبّر سياسية و الذي يراد به التطبيق الوقتي الراهن للأحكام الثابتة و طبيعة التطبيق لا يأخذ جانب الثبات و من ثمّ يسمّىٰ حكماً وَلَويّاً أو حكماً سياسيّاً، أي سُيّسَ فيه تدبير الموضوع لتطبيق الحكم الثابت المناسب له.

أما شرائط الحاكم فلا ريب بحسب الأدبيات الدينيّة أنّ مصدر الولايات و القدرات و السلطات و منبع الصلاحيّات هو منه تعالى، ثمّ منه تعالى إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و منه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى المعصومين (عليهم السلام) أي إلى المهدي- عجل اللّٰه تعالى فرجه- و هذه الولاية فعليّة له في عصر الغيبة و ستارها و حجابها و عدم تصدّيه في الظاهر العالَمي لا يعني عدم تصدّيه في الواقع الخفي.

31

و من ثمّ تكون الصلاحيّة مفوّضة للفقيه و المجتهد نيابيّة محدودة غير بديلة عن ولايته- عجل اللّٰه تعالى فرجه- بل قائمة بولايته- عجل اللّٰه تعالى فرجه- و سيأتي أنّه (عليه السلام) و كذا الأئمّة (عليهم السلام) من قَبْله رسموا شرائط خاصّة لِمَن له تلك الصلاحيّة النيابيّة و إنّهم فوّضوا إحراز تلك الشرائط في المصاديق إلى الأمّة و يشير إلىٰ هذه الطولية قوله تعالى:

«أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (1)

و مفاد الآية يشير إلى المراتب الثلاثة الأولىٰ: أي ولاية اللّٰه و ولاية الرسول و ولاية المعصومين.

و يشير إلى المرتبة الرابعة النيابية قوله تعالى:

«إِنّٰا أَنْزَلْنَا التَّوْرٰاةَ فِيهٰا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هٰادُوا وَ الرَّبّٰانِيُّونَ وَ الْأَحْبٰارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتٰابِ اللّٰهِ» (2).

حيث جعل الأحبار في الرتبة المنشعبة عن مرتبة الربّانيين و هم المستحفظون الوارثون للكتاب الإلهي، أي الأوصياء المعصومين.

و من المهمّات الالتفات إلى مغلوطة منتشرة في أذهان جملة من نخب المذاهب الإسلامية الأخرى تجاه الإماميّة بأنّهم في الغيبة الكبرىٰ قد تبدّلت رؤيتهم في شرائط الحكم و الحاكم، فقد رفعوا اليد عن لزوم العصمة في الإمام الحاكم و بنوا على صحّة الشورى في الحكم، و على ضوء ذلك فقد آل أمر الإماميّة- حسب وهمهم- إلى ما عليه أهل سنّة جماعة السلطان و الخلافة من شورويّة الحكم و انتخاب الحاكم.

و هذه الذهنية المقلوبة عن تنظير الحكم و تعيين الحاكم ناشئة عن بعض التعبيرات الواردة في جملة من الكتب المؤلّفة أخيراً في الأندية العلمية بأنّ الإمام‌

____________

(1) النساء/ 59.

(2) المائدة/ 44.

32

المهدي- عجل اللّٰه تعالى فرجه- ليس متصدّياً بالفعل لإدارة و تدبير الحكم السياسي، و أنّ الغيبة بمعنى الإقصاء و الذهاب و زوال الحضور عن الساحة؛ فهو- عجل اللّٰه تعالى فرجه- ليس بحاضر حالياً في الميدان و ليس متصرّفاً في الأمور. بل في بعض التعبيرات إنّ الإمامة السياسية لا تكون فعلية إلّا بالبيعة و التصدّي العلني الرسمي؛ و ما في بعضها الآخر أيضاً من أنّ الشورى قاعدة للحكم عند عدم النص و في الغيبة، حيث انه- عجل اللّٰه تعالى فرجه- لم يتصدَّ فهو بمنزلة انعدام موضوع النص، و غيرها من التعبيرات التي لا تتسق و لا تنسجم مع مفهوم الإمامة الإلهية التي يؤصّلها القرآن و السنّة كعقيدة أساسية في حصول الإيمان، فإنّ الآيات و الروايات المتواترة كلّها على أنّ الأرض لا تخلو من حجّة و إلّا لفسدت و ساخت، لأنّ اللّٰه جعل بنحو دائم في الأرض خليفة، كما هو مفاد الآية الشريفة:

«إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ» (1)

فغاية هذه السنّة الإلهية الدائمة هى الممانعة عن وقوع الفساد، أي عن إطباقه على الأرض و لكي لا يستأصل النسل البشري، و الآية تقضي بأنّ من أبرز خواص الخليفة في الجعل الإلهي هو قيامه بتدبير النظام البشري و إصلاحه بنحو يتفادى عن وقوع المحذور الذي اعترضت به الملائكة، فكيف يفرض ارتفاع و انعدام ذلك الخليفة؟ و هل عدم العلم بهويّة الخضر (عليه السلام) دليل نافٍ لوجوده و دوره الفاعل الذي أشارت إليه سورة الكهف، و هل الإمامة الفعلية لإبراهيم و إسحاق و يعقوب (عليهم السلام) التي عهدها الباري تعالى لهم و حكى شيئاً عنها ما سطّره التاريخ الذي لا يتناول في غالب ما يؤرّخه إلّا ما يطفح على السطح و ما يتّخذ شكلًا معلناً، كما هو دأبه في العصر الراهن حيث لا يقيّد القلم إلّا ما هو ظاهر مكشوف لا ما هو‌

____________

(1) البقرة/ 30.

33

خفي مستور، لكن مع ذلك شهد للنبي إبراهيم (عليه السلام) أيادي عظيمة على البشرية حيث طهّر عقل و روح الإنسانية عن الوثنية و عبادة الكواكب و بقية ملل الشرك إلى نور التوحيد و الملّة الحنيفية، و هل ذلك يتمّ بنحو عفوي و بعمل فردي أم هو بإدارة و تدبير منظومة تدير دفّة النظام البشري، فإنّنا نشاهد أنّ التغيير الثقافي و لا سيما الاعتقادي لا يمكن بسهولة، فكيف تسنّى ذلك للنبي إبراهيم (عليه السلام) من دون نظام نافذ في المجتمعات البشرية و لو بنحو خفي متستر.

و كذلك الحال في ما يقصّه لنا القرآن المجيد في سورة الكهف من نشاط الخضر (عليه السلام) عند لقاء النبي موسى (عليه السلام) معه و كانت أفعاله في الصميم تأثيراً على منعطفات المسار البشري، و كلّها ضمن برنامج إلهي معهود بتفاصيله، يقوم بدوره ضمن مجموعات بشرية معهود إليها ذلك كما ذكره تعالى: «فَوَجَدٰا عَبْداً مِنْ عِبٰادِنٰا آتَيْنٰاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنٰا وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً» (1) فقال: «مِنْ عِبٰادِنٰا» الذي يشعر بأنّه في منظومة العبّاد.

و كذلك منظومة الآيات و السور الواردة حول ليلة القدر و ما يتنزل من إحصائيات و استبيانات عن مستقبل كلّ شي‌ء «فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (2) «من كل أمر» (3) و هذا التقدير و التحديد الذي لا يتخلّف عنه مستقبل الأشياء تتنزّل هذه المعلومات الخطيرة على من اصطفاه اللّٰه من العباد لإدارة نظام البشر «يُنَزِّلُ الْمَلٰائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ» (4)

و هذا البرنامج يتجدّد في كلّ عام، بل ظاهر بعض الآيات و صريح جملة من الروايات أنّ من فصوله تجدّده كلّ أسبوع، بل كلّ يوم. و هذه الحقيقة إذا تقرّرت،

____________

(1) الكهف/ 65.

(2) الدخان/ 5.

(3) القدر/ 4.

(4) النحل/ 2.

34

كما سيجدها القارئ في الكتاب، سوف يسلّط الضوء علىٰ كيفية ارتباط هذه الواقعية مع انشعاب جميع الصلاحيّات في الأبواب القانونية و الفقهية في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من مركز الصلاحيّة و الولاية و هو المعصوم (عليهم السلام) و أنّ كلّ كيان و نظام و فصل من فصول و نظامات النظام الاجتماعي السياسي لأتباع أهل البيت يستمدّ من ولاية المهدي- عجل اللّٰه تعالى فرجه- الفعلية الراهنة سواء على صعيد النظرية أم على صعيد التطبيق و التنفيذ و الإجراء.

و من الأساس التشريعي الثابت هو المشاركة و هو المعروف بقاعدة الشورىٰ لا بالمعنى الذي انتهج في السقيفة و مذاهب السنة، بل بالمعنى المتبنّىٰ من مذهب الإمامية؛ فإنّ مؤدّاها تحكيم الحقيقة و الوصول إليها عبر الطريق المدلَّل عليه المبرهَن و هو الذي يحكَّم على الآراء، سواء كانت أكثرية أم أقلّية.

فقاعدة الشورىٰ في مذهب الإمامية، هي حاكميّة العلم و الفحص عنه على الآراء و الميول و الأهواء و حاكميّةُ العقل كذلك و هو عين مفاد الحديث الشريف و هي «أعقل الناس من جمع عقول الناس إلىٰ عقله» و هو شعار آخر الحضارات التي توصّل إليها البشرية و النمط التمدّني الذي انتهت إليه و هو حضارة المعلومات و العِلم الجمعي و العقل الجمعي لا الأهواء و الميول الجمعية و النزعات الهيجانية النفسية الجمعية، بل المدار على العلم و العقل المتوزّع في المجموع.

و هذا المفاد لقاعدة الشورىٰ في مذهب الإمامية يطابق قاعدة أخرىٰ لديهم و هي الحسن و القبح العقليان الذاتيان للأشياء، حيث أنّ مؤدّىٰ هذه القاعدة الثانية هو أنّ الحُسن للواقعيات أو القبح لا يتأثّر بالآراء و ليس هما أمران تصادق عليهما الأكثرية و لا يتولّدان من تباني الأكثرية عليهما، بل هما ينبعان من حاقّ الواقع؛ فالنظام المالي العادل حَسَن و إن صَوَّبَتْ الأكثرية بما يخالفه و كذلك في مثل النظام النقدي و القضائي و الحقوقي، فعدالة الأشياء لا ترتهن برأي و لا بادراك الأكثرية و لا الأقلّية، بل بحسب الواقع الخارجي للحقائق. و يتمّ تحقيق هذا الأصل عبر‌

35

اتخاذ هياكل و قنوات و آليّات متناسبة مع كلّ عصر و مكان و بلاد.

و حجية قولهم في الموضوعات من المسلّمات الفقهية في جميع الأبواب إلّا ما خصّه الدليل كموارد العقوبات الجنائية (الحدود) و غيرها و هذه الحجّية في الحقيقة و إن كانت طابعها علمياً و طريقياً و احرازياً إلّا أنّه سيأتي أنّ حجيّة الإحراز و الإثبات، لها طابع القدرة و السلطة و النفوذ. و علي أيّ حال فلا بدّ للحاكم بالنيابة عن المعصوم أن يستعين في سلسلة مراتب و فقرات نظام الحكم بأهل الخبرة من كلّ مجالٍ؛ و قد أشار (عليه السلام) إليه في عهده إلىٰ مالك الأشتر.

المحور الثانى و هذا يتألّف و يشاهد في عدّة أبعاد:

أوّلها: عملية انتخاب الحاكم

و هذه العملية ليس في حقيقتها توكيل من الأمّة للحاكم و لا تولية منهم إليه، بل صلاحيّة الحاكم منشعبة من ولاية و صلاحيّة الإمام (عليه السلام). إلّا أنّه قد فوّض إليهم إحراز و تعيين الواجد لتلك الشرائط.

فحقيقة الانتخاب ترجع إلى الكاشفية و الإحراز و إعطاء حجية الكاشفية و إن لم يكن إعطاء ولاية الأمّة و سلطة و ملكية القدرة إلّا أنّ حجية الكاشفية و تشخيص المصداق، حيث أنّها لازمة الاتّباع و الانقياد لها، فهذا لونٌ من ألوان الولاية و السلطة و إن كان بنحو شفّاف ضعيف.

و هذا الدور تقوم به الأمّة ابتداءً و يظلّ مستمراً للزوم إحراز بقاء الصفات و هذه النظرية من الانتخاب تَبَنّاها المذهب العقلي في القوانين الوضعية البشريّة حيث أنّ أتباع المذهب العقلي يقرّرون أنّ أخذ الشرائط في الحاكم و أيّ مدير ذو صلاحيّة في النظام السياسي و غيره في أيّ درجة و سطح- هو بحكم العقل‌

36

سواء الفطري أم التجريبي- و بالتالي فهي حاكميّة للعقل علي إرادات آحاد الأمة. (1)

حجّية قول أهل الخبرة في الموضوعات

و علىٰ ضوء المدرسة العقلية الوضعية تكون حقيقة انتخاب الأمّة هي كشف المصداق و المورد الواجد لتلك الشرائط التي يُخَوّل العقل الصلاحيّة للحاكم، فالصلاحيّة عندهم منْبَعها بالذات هو الحكم العقلي.

و إذا تقرّر هذا في رأس الهرم، فيتقرّر في ما دونه من مراتب إدارة الحكم من المُدَراء، فللأُمّة بحسب الآليّات العصرية متابعة واجديّة الولاة و المُدَراء لشرائط الكفاءة ابتداءً و بقاءً.

البُعد الثاني: حجّية قول أهل الخبرة في الموضوعات

و هذا سارٍ في طبقات المراتب المختلفة في النظام السياسي و غيره و بالتالي مشاركة من النخبة في مسيرة نظام الحكم؛ بل إنّ الفقيه و المجتهد لا يَنْفذُ حكمه إلّا بضميمة قول أهل الخبرة في كلّ موضوع لكلّ مجال و مورد. و هذا نحو من المشاركة في القرار و الحكم.

و حجّية أهل الخبرة من المسلّمات الفقهية و هذا المعنى هو أحد مؤدّيات مفاد نظرية الشورىٰ عند مذهب الإمامية؛ حيث إنّ الصحيح من معناها هو مداولة الآراء و الوصول إلى الحقيقة و الصواب لا أنّ مؤدّاها سلطة الأكثرية و سطوتهم على الأقلّية.

البُعد الثالث: مراقبة الامّة

لكلّ نظام الحكم من رأسه إلىٰ طبقاته المتوسطة إلىٰ فروعات قاعدته و شُعَبها و نجد جذر هذا التشريع متأصّلًا في النهج الديني بدءاً في اولىٰ خطواته، فإنّ الاعتقاد بالنبوة و الإمامة و المتابعة و الانقياد لهما (عليهما السلام) مشروط بإحراز الأمّة عبر المعجزة و الدليل العلمي اتصافهما بهذين العنوانين فضلًا عن بقية المراحل النهج الديني.

____________

(1) ذكره الدكتور السنهوري في مقدمة الوسيط و مصادر الحق.

37

و من نماذج و أنحاء مراقبة الأمّة و ممّا يشير إلىٰ هذه الصلاحية للأمّة ما قرّر في مباحث المعارف الدينية من حجّية العقل و لو بنحو محدود مقيّد باليقينيات؛ فإنّ ذلك يُعطي مؤدّى نحو مشاركة للأمّة بما لهم من عقل في النظام الديني علىٰ صعيد التنظير و التطبيق.

و من نماذج مشاركة الامّة محاسبتها و متابعتها لمسيرة الحكم و يشير إلىٰ ذلك أيضاً قوله تعالى:

«وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (1)

و في هذه الآية إشارة إلىٰ عموم ولاية الناس لا في إعطاء الحاكم الولاية، فإنّ ولاية الحاكم بمقتضى الآيات العديدة للّٰه و لرسوله و لأولي الأمر من ذي القربىٰ، بل ولايتهم في المراقبة و المحاسبة و النظارة على مسير الحكم و هو ما قد يعبّر عنه بالنصيحة.

و في الآية إشارة إلىٰ نموذج آخر من مشاركتهم و هو دركهم لما هو المعروف و لما هو منكر و سعيهم لإقامة الأول و إزالة الثاني؛ فإنّ الأمّة و إن كانت محكومة بالحاكم إلّا أنّ المحكوم بدوره و نوبته هو الطرف الآخر في فعل الحكم الذي لا بدّ من فرض فعله، كي تتمّ عملية فعل الحكم؛ فبذلك اللحاظ و الحيثيّة يكون على الأمّة مسئولية مراقبة المعروف و عدم حصول المنكر في كل المجالات و الحقول بحسب ما تتمكّن منه من جهة المعرفة الصحيحة و من جهة الأداء.

و يشير إلىٰ هذا الدور، العديد من الآيات الأخرى التي تتضمّن توجه الخطاب إلى الامة في موارد الأفعال التي يقوم بها نظام الحكم؛ فإنّ النكتة في عموم الخطاب- و الذي يفيد عموم المسئولية للجميع- لا يعني اتحاد سنخ المسئولية في القيام بمؤدّى الخطاب، بل لأنّ الامّة و إن كانت محكومة بالحاكم‌

____________

(1) التوبة/ 71.

38

المشروع إلّا أنّها تشارك الحاكم في فعل الحكم من حيث أنّها منفعلة بفعله و مؤازِر له على القيام به، فتتفاعل معه في ذلك الفعل من تلك الحيثية. فهذا هو سرّ توجيه الخطاب بنحو العموم.

و لا ريب أنّ شكل و أدوات و آليّات المراقبة هي خاضعة لعقل التجريبي و الخبروات التي يتبادلها المجتمعات البشرية في ما بين بعضها مع بعض. و استخدام الآليّات المناسبة العصريّة هو الجانب المتغيّر في مقام الأداء لما هو الثابت الديني.

و هذا نموذج ثالث لمشاركة الناس- في هذا البُعد- ألا و هو اتّخاذ الآليّات من تجارب العقلاء و الأمم، سواء علىٰ صعيد الحكم أو صعيد آليّات المراقبة و النظارة؛ ما دامت الثوابت الدينية قابلة للانحفاظ في شكل تلك الآليّات.

و هناك نماذج عديدة أخرىٰ تتولّد من ولاية نظارة الأمّة علىٰ نظام الحكم و لا تنحصر في نماذج معيّنة و إنّما ما مرّ كان من باب بيان و التمثيل لأبرزها.

البُعد الرابع: و هو البُعد الإعلامي

و ينطوي فيه الجانب الثقافي علىٰ صعيد كلّ ميادين الثقافة و الوعي العلمي؛ و قد عُدَّ في الآونة الأخيرة آليّة مهمّة للتأثير علىٰ مجريات الأمور، سواء التأثير على الرأي العام أو على النظام السياسي و الحكومة و من ثمّ عُدّ الإعلام سلطة رابعة تُوازي سلطة السلطات الثلاث؛ بل قد تذهب بعض النظرات الحديثة الآكاديميّة إلى أنّ الإعلام يفوق القدرات الأخرىٰ في القوة و التأثير و إحاطة الناس و الأمم بحقائق مجريات الأمور و وقوفهم علىٰ تفاصيل الحوادث بدقّة هو الكفيل بتحمّلهم المسئوليّة و التكاليف الملقاة علىٰ عاتقهم و تمسّكهم بطريق الصواب و حفظهم عن طريق الغيّ و الضلال.

و في الحقيقة هذا الدور للإعلام ليس وليد هذا العصر المتأخّر و إن تبيّن ذلك بوضوح في هذا العصر بسبب قدرة جهاز الإعلام و التُرسان الضخمة لآليّاته إلّا أنّ دوره و تأثيره هو من اليوم الأول في النشأة البشريّة نظراً لكون الإنسان موجوداً‌

39

درّاكاً يُصدر أفعاله عن الرأي الذي يتكوّن له و الذي هو وليد المعلومات التي يستقيها سواء الكلّية أو ما يتعلّق بالموضوعات التي تحيط به.

و من ثمّ أكّد القرآن الكريم على المشورة و استقاء الرأي علىٰ ما هو الصحيح في نظرية الشورىٰ، كما هو عليه مذهب الإمامية، لا بمعنىٰ حاكمية و قدرة الأكثرية، كما أشير إلىٰ خطورة الاعلام في قوله تعالى:

«وَ إِذٰا جٰاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذٰاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لٰا فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطٰانَ إِلّٰا قَلِيلًا» (1)

و هذه الآية تشير إلىٰ مَدىٰ خطورة الإذاعة للمعلومات و الأخبار و مدى أهمية تسييس الخبر و أنّ الإعلام و الإذاعة للمعلومات كيف يوجب اضطراب الأمور أو اعتدالها و استقرارها و أنّ هذه القدرة للإعلام لا بدّ أن يتحكّم فيها الحاكم الشرعي و هو الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و أولو الأمر (عليهم السلام) مِن بعده الذين أُمِر بطاعتهم ممّا يدلّ علىٰ أنّ هذا الإعلام قوّة و سلطة من سلطات التحكم في النظام الاجتماعي السياسي، مع أنّ القرآن الكريم قد بيّن في سورة أخرىٰ أنّ الإعلام حقّ عامّ لجميع المؤمنين و قال: «وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ» (2)

حيث إنّ الشور و التشاور هو تبادل الآراء و الاطلاع على آراء الآخرين كعلم جمعي و عقل جمعي، لا من حيث أنّ الأكثرية أو المجموع و الجمع لهم نافذية القدرة، بل من حيث توسعة أفق الاطلاع و الوصول إلى الرأي الجزل و رأي الخبير الفطن و إن كان أقليّة و رأي النخبة و لا تنافي بين هذين المفادين؛ لأنّ الآية الأولىٰ تشير إلى إدارة و تدبير جهاز و عالَم المعلومات و الآية الثانية تشير إلىٰ مورد مصرف المعلومات و أنّها من حق عموم المؤمنين على الوالي تزويدهم و تغذيتهم‌

____________

(1) النساء/ 83.

(2) الشورىٰ/ 38.

40

بها بنحو ناصح، مضافاً إلى أنّ الآية الأولىٰ موردها ما يتعلّق بالأمن الاجتماعي السياسي النظامي و الآية الثانية موردها عموم الموارد الأخرىٰ العامة.

و من الآيات التي تشير إلىٰ ذلك قوله تعالى:

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ» (1)

و في هذه الآية إشارة إلىٰ لزوم التمحيص في الأنباء و التثبّت فيها عموماً لا سيّما تلك التي ترتبط بالجماعات و الأقوام و أحوالهم و شئونهم و حقوقهم.

و أيضاً يشير إلىٰ ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) و في كتاب له إلى امرائه على الجيش:

من عبد اللّٰه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح (أي حماة الثغور): أمّا بعد، فإنّ حقّاً على الوالي أن لا يغيّره علىٰ رعيّته فضل ناله و لا طَول خُصَّ به و أن يزيده ما قسّم اللّٰه له من نعمه دنواً من عباده و عطفاً على إخوانه. ألا و إنّ لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرّاً إلّا في حرب و لا أطوي دونكم أمراً إلّا من حكم و لا أؤخّر لكم حقاً عن محله و لا أقف به دون مقطعه و أن تكونوا عندي في الحق سواء. (2)

و كلامه (عليه السلام) يؤسّس قاعدة في مجال الإعلام و الإخبار: إنّ الوالي و الحاكم يجب أن لا يُخفي على الرعية شيئاً من الأمور إلّا ما يُخلّ اظهاره و انتشاره بالأمن الاجتماعي لا الأمن العائد إلى شخصه.

____________

(1) الحجرات/ 6.

(2) نهج البلاغة، الكتاب/ 50.

41

المحور الثالث: مؤدّى النسبة بين المحورين السابقين علىٰ صعيد السلطات الأربعة في الحكم

إنّ عمدة بيان وجه النسبة الخاصّة بين هذه النظرية في الحكم و الحاكم عند مذهب الإمامية- حيث إنّ ولاية الحكم منشعبة من ولاية اللّٰه و لا تنالها و لا تطالها يد البشر، ثمّ لرسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) و لأولي الأمر من قرابته هذا من جانب. و من جانب آخر ما مرّ من نظارة و مراقبة الرعية و الامّة لنظام الحكم و أمرهم بالمعروف و إقامتهم له و نهيهم عن المنكر و إزالتهم له و غيرها من الحقوق التي مرّت- يتمّ ببيان النسبة و العلاقة بين هذين الجانبين بأنّ ولاية الوالي لا تستمدّ من الرعية و الامّة حتىٰ في نائب المعصوم، بل هي منشعبة من ولاية المعصوم الذي ولايته منشعبة من ولاية اللّٰه و رسوله؛ و ذلك لا ينافي دور الرعيّة و الأمّة من مراقبة جهاز الحكم و نظامه و مساره حتى في جهاز حكم المعصوم، كما هو ملاحظ في حكومة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و حكومة علي (عليه السلام)؛ حيث إنّ في حكومته (عليه السلام) و إن كان رأس الجهاز معصوماً إلّا أنّ بقية فقرات الجهاز و أعضائه ليسوا كذلك؛ هذا فضلًا عن حكومة غير المعصوم ممن ينوب عنه (عليه السلام).

و هذه المراقبة من الامّة تتحدّث في مواضع الثوابت و المسلّمات لا مواضع الاجتهاديات و اختلاف الآراء إلّا أن يكون ذلك من النخبة ممن يضطلع بالأدلة الكافية و البراهين العلمية.

و كذلك للُامّة و الرعيّة إحراز واجديّة من ينوب عن المعصوم للشرائط ابتداءً و بقاءً و كذلك لجملة من شرائح الأُمّة كأهل الاختصاص من الحقول المختلفة المشاركة في فقرات حياة النظام السياسي نظراً لاضطلاعهم في مجال اختصاصهم.

كما أنّ للُامّة و عليها تمكين و إقدار و معاونة إمام الحق و نوّابه على إمساك زمام الأمور في النظام السياسي، كما أنّ لهم و عليهم إزالة و مدافعة أنظمة الجور إلىٰ‌

42

غير ذلك من الأدوار ممّا يدلّ على أنّ هناك تمام التفاعل بين نظرية النص في الإمامة و فتح المجال أمام الأمّة للقيام بأدوارها.

43

السلطة و الولاية و أنماطها

إنّ السلطة و الولاية هما بمعنى القدرة نظير الملكية و يقرب منهما الحق، فإنّه على أصحّ الأقوال سلطنة ضعيفة و هى كالملكية تتشعّب و تنقسم إلىٰ شعب و أقسام عديدة لا تكاد تحصر في عدد و ذلك بسبب اختلاف المتعلّق و متعلّق المتعلّق لها.

و بعبارة أخرىٰ: إنّ القدرة تتنوّع و تتكثّر بحسب المتعلّق و الموضوع، كما قد تتكثّر بحسب الشدّة و الضعف؛ و بالتالي تكون أنواعاً متباينة متخالفة، لكلٍّ آثار و أحكام متخالفة عن النمط الآخر.

و حقيقة التعدّد هذه في السلطنة و الولاية بالغة الأهميّة، إذ يترتّب عليها عدم صحّة التمسّك بالإطلاق في جانب النفي و في جانب الإثبات، إذ اللازم تحرّي نمط الولاية الوارد في الدليل بعد فرض تباين أنماط الولاية و السلطة عن بعضها البعض.

فمنها: ما يكون بنحو الإمامة و الخلافة و القيادة العُليا في النظام الاجتماعي و السياسي و الديني و هي التي يبحث فيها عن ضرورة العصمة.

و منها: ما يكون ذات دائرة أضيق من السابقة كخصوص القيادة العسكرية و الأمنية أو الإدارة و التدبير لمحافظة معيّنة أو حقيبة وزارية و نحو ذلك؛ فمن ثمّ‌

44

يطلق عليها بعناوين ماهويّة مباينة كالمحافظ و الوزير و نحوها من العناوين.

و منها: ما يكون أضيق دائرة من النمطين السابقين كإدارة مؤسّسة أو شعبة وزارية، فيطلق عليه مدير أو وكيل مساعد.

و منها: ما يكون منشأ القدرة و السلطة هو نفس الرأي العلمي كالقوّة التشريعية من المجالس النيابية، فمن ثمّ تسمّى المجالس النيابية بالسلطة التشريعية و كان منصب الإفتاء للفقهاء ليس إخباراً محضاً، بل نحو حاكميّة في الطائفة، فنافذيّة الفتيا و التشريع في المجتمع و النظام السياسي و الاجتماعي نحو سلطة و اقتدار و بالتالي نمط من الولاية.

فترىٰ في هذا النمط من القدرة الاختلاف بينها و بين ما قبلها ليس في سعة و ضيق الدائرة و إنّما في سنخ القدرة و الولاية.

و منها: فصل النزاعات، أي القضاء و هو نمط أيضاً من السلطة و القدرة يهيمن علىٰ المسار الاجتماعى و من ثمّ يعبّر عنه بالسلطة القضائية، بل إنّ السلطة القضائية قد يفرض متعلّقها بفصل النزاع بين أجنحة السلطة نفسها كالنزاع بين السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية و يعبّر عنها بالمحكمة الدستورية أو سلطة القضاء الأعلىٰ. فهذه السلطة و القدرة وظيفتها التعديل في القدرات و السلطات، سواء تعديل القدرات الفردية أم القدرات ذات الطابع المجموعي.

و منها: الولاية في الأمور الحسبية ذات النطاق المحدود التي قد تسمّىٰ في مصطلح القانون الوضعي بإدارة الأمور الخيرية نظير التدبير و القيمومة على القصّر و اليتامى أو المعتوهين أو الأوقاف العامة أو الخاصة أو وصايا الأموات مع عدم الوارث و الوصي و نحو ذلك، فإنّ تدبير تلك الأمور و القيمومة عليها نحو سلطة و قدرة إلّا أنّها من نمط يختلف عما سبق من الأقسام و من ثمّ يعبّر عنه بالناظر و القيّم و القائم بالمصلحة كذا.

و منها: ولاية التواصي بالمعروف و التناهي عن المنكر؛ فإنّ مداخلة فرد في‌

45

شئون الفرد الآخر نحو تصرّف في حوزة شئون الغير و تقاطع في الإرادة و من ثمّ كان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر نحو ولاية اشير إليها في قوله تعالى:

«الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (1)

و كذا قوله تعالى:

«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ» (2)

ثمّ إنّ هذا التواصي إذا أخذ في الانتشار كظاهرة اجتماعية يأخذ نمطاً من القدرة السياسيّة العامّة و حكومة الأمّة و المجتمع علىٰ نفسه و إن كان مجرى هذه القدرة العامّة يختلف عن مجرى و قناة الحكومة و الدولة. و لعلّه إلىٰ ذلك يشير تعبير الفقهاء بولاية عدول المؤمنين و إن كان ظاهر مرادهم تخصيصه بالحسبيات.

إلّا أنّه مع اطلاق المتعلّق ينطبق علىٰ هذا النمط من الولاية و القدرة.

هذا و الولاية و السلطة و القدرة كصفة في الموجودات التكوينية ترجع إلىٰ كمالات الوجود و هي بطبيعتها تشتدّ شدّة و ضعفاً بدرجات كالوجود و بالتالي فتتباين حدود الماهيّات بحسب ذلك.

و منها: التولية و التفويض في إحراز صفات المنصّب في موقع من مواقع القدرة في النظام الاجتماعي و السياسي، كما في تفويض إحراز شرائط المرجع أو القاضي أو الوالي إلىٰ عموم المكلّفين؛ فإنّ دورهم هذا و إن كان استكشاف واجديّة الشرائط إلّا أنهم نمط من الولاية و الخيار لهم، كما لو كان هناك عدّة من الواجدين لصفات فيتخيّر في الرجوع إليهم و هذا النمط من الولاية غير استكشاف أصل الخبرة في الموضوعات المختصة بمجال.

و منها: حجّية قول أهل الخبرة في الموضوعات، سواء علىٰ صعيد الشبهة‌

____________

(1) التوبة/ 71.

(2) العصر/ 3.

46

الحكمية أم الموضوعية في الموضوعات المستنبطة في مجال تحليل ماهيّة الموضوع و تحديد أجزائه المكوّنة لذاته؛ فإنّ هذه الحجّية و إن كانت أمارة كاشفية إلّا أنّ لزوم الاتّباع لها نَحوُ نفوذ لرأي أهل الخبرة و بشكل عام، فإنّ الحجج العلمية طراً يكون لصاحبها نحو نفوذ و ولاية، كما تقدّم في فتوى الفقيه، فإنّها و إن كان إخباراً حدسياً من فهم الفقيه لمفاد الأدلّة و نتائجها إلّا أنّ نفوذ قوله و حجّيته نحو من السلطة التشريعية.

47

في ماهيّة السلطة

إنّ ضروب الأدلّة الواردة لإمضاء فعل معيّن أو إقامته تنقسم- كما هو المعروف- إلىٰ الأدلّة التي تتعرّض إلىٰ شرائط الفعل في نفسه كأدلّة شرائط العقد من الموالاة و الماضوية و شرطية القبض في الرهن و الصداقة و نحو ذلك.

و إلى أدلّة شرائط مورد الفعل، و موضوعه، كشرائط العوضين في المعاوضات.

و إلىٰ أدلّة الفاعل لذلك الفعل، كأدلّة شرائط المتعاوضين و المتعاقدين.

و لا يصحّ التمسّك بإطلاق أحد الأنماط لنفي الشرائط المشكوكة في حيثية النمط الآخر لعدم كون أدلّة النمط المعيّن في صدد بيان حيثية النمط الآخر.

هذا من جانب و من جانب آخر إنّ تنقيح الموضوع في الأدلّة المتعرّضة إلىٰ القضية الشرعية يتمّ عبر خمس مراحل:- كما حرّر في علم الأصول-.

الأولىٰ: تحديد المعنى أو المعاني الموضوع له اللفظ أو الألفاظ؛ أي تعيين أصل المعنىٰ بنحو الإجمال الذي له رابطة العلقة الوضعية باللفظ. و في هذه المرحلة قول اللغويين معتمد من باب أهل الخبرة. (و تسمّى بالحقيقة الوضعية)

الثانية: بعد الفراغ عن تحديد أصل المعنىٰ يتمّ تحليل أجزاء المعنىٰ الحدِّيّة و الرسميّة و تركيبه بدقّة و عمق و يتمّ ذلك بتوسّط أهل اختصاص ذلك العلم‌

48

الباحث عن ذلك الموضوع. فهاهنا يكون الدور لأهل الخبرة و الاختصاص العلمي في علوم الموضوعات المختلفة دون اللغويين؛ إذ منتهىٰ دورهم هو تحديد الارتباط بين اللفظ و أصل المعنىٰ؛ و أمّا البحث في ذات المعنىٰ في نفسه فليس ذلك من شأنهم.

و مراعاة هذه المرحلة بمكان من الأهميّة في عملية الاستنباط و الاستظهار من الأدلّة؛ إذ يتمّ تحديد موضوع الأدلّة بمداقّة تامّة، فلا يقع الخلط في مفاد الأدلّة و لا يعطف فيه إلىٰ غير ما سيقت له. (و تسمّى بالحقيقة التكوينية أو الماهويّة)

الثالثة: تحديد الحقيقة الشرعية أو ما هو بمنزلتها من تصرّفات الشارع و قيوده الموجبة لتضييق أو توسعة المعنىٰ. (و تسمّى بالحقيقة الشرعية)

الرابعة: تحديد المعنى الاستعمالي الذي وقع في الأدلّة.

الخامسة: استقصاء الألفاظ المختلفة ذات المعاني المتعدّدة الواردة في لسان الدليل (و تسمّى بتحديد المعنى الجدّي)

و من حيث الترتيب تراعى المرحلة الأولىٰ أوّلًا، ثمّ الرابعة، ثمّ الخامسة، ثمّ الثانية و الثالثة؛ و ذلك لأنّ المراحل الأولىٰ و الرابعة و الخامسة إنّما توصل الباحث إلىٰ بدايات حدود المعنىٰ من دون أن يقتحم أرض المعنىٰ و يلج فيه بعمق و هذا بخلاف المرحلة الثانية و الثالثة.

و علىٰ ضوء ذلك فلا بدّ من الالتفات في المقام إلىٰ أنّ موضوع البحث- و هو الحكم بمعنىٰ القيادة و الولاية و صلاحيّة الرئاسة- لا بدّ من تحديد كنه معناه تحليلًا و تركيباً كي لا يقع الخلط بينه و بين موضوعات أخرىٰ متّصلة بشكل آخر بأعمال الحكومة و الدولة، فنقول:

إنّ المعروف لدى الحكماء في باب الحكمة العملية تعريف الحكم و فعل الحكومة بتدبير سياسة المدن وفق ضوابط و قوانين مقرّرة و أهداف و غايات مرسومة و تعيين القرارات و ترسيم الخطط و المسارات و البرامج لإدارة و الرقي‌

49

بأمور الناس و النظام الاجتماعي و توجيهه إلى الأهداف المعيّنة و قريب من ذلك ما ذكره الفارابي في إحصاء العلوم (1) و الخواجه نصير الدين (2).

فعنوان التدبير يقارب عنوان الإدارة و النظم و في جملة من التعريفات الأخرىٰ أخذ عنوان السلطة و القدرة و القوّة إلّا أنّه لا تنافي بين المعنيين للزوم تقييد كلّ منهما بالآخر، أي إنّ المحصّل على القدرة على التدبير و سلطة الإدارة و نظم المرافق المختلفة لهيكل النظام الاجتماعي و السياسي للمجتمع.

كما أنّه لا بدّ من اليقظة و الالتفات في تعريف الحكومة و الحكم إلى أنّ ذات معنى هذا الفعل إذا جرّد بدقّة يختلف عن وظائف الحكومة و مسئولياتها، فإنّ القضاء في نزاعات الناس و إقامة العدالة فيهم و توزيع بيت المال بالقسط و غير ذلك من أفعال الحكومة و إن كانت من شعب أفعالها و أنشطتها إلّا أنّها من قبيل موضوعات فعلها، أي موضوع الموضوع و من قبيل الموارد لفعلها و إلّا فهو بالأصالة لا يخرج عن حدود التدبير و الإدارة و النظم.

و من ثمّ كان الوالي علىٰ بلاد معيّنة قد يقوم بنصب القاضي و الخازن لبيت المال و ينصب ثالثاً رئيساً للديوان إلىٰ غير ذلك من الأيدي و الأعوان. و كما هو الملحوظ في ظاهرة الحكم و الحكومة في العصر الحديث، فإنّه قد راج أخيراً أنّ الوظيفة الأصلية للحكومة و الدولة هو الإدارة و الاشراف علىٰ مرافق النظام العامّ و إن لم تقم هي بوظائف أركانه و من ثمّ انتشرت ظاهرة خصخصة المؤسّسات العامّة، أي ايكال أعمالها إلىٰ الشركات الأهلية مع حفظ سلطة الإشراف و النظارة و الولاية للدولة و الحكومة و هو مقام الولي الناظر المشرف على أفعال المولّىٰ عليه، فإنّه يخفّف مِن كٰاهِل أعباء الدولة و يجرّدها إلى القيام بالفعل الأصلي للحكومة.

____________

(1) الفصل الخامس.

(2) الخواجة، اخلاق ناصرى، ص 12.

50

و هذه الظاهرة الأخيرة في عالم السياسة و الحكومات تؤكّد و توضّح ماهيّة الفعل الأصلي للحاكم و الحكومة و السلطان و القدرة و أنها التدبير و الإدارة و النظم و ترسيم خطط العمل؛ نعم لا نريد من ذلك تخصيص ذلك الفعل بالسلطة التنفيذية في مقابل السلطة التشريعية و القضائية حسب التقسيم و المصطلح المعاصر، بل ما يشمل ذلك، إلّا أنّه لا بدّ من التمييز بين وظائف العامّة و وظائف أجزاء و أعضاء النظام الاجتماعي السياسي و بين الفعل و الوظيفة الأصلية للحاكم و الحكومة. و لتقريب الفكرة نذكر هنا المثال و هو مثال المخّ و الدماغ و بقية أعضاء البدن، سواء أعضاء القوّة الهاضمة أو أعضاء الحركة الدمويّة و العضلات أو أعضاء الإدراكات الحسّية، فإنّ المخّ يدير و يدبّر كلّ تلك الأعضاء حتى إنّه لو فرض توقّف بعض خلايا الدماغ لتسبّب ذلك في توقّف أعمال جزء تلك الأعضاء و عطالها، مع أنّ وظيفة الهضم و الحركة و الإدراك لا يقوم بها الدماغ مباشرة.

و من سياسات الدول في عصر الحديث التركيز على الفعل الأصلي للحكومة و هو الحكم و الحاكميّة و التخلّي عن الأفعال الثانوية لها و إن كانت هي وظائف عامّة و يطلقون على النمط الأول من الفعل- الذي هو ماهية الحكم- فعل الحاكميّة و النظارة و الرقابة و يرغّب الباحثون في علم الإدارة و القانون و السياسة اتّساع مرافق الحكومة و مؤسّساتها من هذا الجانب، إذ كلّ ما اتسعت رقابتها و إشرافها سبّب ذلك تحكيماً للقانون بنطاق واسع.

و من جملة التوسّع في هذا الجانب أيضاً التوسّع في السلطة القضائية، بل تعدّ من أبرز محاور الفعل الأول و هو الحاكميّة و من هنا يظهر سرّ التعبير عن القضاء في روايات نصب الفقهاء بجعل الحاكم «إني جعلته حاكماً».

و منه يظهر عمومية حاكميّة الفقيه نيابة عن المعصوم بنصبه قاضياً، أي بالالتفات إلى النكتة المزبورة.

أمّا الفعل الثاني فيطلقون عليه فعل التصدّي و القيام بالخدمات العامّة و‌

51

الوظائف ذات الطابع العامّ، فإنّه تابع لحقيقة فعل الحكم و الحاكميّة و لك أن تقول:

إنّ الفعل الثاني مورد و موضوع للفعل الأول، فالفعل الأول حكم و الفعل الثاني موضوع له.

ثمّ إنّه بعد تقرير ماهيّة فعل الحكم الأصلية و اختلافها عن وظائف واجبات النظام الاجتماعي يتمّ علىٰ ضوئها التفرقة بين الأدلة المتعرّضة للولاية و الصلاحيّة القانونية و الأدلّة المتعرّضة لوظائف النظام.

هذا و هناك حيثية أخرىٰ هامّة في ماهيّة الوظائف العامّة التي تقوم بها الدولة أو الحكومة و الحاكم و الوالي و هي أنّ تلك الأفعال التي من قبيل القضاء و تجييش الجيوش و الإعداد العسكري أو القيام بالخدمات العامّة لحاجيات الناس و رفاههم، كالصحّة و التعليم و الضمان الاجتماعي و تأمين وسائل و أدوات المعيشة الضرورية من الماء و الكهرباء يشتمل وجودها علىٰ حيثيتين: حيثية الفاعلية و حيثية الانفعال و المطاوعة و شأنها في ذلك شأن بقية الأفعال و لذلك جرت في هيئات المواد هيئة دالّة علىٰ حيثية الفاعلية في وجود المادّة و هيئة دالّة علىٰ حيثية المطاوعة و القبول في وجود المادّة.

و الحال في أفعال و وظائف الحكومة و الحاكم كذلك، فإنّ هذه الأفعال موضوعها و ظرفها النظام الاجتماعي و البيئة البشرية و مرافقها المحيطة بها و بالتالي فهي أفعال ذات جنبتين و حيثيتين و المخاطب بها يصلح أن يكون كلًّا من الطرفين؛ لأنّ كلّاً منهما له مسئوليته و وظيفته تجاه ذلك الفعل المشترك؛ فمن إطلاق الأمر المتعلّق بتلك الأفعال لا يمكن استفادة نفي قيد من القيود في صلاحيّة الوالي و الحاكم لعدم تعرّض الإطلاقات و الأدلّة لخصوص الحيثية الفاعلية في الفعل؛ و هذا بخلاف ما لو كانت الأدلّة متعرّضة إلى الفعل الذي ماهيّته صرف التدبير و الإدارة و النظم لمرافق النظام السياسي و أجزاء الدولة.

فتحصل: إنّ التمسّك بالأصل اللفظي الوارد في الأدلّة الآمرة بوظائف الدولة‌

52

و أنشطتها و أفعالها- لنفي القيود المشكوكة في الحاكم- في غير محلّه، بخلاف ما لو كان الدليل وارداً في نفس ماهيّة التدبير و الإدارة و القيادة و النظم الحكومي.

53

حيثيات فعل الحكم

إنّ لمتصدّى الولاية فعلين: الفعل الأول تصدّيه لسدّة الشي‌ء و تمكّنه من ذلك المسند و جلوسه فيه؛ و الفعل الثاني مباشرته لآحاد الأفعال و التصرّفات في ذلك المسند.

و في مقابل ذلك تنصيب الناس له و تمكينه من ذلك المسند و الفعل الثاني الانصياع و انفاذهم لتصرّفاته. هذا تقسيم لفعل التولّي من حيثية التكليفية من طرف الوالي و المتولّى عليه و أمّا من الناحية الوضعيّة فيقع الشكّ في التولّي بمعنيين أيضاً:

الأول: في وجود هذه الولاية التي هي ماهيّة وضعية.

و الثاني: في نفوذ تصرّفاته وضعاً، أي حجيّتها كماهيّة وضعيّة أيضاً.

مقتضى القاعدة عند الشك في شرائط الحاكم

و تنقيح الحال في الشكّ في الولاية تارة بحسب الأصل العملي و أخرى بحسب الدليل الاجتهادي.

أمّا الأول: فقد يقرّر جريانه في الفعل التكليفي من الطرفين بأنّ البراءة و أصالة الحلّ تجريان في المقام للشكّ البدوي في الحكم التكليفي.

54

و أمّا الحكم الوضعي فيقرّر جريان أصالة عدم الماهيّة الوضعيّة، لأنّها نحو من المسبّب الإنشائي المشكوك وجوده في أفق اعتبار الشارع، سواء كان بمعنى الولاية من طرف المتصدّي أو بمعنىٰ الحجّية و هي من طرف المتولّىٰ عليه.

و قد يقال: إنّ للمتصدّي و المتولّي للمسند المشكوك ليس من اللازم بنائه على الولاية الشرعيّة، كما أنّه ليست من اللازم للمتولّى عليهم البناء على الحجّية و النفوذ الشرعي لذلك المتصدّي، بل يكفي لكلا الطرفين البناء على الولاية العرفيّة و الحجّية البنائية العقلائية و لو الحاصلة من تراضي الطرفين أو تعاقدهما، فيندرج في أوفوا بالعقود أو في عقد الإجارة أو البيع و نحوهما، بأن تكون خدمات المتصدّي من تدبيره و إدارته مورد استيجار المتولّى عليهم أو يكون قيام المتولّى عليهم بإجراء تصرّفات المتصدّي و إنفاذه العمل مورد استيجار المتصدّي فيلزم الطرفين بهذا التعاقد.

و التحقيق: عدم جريان الأصول العملية الفراغيّة في الأفعال التكليفية في المقام و ذلك لأنّ الحكم التكليفي المشكوك ينقسم إلىٰ حكم تكليفي مجرّد محض و إلى حكم تكليفي مشوب بالمعنىٰ الوضعي و هو الذي قد أخذ في موضوعه حكماً وضعياً آخر، ففي مثل الحكم التكليفي المتعلّق بالتصرّفات في الأعيان الماليّة أو في الأمور العامّة في النظام الاجتماعي ليس الشك في الحرمة و الحلّية ناشئاً إلّا من الحكم الوضعي و هو ملكيّة تلك العين أو ملكيّة التصرف في الأمر العامّ و هو الولاية، و يكون الحكم التكليفي المزبور بمثابة شعبة منشعبة من الحكم الوضعي المتقدّم عليه رتبة، ففي مثل النمط الثاني من الموارد لا تجري مثل البراءة و أصالة الحلّ لاختصاصهما بالقسم الأوّل؛ بل الجاري حينئذٍ في المقام هو الاحتياط و التوقّف لتنقيح الأصل العملي الجاري في الموضوع و هو الحكم الوضعي عدم موضوع الحلّ، إذ ليس الشكّ في الحلّية الذاتية و الطبعيّة لذات الفعل و لذات الشي‌ء، بل الشك في الحلّية الناشئة من ملكيّته لتلك العين أو لذلك‌

55

التصرّف في الأمور الوَلَويّة أي في الأمور العامّة.

و على ذلك فلا تجري الأصول الفراغية في الحكم التكليفي المنشعب من السلطة و الملكيّة و الحق المشكوك، بل الجاري هو الاحتياط و أصالة المنع؛ لأصالة عدم ذلك الملك و الحق و لا يعارض بأصالة عدم ملك الغير و حقّه، لأنّه لا يثبت موضوع الحلّ للمشكوك.

و لا يتوهّم أنّ الغرض في تحرير الأصل العملي هو نفي الحرمة من دون لزوم إثبات الحلية، إذ العذرية يكفي فيها نفي الملزِم، لا إثبات اطلاق حكم الفعل. و ذلك لأن التصرّف في المقام ليس تصرّفاً كفعلٍ مجرّد، كما في المباحات العامّة، ليكون حكماً تكليفياً مجرّداً و إنّما حقيقة الفعل في المقام و التصرّف ترجع إلى أكل المال و لو بنحوٍ تدريجي مما يتوقّف على الملك، فهو نظير التصرّفات الوضعية المتوقّفة على إحراز الملك.

و ما اشتهر من عدم توقّف التصرفات التكليفية المجرّدة على الملك بخلاف الوضعية إنما يتمّ في المباحات دون الأعيان المملوكة الخارجة عن الإباحة الأصلية؛ فإنّها في كلا النمطين من التصرّفات متوقّفة على الملك.

و لمزيد البيان للمطلب نقول: إنّ هناك قسمين من الحلّ و الحرمة: أحدهما الحلّ و الحرمة الطبيعيين و الذاتيين، و ثانيهما الحلّ و الحرمة الفعليين.

أمّا الأول فهو الحكم التكليفي الثابت للأشياء بحسب ذواتها، مثل حلّية شرب الماء و حرمة شرب الخمر و نحو ذلك.

و أمّا الثاني فهو الذي يثبت للأشياء بعنوانٍ آخر طارئ، سواء كان عنواناً أولياً أو ثانوياً، كالحلّية الثابتة للأعيان المملوكة و الحرمة المترتّبة علىٰ ملك الغير و حرمة ماله و مثل الحلّية الناشئة من الاضطرار أو الحرمة الناشئة من الضرر؛ ففي موارد الشك في الحلّية و الحرمة الناشئة من الملك لا يوجد شك في حلّية التصرّف الطبعية الذاتية كي تجري أصالة الحلّ أو البراءة و إنّما الشك في الحلّ‌

56

و الحرمة من القسم الثاني ذي الموضع الخاص كما تبيّن.

و قد ينعكس الفرض بأن يقع الشك في الحلّ و الحرمة الذاتيين مع عدم الشك في الحلّية من القسم الثاني لكون الشي‌ء ملكاً محرَزاً، كما لو شك في حلّية معاملة خاصّة واقعة علىٰ ماله.

و هذا هو مراد من قال بأصالة الحرمة في الأموال المجهولة المالك، أي الحرمة من النمط الثاني؛ بتقريب أنّ المال المعلوم الملكيّة لشخصٍ ما و لم يبقَ على إباحته الأصلية فله حرمة خاصّة و لا يسوغ انتهاكها أو اقتحامها إلّا بمسوّغ.

و قد يستفاد هذا المفاد كأحد مداليل الآية الشريفة في قوله تعالى: «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (1) أي لا تأكلوا المال المملوك إلّا بطريق محلّل تعلمونه (طريق حِلّ محرَز)

و يدعم ذلك التفصيل عدم جريان البراءة العقلية أو العقلائية في مثل هذه الموارد؛ أمّا البراءة العقلية فلاختصاصها وفاقاً لمشهور المتكلمين الإماميين بموارد الجهل المركّب و الغفلة دون الجهل البسيط و أمّا موارد الجهل البسيط فهي البراءة العقلائية المجعولة من قبل العقلاء المحتاجة إلىٰ إمضاء الشرع؛ و قد عرفت أنّ أدلّة الأصول المفرِغة لا تتناول مثل هذا النمط من الموارد ممّا ينشأ الشك في الحلّ و الحرمة من السلطنة على التصرّف من الملكية أو الحقّ.

مضافاً إلى أنّ الأصل المقرّر عنه العقلاء في مثل هذا النمط ليس هو البراءة العقلائية أيضاً، بل المقرّر لديهم الاحتياط في ذلك لا سيّما في الأفعال ذات الظاهرة العامّة في النظام الاجتماعي، فإنّ التصرّف في الأمور العامّة و التصدّي لها يتوقّف لديهم علىٰ شرعية قانونية يسوغ بها مباشرة الأمور العامّة و إلّا كان التصدّي و التصرّف غير مشروع لديهم؛ مع غضّ النظر عن الوجه المشرّع القانوني لديهم‌

____________

(1) النساء/ 29.

57

كمثل التعاقد الاجتماعي أو سلطة النخبة أو غيرها من المذاهب لديهم.

ثمّ إنّ هذا التقرير لمنع جريان الأصل المفرغ كما يجري في جانب المتصدّي للتصرّفات في المسند و المقام المشكوك صلاحيّته له، كذلك يقرّر في من يتعاطىٰ مع تصرّفاته من المحكومين أو المتولىٰ عليهم أو من يريد أن يرتّب الأثر علىٰ تلك التصرّفات (تصرّفات المتصدّي)

فيتلخّص: أنّ الأصل العملي في كلٍّ من الحكم التكليفي و الوضعي جارٍ بالمنع بالاضافة إلىٰ جميع الأطراف. و أمّا دعوى البناء و التباني العقلائي القانوني لديهم من دون بناء ذلك علىٰ الحكم الشرعي، فإنّ غاية ذلك دفع إشكال التشريع دون التخلّص من الحرمة الشرعية، فإنّ موضوع أدلّة التحريم الشرعي في المعاملات و الأمور الوضعية هو وجودها بحسب البناء العرفي لتكون الحرمة رادعة و صادّة عن البناء العرفي تعديلًا له و سوقاً إلى الطريق الذي يسوّغه الشارع، كما أنّ أدلّة الحلّية و الإمضاء أيضاً موضوعها الوجود بحسب البناء العرفي و إلّا لو كان موضوع الأدلّة الوجود بحسب الاعتبار الشرعي للزم من ذلك التناقض في موارد الحرمة و تحصيل الحاصل في موارد الحلّ و الإمضاء.

و محصّل هذا التوهّم الذي قد يكرّر في عدّة من أبواب المعاملات و الأحكام هو كون التعبّدات الشرعية إنّما يلزم المكلّف بها إذا أراد التديّن و التقيّد بها؛ و إلّا فهي غير نافذة عليه و هو كما ترىٰ.

و أمّا عموميّة الأبواب المعاملية كالبيع و الإجارة و الوكالة و الهبة و غيرها من العقود و الشروط لموارد التعاقد السياسي أو العسكري أو الاقتصادي المالي في الأموال العامّة و غيرها من المجالات فهو متين و متّجه بحسب عموم أدلّة تلك المعاملات إلّا أنّ غاية ذلك إمضاء المعاملة من حيث الشرائط و إجراء الماهيّة في نفسها و ليس هو دليل إمضاء المتولّي و المتصدّي لتلك المعاملة كما هو الشأن في المعاملات الفردية؛ فإنّ أدلّة إمضاء المعاملات ليست أدلّة إمضاء لولاية الفرد‌

58

و عدم حَجره، بل أدلّة سلطنة الفاعل تلتمس من نمط آخر من الأدلّة.

أمّا الأصل اللفظي فقد يتمسّك بالعديد من الآيات و كذلك الروايات الآمرة بإقامة وظائف الحكومة و الحكم في مجال القضاء و المال و الحدود و التعزيرات (العقوبات الجنائية) و الجهاد من الوظائف العسكرية و الأمنية.