الدر المنضود في أحكام الحدود - ج2

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
436 /
3

الجزء الثاني

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و صلّى اللّه على سيّد الأوّلين و الآخرين محمّد و عترته الطاهرين، الذين هم أساس الدين و عماد اليقين و أبواب الوصول الى جوار ربّ العالمين و اللّعن على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين و بعد، فإنّ من أهم الوظائف التي جعلها اللّه سبحانه على عاتق كل فرد مسلم على العموم و على عواتق من منحه اللّه علم الدين السعي في ترويج الدين و إبلاغ الأحكام إلى الناس، فالعلماء مسئولون تجاه أحكام اللّه تعالى، و الدين أمانة اللّه العظيمة في أيديهم، و الناس رعايا تحت رعايتهم.

قال الإمام الحسين سيّد الشهداء (عليه السلام) في ضمن خطبة له: و أنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تعون ذلك، بأنّ مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه الأمناء على حلاله و حرامه. (1).

و لمّا كانت هذه المسؤولية الخطيرة مصيبة عظيمة، فأداؤها و مراعاتها‌

____________

(1) تحف العقول عن آل الرسول ص 169.

4

و الحفاظ عليها يصعد بالعالم المهتم بذلك مقاما رفيعا و يوجب له أجرا جزيلا يعرّف ذلك بينه و بين ملائكة اللّه المقربين و يدعى عظيما عند سكّان السماوات الروحانيّين.

فعن حفص بن غياث قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): من تعلّم العلم و عمل به و علّم للّه دعي في ملكوت السماوات عظيما، فقيل: تعلّم للّه و عمل للّه و علّم للّه (1).

و على أساس هذه الفكرة السامية فقد قام العلماء الأكارم بحفظ شئون الدين و إحياء أحكامه و نشر آثاره بكل طاقاتهم و غاية جهودهم في إشكال مختلفة و بمناسبة الظروف و الأحوال الشخصية و الاجتماعيّة فشكر اللّه مساعيهم الجميلة.

و أمّا اليوم فالمسئولية خطيرة و الخطب عظيم، و أنتم ترون الأجيال في أقطار العالم و شتّى نواحيه قد قضى على سعادتهم و وقعوا في ويلات و محاولات جهنميّة و تحرّر زائف و أظلّ عليهم غمام الشقاء و أصبحوا حيارى سكارى، و أمة هابطة لا يذوقون طعم الحياة و لا يجدون لذّة الأمن و الأمان، فذلك الضياع و الفساد و الانحطاط قليل من كثير من تبعات الانحراف عن الدين و الاستخفاف بأمور الشرائع و المناهج السماوية و اتخاذ غير الإسلام منهجا.

و مع ذلك فما بقي من الآفات و العاهات و الويلات من أثر هذه الانحرافات أكثر ممّا مضى و جرى عليهم، و غدهم أدهى و أمر من أمسهم- لا سمح اللّه بذلك- إلّا أن يهتدوا إلى ربّهم سبيلا و يتّخذوا محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) إماما و قائدا و يلجأوا إلى الدين، قال اللّه تعالى «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرىٰ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ وَ لٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ» (2).

نعم إن تلك الظروف القاسية و الأجواء المظلمة الفاسدة تتطلّب توسعة‌

____________

(1) الكافي ج 1 ص 35 ح 6.

(2) سورة الأعراف الآية 96.

5

الجهود و بذل المجهود بأشكاله ليلا و نهارا سرّا و إعلانا، بحيث يناسب مقاومة تلك الدعايات الباطلة و النعرات الكافرة التي ملأت العالم.

فعلى العلماء الأعلام أن يجدّوا بنشاط في تبيين معارف الإسلام و مناهجه القويمة و كشف الغطاء عن أحكام الدين، و أن لا يعرضهم فتور في ترويج الشريعة و إنقاذ الأمّة، و تعليم الناس الحلال و الحرام و شعائر الإسلام، كما أن على الأمراء و ذوي المقدرة أن يجتهدوا و يسارعوا إلى تنفيذ هذه الأحكام و المقرّرات.

و على الشعب المسلم أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يتعبّدوا بتلك «الأحكام- و خاصّة عند تنفذها- بقلب ملؤه الرضا و اليقين و يكسبوا بذلك المجد و السّيادة و الثناء الجميل في هذه الدنيا، و الأجر و الثواب و رحمة اللّه الواسعة في دار النعيم.

و لعمري ان من يحسّ و يعي الأخطار الموحشة المتوجّهة إلى الإسلام و أجيال المسلمين الآتية سوف يندفع دون توان إلى الذّبّ عن الإسلام و نصرة الدّين و الأمة و توجيههما إلى اللّه سبحانه.

و إنّي أرجو اللّه تعالى الذي لا يخيب من رجاه أن يجعل عملنا القليل و تأليف كتابنا حول حدود الإسلام خطوة متواضعة إلى تحقيق هذه المهمّة.

و قد خرج الجزء الأوّل منه الى النور قبل بسنتين تقريبا و صار في متناول العلماء الأعلام و الفقهاء العظام و أحرز بمنّ اللّه و لطفه العميم مكانه لديهم و تلقّاه الأفاضل بالقبول و طلب كثير من المشتغلين إخراج ما بقي من تلك المباحث إلى الطباعة و حثّني عدّة من العلماء الأعلام و الأفاضل الكرام لطبع باقي مجلّدات هذا الكتاب، فقررت إجابة طلبهم السامي و هيأت مما كتبته في الحدود و التعزيرات هذه المجموعة، التي هي أيضا نتيجة ما تلقّيته في محفل علمي عظيم و معهد فقهي ثقافي كبير- كان يقام صبيحة كل يوم في مسجد الزعيم العالمي الراحل السيّد البروجرديّ (قدّس الله إسراره)، و كنا نتلقى دروسها من رجل كبير عبقريّ، و هو‌

6

بقيّة السلف و أستاذنا الأكبر المرجع الأعلى و آية اللّه العظمى السيّد الگلپايگاني دام ظلّه العالي.

و قد كان دام ظلّه قبل أن يغلب عليه الضعف- الى جانب المرجعية الكبرى العامّة التي أتاحها اللّه له و أنعم اللّه بها عليه منذ سنوات عديدة- مهتما بأمر التدريس و تربية العلماء و المجتهدين و لم يزل دؤوبا على ذلك متأهبا صباح كلّ يوم للذهاب إلى مجلس درسه العظيم الحافل بالإعلام و الأفاضل و كان يرقى منبر التدريس و يلقي دروسه العالية بشوق وافر و نشاط بالغ، و لم يعرض له فتور في ذلك حتّى بلغ كتاب الحدود قريبا من نهايته. أدام اللّه أيّامه و من اللّه على المسلمين بطول بقائه.

فهذه الدراسة التي نقدمها إليكم أيها القرّاء الكرام و العلماء الأجلّاء كانت من إفاضاته، و هي تحتوي على المواضيع التالية: حدّ اللواط و حدّ السحق و حدّ القيادة و حدّ القذف و حدّ شرب الخمر.

نسأل اللّه تعالى أن يجعله بمنّه و أياديه خطوة إلى التعرّف الى قوانين الإسلام الراقية، و أحكامه السياسية و الاجتماعية التي هي من أقوى العوامل لحفظ المجتمعات و تأسيس مجتمع قائم على العفّة و السعادة و المجد و الكرامة، فإنّ تلك الأهداف الراقية و الجوّ المطمئنّ لا يتحقّق إلّا في ظلال الدين و التمسك بحدود الإسلام و أحكامه و سياساته.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

قم- الحوزة العلمية علي الكريمي الجهرمي 13 ربيع الثاني 1414‌

7

في حدّ اللّواط

قال المحقق قدس سره: الباب الثاني في اللواط و السحق و القيادة، أمّا اللواط فهو وطي الذكران بإيقاب و غيره.

أقول: اللواط في اللغة: قال في مجمع البحرين: لاط الرجل و لاوط إذا عمل عمل قوم لوط، و منه اللواط أعني وطي الدبر، و في الحديث: اللّواط ما دون الدبر و الدبر هو الكفر، و فيه أيضا: إن أصل اللوط اللّصوق، و هذا شي‌ء لا يلتاط بقلبي أي لا يلصق به. انتهى.

و قد عرّفه المحقق كما رأيت بوطء الذكران سواء كان بالإيقاب أي الإدخال، أو غيره.

و الظاهر أنّ مقصوده اللواط الذي هو موضوع البحث في الفقه.

في حرمة اللواط

ثم إنه لا شك في حرمة اللّواط بل إنّ حرمته من ضروريّات الدين و دلّ عليها الكتاب المبين [1] و سنة سيّد المرسلين و أهل بيته الطاهرين صلوات اللّه‌

____________

[1] فمن جملة تلك الآيات الكريمة قوله تعالى وَ لُوطاً إِذْ قٰالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفٰاحِشَةَ مٰا سَبَقَكُمْ بِهٰا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعٰالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجٰالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسٰاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ. فَأَنْجَيْنٰاهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كٰانَتْ مِنَ الْغٰابِرِينَ وَ أَمْطَرْنٰا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ. الأعراف- 80.

و منها قوله سبحانه وَ لُوطاً إِذْ قٰالَ لِقَوْمِهِ: أَ تَأْتُونَ الْفٰاحِشَةَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجٰالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسٰاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، فَمٰا كٰانَ جَوٰابَ قَوْمِهِ إِلّٰا أَنْ قٰالُوا أَخْرِجُوا

8

عليهم أجمعين. و قد خرّج في الوسائل ثلاث عشرة رواية تحت عنوان تحريم اللواط على على الفاعل و إحدى عشرة رواية في تحريم اللواط على المفعول و نحن نقتصر على ذكر بعضها:

فمنها رواية الحضرمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من جامع غلاما جاء يوم القيامة جنبا لا ينقيه ماء الدنيا و غضب اللّه عليه و لعنه و أعدّ له جهنم و ساءت مصيرا- ثم قال- إنّ الذكر يركب الذكر فيهتز العرش لذلك (1) و انّ الرجل ليؤتى في حقبه فيحبسه اللّه على جسر جهنّم حتّى يفرغ اللّه من حساب الخلائق ثم يؤمر به إلى جهنّم فيعذب بطبقاتها طبقة حتّى يرد إلى أسفلها و لا يخرج منها (2).

و عن يونس عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: حرمة الدبر أعظم من حرمة الفرج و إنّ اللّه أهلك أمّة لحرمة الدبر و لم يهلك أحدا لحرمة الفرج (3). و المقصود من الأمة التي أهلكهم اللّه في الدبر قوم لوط (عليه السلام).

و عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في قوم لوط: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفٰاحِشَةَ مٰا سَبَقَكُمْ بِهٰا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعٰالَمِينَ) فقال: إنّ إبليس أتاهم في صورة حسنة فيها تأنيث و عليه ثياب حسنة فجاء الى شباب منهم فأمرهم أن يقعوا به، و لو طالب إليهم أن يقع بهم لأبوا عليه و لكن طلب إليهم أن يقعوا به فلمّا وقعوا به‌

____________

آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنٰاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْنٰاهُ وَ أَهْلَهُ إِلّٰا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنٰاهٰا مِنَ الْغٰابِرِينَ وَ أَمْطَرْنٰا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسٰاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ. النمل- 54.

و منها قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ. فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ. سورة المؤمنون- 7، المعارج- 31.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 14 ب 17 من أبواب النكاح المحرّم ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 14 ب 18 من أبواب النكاح المحرّم ح 1.

(3) وسائل الشيعة ج 14 ب 17 من أبواب النكاح المحرّم ح 2.

9

التذّوه ثم ذهب عنهم و تركهم فأحال بعضهم على بعض (1) الى غير ذلك من الروايات.

كلام حول قيود التعريف

ثم إنّه قد خرج بقيد الذكران الوطئ في دبر غير الإنسان كالحيوانات كما أنه قد خرج بذلك الوطئ في دبر المرأة من الإنسان.

ثم إنه بعد أن الإيقاب المذكور في تعريف اللواط كان بمعنى الإدخال فهل المعتبر إدخال تمام الحشفة أو أنه يكفي في جريان الحكم إدخال بعضها؟ بعد أنه لا إشكال في عدم اعتبار أزيد من ذلك.

فنقول: اقتصر المحقق على ذكر الإيقاب بلا تعرّض للمتعلّق و لكن العلّامة أعلى اللّه مقامه ذكر المتعلّق قائلًا في القواعد عند تعريف اللواط: و هو وطي الذكر من الآدمي، فإن كان بإيقاب و حدّه غيبوبة الحشفة في الدبر وجب القتل على الفاعل و المفعول إلخ.

و في المسالك تعرّض لما هو مورد البحث فقال بشرح عبارة المحقّق المذكورة:

أراد بالإيقاب إدخال الذكر و لو ببعض الحشفة لأن الإيقاب لغة الإدخال فيتحقّق الحكم و إن لم يجب الغسل.

ثم ردّ على العلّامة بقوله: و اعتبر في القواعد في الإيقاب غيبوبة الحشفة، و مطلق الإيقاب لا يدلّ عليه. انتهى.

و قال السيّد في الرياض: إدخال الذكر في دبره و لو بمقدار الحشفة و في الروضة انّ ظاهرهم الاتّفاق على ذلك و إن اكتفوا ببعضها في تحريم أمّه و أخته و بنته انتهى.

و في كشف اللثام بشرح عبارة القواعد المذكورة آنفا: لعلّة احتاط بذلك و إلا‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 14 ب 17 من أبواب النكاح المحرّم ح 3.

10

فالنصوص و الفتاوى مطلقة يشتمل ما دونه، و يمكن تعميم الحشفة للكل و البعض.

فاختلفت كلماتهم في خصوص غيبة بعض الحشفة في هذا المقام فظاهر كلام المحقّق هو الإكتفاء بالبعض في الحكم بالحدّ كما أنه الظاهر جدا من عبارة المسالك في حين أن مقتضى كلام العلامة و الروضة و الرياض هو اعتبار غيبوبة الحشفة كلّها و ان أمكن أن يقال: إن مراد العلّامة بغيبوبة الحشفة غيبوبتها و لو ببعضها لكن ذلك خلاف الظاهر.

و كيف كان فلو قلنا بكون إدخال الحشفة أعمّ كما لعله ظاهر لفظ الإيقاب و لا خلاف على الظاهر في كفاية الأعمّ فهو، كما أنه لو ثبت الاتّفاق الذي ادّعاه الشهيد الثاني و قيل باعتبار التمام فلا كلام.

أما لو شك في اعتبار ذلك و عدمه فالمرجع هو قاعدة درء الحدود بالشبهات.

هذا بالنسبة للايقاب و أمّا: غيره المذكور في التعريف في كلام المحقّق فالمراد منه هو التفخيذ أو الإدخال بين الأليتين حيث إنّه يطلق عليهما اللواط مجازا.

و في الجواهر بعد ذكر اختلاف كلماتهم في ذلك: و على كلّ حال فالظاهر أن إطلاق اللواط على غيره من التفخيذ أو الفعل بين الأليتين من المجاز، و إدراج المصنف له في تعريفه تبعا للنصوص الّتي منها ما سمعته بل ربما كان الظاهر من بعضها كونه المراد من الوطي. انتهى.

الكلام في طريق ثبوته

قال المحقق: و كلاهما لا يثبتان إلا بالإقرار أربع مرّات أو شهادة أربعة رجال بالمعاينة.

أقول: يعنى إنّه لا يثبت الإيقاب و غيره أي التفخيذ مثلا إلا بأن يقرّ الإنسان بنفسه أربع مرات بهذا العمل أو أن يشهد على ذلك أربعة شهود فلا يثبت بأقل من ذلك و لا بغيره.

11

و في الجواهر بالنسبة إلى الإقرار: الذي قطع به الأصحاب.

أقول: و دلّت على ذلك الروايات الشريفة كصحيح مالك بن عطيّة أو حسنة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: بينما أمير المؤمنين (عليه السلام) في ملأ من أصحابه إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أوقبت على غلام فطهّرني، فقال له: يا هذا امض إلى منزلك لعلّ مرارا هاج بك فلمّا كان من غد عاد اليه فقال له:

يا أمير المؤمنين إني أوقبت على غلام فطهّرني فقال له: اذهب إلى منزلك لعلّ مرارا هاج بك حتّى فعل ذلك ثلاثا بعد مرّته الأولى فلمّا كان في الرابعة قال: يا هذا إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيّهنّ شئت قال: و ما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت أو إهداب- إهداء- من جبل مشدود اليدين و الرجلين، أو إحراق بالنار.

قال: يا أمير المؤمنين أيهن أشدّ علي؟ قال: الإحراق بالنار قال: فإنّي قد اخترتها يا أمير المؤمنين فقال: خذ لذلك أهبتك فقال: نعم، قال: فصلّى ركعتين ثم جلس في تشهّده فقال: اللهم إنّي قد أتيت من الذنب ما قد علمته و إني تخوّفت من ذلك فأتيت إلى وصّي رسولك و ابن عمّ نبيّك فسألته ان يطهرني فخيّرني ثلاثة أصناف من العذاب اللّهم فإني اخترت أشدّهن اللّهمّ فإنّي أسألك أن تجعل ذلك كفارة لذنوبي و أن لا تحرقني بنارك في آخرتي ثم قام و هو باك حتّى دخل الحفيرة التي حفرها له أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يرى النار تتأجّج حوله، قال: فبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) و بكى أصحابه جميعا فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قم يا هذا فقد أبكيت ملائكة السماء و ملائكة الأرض فإنّ اللّه قد تاب عليك فقم و لا تعاودنّ شيئا ممّا فعلت [1].

قوله (عليه السلام): لعلّ مرارا هاج بك أي لعلّه غلب عليك الصفراء، فلذا تهجر و تهذو.

____________

[1] وسائل الشيعة ج 18 ص 423 ب 5 من أبواب حد اللواط ح 1 و موردها و إن كان هو الإيقاب إلّا أن الظاهر عدم الفرق بينه و بين التفخيذ في ذلك و لم ينقل خلاف فيه.

12

و قد اختلف في كونها صحيحة أو حسنة و ذلك لأجل علي بن إبراهيم عن أبيه و لكنّ الأقوى أنها صحيحة كما و أنّها تدلّ على اعتبار أربع مرات في الإقرار و على أن التوبة تقبل في درء الحدّ إذا كان قد ثبت بالإقرار، في حين أنه لا تقبل إذا ثبت بالشهادة.

ثم إنّه كما يثبت ذلك بالإقرار أربع مرات كذلك يثبت بشهادة أربعة رجال بالمعاينة و لا خلاف في ذلك كما في الزنا.

شرائط المقرّ

قال المحقق: و يشترط في المقرّ البلوغ و كمال العقل و الحرية و الاختيار فاعلا كان أو مفعولا.

أقول: أما الصبي و المجنون و المكره فلا تكليف عليهم فلا أثر يترتّب على إقرارهم.

و أما اشتراط الحرية فلأنّ إقرار العبد على نفسه يكون بضرر المولى و الإقرار في حق الغير غير مسموع.

تعزير من أقرّ دون أربع

قال المحقق: و لو أقرّ دون أربع لم يحدّ و عزّر.

أقول: قد تقدّم أن الإقرار أربع مرات موجب للحدّ و عليه فلو أقرّ دون ذلك فهو لا يوجب الحدّ و إنّما يوجب تعزير المقرّ و ذلك لإقراره بالفسق فيشمله إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، و ثبوت الفسق ليس كثبوت اللواط في الافتقار إلى الأربع فلا يشترط فيه ذلك، و لا تلازم بين عدم ثبوت الحدّ و عدم ثبوت التعزير، و على الجملة فحيث إنّه أقرّ بمعصية كبيرة فلذا يثبت عليه التعزير.

و الإنصاف أنّه يشكل تصوير ذلك لأن التعزير إذا كان لأجل الإقرار‌

13

بالمعصية الكبيرة فليس هي إلّا اللّواط و لم يثبت ذلك فلو كان يثبت ذلك لوجب الحدّ و إلّا فلا تعزير أيضا.

و يمكن أن يقال: إنّ الأمر هنا يتصوّر على وجهين:

أحدهما أن ثبوت المعصية محتاج إلى الأربع فبدونه لا يثبت، و لا حدّ هناك.

ثانيهما أن يقال بثبوته بذلك إلّا أنه لا يقام الحدّ بدون الأربع فإن كان إثبات المعصية منوطا بالأربع فبدونه لا يثبت فلا وجه للحدّ لعدم ثبوت الفسق.

و أمّا إنّه يثبت إلّا أن الحدّ كان منوطا بالأربع فهو بعيد جدا لأن الحدّ متعلق باللّواط و الزنا على ما هو لسان الأدلّة كقوله تعالى الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (1).

هذا مضافا الى منافاة هذا لما يظهر من صحيح مالك بن عطية المذكورة آنفا حيث إنّ الامام (عليه السلام) لم يعزّره في المرّة الأولى مثلا و هل أنه لو كان المقرّ لا يرجع بعد إقراره الأوّل كان الإمام يستحضره و يعزّره؟ بل الظاهر أنه كان يخلّي سبيله و يتركه و ترى أنه (عليه السلام) أمر بالذهاب إلى منزله.

و على الجملة فظاهر هذه الرواية خصوصا بقرينة قوله: اذهب الى منزلك و قوله: لعل مرارا هاج بك، هو تخصيص إقرار العقلاء على أنفسهم جائز و عدم قبول الإقرار مرة واحدة و إنّه لا يؤثّر شيئا فكما أنّه لا يوجب الحدّ كذلك لا يوجب التعزير و إلا لكان يلزم التعزير على كل إقرار من أقاريره و إن كان يلزم الحدّ بتمام الأربع و قد استشكل السيد صاحب الرياض قدس سرّه في الحكم بالتعزير بذلك فراجع.

و الحاصل ان المستفاد من الاخبار هو استثناء الزنا و اللواط عن سائر المعاصي في أنه يكتفي فيها بشاهدين أو إقرارين فلا يكتفى فيهما بذلك بل لا بد من أربعة شهود أو أربعة أقارير فقد جعل الشارع الطريق إلى إثباتهما ذلك، و دون ذلك ليس بحجّة و لا أثر له حتّى التعزير كما أنه جعل علم الحاكم طريقا إليه‌

____________

(1) سورة النّور الآية 2.

14

فإذا علم مع قطع النظر عن البيّنة فهناك يعمل بعلمه و إذا لم يكن كذلك و أريد الإثبات من طريق الشهود فلا بد من الأربعة حتّى و لو حصل العلم من الشهادة قبل تمام الأربعة كما أنه كان يحصل العلم غالبا بشهادة بعض الشهود و بأقلّ من الأربعة و مع ذلك كانوا يحكمون بالأربعة لا بدونها. فتحصّل أن التعزير بالإقرار مرة واحدة محلّ الإشكال.

تعزير الشهود إذا كانوا دون أربع

قال المحقّق: و لو شهد بذلك دون الأربعة لم يثبت و كان عليهم الحدّ للفرية.

أقول: بعد أن تحقّق أنه في الشهادة في المقام لا بد من شهادة أربعة شهود فهنا نقول: إذا شهد أقلّ من ذلك فإن شهادتهم لا تؤثّر في إثبات الزنا و إقامة الحدّ على المشهود عليه إلّا أنّها حيث كانت قذفا و فرية فإنّها توجب حدّ القذف على من شهد بذلك و إن انضمّت إلى ما دون الأربعة النساء و ذلك لأنه لا أثر لشهادتهن في باب الحدود منفردات أو منضمّات لدلالة الأخبار على ذلك.

نعم قد تقبل شهادتهن في الزنا على بعض الوجوه [1] و لكن القبول هناك لا يستلزم القبول في المقام لورود الدليل هناك و عدم وروده في المقام و إن قال به الصدوقان و ابن زهرة لكن لا دليل يعتمد عليه و يتمسك به في المورد و القياس باطل عندنا معاشر الإماميّة و الأصل عدم الثبوت في غير ما دلّ عليه الدليل مع أن الحدود تدرء بالشبهات، و خلاف هؤلاء غير قادح فإنّ المتّبع هو الدليل.

قال المحقّق: و يحكم الحاكم فيه بعلمه إماما كان أو غيره على الأصحّ.

أقول: قد تقدّم البحث في ذلك في كتاب القضاء.

____________

[1] فإنه يثبت الزنا بثلاثة رجال و امرأتين و برجلين و أربع نساء في مورد الجلد فقط راجع الجواهر ج 41 كتاب الشهادات ص 155.

15

و أمّا: ما ذهب إليه الحلبيّ (قدّس سرّه) من حجيّة الشهرة في المقام قائلًا: (و إذا تزيّا الذكر بزيّ المرأة و اشتهر بالتمكين من نفسه و هو المخنث في عرف العادة قتل صبرا و إن فقد البيّنة و الإقرار بإيقاع الفعل به لنيابة الشهرة منابهما (1) فلم يقم عليه دليل و الأصل عدم وجوب الحدّ ما لم يبلغ حدّ العلم للحاكم أو الشهود و إن كانت الشهرة حجة عند العرف فإن المثبت هنا غير المثبت العرفي و ذلك لحكمة عدم وقوع الحدّ كثيرا فهنا لا يكتفي بعدم الردع بل يحتاج إلى الإمضاء.

الإيقاب يوجب القتل على الفاعل و المفعول

قال المحقّق: و موجب الإيقاب القتل على الفاعل و المفعول إذا كان كل منهما بالغا عاقلا.

أقول: أي إذا ثبت الإيقاب و الدخول فهناك يقتل الفاعل و المفعول- و سيأتي كيفية القتل و الظاهرة أن الحكم ذلك سواء كان محصنا أم غير محصن.

و في الجواهر بعد لفظة المفعول: بلا خلاف أجده فيه نصّا و فتوى بل الإجماع بقسميه عليه انتهى.

و لا ندري إن ادّعاءه عدم الخلاف و الإجماع متعلّق بكل الجملة السابقة أو أنه يختص بالأخير فقط أي قوله: و المفعول [1] و لو كان متعلقا بالجميع ففيه تحقق الخلاف خصوصا في النصوص كما سترى ذلك.

و في المسالك: لا خلاف في وجوب قتل اللائط الموقب إذا كان مكلفا و الأخبار به متضافرة إلخ.

و في الرياض بعد ذكر شمول الحكم للعبد و لغير المحصن أيضا: بلا خلاف على‌

____________

[1] لو احتمل ذلك في هذا المقام فما يصنع بقوله- عند قول المحقق: و يستوي في ذلك.

و المحصن و غيره- بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه.

____________

(1) الكافي في الفقه ص 409.

16

الظاهر المصرّح به في السرائر بل ظاهرهم الإجماع عليه كما في جملة من العبائر و منها الانتصار و الغنية و هو الحجة (ثم قال:) مضافا إلى النصوص المستفيضة الآتي إلى جملة منها الإشارة و لكن بإزائها نصوص أخر دالّة على أن حدّ اللواطى حدّ الزاني إن كان قد أحصن رجم و إلا جلد إلا أنّها شاذة لا عامل بها موافقة للتقيّة كما صرّح به شيخ الطائفة حاملا لها عليها تارة و أخرى على غير الإيقاب لتسميته لواطا أيضا اتّفاقا فراجع.

فترى انّه لم يدّع اتّفاق النص بل إنّما ادّعى استفاضة النصوص و صرّح بوجود نصوص أخر على خلافها.

كما و أنه (رحمه اللّٰه) لم يدّع عدم الخلاف فتوى بل و صرّح باختيار بعض متأخّري المتأخّرين باشتراط الإحصان مضافا إلى الإيقاب، في قتل الفاعل أو رجمه فراجع و هذا أحسن من قول الجواهر، و ذلك لوجود الاختلاف فيهما.

و كيف كان فكلمات العلماء هنا مختلفة فالمستفاد من بعضها أن اللواط موجب للقتل سواء كان بالإيقاب أو بغيره إذا كان محصنا و المراد من الغير هو التفخيذ مثلا و من بعضها أن القتل مختص بصورة الإيقاب أمّا في غيرها فالجلد.

و إليك بعض الكلمات:

قال الشيخ (قدّس سرّه)- بعد أن قسم اللواط على ضربين أحدهما الإيقاع في الدبر ثانيهما إيقاع الفعل فيما دونه و إنّ الحكم في الأوّل القتل بالصور الخاصّة-:

و الضرب الثاني من اللواط و هو ما كان دون الإيقاب فهو على ضربين: إن كان الفاعل أو المفعول به محصنا وجب عليه الرجم و إن كان غير محصن كان عليه الجلد مأة جلدة (1).

و تبعه ابن البراج و ابن حمزة على ما في المختلف.

و قال الشيخ المفيد (قدّس سرّه): إيقاع الفعل فيما سوى الدبر من الفخذين ففيه جلد مأة للفاعل و المفعول به إذا كانا عاقلين بالغين، و لا يراعى في جلدهما عدم‌

____________

(1) النهاية ص 704.

17

الإحصان و لا وجوده كما يراعى ذلك في الزنا بل حدّهما الجلد على هذا الفعل دون ما سواه (1) و ذكر (رحمه اللّٰه) أن في الإيلاج في الدبر القتل سواء كان المتفاعلان على الإحصان أو على غير الإحصان (2) فهو (قدّس سرّه) افتى بجلد غير الموقب مطلقا سواء كان محصنا أو غيره.

و قال العلامة أعلى اللّه مقامه في المختلف: و به قال السيّد المرتضى و ابن أبي عقيل و سلّار و أبو الصلاح، و قال الصدوق و أبوه في رسالته: و أمّا اللواط فهو ما بين الفخذين فأمّا الدبر فهو الكفر باللّه العظيم، و من لاط بغلام فعقوبته أن يحرق بالنار أو يهدم عليه حائط أو يضرب ضربة بالسيف، ثم قال بعد ذلك أبوه: فإذا أوقب فهو الكفر باللّه العظيم، و هذا يعطي أن القتل يجب بالتفخيذ و كلام ابن الجنيد يدلّ عليه أيضا، و ابن إدريس اختار ما ذهب إليه المفيد و هو الأقرب (3).

و ظاهر كلام هذين هو القتل في غير الموقب بواحد من الأنحاء الثلاثة محصنا أو غير محصن و أمّا الإيقاب فقد قالا بأنه كفر باللّه، و هذا من باب التأكيد و التشديد في هذه المعصية.

و الحاصل أن الحكم في صورة الإيقاب هو القتل مطلقا بلا خلاف في ذلك إلّا عن بعض متأخري المتأخرين على ما حكاه في الرياض، و قد ذهب إليه بعض المعاصرين للجمع بين الروايات بنظره.

و إنّما الخلاف في موضعين: أحدهما في أن الفخذين و الأليين كالدبر في الحكم كما ذهب إليه الصدوقان أم لا.

ثانيهما في أنه هل أنه يفرق بين الإحصان و عدمه على ما ذهب إليه بعض في غير الإيقاب أم لا؟.

و اللازم هو المراجعة الى الأخبار و استفادة الحكم منها إن أمكن ذلك و إلّا فالمرجع هو الإجماع إن كان و إلّا فيتمسّك بقاعدة الدرء.

____________

(1) المقنعة ص 785.

(2) المقنعة ص 785.

(3) مختلف الشيعة ص 764.

18

قال الشيخ المحدّث الحرّ العاملي: باب أن حدّ الفاعل مع عدم الإيقاب كحدّ الزنا و يقتل المفعول به على كلّ حال مع بلوغه و عقله و اختياره.

عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الملوط حدّه حدّ الزاني (1).

ظاهره وقوع الإيقاب لا التفخيذ مثلا على ما يستعمل فيه اللواط في بعض المواقع فمقتضى ذلك عدم الفرق بين الإحصان و غيره.

و عن سليمان بن هلال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يفعل بالرجل قال: فقال: إن كان دون الثقب فالجلد و إن كان ثقب أقيم قائماً ثم ضرب بالسيف ضربة أخذ السيف منه ما أخذ فقلت له: هو القتل؟ قال: هو ذاك (2).

و هنا ذكر أن حدّ الإيقاب هو القتل بصورة مطلقة.

عن العلاء بن الفضيل قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): حدّ اللواطي مثل حدّ الزاني، و قال: إن كان قد أحصن رجم و إلا جلد (3).

و عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أتى رجلا؟

قال: عليه إن كان محصنا القتل و إن لم يكن محصنا فعليه الجلد قال: قلت فما على المأتيّ به؟ قال: عليه القتل على كلّ حال محصنا كان أو غير محصن [1].

عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عليّ (عليه السلام).

إنّه كان يقول في اللوطي: إن كان محصنا رجم و إن لم يكن محصنا جلد الحدّ (4).

و عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه إنّ عليّ بن أبي طالب عليه‌

____________

[1] وسائل الشيعة ج 18 ص 416 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 4 قال دام ظله و الوجه في الفرق بين الفاعل و المفعول به هو أن الفاعل يدفع شهوته فإذا كانت له زوجة فالحجة قائمة عليه دون ما إذا لم تكن له زوجة و هذا لا يجري في المفعول به.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ص 416 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ص 416 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 2.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ص 416 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 3.

(4) وسائل الشيعة ج 18 ص 418 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 6.

19

السلام كان يقول: حدّ اللوطي مثل حدّ الزاني، إن كان محصنا رجم و إن كان عزبا جلد مأة و يجلد الحدّ من يرمى به بريئا (1).

و عن يزيد بن عبد الملك قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ الرجم على الناكح و المنكوح ذكرا كان أو أنثى إذا كانا محصنين و هو على الذكر إذا كان منكوحا أحصن أو لم يحصن (2).

و هذه الروايات صريحة في التفصيل بين المحصن و غيره إلا أن بعضها صرّح في المحصن بالقتل، و بعضها بالرجم، و لا بأس بذلك لأنه يحمل على التخيير كما أن في بعض الروايات الأهداب من الجبل أيضا.

و هنا بعض الاخبار الذي قد يقال بأنه مطلق كرواية مالك بن عطية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لرجل أقرّ عنده باللواط أربعا: يا هذا إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيّهن شئت قال: و ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو إهداب (إهداء) من جبل مشدود اليدين و الرجلين أو إحراق بالنار (3).

و فيه إنّ عدّ هذه من المطلقات غير صحيح و ذلك لأن الرواية حكاية عن واقعة شخصيّة و لا إطلاق لها فلو كان قد قيل بأنّه رجل أوقب فهو يقتل مثلا لكان يصحّ الأخذ بإطلاقه أمّا حكم القتل مثلا بالنسبة إلى الرجل الذي أقرّ عنده باللواط أربعا فلا فلذا لو احتمل كونه محصنا فلا طريق إلى الحكم بكون غير المحصن أيضا مثله.

نعم يصحّ أن يقال بأنّ الإمام (عليه السلام) لم يستفصل عن أنه كان محصنا أو غيره، و ترك الاستفصال يقتضي عدم الفرق بين المحصن و غيره و إلّا لو كانت‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ص 418 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 7.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ص 418 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 8.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من أبواب حدّ اللواط ح 1.

20

للمحصن خصوصية لكان اللازم الاستفصال.

لكن فيه أن ترك الاستفصال يفيد الإطلاق إذا لم يحتمل جري كلامه على علمه بالحال و الحال أن احتمال كونه (عليه السلام) عالما بأنه محصن و لذا حكم بالقتل الذي هو حكم المحصن، قائم، و على هذا فلا يتمّ ما ذكره بعض المعاصرين من أن رواية مالك بن عطيّة مطلقة غير مقيّدة بكونه محصنا و مقتضى الجمع تقييدها بالمقيدات.

فإنه قد ثبت أنه لا إطلاق لها بل إنّه لا يمكن التمسّك فيها بترك الاستفصال، و لو كانت مطلقة لكان يتم أنّها تقيّد بالمقيّدات و حينئذ فلا منافاة بينها و بين المقيّدات بل رواية ابن عطيّة مجملة و هذه الروايات بيان لها.

نعم يمكن أن يكون المراد من قوله (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم في مثلك إلخ مثلك في الإيقاب، و عليه فتكون الرواية مطلقة و أمّا لو كان المراد منه مثلك في الإحصان فلا إطلاق بل يكون الحكم هو التفصيل و حيث إنّ احتمال كون الرجل محصنا قائم فلذا ليست الرواية مطلقة لأن المعنى حينئذ مثلك في الإحصان.

و أمّا رواية أبي بكر الحضرميّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأة و زوجها قد لاط زوجها بابنها من غيره و ثقبه و شهد عليه بذلك الشهود فأمر (عليه السلام) به فضرب بالسيف حتّى قتل و ضرب الغلام دون الحدّ و قال: أما لو كنت مدركا لقتلتك لإمكانك إيّاه من نفسك بثقبك (1).

فهي متعلّقة بمورد المحصن و لا دلالة لها على التفصيل و الإطلاق.

و يستفاد من الرواية أن حكم المفعول به القتل و أن عدم قتل الغلام كان مستندا إلى كونه غير بالغ.

و عن سيف التمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أتي عليّ بن أبي طالب‌

____________

(1) التهذيب ج 10 ص 55 و 56.

21

(عليه السلام) برجل معه غلام يأتيه فقامت عليهما بذلك البيّنة فقال: يا قنبر النطع و السيف ثم أمر بالرجل فوضع على وجهه و وضع الغلام على وجهه ثم أمر بهما فضربهما بالسيف حتّى قدّهما بالسيف جميعا (1).

و هذه أيضا لا إطلاق لها و لعلّه كان الرجل محصنا.

و أمّا قتل الغلام فمحمول على بلوغه نعم هو ظاهر في عدم كونه محصنا و إلّا لم يعبّر عنه بالغلام أو أنه بعيد و إن كان ذلك لا ينفعنا في المقام حيث إنه كان مفعولا به لا فاعلا.

ثم إنّ مقتضى الروايات كما علمت هو التفصيل بين المحصن و غيره و الحكم بالقتل بواحد من الصور في الأوّل و الجلد في الثاني و قد ذكر الشيخ: بعض الاخبار الدالة على التفصيل و ذكر أنّها تحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد بها إذا كان الفعل دون الإيقاب فإنّه يعتبر فيه الإحصان و غير الإحصان.

و الوجه الآخر أن نحملها على ضرب من التقية لأن ذلك مذهب بعض العامّة.

و فيه أن بعض الأخبار المفصّلة واردة بذلك في مورد الإيقاب.

و أمّا بالنسبة إلى الوجه الثاني ففيه أنه لو كان فتوى العامة بذلك بحيث يحمل عليها هذه الروايات المقيّدة فهو، لكن من جملتها النقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو لا يساعد التقية [1].

لكن المشهور لم يقولوا بذلك و لم يفصّلوا بين المحصن و غيره بل أفتوا بالقتل مطلقا بلا فرق بينهما. حتى أن الشيخ المفيد الذي قال بالتفصيل فإنما فصل هو بينهما في مورد عدم الإيقاب و هذا يكشف عن كون تلك الروايات الدالة على التفصيل معرض عنها و لم يعمل بها فمن كان لا يعتني بمخالفة المشهور و عدم عملهم فهو في فسحة و راحة فيفتي بأنّ الموقب المحصن يقتل و غير المحصن يجلد‌

____________

[1] أقول: لم نقف على رواية حاكية عن التفصيل مشتملة على نقل فعل أمير المؤمنين (عليه السلام).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 2 من أبواب حدّ اللواط ح 2.

22

و أمّا من كان معتنيا بنظر المشهور و يقول بأنه لا يتجاوز عن خطّ الأصحاب و العلماء الأكابر فلا يمكنه الإفتاء بالتفصيل.

فالصحيح هو ما ذهب اليه المحقّق (رضوان اللّه عليه) من الإفتاء بالقتل مطلقا.

فإنّ هذه الروايات المفصّلة كانت بأعينهم و في أيديهم و لم يكن هناك إطلاق محكم وثيق في قبالها فكيف إنّهم أفتوا بالقتل مطلقا؟ هذا كلّه بالنسبة إلى المقام الأوّل.

و أمّا الاختلاف الآخر فهو أنه هل الإدخال بين الأليتين أو الفخذين أيضا حكمة حكم الإيقاب أعني القتل أم لا؟ بل إنّ حكمه الجلد؟

ذهب الصدوقان إلى الأوّل و خالف فيه الآخرون.

و قال الشيخ المفيد: و اللواط هو الفجور بالذكران و هو على قسمين: أحدهما إيقاع الفعل فيما سوى الدبر من الفخذين ففيه جلد مأة للفاعل و المفعول به إذا كانا عاقلين بالغين و لا يراعى في جلدهما عدم الإحصان و لا وجوده كما يراعى ذلك في الزنا بل حدهما الجلد على هذا الفعل دون ما سواه. (1).

قال الشيخ في المبسوط: و إن كان الفجور بالذكور و كان دون الإيقاب فإن كان محصنا رجم و إن كان بكرا جلد الحدّ (2).

و قال في الخلاف: و إن كان دون الإيقاب فإن كان محصنا وجب عليه الرجم و إن كان بكرا وجب عليه مأة جلدة (3) (و مثله في النهاية).

فالشيخ المفيد يقول بالجلد مطلقا [1] و الشيخ الطوسي يفصّل بين المحصن و غيره.

و المحقّق في الشرائع قد عمّم اللواط للإيقاب و غيره إلا أنه خص القتل بما إذا‌

____________

[1] قال في السرائر ج 3 ص 459: بأنّه مذهب شيخنا المفيد و السيّد المرتضى و غيرهما من المشيخة رحمهم اللّه و هو الصحيح الذي يقتضيه الأدلة القاهرة إلخ.

____________

(1) المقنعة ص 785.

(2) المبسوط ج 8 ص 7.

(3) الخلاف كتاب الحدود ص 151 مسألة 22.

23

كان هناك إيقاب.

و قد ورد في بعض الروايات أن غير الموقب أيضا يقتل، مثل رواية حسين بن سعيد قال: قرأت بخطّ رجل أعرفه إلى أبي الحسن (عليه السلام) و قرأت جواب أبي الحسن (عليه السلام) بخطّه: هل على رجل لعب بغلام بين فخذيه حدّ؟

فإنّ بعض العصابة روى أنه لا بأس بلعب الرجل بالغلام بين فخذيه فكتب: لعنة الله على من فعل ذلك.

و كتب أيضا هذا الرجل و لم أر الجواب: ما حدّ رجلين نكح أحدهما الآخر طوعا بين فخذيه ما توبته؟ فكتب: القتل. (1).

و هذا الخبر مستند الصدوقين كما أن بعض الروايات دالّة على الجلد مطلقا و ذلك كرواية سليمان بن هلال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يفعل بالرجل قال: فقال: إن كان دون الثقب فالجلد و إن كان ثقب أقيم قائماً ثم ضرب بالسيف أخذ السيف منه ما أخذ فقلت له: هو القتل؟ قال: هو ذاك (2).

و هذه صريحة في اعتبار الجلد في قبال الثقب الذي يوجب القتل و قد اختار هذا القول جمع من أكابر الأصحاب و في المسالك إنّه المشهور، و صريح الانتصار و الغنية الإجماع عليه.

و في الرياض مضافا إلى أصالة البراءة و الشك في وجوب الزائد فيدرء للشبهة.

و في الجواهر للأصل و الاحتياط و خبر سليمان بن هلال.

و أمّا التفصيل فقد ذهب إليه جماعة جمعا بين الروايات الدالّة على أن حدّه حدّ الزاني و بين ما دلّ على قتله، يحمل الأوّل على غير الموقب و الثاني على الموقب.

و فيه أن الجمع فرع التكافؤ المفقود في المقام و على ذلك فالأوّل و هو وجوب‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 5.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من حدّ اللواط ح 1.

24

الجلد مطلقا أشبه بأصول المذهب و قواعده كما في الجواهر.

و أضعف من ذلك قول الصدوق و الإسكافي من وجوب القتل، فقد جعل القائل جميع ما دلّ على القتل، فيما دون الثقب، و أمّا الإيقاب و الإدخال فهو الكفر.

لكن الظاهر أن التعبير بالكفر تأكيد للحرمة.

و يمكن أن يقال بأنّه إذا لم يكن ترجيح أخبار القتل على الجلد منّجزا فهناك يتمسك بقاعدة الدرء فإنّه يعلم إجمالا بوجوب القتل أو الجلد فلا يمكن القول بتساقط كلتا الطائفتين من الروايات فلا شي‌ء، فإنه خلاف الإجماع و هو مخالفة يقينية كما و أنه لا يمكن الاحتياط بالجمع بينهما فيؤخذ بأقلّ العقوبتين.

تساوي الأفراد في ذلك

قال المحقّق: و يستوي في ذلك الحرّ و العبد و المسلم و الكافر و المحصن و غيره.

أقول: لا فرق في الحكم هنا بين الحرّ و العبد كما قال في المسالك: لا خلاف في وجوب قتل اللائط الموقب إذا كان مكلّفا و الأخبار به متضافرة (ثم قال:) و العبد هنا كالحرّ بالإجماع و إن كان الحدّ بغير القتل و ليس في الباب مستند ظاهر غيره.

و في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه.

أقول: لو كان في المقام ما يدلّ بنحو كلّي على أن حكم اللواط هو القتل فهذا العموم يكفينا في إثبات تساوي العبد مع الحرّ في الحكم و لا حاجة معه إلى دليل خاص في مورد العبد إلّا أن الكلام في وجود مثل هذا العام.

و يمكن أن يكون منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية مالك بن عطيّة:

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم في مثلك بثلاثة أحكام إلخ (ب 3 من حد اللواط ح 1).

25

تقريبه إن يكون المراد من مثلك، مثلك في هذه المعصية و على هذا فلا فرق بين الحرّ و العبد كما أنه لا فرق عليه بين الكافر و المسلم و لا بين المحصن و غيره.

نعم لو كان المراد منه مثلك في جميع الخصوصيّات حتّى الحريّة فهناك لا يشمل العبد.

لكن هذا الاحتمال خلاف الظاهر.

و على هذا فلا ينحصر المستند بالإجماع بل الدليل اللفظي أعني العموم أيضا يدلّ على ذلك و إنّما ينحصر فيه إذا لم يكن دليل لفظي يدلّ عليه كما أنه لو لم يكن إجماع أيضا و شك في المقام فإنّ الحدّ يدرء بالشبهة.

ثم إنّ من جملة العمومات التي يكتفى بها في المقام ما ورد في رواية سليمان بن هلال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إن كان دون الثقب فالجلد و إن كان ثقب أقيم قائماً ثمّ ضرب بالسيف (1).

فإنّ قوله: و إن ثقب أقيم إلخ يشمل الحرّ و العبد خلافا لباب الزنا الذي كان حدّ العبد هناك على النصف.

و لا ينافي ذلك ما ورد في الروايات من أن حدّ اللوطي مثل حدّ الزاني ب 1 ح 3 و ح 7 و ذلك لأن المراد طبعا أن حدّ غير الموقب هو حدّ الزنا و أمّا الموقب فلا، بل حكمه القتل مطلقا حرّا كان أو عبدا.

إيقاب البالغ بالصبيّ أو العاقل بالمجنون

قال المحقّق: و لو لاط البالغ بالصبيّ موقبا قتل البالغ و أدّب الصبي و كذا لو لاط بمجنون.

أقول: و يدلّ على الحكم بالنسبة إلى الصبي خبر أبي بكر الحضرميّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأة و زوجها، قد‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 1.

26

لاط زوجها بابنها من غيره و ثقبه و شهد عليه بذلك الشهود فأمر به (عليه السلام) فضرب بالسيف حتّى قتل و ضرب الغلام دون الحدّ و قال: أما لو كنت مدركا لقتلتك لإمكانك إياه من نفسك بثقبك (1).

فهذا صريح في قتل الزوج اللائط و ضرب الغلام دون الحدّ.

و لا يخفى أن ضرب الصبي و تأديبه يجري فيما إذا كان له نوع شعور و ينفعه التأديب و إلا فهو لغو لا يترتّب عليه أثر و على الجملة فحيث إنه ليس بمكلف فلذا يضرب دون الحدّ كما أنه يستفاد من قوله (عليه السلام): لو كنت مدركا لقتلتك إلخ. أن شرط القتل هو الإدراك أعني البلوغ بل يستفاد منه حكم المجنون و المكره أيضا فتعدّى الحكم من الصبيّ إلى المجنون من باب عموم التعليل و إلّا فلا ذكر عن المجنون إلّا أنّهما يشتركان في عدم التكليف غاية الأمر من جهة الصبا في الطفل و من جهة عدم الإدراك في المجنون. و المستفاد من قوله فضرب بالسيف حتى قتل، أنه لو لم يقتل بالضربة الأولى يضرب هكذا حتّى يقتل.

حكم ما إذا لاط المولى بعبده

قال المحقّق: و لو لاط بعبده حدّا قتلا أو جلدا.

أقول: أي القتل إذا كان قد أوقب و الجلد إذا لم يوقب.

و لعلّ وجه تعرّضه لذلك هو أن بعض العامّة نفي الحدّ هنا لشبهة عموم تحليل ملك اليمين و هو باطل فإنّه لا يحلّ العبد لمولاه و أمّا قوله تعالى أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ (2) فإنما هو يختص بالأمة لمولاها و الإجماع من الأصحاب قائم على ذلك و القول بجواز وطي العبد لأنه ملك اليمين من المستقبحات و المستكرهات عند‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 2 من أبواب حدّ اللواط ح 1.

(2) المؤمنون- 6 و المعارج- 30.

27

الإماميّة.

سقوط الحدّ عن العبد إذا ادّعى الإكراه

قال: و لو ادّعى العبد الإكراه سقط عنه دون المولى.

أقول: إذا ادّعى العبد أنه قد أكرهه المولى على ذلك فإنّ دعواه مسموعة و النتيجة سقوط الحدّ عنه و أمّا المولى فإنّه يقتل. و يمكن أن يكون الوجه في سماع دعواه هو أنه ذو اليد فيقبل ما يدّعيه بالنسبة إلى نفسه.

و فيه إنّ ذلك غير تامّ و ذلك لأن كلّ واحد منهما ذو اليد فلو ادّعى المولى إكراه العبد له فلا بد من أن يقبل قوله.

فالصحيح هو ما تمسّكوا به من قيام القرينة على صدق ما يدّعيه و كأنّها موجبة للظنّ النوعي فإنّ العبد بالنسبة إلى مولاه مقهور و مطيع، و المولى بالنسبة إلى العبد مسلّط و مطاع و العبد تابع و المولى متبوع و لا عكس، فبحسب الظاهر و العادة يمكن أن يكون المولى قد أكرهه على ذلك، و قوله مقبول عند العرف و مسموع عند العقلاء و لا أقلّ من أنه يوجب الشبهة، و الحدود تدرء بالشبهات بخلاف ما لو ادّعى المولى إكراه العبد له على ذلك فإنّ العرف لا يصدّقه على ذلك فلا شبهة، فلا درء هناك.

نعم لو ادّعى المولى إكراه الغير له على ذلك و أمكن ذلك في حقّه فإنّه يحصل الشبهة فيدرء عنه الحدّ بذلك.

يحدّ العاقل إذا لاط به مجنون

قال المحقّق: و لو لاط مجنون بعاقل حدّ العاقل و في ثبوته على المجنون قولان أشبههما السقوط.

أقول: أمّا ثبوت الحدّ على العاقل فلعموم دليل الحدّ و لا إشكال فيه و لا‌

28

خلاف فقد لاط البالغ العاقل المختار.

و إنّما الكلام في المجنون الذي كان لاطيا ففيه قولان:

أحدهما ثبوت الحدّ عليه و قد حكي ذلك عن الشيخين المفيد و الطوسي و أتباعهما مستندين في ذلك إلى وجوب الحدّ على المجنون مع الزناء.

ثانيهما سقوط الحدّ عنه و هو قول الباقين، و هو الحق فإنّ المجنون لو كان بحيث لا يتعقّل شيئا فمعلوم أنه لا حدّ عليه لعدم ترتّب أثر عليه و الظاهر أن العلمين و أتباعهما أيضا لا يقولون بذلك.

و لو كان بحيث و يؤثّر إجراء الحدّ عليه في الجملة فهو و إن كان كذلك إلّا أن الاعتبار العقلي لا يجوز تكليف المجنون لعدم قابليّته لذلك فلا حدّ عليه لا في باب اللواط و لا في باب الزنا.

لا يقال إن المجنون كالصبيّ فكما أنه يعزّر الصبي مع عدم تكليفه كذلك يحدّ المجنون.

و ذلك لأن الصبي قد أسقط اللّه عنه التكليف لطفا و إلا فهو ليس ممّن لا يتحمّله أصلا بل هو لائق لذلك و هذا بخلاف المجنون الذي ليس قابلًا للتكليف و لا يؤثر فيه الحدّ و إلا لكان مكلفا و على الجملة فتسليم إجراء الحدّ عليه مشكل في الغاية و لا أدري كيف تفوّها بذلك.

و القول باستثناء باب الزنا مثلا غير صحيح كاحتمال استثناء حدّه و إن لم يكن مكلّفا، و لا يمكن الالتزام بهذه الأمور في المجنون نعم يصحّ القول بإجراء الحدّ على قليل العقل لكنه غير المجنون و لذا قال المحقّق (قدّس سرّه) بأنّ الأشبه هو السقوط أي أن الأشبه بقاعدة عدم تكليف المجنون و كذا الشك في التكليف، و درء الحدود هو السقوط.

فرع في المقام

و هنا فرع آخر لم يتعرّض له المحقّق و هو أنه لو لاط الصبي ببالغ فإنّه يقتل‌

29

البالغ خاصّة و يؤدّب الصبيّ و ذلك لعموم الأدلّة و إطلاقاتها الدالّة على أن الإيقاب موجب للقتل فإنّها شاملة لهذا البالغ الذي تمكّن للصبيّ بعد أنه لا عموم في البين يدلّ على اعتبار البلوغ في الطرفين.

و أمّا ما ورد في رواية أبي بصير في امرأة محصنة زنى بها غلام صغير من أنها لا ترجم لأن الذي نكحها ليس بمدرك. (1) فلا يدلّ على سقوط القتل في المقام و ذلك لخروج الفرض المزبور عن العمومات بالنص و يبقى غيره تحت العمومات.

نعم لو استفيد من النصّ سقوط الرجم مطلقا إذا كان الواطي غير مكلّف فهناك لم يكن على الموطوء رجم و عليه فيمكن تعميم الحكم و انسحابه من الموطوءة إلى الموطوء و لعلّه يستفاد ذلك من عموم التعليل الدّالّ على توقف الرجم على إدراك الناكح لكن الظاهر أن المستفاد من النصوص عكس ذلك.

قتل الذمي إذا لاط بمسلم مطلقا

قال المحقّق: و لو لاط الذمّي بمسلم قتل و إن لم يوقب.

أقول: إذا لاط الذمي بمسلم بالإيقاب فهناك يقتل بلا كلام كما أن المسلم الموقب بمسلم كان يقتل و ليس هو بأخفّ من هذا.

و أمّا إذا لاط الذمي بمسلم بلا إيقاب فالحكم بالقتل هنا ليس كالفرض الأول في الوضوح و ذلك لأن المسلم اللائط غير الموقب ليس حكمه هو القتل حتى يقال بأنّ حال الذمي ليس أخفّ و أدون من المسلم فيقتل هو أيضا فلا بدّ من دليل يعتمد عليه.

و يمكن أن يتمسّك في ذلك بوجوه:

منها أنه قد هتك حرمة الإسلام.

و فيه أنه و إن كان ذلك غير قابل للإنكار إلّا أن الكلام في كون حدّه هو القتل‌

____________

(1) وسائل الشيعة- ج 18- ب 9 من أبواب حدّ الزنا ح 1.

30

و أنه يقتل الهاتك كما يقتل الموقب.

و منها أنه خرج بذلك عن الذمّة.

و فيه أنه خرج بذلك عن كونه ذميّا و يدخل تحت عنوان الحربيّ و يجوز قتله بذلك حيث إنه لم يعمل بشرائط الذمة و لكن كون حدّه هو القتل و وجوب قتله من أين؟

و منها الإجماع كما ادّعاه في الجواهر بقوله: بلا خلاف أجده فيه انتهى فعلى فرض تحقّق الإجماع فلا كلام عليه [1].

لواط الذمي بالذمي

قال المحقّق: و لو لاط بمثله كان الإمام مخيّرا بين إقامة الحدّ عليه و بين دفعه إلى أهله ليقيموا عليه حدّهم.

أقول: إنّ ما ذكر في الفرض الأوّل من الخروج عن الذمّة أو الهتك لا يجري هنا فيبقى أنه إذا رفع الأمر إلى الإمام فهو بولايته مخيّر بين إجراء حكم الإسلام عليه أو إرجاع الأمر إلى حكّامهم حتّى يحكموا عليه بمقتضى دينهم.

أما إجراء حكم الإسلام فللأولويّة أو تنقيح المناط حيث لا نصّ بالخصوص في المقام.

و أمّا إرجاعه إلى حكامهم فلأنّ من فعل و أتى بالقبيح غير مسلم فيمكن إرجاعه إلى أهل ملّته كي يحكم عليه حسب مذهبه و ملّته كما أن الأمر في الزنا (1) أيضا كذلك و إلا فلا نصّ عليه.

هذا كلّه إذا كان قد أتي به إلى الإمام و رفع أمره إليه و أمّا بدون ذلك فلا يجوز‌

____________

[1] يقول المقرّر: و قد استدلّ في المسالك بقوله: كما لو زنى على وجه يوجب الجلد على المسلم لما روي من أن حدّ اللواط مثل حدّ الزنا و لمناسبة عقوبة الزنا. انتهى.

____________

(1) راجع الدّر المنضود في أحكام الحدود. ج 1 ص 349.

31

له إجراء حكم الإسلام أي القتل مثلا في حقّه لأنه يخالف الأمن.

في قتل الموقب و جلد غير الموقب

قال المحقّق: و كيفيّة إقامة هذا الحدّ القتل إن كان إيقابا و في رواية إن كان محصنا رجم و إن كان غير محصن جلد و الأوّل أشهر.

أقول: إنّ الروايات في باب الموقب على قسمين:

أحدهما ما يدل على قتله بواحد من أنحاء القتل المذكورة فيها. منها رواية مالك بن عطية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لرجل أقرّ عنده باللواط أربعا: يا هذا إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيّهن شئت قال: و ما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال:

ضربة بالسيف في عنقك بالغة منك ما بلغت أو إهداب من جبل مشدود اليدين و الرجلين أو إحراق بالنار (1).

الى غير ذلك من الروايات الدالة على القتل.

ثانيهما ما يدلّ على التفصيل بين المحصن و غير المحصن و إليك قسم منها:

عن العلاء بن الفضيل قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): حدّ اللوطي مثل حدّ الزاني و قال: ان كان قد أحصن رجم و إلا جلد (2).

و عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل اتى رجلا؟ قال: عليه ان كان محصنا القتل و إن لم يكن محصنا فعليه الجلد. (3).

و في رواية قرب الاسناد. عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقول في اللوطي:

ان كان محصنا رجم و إن لم يكن محصنا جلد الحدّ (4).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من أبواب حدّ اللواط ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 3.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 4.

(4) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 6.

32

و عن أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه إنّ عليّ بن ابي طالب (عليه السلام) كان يقول: حدّ اللوطي مثل حدّ الزاني إن كان محصنا رجم و إن كان عزبا جلد مأة و يجلد الحدّ من يرمي به بريئا (1).

و عن ابي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إنّ في كتاب عليّ (عليه السلام): إذا أخذ الرجل مع غلام في لحاف مجرّدين ضرب الرجل و أدّب الغلام و ان كان ثقب و كان محصنا رجم (2).

ثم إنه لا إشكال في أن مقتضى الجمع بين الطائفتين هو حمل المطلق على المقيّد و لازم ذلك هو الحكم بقتل اللاطي الموقب المحصن و جلد غير المحصن.

إلّا أن الروايات المفصّلة معرض عنها و لم يعمل بها الأصحاب كما أن الشرائع قال: و الأوّل أشهر انتهى و قال في الجواهر بعد ذلك: رواية في العمل بل قد عرفت عدم الخلاف فيه بيننا بل الإجماع بقسميه عليه إلخ.

و على الجملة فحيث أن هذه الروايات لم يعمل بها الأصحاب [1] و العامل بها إن كان فهو شاذّ فلذا لا تقاوم و لا تعارض القسم الأوّل منها فالحكم في اللاطي الموقب مطلقا هو القتل.

قتل الموقب بكيفيّات مختلفة

قال المحقّق: ثم الإمام مخيّرا في قتله بين ضربه بالسيف أو تحريقه أو رجمه أو إلقائه من شاهق أو إلقاء جدار عليه.

أقول: الوجه في ذلك الروايات ففي رواية مالك بن عطيّة المذكورة أنفا‌

____________

[1] هذا مضافا الى ما أفاده في المسالك بقوله: و هذه الأخبار مع كثرتها مشتركة في ضعف السند ففي طريق. إلخ.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 7.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من أبواب حدّ اللواط ح 7.

33

التخيير بين ثلاثة: الضرب بالسيف أو إهداب من جبل. أو الإحراق بالنار (1).

و أما الرجم ففي رواية السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لو كان ينبغي لأجد أن يرجم مرّتين لرجم اللوطي (2).

و عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن في كتاب علىّ (عليه السلام): إذا أخذ الرجل مع غلام في لحاف مجرّدين ضرب الرجل و أدّب الغلام و إن كان ثقب و كان محصنا رجم (3).

و عن ابن ابي عمير عن عدّة من أصحابنا عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في الذي يوقب إنّ عليه الرجم إن كان محصنا و عليه الجلد إن لم يكن محصنا (4).

إلى غير ذلك من الروايات.

نعم التقيّد بالإحصان في قسم من هذه الروايات غير معمول به.

و أمّا إلقاء الجدار عليه فيدلّ على ذلك ما عن فقه الرضا (عليه السلام): و في اللواطة الكبرى ضربة بالسيف أو هدمة أو طرح الجدار و هي الإيقاب و في الصغرى مأة جلدة (5).

و الرواية و إن كانت ضعيفة إلّا أن الشهرة جابرة لها و قد صرّح في الجواهر بأن التخيير بين الخمسة هو المشهور.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من حدّ اللواط ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من حدّ اللواط ح 2.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من حدّ اللواط ح 7.

(4) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من حدّ اللواط ح 8.

(5) مستدرك الوسائل ج 18 ب 1 من حدّ اللواط ح 5.

34

الجمع بين التحريق و واحد من البواقي

قال المحقّق: و يجوز أن يجمع بين أحد هذه و بين تحريقه.

أقول: قد مر ما كان يدلّ على جواز الإحراق أوّلا و أمّا ما يدلّ على ذلك بعد أن أجرى عليه واحد من الأمور فروايتان:

إحديهما رواية العزرمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليهما السلام) قال: أتي عمر برجل قد نكح في دبره فهمّ أن يجلده فقال للشهود: رأيتموه يدخله كما يدخل الميل في المكحلة؟ قالوا: نعم فقال لعلي (عليه السلام): ما ترى في هذا؟

فطلب الفحل الذي نكح فلم يجده فقال علي (عليه السلام): ارى فيه أن تضرب عنقه قال: فأمر فضربت عنقه ثم قال: خذوه فقد بقيت له عقوبة أخرى قال:

و ما هي؟ قال: ادع بطنّ من حطب فدعا بطنّ من حطب فلفّ فيه ثم أحرقه بالنار (1).

و الأخرى رواية العزرمي أيضا قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: وجد رجل مع رجل في أمارة عمر فهرب أحدهما و أخذ الآخر فجي‌ء به الى عمر فقال للناس:

ما ترون في هذا؟ فقال هذا: اصنع كذا، و قال هذا: اصنع كذا قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ قال: اضرب عنقه، فضرب عنقه، قال: ثمّ أراد أن يحمله فقال: مه إنّه قد بقي من حدوده شي‌ء قال: أي شي‌ء بقي؟ قال: ادع بحطب فدعا عمر بحطب فأمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فأحرق به (2).

ثمّ إنّه قد يقال بأنّه قد ذكر في الروايات: الإحراق، فما هو كيفيّته و هل يجب أن يحرق الى أن لا يبقى شي‌ء أو غير ذلك؟.

فنقول: الظاهر أن الإحراق إذا كان في بدء الأمر و بعنوان واحد من الأمور التي يفعل بالحيّ فهو صادق بمجرّد موته بذلك و أمّا لو كان ذلك بعنوان العمل‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من حدّ اللواط ح 3.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 3 من أبواب اللواط ح 4.

35

المركّب أي الذي يفعل به بعد أن قتل فإنّه لا يصدق إلّا إذا صار كالفحم و الرماد.

حدّ اللّواط غير الايقابي

هذا كلّه في الإيقاب و أمّا إذا لم يوقب و إنما فعل ذلك بين الأليتين أو بين الفخذين.

فقال المحقّق: و إن لم يكن إيقابا كالتفخيذ أو بين الأليتين فحدّه مأة جلدة

و قال في النهاية: يرجم إن كان محصنا و يجلد إن لم يكن و الأوّل أشبه.

أقول: في المسألة أقوال:

أحدها: أن حدّه هو الجلد مأة بالنسبة إلى كل واحد منهما و اختار هذا القول جمع من أكابر الأصحاب بل في المسالك بعد أن ذكر أنه المشهور: ذهب إلى ذلك: المفيد و المرتضى و ابن أبي عقيل و سلّار و أبو الصلاح و ابن إدريس و المصنّف و سائر المتأخرين انتهى.

و في الرياض: على الأصحّ الأشهر بل عليه عامّة من تأخّر و في صريح الانتصار و ظاهر الغنية الإجماع عليه و هو الحجّة.

و قد استدلّ على ذلك بوجوه:

1- أصالة البراءة عن القتل.

2- الشك في وجوب الزائد فيكون شبهة يدرء بها.

3- الاحتياط فإنه بعد أن الشبهة مربوطة بالدماء فلا مورد لإجراء البراءة كما أن من المسلّم أنه يجري البراءة في الشبهات الموضوعية إذا لم تكن من قبيل الأعراض و النفوس و غيرها ممّا يماثلها فإنّه لا بد من الاحتياط فيها.

4- الإجماع كما مر في كلام صاحب الرياض.

5- خبر سليمان بن هلال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يفعل بالرجل قال: فقال: إن كان دون الثقب فالجلد و إن كان ثقب أقيم قائماً ثم ضرب‌

36

بالسيف ضربة أخذ السيف منه ما أخذ فقلت له هو القتل؟ قال: هو ذاك (1).

ثانيها: انه يرجم مع الإحصان و يجلد بدونه و قد ذهب إلى ذلك الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في النهاية (2) و التهذيب (3) و الإستبصار (4) و الخلاف (5) و المبسوط (6) و القاضي ابن البرّاج (7) و كذا جماعة من الفقهاء (8).

و ذلك للجميع بين الروايات الدّالّة على القتل في اللعب و التفخيذ و الدّالّة على الجلد بحمل الاولى على المحصن و الثانية على غيره [1].

لكن الجمع فرع التكافؤ المفقود في المقام فإنّ الرواية المفصّلة معرض عنها فلذا ذكر المحقّق أن القول الأوّل أشبه، انتهى، أي بأصول المذهب و قواعده.

ثالثها: ما عن الإسكافي و الصّدوقين من وجوب القتل فيهما أي سواء كان محصنا أو غير محصن و ذلك لأنهم فرضوا اللواط في غير الإيقاب. و أمّا الإيقاب فهو الكفر باللّه و الرواية تدلّ على القتل في اللواط.

و السرّ في فرضهم ذلك الروايات.

فعن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اللواط ما دون الدبر، و الدبر هو الكفر (9).

و عن حذيفة بن منصور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اللواط فقال: ما بين الفخذين و سألته عن الذي يوقب فقال: ذاك الكفر بما (لما) أنزل‌

____________

[1] قال في الرياض: بحمل ما دلّ منها على القتل مطلقا على الموقب و ما دلّ منها على التفصيل بين المحصن و غيره على غيره إلخ.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من حدّ اللواط ح 2.

(2) النهاية انتشارات قدس ص 704.

(3) التهذيب ج 10 ص 55.

(4) الإستبصار ج 4 ص 221.

(5) الخلاف ج 3 كتاب الحدود حدّ اللواط مسألة 22.

(6) المبسوط ج 8 كتاب الحدود ص 7.

(7) المهذّب ج 2 ص 530.

(8) كابن حمزة في الوسيلة ص 413.

(9) وسائل الشيعة ج 14 ب 20 من النكاح المحرم ح 3.

37

اللّه على نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) (1).

لكنّ الظاهر أن التعبير بالكفر تأكيد للذنب و مبالغة للحرمة (2).

لا فرق بين الأشخاص في هذا الحدّ أيضا

قال المحقّق: و يستوي فيه الحرّ و العبد و المسلم و الكافر و المحصن و غيره.

أقول: و ذلك لإطلاق أدلّة الباب فلا ينصّف الحدّ هنا في العبد بالإجماع و عموم الروايات هنا و عدم ما يدل على التفصيل و لا ينافي ذلك ما ورد من أن حدّ اللواط حد الزنا (3) و ذلك لتخصيص العبد الموقب و بتعبير آخر أن هذا الخبر ناظر الى قوله تعالى الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ (4) الّا أنه قد استثنى العبد في حكم المائة في باب الزنا بالخصوص دون باب اللواط ففي باب الزنا كان حدّ العبد نصف حدّ الحرّ للدليل.

و هكذا يتساوى المسلم و الكافر إذا كان اللائط و الملوط مسلمين أو كافرين لا ما إذا كان الفاعل كافرا و المفعول مسلما فإنّه يقتل الفاعل.

و قد يوجّه القتل هنا بأنه قد هتك حرمة الإسلام و لإهانته به.

كذا علّل في الرياض.

و فيه انّه لو كان الملاك الهتك لجرى ذلك في كل المعاصي فالعمدة هو الإجماع و هكذا الأولوية أو تنقيح المناط بالنسبة إلى الزنا لأنه كما تقدّم في باب الزنا يقتل الزاني الذمي بالمسلمة فإنّ اللواط إمّا أكبر و أعظم من الزنا- كما هو الظاهر من رواية يونس عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول:

____________

(1) وسائل الشيعة ج 14 ب 20 من أبواب النكاح المحرّم ح 3.

(2) و يمكن أن تحمل على المستحلّ مع أن حذيفة بن منصور ضعيف. كذا في المسالك.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ب 1 من أبواب حدّ اللواط ح 3.

(4) سورة النور الآية 2.

38

حرمة الدبر أعظم من حرمة الفرج و أن اللّه أهلك أمّة لحرمة الدبر و لم يهلك أحدا لحرمة الفرج (1)- أو أنه يساويه فلا محالة يقتل الكافر اللائط بالمسلم إمّا للأولويّة أو بتنقيح المناط القطعي.

و كذا لا فرق في المقام بين المحصن و غيره و ذلك لشمول إطلاق الرواية فيه أيضا.

قتل اللائط غير الموقب في الثالثة أو الرابعة

قال المحقّق: و لو تكرر منه الفعل و تخلّله الحدّ مرّتين قتل في الثالثة و قيل في الرابعة و هو أشبه.

أقول: أمّا القتل في الثالثة بعد تكرار مرّتين فهو مقتضى بعض الروايات الدّالّة على قتل مرتكب الكبائر في الثالثة مثل ما رواه يونس عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: أصحاب الكبائر كلّها إذا أقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة (2).

و أمّا القول بقتله في الرابعة فقد استدلّ عليه بالاحتياط في الدماء و بالإجماع على عدم الفرق بينه و بين باب الزنا في ذلك. و بالإجماع المدّعى على قتله في الرابعة و برواية أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): الزاني إذا زنى يجلد ثلاثا و يقتل في الرابعة يعني جلد ثلاث مرات (3) و قد مرّ البحث في ذلك في باب الزنا فراجع.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 14 ب 71 من أبواب النكاح المحرّم ح 2.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 20 من أبواب حدّ الزنا ح 3.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ب 5 من أبواب مقدمات الحدود ح 2.

39

تعزير المجتمعين تحت إزار واحد

قال المحقّق: و المجتمعان تحت إزار واحد مجرّدين و ليس بينهما رحم يعزّران من ثلاثين سوطا إلى تسعة و تسعين سوطا.

أقول: لا خصوصيّة لكونهما تحت إزار بل الحكم في اللحاف و الثوب و الستر أيضا كذلك و لذا زاد صاحب الجواهر لفظة (مثلا) بعد قول المحقّق: تحت إزار واحد.

و المراد من التجرّد هو التجرّد عن السروال لا مطلقا فإذا ثبت اجتماعهما كذلك يجب إقامة الحدّ الواجب المقرّر في الشرع. و ههنا أبحاث:

الأوّل في أن الواجب هنا هو الحدّ أو التعزير و على الثاني ما هو المقدار المعتبر شرعا من الجلد؟.

الثاني في القيود المعتبرة في المقام كالتجرّد و الضرورة و الرحم أو المحرميّة.

أمّا الأول فنقول: اختلفت الأخبار و الأقوال في ذلك فمقتضى بعض الأخبار أن الثابت في حقّهما هو الحدّ التامّ أي المائة، و مقتضى بعضها الآخر أنه التعزير إمّا بثلاثين كما هو مفاد بعضها و إمّا بتسعة و تسعين سوطا كما أنه مفاد قسم آخر منها.

و ذهب جمع كالصدوق و ابن الجنيد إلى إقامة الحدّ عليهما كما صرّح بذلك في المختلف.

و جمع الى تعزيرهما من ثلاثين إلى تسعة و تسعين و ذلك كالشيخ و ابن البرّاج و ابن إدريس و أكثر المتأخّرين و جزم بذلك المحقّق في الشرائع و النافع.

و قال بعض بأنه يعرّزان من عشرة إلى تسعة و تسعين، و قد نسبه العلامة في المختلف إلى الشيخ المفيد.

و اللّازم هنا المراجعة إلى الروايات و النظر فيها:

و قد عقد في الوسائل بابا عنوانه: باب ثبوت التعزير بحسب ما يراه الإمام على الرجلين و المرأتين و الرجل و المرأة إذا وجدا في لحاف واحد أو ثوب واحد‌

40

مجرّدين من غير ضرورة و لا قرابة و يقتلان في الرابعة.

عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: حدّ الجلد أن يوجدا في لحاف واحد و الرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحدّ. [1].

و عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه عبّاد البصري و معه أناس من أصحابه فقال له: حدّثني عن الرجلين إذا أخذا في لحاف واحد فقال له: كان علي (عليه السلام) إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ فقال له عباد: إنّك قلت لي: غير سوط. فأعاد عليه ذكر الحديث (الحدّ) حتّى أعاد ذلك مرارا فقال: غير سوط. فكتب القوم الحضور عند ذلك الحديث (1).

عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: حدّ الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد و الرجلان يوجدان في لحاف واحد. (2).

و عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان علي (عليه السلام) إذا وجد الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ. (3).

و عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجرّدين جلدهما حدّ الزاني مأة جلدة كلّ واحد منهما. (4).

و عن عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): (حدّ الجلد في الزنا أن‌

____________

[1] وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 1، و قال سيّدنا الأستاذ دام ظلّه ان النائب للفاعل في (يوجدا) و إن لم يذكر لكنّ المراد الرجل و المرأة الأجنبيّان.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 2.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 4.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 6.

(4) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 15.

41

يوجدا في لحاف واحد) و الرجلان يوجدان في لحاف واحد (1).

فهذه الروايات تدلّ على لزوم الحدّ التامّ في المقام.

و في قبالها أخبار تدلّ على التعزير بما دون الحدّ:

عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجلين يوجدان في لحاف واحد، قال: يجلدان غير سوط واحد (2).

و عن سليمان بن هلال قال: سأل بعض أصحابنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: جعلت فداك، الرجل ينام مع الرجل في لحاف واحد فقال: ذوا محرم؟

فقال: لا. قال: من ضرورة؟ قال: لا، قال: يضربان ثلاثين سوطا. (3).

و عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المرأتان تنامان في ثوب واحد؟ فقال: تضربان فقلت: حدّا؟ قال: لا. قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد؟ قال: يضربان. قلت: الحد؟ قال: لا. (4).

و مقتضى الرواية الأخيرة هو نفى الحدّ فقط بخلاف رواية ابن سنان فإنّ مقتضاها جلدهما غير سوط واحد و رواية سليمان فإنّهما تصرّح بضربهما ثلاثين سوطا.

و قد جمع بعض العلماء بين الروايات الدالّة على الحدّ و ما تدلّ على التعزير بحمل الاولى على التقيّة.

و ربما يستظهر ذلك من خبر عبّاد البصري حيث أن الإمام (عليه السلام) حكم أوّلا بضرب الحدّ ناسبا له إلى علي (عليه السلام) و لمّا قال له عبّاد: إنّك قلت: لي غير سوط أعاد عليه ما حكاه أوّلا عن علي (عليه السلام) من إجراء الحدّ و تكرر ذلك مرارا حتّى قال (عليه السلام): غير سوط، فقد حكم أوّلا بمقتضى التقيّة ثم‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 23.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 18.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 21.

(4) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 16.

42

ذكر أخيرا الحكم الواقعي.

و فيه أن الحمل على التقيّة موقوف على كون فتوى العامّة على لزوم الحدّ و الحال أن الأمر على خلاف ذلك كما يشهد بذلك كلام الشيخ في الخلاف في رجل وجد مع امرأة في فراش واحد- المتّحد حكمه للمقام- حيث قال هناك بعد الحكم بأن عليهما مأة جلدة: و قال جميع الفقهاء: عليه التعزير (1) إلخ.

فقد نسب وجوب التعزير الى جميع الفقهاء و الظاهر من تعبيره هذا هو فقهاء العامّة. إلى غير ذلك ممّا لا يساعد الحمل على التقيّة فراجع ما تقدّم في باب الزنا.

و قد يجمع بينهما بحمل الحدّ في الطائفة الأولى من الروايات على المقدار المقرّر عليهما في باب التعزير فلا تنافي بينها و بين الروايات الدالّة على تعزيرهما.

و فيه إنّ (الحدّ) ظاهر جدّا في الحدّ التأم و هو جلدهما مأة و لا يصحّ رفع اليد عن هذا الظهور البالغ بلا دليل [1].

و نظير هذا الحمل في البعد ما أفاده شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه- قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا وجد الرجل و المرأة في لحاف واحد. جلد كلّ واحد منهما مأة جلدة (2) من أن الوجه فيه أن نحمله على من أدّبه الإمام و زبره دفعة و دفعتين فعاد إلى مثل ذلك. (3).

و كذا ما ذكره المحدث الحرّ العاملي في رواية الحذّاء- قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا وجد الرجل و المرأة في لحاف واحد جلدا مأة جلدة (4)- بقوله: هذا يحتمل الحمل على أنه يجلد كلّ واحد منهما خمسين جلدة لوجود‌

____________

[1] أقول: هذا مضافا إلى عدم جريان هذا الكلام في مثل رواية ابن سنان و رواية أبي عبيدة و ذلك لمكان التصريح بحدّ الزنا و حدّ الزاني فيهما.

____________

(1) الخلاف ج 3 كتاب الحدود مسألة 9.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 9.

(3) تهذيب الأحكام ج 10 ص 44 بتفاوت يسير.

(4) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 5.

43

التصريحات الكثيرة السابقة و الآتية بأنّه يجلد دون الحدّ.

و كيف كان فما ذكروه في المقام من وجوه الجمع غير تامّ كما أن الجمع بالتخيير بينهما أيضا لا يخلو عن كلام و لم أجد من قال بالتخيير بين الحدّ و التعزير.

و الذي يبدو في النظر أن الروايات هنا من باب العامّ و الخاصّ فيخصّص بعضها ببعض، و ما دلّ على الحدّ التامّ المصرّح بالمأة بما دلّ على نقصان واحد فيكون نظير قول القائل: أعتق عشر رقبات الّا واحدا في تخصيص العشرة بالواحد، و استثناء الواحد عنها مذكور في كلماتهم.

و لعلّ هذا الوجه أحسن الوجوه و إن لم أعثر على من تعرّض له و ذكره.

و لا يخفى أنه لا يلزم من ذلك، القول بضربهما بخصوص تسعة و تسعين، و ذلك لأنه إذا نقص واحد فمعناه أنه تعزير لا حدّ و يكون هذا العدد هو الحدّ الأعلى منه و أمّا أقلّه فهو الثلاثون و ذلك لرواية سليمان بن هلال.

و بذلك أفتى الشيخ (قدّس سرّه) قائلًا: و متى وجد رجلان في إزار واحد مجرّدين أو رجل و غلام و قامت عليهما بذلك بيّنة أو أقرّا بفعله ضرب كلّ واحد منهما تعزيزا من ثلاثين سوطا إلى تسعة و تسعين سوطا يحسب ما يراه الإمام فإن عادا إلى ذلك ضربا مثل ذلك فإن عادا أقيم عليهما الحدّ على الكمال مأة جلدة (1).

و أمّا ما ذكره المفيد (قدّس سرّه) من تعزيرهما عشرا إلى تسعة و تسعين فلعلّ ذكر العشر من باب كلّي التعزير و إلّا فلم يرد به رواية بالخصوص على ما نعلم.

قال: فإن شهد الأربعة على رؤيتهما في إزار واحد مجرّدين من الثياب و لم يشهدوا برؤية الفعال كان على الاثنين الجلد دون الحدّ تعزيرا و تأديبا من عشرة أسواط إلى تسعة و تسعين سوطا بحسب ما يراه الحاكم من عقابهما في الحال و بحسب التهمة لهما و الظنّ بهما السيئات (2).

ثمّ إنّ مقتضى ما ذكرناه من حمل رواية ابن سنان على أكثر مقدار التعزير‌

____________

(1) النهاية ص 705.

(2) المقنعة ص 785.

44

و رواية سليمان على أقلّه أن الحكم في الغايتين و ما بينهما منوط بنظر الإمام.

نعم يبقى الكلام في إنّ مستند الحكم في الطرفين ضعيف. لكن قال في الجواهر:

و ما فيهما من الضعف منجبر بما عرفت.

و مراده من (ما عرفت) هو ما ذكره في صدر المسألة من حكاية الحكم بالجلد من ثلاثين إلى تسعة و تسعين عن الشيخ و ابن إدريس و أكثر المتأخّرين.

و ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان الشهرة بين المتأخّرين كافية في جبر ضعف الرواية.

ثم إن تمّ التمسك بهما للانجبار فنقول بتعزيرهما من ثلاثين إلى تسعة و تسعين.

و أمّا لو استشكل في ذلك أو أنه قيل بتعارض الروايات و تساقطها و لم يمكن استفادة الحكم منها و وصلت النوبة إلى التمسك بالأصل فهناك نقول: إنّ التسعة و التسعين معلوم الجواز و الزائد مشكوك فيه فالأصل البراءة من الزائد بل الأصل عدم الجواز هذا من ناحية الأكثر و أمّا من ناحية الأقلّ فحيث أن الجلد من باب التعزير فلا بدّ- من أن يكون أمره موكولا إلى نظر الحاكم إلّا أن مقتضى تصريح بعض الروايات بثلاثين هو عدم الإكتفاء بأقلّ منها فلو جلدا ثلاثين فقد عمل بالتكليف بخلاف الأقلّ فإنّه لا يقطع بذلك لأنه من قبيل الشك في الامتثال مع العلم بالتكليف المقتضي للخروج عنه يقينا.

و بعبارة أخرى إنه من باب الدوران و الترديد بين التعيين و التخيير لأن الثلاثين واجبة إمّا معيّنا أو بعنوان أحد أفراد التخيير إلى الواحد فلو أخذ بالثلاثين فقد أخذ بما هو الواجب مطلقا بخلاف الأقلّ من ذلك.

و إن شئت فقل: إنّ وجوب الأقلّ في ضمن الثلاثين معلوم و بنفسه غير معلوم فيؤخذ بالمعلوم و يترك غير المعلوم.

و قد تحصّل أن مقتضى الأصول أيضا يتحد و يتوافق مع ما هو نتيجة الاستظهار من الروايات فإنّ الأخذ بالمتيقّن و التمسك بأصالة عدم الامتثال بأقلّ من ثلاثين في ناحية الأقلّ و أصالة عدم جواز الزائد في ناحية الأكثر يوجب القول بتعزيرهما من ثلاثين إلى تسعة و تسعين.

45

ثمّ إنّه قد تعرّض المحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد للطائفتين من الروايات و لوجوه الجمع بينهما و لم يرجّح شيئا بل احتاط و قال: فينبغي العمل بالاحتياط التامّ في الحدود خصوصا القتل لأدرءوا، و بناء الحدّ على التخفيف مهما أمكن.

هذا كلّه بالنسبة إلى أصل الحكم و أمّا بالنسبة إلى القيود فنقول: أمّا التجرّد فقد ذكر ذلك في كلام المحقّق و كذا بعض آخرين. و أمّا الروايات فهي خالية عن ذكره سوى رواية أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- ففيها:- إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجرّدين جلدهما. (1).

فإنّه ربّما يستفاد منها بحسب المفهوم أنه لم يكن يجلدهما إذا لم يكونا مجرّدين.

و فيه إنّ دلالتها بالمفهوم أوّلا و مفهوم الفعل ثانيا.

و ربّما يقال: إنّ التعبير بالثوب الواحد في مثل رواية معاوية بن عمّار: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):. الرجلان ينامان في ثوب واحد قال:

يضربان. (2) يفيد أن هذا الثوب الواحد هو الإزار فقط الذي كانا تحته فيكون الحكم متعلقا بما إذا كانا مجرّدين.

و فيه إنّ الثوب الواحد المذكور هنا كاللحاف الواحد المذكور في رواية عبد اللّه بن سنان (3) مثلا و كما أنه يمكن أن يكونا مجرّدين تحت اللحاف و الثوب كذلك يمكن أن يكونا لابسين.

و يمكن أن يقال: إن رواية أبي خديجة: لا ينبغي لامرأتين تنامان في لحاف واحد إلّا و بينهما حاجز. (4) ربما تدلّ بلحاظ وحدة حكم الرجلين و المرأتين- على اعتبار التجرّد بناء على كون المراد من الحاجز هو الثوب و اللباس.

و أمّا لو كان المراد منه ما يحجزهما عن فعل الحرام فلا دلالة لها على ما نحن‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 15.

(2) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 16.

(3) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 4.

(4) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 25.

46

بصدده.

نعم إنّ المتيقّن الذي يجري عليه الحكم قطعا هو ما إذا كانا مجرّدين بخلاف ما إذا كان عليهما ثياب و لباس فان وجوب تعزيرهما بل جوازه مشكوك فيه و الأصل هو العدم.

اللهمّ إلّا أن يقال بأن مجرّد نومهما جنبا بجنب يكون حراما فيجب التعزير من باب الإتيان بالمعصية.

و هذا موقوف على أن لا يتردد في كون ذلك معصية كبيرة- أو القول بأن ارتكاب كلّ حرام يوجب التعزير و إن لم يكن كبيرة، و الأمر موكول إلى محلّه.

و قد وجّه بعض اعتبار قيد التجرّد بأنّه يوجب التهمة بخلاف ما إذا لم يكونا مجرّدين فإنّهما ليسا في معرض التهمة.

لكن في الرياض: لا وجه لاعتبار الأخير (أي التجرّد) أصلا حيث يحصل التحريم بالاجتماع الذي هو مناط التعزير من دونه و لعلّه لذا خلا أكثر النصوص من اعتباره و بعض النصوص المعترض له غير صريح في التقييد به لكنّه ظاهر فيه مع صحّة سنده إلخ.

و أمّا التقييد بنفي الرحميّة الذي قد يعبّر عنه بنفي المحرميّة فهو بظاهره لا معنى له في المقام و لا في بعض نظائره كالمرأتين المضطجعتين تحت إزار واحد.

إذا فلا بدّ من أن يكون المراد من الرحم هو القرابة و مع ذلك فلا وجه لاعتباره و لا أثر له.

و لذا قال في المسالك: و ليس فيها- النصوص- التقييد بعدم المحرميّة بينهما و عدم القيد أجود لأن المحرميّة لا يجوّز الاجتماع للمذكّرين و إن لم تؤكّد التحريم.

ثم قال: و المراد بالرحم حيث يطلق مطلق القرابة و هي أعمّ من المحرميّة التي هي عبارة عن تحريم النكاح مؤبدا و هي تؤيّد عدم فائدة هذا القيد لأن القرابة لا دخل لها في تحقّق هذا الحكم انتهى.

و كذا قال صاحب الرياض (قدّس سرّه): إنّ التقييد بنفي الرحميّة و الضرورة لم‌

47

يوجد في أكثر روايات المسألة.

ثم استدرك و أتى بخبر سليمان بن هلال الذي فيه: الرجل ينام مع الرجل في لحاف واحد فقال: ذوا محرم؟ فقال: لا إلخ (1).

قال: و فيه إيماء إليه لكنّه مع قصور السند يشكل في الأوّل بأن مطلق الرحم لا يوجب تجويز ذلك فالأولى ترك التقييد به أو التقييد بكون الفعل محرّما إلى آخر كلامه.

أقول: إنّه يحتمل أن يكون الوجه في هذا التقييد هو أنه مع المحرميّة و في مورد الرحم يحصل الاطمئنان بعدم الفساد بخلاف ما إذا لم يكن بينهما قرابة و محرميّة، فالأب و الابن مثلا المجتمعين تحت إزار واحد لا يظن بهما السوء.

و فيه إنّه لو كان الأمر في الأعصار الماضية كذلك ففي عصرنا ليس كذلك كما يظهر ذلك من بعض الاستفتاءات الواردة علينا في زنا الأب بابنته مثلا و قد ورد علينا السؤال عن ذلك لا مرّة بل مرارا عديدة.

و على الجملة فالظاهر أنه لا فرق بين الموردين بل لعلّه يكون الأمر في المحرم آكد كما في الزناء بذات المحارم.

ثم لو صحّ هذا الوجه لزم أسراؤه إلى غير الأقرباء و المحارم أيضا.

و أمّا التقييد بعدم الضرورة كما في كلام صاحب الرياض [1] فهو صحيح فإنّه قد يوجب الضرورة و الحاجة الشديدة كالبرد الشديد اضطجاعهما تحت إزار واحد و هذا لا يوجب التعزير و ذلك لجريان مثل لا حرج هنا و إن لم يجر في مثل الزنا.

____________

[1] أقول قد ذكر هذا القيد في رواية سليمان بن هلال و قد مرّت آنفا و في رواية جابر بن عبد اللّه قال: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن المكاعمة و المكامعة فالمكاعمة أن يلثم الرجل الرجل و المكامعة أن يضاجعه و لا يكون بينهما ثوب من غير ضرورة، الوسائل ج 14 ب 21 من أبواب النكاح المحرّم ح 4.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 21.

48

و الظاهر انصراف الروايات عن صورة الضرورة فالأولى ترك التقييد به نعم يحسن التقييد بكون الفعل محرّما فإن كان اضطجاعهما تحت إزار واحد حراما فهناك يعزّران و الّا فلا.

و أمّا الإحصان و عدمه فلا فرق في الحكم من هذه الجهة و لذا لا ذكر له في الأخبار الواردة في الباب.

كما أنه لا فرق من جهة كونها محرمين أو محلّين و إن كان الإحرام يوجب التغليظ لكنّه لا يبلغ الأمر به إلى وجوب الحدّ و لا يبدل التعزير حدّا.

هذا كلّه إذا وقع ذلك مرّة واحدة و أمّا لو تكرر ذلك فله حكم آخر و هو:

قتلهما في الثالثة بعد تخلّل التعزيرين

قال المحقّق: و لو تكرّر ذلك منهما و تخلّله التعزير حدّا في الثالثة.

أقول: و قد ذهب إليه الشيخ في النهاية و ابن إدريس و ابن البرّاج و ابن سعيد و العلّامة في القواعد و التحرير.

و مستندهم في ذلك فحوى رواية أبي خديجة قال: لا ينبغي لامرأتين تنامان في لحاف واحد إلّا و بينهما حاجز فإن فعلتا نهيتا عن ذلك فإن وجدهما بعد النهي في لحاف واحد جلدتا كلّ واحد منهما حدّا حدّا فإن وجدتا الثالثة في لحاف حدّتا فان وجدتا الرابعة قتلتا [1].

لكن فيها الإشكال من وجوه و إنّها لا تنطبق على مدّعاهم كاملا فإنّها مع ورودها في المرأتين تدلّ على أن اللازم تكرار العمل أربع مرّات و ليس في المرّة الأولى سوى النهي لا غير.

اللّهمّ الّا أن يحمل ذلك على صورة جهلهما بالحرمة فإنّه يصحّ حينئذ عدم‌

____________

[1] وسائل الشيعة ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 25، و في الكافي ج 7 ص 202 نقلها عن أبي خديجة عن أبي عبد اللّه. فإن وجدتا الثالثة قتلتا.

49

ترتّب شي‌ء عليه سوى النهي.

و يشكل الأمر في المرّة التي وقعت بعد النهي حيث إن الرواية تقول: جلدتا كلّ واحد منهما حدّا حدّا، و ظاهر ذلك هو الحدّ التام لا التعزير كما أنه يرد هذا الإشكال بعينه بالنسبة إلى المرة الثالثة، لمكان التعبير بالحدّ الظاهر في الحدّ الكامل لا التعزير و أين هذا مما يقوله هؤلاء من أن الواجب عقيب الأولى هو التعزير و هكذا عقيب المرّة الثانية ثم لو تكرّر ثالثة فهناك القتل، و الحكم بالحدّ عقيب المرّة الأولى و الثانية غير معمول به كما أن إرادة صورة العلم و العمد من قوله: فإن فعلتا نهيتا عن ذلك أيضا غير صحيح و لم يقولوا به [1].

نعم يمكن التمسك في المقام بالدليل الكلي الساري في جميع الكبائر من أنه يعزّر المرتكب أوّلا و ثانيا و ثالثا ثم يقتل في الرابعة.

تعزير من قبّل غلاما بشهوة

قال المحقّق: و كذا يعزّر من قبّل غلاما ليس له بمحرم بشهوة.

أقول: إنّ كلامه هذا بظاهره محلّ الإشكال و ذلك لإفادته عدم وجوب تعزير من قبّل غلاما بشهوة و هو محرم له أي كان من أرحامه و ذوي قرابته.

و لكن من المسلّم المقطوع به عدم كون ذلك مرادا له بل المقصود بيان ما يمكن أن يتحقّق في الخارج غالبا فإنّ التقبيل بالشهوة لا يتّفق بالنسبة إلى المحرم الّا نادرا، و المتجرّي على اللّه العاصي له لا يقبّل بالشهوة الغلام الذي كان من أقربائه و أبناء بيته و إنّما يقبّل الأباعد و من ليس بينه و بينه رحم و قرابة و على الجملة فالقيد وارد مورد الغالب و لا مفهوم له كما في قوله تعالى وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ (1).

____________

[1] أقول: هذا مضافا إلى أخصيّة الدليل بالنسبة إلى المدّعى كما في الرياض.

____________

(1) سورة النساء الآية 23.

50

كما أن التشبيه المستفاد من قوله،: (و كذا.) لا يراد منه التشبيه في كون التعزير. من ثلاثين إلى تسعة و تسعين المذكور آنفا و إنّما المراد التشبيه في أصل التعزير في قبال الحدّ و ذلك لأن التحديد المزبور مختصّ بالمسألة السابقة لاختصاص الدليل بها فيؤخذ في غيرها بما هو مقتضى القاعدة الجارية في التعزيرات.

و على هذا فيكون أمر المقبّل موكولا إلى نظر الحاكم فيعزّره على حسب ما يراه من الواحد إلى ما دون الحدّ.

و في الرياض و الجواهر: بلا خلاف أجده فيه، أي في تعزيره و ذلك لأنه فعل محرّما فيستحقّ فاعله التعزير كما في غيره من المحرّمات بلا فرق بين المحرم و غيره أي الأجنبي و ذلك لإطلاق الدليل. بل لعلّ الأمر في المحرم آكد و الفحش و الشناعة أشدّ.

و لا يخفى أن عبارة الجواهر في المقام غير صحيحة فإنّه قال: لا فرق بين المحرم و غيره في ذلك بل لعلّه في الأخير آكد انتهى.

و الحال أن الأخير هو غير المحرم أي الأجنبي و من المعلوم أن الحرمة ليست في تقبيل الأجنبي بآكد و إنما الأمر بالعكس.

ثم إنّ المحقق و إن عبّر بالغلام، و هو ظاهر في غير البالغ إلا أن الظاهر عدم الفرق في ذلك بين الصغير و الكبير بل و لا بين المذكّر و المؤنّث كلّ ذلك لوحدة الملاك و عموم المناط و هو تحقّق التقبيل المحرّم.

ثم إنّه تدلّ على حرمته الأخبار الشريفة:

فمنها ما رواه طلحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من قبّل غلاما بشهوة ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من نار (1).

و منها ما عن فقه الرضا (عليه السلام): و إذا قبّل الرجل غلاما بشهوة لعنته ملائكة السماء و ملائكة الأرض و ملائكة الرحمة و ملائكة الغضب و أعدّ له‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 14 ص 257 ب 21 من أبواب النكاح المحرّم ح 1.

51

جهنّم و ساءت مصيرا [1] إلى غير ذلك من الروايات.

و على الجملة فهو من المحرّمات الأكيدة فيجب تعزير فاعله و المرتكب له على حسب ما يراه الحاكم.

نعم هنا رواية تنافي بظاهرها ذلك و هي: عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): محرم قبّل غلاما من شهوة قال: يضرب مأة سوط (1).

فإنّها تدلّ بظاهرها على وجوب الحدّ على من ارتكب هذا الحرام.

لكنّ الظاهر أن الزيادة على التعزير للتغليظ لمكان الإحرام كما صرّح بذلك الأصحاب عموما و ابن إدريس في السرائر في خصوص المقام.

و قد ذكر ذلك صاحب الرياض (قدّس سرّه) و استحسنه لو لا أن المشهور اشتراط عدم بلوغ التعزير الحدّ و لذا إن الحلّي لم يصرّح في مورد الخبر بأكثر من التغليظ انتهى كلامه [2].

و أورد عليه صاحب الجواهر بقوله: و فيه منع ذلك مع فرض اجتماع جهات التعزير كما هو واضح.

و الفرض أن التعزير من حيث هو و في حدّ ذاته مشروط بعدم بلوغ الحدّ و ذلك لا ينافي أن يقرنه التغليظ لجهة كالإحرام و بلغ بذلك الحدّ و لا يلزم منه أن‌

____________

[1] مستدرك الوسائل ج 14 ص 351 ب 18 من أبواب النكاح المحرّم ح 3 أقول: و في نفس الموضع أيضا: و في خبر آخر: من قبّل غلاما بشهوة ألجمه اللّه بلجام من النار. و أيضا: عن عوالي اللئالي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: من قبّل غلاما بشهوة عذّبه اللّه ألف عام في النار.

[2] و إليك عبارته في السرائر ج 3 ص 461: و من قبّل غلاما ليس بمحرم له على جهة الالتذاذ و الشهوة و ميل النفس وجب عليه التعزير، فإن فعل ذلك و هو محرم بحجّ أو عمرة غلّظ عليه تأديبه كي ينزجر عن مثله في مستقبل الأحوال انتهى.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 14 ص 258 ح 3، الكافي ج 7 ص 200 ح 9، التهذيب ج 10 ص 57.

52

يتبدّل التعزير حدّا.

ثم إنّه قد وقع في عبارة الجواهر هنا أيضا تصحيف حيث إنّه حكى عبارة الرياض هكذا: (لو لا أن المشهور عدم اشتراط بلوغ التعزير الحدّ) و من المعلوم أن هذا خلاف المقصود و الواقع، فإنّ المشهور هو اشتراط العدم لا عدم الاشتراط.

و يحتمل كون النسخة الموجودة عنده من الرياض مشتملة على العبارة بالنحو الذي حكاه، و كيف كان فهو غير صحيح، و الصحيح ما ذكرناه.

الكلام في توبة اللائط

قال المحقّق: و إذا تاب اللائط قبل قيام البيّنة سقط الحدّ و لو تاب بعده لم يسقط و لو كان مقرّا كان الإمام مخيّرا في العفو و الاستيفاء.

أقول: الحكم هنا كما في باب الزنا و قد تقدّم أنه قال المحقّق هناك: و من تاب قبل قيام البيّنة سقط عنه الحدّ و لو تاب بعد قيامها لم يسقط حدّا كان أو رجما انتهى.

كما و أنه قال هناك أيضا: و لو أقرّ بحدّ ثمّ تاب كان الإمام مخيّرا في إقامته رجما كان أو جلدا انتهى.

و قد تقدّمت أيضا الأخبار التي تدلّ على التفصيل بين ثبوت الحدّ بالبيّنة أو الإقرار و التفصيل في البيّنة بين ما إذا تاب قبلها أو بعدها فراجع.