الدر المنضود في أحكام الحدود - ج3

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
426 /
5

الجزء الثالث

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ الذي فضل العلماء العالمين على الشهداء و عباده الصالحين و جعلهم في آية الشهادة قرينا لملائكته المقربين و الصلاة و السلام على من بعثه رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ أبي القاسم محمد و على آله و عترته الطيبين معادن الحكمة و ينابيع العلم و اليقين و مهابط الوحي و روح الأمين و اللعن الدائم و الخيب الخاذل على أعدائهم أصول الجهل و العصبية العمياء أجمعين من الآن الى قيام يوم الدين.

و بعد فقد قال الله سبحانه و تعالى في كتابه المبين إِنّٰا جَعَلْنٰا مٰا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهٰا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (1).

من المسلم المصرح به في هذه الآية الكريمة أن اللّه تعالى قد جعل ما على وجه الأرض زينة و حلية لها، و أن المقصد و الهدف من ذلك هو الاختبار و الامتحان.

بالإطاعة و العصبيان.

____________

(1) سورة الكهف الآية 7.

6

و إنما الإجمال و الإبهام من حيث المراد من «ما على الأرض الذي جعله الله زينة لها» ففيه وجوه و احتمالات:

أحدها: أن المراد منه هو الأنهار و الأشجار و الحيوان و النبات و الجماد و أنواع المخلوقات.

ثانيها: انه هو الرجال.

ثالثها: الأنبياء و العلماء، و إذا صرفنا النظر عن الاحتمال الأول فإن الثاني و الثالث قابلان للجمع و لا منافاة بينهما، فإنه يبعد جدا ان يكون المراد من الرجال هو مطلق الجنس المذكر و ما يقابل الأنثى فكم من هو كذلك و تنفى عنه الرجولية كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام):

يا أشباه الرجال و لا رجال حلوم الأطفال و عقول ربات الحجال. (1).

بل الظاهر منه هو الرجال المذكورون في القرآن الكريم الموصوفون على لسان الله تعالى تارة بقوله تعالى فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (2) و أحرى بقوله تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ إِقٰامِ الصَّلٰاةِ وَ إِيتٰاءِ الزَّكٰاةِ يَخٰافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصٰارُ (3).

و ثالثة بقوله سبحانه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ. (4).

إذا فلا غرو في أن يقال: إن زينة الأرض هم الأنبياء و العلماء و هم الرجال الذين عرفهم الله تعالى بتلك الأوصاف الجميلة.

و لو أريد من «ما على الأرض» مطلق ما على وجه الأرض على ما هو مقتضى‌

____________

(1) نهج البلاغة الخطبة 27.

(2) سورة التوبة الآية 108.

(3) سورة النور الآية 38.

(4) سورة الأحزاب الآية 23.

7

الاحتمال الأول فإن العلماء من ابرز مصاديق ما على وجه الأرض و من أعلى نماذج الزينة لها، فلو لا العلماء لما كانت للأرض زينة أو لكانت زينة الأرض ناقصة جدا.

نعم لا بد من التنبيه على نكتة- و لعلها غير خافية على القارئ المحترم- و هي أن المراد من العلماء ليس هو مطلق من درس الكتب الدارجة و تعلم و عرف الاصطلاحات المتداولة و القواعد و الأصول المعمولة فعن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ (1) قال: يعني بالعلماء من صدق فعله قوله و من لم يصدق فعله قوله فليس بعالم (2).

ثم ان من هؤلاء العلماء الأفذاد الذين يجدر بهم ان يكونوا زينة للأرض هو استأذنا الأفخم و أسوة العلماء الأعاظم و المراجع الدينية الذي تلمذنا لديه أعواما كثيرة و استفدنا من منهل علمه العذب الغزير و فقهه العميق سنين متوالية المرجع الديني الأعلى و آية الله العظمى السيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني تغمده الله بغفرانه و رضوانه و أسكنه بحبوحات جناته و حشره الله مع أجداده الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين).

و من جملة ما استفدنا من إفاداته الجامعة و تلقيناه من دروسه العالية و ابحاثه الفاخرة مباحثه في الحدود التي هي من المسائل المهمة و قد كثر الابتلاء بها و كانت على حسب تأليفنا ثلاثة مجلدات.

و قد طبع المجلد الأول في أيام حياته- و يا لذكري تلك الأيام السعيدة- كما و ان المجلد الثاني كان تحت الطبع مشرفا على التمام فاذا حدث الحادث العظيم و وقعت الواقعة المؤلمة التي ابكت العيون و اولمت القلوب اعني حادث ارتحاله من دار الغرور الى مستقر النور و الى الرفيع الأعلى و صار ضيفا لربه الكريم.

____________

(1) سورة الفاطر الآية 28.

(2) الكافي ج 1 ص 36.

8

و هذا هو المجلد الثالث الذي يخرج الى النور و قد فقدنا هذه الشخصية اللامعة القذة ما يقرب من سنتين و لم تنس و لا تنسى تلك المصيبة العظمى.

و البقاع التي كان يعبد الله أو يصلي أو يقرء القرآن فيها أو يلقى دروسه على العلماء و المجتهدين فيها تفزع و تنادي بالغربة و الوحدة و على فقد هذا المرجع الكبير و الزعيم العظيم، و عسى أن يكون طبع هذا الكتاب مما يسره و يفرحه في عوالم القدس و يمن علينا بدعائه في مماته كما كان يمن علينا بذلك في حياته و السلام عليه و جزاه الله خير جزاء المحسنين.

و كيف كان فهذا الجزء أيضا قد حوى مباحث هامة و مطالب كانت محل الحاجة و الابتلاء و هي:

1- حدّ السرقة 2- حدّ المحاربة 3- حدّ الارتداد.

كما و قد اشتمل على مباحث «المفسد في الأرض» الذي قلّما تعرضوا له مستقلا في الكتب الفقهية.

و كل بحث من تلك الأبحاث متضمن لمطالب نافعة و نكات رائعة عسى الله سبحانه و تعالى أن ينفع بها العلماء البارعين كما و قد من علينا بان صار الجزءان الأولان من كتابنا مورد إقبال الأعلام و الأجلاء و أصبحت تلك الأبحاث واردة في الأندية العلمية و الدروس العالية التي تقام في الحوزة العلمية.

و الحق أنه نظرا إلى أهمية الموضوع و هو الحدود فإن الأمة الإسلامية اليوم بحاجة ماسة الى هذه الدراسات و الأخذ بما فيها من الأحكام كي ينالوا خيرا.

و عند ما طبع المجلد الأول من هذا الكتاب فقد وصل إلينا من بعض رجالات العلم و التقوى تقاريظ قد ابدى فيها عواطفهم الكريمة كما و أن غير واحد من الأعاظم و المشتغلين الأكارم في الحوزة العلمية المباركة قد طلبوا إكمال الأبحاث و طبع كل المطالب.

9

و انى اغتنم هذه الفرصة و أقدم ثنائي العاطر و شكري الجزيل الخالص المتوافر إلى هؤلاء الأجلاء و الأفاضل القاطنين في الحوزة الشريفة أو سائر البلدان، شملهم الباري برحمته و إحسانه.

و أعترف أني لا أستطيع أن أؤدي حق تلك العواطف الكريمة الخالصة.

و الرجاء من الله تعالى ان يجعل هذا الكتاب ذخيرة صالحة ليوم فقري و فاقتي.

يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (1).

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً. (2).

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجٰادِلُ عَنْ نَفْسِهٰا وَ تُوَفّٰى كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ وَ هُمْ لٰا يُظْلَمُونَ (3).

و المأمول من المولى جل جلاله ان يجعله أثرا خالدا على مر الأعصار و الدهور و تصرم الأعوام و الشهور، و نكون بذلك ممن قد أدى قليلا من كثير من الحقوق التي كانت لسماحة سيدنا الأستاذ الأكبر (قدّس اللّه نفسه) علينا إنه سميع مجيب و على كل شي‌ء قدير و السلام على عباد الله الصالحين و أفضل الصلاة و السلام على معلمي الخير و مفاتيح البركة محمد و آله الطاهرين.

قم الحوزة العلمية علي الكريمي الجهرمى‌

____________

(1) سورة الشعراء الآية 89.

(2) سورة آل عمران الآية 30.

(3) سورة النحل الآية 111.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

حدّ السّرقة

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

حدّ السرقة

قال المحقّق: الباب الخامس في حدّ السرقة، و الكلام في السارق و المسروق و الحجة و الحد و اللواحق.

الأول في السارق و يشترط في وجوب الحد عليه شروط: الأول البلوغ فلو سرق الطفل لم يحدّ و يؤدّب

أقول: لا شكّ في أن وجوب الحدّ على السارق مشروط بشرائط، و قد اختلفوا في عددها فذكر بعض ثمانية و آخر عشرة، و يمكن ان تكون أزيد من ذلك و هذا بملاحظة الإخراج من الحرز كما في الجواهر، و قد ذكر في الشرائع ثمانية شروط، أولها البلوغ، و فرّع على ذلك انه لا يحدّ الطفل إذا سرق.

و قد عبّر رحمة الله عليه بالحدّ فلا يرد عليه الإشكال بعد ذلك عند تعرضه بأنه قد يقطع يد الصبي، و ذلك لأنه ليس من باب الحدّ، و هذا بخلاف من عبّر بالقطع‌

16

كالشيخ قدس سره حيث قال: لا قطع إلا على مكلف و هو البالغ العاقل فأما غير المكلف و هو الصبي أو المجنون فلا قطع على واحد منهما لقوله تعالى فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا جَزٰاءً بِمٰا كَسَبٰا نَكٰالًا مِنَ اللّٰهِ، و انما يعاقب من كان عاقلا انتهى (1).

و قال بعد ذلك: فان كان السارق مجنونا فلا قطع و ان كان غير بالغ فلا قطع انتهى.

و على الجملة فمن عبّر بالقطع لو قال بتعزير الصبي بالأمور المذكورة في الروايات حتى القطع يمكن ان يورد عليه بأنه كيف يحكم بتعزير الصبي بالقطع مع انه عقوبة و لا عقوبة على الصبي و ان كانت بصورة التعزير.

و قد استدلّ على عدم الحد على الطفل بالأصل و بحديث رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم.

و أورد عليه بعض المعاصرين قدس سره بأن الأصل لا وجه له بعد شمول العمومات.

ثم قال: و أما حديث رفع القلم فالتمسك به في المقام مشكل لإمكان أن يكون ترتّب الحد على السرقة كترتب لزوم الغسل على الجنابة من غير فرق بين البالغ و غير البالغ، فالعمدة الأخبار الواردة. (2).

و ما أفاده بالنسبة للأصل تامّ لا غبار عليه فإنه مع وجود العمومات لا مجال للتمسك بالأصل بل لا بد من الأخذ بها لو لم تكن منصرفة كما في المجنون و غير المميز حيث انها منصرفة عنهما.

و أما ما افاده من احتمال جعل المقام مثل باب الجنابة فهو خلاف الظاهر و مشكل جدا، و ذلك للفرق الجليّ بين ما يوجب العقاب على فعله- و لو باعتبار ردعه و بلحاظ أن لا يفعل بعد ذلك- و بين ما لا يكون من هذا القبيل بل كان‌

____________

(1) المبسوط 8 ص 20.

(2) جامع المدارك ج 7 الطبع الأول ص 131.

17

كالنجاسة الحاصلة من إصابة البول و الدم، أو الجنابة الحاصلة له من الدخول، و من المعلوم ان الصبي و ان عزّر كان بالنظر الى ما ارتكبه و اتى به و بلحاظ ما لا يناسبه ان يفعل و الا لكان يضرب من دون ارتكابه شيئا بل لمجرد التأديب و أن لا يفعل في ما يأتي من الأزمنة و على هذا فترتب آثار مثل النجاسة و الجنابة لا يوجب ترتب هذا الأثر و جعل القطع مثلها بعد أن القطع كان بلحاظ ما اتى به و كونه نوعا من العقوبة و المجازاة و ان لم يكن من العقوبات المصطلحة المترتبة على فعل الكبير.

و قال الشيخ الطوسي قدس سره في باب السرقة: فإن كان صبيا عفى عنه مرة فإن عاد أدّب فإن عاد ثالثة حكّت حتّى أصابعه تدمى فإن عاد قطعت أنامله فإن عاد بعد ذلك قطع أسفل من ذلك كما يقطع الرجل سواء (1).

و قد نقل في الشرائع هذا المطلب بعينه عن الشيخ ثمّ‌

قال المحقق: و بهذا روايات.

و في المسالك: و القول الذي نقله عن الشيخ في النهاية، وافقه عليه القاضي و العلامة في المختلف لكثرة الأخبار الواردة به.

و في المختلف بعد ذكر أقوال العلماء في المسألة قال: و المعتمد ما قاله الشيخ، لنا اشتهاره بين علماؤنا و فتوى أكثرهم به و الأحاديث المتظافرة الدالة عليه إلخ.

و في كشف اللثام عند ذكر كلام الشيخ: و هو خيرة المختلف و نسبه الى الأكثر و لم أظفر بخبر يتضمّن هذا التفصيل إلخ.

و في الجواهر بعد كلام الشيخ: و تبعه عليه القاضي [1] و الفاضل في محكي المختلف ناسبا له إلى الأكثر و ان كنا لم نتحققه، نعم بهذا في الجملة روايات كثيرة فيها الصحيح و غيره بل ربما قرب من التواتر مضمونها في الجملة إلا أنها على‌

____________

[1] أقول: لم أعثر على ذلك في كلمات القاضي لا في المهذب و لا في جواهر الفقه نعم قاله ابن حمزة في الوسيلة فراجع ص 418.

____________

(1) النهاية ص 716.

18

كثرتها لم نقف فيها على خبر مشتمل على تمام التفصيل المزبور كما اعترف به في كشف اللثام و غيره.

ثم إنه لا مورد للتمسك بحديث الرفع في المقام و ذلك لأنه يرفع العقوبة المترتبة على العمل لأجل نفس العمل و وقوعه في الخارج، و الصبي ليس كذلك فإنه و ان قلنا فيه بالتعزيرات الواردة في الأخبار حتى القطع لكنه ليس من باب العقوبة بل المقام كاليد المؤفة التي أصيبت بالسرطان و لو لم تقطع لطال به الداء و أهلكه فعلى الولي قطع يد الصبي المبتلى بسرطان اليد تحفظا و تحذرا من نفوذ المرض و سريانه إلى سائر أعضاء البدن و على الجملة فهذا ليس عقوبة في الحقيقة على اصطلاحه الخاص.

و لقد أجاد العلامة فيما أفاد حيث قال: و الاخبار في ذلك كثيرة و لا استبعاد في كون التأديب الواجب عليه بذلك، و لا يكون ذلك من باب التكليف بل من باب اللطف (1).

فهذا الكلام متين و لطيف. و القطع- فضلا عن غيره من التعزيرات- لطف بالنسبة إليه في ظروفه الخاصة و ليس هو تعذيبا و عقابا و نكالا- على ما ورد في الآية الكريمة جَزٰاءً بِمٰا كَسَبٰا نَكٰالًا مِنَ اللّٰهِ- و ذلك لعدم تكليف عليه و اختصاص التكليف بالكبير فلا مورد للتمسك بحديث الرفع.

و بعبارة اخرى إنّ من تمسك بالحديث الشريف يقول: ان القطع مثلا عقاب و لازمه التكليف، و حيث ان مقتضى جريان الرفع هو رفع التكليف فلم يبق مورد للعقاب و هو أيضا مرفوع كنفس التكليف.

و لكن الحق هو ما ذهب إليه العلامة من انه ليس من باب العقاب بل هو لطف إلى الصبي و مراعاة صلاحه إذا تلوّث بالسرقة، و على هذا فلو استفيد من الاخبار لزوم تلك التعزيرات و وجوبها فليس فيها ما لا يلائم العقل و ما لا يناسبه و يوافقه.

____________

(1) المختلف ص 770 كتاب الحدود ص 218.

19

و قد يعبّر عن المطلب بحفظ النظام فإنه ربما ينجرّ أمر الصبي السارق الى فساد عظيم و يوجب ذلك بروز الاختلال في نظام المجتمع إذا خلّي سبيله و ترك بحاله و أطلق عنانه و فعل ما أراد.

و لا يخفى ان الأمر متوجه الى ولاة الأمر و نواب الأئمة (عليهم السلام) لا إلى الصبي كي يرتفع بحديث الرفع، الا ان قوله سبحانه جَزٰاءً بِمٰا كَسَبٰا نَكٰالًا مِنَ اللّٰهِ قد قيد عموم قوله السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا (1) و خصه بالكبار منهما فلا محالة يحمل القطع في الصبي- إذا كان ذلك مفروغا عنه- على غير الجزاء و العقوبة.

و المهم هنا هو صرف الكلام الى تلك الروايات بعد أنّا نعلم انه لا يمكن القول بإهمال أمر الصبي و عدم الاعتناء بما يأتي و يرتكب حيث انه يفضي الى فساده و فساد المجتمع و يوجب الإخلال في النظم.

و النظر في الروايات إنما هو من ناحية دلالتها و أما سندها فلا كلام فيه و ذلك لأن فيها أخبارا صحاح و معتبرة فلا بد من إمعان النظر في دلالتها و كيفية ذلك و أنه هل يمكن الجمع بينهما أم لا و هل فيها ما هو المتيقن أم لا و انه هل التفصيل المزبور وارد فيها أم لا كما أن صاحب الجواهر قدس سره يقول: انها على كثرتها لم نقف فيها على خبر مشتمل على تمام التفصيل المزبور كما اعترف به في كشف اللثام و غيره انتهى.

فلو كان كذلك اي لم يكن فيها ما يدل على التفصيل فهناك تتساقط تلك الروايات و يرجع الأمر إلى الحاكم فيؤدّب على حسب ما يراه من المصلحة.

و قد خرج الشيخ المحدث العاملي ستة عشر رواية في الباب الذي عنونه بقوله:

باب حكم الصبيان إذا سرقوا و إليك هذه الاخبار:

عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصبي يسرق.

____________

(1) سورة مائدة- الآية 38.

20

قال: يعفى عنه مرة و مرتين و يعزّر في الثالثة فإن عاد قطعت أطراف أصابعه فإن عاد قطع أسفل من ذلك (1).

يمكن أن يكون المراد من ذكر المرة و المرتين أنه يستحب العفو عنه في المرة الاولى و يجوز ذلك في الثانية. و مقتضى ذلك أنه يعزر في المرة الثالثة و يقطع أطراف أصابعه في الرابعة و أسفل منه في الخامسة. و هذا غير منطبق على تمام ما ذكره الشيخ قدس سره.

و عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا سرق الصبي عفى عنه فإن عاد عزر فإن عاد قطع أطراف الأصابع فإن عاد قطع أسفل من ذلك (2).

و مقتضى هذه العفو مرة أو مرتين و تعزيره في الثانية فلا ينطبق على ما ذكره الشيخ كما لا يلتئم مع الاولى.

و قال: أتى علي (عليه السلام) بغلام يشك في احتلامه فقطع أطراف الأصابع (3) و هنا لم يبيّن أنه كان ذلك منه في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة بل أهمل ذكر ذلك و يمكن الحمل على أنه كان في المرة الثالثة.

و عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن الصبي يسرق فقال: إذا سرق مرة و هو صغير عفى عنه فإن عاد عفى عنه فإن عاد قطع بنانه فإن عاد قطع أسفل من ذلك.

قال الشيخ الحر: و رواه الشيخ بإسناده عن أبى على الأشعري إلّا أنه قال: فإن عاد قطع أسفل من بنانه فإن عاد قطع أسفل من ذلك (4).

و عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الصبيان إذا اتى بهم علي- عليا- (عليه السلام) قطع أناملهم من أين قطع؟ قال: من المفصل مفصل الأنامل (5).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 2.

(3) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 3.

(4) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 4.

(5) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 5.

21

و عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى علي (عليه السلام) بجارية لم تحض قد سرقت فضربها أسواطا و لم يقطعها (1).

و مقتضى هذه هو الفرق بين الذكر و الأنثى فإنه (عليه السلام) ضرب الجارية السارقة أسواطا و لم يقطع يدها، و الحال انه لا فرق في السرقة و حكمها بينهما.

و عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) في الصبي يسرق قال:

يعفى عنه مرة فإن عاد قطعت أنامله أو حكّت حتى تدمى فإن عاد قطعت أصابعه فإن عاد قطع أسفل من ذلك (2).

و مقتضى هذه إنه في المرة الثانية اما ان تقطع أنامله أو حكّت و في الثانية قطع أسفل من ذلك.

و هل المراد من الأسفل، هو الأسفل من أصول الأصابع حتى يقطع شي‌ء من الكف؟

و عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: اتى علي (عليه السلام) بغلام قد سرق فطرّف أصابعه ثم قال: اما لئن عدت لأقطعنّها ثم قال: اما انه ما عمل إلا رسول الله صلى الله عليه و آله و أنا (3).

و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا سرق الصبي و لم يحتلم فقطعت أطراف أصابعه قال: و قال: و لم يصنعه الا رسول الله صلى الله عليه و آله و أنا (4).

و لعله في هاتين الروايتين تعريض [1] على الخلفاء و تعطليهم للاحكام و شرائع الدين و منعهم عن اجراء ما سنه الرسول، و ما أحدثوا في الإسلام من البدع الفاضحة.

____________

[1] أقول: و لعل فيهما اشعارا باختصاص ذلك بالمعصوم (عليه السلام) فلا يحق لغيره.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 6.

(2) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 7.

(3) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 8.

(4) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 9.

22

و عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يسرق قال: ان كان له تسع سنين قطعت يده و لا يضيع حد من حدود الله تعالى (1).

و هنا قد جعل الملاك هو تسع سنين فعندها تقطع يده بلا تفصيل بين المرات أصلا.

و اما ما ذكره المحدث الحر العاملي رضوان الله عليه بقوله: هذا محمول على قطع بعض الأصابع لما مر. فهو خلاف الظاهر فان الظاهر منها هو قطع اليد كالكبير [1].

و عن محمد بن خالد بن عبد الله القسري قال: كنت على المدينة فأتيت بغلام قد سرق فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عنه، فقال: سله حيث سرق هل كان يعلم أنه عليه في السرقة عقوبة؟ فإن قال: نعم. قيل له: أي شي‌ء تلك العقوبة؟

فإن لم يعلم أن عليه في السرقة قطعا فخلّ عنه. فأخذت الغلام و سألته، فقلت له:

أ كنت تعلم أن في السرقة عقوبة؟ قال: نعم. قلت: اي شي‌ء هو؟ قال: الضرب أضرب فخليت عنه (2).

و لم أعثر على من قال بهذا التفصيل الوارد في هذه الرواية.

و عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصبي يسرق فقال: ان كان له سبع سنين أو أقل يرفع عنه فان عاد بعد سبع سنين قطعت بنانه أو حكّت حتى تدمى فإن عاد قطع منه أسفل من بنانه فان عاد بعد ذلك و قد بلغ تسع سنين قطع يده و لا يضيع حد من حدود الله عز و جل (3).

____________

[1] أظن عدم ورود الاشكال عليه لأنه لا ينكر هذا الظهور الا أنه يقول بذلك، بملاحظة سائر الروايات و الأدلة.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 10.

(2) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 11.

(3) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 12.

23

و عن سليمان بن حفص المروزي عن الرجل (عليه السلام) قال: إذا تم للغلام ثمان سنين فجائز أمره و قد وجبت عليه الفرائض و الحدود، و إذا تم للجارية تسع سنين فكذلك (1).

و في الوسائل: حمله الشيخ على من تكرر منه الفعل.

و فيه انه أيضا خلاف الظاهر.

و عن سماعة قال: إذا سرق الصبي و لم يبلغ الحلم قطعت أنامله و قال أبو عبد الله (عليه السلام): أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) بغلام قد سرق و لم يبلغ الحلم فقطع من لحم أطراف أصابعه ثم قال: إن عدت قطعت (2).

و عن إسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: قلت: الصبي يسرق؟

قال: يعفى عنه مرتين فإن عاد الثالثة قطعت أنامله فإن عاد قطع المفصل الثاني فإن عاد قطع المفصل الثالث و تركت راحته و إبهامه (3).

و عن على عن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الصبي يسرق ما عليه؟ قال: إذا سرق و هو صغير عفى عنه و إن عاد قطعت أنامله و إن عاد قطع أسفل من ذلك أو ما شاء الله (4).

هذه هي الأخبار الواردة في الباب مع اختلاف مضامينها و مؤدّاها فإن كان بينها متيقن اتفقت عليه هذه الأخبار المختلفة فلا بد من الأخذ به كما قد يقال بان القطع في المرة الخامسة كذلك، و لكن يشكل الجزم به مع عدم تعرض بعضها لذلك و إجمال بعضها المتعرض له و عدم صراحته في القطع على النحو المذكور في الكبير.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 13.

(2) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 14.

(3) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 15.

(4) وسائل الشيعة ج 18 باب 28 من أبواب حد السرقة ح 16.

24

و على الجملة ففي هذه الاخبار شعب و ألوان من الاختلاف:

منها الاختلاف في العفو و عدمه و انه يختص بالمرة الأولى أو يجري في الثانية أيضا.

و منها الاختلاف في انه في الثالثة يعزّر كما في بعضها أو يقطع أطراف أصابعه كما في بعضها الآخر و يقطع بنانه كما في ثالث منها.

و منها الاختلاف في الثانية من حيث التخيير بين قطع الأنامل أو حكّها كما هو مفاد بعض أو العفو كما هو ظاهر بعض آخر.

و منها الاختلاف من حيث اشتمال بعضها على اشتراط العلم بالحد، و خلوّ بعضها عن ذلك.

و منها الاختلاف من حيث اشتمال بعضها على اعتبار تسع سنين و بعضها الآخر على ثمان سنين و عدم ذكر عن السنين أصلا كما في غير ذلك من الاخبار.

و منها الاختلاف في انه في الرابعة يقطع أطراف أصابعه و في الخامسة أسفل من ذلك كما هو مذكور في بعضها أو انّه يقطع من المفصل الثاني في الرابعة و من المفصل الثالث في الخامسة كما في بعضها أيضا.

فهل ترى من نفسك إمكان الجمع بين هذه الاخبار مع تلك الاختلافات أو انه يوجد فيها ما هو المتيقن كي يؤخذ به؟.

فلعلّ الأقوى هو إيكال الأمر إلى نظر الحاكم كما قال المحقق قدس سره في النكت: و الذي أراه تعزير الصبي و الاقتصار على ما يراه الإمام أراد ع له و قد اختلفت الأخبار في كيفية حده فيسقط حكمها لاختلافها و عدم الوثوق بإرادة بعضها دون بعض و ما ذكره الشيخ خبر واحد لا يحكم به في الحدود لعدم افادته اليقين، و الحد يسقط بالاحتمال انتهى. (1).

____________

(1) نكت النهاية الطبع الجديد ج 3 ص 324.

25

و إن أورد عليه في الجواهر بقوله: و لا يخفى عليك بعض ما فيه بل لا تنقيح في كلامه لجواز تأديب الحاكم له و لو بالقطع كما يقطع الرجل و عدمه.

و الوجه في عدم تنقيح كلام المحقق انه لم يتضح بالآخرة انه يقول بجواز قطع يد الصبي تأديبا أم لا؟.

و في الرياض بعد بيان طويل في عدم التئام هذه الاخبار: و بالجملة العمل بهذه الأخبار محل نظر و ان استفاض صحاحها و قرب من التواتر عددها لما مضى فينبغي حملها على كون الواقع تأديبا منوطا بنظر الحاكم لا حد كما ذكره في مسالك شيخنا و مقتضاه جواز بلوغ التعزير الحد هنا و لو في بعض الصور و لا بأس به لاتفاق أكثر النصوص في الدلالة عليه و لكنه لا يلائم ما أطلقه بعض المتأخرين من التعزير بناءا على ما قرروه من اشتراط التعزير بعدم بلوغه الحد و في جريانه في محل البحث نظر لما مر لكن ينبغي الاحتياط بعدم القطع الا فيما اتفقت في الدلالة عليه و هو في الخامسة انتهى.

و قوله: لما مر إلخ يشير به الى الروايات.

و قد انتهى كلام صاحب الجواهر قدس سره إلى اختيار أنه لا يقطع يد الطفل و ان الحاكم يقتصر على أمور أخر و ان غاية التأديب و نهايته هو ادماء الأنامل بالحك أو بقطع اللحم منها و قرضه شيئا فشيئا.

و هذا هو الأقوى فإن الأخبار متعارضة، و العلماء لم يحكموا بذلك الا شاذ منهم بل و من حكم بذلك فلم يجزم به.

فترى الشيخ (قدّس اللّه نفسه) الذي افتى بذلك في النهاية لم يفت به في المبسوط بل و حكم فيه بعدم القطع فقال:

لا قطع الا على مكلف و هو البالغ العاقل فاما غير المكلف و هو الصبي أو المجنون فلا قطع على واحد منهما لقوله تعالى فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا جَزٰاءً بِمٰا كَسَبٰا نَكٰالًا مِنَ اللّٰهِ، و إنما يعاقب من كان عاقلا و روى عن علي (عليه السلام) عن النبي‌

26

صلى الله عليه و آله انه قال: رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ و عن المجنون حتى يفيق و عن النائم حتى ينتبه و هو إجماع انتهى (1).

هذا خصوصا مع لحاظ أن النهاية من تأليفاته في أوائل عمره و بدء أمره بخلاف المبسوط الذي ألّفه أخيرا [1].

و أما نسبة العلامة في المختلف القول المزبور إلى الأكثر فقد أجاب عنه في الجواهر بقوله: (و ان كنا لم نتحققه). و على هذا فيشكل جدا الحكم بقطع يد الطفل لا سيما بالنظر إلى قاعدة الدرء و كذا ما ورد عن عدم بلوغ التعزير الحد.

هذا كله بحسب الاستظهار من الأدلة فلو شك في استفادة الحكم من الاخبار فلعل الاحتياط هو عدم الإقدام على القطع و إن كان الطفل يحتاج إلى التأديب و للحاكم أن يؤدبه و لكن يقتصر على ما دون ذلك كالحك مثلا.

و ان أمكن أن يقال: إن الاحتياط يقتضي إقامة حدود الله تعالى أيضا، و الدرء يجري في كل المراحل لا في خصوص القطع.

و لعل الحق ان يقال: انه بعد كون الصبي محتاجا إلى التأديب لأنه يضيع و يفسد لو ترك تأديبه و لم يكن لتأديبه منهاج علم صدوره من الشرع فحينئذ يكون كالكبير و هو منوط بنظر الحاكم.

نعم لو كان الحكم في تعزير الكبير انه بعد ما عزر مرتين يقتل في الثالثة كما انهم حكموا بذلك بالنسبة الى من حد مرتين فجريان هذا الحكم بالنسبة إلى الطفل في غاية الإشكال.

____________

[1] أقول: لكن قد صرح الشيخ المرتضى قدس سره بأن النهاية هي آخر مصنفات الشيخ على ما قيل فراجع المكاسب ص 127.

____________

(1) المبسوط ج 8 ص 21.

27

في شرط العقل

قال المحقق: الثاني: العقل فلا يقطع المجنون و يؤدّب و إن تكررت منه

أقول: لم يقيد المجنون بما إذا كان له نوع من التعقل أم لا بل أطلق ذلك كما انه لم يبين ان سرقته كانت في حال عقله أو جنونه.

لكن في المسالك بعد هذه الكلام من المحقق قال: هذا إذا سرق في حال جنونه اما لو سرق عاقلا و لو في حال إفاقته كذوي الأدوار قطع و لا يمنعه اعتراض الجنون استصحابا لما ثبت قبله.

و في الجواهر: بعد كلام المحقق: فلا يقطع المجنون قال: و لو أدوارا إذا سرق حاله بلا خلاف أجده فيه بل هو إجماع كما عن بعض للأصل و حديث رفع القلم و نحوه. انتهى.

و لعل مراده من (نحو). ما ذكره هو دليل العقل فإنه آب جدا عن تجويز قطع يد المجنون إذا كان لا ينفعه ذلك شيئا و لا يؤثر فيه اىّ تأثير، و أيّ اثر لإقامة الحد على من كان مجنونا حين إقامة الحد عليه؟! بل هذا يجري فيما إذا كانت السرقة في حال عقله.

و أما الاستصحاب الذي تمسك به في المسالك ففيه أن جريانه مشكل و ذلك لاختلاف الموضوع فإن المجنون غير العاقل عرفا.

و على الجملة فمقتضى دليل العقل و كذا حديث الرفع هو انه لا يحدّ المجنون.

نعم صرح المحقق بأنه يؤدّب و إن تكررت منه السرقة.

و لكن العلامة أعلى الله مقامه في التحرير نسب القول بذلك الى القيل مشعرا بتمريضه فقال: و لو سرق المجنون لم يجب حد لسقوط التكليف عنه و قيل يؤدّب انتهى (1).

____________

(1) التحرير ص 227.

28

و السر في ذلك انه لا تميز له كي يرتدع بما يقام عليه من التعزير كما قال في المسالك في توجيه كلام التحرير المذكور آنفا: و لعله لعدم تميزه الموجب لارتداعه بالتأديب على المعاودة (ثم قال:) و لكن هذا يختلف باختلاف أحوال المجانين فإن منهم من يردعه التأديب و هم الأكثر و منهم من لا يشعر بذلك، و الجنون فنون و اناطة التأديب برأي الحاكم تحصل المطلوب انتهى.

كما أن في الجواهر: عن التحرير نسبة التأديب فيه الى القيل مشعرا بالتردد فيه و هو في محله إذا كان ممن لا يعقله بخلاف ما لو عقله فإنه يمكن القطع باستفادة ذلك و نحوه من النصوص حسما لمادة الفساد و نظما لأمور العباد في البلاد.

أقول: و يمكن أن يكون مراد المحقق من التأديب أيضا ذلك فإنه لا معنى لتأديب من لا يتأثر بالأدب و لا يلتفت إليه و لا يقبله بمقتضى حاله و لعدم تعقله و دركه و قصور شعوره بل التأديب متعلق بمن يقبل ذلك و يتأثر به و حيث إن الأمر منوط بنظر الحاكم فهو يرى الموارد فإن راى أنه ينفعه ذلك يؤدبه و إلا فإنه يخلّى سبيله و يدعه.

ثم ان المحقق ذكر أنه لا حدّ على المجنون حتى مع تكرّر وقوع السرقة منه و علق عليه في المسالك بقوله و نبه بقوله و إن تكرر منه، على مخالفة حكمه للصبي حيث قيل فيه مع التكرار بالقطع في الجملة، و الفارق النص. انتهى.

فان الروايات واردة في قطع يد الصبي و ليس في باب المجنون خبر يدل على ذلك فلذا لا يقال به هنا و ان قيل به في الصبي.

29

ارتفاع الشبهة

قال المحقق: الثالث ارتفاع الشبهة فلو توهم الملك فبان غير مالك لم يقطع و كذا لو كان الملك مشتركا فأخذ ما يظن انه قدر نصيبه

أقول: انه فرض هنا للشبهة المسقطة للحد قسمين:

أحدهما: ما إذا توهم ان المال المخصوص، ماله و ملكه فأخذه فبان خلافه فإنه لا يقطع يده للشبهة الدارئة و ربما لا يصدق على أخذ هذا المال السرقة أصلا و ان كان مأخوذا من الحرز.

ثانيهما: ما إذا كان مال مشتركا بينه و بين غيره فأخذ منه ما يظن انه قدر نصيبه. و لا كلام في القسم الأول و إنما البحث في الثاني فإنه قد ذكره بصورة الإطلاق أو الإجمال في حين أن له أقساما كثيرة و فروضا متعددة لأنه تارة يريد ان يأخذ حقه و نصيبه بالعدل و لا يبطن خيانة إلى شريكه و اخرى غير ذلك و على الأول فتارة يعلم برضا صاحبه و اخرى يعلم بعدم رضاه و ثالثة لا يعلم شيئا بل يشك في ذلك.

لا اشكال و لا كلام في الأول لمكان العلم برضاه فلا يحتاج أخذه إلى الاستئذان كما في مال الأجنبي مع العلم بالرضا قال الله تعالى في عداد من ذكره ممن يجوز الأكل من بيوتهم:. أَوْ صَدِيقِكُمْ. (1). فان جواز الأكل من بيت الصديق ليس الا للعلم برضاه.

و أما على الثاني و الثالث فتارة يأخذ بمقدار نصاب السرقة و هنا يصدق انه سارق فإنّ إطلاق (السارق و السارقة). يشمل ما أخذ و سرق من مال الأجنبي أو من مال الشريك فلذا يقطع يده و اخرى يأخذ بمقدار سهم نفسه مع العلم بعدم الرضا مثلا و مقتضى القاعدة أن الحكم هنا أيضا هو الحكم في الفرض السابق،

____________

(1) سورة نور آية 61.

30

فإن المفروض كون المال مشاعا غير مفروز و الغرض أنه قد أخذه بلا إرادة أن يخبر بذلك شريكه كي يجيز ذلك. فاذا كان نصف كل جزء جزء من هذا الذي أخذه سهم شريكه و كان نصف هذا المال المأخوذ بقدر النصاب فلا بد من ان يقطع يده.

هذا هو مقتضى القاعدة بيد أن هنا روايات ربما تدل على خلاف ذلك.

فلنراجع اخبار الباب. باب حكم من سرق من المغنم و البيدر و بيت المال.

عن محمد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السلام): إن عليا (عليه السلام) قال في رجل أخذ بيضة من المقسم- المغنم- فقالوا قد سرق اقطعه فقال إني لم اقطع أحدا له فيما أخذ شرك (1).

إطلاقه يشمل كل صور الشركة فمجرد كونه شريكا كاف في عدم اجراء القطع عليه إذا أخذ من المال المشترك سواء أخذ بقدر سهمه و نصيبه أو أقل أو أكثر.

و في هذه الرواية نكتة و هي أنه مع تصريح الراوي بقولهم: إنه قد سرق و نسبة السرقة اليه لم يستعمل الامام (عليه السلام) هذا العنوان بل بدّله بالتعبير بالأخذ فلعله قد أشعر بذلك الى أن الأخذ من هذا المورد ليس من باب السرقة.

و عن مسمع بن عبد الملك عن ابي عبد الله (عليه السلام): إن عليا (عليه السلام) اتى برجل سرق من بيت المال فقال: لا يقطع فإن له فيه نصيبا (2).

ترى التعليل فيها بأن له فيه نصيبا الظاهر في أن مجرد الشركة و أن له فيه سهما كاف في أن لا يقطع يده في أخذ شي‌ء من المال المشترك.

و عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البيضة التي قطع فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: كانت بيضة حديد سرقها‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 24 من أبواب السرقة ح 1.

(2) وسائل الشيعة ج 18 باب 24 من أبواب السرقة ح 2.

31

رجل من المغنم فقطعه (1).

و هذه تنافي ما سبقها فلذا حملها الشيخ على ما لا ينافي الأخبار السابقة فقال في التهذيب بعد ذكر الخبر و التصريح بعدم تنافيه للروايتين السابقتين: لأن الوجه في هذا الخبر أن يكون الحكم مقصورا على ما فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) و ليس في الخبر أن من سرق من المغنم يقطع فيكون منافيا للأول بل هو صريح بحكاية فعله. و لا يمتنع ان يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل ذلك لما اقتضته المصلحة في الحال، على أن في الخبرين الأولين صريحا بأنه لا قطع عليه إذا سرق من المغنم. [1].

ثم قال: على أنه يجوز أن يكون إنما قطع أمير المؤمنين (عليه السلام) من سرق من المغنم من لم يكن له فيه نصيب لأن من هذا حاله يجب عليه القطع، أو يكون له فيه حظ غير أن قيمة ما سرق يزيد على ماله بقيمة ربع دينار فإنّ من هذه حاله أيضا يجب عليه القطع.

هذا و لكن الحمل الأول لا يلائم قوله (عليه السلام) في الرواية الأولى: إني لم اقطع أحدا له فيما أخذ شرك، و كذا قوله (عليه السلام) في الرواية الثانية: لا يقطع فإن له فيه نصيبا.

كما أن الحمل الأخير لا يناسب الإطلاقات الظاهرة في عدم الفرق بين أن يسرق أزيد من نصيبه بربع دينار و عدمه.

نعم الوجه الثاني حسن و لا بد من الجميع بين الأخبار بالنحو المزبور.

و عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: رجل سرق من‌

____________

[1] و هنا ذكر الشيخ رواية السكوني تأكيدا لما ذكره ثم ذكر الوجهين الآخرين و جعل رواية عبد الله بن سنان دليلا على الحمل الأخير فراجع التهذيب ج 10 ص 105.

و لا يخفى ان سيدنا الأستاذ الأكبر نقل وجوه الجمع عن الشيخ بواسطة الوسائل و نحن قد نقلناها عن التهذيب نفسه.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 24 من أبواب السرقة ح 3.

32

المغنم أيش الذي يجب عليه؟ أ يقطع؟ (الشي‌ء الذي يجبّ عليه القطع). قال: ينظر كم نصيبه فان كان الذي أخذ أقل من نصيبه عزّر و دفع اليه تمام ماله و ان كان الذي أخذ مثل الذي له فلا شي‌ء عليه و ان كان أخذ فضلا بقدر ثمن مجنّ و هو ربع دينار قطع (1).

و مقتضى هذه انه إذا كان ما أخذه أقل من نصيبه فإنه يعزر و أمّا إذا كان بمقدار نصيبه فلا شي‌ء عليه و لو زاد على ذلك بمقدار ربع دينار الذي هو نصاب القطع فحينئذ قطع يده.

و لعل الوجه في التعزير إذا كان المأخوذ أقل من مقدار نصيبه و عدم شي‌ء عليه إذا كان بمقدار نصيبه الظاهر في عدم التعزير عليه أيضا أنه إذا كان بمقدار نصيبه فهو كاشف عن عدم كونه بصدد السرقة بخلاف ما إذا كان قد أخذ الأقل فإن الظاهر يقتضي أنه كان قاصدا للسوء عازما على السرقة فلذا يعزّر في الأقل دون المساوي.

نعم يبقى السؤال عن أنه إذا أخذ بمقدار سهمه فإنّه و إن كان الأمر على ما ذكر الا انه قد عصى بلا كلام فكيف لا يعزر على معصيته؟ [1].

و على الجملة فمقتضى صحيحة عبد الله بن سنان أنه إذا أخذ زائدا على مقدار حقه بمقدار النصاب الموجب للقطع فهناك تقطع يده دون غيره.

الى غير ذلك من الروايات. و مقتضى عبارة الشرائع أن مجرد الشركة يكون‌

____________

[1] أقول: لكن في الوافي ج 2 ص 63: فلا شي‌ء عليه، يعني به لا قطع عليه و إن وجب التعزير بل يزاد في تعزيره على أخذ الأقل كما صرح به في الحديث الآتي انتهى.

أقول: و نعم ما قال، فان الحديث الآتي في نقله هو خبر عبد الله بن سنان أيضا، و فيه: فإن كان الذي أخذ أقلّ مما له أعطي بقية حقّه و لا شي‌ء عليه إلا انه يعزر لجرأته و ان كان الذي أخذ مثل حقه أقر في يده و زيد أيضا، و ان كان الذي سرق أكثر مما له بقدر مجنّ قطع و هو صاغر و ثمن مجنّ ربع دينار و قال المجلسي في ملاذ الأخيار ج 16 ص 256: و زيد أيضا في التعزير انتهى.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 من باب 24 من أبواب حدّ السرقة ح 4.

33

كالشبهة و انها كافية في رفع القطع و إن لم يكن معها شبهة، فإنه بعد أن أفتى بأنه لو توهّم الملك و أخذ و بان بعد ذلك انه غير مالك فإنه لا يقطع. قال: و كذا لو كان الملك مشتركا، اي و كذلك لا يقطع إذا كان الملك مشتركا بينه و بين غيره.

لكن في الجواهر بعد ذلك: بتوهم أن له ذلك بدون اذن الشريك فإنه شبهة حتى لو فرض زيادته عن نصيبه بما يبلغ نصاب السرقة من غير فرق بين كون المال مما يجري فيه الإجبار على القسمة كالحبوب و غيره كالثياب و نحوها ضرورة تحقق الشبهة على التقديرين.

و على هذا فذكر الملك المشترك من باب أنه يوجب الشبهة، و هي على أقسام:

فتارة يأخذ المال بتخيّل انه ماله و اخرى يعلم انه مال الغير لكنه يتخيل كونه مجازا في أخذ شرعا و أنّ صاحبه راض بذلك. و ثالثة يأخذ من المال المشترك معتقدا جواز استقلاله بأخذه فلو كان عالما بعدم جواز استبداد الشريك بدون اذن شريكه أو شركائه.

فلو أخذ بقدر النصاب فعلى حسب القاعدة يكون سارقا و يجري عليه الحد.

و أما بحسب الأخبار فهي على قسمين:

أحدهما ما يدل على عدم القطع إذا أخذ من المال المشترك و هو مطلق شامل لما إذا كان عالما بالشركة و بأنه لا يجوز الأخذ من المال المشترك بدون اذن الشريك سواء كان أقل من النصاب أو أكثر فمجرد الشركة مسقط للحد و ان كان قد عصى بالتصرف في المال المشترك.

ثانيهما ما يدل على أنه لو زاد ما أخذه عن نصيبه بقدر النصاب فهناك يحدّ فمن الأوّل رواية محمد بن قيس التي تقدم ذكرها آنفا فان مقتضى إطلاقها أن مجرد الشركة كاف في عدم القطع و ان كان ما أخذه زائدا على قدر النصاب.

و منها رواية مسمع و هي مثل الاولى بل دلالتها أقوى لكونها معللة و قد نقلناها آنفا.

34

و منها رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله الدالة على ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد قطع في بيضة حديد سرقها رجل من المغنم [و البيضة الخوذة من الحديد و هي من آلات الحرب لوقاية الرأس].

و في الجواهر: لكن الصحيح منها لا عموم فيه، و غيره لا جابر له.

أقول: و وجه ذلك أن الصحيح منها هو خبر عبد الله بن سنان و لا عمومية فيه فإن مقتضاه أنه إذا أخذ فضلا عن نصيبه أيضا بمقدار ربع دينار فهناك يقطع و إنما لا يقطع إذا كان أقل أو بقدر نصيبه، و ما كان مطلقا يدلّ على أن مجرد الشركة كاف في عدم القطع، فهو ليس بصحيح.

و قال قدس سره معترضا على العلامة: و بذلك كله يظهر لك أنّ ما في القواعد لا يخلو من نظر، قال: و لو كان الشي‌ء قابلًا للقسمة و لم يزد المأخوذ على مقدار حقه حمل أخذه على قسمة فاسدة على اشكال أقربه ذلك إن قصدها و إلا قطع فإن دعوى ان ذلك شبهة و ان علم فسادها واضحة المنع انتهى.

توضيح إيراده على أساس ما افاده آنفا أنه لو كان يعتقد جواز أخذ هذا المال فهنا يصح أنه لا يقطع يده إذا أخذ بمقدار حقه. و اما إذا أخذ عالما بعدم جواز استبدادا لشريك و عدم جواز التصرف بدون اذن الشريك فمقتضى القاعدة هو القطع و ذلك لعدم شبهة في هذا الفرض فكيف افتى العلامة أعلى الله مقامه بأنه إذا كان الشي‌ء قابلًا للقسمة و لم يزد المأخوذ على مقدار حقه لم يقطع يده؟ اللهم الا ان يكون تعبدا من الاخبار.

أقول: و لكن الظاهر أنّ ما أفاده العلامة كلام جيد و وجه حسن فإنه إذا أخذ أقل من حقه أو بمقداره فإنه لا يصدق عليه أنه قد سرق بل قد أقدم على القسمة و حيث إنه كان بلا اذن من الشركاء تكون فاسدة، كالمأخوذ بالمعاملة الفاسدة كالربا حيث لا يصدق عليه السارق فلا حد عليه و إن صدق عليه آكل مال الناس، أو الآكل بالباطل. و هذا بخلاف ما إذا كان ما أخذه بمقدار نصاب السرقة‌

35

مضافا الى سهمه فإنه يصدق عليه أنه قد سرق فلذا يقام عليه الحد.

و لا يبعد أن يكون المراد من صحيحة ابن سنان أيضا ذلك ففي الفرضين الأولين حيث إنه يصدق القسمة الفاسدة فلذا لا حدّ عليه، و في الثالث لما صدقت السرقة لا القسمة الفاسدة فلذا تقطع يده.

و أما أنها قسمة فاسدة و معاملة باطلة فلأن القسمة هي نقل سهم كل شريك من الحصة التي بيد شريكه بإزاء سهم شريكه في الحصة التي بيده و حيث إن الشركة على سبيل الإشاعة فلذا كان نصف كل جزء مما بيد هذا لشريكه و كذلك الأمر بالنسبة للشريك فإن نصف كل جزء مما كان بيد الآخر متعلق بالأول و لمّا كان الشريك يرضى بما أخذه هذا الأخذ لا مجانا بل في قبال أن يكون له ما كان للآخذ في سهم شريكه فلذا تؤل القسمة إلى المعاملة لكنها في المقام فاسدة و من المعلوم ان المعاملة الفاسدة لا حدّ لها فلذا لا تقطع يده.

ثم لو فرض أن شكّ في كونه من باب القسمة الفاسدة حتى لا يكون له حد أو أنه من باب السرقة حتى يترتب عليها الحد فلا محالة يكون من باب الشبهة و يدرء الحد بها. لكن الظاهر أنه لا شك في المقام و أن ما ذكره صحيح و تامّ.

اشتراط ارتفاع الشركة

قال المحقق: الرابع ارتفاع الشركة فلو سرق من مال الغنيمة فيه روايتان إحداهما لا يقطع و الأخرى إن زاد ما سرقه عن نصيبه بقدر النصاب قطع و التفصيل حسن.

أقول: بعد ان ذكر أن من شرائط القطع عدم الشبهة فهنا يقول بان من شرائطه عدم الشركة و فرّع عليه أنه إذا سرق من مال الغنيمة ففيه روايتان. و المراد من الأولى رواية محمد بن قيس المذكور آنفا المصرحة بعدم القطع إذا كان له فيما أخذ شرك، و قريب منها رواية السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال‌

36

أمير المؤمنين (عليه السلام): أربعة لا قطع عليهم: المختلس و الغلول و من سرق من الغنيمة و سرقة الأجير فإنها خيانة (1).

و أما الأخرى فهي صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة آنفا المفصّلة بين أخذ الأقل من النصيب أو أخذ الزائد عليه بمقدار النصاب. و لم يعمل بالأولى سوى عدة من الأصحاب مثل المفيد و سلار من المتقدمين و فخر الدين من المتأخرين بخلاف الثانية فإنه كما في المسالك قد عمل بها أكثر الأصحاب.

و في طريق الاولى كلام لأن في طريقها سهل بن زياد [1]. مع كون محمد بن قيس مشتركا، و ان كان الأمر في سهل سهلا. أما الثانية فحالها واضح بالسكوني.

في حين أن رواية ابن سنان صحيحة و موافقة للقواعد و على هذا فهي مقدمة و راجحة على الطائفة الاولى و لذا استحسن في الشرائع التفصيل و هو مفاد صحيح ابن سنان.

قال الشهيد الثاني: و فيها دلالة على أن الغانم يملك نصيبه من الغنيمة بالحيازة أو على أن القسمة كاشفة عن سبق ملكه بها.

أقول: و لكن يرد عليه أنه لو كان كذلك فلما ذا يعزّر عند ما كان المأخوذ أقل من حقه؟ و هل يعزر أحد على أخذ ما كان حلالا له؟ فهذا يدل على عدم ملك نصيبه بالحيازة و أن هذا ليس كحيازة المباحات في الجبال و البراري الموجبة للملك، و لعله نظرا الى ذلك أورد في الجواهر على المسالك بقوله: و ان كان لا يخلو بعضه عن نظر انتهى.

____________

[1] هو أبو سعيد الرازي ضعيف في الحديث غير معتمد عليه فيه و كان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو و الكذب و أخرجه من قم إلى الري و كان يسكنها. راجع جامع الرواة للأردبيلي ج 1 ص 393. و اما محمد بن قيس فقد عدّ في جامع الرواة عشرة بهذا الاسم بعضهم ثقة و بعضهم ضعيف، فراجع ج 2 ص 184.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 12 من أبواب حد السرقة ح 3.

37

و ذلك لأن المفروض أن المال مشاع و هو لا يفرز إلا برضا المالكين.

و أما صحيح عبد الرحمن الناطق بقطع أمير المؤمنين (عليه السلام) يد من أخذ بيضة من المغنم (1). فقد تقدّم وجوه الحمل الجارية فيها، و من جملتها أنها قضية في واقعة لا تعلم حقيقة الحال فيها.

قال في الجواهر: و على كل حال فالصحيحة أوضح سندا و دلالة و عملا، بل يمكن تنزيل السابقة عليها أيضا فالتردد الظاهر من جماعة في غير محله و إن وجّه بوحدتها و تعدد المقابل و قوة دلالته بما فيه من التعليل و إمكان اعتبار سنده لسهولة الأمر في سهل، بل ربما قيل بوثاقته و قوة السكوني و صاحبه، بل ربما قيل: إن الأولى مرويّة في الكافي صحيحا و لعله في كتاب الجهاد و لا أقل من حصول الشبهة الدارئة من ذلك، إذ جميعه كما ترى لا يصلح مخصصا للعموم فضلا عن معارضة الصحيح المزبور فيتّجه الحكم المذكور في خصوص الغنيمة و ان لم يكن شبهة انتهى.

أقول مراده من السابقة هو خبر محمد بن قيس، فيمكن حمله على صحيحة عبد الله بن سنان بأن يقال: ان قوله (عليه السلام): إنى لم اقطع أحدا له فيما أخذ شرك، متعلق بما إذا كان ما أخذه بقدر النصيب أو دونه و لم يكن زائدا عليه.

و أما ما قد يقال من أن الامام (عليه السلام) أتى بلفظ «لم» الجازمة الموجبة لقلب المضارع الى الماضي، فهو حكاية حال ما مضى و لا تعلّق له بحكم المسئلة فيما يأتي.

ففيه أنه ليس بشي‌ء و ذلك لان المراد هو أن الحكم ذلك، لا ان يكون (عليه السلام) قد ترك ما هو وظيفته و الواجب عليه.

و اما التردّد الذي استظهره من جماعة فهو التردّد في وجوب القطع و الميل الى عدمه سواء أخذ المساوي أو أكثر.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 24 من أبواب حد السرقة ح 3.

38

و وجه عدم كونه في محله تصريح الصحيح بوجوب القطع في فرض الزيادة على النصيب بمقدار النصاب.

قوله: و إن وجّه إلخ يعني و ان كان قد وجّه بعض التردد في المسئلة أوّلا بأن الرواية الدالة على القطع واحدة و الاخبار المعارضة لها الدالة على عدم القطع مطلقا متعددة.

و ثانيا بقوة الدلالة فيها لكونها معللة حيث ورد في خبر مسمع: لا تقطعه فإن له فيه نصيبا دون رواية ابن سنان فإنها غير مشتملة على التعليل.

و ثالثا بإمكان اعتبار سند المقابل لسهولة الأمر في سهل، بل ربما قيل بوثاقته، و قوّة السكوني و صاحبه [1].

و اما قوله: بل ربما قيل: إن الاولى مروية في الكافي صحيحا و لعله في كتاب الجهاد. فقد أورد عليه بأنه ليس في كتاب الجهاد بل هو في كتاب الحدود من الكافي ص 223 حيث نقل عن علي بن إبراهيم عن أبيه و عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد جميعا عن ابن ابي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السلام).

قوله: و لا أقل من حصول الشبهة إلخ يعني ليس أقل من كون المقام من قبيل الشبهة التي يدرء بها الحد.

و أما أنه مع وجود هذه الأمور يؤخذ برواية محمد بن قيس و يرفع اليد عن تلك الروايات المعارضة فقال قدس سره: إذ جميعه كما ترى لا يصلح مخصّصا للعموم فضلا عن معارضة الصحيح المزبور.

اي إنّ هذه الأمور لا تصلح لتخصيص العموم مثل السارق و السارقة فاقطعوا‌

____________

[1] أن السكوني هو إسماعيل بن زياد و كان عاميّا، و أما صاحبه فهو النوفلي الذي نقل هذه الرواية عن السكوني قال في جامع الرواة ج 2 ص 453: النوفلي الذي يروى عن السكوني اسمه الحسين بن يزيد، و في رجال النجاشي كان شاعرا أديبا و سكن الري و مات بها و قال قوم من القميين: انه غلا في آخر عمره و الله اعلم و ما رأينا له رواية تدل على هذا انتهى.

39

أيديهما، فكيف بمعارضة صحيح عبد الله بن سنان.

ثم قال: فيتّجه الحكم المذكور في خصوص الغنيمة و إن لم تكن شبهة، لكن في القواعد و كذا البحث في ما للسارق فيه حق كبيت المال و مال الزكاة و الخمس للفقير و العلوي اى إن سرق منها ما زاد على نصيبه بقدر النصاب قطع و إلا فلا و عن الخلاف نقل الإجماع على القطع في بيت المال إذا زاد المسروق على نصيبه بقدر النصاب.

أقول: إن ما تقدّم منا في توجيه كلام العلامة يجري هنا أيضا فما يأخذه السارق من بيت المال و كذا ما يأخذه العلوي من الخمس، و الفقير غير العلوي من الزكاة فإنما هو كالقسمة الفاسدة و لا يجري عليها أحكام السرقة فإن البيان المزبور لا يختص بباب الغنيمة كما أنه لو أخذ زائدا على حقه بمقدار النصاب لأقيم عليه الحد للصدق فيكون الأخذ من هذا المال المشترك كأخذ النصاب من مال الغير، الشخصي.

و أورد في الجواهر بقوله: قلت قد سمعت خبر مسمع المقتضى لعدم القطع في السرقة من بيت المال بل في القواعد (الأقرب عدم القطع في هذه الثلاثة). لعدم تعيّن شي‌ء منها للمالك بعينه أو ملاك بأعيانهم و لا تقدير لنصيب أحد من الشركاء فيها و لا أقل من الشبهة إلخ.

أقول: و قد قرّب العلامة عدم القطع في هذه الثلاثة لا لأجل القسمة الفاسدة بل لما وجّهوا به كلامه من عدم اختصاص هذه الأموال بمالك مشخص و عدم تقدير نصيب الشركاء و المستحقين حتى يصدق السرقة الموجبة للاندراج في إطلاق الأدلة.

ثم نقل حكاية علي بن أبي رافع و أن الامام (عليه السلام) أطلق في هذا الخبر السرقة على أخذ العقد من بيت المال و هدّد بالقطع. و إليك متن الخبر:

محمد بن الحسن. عن علي بن أبي رافع قال: كنت على بيت مال عليّ بن‌

40

أبي طالب (عليه السلام) و كاتبه، و كان في بيت ماله عقد لؤلؤ أصابه يوم البصرة قال: فأرسلت الىّ بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت لي: بلغني أنّ في بيت مال أمير المؤمنين (عليه السلام) عقد لؤلؤ و هو في يدك و أنا أحبّ ان تعيرينه أتجمّل به في أيام عيد الأضحى.

فأرسلت إليها: عارية مضمونة مردودة يا بنت أمير المؤمنين؟ قالت: نعم عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام فدفعته إليها و إن أمير المؤمنين (عليه السلام) رآه عليها فعرفه. فقال لها: من أين صار إليك هذا العقد؟ فقالت: استعرته من علي بن ابي رافع خازن بيت مال أمير المؤمنين لأتزيّن به في العيد ثم أردّه قال:

فبعث الىّ أمير المؤمنين (عليه السلام) فجئته فقال لي: أ تخون المسلمين يا بن أبي رافع؟ فقلت له: معاذ الله أن أخون المسلمين. فقال: كيف أعرت بنت أمير المؤمنين العقد الذي في بيت مال المسلمين بغير اذني و رضاهم؟ فقلت:

يا أمير المؤمنين ((عليه السلام)). انها ابنتك و سألتني أن أعيرها إياه، تتزيّن به فأعرتها إيّاه عارية مضمونة مردودة فضمنته في مالي و علىّ أن أردّه سليما الى موضعه. قال:

فردّه من يومك و إياك أن تعود لمثل هذا فتنالك عقوبتي، ثم أولى لابنتي لو كانت أخذ العقد على غير عارية مضمونة مردودة لكانت إذا أول هاشمية قطعت يدها في سرقة. الى ان قال: فقبضته منها و رددته الى موضعه [1].

لكن قال في كشف اللثام: و هو مع الضعف يحتمل أن لا يكون ابنته (عليه السلام) ممن له شركة فيه انتهى.

____________

[1] التهذيب ج 10 ص 151 و قال في ملاذ الأخيار ج 16 ص 301: مجهول. ثم قال: و قال في القاموس: اولى لك تهدد و وعيد اي قاربه ما يهلكه انتهى. ثم قال: و لعل ذكر القطع للتهديد تورية إذ ليس سرقة من الحرز الا ان يحمل عليها و ان كان بعيدا.

41

و قد يورد على هذا الخبر بأنه و لو فرض أن بنت الامام كانت تأخذ العقد على غير العارية المضمونة لم يكن وجه لقطع يدها بل كان اللازم ان يقطع يد علي بن ابي رافع الذي أخذ من بيت المال و دفع إليها.

و لعله يراد أنها لو أخذت هي بنفسها من بيت المال لا بحيث يأخذ ابن أبي رافع و يدفعه إليها.

و كيف كان فقد أجاب في الجواهر عن ضعف الخبر بأنه موافق للعمومات فلا يقدح ضعفه.

هذا كله حكم الغنيمة و اما غيرها من الأموال المشتركة بين أشخاص بأعيانهم فهذا:

السرقة من المال المشترك

قال المحقق: و لو سرق من المال المشترك قدر نصيبه لم يقطع و لو زاد بقدر النصاب قطع.

أقول: هذا يفصح من اتحاد الحكم فيها و في الغنيمة فلو أخذ من المال المشترك بمقدار نصيبه أو أقل فلا قطع أما لو أخذ أكثر من ذلك الى مقدار نصاب السرقة فهناك تقطع يده.

و ظاهر كلامه عدم الفرق بين ما إذا أخذ بعنوان نصيبه أو بقصد السرقة بأن كان مع أخذه ذلك عازما على مطالبة حصته بعد ذلك و لذا قال في المسالك بعد ذكر هذا الفرع عن المحقق: قد تقدم الكلام في هذه المسئلة و إنما ذكرها مرتين لمناسبة الأولى بشرط ارتفاع الشبهة بتقدير عروضها للشريك و إن زاد عن نصيبه و مناسبة هذه بشرط انتفاء الشركة على تقدير انتفاء الشبهة و من ثم فرضها على تقدير أخذ الشريك بقدر نصيبه جزما و أخذه الزائد بقدر النصاب جزما.

42

و وجه عدم القطع مع أخذه بقدر حصته و ثبوته مع الزيادة بقدر النصاب يظهر من الروايات المذكورة في السرقة من الغنيمة لأن شركة الغانم أضعف من شركة المالك الحقيقي للخلاف في تملكه فاذا قيل بعدم قطع الغانم فالشريك أولى.

أقول: و يمكن الاشكال فيما إذا أخذ بمقدار نصيبه بقصد السرقة بكون الدليل منصرفا عما إذا ثبت كونه قاصدا لها أو عدم إطلاق لصحيح ابن سنان يشمل المقام فلا يكون الفرض من باب الشركة الفاسدة المذكورة في كلمات العامة المنقولة آنفا.

و كيف كان فالأولوية التي ذكرها الشهيد الثاني يراد منها أنّه إذا لم يكن في السرقة من الغنيمة قطع و لا يقطع يد الغانم، فالشريك الأخذ من مال الشركة الحقيقية أولى بعدم القطع و ذلك لان الملك في الغنيمة مورد الإشكال، و الشركة في الغنيمة أضعف من الشركة في الأموال الشخصية فإذا لم تقطع مع عدم ملك شخصي في البين فبالأولوية لا تقطع مع كونه ذا حصة حقيقية في البين فإن له حينئذ ملكا حقيقيّا.

هذا و لكن أورد عليه في الجواهر فقال: و فيه منع الأولوية المزبورة بالنسبة إلى المسروق منه في عدم القطع مع سرقته قدر النصيب مع فرض بلوغ حصة الشريك فيه نصاب السرقة كمنع استفادة حكم مطلق المال المشترك مما سمعته في الغنيمة انتهى.

و حاصل الكلام أنه يمكن أن يكون الأمر بالعكس فإن في الفرض الأول لم يكن للشركاء حق مسلّم ملكي بخلاف المقام فإن الشريك مالك حقيقي فإذا لم يكن هناك قطع فهذا لا يدل على عدم القطع في المقام.

43

هتك الحرز منفردا أو مشاركا

قال المحقق: الخامس أن يهتك الحرز منفردا كان أو مشاركا فلو هتك غيره و أخرج هو لم يقطع.

أقول: هذا الكلام متضمن لشرطين: أحدهما كون المال محرزا اي كان في حرز، و قد قام الإجماع على اعتباره كما و انه قد دلت عليه النصوص.

ثانيهما أن يكون الأخذ هو الهاتك للحرز إما بالنقب أو فتح الباب أو كسر القفل و على هذا فلو هتك الحرز واحد و أخذ المال آخر فلا قطع على اي واحد منهما كما في المسالك و ذلك لعدم اجتماع الوصفين فيهما أما الهاتك فلانة لم يأخذ شيئا و أما الأخذ فلأنه لم يهتك الحرز.

نعم يجب على الهاتك ضمان ما أفسده من الجدار و القفل و الباب و غير ذلك كما أن على الثاني ضمان المال.

و قد نقل عن بعض العامة ثبوت القطع على الأخذ كي لا يتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الحد، كما عن بعض آخر منهم ثبوت القطع على الهاتك لأنه ردء و عون للسارق و كأنه جعل السبب أقوى من المباشر. لكنّه فاسد لما ذكرناه، و ما ذكراه لا يتم على أصولنا. قال في المسالك: و ظاهر عدم صلاحية الأمرين لإثبات الحكم.

ثم تعرض لفروع و قال: و لو تعاونا على النقب و نحوه مما يحصل به إزالة الحرز و انفرد أحدهما بالإخراج فالقطع على المخرج خاصة و لو انعكس فانفرد أحدهما بالهتك و شارك غيره في إخراج النصاب فلا قطع على أحدهما لأن كلا منهما لم يسرق نصابا. نعم لو أخرجا نصابين بالاشتراك أو بانفراد كل منهما بنصاب قطعا [1]

____________

[1] و مثل كلام المسالك كلام السيد في الرياض فقد أفتيا بأنه في فرض التعاون على الهتك و انفرد أحدهما بالإخراج يقطع يد المخرج خاصة بخلاف العكس اى انفرد أحدهما بالهتك و المشاركة

44

و وافقه صاحب الجواهر في الفرع الأول و خالفه في الثاني.

اما الأول فوجهه واضح فإن المخرج قد شارك الهاتك في هتكه فهو واجد للوصفين المعتبرين بخلاف الهاتك الآخر فإنه هاتك و ليس بمخرج.

و اما الثاني و هو ما إذا كان الهاتك واحدا و في مقام الإخراج كان هو مع غيره و أخرجا معا فأفتى في المسالك بعدم القطع و هو يقول بأنه يقطع و علل في المسالك بان كل واحد منهما لم يسرق نصابا بل كان النصاب بينهما، و الجواهر يقول بأنّه يقطع الهاتك المنفرد، المخرج مشاركا.

و كان المفروض في الجواهر هو ما إذا أخرج كلّ منهما نصابا فيتمّ ما ذكره من قطع يد الهاتك و أما في عبارة المسالك فهو ما إذا لم يكن سهم كل منهما نصابا و إنما كان نصاب واحد بينهما.

و أما الفرع الثالث فهو ما إذا أخرجا نصابين اما بالاشتراك أو انفرد كل منهما بنصاب و هنا افتى بقطع يد كليهما.

و لم يتضح كاملا مورد كلامه فهل المفروض ما إذا كانا قد هتكا معا و أخرجا كذلك أو أن المفروض هو ما إذا اجتمعا و شاركا في الإخراج فقط و انفرد أحدهما بالهتك فإنه على الثاني لا وجه لقطع يد كليهما لان الجامع للوصفين المعتبرين في القطع واحد منهما لا كلاهما.

و أورد عليه في الجواهر بأنه مناف لاعتبار كون الأخذ الهاتك قال بعد ذلك فإن الفرض اختصاص أحدهما به. اي ان المفروض ان اجتماعهما كان على إخراج المال و اما الهتك فقد انفرد به واحد منهما.

____________

في الإخراج فلا قطع أصلا و ذلك لأن المخرج الآخر لم يكن هاتكا فلم يجتمع الوصفان فيه و أما الهاتك فهو و إن كان مخرجا أيضا و اجتمع فيه الوصفان إلا أن المخرج كان نصابا واحدا و هو ينقسم عليها فيكون سهمه نصف النصاب فلا قطع عليه أيضا نعم في الفرض الأخير لو أخرجا نصابين بالاشتراك أو بالانفراد فالظاهر انه يقطع يد جامع الوصفين لأنه مع ذلك سرق نصابا كاملا بخلاف الآخر فإنه و ان سرق نصابا لكنه لم يجتمع فيه الوصفان.

45

ثم قال: و أما الأول فهو أحد القولين و الآخر القطع على كل منهما للصدق كما عن النهاية و الاقتصار و المقعنة و الكافي و الغنية و الوسيلة و الإصباح و الجامع و لعله لا يخلو عن قوة لإرادة الجنس من السارق لا خصوص الشخص. انتهى.

يعني أما الفرض السابق و هو ما لو أخرجا معا مقدار النصاب فلا قطع على أحدهما. ففيه قولان: أحدهما ما ذكره المحقق و الآخر القطع على كل منهما و ذلك لصدق السرقة.

و هنا يرد عليه أنه لو كان المفروض الاجتماع في الإخراج و انفراد أحدهما بالهتك فكيف يحكم بالقطع فيهما؟ الم يدّع الإجماع و عدم الخلاف في اعتبار اشتراط الهتك؟ فاذا اعتبر الهتك و الإخراج من الحرز فكيف يقال بالقطع فيهما و يعلل بالصدق و الحال أن واحدا منهما لم يهتك الحرز أصلا؟ و إن كان المراد أنهما اجتمعا في الهتك و الإخراج و أخرجا نصابين فلما ذا يقول: و فيه أنه مناف لاعتبار كون الأخذ الهاتك فإن الفرض اختصاص أحدهما به. انتهى.

و الذي يبدو لي أنه قد وقع خلط في الجواهر بل و في المسالك أيضا بين مسئلتين لا تعلق لأحدهما بالآخر.

إحديهما مسألة انفراد أحدهما بالهتك و اجتماعهما في الإخراج، و الأخرى مسألة إخراج اثنين نصابا واحدا مع كونهما قد هتكا معا و أخرجا كذلك و أنه هل يقطع يد كليهما بإخراج نصاب واحد أم لا فقد ذهب بعض إلى أن الملاك هو النصاب فإذا كانت الشرائط كالهتك و الإخراج محقّقة فإنه يشمله العموم أو إطلاق الآية الكريمة و يقطع يدهما و إن كان لو قسم بينهما كان لكل واحد منهما نصف نصاب.

و هذا الخلط أوجب تشويش العبارات و عدم ملائمة بعضها مع بعض.

و يشهد على وقوع هذا الخلط أن كلام هؤلاء الأعلام الذين ذكرهم كان في المسألة الثانية لا الاولى.

46

قال الشيخ قدس سره: و إذا سرق نفسان فصاعدا ما قيمته ربع دينار وجب عليهما القطع فإن انفرد كل واحد منهما ببعضه لم يجب عليهما القطع لأنه قد نقص عن المقدار الذي يجب فيه القطع و كان عليهما التعزير (1).

و قال أبو الصلاح الحلبي: فإن كان السّرّاق جماعة مشتركين في المسروق قطعوا جميعا بربع دينار فما زاد، و إن كانوا منفردين كل منهم يسرق لنفسه قطع منهم من بلغ ما أخذه ربع دينار فما فوقه و لا يقطع من نقصت سرقته عن ذلك (2).

و قال ابن حمزة: و إن سرق اثنان معا نصابا قطعا فإن كان كل واحد منهما تفرد بشي‌ء آخر لم يقطع إذا لم يسرق مقدار نصاب (3).

و أوضح من الجميع عبارة اللمعة و شرحها فإليك العبارة مزجا: و لو أخرجاه معا قطعا إذا بلغ نصيب كل واحد نصابا و إلا فمن بلغ نصيبه النصاب و إن بلغ المجموع نصابين فصاعدا على الأقوى و قيل يكفي بلوغ المجموع نصابا في قطع الجميع لتحقّق سرقة النصاب و قد صدر عن الجميع فيثبت عليهم القطع و هو ضعيف. انتهى.

و قد نسب لزوم القطع عليهم الى الضعف و هو كذلك فإن ظاهر أخذ النصاب الوارد في الروايات الموجب للقطع هو الاستقلال به بلا اشتراك و اجتماع اثنين في أخذ نصاب واحد حيث انه ينسب الى كل واحد أخذ نصف النصاب.

و كيف كان فالدليل على اعتبار الحرز هو الروايات فعن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوم اصطلحوا في سفر رفقاء فسرق بعضهم متاع بعض فقال: هذا خائن لا يقطع و لكن يتبع بسرقته و خيانته (4).

____________

(1) النهاية ص 718.

(2) الكافي ص 411.

(3) الوسيلة ص 419.

(4) وسائل الشيعة ج 18 باب 18 من أبواب حد السرقة ح 1.

47

و هل المراد أن مجرد الاصطحاب و الرفاقة في السفر مسقط للحد و إن كان الأخذ من الحرز كان جعل المسروق ماله في صندوق و قد أغلق بابه، أو أن الحكم متعلق بالرفقاء في السفر المعلوم أنه لا حرز لهم بل كلّما كان لهم يعلنون به و يظهرونه فلا يجري في ما إذا كان لهم مال في حرز و قد سرق واحد منهم؟

الظاهر هو الثاني.

و عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) كل مدخل يدخل فيه بغير إذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه يعني الحمامات و الخانيات و الأرحية (1).

قال المحدث العاملي رضوان الله عليه و بهذا الاسناد عنه قال: لا يقطع الا من نقب بيتا أو كسر قفلا (2).

و عن العياشي عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

لا يقطع إلا من نقب بيتا أو كسر قفلا (3).

نعم عن محمد بن علي بن الحسين قال: كان صفوان بن أمية بعد إسلامه نائما في المسجد فسرق رداؤه فتبع اللص و أخذ منه الرداء و جاء به الى رسول الله صلى الله عليه و آله و أقام بذلك شاهدين عليه فأمر صلى الله عليه و آله بقطع يمينه فقال صفوان يا رسول الله أ تقطعه من أجل ردائي؟ فقد و هبته له فقال (عليه السلام): ألا كان هذا قبل أن ترفعه إلى فقطعه فجرت السنة في الحد أنه إذا رفع إلى الإمام و قامت عليه البينة أن لا يعطل و يقام (4).

فلم يكن في هذه الرواية ذكر عن الحرز و يمكن أنه كان قد وضع ردائه تحت رأسه و توسّد به أو افترش به و وضعه و بسطه تحت بدنه و كيف كان فهو المورد‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 باب 18 من أبواب حد السرقة ح 2.

(2) وسائل الشيعة ج 18 باب 18 من أبواب حد السرقة ح 3.

(3) وسائل الشيعة ج 18 باب 18 من أبواب حد السرقة ح 5.

(4) وسائل الشيعة ج 18 باب 18 من أبواب حد السرقة ح 4.

48

و لا يصلح أن يخصّص الأدلة الدالة على اعتبار الحرز.

قال في الوسائل: قال الصدوق: لا قطع على من سرق من المساجد و المواضع التي يدخل إليها بغير اذن مثل الحمامات و الأرحية و الخانات و إنما قطعه النبي صلى الله عليه و آله لأنه سرق الرداء و أخفاه فلإخفائه قطعه و لو لم يخفه يعزره و لم يقطعه انتهى. ثم قال المحدث العاملي: أقول: الظاهر أن مراده أن صفوان كان قد أخفى الرداء و أحرزه و لم يترك ظاهرا في المسجد.

في الإخراج

قال المحقق: السادس أن يخرج المتاع بنفسه أو مشاركا و يتحقق الإخراج بالمباشرة و بالتسبيب مثل أن يشده بحبل ثم يجذبه من خارج أو يضعه على دابة أو جناح طائر من شأنه العود إليه.

أقول: و في الجواهر ادعى عدم الخلاف نصا و فتوى بل الإجماع بقسميه على اعتبار هذا الشرط.

و قد استظهر في المسالك حكم الفرع الذي ذكرناه آنفا المذكور في كلمات الأعلام من هذا الشرط فقال: ظاهر اكتفائه بإخراجه بالمشاركة الحكم بالقطع على تقدير إخراج الاثنين فصاعدا نصابا واحدا. و يشكل بعدم صدق سرقة النصاب على كل واحد بخصوصه و قيل يشترط بلوغ نصيب من يحكم بقطعه نصابا فلا يقطع من قصر نصيبه عليه و لكل هذا أظهر انتهى.

و الأمثلة المذكورة كلها يصدق عليها أنه قد أخرج المال و سرقه من الحرز حتى لو وضع المتاع على الدابة و لا ساقها و لا قادها و انما فتح الباب لها و سارت حتى خرجت بنفسها كما صرح بذلك في المبسوط (1). معلّلا بأنها خرجت بفعله و هو نقل المتاع عليها، و وافقه على ذلك في كشف اللثام.

____________

(1) المبسوط ج 8 ص 27.

49

نعم خالف في ذلك العلامة في التحرير فقال: و لو ترك المتاع على دابة فخرجت بنفسها من غير سوق أو ترك المتاع فانفتح فخرج المتاع أو على حائط في الحرز فأطارته الريح فالأقرب سقوط القطع. انتهى (1).

لكنه مشكل و ذلك لصدق الإخراج بفعله.

أمر الصبي غير المميّز بالإخراج

قال المحقق: و لو أمر صبيا غير مميز بإخراج تعلق بالأمر القطع لأن الصبي كالآلة.

أقول: إنه إذا كان الصبي المأمور بالإخراج غير مميز فإنه يصدق أن المخرج هو الآمر فإن الصبي كذلك يعدّ و يعتبر كالآلة و من المعلوم أنه لا يعتبر في تحقق السرقة و ترتب القطع إخراج المتاع من دون آلة. و لا يخفى أنه لو كان قد اخرج بالمجنون فهو أيضا كالإخراج بالصبي غير المميز.

و أما إذا كان مميزا فهو خارج عن موضوع كلام المحقق و عبارته.

و قال في كشف اللثام: أما مع التميز فلا قطع على الآمر لخروج الصبي بتميزه عن الآلية و لا على المأمور لعدم التكليف انتهى.

و تنظّر فيه صاحب الجواهر و هو الحق و ذلك لأن مجرد تمييزه لا يوجب خروجه عن الآلية بل ربما يقطع أنه ليس له اختيار و استقلال في الرأي و النظر و لو لا أمر الآمر له بالسرقة لما أقدم على ذلك أصلا و لما تجرأ به أبدا و حينئذ يكون كالآلة و هذا يقتضي الحكم بقطع يد الآمر إذا كان كذلك.

ثم إن الشهيد الثاني رضوان الله عليه قد تعرض لذكر الخلاف في ما إذا اشترك اثنان مثلا في إخراج نصاب واحد و أنه هل يقطع يدهما أم لا.

و هذه هي المسئلة التي أشرنا آنفا وقوع الخلط بين مسئلة انفراد أحدهما‌

____________

(1) التحرير ص 232.

50

بالهتك أو الإخراج و اجتماعهما على الآخر و بين هذه المسئلة فقال- بالنسبة لقول الشرائع: و يتحقق الإخراج بالمباشرة و بالتسبيب-: ظاهر اكتفائه بإخراجه بالمشاركة الحكم بالقطع على تقدير إخراج الاثنين فصاعدا نصابا واحدا و يشكل بعدم صدق سرقة النصاب على كل واحد بخصوصه و قيل يشترط بلوغ نصيب من يحكم بقطعه نصابا فلا يقطع من قصر نصيبه عنه ثم قال: و لعل هذا أظهر إلخ.

في اعتبار أن لا يكون والدا عن ولده

قال المحقق قدس سره: السابع أن لا يكون والدا من ولده و يقطع الولد إن سرق من الوالد و كذا يقطع الأقارب و كذا الأم لو سرقت من الولد.

أقول: و من الشرائط المعتبرة في القطع أن لا يكون السارق والدا عن ولده و إن كان مقتضى عموم آية السرقة عدم الفرق فإنه يشمله كما يشمل الابن إذا كان سارقا عن أبيه إلّا أنه خصّصت الآية الكريمة في هذا المورد بدليل.

و في المسالك: خرج من ذلك سرقة الأب و إن علا من الولد بالإجماع فيبقى الباقي على العموم انتهى.

و على هذا فلا فرق بين الأب و الجد من الأب و هكذا.

ثم انه قد استدل على اعتبار هذا الشرط بوجوه:

أحدها عدم الخلاف فيه بل و الإجماع بقسميه عليه كما صرح بذلك في الجواهر.

ثانيها: فحوى عدم قتله به كما هو معلوم فإذا كان لا يقاد من الأب بقتله ابنه فلا يقطع يده في قبال مال ابنه بطريق الاولى.

و فيه أنه لا أولوية في البين و ذلك لأن القصاص هو القتل و إفناءه عن صفحة الوجود بخلاف القطع فإنه ابانة اليد و إذا حكم الشارع بعدم قتل الأب قصاصا‌

51

عن قتله ابنه فهذا يستلزم عدم جواز إجراء الحد على الأب و الحال أنه عقوبة أسهل من القتل بلا كلام فيمكن أن يقتضي تعظيم الأب عدم قتله و لا يوجب ذلك رفع مطلق الحد عنه [1].

ثالثها قوله صلى الله عليه و آله: أنت و مالك لأبيك (1) فإذا كان الإنسان بنفسه و ماله لأبيه فكيف يقطع يد الوالد لمكان مال الولد الذي هو في الحقيقة ماله و على الجملة فكلامه صلى الله عليه و آله مشعر بالمطلوب. لكن العمدة في إثبات المطلوب هو الإجماع.

و مقتضى ما ذكرناه من عموم الآية و غيرها من الأدلة هو عدم الفرق بين الأقارب و الأجانب في غير الأب و إن كان أمّا و على هذا الأساس فهم لم يستثنوا أحدا سوى الأب.

نعم الحق أبو الصلاح الحلبي الأم بالأب، فإنه بعد ان تعرّض لشرائط السرقة الموجبة للقطع قال: فإذا تكاملت هذه الشروط وجب قطع أصابع السارق الأربع. حرا كان أو عبدا مسلما أو ذميّا قريبا أو أجنبيّا إلا سرق الوالدين من ولدهما على كل حال (2).

و نفى عنه البأس في المختلف فقال: المشهور أن الأم يقطع إذا سرقت من مال الولد دون الأب و هنا ذكر كلام أبي الصلاح ثم قال: لنا العموم و قول أبي الصلاح لا بأس به لأنه أحد الأبوين فيسقط القطع عنها كما يسقط عن الأب لاشتراكهما في وجوب الإعظام انتهى (3).

____________

[1] أقول: لعلّ مراد المستدلّ من الفحوى هو أنه إذا كان الشارع قد أغمض عن القتل الواقع بيد الأب بالنسبة إلى الابن مع تلك الأهمية المعلومة المعهودة منه فمنع عن القصاص و حكم بالدية فبطريق أولى أغمض عن سرقة مال ابنه فلا يجوز قطع يده و إنما عليه أن يردّ ماله إليه. قال الأردبيلي:

لعل دليله الإجماع المخصّص بعموم الكتاب و السنة و ما سبق قوله (ص): أنت و مالك لأبيك، و لأنه لو قتله لا يقتل به فلا يقطع يده بيده فكيف يقطع بماله؟.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 12 باب 87 من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 8 و 9.

(2) الكافي ص 411.

(3) المختلف ص 776.

52

و فيه أما انها أحد الأبوين ففيه أنّه و ان أطلق عليهما الأبوان في القرآن الكريم [1] و غيره إلّا أن ذلك من باب التغليب نظر الشمسين أو القمرين فإطلاق الأب على الوالد على سبيل الحقيقة و على الوالدة على سبيل المجاز فكيف يترتب عليها ما يترتب على الأب؟

و أما اشتراكهما في وجوب التعظيم ففيه أنه لا يجوز تخصيص آية السرقة بهذا الاعتبار.

و في المسالك أنه الحق بعض العامة بهما كل من تجب نفقته على الآخر لما بين الفروع و الأصول من الاتحاد و كون مال كل واحد من النوعين مرصدا لحاجة الآخر و من حاجاته أن لا يقطع يده بسرقة ذلك المال.

و ما ذكره يجري في الزوج و الزوجة أيضا [2]. و هو مشكل و هذه الوجوه الاعتبارية ليست ملاكا للحكم الشرعي فإنه و لو فرض امتناع الزوج عن أداء النفقة لكان للزوجة أن تأخذ مقدار نفقتها من ماله خفاء كما في قصة هند زوجة أبي سفيان و سيأتي ذلك و هو ليس من باب السرقة. و أما السرقة فغير جائزة لها و لا دافع للقطع أصلا و لا دليل على تخصيص الآية الكريمة.

قال قدس سره: و عمم آخرون الحكم في كل قريب. انتهى.

أقول: و ضعفه مما لا يكاد يخفى. و المعتمد هو عموم الآية في غير ما استثنى‌

____________

[1] كقوله تعالى: و ورثه أبواه. النساء- 11: وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ. النساء- 11، كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ. الأعراف- 27، كَمٰا أَتَمَّهٰا عَلىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ. يوسف- 6.

فَلَمّٰا دَخَلُوا عَلىٰ يُوسُفَ آوىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ. يوسف- 99.

[2] قال في الخلاف مسألة 64 من كتاب السرقة أن أبا حنيفة قال بعدم القطع في سرقة أحد الزوجين من الآخر انتهى.

و في الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 190: الحنفية قالوا: إذا سرق أحد الزوجين من الآخر فلا يقطع واحد منهما سواء سرق من بيت خاص لأحدهما أو من بيت يسكنان فيه جميعا لأن كلا من الزوجين متحد مع صاحبه كأنه هو و لتبادل المنافع بينهما انتهى.

53

و على هذا فلو سرق الولد من مال أبيه أو أمه فإنه يقطع يده مع اجتماع الشرائط و كذلك الأخ بالنسبة إلى أخيه و غير ذلك من أنواع النسب و القرابة.

و أما ما في الآية الكريمة:. وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمٰامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوٰالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خٰالٰاتِكُمْ أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً. (1). من نفى الحرج عن أكل ما في بيوت الآباء و الأبناء و غيرهما من المذكورين فهو بمعنى جوازه فيما لم يحرز عن الأخذ و الآكل.

و اما إذا جعلوها في حرز مثل الصندوق و غيره فهناك لا يجوز الأكل بل يترتب عليه أحكام السرقة كما يستفاد ذلك من رواية أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوم اصطحبوا في سفر رفقاء فسرق بعضهم متاع بعض فقال: هذا خائن لا يقطع و لكن يتبع بسرقته و خيانته قيل له: فإن سرق من أبيه؟

فقال: لا يقطع لأن ابن الرجل لا يحجب عن الدخول إلى منزل أبيه، هذا خائن و كذلك إن أخذ من منزل أخيه أو أخته إن كان يدخل عليهم لا يحجبانه عن الدخول (2).

بقي في المقام شي‌ء و هو أنه يمكن أن يستفاد من بعض الأخبار عدم جواز قطع يد الوالد بسرقته من مال ولده و هو رواية محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قذف ابنه بالزنا قال: لو قتله ما قتل به و إن قذفه لم يجلد له (3).

فاذا صرح بأنّه كما لو قتله لم يقتل به كذلك لو قذفه لم يجلد له فيمكن أن يستفاد منها أنه لو سرق من مال ابنه لا تقطع يده بيده.

____________

(1) سورة النور الآية 61.

(2) وسائل الشيعة ج 18 باب 18 من أبواب السرقة ح 1.

(3) وسائل الشيعة ج 18 باب 14 من أبواب حد القذف ح 1.

54

بل يمكن ان يستفاد منه الأولوية و ذلك لأنه إذا لم يقتل بقتله فبالأولوية لا يجلد بقذفه. و على هذا الأساس لو سرق من ماله لم يقطع كذلك.

و الحق أن استفادة هذا مشكل فقد مرّ أنه لا أولوية في البين و عدم ترتب الجلد لا يدل على عدم قطع اليد للسرقة.

اعتبار أخذه سرّا

قال المحقق قدس سره: الثامن أن يأخذه سرّا فهو هتك قهرا ظاهرا و أخذ لم يقطع و كذا المستأمن لو خان.

أقول: و ذلك لعدم صدق السارق بل هو غاصب في الأول و أما الثاني فهو لم يأخذه من الحرز لأن المال بيده بلا فرق بين كونه بعنوان الوديعة أو العارية و غير ذلك.

هذه هي الشرائط التي ذكرها المحقق رضوان الله عليه ثم‌

الذميّ كالمسلم و.

قال: و يقطع الذمّي كالمسلم و المملوك مع قيام البينة و حكم الأنثى في ذلك حكم الذكر.

أقول: اما الأول و هو قطع يد الذمي إذا سرق من مسلم فلأنه بحكم المسلم- و حكم المسلم السارق هو القطع و ان كان قد سرق من ذميّ فإن مال الذميّ محترم و يحكم بمالكيته له.

و أما عدم قتل المسلم إذا قتل ذميا فذلك لأن القصاص حق للمقتول و يعتبر فيه المكافأة و المساواة و حيث إن دم الذمي لا يكافؤ دم المسلم فلذا لا يقاد من المسلم بقتله الذمي بخلاف القطع الذي هو حق الله تعالى لمصلحة النظام فلا يلاحظ فيه المكافأة قال في الجواهر: مضافا إلى أعظمية القتل من القطع.