بحوث في الأصول / الاجتهاد والتقليد - ج3

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
195 /
3

الجزء الثالث

[الاجتهاد و التقليد]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه و سيد رسله محمد و آله الطاهرين.

مقدّمة في الاجتهاد و التقليد و العمل بالاحتياط و فيها فصول ثلاثة:

الفصل الأوّل في مسائل الاجتهاد

و هو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي عن ملكة دون ملكة استنباط الحكم و لو لم يستنبط فعلًا أصلًا، إذ المراد بالملكة هنا هي القوّة الحاصلة للنفس على استنباط الحكم من دليله بسبب معرفة العلوم الدخيلة في الاستنباط، و مثلها دائماً متقدمة على الاستنباط، إذ يستحيل حصوله بدونها، و ليست كسائر الملكات الحاصلة أحياناً بمزاولة الأفعال التي تعدّ من آثار تلك الملكات كالشجاعة الحاصلة أحيانا بمزاولة الحروب و الإقدام و الإحجام، و من البيّن أنّ مجرد القدرة الحاصلة للنفس بسبب معرفة جملة من العلوم النظرية ليست موضوعاً‌

4

لحكم من الأحكام المتعلقة بالمجتهد، بل الموضوع هو الفقيه أو العارف بالأحكام و الناظر في الحلال و الحرام و أشباه ذلك، و لا تصدق العناوين المزبورة في زمان الغيبة إلا على من كانت له الحجة على أحكامهم (عليهم السلام) كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

مسألة: لا فرق في تحقق الاجتهاد بالمعنى المراد بين أفراد الحجة على الحكم

سواء كان مقتضاها العلم بالحكم الشرعي الفعلي كالعلم و العلمي بناءً على جعل الحكم المماثل أم لا، كما إذا قلنا بأنّ مقتضى حجية الأمارات سنداً و دلالة تنجيز الواقع كالظنّ الانسدادي على الحكومة، لصدق العلم و المعروفة على مطلق الحجة القاطعة للعذر، فيصدق العارف بالأحكام على من كانت له الحجة على أحكامهم (عليهم السلام)، و قد أطلقت المعرفة على الاستفادة من الظواهر كما في قوله (عليه السلام): «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه» (1).

و قوله (عليه السلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» (2) فإنّ غاية ما هناك هي الاستفادة من ظاهر اللفظ أو بضميمة القرينة، مع وضوح أنّ حجية الظواهر ببناء العقلاء بمعنى تنجيز الواقع و صحة الاحتجاج بها دون جعل الحكم المماثل من العرف، و كذا الأمر لو كان دليل حجية خبر الثقة بناء العقلاء كما هو التحقيق، فقوله (عليه السلام): «و عرف أحكامنا» بعد قوله:

«روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا» (3) ظاهر في أنّ منشأ المعرفة بالحكم رواية الحديث من حيث السند و النّظر في مقتضاه من حيث الدلالة، فله الحجة على الحكم سنداً و دلالة، بل الظاهر من قوله تعالى:

____________

(1) الوسائل: ج 1، باب 39 من أبواب الوضوء، ح: 5.

(2) الوسائل: ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 27.

(3) الوسائل: ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

5

«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ»* (1) هو الأمر بالسؤال ليعلموا بسبب الجواب لا بأمر زائد، و لذا قلنا إنّه دليل حجية الرواية أو الفتوى، و عليه فيكون المعلوم هو نفس ما سئل عنه لا الحكم المماثل للمسئول عنه، فلا يكون العلم بما سئل عنه إلا من جهة حجية الجواب، فإطلاق العلم على الحجة كثيراً مما يدل على صدق العلم و المعرفة على مجرد الحجة القاطعة للعذر.

و منه يظهر أنّه لا حاجة إلى ما تكلّفه شيخنا العلّامة (2) رفع اللّه مقامه في الجواب عن خصوص الحجة الشرعية بأنّ المجتهد عالم بموارد قيام الحجة، مع أنّ اللازم هو العلم بأحكامهم (عليهم السلام) لا العلم بموارد قيام الحجة على أحكامهم (سلام اللّه عليهم).

كما أنّه ظهر عدم الفرق بين الحجة الشرعية و العقلية، إذ المناط في صدق المعرفة بحكمهم (عليهم السلام) وجود الحجة على حكمهم (عليهم السلام) لا وجود الحجة من قبلهم على حكمهم (عليهم السلام)، فإنّه بلا موجب بعد إرادة الحجة القاطعة للعذر من العلم و المعرفة و بقية الكلام في محله.

مسألة: لا فرق في الاجتهاد بين المطلق و التجزي فيما يترتب عليه بالإضافة إلى المجتهد أو مقلده.

و قد وقع الخلاف في إمكان الثاني و في ترتيب الأثر عليه.

و الحق إمكانه و صحة ترتيب الأثر عليه مطلقاً.

أمّا إمكانه فقد فصّلنا القول فيه في الأصول، و ملخّصه أنّ الموهم لامتناعه أنّ الملكة بسيطة و البسيط لا يتجزأ و إلا لزم الخلف. و الجواب أنّ جميع الصفات النفسانيّة بسائط مع أنّها قابلة للاشتداد و للزيادة و النقص كما في العلم الذي هو أجلّ الصفات النفسانيّة، و من الواضح أنّ معرفة بعض العلوم‌

____________

(1) سورة النحل: الآية 43، سورة الأنبياء: الآية 7.

(2) في الكفاية، فصل انقسام الاجتهاد إلى مطلق و متجزّئ، ج 2، ص 425.

6

النظرية توجب قدرة للنفس على تحصيل ما يناسبها من الأحكام كالأحكام المترتبة على المبادئ العقلية بالإضافة إلى القدرة الحاصلة من معرفتها، و معرفته لبعض آخر من العلوم توجب قدرة أُخرى على تحصيل جملة أُخرى تناسبها كالأحكام المترتبة على المبادئ اللفظية و إن كانت كل قدرة في حد ذاتها بسيطة، و النّفس لتجردها و بساطتها لا تأبى عن قيام بسائط كثيرة أو شديدة بها. و بقية الكلام في محلّه.

و أمّا صحّة ترتيب الأثر عليه بالإضافة إلى نفسه فلصحة توجه أدلة الأحكام الأُصولية إليه، لصدق عنوانها عليه، فإنّه الذي جاءه النبإ أو تيقن و شكّ، و لتمكنه من الأخذ بالخبر و دفع معارضاته و قدرته على الترجيح و التخيير، فلا موجب لاختصاصها بالمطلق القادر على أُمور أُخر لا ربط لها باستنباط طائفة من الأحكام عن مداركها.

و أمّا جواز ترتيب الأثر عليه من غيره من جواز تقليده أو نفوذ حكمه، فلأنّ قضية الفطرة و السيرة لا يعقل اختلافها بعد ما هو المعلوم من ملاكها و هو كون الشخص عالماً فيما يرجع إليه سواء علم غيره مما لا دخل لعلمه به أم لا، و أمّا الأدلة اللفظية فلا ريب في لزوم اعتبار مقدار من العلم بالأحكام بحيث يصدق عليه أنّه عالم أو فقيه سواء كان ذا ملكة مطلقة أم لا، و مع عدم العلم الفعلي رأساً أو بمقدار لا يصدق أنّه فقيه أو عالم لا يجوز تقليده و إن كان صاحب الملكة المطلقة.

و توهّم أنّ الملكة المطلقة لا تحصل عادة إلا باستنباط جملة معتد بها من الأحكام فلا محالة يصدق على المتصف بها الفقيه و العالم دون المتجزي، مدفوع بأنّ ملكة استنباط كل حكم لا بدّ من حصولها قبله، و لا يعقل أن تحصل عن استنباط الأجنبي عنه، بل تحصل عن العلوم التي هي كالمبادي لها، فدعوى صدق الفقيه على المتمكن من استنباط الجميع دون غيره بلا وجه، لظهور كل‌

7

معنى في الفعلية، فلا تعم أدلة جواز الرجوع إلى العارف و الفقيه صاحب الملكة المطلقة العارية عن فعلية الاستنباط رأساً أو بمقدار غير معتدّ به، لعدم صدق الفقيه و العارف بالأحكام.

و عدم جواز تقليده في عمل نفسه لغيره لتمكّنه من الأخذ بالأحكام عن مداركها، فلا تعمّه أدلة جواز التقليد كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

و مما ذكرنا تعرف حال المتجزي من حيث نفوذ حكمه، بل لعله الظاهر من قوله (عليه السلام) في مشهورة أبي خديجة حيث قال (عليه السلام): «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا.» الخبر (1). فان الظاهر أن يعلم شيئاً معتدّاً به لا شيئاً واحداً لمكان صدق النكرة عليه، و بقية الكلام في محله.

مسألة: بعض الأحكام يختص بالمجتهد بما هو كجواز الإفتاء و القضاء و نحوهما،

و بعضها الآخر و إن كان في حد ذاته يعم المجتهد و المقلّد لكنه أخذ في عنوانه ما يوجب عدم فعلية الحكم إلا بالنسبة إلى المجتهد، فاشتراك الحكم لا ينافي اختصاصه بحسب الفعلية لفعلية عنوان موضوعه في المجتهد، فإنّه الذي جاءه النبإ أو الخبران المتعارضان و هو المتيقن بالحكم الكلي و الشاك في بقائه، فهو المأمور فعلًا بتصديقه تعييناً أو تخييراً، و هو المكلّف بعدم نقضه و عليه إبقاؤه، مضافاً إلى اختصاصه بالتمكّن الفعلي من التمسك به ترجيحاً أو تخييراً، و من تنقيح مجاري الأُصول و له الخبرة بتطبيقها على مصاديقها. نعم بعد استفادة الحكم أيّا ما كان يشترك المجتهد و المقلد في العمل به.

فان قلت: إذا كان للخبر مثلا مساس عملًا بالمجتهد، صحّ أن يكون حجة في حقّه، لكنه لا معنى لاشتراك المقلّد معه في مدلوله، لأنّ المفروض أنّ هذا الحكم الواحد صار فعلياً بالإضافة إلى المجتهد لفعلية عنوان موضوعه فيه، و دليل‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 1 من أبواب صفات القاضي، ح 5.

8

الحجية لا يتكفل حكمين يختص أحدهما بالمجتهد و يعم الآخر المجتهد و المقلّد، بل حكماً واحداً مماثلًا لمؤدّي الخبر بعنوان تصديق العادل، و إذا لم يكن للخبر مساس عملًا بالمجتهد فلا وجه لحجيته أصلًا، أمّا بالإضافة إلى المجتهد فلفرض عدم المساس به عملًا، فلا معنى لجعل الحكم المماثل و توجيهه إلى المجتهد، و أمّا بالإضافة إلى المقلد فلفرض عدم تحقق عنوان موضوعه للمقلّد فكيف يكون الحكم بالإضافة إليه فعلياً؟.

قلت: إضافة الحجة إلى المجتهد لا توجب إضافة مدلولها إليه حقيقة، فإنّ مقتضى أدلة جواز الإفتاء و الاستفتاء أنّ قيام الخبر عند المجتهد و ترجيحه أو تخيره و استفادة الحكم منه بمنزلة قيامه عند المقلد و ترجيحه أو تخيره و استفادته منه، فالمجتهد بأدلة جواز التقليد نائب عن المقلد في كلّ ذلك: فالمجتهد و إن كان بحسب عنوان الدليل هو المحكوم بالأخذ و الترجيح و التخيير، إلا أنّه كذلك من حيث النيابة عن المقلد، و الحكم العملي الذي هو لب وجوب تصديق العادل متعلّق بالمقلد، و هكذا الأمر في وجوب إبقاء المتيقن، فان يقين المجتهد و شكه في بقاء الحكم الكلي بمنزلة يقين المقلّد و شكه، فهو المحكوم بالإبقاء عنواناً و المقلّد محكوم بالعمل حقيقة، و كذا الأمر بناءً على عدم جعل الحكم المماثل و كون الحجية بمعنى تنجيز الواقع، فان قيامه عند المجتهد بأدلة التقليد قيامه عند المقلّد، فينجزا الواقع على المقلد بعد الإفتاء به.

و مما ذكرنا تبيّن حال الحجة العقلية و الأُصول العقلية، فإنّ العامي حيث إنّه ليس له الخبرة بحقائقها و مجاريها و تطبيقها على مصاديقها و إمكان تصرّف الشارع في مواردها نفياً و إثباتا، فلا محالة يناط الحكم في كل ذلك بنظر المجتهد، و فرض استقلال عقل العامي بخلاف ما استقل به عقل المجتهد، كفرض قطع العامي بخلاف ما أفتى به المجتهد من الأحكام الشرعية، فإنّه لا بدّ له من اتّباع عقله و قطعه، لكنه خارج عن محل الكلام، و بقية الكلام في‌

9

الأصول.

مسألة: إذا تبدل رأي المجتهد فلا شبهة في لزوم ترتيب الأثر على الرّأي الجديد

بالإضافة إلى الأعمال اللاحقة، و أمّا بالإضافة إلى الأعمال السابقة فهل تنتقض آثارها أم لا؟ محل الخلاف، و المسألة محررة في الأصول مستقصى.

و ملخصه أنّ الحق هو الانتقاض بمقتضى الأصول و القواعد و مقتضيات أدلة الحجج و الأمارات.

إمّا الأصول: فلاستصحاب بقاء التكليف الواقعي إلى زمان كشف الخلاف، و عدم فعلية التكليف قبل انكشاف الخلاف لا يمنع عن فعليته بوصوله بالاستصحاب، فإنّ الإنشاء بداعي البعث يكون فعليا بالوصول سواء كان مترتبا على الموضوع بذاته أم بعنوان آخر، فكما أنّ الخبر مع حكايته عن الإنشاء المزبور يبلغه إلى مرتبة الفعلية بملاحظة جعل الحكم المماثل على طبق مؤدّاه، فان فعلية التكليف الواقعي بالتعبّد ليست إلا بملاحظة فعلية الحكم المماثل الواصل بالحقيقة، كذلك جعل الحكم المماثل على طبق المتيقن سابقاً، فان نفس المجعول و إن كان مجرد الإنشاء بداعي البعث إلا أنّه بوصوله حقيقة صار فعلياً و تنسب الفعلية إلى الواقع بالعرض، فلا يتوهم أنّ التكليف الواقعي بما هو لا أثر له، فكذا مماثله، فان عدم الأثر بعدم الوصول، و مع وصول المماثل لا وجه لنفي الأثر عنه، و لا مجرى لاستصحاب عدم فعلية التكليف الثابت قبل انكشاف الخلاف، فان عدم فعليته بعدم وصوله، و بعد ثبوته بالاستصحاب و فعلية الواصل عقلا لا معنى للشك في الفعلية.

و أمّا القواعد: فلقاعدة الاشتغال، فان العلم بالتكليف في حال الجهل و إن لم يبلغه إلى مرتبة الفعلية حال حدوثه، لكنّه يبلغه إلى مرتبة الفعلية و التنجّز بقاءً على تقدير ثبوته واقعاً فعلًا، فيكون حال العلم حال الحجة‌

10

الشرعية القائمة على وجوب شي‌ء واقعاً، بناء على أنّ الحجية بمعنى تنجيز الواقع، فكما أنّها تنجزه على تقدير ثبوته فيحكم العقل باستحقاق العقوبة على مخالفتها مع مصادفتها للواقع، كذلك العلم المتعلّق بالتكليف الواقعي في أول الوقت ينجّزه على تقدير ثبوته بعد كشف الخلاف، فلا مجال لتوهّم أنّه لا قطع بالحكم الفعلي في زمان ليجب تحصيل الفراغ عنه، إذ لا يقين بفعلية الأمر في زمان حدوثه، و لا يصير فعلياً بالعلم المتأخر، و لا علم بفعليته فعلًا حيث لم يعلم ثبوته فعلًا. و جوابه ما عرفت من كفاية ثبوته على تقدير في تنجّزه و حكم العقل بالفراغ عنه، بل الأمر كذلك بالدقة في سائر موارد الاشتغال، فإنّها و إن امتازت عن المورد بالعلم بالحكم في زمان حدوثه إلا أنّه ليس منجزاً له بقاءً، و لو زال العلم بل المنجّز له بقاءً هو العلم المتأخر بالحكم في أول الوقت مثلًا، فكما أنّه ينجّزه على تقدير ثبوته فعلًا كذلك فيما نحن فيه، و لا حاجة في الحكم الفعلي إلى أزيد من الإنشاء بداعي جعل الداعي، فإنّ مثله قابل للفعلية البعثية و التنجّز على تقدير بقائه، فتدبّر.

و كذا قاعدة لزوم تحصيل الغرض المنكشف ثبوته في الواقع من الأول المشكوك سقوطه بفعل المأمور به الظاهري، فإنّ المناط في نظر العقل و إن كان فعلية الغرض إلا أنّ فعليته بفعلية دعوته للمولى إلى البعث على طبقه و المفروض حصوله واقعاً.

هذا ما تقتضيه الأُصول و القواعد في الواجبات مطلقاً.

و أمّا القضاء: فحيث إنّه مترتب على الفوت المساوق لذهاب شي‌ء من المكلف مع ترقب حصوله منه، لكونه فرضاً فعلياً أو ذا ملاك لزومي، فهو عنوان ثبوتي فلا ينتزع من عدم الفعل في الوقت، لأنّ المفاهيم الثبوتية يستحيل انتزاعها من العدم و العدمي، فاستصحاب عدمه في الوقت المضروب له يلازم الفوت لا أنّه عينه فيكون الأصل مثبتاً بالنسبة إليه. و تمام الكلام في باب‌

11

الإجزاء في الأصول.

و أمّا في العقود و الإيقاعات و شبههما، فربما يتوهم جريان استصحاب الملكية و الزوجية و آثارهما، و يندفع بأنّه بعد انكشاف الخلاف لا يقين فعلا بالأثر قبلا، لأنّ المفروض سريان الشك، و سيجي‌ء بقية الكلام فيها إن شاء اللّه.

و أمّا ما تقتضيه أدلة اعتبار الأمارات الشرعية: فإنّ قلنا بأنّ مفادها تنجيز الواقع أو الإنشاء بداعي تنجيز الواقع، فحالها حال القطع لها كشف الخلاف حقيقة أو حكما فيما إذا قطع بخلافها أو قامت الحجة على خلافها.

و ربما يتخيل الفرق بين القطع و الحجة الشرعية بانكشاف الخلاف في الأول دون الثاني و بأنّ الحجة اللاحقة كالسابقة، و بأنّ الحجة اللاحقة تؤثر في الأعمال المستقبلة دون الماضية، حيث لا دليل على حجيتها إلا بالإضافة إلى الوقائع المتجددة بعد قيامها.

و يندفع: بأنّ المفروض أقوائيّة الحجة اللاحقة من الحجة السابقة و اضمحلال الاجتهاد السابق، فلا أثر للحجة السابقة و إن لم ينكشف الخلاف حقيقة، و المفروض أيضا أنّ مقتضى لسان الأمارة جزئيّة السورة مثلا من دون اختصاص بزمان دون زمان، فهي حجة على مضمونها و منجّزة له، و هي و إن كانت منجّزة من حين قيامها، إلا أنّها منجّزة فعلا لهذا المضمون المطلق، و أثر تنجّز هذا المضمون المطلق فعلًا إعادة الصلاة و قضاؤها مثلًا، فكون الخبر مثلًا حجة في مضمونه بالنسبة إلى الوقائع المتجددة إن كان من جهة قصور في مضمونه فهو خلف، و إن كان لعدم معقولية تنجيز أمر متأخّر لحكم متقدّم فهو غير لازم هنا، لأنّا لا ندّعي تنجّز الجزئيّة على المصلّي قبل قيام الخبر، بل نقول إنّ تنجّز هذا المضمون المطلق فعلًا أثره وجوب الإتيان بالسورة فعلًا و تدارك ما وقع خالياً منها قبلًا، و عليه فلا موجب لقصر الحجية على الوقائع المتجددة.

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى الفرق بين تبدل الرّأي الموجب لانتقاض الآثار‌

12

السابقة و رجوع المقلّد من الميت إلى الحي و من الحي إلى الحي حيث نقول بعدم الانتقاض هناك فانتظر.

و إن قلنا بأنّ مفاد دليل حجية الأمارات الشرعية جعل الحكم المماثل على طبق مؤدياتها كما يقتضيه ظاهر الأمر باتّباعها، فعن شيخنا و أستاذنا العلّامة (1) أعلى اللّه مقامه، بل عن غيره أيضا أنّ مقتضاها الموضوعية و صحّة العبادة و المعاملة، لأنّ المفروض أنّ مؤدّاها حكم حقيقي، فينتهي أمده بقيام حجة أخرى لا أنّه ينكشف خلافه.

لكنا قد ذكرنا في محله أنّ غاية ما يقتضيه ظهور الأمر هو البعث الحقيقي المنبعث عن مصلحة في متعلقة، و حيث إنّ المفروض تخلّف الأمارة و خلو الواقع من المصلحة، فيجب الالتزام بأنّ المصلحة في المؤدّى بعنوان آخر غير عنوان متعلقة الذاتي، أمّا أنّ تلك المصلحة مصلحة بدلية عن مصلحة الواقع فلا موجب له، و الإجزاء و عدم الإعادة و القضاء يدور مدار بدلية المصلحة لتوجب سقوط الأمر الواقعي بملاكه، فالموضوعية- بمعنى كون المؤدّى بما هو مؤدّى ذا مصلحة مقتضية للحكم الحقيقي على أي حال- لا تقتضي الإجزاء، و قد ذكرنا في محله أنّ مصلحة المؤدّى حيث إنّها في ظرف عدم وصول الواقع و في موقع التعبد، فلا مجال لأن يقال انّ المصلحتين إن كانتا تعيينيتين لزم الأمر بهما مع أنّ الأمر بتحصيلهما خلاف الإجماع، و إن كانتا تخييريتين لزم أن يكون الأمر بالواقع و الطريق تخييرياً، و هو خلاف الظاهر، بخلاف ما إذا كانتا متسانختين و كانت إحداهما بدلًا عن الأُخرى. و بما ذكرنا تبين أنّهما و إن كانتا متباينتين و تعيينيتين في حد ذاتهما، إلا أنّ مصلحة المؤدّي في موقع التعبّد و مع وصول الواقع لا موقع للتعبد بالأمارة و لا مصلحة في مؤدّاها حتى يجب الأمر بتحصيلهما‌

____________

(1) كفاية الأصول: ج 2، ص 122، و فيه هذا القول على الفرض.

13

معا. و لا فرق فيما ذكرنا بين ما إذا كان الواقع و المؤدّى متباينين أو أقل و أكثر، لأنّ فعلية الأمر بمقدار ما علم تعلّقه به لا توجب الاجزاء و لا تكشف إلا عن مصلحة ملزمة في المأتي به في هذه الحال، لا عن المصلحة الواقعية بما علم تعلّقه به بنفسها أو بما يسانخها، كما أنّ قيام الدليل- على عدم تعدد الفرض فمع فعلية الأمر لا أمر آخر- لا اختصاص له بمثل الظهر و الجمعة، بل يمكن جريانه في الأقل و الأكثر.

هذا كلّه في الواجبات مطلقاً على هذا المسلك.

و أمّا في العقود و الإيقاعات فيمكن أن يقال: إنّ الوضعيات الشرعية و العرفية، من الملكية و الزوجية و شبههما حيث إنّها- على ما حقّقناه في الأُصول- اعتبارات خاصة من الشرع و العرف لمصالح قائمة بما يسمّى بالأسباب دعت الشارع مثلًا إلى اعتبار الملكية و الزوجيّة مثلًا، فلا كشف خلاف لها، إذ حقيقة الاعتبار بسبب كون العقد الفارسي الذي قامت الحجة على سببيته ذو مصلحة، و ليست المصلحة المزبورة استيفائيّة حتى يقال أنّ مصلحة الواقع باقية على حالها و ان مصلحة المؤدّى غير بدلية.

فالتحقيق أنّ الحجية إن كانت بمعنى تنجيز الواقع يجب نقض آثار الوقائع السابقة في العبادات و المعاملات، و إن كانت بمعنى جعل الحكم المماثل وجب النقض أيضا في العبادات دون المعاملات، و مع الشك يجب ترتيب أثر النقض في الجميع إلا الموارد الخاصة التي قام الدليل الخاصّ على عدم نقضها.

14

الفصل الثاني في مسائل التقليد

مسألة: هل حقيقة التقليد هو العمل، أو الأخذ للعمل بمعنى الالتزام بالفتوى لأجل العمل،

أو تعلمه لأجل العمل، أو أخذ الرسالة للعمل؟

و التحقيق هو الأول، لأنّ التقليد مفهوماً جعل الغير ذا قلادة، و منه تقليد الهدي، و هذا يناسب العمل استناداً إلى رأي الغير، فإنّه جعل العمل كالقلادة في رقبة الغير، و أمّا مجرد البناء على العمل أو التعلم أو أخذ الرسالة فليس جعلًا لشي‌ء في رقبته حتى يكون جعله ذا قلادة، فما أفاده شيخنا العلّامة الأنصاري (1) في رسالة التقليد من أنّه بمعنى الأخذ للعمل أوفق بمفهومه اللغوي، غير وجيه، كما أنّه لا موجب لسبقه على العمل كما عن شيخنا الأستاذ (2) (قدّس سرّه)، نظراً إلى أنّه لولاه لكان العمل بلا تقليد، بل التقليد عنوان للعمل استناداً إلى رأي الغير، و لا تقابل بين الاجتهاد و التقليد حتى يكون سبق الأوّل على العمل موجباً لسبق الثاني عليه، بل التقابل بين عمل المجتهد‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 47.

(2) كفاية الأصول: ج 2، ص 434.

15

و عمل المقلّد، فالعمل المستند إلى ما حصّله من المدرك عمل المجتهد، و العمل المستند إلى رأي الغير عمل المقلد، و التفصيل في محله. هذا ما يقتضيه مفهوم التقليد الواقع في مثل قوله (عليه السلام): «فللعوام أن يقلدوه» (1). و أمّا ما يقتضيه سائر الأدلة فنقول: أمّا ما تقتضيه الفطرة فهو كما سيجي‌ء إن شاء اللّه أجنبي عن التقليد التعبدي الذي هو محل الكلام، بل مقتضاها رفع الجهل بعلم العالم حقيقة، و منه يظهر أنّه لا ربط له بالتعلم الذي هو مقدمة للعمل، لأنّه لا يدور مدار حصول العلم حقيقة.

و أمّا ما يقتضيه حكم العقل على ما سيأتي فهو لزوم الامتثال استناداً إلى الحجة أو إلى من له الحجة عقلًا، و أين ذلك من الأخذ للعمل بالمعاني المتقدمة!.

و أمّا ما تقتضيه سيرة العقلاء فهو العمل بقول العارف بشي‌ء حفظاً لنظام أُمورهم، فالانقياد قلباً أو الأخذ بالفتوى بوجودها العلمي أو الكتبي- و إن كان من المقدمات- أجنبي عن مقاصد العقلاء.

و أمّا ما تقتضيه الأدلة اللفظية، فآية النفر (2) بناءً على دلالتها على وجوب التقليد لا تدل إلا على العمل على طبق ما أنذر به المنذر، فإنّه المراد من التحذر القابل لتعلّق الوجوب به، و هو الذي يقتضيه الخوف عادة، دون الالتزام أو الأخذ بالوجود العلمي أو الكتبي. و آية السؤال (3) إن كانت مسوقة لوجوب القبول بعد الجواب، فمن البيّن أنّ المطلوب في العمليات هو القبول عملًا لا جناناً فضلًا عن الأخذ بوجوده الكتبي للعمل، و منه ظهر حال سائر الأدلّة مثل ما دلّ على جواز الإفتاء و الاستفتاء، فإنّه يلازم القبول عملًا عرفاً لا سائر أنحاء‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 10 من أبواب صفات القاضي، ح 20.

(2) سورة التوبة: الآية 122.

(3) سورة النحل: الآية 43 و سورة الأنبياء: الآية 7.

16

القبول، إذ المفروض أنّ موردها العمليات المطلوب فيها العمل دون عقد القلب المطلوب في باب العقائد.

مسألة: المعروف بين الأصحاب جواز التقليد، و المنسوب إلى بعضهم تحريمه،

و الكلام تارة فيما يوجب حمل العامي على التقليد، و أُخرى فيما تقتضيه الأدلة و لو لم تصلح لأن تكون حاملا للعامّي، لتوقف استفادة مقتضاها على قوة الاجتهاد المفروض عدمها، أو على التقليد المفروض البحث عمّا يوجب حمل العامي عليه.

أمّا المقام الأول: فالمستند الحامل للعامّي على ما هو صريح شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) هو الفطرة و الجبلّة، و لذا قال (قدّس سرّه): إنّ جواز التقليد و رجوع الجاهل إلى العالم في الجملة يكون بديهيا فطريا جبلّيا لا يحتاج إلى دليل.

إلخ (1).

فإن أريد أن قضية جواز التقليد من القضايا الفطرية اصطلاحا فهو غير مستقيم، لأنّ القضايا الفطرية هي القضايا التي قياساتها معها ككون الأربعة زوجا لانقسامها إلى متساويين، و ما هو فطري بهذا المعنى كون العلم نورا و كمالا للعاقلة في قبال الجهل، لا لزوم رفع الجهل بعلم العالم و لا نفس رفع الجهل. و إن أريد ان جواز التقليد جبلّيّ طبعي فهو غير وجيه، لأنّ ما هو جبلّيّ طبعي شوق النّفس إلى كمال ذاتها و كمال قواها لا لزوم التقليد، بل و لا لزوم تحصيل العلم حقيقة بما هو لزوم من قبل الشارع أو العقلاء، و أما أصل ثبوت الشوق للنفس فهو وجداني لا فطري و لا جبلّيّ. فعلى أي حال ليس وجوب التقليد تعبّدا إمّا من الشارع أو من العقلاء فطريا و لا جبلّيا، مضافا إلى ما في الجمع بين البداهة و الفطرة و الجبلّة، فإنّ ما هو فطري اصطلاحي يناسب‌

____________

(1) كفاية الأُصول: ج 2، ص 435.

17

البداهة دون الجبلّة، و ما هو فطري عرفي يناسب الطبع و الجبلّة دون البداهة، فتدبّر.

فالذي يمكن أن يقال مع قطع النّظر عن الأدلة هو أنّ العقل- بعد ملاحظة ثبوت المبدأ و إرسال الرسول و تشريع الشريعة و عدم كون العبد مهملا- يذعن بأنّ عدم التعرض لامتثال أوامر المولى و نواهيه خروج عن زيّ الرقّية و رسم العبودية، و هو ظلم، فيستحق به الذم و العقاب من قبل المولى. ثم إنّ كيفية امتثال أحكام المولى إمّا بتحصيل العلم بها كي يتمكّن من الامتثال العلمي بالسماع من المعصوم أو بنحو آخر، و إمّا بإتيان المحتملات الموجب للقطع بامتثالها، و مع التنزل- لعدم التمكن من تحصيل العلم بها، أو بامتثالها لمكان العسر و الحرج، أو عدم معرفة طريق الاحتياط- يذعن العقل بنصب طريق آخر في مقام فهم الأحكام و كيفية امتثالها، لئلا تلزم اللغوية و نقض الغرض من بقاء الأحكام و عدم نصب الطريق إليها، و هو منحصر في أمرين: إمّا الاجتهاد و هو تحصيل الحجة على الحكم، أو الاستناد إلى من له الحجة على الحكم و هو التقليد، بل لو احتمل حينئذ لزوم العمل بظنّه كان المتعين عقلا هو التقليد، لاحتمال تعيّنه حتى قيل إنّه من ضروريات الدين أو المذهب دون تعيّن الظنّ، فلا يقين ببراءة الذّمّة إلا بالتقليد.

و أمّا المقام الثاني: فما ينبغي التمسك به من الآيات آية النفر و آية السؤال (1)، لدلالتهما على دخل الفقه و العلم في وجوب التحذر و القبول، فهما على حجية الفتوى أدلّ منهما على حجية الرواية. و قد بيّنا في محله أنّ إطلاق وجوب الانذار بما تفقّه فيه يقتضي حجية الانذار بدلالة الاقتضاء، و قلنا إنّ ظاهر الآية وجوب التحذر بما أنذروا به لا بالعلم بما أنذروا به، و ذكرنا أنّ‌

____________

(1) سورة التوبة: الآية 122، سورة النحل: الآية 43، سورة الأنبياء: الآية 7.

18

الانذار لا يصدق على الإخبار عن ترتب العقاب على شي‌ء و لو التزاما، إلا إذا كان مقتضيا للخوف عادة، و لا يكون كذلك إلا إذا كان حجة، و إلا لم يكن مقتضيا له، لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالآية كاشفة عن الحجية و إن لم تكن متكفلة لها. نعم إن كان التفقه موقوفاً على إعمال النّظر كانت الآية دليلًا على حجية الفتوى و إلا فلا، و من الواضح صدق التفقه في الصدر الأول بتحصيل العلم بالأحكام بالسماع من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام)، فلا دلالة لها حينئذٍ إلا على حجية الخبر فقط، و الانذار بحكاية ما سمعوه من المعصوم (عليه السلام)، من بيان ترتب العقاب على شي‌ء فعلًا أو تركاً لا ينبغي الريب فيه، بل الإفتاء و القضاء أيضا كان في الصدر الأول بنقل الخبر، فتدبّر. و أمّا آية السؤال فظاهرها و إن كان لزوم السؤال لكي يعلموا بالجواب لا بأمر زائد عليه، فيكون كاشفاً عن الحجية و وجوب القبول تعبّدا، إلا أنّ سياق الآية يقتضي السؤال من أهل الكتاب، و تفسيرها يقتضي السؤال من أهل الذّكر (عليهم السلام).

و مما ذكرنا في طيّ الكلام من أنّ الإفتاء في الصدر الأول كان بنقل الخبر لا بإظهار الرّأي تعرف ما في الاستدلال بما دلّ على جواز الإفتاء و الاستفتاء كما يظهر بالمراجعة إلى موارد إطلاقاته في الأخبار، و هكذا الأمر في قوله (عليه السلام): «فللعوام أن يقلّدوه» فان التقليد عرفا صادق على قبول ما أخبر به الغير أيضا من غير دليل على المخبر به، بل الظاهر من نفس هذه الرواية المتضمنة لهذه الفقرة هذا المعنى، فراجع.

تتمة: الظاهر من شيخنا العلّامة الأنصاري (1) (قدّس سرّه) أنّ وجوب التقليد مقدمي لا نفسي و لا شرطي شرعي،

لأنّه مقدمة للامتثال الظاهري‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 48.

19

للأحكام الواقعية و لا يناط به الواقع لو حصل بالاحتياط.

لكنّك بعد ما عرفت من معنى التقليد و ما سمعت في وجه وجوبه تعرف أنّ وجوبه نفسي، لأنّ التقليد هو العمل استناداً إلى فتوى المفتي، و ليس هو إلا فعل الصلاة مثلًا استناداً إلى الفتوى، فليس التقليد إلا عين الصلاة الواجبة واقعاً على تقدير الموافقة، و غيرها على تقدير المخالفة، فلا مقدمية له للواجب الواقعي على أيّ حال، و المراد بوجوبه النفسيّ انبعاث وجوبه عن نفس مصلحة الواقع الباعثة على الإيجاب الواقعي، فهو إيصال للواقع بعنوان آخر، نظير ما ذكرناه في وجوب تصديق العادل، و ما ذكرناه بناءً على استفادة وجوب التقليد من الآيات و الروايات واضح، و كذا بناءً على استفادته من طريق حكم العقل، لما مرّ من أنّ العقل يذعن بعد تلك المقدمات بنصب الطريق من الشارع، لما ذكرنا في محلّه من أنّ العاقلة لا شأن لها إلا التعقل لا البعث و الزجر، و إن حكم العقل العملي مأخوذ من مبادي مسلمة، أو قضايا مشهورة أطبقت عليها آراء العقلاء كحكمهم بمدح فاعل العدل و ذم فاعل الظلم، فإنّه مقدمة لحكم العقل العملي بأنّ الأوّل مما ينبغي أن يؤتى به و أنّ الثاني مما لا ينبغي، فما يذعن به العقل لا بدّ من انتهائه إمّا إلى العقلاء أو إلى الشارع، و لذلك رجّحنا في محله حجية الظنّ الانسدادي من باب الكشف دون الحكومة.

مسألة: هل التقليد وظيفة العامي أي من لم يبلغ درجة الاجتهاد، أو يجوز لصاحب الملكة ترك الاجتهاد الفعلي و تقليد غيره أيضا؟.

المعروف هو الأوّل، و ينسب إلى السيد (قدّس سرّه) في المناهل (1) اختيار الثاني، و إن كان هذا البحث قليل الجدوى، لأنّه بالنظر إلى ما يمكن أن يكون‌

____________

(1) في المناهل: كتاب القضاء، منهل جواز القضاء لغير المجتهد، إلا أنّ عبارته هكذا «و من جملة ذلك [أي الأحكام التي تسقط بالحرج] سقوط الاجتهاد عن المجتهد لضرورة من ضيق الوقت و نحوه و جواز التقليد له».

20

حاملًا للمكلف على التقليد، كالفطرة و حكم العقل لا ينبغي الريب في اختصاصهما بالعامّي العاجز، لما عرفت من أنّ الفطرة تقتضي تحصيل العلم حيث إنّه كمال للعاقلة لا الانقياد للعالم، و لما سمعت أيضا من أنّ الصحيح الاستناد إلى حكم العقل، و الاستناد إلى من له الحجة وظيفة من لم يتمكّن من الاستناد إلى الحجة، حيث لا يقين معه ببراءة الذّمّة عن الواقع بالاستناد إلى من له الحجة مع التمكن من تحصيل الحجة و الاستناد إليها، فلا يجوّز العقل التنزل من الاستناد إلى الحجة إلى الاستناد إلى من له الحجة، و أمّا بالنظر إلى الأدلة اللفظية فحيث إنّ المكلّف صاحب الملكة فالمتبع له رأيه في استنباط هذا الحكم من الأدلة لا ما يستنبطه غيره، مع أنّك قد عرفت أنّ أحد الوجوه في اختصاص أدلة مدارك الأحكام عجز العامي عن الأخذ بها و تمكن صاحب الملكة، فلا مانع من فعليتها و تنجّزها في حقّه، و حينئذ لا مجال لشمول أدلة التقليد، فان موردها من لا حجّة له، و المفروض أنّ المتمكن تنجّز في حقّه دليل الحكم حيث إنّه بمثابة لو راجعة لظفر به. و منه تعرف انّه لا معنى لإطلاق أدلة جواز التقليد بحيث تعمّ المتمكن، و لا حاجة إلى ما أفيد في الجواب مما يوجب الإطناب.

مسألة: المعروف بين الأصحاب بل ادّعي عليه الإجماع، أو الاتفاق في كلام جماعة، هو عدم جواز تقليد الميت.

و لا ريب في أنّ مقتضى الأصل عدم حجية رأى الميت و فتواه و قصور الدليل العقلي على التقليد عن الاقتضاء لجوازه، لأنّ العقل و إن أذعن بلزوم الاستناد إلى من له الحجة، إلا أنّه مع الدوران بين الاستناد إلى الحي و الاستناد إلى الميت لا يقضي إلّا بالاستناد إلى الحي، لليقين معه ببراءة الذّمّة دون الاستناد إلى الميت، فلا محالة يتعيّن تقليد الحي.

و منه يظهر عدم الفرق بين ما لو كان الميت أفضل من الحي أو لا، لأنّا لم‌

21

نحكم بالاقتصار على الحي من جهة أقربية قوله إلى الواقع من الميت حتى يتخيل أنّ الأفضل أقرب، بل من جهة عدم اليقين ببراءة الذّمّة عند العقل بتقليد الميت.

و لمثله أيضا نحكم بالاقتصار على تقليد الأفضل، لا للأقربية إلى الواقع، و يكفي في عدم اليقين بالبراءة دعوى الإجماع هنا و هناك على وجوب الاقتصار.

فلا تغفل، و سيجي‌ء إن شاء اللّه الكلام في الأدلة اللفظية و إطلاقها.

و استند المجوّز إلى وجوه أوجهها وجهان:

الأوّل: استصحاب جواز تقليده الثابت في حياته.

و ردّ بزوال ظنون المجتهد و آرائه التي هي موضوع التقليد الواجب بالموت، بل عن الوحيد البهبهاني (1) (قدّس سرّه) زوالها عند النزع، و أنّها تزول بالغفلة و النسيان، فكيف بالموت الذي يصير معه الذهن جماداً لا حسّ فيه.

و أجيب عنه بأنّ القوة العاقلة من قوى النّفس الناطقة، و قد برهن على تجردها و بقائها بعد خراب البدن، و أنّ القوّة المدركة ليست من القوى الجسمانية فضلا عن أن تكون من الأجسام، كما هو ظاهر كلام الوحيد (قدّس سرّه).

و التحقيق: أنّ الجسم بما هو جسم كل جزء منه يغيب عن الجزء الآخر فضلا عن غيره. فلا معنى لأن ينال شيئا و يدركه، فتوهم كونها جسما سخيف جدا، و أمّا كونها جسمانية أو لا، فنقول: قد برهن عليه، في محله أنّ العاقلة بما هي مدركة للكليات، و بما هي عقل بالفعل، لا تحتاج إلى مادة جسمانية لا في ذاتها و لا في فعلها، فالنفس في أول حدوثها حيث إنّها إنسان طبيعي بشري تحتاج إلى مادة جسمانية، لكنها عقل هيولاني، فإذا خرجت من القوة إلى الفعل‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 59، نقله الشيخ الأنصاري عنه.

22

و من الماديّة إلى الصورية فلا محالة هي غير مرهونة بمادة، فهي بهذه المرتبة خارجة عن عالم المواد و دار الفساد، فلذا لا خراب لها بخراب البدن.

لكنّا قد ذكرنا في الأصول أنّ هذا المقدار من التجرّد للقوة العاقلة لا يجدي فيما نحن فيه، كما لا يجدي في بقاء النّفس الناقصة التي لم تخرج من القوة إلى الفعل في التعقل، و المهم هو أنّه لا يجدي فيما نحن فيه، و ذلك من وجهين:

أحدهما: أنّ القضايا الكلية التي أدركها المجتهد، و إن كانت في حدّ ذاتها قابلة للتجريد التام بحيث تدخل في الكليات المجردة القائمة بالعاقلة، لكن الأذهان المتعارفة تنتقل من الإحساس بالجزئيات إلى صورها الجزئيّة في الوهم و الخيال، فهي مجردة عن المادة فقط لا عن الخصوصيات و الهيئات الحافة بالجزئيات المحسوسة، و مجرد قبول المدركات للتجريد التام لا يجعلها مجردة داخلة في المعقولات الكلية الباقية ببقاء العاقلة، بل لا بدّ من إثبات تجرد قوتي الوهم و الخيال أيضا تجرداً برزخياً مثالياً.

ثانيهما: أنّ آراء المجتهد و إن فرضت كلية قابلة للقيام بالعاقلة، إلا أنّها غالبا منبعثة عن مدارك جزئيّة من آية خاصة أو رواية مخصوصة لا قيام لهما إلا بغير العاقلة، و تلك الآراء لا تكون حجة إلّا إذا كانت مستندة إلى المدارك بقاء كما كانت حدوثا، فكما أنّ قيامها بالمجتهد مع زوال مداركها بالمرة يخرجها عن الحجية في حال حياته، كذلك إذا زالت مداركها بزوال القوة المدركة لها، لأنّ المفروض عدم تجرد ما عدا العاقلة المدركة للكليات، فلا مناص من الالتزام بتجرد قوّتي الوهم و الخيال المدركتين للصور الجزئيّة و المعاني الجزئيّة تجرداً برزخيا، و هو و إن كان خلاف المشهور في فنّه، لكنّه مما اقتضاه البرهان، كما شيد أركانه بعض الأركان، و تمام الكلام في محلّه.

ثمّ إنّه بعد القول بتجرد قوتي الوهم و الخيال، ينبغي التفصيل بين ما إذا كانت الحجة على المقلّد ظنون المجتهد و إدراكاته للحكم الواقعي، و ما إذا‌

23

كانت الحجة قطعه بالحكم الظاهري المماثل للواقعي. فإنّه على الثاني منتف قطعا، لا لفناء القوة المدركة، بل لانكشاف الواقع نفياً و إثباتا، فلا شك في الواقع فلا قطع بالحكم الظاهري، بخلاف الأول، فإنّ بقاءه محتمل فيستصحب و يترتب عليه جواز تقليده، و انكشاف الواقع حينئذ غير ضائر، لأنّ انقلاب ظنّه إلى القطع خروج من حدّ الضعف إلى الشدة، و في مثله يجري الاستصحاب على التحقيق، و احتمال انقلابه إلى القطع بالخلاف لا يمنع من الاستصحاب كما عن السيد العلّامة الداماد (قدّس سرّه)، بل يؤكده و يحقّقه كما هو ظاهر.

و أمّا ما عن بعض الأعلام (1) في تقريراته لبحث شيخه المحقق الأنصاري (قدّس سرّهما) من أنّ الاعتقاد الحاصل بالكشف و الشهود من الموت لا دليل على حجيته على المقلد، فيدور أمر الرّأي بين ما هو زائل أو باق غير حجة، فمدفوع: بأنّ الكشف و الشهود الذي لا دليل على حجيته لغير صاحبه هو الذي يحتمل فيه الخطأ على صاحبه لا الحاصل بالموت، فالأمر دائر بين بقاء رأيه و اعتقاده بنحو موافق للواقع جزما بحيث لا شكّ فيه، أو زواله رأسا مع القطع ببقاء القوة المدركة، فلا يقاس هذا الكشف بالكشف الحاصل لبعض المرتاضين.

و من جميع ما ذكرنا تبيّن أنّه لا مانع عقلا من استصحاب جواز التقليد، نعم الحي و الميت في نظر العرف متباينان، و الحشر في نظر العرف من باب إعادة المعدوم، فالموضوع غير باق عرفا.

الوجه الثاني: إطلاقات جواز التقليد، و تقريبها أنّ الآيات (2) المقتضية‌

____________

(1) هو صاحب مطارح الأنظار، ذيل الوجه الأول و الثاني لعدم جواز تقليد الميت.

(2) سورة النحل: الآية 43، و سورة الأنبياء: الآية 7، و سورة التوبة: الآية 122.

24

للرجوع إلى أهل الذّكر أو التحذر بإنذار المنذر، و الروايات المقتضية لتقليد من كان من الفقهاء كذا و كذا (1)، و الرجوع إلى رواة الأحاديث (2)، و الاعتماد على كلّ مسنّ في حبهم (عليهم السلام) (3)، و غير ذلك (4)، و إن كانت ظاهرة بل صريحة في أنّ المسئول منه و المنذر و الفقيه و المرجع حي، إلّا أنّ دعوى الإطلاق غير مبتنية على تجريد موضوعات الأدلة عن الحياة، بل مع صراحتها في حياة المعنون بتلك العناوين لا ظهور لها في توقف وجوب التحذّر و وجوب القبول بعد الجواب و الاعتماد بعد إظهار الرّأي على حياة المنذر و المجيب حال التحذر و القبول، و إن كان لها ظهور بل صراحة في الحياة حال الانذار و الجواب و غيرهما.

فالجواب حينئذ أنّ قول القائل- أعمل على رأي فلان، أو التزم برأيه من دون تقييد و عناية- ظاهر في ثبوت الرّأي عند تعلّق العمل و الالتزام به، و إلّا كان عملا بغير الرّأي و التزاماً بغيره. نعم يقبل التقييد بأن يقال: أعمل على طبق الرّأي السابق الزائل، فإن كانت الآيات و الروايات مسوقة لحجية النقل و الحكاية، فالإطلاق غير مناف للظهور المزبور، لأنّ الحكم بعد ما صار محكيا عنه لا زوال للوصف عنه أبدا، فهو محكي عنه مات الحاكي أم لا، و إن كانت مسوقة لحجية الرّأي فالإطلاق مناف للظهور المذكور، لأنّ الرّأي لا بقاء له عند تعلّق العمل به، و ليس كالحكاية حتى لا يكون له زوال، فلا يغني التمسك بالإطلاق عن استصحاب بقاء الرّأي، و هو الوجه الأوّل المقابل له، فتدبّر.

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 10، من أبواب صفات القاضي، ح 20.

(2) الوسائل: ج 18، باب 11، من أبواب صفات القاضي، ح 9.

(3) الوسائل: ج 18، باب 11، من أبواب صفات القاضي، ح 45.

(4) الوسائل: ج 18، باب 11، من أبواب صفات القاضي، ح 41 و 37.

25

مسألة: المشهور عدم الفرق بين تقليد الميت ابتداء أو بقاء،

كما هو ظاهر معاقد إجماعاتهم و استدلالاتهم.

و الوجه فيه ما ذكرنا من الأصل، و قصور حكم العقل.

و للمجوّز زيادة على ما ذكر في المسألة المتقدمة استصحاب الأحكام التقليدية، و هو- بناء على أنّ مفاد دليل اعتبار الأمارات و منها الفتوى جعل الحكم المماثل لما تؤدي إليه الأمارة- واضح. و أمّا بناء على كونه منجزا للواقع، فلا يقين بثبوت الحكم سابقا حتى يستصحب، إلّا على ما أفاده شيخنا الأستاذ (1) (قدّس سرّه) من أنّ مقتضى دليل الاستصحاب جعل الملازمة بين ثبوت الحكم في الزمان الأول واقعاً و ثبوته في الزمان الثاني تعبّدا، فالحكم بقاء مرتّب على الثبوت، و إذا كان الحكم بقاء من لوازم ثبوته سابقا فالحجة على الثبوت حجة على البقاء، لأنّ الحجة على الملزوم حجة على لازمه، فلا حاجة إلى تحقيق الثبوت قطعا.

نعم قد ذكرنا في محلّه أنّ ما أفاده (قدّس سرّه)- بناء على أنّ مفاد دليل الاستصحاب جعل الحكم المماثل مرتبا على الثبوت- في غاية المتانة، لأنّ اللازم كالملزوم قابل للتنجّز بمنجّز، و امّا إن كان كنفس دليل الأمارة بداعي تنجيز الواقع باحتمال البقاء مرتّباً على الثبوت سابقاً، فمثله لا يعقل دخوله في اللوازم القابلة للتنجّز بمنجّز الثبوت، لأنّ المفروض أنّ احتمال البقاء على تقدير الثبوت منجز، فلا حالة منتظرة لتنجيز احتمال البقاء للواقع إلا الثبوت تحقيقا، و هو ممّا لم يتحقّق بالأمارة، و ليس تنجيز الاحتمال قابلًا للتنجيز بمنجّز حتى يتنجز بمنجّز الثبوت، فجعل الملازمة بين منجّزية الاحتمال و الثبوت الواقعي لا يفيد إلا في صورة إحراز الثبوت، و لذا ذكرنا في محله أنّه لا يندفع الإشكال إلّا بجعل‌

____________

(1) في ثاني تنبيهات استصحاب الكفاية.

26

الملازمة بين المنجزين، و هو جعل الاحتمال منجزا للواقع على تقدير ثبوت المنجز للثبوت، و هو أولى من ترتيبه على الثبوت، إذ لا يلزم منه إلغاء اليقين بالمرة و جعله مرآة صرفا. بل قد اعتبر بعنوان جامع و هو كونه حجة قاطعة للعذر، كما أنّ جعل منجز الثبوت منجزا للبقاء عند احتماله بدليل الاستصحاب أولى مما ذكر أخيرا أيضا، لأنّ ظاهر دليل الاعتبار هو التمسك باليقين بالجري على وفقه و عدم نقضه، لا الأخذ باحتمال البقاء الذي هو أحد طرفي الشكّ.

و الجواب: بناء على جعل الحكم المماثل ما أفاده شيخنا الأستاذ (1) (قدّس سرّه) من أنّ الأحكام التقليدية عند العرف متقوّمة بالرأي، و ليست أحكاما لموضوعاتها بقول مطلق.

و تقريبه: أنّ موضوع الحكم الواقعي، و إن كان مثلا هو القصر أو الإتمام، إلّا أن الوجوب الفعلي لم يتعلّق به بما هو، بل بعنوان وجوب اتّباع رأي المجتهد بلسان وجوب التقليد و وجوب القبول و أشباه ذلك، فهو جعل الحكم المماثل لما يراه المجتهد حكما فعليا، فموضوعه الدليلي ما يراه المجتهد واجبا، و حيث أنّ العرف يرون المقلّد متمسكا برأي المجتهد، فلا يرونه عالما بالحكم الفعلي بقول مطلق، بل عالما بحكمه في رأي مجتهده، لا أنّه ليس بعالم مطلقا حتى ينافي فرض جعل الحكم المماثل، فالموضوع العرفي يوافق الموضوع الدليلي في الأحكام التقليدية.

و بهذا التقريب أيضا يمكن منع الاستصحاب على تقدير تنجيز الواقع، فان العرف يرون الحكم الواقعي منجزا بالرأي ما دام الرّأي، لا أنّ الرّأي ينجزه و إن زال بعده.

و عن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بعد الجواب عن الاستصحاب ما لفظه:

هذا كلّه مع إمكان دعوى أنّه إذا لم يجز البقاء على التقليد بعد زوال الرّأي‌

____________

(1) كفاية الأصول: ج 2، ص 445.

27

بسبب الهرم أو المرض إجماعا لم يجز في حال الموت بنحو أولى قطعا فتأمّل (1)، انتهى كلامه رفع مقامه.

و تقريب الأولوية ان المرض و الهرم، مع أنّه فيهما اختلال بعض القوي، إذا كانا موجبين لزوال الرّأي الموجب لعدم جواز التقليد، فالموت الذي به يختلّ جميع القوى يوجب زوال الرّأي الموجب لعدم جواز التقليد بنحو الأولوية القطعية.

و قد ذكرنا في محله أنّ الملاك لعدم جواز التقليد في المرض و الهرم إن كان زوال الرّأي فالتحقيق عدمه فيهما و في الموت، لأنّ الإدراكات باقية في محالّها، و النّفس بسبب اشتغالها بتدبير البدن أو التوجه إلى نشأة أخرى لا يمكنها ترتيب الأثر عليها، و إلا فمن المستحيل بحسب الحكمة الإلهية و العناية الربانيّة أن تزول العلوم و المعارف الحاصلة للإنسان في مدة مديدة من العمر بعد إتعاب شديدة للقوة النظرية و مجاهدة عظيمة لتحصيل الأخلاق و الملكات الفاضلة بمجرد المرض و الهرم في آخر العمر أو بسبب الموت، مع أنّ الدنيا مزرعة الآخرة و المعرفة بذر المشاهدة، بل الصحيح أنّ علاقة النّفس مع البدن حجاب قوي و مانع شديد، فإذا زال المانع و ارتفع الحجاب كانت العلوم كلّها حاضرة لديه مشهودة عنده. نعم تزول الإدراكات بسبب التوجه الشديد إلى ما يضادها، فيعرضها نسيان شديد، بحيث لو أراد استرجاعها لاحتاج إلى الكسب كما في الابتداء.

و إن كان الملاك لعدم جواز التقليد في المرض و الهرم، عدم التمكّن من إعمال القوة النظرية، فلا يقدر بالفعل على ردّ الفرع إلى أصله، و هذا معنى زوال ملكة الاجتهاد، فمن البيّن أنّ هذا الوجه مختصّ بهما، لأنّ انقطاع علاقة النّفس و ارتفاع الشواغل المانعة عن القدرة الفعلية يوجب كون النّفس أقدر على‌

____________

(1) كفاية الأصول: ج 2، ص 445.

28

ردّ الفرع إلى أصله من حال حياته، و لعله أشار (قدّس سرّه) إلى بعض ما ذكر بالأمر بالتأمّل.

فروع

الأوّل: لا يخفى أنّ حكم التقليد من الجواز و الوجوب،

و الحكم المقلد فيه من وجوب القصر أو الإتمام، سنخ حكم يجتمع مع جواز العدول و حرمته، و لذا وقع النزاع في جواز العدول و حرمته بعد القول بوجوب التقليد، و هذا السنخ من الحكم هو المستصحب، فكيف يقتضي وجوب البقاء المنافي لجواز العدول بنفسه؟ فتوهم أنّ استصحاب الحكم المقلد فيه لا يجتمع مع القول بجواز العدول، لأنّ مقتضاه ارتفاع حيثية الوجوب المستصحب، و مع زوال الفصل لا مجال لبقاء جنسه، مدفوع بأنّ نفس وجوب القصر حدوثا و بقاء على وجه لا ينافي جواز العدول إلى من يفتي بوجوب الإتمام، كما يجوز للمقلد بدوا الرجوع إلى كل من المجتهدين اللذين يفتي أحدهما بوجوب القصر و الآخر بوجوب الإتمام، مع كون الحكم المفتي به في حدّ ذاته تعيينيّا، و جواز الرجوع إلى كل منهما لا يوجب انقلاب الحكمين من التعيين إلى التخيير، بل يكون عقلا مخيرا في تطبيق العمل على كل منهما.

و لا حاجة إلى ما أفاده الشيخ المحقق الأنصاري (1) (قدّس سرّه) في رسالة التقليد في دفع التوهم بما محصّله وجوب تقليد القائل بوجوب القصر تعيينا ما لم يختر غيره، فلا ينافي جواز اختيار غيره و عدمه، نظير تعيّن الإتمام ما دام حاضرا، فإنّه لا ينافي جواز السفر، وجه عدم الحاجة انّه مبني على كون التقليد هو الالتزام برأي المجتهد، فمع بقائه على التزامه يجب عليه القصر تعيينا، و إن كان له‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 65.

29

رفع اليد عن التزامه، و قد قدّمنا أنّ التقليد هو تطبيق العمل على رأي الغير دون الانقياد قلبا و الالتزام جنانا.

و من جميع ما مرّ ظهر أنّ الاستصحاب على فرض جريانه في الأحكام المقلّد فيها لا يقتضي وجوب البقاء بالمعنى الملازم لحرمة العدول.

و هل تشمل أدلة حرمة العدول الآتية في محلها ما نحن فيه أو لا؟ ربما يقال بعدم الشمول، لأنّ عمدة الأدلة هي الإجماع و قاعدة الاحتياط، و كلاهما لا يعمّ المقام.

أمّا الإجماع، فلأنّ المجمعين في تلك المسألة لا يقولون هنا بجواز البقاء فضلا عن وجوبه، فكيف يعمّ معقد إجماعهم مثل المقام؟ إلّا أن يقال: إنّ إجماعهم هناك من باب الإجماع على القاعدة، بمعنى أنّهم مجمعون على حرمة العدول عن كلّ تقليد صحيح و إن اختلفوا في صحة بعض أفراد التقليد كتقليد الميت حدوثا أو بقاء.

و أمّا الاحتياط، فلأنّ الأمر هنا دائر بين المحذورين حرمة البقاء و وجوبه دون مسألة العدول.

و فيه أنّ النزاع في وجوب البقاء و عدمه بعد الفراغ عن جوازه، فلا وجه لمعارضة وجوبه مع حرمة التقليد بقاء، نعم من لم يتمكّن من تنقيح المسألة جوازا و منعا، لا مناص له من الاحتياط في المسألة الفرعية بلحاظ الفتويين، فقد يقتضي الجمع بين فتوى الحي و فتوى الميت كما في القصر و الإتمام، و قد يقتضي العمل على طبق فتوى الميت بخصوصه أو الحي بخصوصه، كما قد يقتضي التخيير إذا كان كلّ منهما مخالفاً للاحتياط، فإنّهما حجة على نفى الثالث.

الثاني: لو قلّد المجتهد الحي في مسألة وجوب الرجوع فمات،

فرجع إلى من يفتيه بوجوب البقاء، فالكلام تارة في شمول فتوى الثالث لمسألة وجوب‌

30

الرجوع المقلّد فيها، و أخرى للمسائل العملية التي رجع فيها عن الأول إلى الثاني.

أما الأوّل فظاهر المحقق الأنصاري (1) (قدّس سرّه) في الرسالة، عدم الشمول، للزوم التناقض.

و هو في بادئ النّظر كذلك [1]، و عند التأمّل لا تناقض، لأنّ رأي الثاني و إن تعلّق بحكم كلّي و هو وجوب الرجوع من دون اختصاصه بمن سبقه بالإفتاء، لكنه ليس كل ما هو مقتضى الأدلة و متعلّق الرّأي يصح التقليد فيه، ألا ترى أنّ مقتضى الأدلة وجوب التقليد و يراه كلّ مجتهد كذلك، مع أنّه لا يمكن التقليد في أصل وجوب التقليد، للزوم الدور و التسلسل، و كذلك تقليد الأعلم بنفس رأي الأعلم بوجوبه، أو تقليد غير الأعلم بنفس فتوى غير الأعلم بجوازه إلى غير ذلك من نظائره، كذلك لا يعقل تقليد المفتي بوجوب الرجوع حتى في الرجوع عن نفسه بعد موته، فإنّ حجية رأيه و فتواه بعد موته في هذه المسألة و غيرها على حدّ سواء، فلا يعقل الاستناد إلى رأيه و لو في هذه المسألة بنفس رأيه حدوثا و بقاء، كما إذا كان فتواه وجوب البقاء، فان البقاء على رأيه برأيه لا معنى له، و ميزان التقليد في المسألة الكلية صحة العمل على طبقها في جميع أفرادها و إن لم يعمل إلّا في بعضها، و من الواضح عدم صحة العمل على طبقها كليا حتى في الرجوع عنه بعد موته، أو البقاء على رأيه بعد موته، فلا محالة لا يعقل حجية رأيه بوجوب الرجوع إلا بالإضافة إلى من سبقه في الإفتاء، و لا بأس حينئذ بشمول الفتوى بوجوب البقاء لهذه المسألة، فإنّ معنى وجوب الرجوع عن غيره عدم جواز تطبيق العمل على رأي الغير، و البقاء على هذا الرّأي‌

____________

[1] لأن الالتزام بوجوب الرّجوع عن كلّ ما قلّده فيه يناقض البقاء على ما عدا وجوب الرّجوع فإنّ معنى البقاء عليه عدم وجوب الرجوع عن المسائل العمليّة المقلّد فيها (منه (قدّس سرّه)).

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 66.

31

معناه موافقة الثالث للثاني في عدم جواز تطبيق العمل على فتوى الأوّل و رأيه.

و أمّا الثاني، و هي المسائل العملية التي رجع فيها بفتوى الثاني عن الأوّل، فالإشكال فيه من حيث إنّ هناك تقليدين صحيحين لا ترجيح لأحدهما على الآخر.

و بعد ما عرفت آنفا صحة شمول فتوى الثالث بوجوب البقاء لمسألة وجوب الرجوع و عدم جواز تطبيق العمل على رأي الأول، تعرف أنّه لا يعقل تساوي نسبة وجوب البقاء إلى كلا التقليدين، بل يترجّح جانب الثاني قهرا، مضافا إلى أنّ وجوب البقاء، إن كان لأجل استصحاب الأحكام المقلّد فيها فالترجيح للثاني، لانقطاع الاستصحاب في الأوّل بالرجوع إلى الثاني، و إن كان لاستصحاب حرمة العدول فهو أيضا منقطع بجواز الرجوع إلى الثاني.

و أمّا ما عن المحقّق المتقدّم (قدّس سرّه) (1) في تقوية البقاء على رأي الثاني من أنّ تقليد الثاني و رجوعه عن الأوّل بالنسبة إلى المسائل التي رجع فيها في حال حياة الثاني وقع صحيحا فبظاهره غير مجد، لأنّ كلا التقليدين وقع صحيحا في حال حياة المجتهد، فمجرد الصحة مع تساوي النسبة لا يوجب الترجيح. و تطبيقه على ما ذكرنا- من أنّ شمول الفتوى بوجوب البقاء لوجوب الرجوع بالإضافة إلى من سبقه يخرجه عن التساوي، بل لا يعقل مع شموله له شموله للمسائل التي قلّد فيها المجتهد الأول- في غاية الإشكال.

و أمّا ما احتمله (قدّس سرّه) في وجه القول بترجيح الأوّل- من أنّ تقليد الثاني في المسائل المعدول عنها إنّما هو بتقليده في وجوب الرجوع، فإذا كان الإفتاء بالبقاء لا يشمله، فلا يشمل ما يترتّب عليه- ففيه: أنّ مصحح التقليد في العمليات ليس التقليد في وجوب الرجوع حتى تترتب صحته على صحته، بل‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 66.

32

مصححه أمّا الفطرة أو حكم العقل أو السيرة، و قد عرفت أنّ وجوب الرجوع معناه عدم جواز تطبيق العمل على رأي الأوّل، و أمّا وجوب الاستناد إلى رأي الحيّ في هذه المسألة و في تطبيق العمل على رأيه، فدليله دليل التقليد في غيره، فلا إشكال بحمد اللّه تعالى في المسألة.

الثالث: هل القول بنقض الآثار السابقة بتبدّل الرّأي يلازم القول بالنقض بالرجوع عن الميت إلى الحي المخالف له في الرّأي أو لا؟

وجهان، بل عن شيخنا العلّامة الأنصاري (1) (قدّس سرّه) في بعض كلماته أن القول بالنقض في صورة تبدّل الرّأي دون صورة العدول لا وجه له ظاهرا. و التحقيق عدم الملازمة.

أمّا وجه عموم النقض في صورة التبدّل فما عرفت سابقا من أنّ الخبر مثلا حجة في مضمونه الذي لا اختصاص له بزمان دون زمان، و الحكم المطلق و إن كان يتنجز فعلا لا قبلا إلّا أنّ أثر تنجزه فعلا تدارك ما فات منه قبلا، فلا موجب لتخصيص تأثيره بالوقائع المتجددة.

و أمّا وجه عدم العموم في صورة الرجوع عن الميت إلى الحي، و عن الحي إلى الحي، فهو أنّ متعلّق الرّأي و إن كان كمتعلّق الخبر مطلقا، إلّا أنّه لا يلازم تعلّق الرّأي بشي‌ء حجيته على الغير رأسا كأصل وجوب التقليد و نحوه، كما أنّه لا تلازم حجيته على الغير حجيته عليه من الأول، كما إذا كان تكليف العامي الرجوع إلى من هو أعلم منه، فرجع إلى المفضول لخروج الأفضل عن مرتبة صحة التقليد لموت أو غيره، و بالجملة ليس إطلاق المضمون مناطا للنقض بل هو مع حجيته من الأوّل و إن كان تنجزه بعد الظفر به، و ليست الفتوى كذلك، بل هي حجة على المقلّد في المورد القابل من حين صحة الرجوع إلى‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 66.

33

صاحبها فلا يؤثر إلّا في الوقائع المتجددة، و النقض في صورة تبدل الرّأي لا لمجرد رجوع المجتهد عن رأيه حتى يكون الرجوع إلى رأي الآخر كالرجوع إلى الرّأي الآخر، بل من جهة أنّ المفروض أنّ فتواه النقض فيجب على مقلّده النقض، فالمقايسة إنّما هي بين الخبر الذي هو حجة المفتي و فتواه التي هي حجة المقلد.

لا يقال: كما أنّ الخبرين حجة على المجتهد، كذلك الفتويان على المقلد، فإذا كان اعتبار الفتوى من باب الطريقية فحالها حال الخبر من حيث عدم اقتضاء الإجزاء و لزوم النقض.

لأنّا نقول: اعتبار الفتوى بأدلة التقليد بعنوان تنزيل نظر المجتهد منزلة نظر العامي، و نيابة المجتهد في استفادة ما يرجع إلى المقلد لا بعنوان الطريقية للواقع، و لو كان بهذا العنوان للزم تخصيص النقض بصورة اضمحلال الحجة السابقة لأقوائيّة الحجة اللاحقة، كما إذا رجع إلى الأعلم مع أنّ القائل بالنقض في صورة الرجوع لا يفرّق بين الرجوع إلى الأعلم أو من الأعلم إلى غيره، بسبب الموت أو عروض عارض، فيعلم منه أنّ حجّية فتوى الثاني لا لاضمحلال الحجة الأولى بقيام الثانية، بل لانتهاء أمد حجيتها مثلا، فتكون الفتويان المتعاقبتان على حدّ الخبرين المتعادلين اللذين أخذ بأحدهما تارة و بالآخر أخرى، حيث لا موجب لتوهّم النقض عند الأخذ بالثاني.

و عن شيخنا المحقق الأنصاري (قدّس سرّه) في ذيل الفرع ما لفظه: فلو قلنا بوجوب رفع اليد عن آثار ما وقع عليه بالتقليد السابق قوي في الفرع السابق وجوب رفع اليد عن التقليد الثاني المترتب على فتوى الثاني بوجوب الرجوع.

فافهم (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو مبني على شمول فتوى الثاني بوجوب الرجوع للرجوع مطلقا حتى عن‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 66.

34

نفسه بعد موته، حتى يقال إنّ لازمه عدم تطبيق العمل على رأيه في المستقبل و نقض ما وقع على طبق رأيه في الماضي، و قد مرّ منه (قدّس سرّه) أنّ فتوى الثالث بوجوب البقاء لا تشمل التقليد في وجوب الرجوع للزوم التناقض، مع أنّ لازم البقاء على وجوب الرجوع مطلقا رفع اليد عن التقليد الأول و التقليد الثاني، إذ لا فرق بين الرجوع عن الأوّل بفتوى الثاني بين الحدوث و البقاء، فلا يتعيّن التقليد الثاني في رفع اليد عنه، بل الأوّل كذلك، مع أنّ المفروض لزوم البقاء في المسائل العملية على تقليد أحد الميّتين، و أمّا على ما ذكرنا فالأمر أوضح.

الرابع: إذا قلد من يفتي بجواز العدول عن مجتهد إلى آخر في هذه المسألة، فمات المفتي بالجواز،

فرجع إلى من يفتي بوجوب البقاء على التقليد، فهل له العدول عن الميت نظرا إلى أنّه قلّده فيه، و المفروض وجوب البقاء على ما قلّده فيه، أو لا؟ لأنّ معنى وجوب البقاء على تقليده حرمة العدول عنه، فكيف يعم جواز العدول عنه كما مرّ في مسألة الرجوع؟.

و العجب من العلّامة الأنصاري (1) (قدّس سرّه) مع وحدة المسألتين مسلكا و دليلا كيف حكم بعدم الشمول في مسألة الرجوع للتناقض و هنا احتمل عدم الشمول قويا لعين ذلك البرهان.

و الأمر في هذه المسألة عندي على ما مر. نعم ينبغي جعل التقليد هنا بمعنى الالتزام بجواز العدول مع عدم العدول، و إلّا لا معنى للرجوع بعد موت المجوّز للعدول إلى من أفتاه بالبقاء مع كونه مقلدا فعلا لمن عدل إليه.

الخامس: إذا اختلف الميت و الحي المفتي بالبقاء في حقيقة التقليد

من أنّه بمعنى الأخذ للعمل أو نفس العمل، فهل المدار على نظر الحي أو الميت؟

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 67.

35

وجهان: من أنّ موضوع وجوب البقاء هو التقليد الصحيح، و صحته منوطة بنظر من قلّده لا بنظر المفتي بالبقاء، و لذا لا شبهة في لزوم البقاء بنظر المفتي به مع مخالفته في الفتوى للميت، و من أنّ موضوع كل حكم مفتى به منوط بنظر المفتي به، و الصلاة التي قلّد فيها الميت و إن كانت منوطة موضوعا و حكما بنظر الميت، إلّا أنّ نفس التقليد موضوع لوجوب البقاء الذي يفتي به الحي، فيكون منوطا بنظر الحي، و لا معنى لإناطة موضوع المفتي به بنظر غير من يفتي به.

نعم حيث إنّ هذه المسألة خلافية، فإذا لم يستقل عقل العامي إلّا بمجرّد جعل رأي الغير مستندا من دون تعيين الاستناد إلى الرّأي في العمل أو الالتزام فللتقليد في تعيينه مجال، فيتحقق هناك موضوعان للتقليد. أحدهما فعل الصلاة، و الآخر جعل رأيه مستندا للالتزام بوجوبها، و صحة التقليدين منوطة بنظر المفتي المقلد فيها، و جعل الرّأي مستندا للالتزام أو للعمل ينحلّ إلى ما يحكم به العقل، و هو أصل الاستناد إلى الرّأي و إلى ما أفتى به المفتي، و هو أنّ طرفه و متعلّقه الالتزام أو العمل، و هذا الموضوع كالصلاة يكون منوطا بنظر المفتي لكونه تقليديا.

و ما ذكرنا من أنّ وجوب البقاء بحكم الحي متعلّق بما هو موضوع له بنظره، إنّما يجدي لو لم يكن المقلّد مقلّدا في موضوع هذه المسألة تقليدا صحيحا سابقا، و إلّا كان حاله حال الصلاة و حكمها من حيث الإناطة بنظر الميت الذي قلّده فيها، و بعبارة أخرى التقليد في مسألة وجوب الصلاة و إن كان هو العمل بنظر الحي إلّا أنّ التقليد في مسألة لزوم الالتزام بوجوبها المفروض كونها تقليدية هو الالتزام استنادا إلى رأي الميت بنظر الحي و الميت، فان العمل فيها نفس إيجاد الالتزام، و أمّا أصل وجوب الالتزام فالعبرة فيه بنظر الميت كما عرفت، و لازم البقاء على هذا التقليد الصحيح هو البقاء على الالتزام بوجوب الصلاة المستتبع لفعلها. نعم لو كان التقليد في نظر الميت هو العمل، لم يتحقق تقليد صحيح في‌

36

هذه المسألة الخلافية بالإضافة إلى الميت حتى يجدي للبقاء بنظر الحي هذا كلّه لو كان مستند وجوب البقاء إطلاقات أدلة وجوب التقليد، فيختلف نظر الحي و الميت في حقيقة التقليد، و كذا لو كان المستند استصحاب حرمة العدول، فإنه يختلف النّظر من حيث حرمة العدول عن الالتزام أو العمل. و أمّا لو كان المستند استصحاب الأحكام التقليدية فلا فرق بين الأمرين، لأنّ جريان الاستصحاب غير متوقف على شي‌ء من الالتزام أو العمل بل الأحكام المبتلى بها المكلّف بحسب حاله فعلية في حقه التزم بها أم لا، عمل بها أم لا، بل و كذا الأمر لو كان المستند استصحاب حكم التقليد، فإنّه جار سواء التزم أو عمل أم لا، غاية الأمر أنّ الميت لو كان يرى وجوب الالتزام مقدمة لامتثال الأحكام لكان هذا المعنى من جملة أحكامه الفعلية في نظر من هو المرجع له في ذلك الحين، فيؤثر استصحابه حينئذ في الالتزام فعلا بكل ما كان له حكما فعليا في ذلك الزمان و في هذا الحين، دون الالتزام بجميع فتاوى الميت و لو لم يكن ممّا له به مساس، فلا يتوهّم أنّه بعد وجوب الالتزام بجميع فتاواه لا مجال لتقليد الحي في الوقائع المتجددة فلا تغفل.

و في رسالة التقليد (1) للشيخ الأجل (قدّس سرّه) في هذا الفرع ما لا يرتبط بتفاوت نظر الحي و الميت في موضوع التقليد، حيث إنّه (قدّس سرّه) فرض الأخذ و العدول عن بعض ما أخذ تحقيقا للالتزام و العمل، و لازمه عدم التقليد الذي يجب البقاء عليه، حيث لا عمل حتى يكون تقليدا بنظر الميت إلّا العدول الذي لا معنى للبقاء عليه، حيث لا أثر له بنفسه، و لا أخذ إلى حين الموت حتى يبقى عليه بفتوى الحي، و كذا في عكسه و هو الأخذ و العدول إلى الغير ثم الرجوع عنه بفتوى الميت بحرمة العدول. نعم فرق بين الصورتين من حيث‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 67.

37

عدم التقليد الذي يجب البقاء عليه بنظر الحي و الميت في الصورة الأولى بخلاف الثانية فإنّه لا تقليد يصح البقاء عليه، حيث لا عمل على طبق رأي الميت إلّا الرجوع بفتواه، و لا أثر له حتى يجب البقاء عليه بنظر الحي و إن كان الأخذ المحقق للتقليد في نظر الميت باقيا إلى حين موته، فلا يجري فيه وجهان بل وجه واحد كما هو واضح. و الصحيح في تحرير الفرع ما عرفت.

السادس: لو قلّد مجتهدا في حال صغره، و قلنا بصحة تقليده لصحة عباداته،

ثمّ مات المجتهد قبل بلوغه، فبلغ، فهل يجب البقاء على القول بوجوب البقاء؟

وجهان بل قولان: من عموم وجوب البقاء على التقليد الصحيح، و من أنّ حرمة العدول لم تثبت في حقّ الصغير فاستصحاب التخيير في حقه باق.

و التحقيق أنّ وجوب البقاء إن كان من جهة استصحاب الأحكام التقليدية فالأمر في البالغ و غيره على السواء، إذ المفروض شرعية عبادات الصبي و إطلاق العبادة من حيث المادة، فذاك المعنى المصحح لعبادية في حال حياة المجتهد على حاله بعد موته تعبدا، بل الواجبات المعلّقة على البلوغ في حال حياة المجتهد ثابتة بعد موته بنحو الاستصحاب التعليقي، و إن كان من جهة حرمة العدول عن مجتهد إلى غيره، فالحرمة و إن لم تثبت في حق غير البالغ فعلا مطلقا لكنها ثابتة في حقه معلّقا، فالاستصحاب التعليقي بالإضافة إلى حرمة العدول مما لا بأس به، و العمدة في الشقّين هو الاستصحاب التعليقي لو كان هناك حكم إنشائي معلّق على البلوغ، و إلّا فمجرد العلم بأنّه لا حكم لغير البالغ و إن البالغ محكوم بكذا، لا يحقق حكما تعليقيا حتى يستصحب و يحكم بفعليته عند تحقق المعلّق عليه.

و منه يتضح أيضا ما في استصحاب التخيير، فان التخيير ليس حكما غير إلزامي حتى يقال بثبوته في حق غير البالغ فيستصحب بعد بلوغه، بل المكلف ملزم بالأخذ بأحدهما مخيّرا، و هذا الحكم الإلزاميّ كسائر الإلزاميات لا تحقق‌

38

للمطلق منها في حقه و المعلّق منها غير معلوم، و إلّا فاستصحاب مطلق المحبوبية المستفادة من إطلاق المادة المصححة للعبادة لا تجدي في وجوب البقاء.

السابع: إذا قلنا بوجوب البقاء، فهل يعمّ ما إذا كان الحي أفضل من الميت أو لا؟

و التحقيق أنّ وجوب البقاء إن كان بملاحظة استصحاب الأحكام التقليدية، فهو يقتضي عدم الفرق بين ما إذا كان الحي أفضل أو لم يكن، لما سيجي‌ء في محله من عدم الإطلاق في وجوب تقليد الأفضل حتى يقدم على الأصل، بل القول به لقصور حكم العقل و ما ورد من النقل عن حجيّة فتوى غير الأفضل، فلا معارض للاستصحاب حينئذ.

و إن كان بملاحظة أدلة حرمة العدول عن مجتهد إلى آخر فالعمدة منها بعد استصحاب الحكم المقلّد فيه الذي عرفت حاله قاعدة الاحتياط، و هي هنا معارضة بالمثل، إذ كما لا يقين ببراءة الذّمّة بتقليد الأعلم مع سبق تقليد غيره ميتا كان أو حيا، كذلك لا يقين ببراءة الذّمّة بتقليد الميت المفضول مع وجود الأفضل، و قد مرّ سابقا أنّ من لم يتمكن من تنقيح مسألة البقاء على التقليد نفيا و إثباتا يلزمه الاحتياط في المسألة الفرعية على النهج المتقدم في الفرع الأوّل.

لكن بناء على عدم النّظر إلى مقتضيات الأدلة و ملاحظة ما يستقل به عقل العامي لا مناص من تعيّن الرجوع إلى الأفضل و إن كان الأمر دائرا بين وجوب البقاء و وجوب الرجوع، لأنّ فتوى الأفضل بالنسبة إلى غيره معلومة الحجيّة.

و فتوى الميت مع سبق تقليده بالإضافة إلى الحي و لو في الجملة ليست معلومة الحجيّة، حيث لا خصوصية للسبق في نظر العامي حتى يكون به المسبوق معلوم الحجية، بل فتوى الحي في نفسها بالإضافة إلى الميت معلومة الحجيّة، فينتج تعيّن تقليد الأفضل بحكم العقل و لو مع سبق تقليد الميت.

39

و عن شيخنا العلّامة الأنصاري (1) (قدّس سرّه) في هذا الفرع استحسان العموم في صورتين:

إحداهما: ما إذا كان تقليد غير الأعلم بفتوى الأعلم من الميت و الحي، فإنّ البقاء على تقليده حينئذ داخل في البقاء على تقليد الأفضل من الحي، فيلزمه البقاء على تقليد الميت المفضول بالإضافة إلى الحي.

ثانيتهما: ما إذا قلّد الميت المفضول بسبب فتوى الأفضل من الحي و الميت بحرمة العدول حتى إلى الأفضل، فإنّ البقاء على هذا التقليد أيضا كالسابق بقاء على تقليد الأفضل من الحي في مسألة لازمها البقاء على تقليد المفضول بالإضافة إلى الحي، و أمّا في غير هاتين الصورتين فلا، حيث إنّه لا ينتهي إلى تقليد الأفضل من الحي المفتي بالبقاء.

و التحقيق انّ الكلام في مقتضيات الأدلة و انّها تفيد تقديم دليل وجوب تقليد الأعلم على دليل حرمة العدول و وجوب البقاء أم لا، فتصوّر جواز تقليد غير الأعلم من الأعلم أو حرمة العدول و لو إلى الأعلم من الأعلم، و إن كان يصحّح الفتوى بالبقاء من الأعلم، إلّا أنّه مستلزم للخلف بحسب ما هو المهمّ في المقام و خروج عن مورد الكلام و إن كان حكمه الشرعي ما أفاده (قدّس سرّه).

الثامن: المعروف أنّ حكم صيرورة المجتهد فاسقا أو كافرا أو مخالفا أو مجنونا أو عامّيا حكم موته في وجوب العدول عنه.

و الوجه فيه مضافا إلى ما ادّعى من ظهور الإجماع المركب بل البسيط، ما ذكرنا سابقا في منع إطلاق الأدلّة لجواز تقليد الميت، و هو أنّ ظاهر الأمر بتقليد الفقيه العادل مثلا، إن كان مسوقا لوجوب اتّباع رأيه لا روايته، ثبوت‌

____________

(1) مجموعة رسائل: ص 67.

40

الرّأي المضاف إلى الفقيه العادل حال تعلّق العمل أو الالتزام به، و إلّا كان عملا بغير الرّأي أو برأي غير الفقيه أو برأي الفقيه غير العادل، و مثله غير قابل للإطلاق لصورة زوال الرّأي بالموت أو الجنون أو اختلال الفهم أو لصورة زوال الإيمان و العدالة، ضرورة أنّ المطلق لا بدّ من ثبوته في مراتب الإطلاق، و المفروض أنّ رأي الفقيه العادل هو مورد الأمر بالعمل أو بالالتزام.

نعم التحقيق أنّ الأمر في أصل الرّأي المضاف إلى الفقيه كذلك، لأنّه موضوع وجوب التقليد فزواله بالموت أو الجنون أو بزوال قوة الاجتهاد مساوق لزوال ذات المطلق، و أمّا الإيمان و العدالة الثابتان بدليل منفصل، فلا بدّ من إثبات إطلاق دليلهما في مقام التقييد. بل سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى الإشكال في اعتبار العدالة في حجية الفتوى من حيث نفسها لا من حيث إظهارها، و بذاك الوجه أيضا يمكن الإشكال في اعتبار الإيمان بحيث لو فرض استنباطه من المدارك الشرعية المعمولة على حد ما يستنبطه غيره لم يكن دليل قوي يقتضي إيمانه تعبّدا. فانتظر.

و أمّا قوله (عليه السلام): «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا.» (1)

الخبر. فلا بدّ من حمل الأخذ على معنى يناسب الحكاية و الفتوى، فلا يدل إلا على اعتبار الإيمان ابتداء لا بقاء. إلّا أن يقال إنّ الأخذ إن حمل على التعلّم فلا بقاء له، و اعتبار الإيمان ابتداء في الحكاية و الفتوى مفروغ عنه، و إن حمل على ترتيب الأثر عملا أو التزاما فله بقاء حينئذ، و الأخذ بهذا المعنى يقابل الترك المعبّر عنه في رواية أخرى بقوله (عليه السلام): «ذروا ما رأوا» (2) كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى، و حينئذ فعدم اعتباره بقاء في الحكاية ليس من‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 42.

(2) الوسائل: ج 18، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 13.

41

ناحية عدم البقاء للأخذ بل من ناحية متعلّق الأخذ، فإنّ الحكاية ليس لها زوال و لا بقاء بمعنى وجود ثانوي، بل المضمون بمجرد الخبر عنه صار محكيا عنه مات الحاكي أو جنّ أو فسق أم لا، فالعمل حينئذ عمل على طبق حكاية الحي المؤمن العادل مثلا، بخلاف الرّأي، فإن له زوالا و بقاء، فإذا كان صاحب الرّأي حال العمل به فاسقا أو مخالفا فالعمل عمل برأي الفاسق المخالف و ان كان العمل به سابقا عملا برأي الشيعي العادل، إلّا أنّ الظاهر من هذا الدليل كسائر الأدلة اعتبار الإيمان في الرواية دون الفتوى، كما أنّ ظاهره أيضا اعتباره من حيث الأمن من الخيانة و إظهار غير الواقع بعنوانه كما هو صريح ذيل الخبر، فراجع.

و أمّا قوله (عليه السلام): «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» (1) فمن المحتمل قريبا أن يكون أمرا باتّباع كتبهم مطلقا، لأنّها كتب الرواية، فغرضه (عليه السلام) أنّه لا تضرّ آراؤهم الفاسدة بالعمل بكتبهم فإنّها كتب الرواية، لا أنّ كتبهم مشتملة على الرواية و الرّأي، فيجب الأخذ بما رووا دون ما رأوا، إذ من البعيد جدّاً إعمال الرّأي و النّظر في تلك الأعصار من أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، و منشأ سؤال الراوي احتمال دسّ الأخبار المكذوبة بواسطة سوء عقيدتهم، فأزال الوهم بأنّ خبث آرائهم فعلا لا يضرّ بما رووه حال الاستقامة.

و بالجملة مع عدم الإطلاق في دليل المقيد فمقتضى الاستصحاب ثبوت الحكم السابق كما في البقاء على تقليد الميت، و أمّا على ما حققناه من عدم جريان الاستصحاب فمقتضى الأصل عدم جواز تقليد الفاقد للشروط ابتداء و استدامة، لعدم الإطلاق في دليل التقليد، و إن لم يكن إطلاق في دليل المقيّد أيضا.

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 13.

42

هذا إذا قلنا بأنّ الاعتبار بالموضوع الدليلي في باب الاستصحاب كما قوّيناه في الأصول، و أمّا لو قلنا بالموضوع العرفي فيمكن الفرق بين ما نحن فيه و ما سبق، فان الموت من باب زوال الموضوع عرفا، بخلاف الفسق و أشباهه، فإنّه عندهم من باب زوال وصف الموضوع.

التاسع: لو لم يتمكّن من تقليد الحي فهل له تقليد الميت، أو يتعيّن عليه العمل بالاحتياط،

أو يجب عليه الأخذ ببعض الظنون المعتبرة عند البعض، كالشهرة و الإجماع المنقول و شبههما؟.

و الكلام تارة فيما يستقلّ به عقل العامي، و أخرى في مقتضى الأدلة.

أمّا الأوّل فقد عرفت سابقا أنّ التنزل إلى الاستناد إلى من له الحجة بعد عدم التمكّن من الاحتياط، إمّا لعدم معرفة طريقه أو للزوم الحرج و نحوه، فلا معنى لجعل الاحتياط في عرض التقليد مطلقا، و لا يقتضي ذلك تقدّم رتبته على الاجتهاد أيضا، لعدم الفرق في نظر العقل بين أفراد الحجة القاطعة للعذر علما كانت أو علميا، فيدور الأمر هنا بين تقليد الميت و العمل بالظنون المعتبرة عند البعض لا بمطلق ظنون المقلّد، و حيث إنّ رأي الميت لا حجّية له في نظر العقل ابتداء و إنّما تحتمل حجيّته في هذه الحال، فالعمل بالظنون المعتبرة مقدّم على تقليد الميت لفرض اعتبارها في جميع الأحوال و لو عند البعض، بخلاف رأي الميت فإنّه محتمل الحجيّة في هذا الحال. فعلم مما ذكرنا أنّ اللازم أوّلا هو الاحتياط، و مع عدم التمكن منه يجب العمل بالظنون المعتبرة، و مع عدمها أو عدم التمكّن من تحصيلها يجب تقليد الميت الأوثق فالأوثق من الأموات، و لا بدّ في تمييز الأقوى فالأقوى من الأمارات من اتّباع نظره و اجتهاده دون رأي مجتهده قبل عروض الاضطرار لو فرض سؤال العامي عنه، لأنّ بقاءه على هذا التقليد أول الكلام، إذ المفروض عدم المجتهد الحي في فرض المسألة إذا أريد عدم المجتهد الحي لموته، و أمّا إذا أريد عدم التمكن منه لبعده عن المقلّد فيمكن فرض‌

43

سؤال حكم الواقعة منه قبل البعد عنه كما هو واضح.

و أمّا الثاني و هو مقتضى الأدلة فلا يترتب على تحقيقه ثمرة عملية للعامّي، لما عرفت من فقد المجتهد في الفرض و عدم تمكّن العامي من البقاء على ما يراه الميت مقتضى الأدلّة حتى ينتفع به العامي في صورة الاضطرار إلّا على ما عرفت من بعده عنه.

و مختصر القول في مقتضى الأدلة أنّ اعتبار الحياة في المفتي لو كان بدليل منفصل من إجماع و غيره، أمكن القول بعدم إطلاق في دليل المقيّد، فيؤخذ بإطلاقات أدلّة التقليد، فلا معيّن للاحتياط كما لا مصحح للرجوع إلى الظنون المطلقة مع ثبوت الطريق الخاصّ من قبل الشارع. لكن حيث إنّ أدلّة التقليد كما عرفت سابقا قاصرة عن الشمول للميت، فلا موجب للرجوع إلى الميت فيتعيّن الاحتياط مع الإمكان و إلّا فالأمر كما مرّ، بناء على ملاحظة ما يستقل به عقل العامي.

العاشر: لو تعذّر المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء، فهل يجوز الرجوع إلى الفاقد أو لا؟

و على تقدير الجواز، هل يقدّم الفاقد للبلوغ على الفاقد للحياة أو على الفاقد للعدالة أو الإيمان، أو يقدّم الفاقد لبعضها بالخصوص على الفاقد لبعضها الآخر، أو لا؟.

و التحقيق ما عرفت آنفا من أنّ أدلّة التقليد قاصرة عن شمولها للميت أو للعامّي أو للصغير أو للمخالف. ففي الفاقد لبعضها لا مجوّز للتقليد، و في مثل العدالة في العمل مع الوثوق بفتواه لا دليل إلّا الإجماع لو كان و هو قاصر عن شموله لصورة التعذّر و عدم الإمكان، فالدوران في الجميع إنّما يتحقق فيما إذا فرض الإطلاق لأدلة التقليد و تقييدها بأدلة منفصلة متكفّلة لاعتبار الشرائط المزبورة، و الأمر في العدالة ما عرفت، و كذا في الحياة فإنّ اعتبارها بالإجماع على عدم اعتبار رأي الميت فيقتصر على المتيقّن، و كذا البلوغ. نعم اعتبار الإيمان‌

44

بقوله (عليه السلام): «لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا» (1) و لا بأس بشموله لصورتي الاختيار و الاضطرار، و عليه فيقدّم قول المؤمن على غيره و إن كان واجدا لسائر الشرائط، و أمّا تقديم قول العادل الفاقد للشرائط الأخر على الفاسق الواجد لها و كذا في سائر صور الدوران، فلا مرجّح إلّا بعد الاعتبارات التي لا اعتبار بها.

لكنّك قد عرفت أنّ مقتضيات الأدلّة لا تجدي للعامّي، و المفروض تعذّر الجامع للشرائط، فلا معنى لاتّباع رأي الميت مثلا في اتّباع رأيه أو رأي غيره عند الدوران، كما لا عبرة برأي الفاقد لشرط آخر في اتّباع رأيه أو رأي غيره، و من الواضح أنّه لا خصوصية إلّا للوثوق بالفتوى و الحياة في نظر العامي من دون خصوصية للبلوغ في رجوع الجاهل إلى العالم، و كذا الإيمان مع الأمن من الخيانة، فيقدّم قول الحي الموثوق به على غيره، نعم إن كان رأي الحي الموثوق به الذي هو مرجع بحكم عقل العامي الرجوع إلى البالغ المؤمن، أو إلى الميت الواجد لسائر الشرائط، صحّ اتّباعه حينئذ بتقليد الميت أو غيره مثلا.

تتمّة هل تمضي تصرفات المجتهد بعد الموت مطلقا أو لا؟

ظاهر شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في الرسالة (2) التفصيل بين حكمه و قضائه، و ما يرجع إلى فعله تعالى فيمضي، و ما يرجع إلى فعله كتوكيله و استنابته و قيمومته و توليته فلا يمضي بعد الموت.

و التحقيق أنّ الأمر في التوكيل و الاستنابة كذلك، و أمّا في القيمومة على‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 42.

(2) مجموعة رسائل: ص 70.

45

الصغير مثلا و التولية على الوقف فينبغي أن يقال أنّ الحاكم إذا كان له إعطاء المنصب و هو جعله قيّما و متولّيا فلا يزول بموته، و يكون الفرق بينهما و بين التوكيل و الاستنابة واضحا حيث إنّ صاحب المنصب كالحاكم في كونه قيّما و متولّيا، و إن كان بجعل الحاكم كقيمومة الحاكم بجعله تعالى، بخلاف المتصرّف بالوكالة من قبل الحاكم، فالعمدة هو النّظر في إمكان إعطاء المنصب من الحاكم و عدمه، و ظاهر قوله (عليه السلام): «جعلته حاكما» (1) الملزوم عرفا للولاية على نصب القيّم و جعل المتولّي ثبوت الولاية على إعطاء المنصب كما هو المرسوم في القضاة، و كذا ظاهر القيّم هو صاحب الولاية على التصرّف لا النائب و المأذون من قبل الغير، فجعل القيّم من القاضي كجعله قيّما منه تعالى، و إن كان مقتضى الأصل عدم الولاية له على إعطاء المنصب بل على مجرد التصرّف و لو بالتوكيل، فالأحوط هو استئذان القيّم من المجتهد الحي بعد موت من جعله قيّما مثلا.

مسألة: المشهور وجوب تقليد الأعلم عند الاختلاف في الفضيلة، بل ادّعي عليه الإجماع،

و عن بعضهم عدم نقل الخلاف إلّا عن بعض متأخري المتأخرين. و تحقيق الكلام تارة فيما يقتضيه الأصل، و أخرى فيما تقتضيه الأدلة من النقليّة و العقلية.

أمّا المقام الأوّل: فنقول: الكلام تارة فيما يقتضيه حكم العقل مع قطع النّظر عن مراجعة الأدلة، و بعبارة أخرى فيما يستقلّ به عقل العامي، و أخرى فيما تقتضيه القاعدة بعد الالتفات إلى وجوب التقليد شرعا بلسان الأدلة.

أمّا: ما يستقلّ به عقل العامي، فالأمر دائر بين مقطوع الحجّية و مشكوكها، توضيحه أنّ الحجيّة العقلائيّة عبارة عن تنجيز الواقع و المعذّرية عن الخطأ، و فتوى‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1، بتفاوت يسير.

46

الأفضل منجّزة و معذّرة قطعا، لأنّها حجة إمّا تعيينا أو تخييرا، دون فتوى المفضول، إذ ليس فيها إلّا احتمال الحجّية تخييرا، فيجوز الاقتصار على فتوى الأفضل في الخروج عن تبعة الواقع و إن أخطأت، و لا يجوز الاقتصار على فتوى المفضول.

لا يقال: استحقاق العقوبة على مخالفة فتوى الأفضل بالخصوص غير ثابت، لاحتمال حجيتها تخييرا، بل العقاب على مخالفتها و مخالفة عدلها، فمع موافقة عدلها لا عقاب.

لأنّا نقول: عدم العقاب عليها بالخصوص لا يجوّز الاقتصار على غيرها، إذ لا يجوز الاقتصار إلّا على ما يقطع بأنّه معذر عند الخطأ، و ليس ذلك إلّا شأن مقطوع الحجية.

و منه تعرف أنّ أصالة البراءة عن العقوبة على مخالفة فتوى الأفضل لا تجدي في جواز الاقتصار على فتوى المفضول، لأنّ جواز الاقتصار أثر القطع بالمعذّرية لا أثر عدم العقاب على مخالفة فتوى الأفضل بالخصوص. توضيحه أنّ الواقعيات حيث إنّها منجّزة بالعلم بها، و لا يمكن امتثالها على وجه يقطع ببراءة الذّمّة عنها، فلذا حكم العقل بالتنزل إلى الاستناد إلى الحجة أو إلى من له الحجة، فتطبيق العمل على فتوى المجتهد يوجب براءة الذّمّة عن الواقع، و مع عدمه فلا عقاب إلّا على الواقع، و لذا لو أتى به من دون مراجعة المجتهد، بل و لو كان مخالفا لفتواه واقعا لم يكن عليه عقاب مخالفة الواقع، و عليه فلا عقاب على مخالفة الأفضل بما هي، بل و لا على مخالفة المفضول أيضا إذا أتى بالواقع الخارج عن فتواهما، فليس أثر القطع بعدم ترتب العقاب على مخالفة فتوى الأفضل بالخصوص براءة الذّمّة عن تبعة الواقع مع موافقة المفضول، نظرا إلى أنّ الواقع لو كان في مؤدّى فتوى المفضول فقد أتى به و إن كان في فتوى الأفضل فالمفروض البراءة عنه و إن كان خارجا عنهما فهو لا منجّز له، مع أنّ لازمه‌

47

تسليم الإشكال في صورة دوران أمر الواقع بين فتوى الأفضل أو المفضول، و هذا مدفوع بما مرّ آنفا من أنّ الواقع منجّز على أي حال، فيجب عقلا إمّا إتيانه أو إتيان ما جعل امتثالا له، و المقتصر على فتوى المفضول لم يأت بالواقع و لا بما يقطع بأنّه امتثال جعلي للواقع، فأيّة فائدة في القطع بعدم ترتب العقاب على ترك موافقة الأفضل بالخصوص. نعم لو قطع بعدم ترتب العقاب على عدم إتيان الواقع في ضمن فتوى الأفضل، و كان أمره دائرا بين أن يكون في ضمن فتوى الأفضل أو المفضول صحّ ما ذكر، لكنّه ليس كذلك، لعدم الشكّ في تنجّز الواقع، فاللازم إمّا إتيانه بنفسه أو بما هو امتثال له جعلا.

كما أنّه يتضح بالتأمّل فيما ذكرنا حال أصالة عدم اعتبار المزيّة و عدم المرجّحية و حكومتهما على أصالة عدم حجيّة المرجوح، لأنّ عدم اعتبار المزيّة و عدم المرجّحية لنفي العقاب على مخالفة فتوى الأفضل لا يجدي فيما هو المهمّ هنا، و هو جواز الاقتصار على متابعة فتوى المفضول في العذر عند الخطأ، كما أنّه لا يوجب عدم كون فتوى الأفضل مقطوعة الحجّية المترتب عليه جواز الاقتصار عليها، فان كونها معلومة الحجية وجداني، لتقوّمه باحتمالي الحجّية تعيينا أو تخييرا، و حجّية فتوى الأفضل تعيينا واقعا و إن كانت لأجل المزيّة الموجودة فيه شرعا، لكن المؤثر في حكم العقل بالمعذّرية قطعا كونها معلومة الحجية المتقوّم بالاحتمالين المفقود في فتوى المفضول. و منه تبيّن حال الحكومة و انّ الشكّ في حجيّة فتوى المفضول ليس مسببا عن اعتبار المزيّة الموجودة في الأفضل شرعا، بل لعدم ما يوجب حجيتها على أي تقدير.

و أمّا ما يقتضيه الأصل بعد الالتفات إلى وجوب التقليد شرعا فهو أنّ الحجّية لو كانت بمعنى جعل الحكم المماثل على طبق ما أفتى به المفتي لمصلحة فيه بهذا العنوان، فالأمر دائر بين التعيين و التخيير، أو بين المتزاحمين، أو من باب دوران الأمر بين المحذورين، و أوسطها الوسط.

48

بيانه: انّ حكم الشارع على أي حال تعييني لا تخييري و لا مردد بينهما، حتى يقال إنّ الخصوصية كلفة زائدة فتجري فيها البراءة، أو أنّ الطلب فعلي في المعيّن و الشكّ في الخروج عن العهدة بالآخر فيجري الاشتغال، و لا ريب أيضا على الفرض في كون الحكم المماثل في كلا الطرفين ذا ملاك ملزم لا قدرة على تحصيلهما، إمّا من جهة تضادهما ذاتا، أو من جهة تضادّ الالتزامين بحكمين، بناء على انّ التقليد بمعنى الالتزام بالحكم، و ليس في أحدهما ما يوجب العقاب على تركه بالخصوص، لأنّ احتمال الأهمية من حيث الملاك لا يوجب إلّا احتمال فعلية الطلب في محتمل الأهميّة، و هو لا يوجب احتمال العقوبة، لأنّه عقاب بلا بيان، فالأهمّية الواصلة ملاك الطلب الفعلي، فاحتمال الأهمّية لا يوجب التعيين في نظر العقل حتى يكون الطلب في محتمل الأهمّية فعليا على أي تقدير.

فان قلت: مانعية أحدهما بالخصوص عن فعلية الآخر بالخصوص محتملة، لاحتمال المزيّة، بخلاف الآخر، حيث لا تحتمل مانعيته بالخصوص عن محتمل الأهمّية، و نتيجتها حينئذ هو القطع بفعلية محتمل الأهميّة.

قلت: احتمال الأهمّية يسقط الآخر عن القطع بالمانعية لا عن احتمالها، لاحتمال عدم المزيّة، فيدور الأمر بين ما يقطع بثبوت مقتضية مع القطع بمانعه و ما يقطع بثبوت مقتضية مع احتمال مانعه، فعلى أي تقدير لا قطع بالحكم الفعلي في شي‌ء منهما بالخصوص.

لا يقال: منشأ احتمال الأهمّية إذا كان احتمال شدة الملاك فلا تجري البراءة، لأنّ التعيينية جهة محتملة في الحكم الفعلي المقطوع و الجهة غير قابلة للرفع، و أمّا إذا كان منشأه احتمال ملاك آخر فهو منشأ احتمال حكم فعلي تعييني زيادة على الحكم المنبعث عن الملاك المشترك فتجري فيه البراءة.

لأنّا نقول: حقيقة الحكم إن كانت هي الإرادة، فلا محالة تشتدّ بوجود ملاك شديد أو بوجود ملاكين، لاستحالة تعلّق إرادتين بمراد واحد، فلا فرق‌

49

بين تعدد الملاك و شدّته، و على أي حال الإرادة غير قابلة للرفع، حيث إنّها صفة نفسانية قهرية توجد بمبادئها لا بالاختيار، فلا وضع لها و لا رفع فضلا عن رفع شدّتها، و استصحابها بحدها الضعيف إنّما يجدي لو ترتب عليها أثر شرعي مع سبق اليقين بحدّها الضعيف و احتمال تبدله بالقوي، لا ما إذا دار الأمر بين القوي و الضعيف من الأول، و إن كان الحكم هو البعث الاعتباري المنتزع من الإنشاء بداعي جعل الداعي فهو غير قابل للشدة و الضعف، فشدة الملاك و تعدده في عرض واحد لكنه كالإرادة في عدم تعقل تعلّق بعثين بموضوع واحد، و حيث إنّ المفروض تماميّة مقتضى الحكمين الفعليين في الطرفين، غاية الأمر إنّهما حكمان فعليان يجوز ترك كل منها إلى بدل عقلا، فمع ثبوت الحكم الفعلي في المورد لا يعقل حكم فعلي آخر بملاك آخر، فمرجع احتمال الأهمية مطلقا إلى احتمال تعيينية هذا الحكم الفعلي بالخصوص، و بعبارة أخرى صيرورة الفعلي التعييني بذاته تعيينيا بالفعل لعدم المعارض، فلا يحتمل حكم فعلي حتى يرفع.

نعم رفع العقاب عن هذا المحتمل بالخصوص عقلا و نقلا أمر ممكن، و ليس المقام على الفرض مقام التوصل بالطريق في تحصيل الواقع المردد كما كان بناء على الطريقية، حتى لا تجدي أصالة البراءة في جواز الاقتصار على مشكوك الحجيّة و الطريقيّة، بل الطلب الخطابي بالإضافة إلى كلّ واحد ثابت، و فعليّتهما معا غير معقول، لعدم القدرة على امتثالهما، و أصالة البراءة عن العقوبة على ترك كلّ منهما بالخصوص محكمة، فيحكم العقل بالتخيير، لما عرفت من أنّ مجرّد احتمال الأهمية لا يخرجهما عن التساوي، لعدم احتمال العقوبة على ترك المحتمل بالخصوص. فالأقوى حينئذ هو التخيير بين تطبيق العمل على فتوى الأفضل و فتوى المفضول على خلاف المبنى الأوّل.

و عن بعض الأعلام أنّ التخيير هنا من باب التخيير بين المحذورين، إذا‌

50

كان فتوى أحدهما الوجوب و فتوى الآخر الحرمة فلا مجرى للبراءة، و حينئذ فيتوقف العقل عن الحكم بالتخيير مع احتمال التعيين. و هو غير وجيه سواء قلنا بالطريقية أم بالسببيّة:

أمّا على الأوّل، فلأنّ التخيير بين الفعل و الترك عقلا ليس بملاك لزوم الموافقة الاحتمالية، حتى يقال بتوقف العقل عن الحكم بالتخيير مع احتمال الأهمّية في أحد الطرفين، بل الموافقة الاحتمالية قهرية، و المراد من حكم العقل بالتخيير مجرد إذعان العقل و تصديقه بأنّه لا حرج في فعله و تركه، لعدم تنجّز التكليف المعلوم، لعدم القدرة على مراعاته، فالعلم بالأهمّية غير موجب للتعيّن فضلا عن احتمالها.

و أمّا على الثاني: فلأنّ المقتضي للموضوعية و السببية هنا ثبوت الملاك لكلا الحكمين، فالتخيير عقلي، لعدم القدرة على إحراز الملاكين الملزمين في ذاتهما، بخلاف دوران الأمر بين المحذورين، فإنّه لا علم إلّا بتكليف واحد، حيث لا موجب لفعليتهما في حد ذاتهما، فلا مجال للتخيير العقلي بالمعنى المعروف.

ثمّ إنّ فائدة هذا الأصل بعد الأصل الأوّلي إنّما تظهر للمفتي لا للعامّي، فله أن يفتي العامي بالرجوع إلى غير الأفضل إذا لم يجد دليلا على تعيّن الأفضل.

و أمّا المقام الثاني: فقد استدل لتعيين الأفضل بوجوه: منها: مقبولة عمر بن حنظلة (1) الآمرة بالأخذ بالأفقه عند الاختلاف، و الاستدلال بها من وجهين:

أحدهما من جهة الملازمة بين الحكم و الفتوى، مع تسليم اختصاص موردها بالحكم كما ادّعاها جماعة.

و ثانيهما من جهة شمول الحكم بنفسه للفتوى، بدعوى أنّها و إن كانت في‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

51

قبال الحكم اصطلاحا إلّا أنّه يعمّها عرفا، كما في قوله تعالى «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ.»* (1) الآية، خصوصا بملاحظة أنّ المورد شبهة حكمية، و لذا اختلف الحكمان مستندين إلى حديثين مختلفين، فالفصل انّما كان بفتويين متعارضتين لخبرين مختلفين، مضافا إلى أنّ الترجيحات المذكورة في المقبولة مناسبة للفتوى دون الحكومة بما هي، كالترجيح بالأفقهيّة و الأصدقيّة و غيرهما، فإنّها لها دخل في استنباط حكم المنازعة من الأخبار.

و الجواب عن الوجه الأوّل: انّ اعتبار الأفضلية في مقام الحكومة لا يوجب اعتبارها بوجه في مورد الفتوى، مضافا إلى أنّ اعتبارها في صورة الحكم على الخلاف غير اعتبارها بمجرد الاختلاف، فكما أنّ الترجيح بموافقة الكتاب و الشهرة و مخالفة العامّة إنّما هو بعد الحكم على الخلاف لا لمجرد الاختلاف، بداهة نفوذ الحكم و إن كان فتوى غير الحاكم على خلافه مع موافقته لما ذكر من المرجحات من دون توقيف حكمه و الرجوع إلى غيره، كذلك الترجيح بالأفقهية و الأعدلية، فالكل ليست من المرجحات الابتدائيّة. و بالجملة لا موجب للملازمة في نفسها بين الحكم و الفتوى، و لذا يجوز ترافع المجتهدين إلى ثالث و لا يجوز تقليد المجتهد لغيره، كما أنّه يجوز الإفتاء بالخلاف على فتوى الآخر و لا يجوز الحكم بالخلاف على حكم الآخر، و الإجماع على الملازمة بين لزوم الرجوع إلى الأفضل و لزوم الترافع عنده غير مسلّم و عهدته على مدّعيه، و على فرض ثبوته لا دلالة للمقبولة على لزوم الترافع عند الأفضل حتى يجب تقليده بالإجماع على الملازمة.

و عن الوجه الثاني: انّ الحكم و إن كان شرعا في نفسه كذلك، إلّا أنّ الحكم في المقبولة مناسب لفصل الخصومة في مورد الترافع دون الفتوى، لوضوح إرادة‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 44، 45، 47.

52

الحكم بمعناه الاصطلاحي من قوله (عليه السلام): «و ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا و إن كان حقه ثابتا (1)» إلى غير ذلك من الشواهد الموجودة في المقبولة الدالة على أنّ موردها الترافع و التنازع و فصل الخصومة بالحكومة، و كون المورد شبهة حكمية لا ينافي إرادة الحكم في قبال الفتوى، و كون فصل الخصومة في الشبهة الحكمية بالفتوى غير مسلّم في الصدر الأول و لا المقبولة ظاهرة فيه، بل الظاهر فصل الخصومة بنفس نقل الرواية، و لذا أمر السائل بالتحرّي و النّظر في مستندهما بما لا يصحّ في باب الفتوى مع الاختلاف كما عرفت آنفا، و الأمر بالترجيحات ليس بملاحظة الفتوى، بل بلحاظ الرواية التي نقلت في مقام فصل الخصومة.

فإن قلت: الترجيح بالأفقهية يناسب الإفتاء المترتب على الاستفادة، و حيث إنّ الحكم بالإفتاء، و الإفتاء بنقل الرواية، فلذا ناسب الترجيح بالأفقهية المناسبة للفتوى و الأصدقيّة و المرجحات الخبرية المناسبة لنقل الرواية.

قلت: لعل الترجيح بالأفقهيّة أيضا لنقل الرواية، حيث إنّها غالبا منقولة بالمعنى، فيتفاوت النقل وضوحا و خفاء بالفقاهة و الأفقهيّة، فتدبّر جيّدا.

مضافا إلى أنّ الترجيح بالأفقهيّة و غيرها في مرحلة الفتوى الصادرة في مقام رفع الخصومة لا يقتضي الترجيح في مقام آخر.

و منها: أنّ فتوى الأفضل أقرب من غيرها جزما فيجب الأخذ بها عند المعارضة عقلا.

و أجيب عنه صغرى و كبرى:

أمّا صغرى فلأنّ فتوى غيره ربما تكون أقرب لموافقتها لفتوى من هو أفضل منه من الأموات، بل ربما تكون موافقة لفتاوى جملة من الأحياء، فيكون الظنّ بها أقوى‌

____________

(1) أصول الكافي: ج 1، ص 67، ح 10.