التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج1

- حسن المصطفوي المزيد...
407 /
5

الجزء الأول

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

[المقدمة]

إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ ... الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ*، و الصلوة و السّلام على أشرف بريّته خاتم النبيّين أبي القاسم محمّد و آله الطاهرين.

رَبِّ إِنِّي لِمٰا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.

و بعد: فلمّا كانت الاستفادة من الحقائق و المعارف و الأحكام و الآداب من القرآن المجيد، متوقّفةً على فهم مفردات كلماته على وجه التدقيق و التحقيق:

فيلزم علينا أن نجهد في إدراك حقائق تلك الكلمات و اللغات، و التمييز بين مفاهيمها الحقيقيّة و المجازيّة.

و كانت الكتب المؤلّفة في لغات العرب مختلفة، و أكثرها ما ألّفت و الغرض فيها جمع الأقوال و الاشارة الى مطلق موارد الاستعمال بأيّ وجه كان، فهذه الكتب لا تغني من الحقّ شيئاً، و لا تزيد إلّا ضلالًا و تحيّرا في كلمات اللّه تعالى.

و من فضل اللّه المتعال و تأييده: أن وفّقنى لتأليف هذا الكتاب الشريف بهذا المنظور، و على هذه الخصوصيّات:

1- اعتمدنا في نقل اللّغات على كتب الّفت على مبنى الدقّة و تمييز الحقيقة و التكنّه و التحقيق و إيراد الصحيح، كالصحاح و المقاييس و الاشتقاق و المصباح و‌

6

التهذيب و الجمهرة و العين و أمثالها.

2- و نقلنا عمّا يقرب منها في الدقّة و التحقيق، تأييدا و توضيحا، كالأساس و الفائق و المفردات و اللسان.

3- رمزنا عن الكتب الّتى ننقل عنها كثيرا، للاختصار، و أشرنا اليها في آخر الكتاب.

4- و كان نقلنا عن الكتب بمقدار حاجتنا من دون تغيير و زيادة، و أسقطنا منها ما لم تمسّ الحاجة اليه.

5- و كتبنا ما ننقل من كلمات القوم بخطّ النسخ: و ما يضاف إليها و يلحق بها من التوضيح و التحقيق و التفسير بخطّ النستعليق. في الطبعة الاولى، و ميزّنا بينهما بعلامات في الطبعة الثانية.

6- و احترزنا في التعليق و البيان عن التطويل، و عن نقل ما هو خارج عن موضوع بحثنا، و عن المكرّرات.

7- و كان اعتمادنا في تعيين الآيات على كتاب المعجم المفهرس، في أكثر الموارد، و قد نقلنا عن سائر، المصاحف المصريّة في بعض الموارد.

8- و لم يكن غرضنا من تأليف هذا الكتاب: إلّا التحقيق و الكشف عن المعاني الحقيقيّة للكلمات، و اجتهدنا غاية الاجتهاد و بذلنا نهاية وسعنا و استمددنا من الآيات الكريمة، و تعرّضنا للفيوضات الإلهيّة و الإلهامات الربّانيّة فيها، فنحمد اللّه تعالى على ما هدانا و ألهمنا. وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلّٰا بِاللّٰهِ العزيز الحكيم.

9- و لمّا تبيّن الحقّ في كلمة: طبقناه على موارد استعمال تلك الكلمة في الآيات الكريمة، ليظهر الحقّ و يزهق الباطل.

10- و إذا ظهر الأصل الواحد في مادّة: أرجعنا سائر المعاني المجازيّة و المستعملة اليه، و بيّنا وجه المناسبة بينها.

11- و حيث تبيّن الحقّ: لم نتعرّض لما في كتب اللغة و التفسير و الأدب‌

7

من جهات الضعف و الوهن و الانحراف.

12- و في إثر هذه الدقّة و التحقيق: قد اتّضحت حقائق لامعة و معارف حقّة و لطائف شريفة و أسرار مكنونة قد خفيت على اكثر المفسّرين و اشتبهت عليهم.

و الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ ...، وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلّٰا بِاللّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ.

الطبعة الاولى- طهران- 1393 ه‍. ق.

حسن المصطفوي‌

8

«تنبيه و اعتذار»

لمّا كانت كتابة هذه المجموعة و تأليفها مسودّة و مبيضّة، في نسخة واحدة و ذلك لضيق المجال، فنرجو من إخواننا الكرام الفضلاء أن يسامحونا فيما يروا فيها من وهن أو خطأ في كتابة أو عبارة.

ثمّ جدّدنا النظر في الجملة، و أصلحنا ما كان محتاجا الى الإصلاح و التغيير في الطبعة الثانية. و نرجو إتمام الإصلاح بنظر الأفاضل الكرام من المحقّقين.

المؤلّف‌

[ملاحظات]

و يلزم علينا أن نشير الى مطالب لا بدّ من التوجّه اليها في مطالعة هذا الكتاب، و هي امور:

1- إنّ الترادف الحقيقيّ بمعنى توافق اللفظين في معنى واحد من جميع الخصوصيّات: غير موجود في كلمات العرب، و لا سيّما في كلمات القرآن الكريم. و لكلّ من الألفاظ المترادفة ظاهرا خصوصيّة يمتاز بها عن نظائرها. و قد أشرنا الى تلك الخصوصيّات الفارقة في ضمن كلّ لغة إجمالًا.

2- موادّ الألفاظ و هيئاتها توجبان خصوصيّة و امتيازا في معانيها و لا يبعد أن ندّعى بأنّ دلالة الألفاظ ذاتيّة في الجملة، و إن عجزت أفهامنا عن إدراكها تفصيلا، كما أنّ اختلاف الأشكال و ظواهر الأبدان يدلّ على اختلاف البواطن و‌

9

الصفات، و إن لم ندركها بحقائقها، و يشهد على ذلك علم القيافة و الفراسة و خطوط الكفّ.

3- الاشتراك اللفظيّ بمعنى كون لفظ مشتركا بين معنيين أو معاني بنحو الدلالة الحقيقيّة و عند قوم معيّن: غير موجود في كلمات العرب، و لا سيّما في كلمات القرآن الكريم. و كلّما يدّعى كونه منه إمّا من باب الاشتراك المعنويّ، أو من باب الاستعمال في المصاديق و هذا هو الأغلب، أو مأخوذ من لغة اخرى و الغالب فيها هو العبرىّ ثمّ السريانىّ، أو منقول عن قوم آخرين و مستعمل عندهم.

4- و لمّا كان استعمال الكلمات في القرآن الحكيم بقيد الحكمة و التوجّه الى خصوصيّات الكلمة و اللطائف المخصوصة بها، بحيث إن وضعت كلمة اخرى أيّ كلمة مكانها فاتت تلك الخصوصيّة: فلا يجوز التسامح في بيان معانيها و الاكتفاء فيها على شاهد من كلمات العرب في الجملة، مع أنّ المجاز متداول في جميع اللغات إن لم يكن غلطا، و لا سيّما في الأشعار فإنّ التقيّد بوزن مخصوص و قافية معلومة يوجب التسامح في استعمال الكلمات، حتّى يرتفع المضيق و الاضطرار في الوزن.

5- فظهر أنّ استعمال كلمة في معنى، في كلمات اللّه و لا سيّما في القرآن الحكيم الوارد على سبيل الإعجاز: دليل على الحقيقة، و لا يعارضها ما في معاني كلمات العرب من شعرهم أو نثرهم، فانّ التجوّز فيها شايع كثير، و إنّهم يتسامحون في اطلاق الكلمات بأيّ علاقة. نعم يستنتج من استقصاء الاستعمال في كلماتهم و التحقيق من موارده، تعيين الحقيقة و الأصل الواحد في الكلمة حتّى يرجع اليها سائر المعاني المناسبة.

6- و مراجع تحقيقنا في استخراج الأصل الواحد في كلّ كلمة: الكتب المستندة المعتبرة المؤلّفة في القرون الأوّليّة على هذا الترتيب:

فأوّلًا- التهذيب لأبي منصور الأزهرىّ- 282- 370 ه‍، و العين للخيل المتوفّى سنة 175- ه‍.

10

و ثانيا- معجم مقاييس اللغة لابن فارس المتوفّى 395 ه‍.

و ثالثا- الجمهرة، و الاشتقاق لابن دريد- 223- 321 ه‍.

و رابعا- صحاح اللغة للجوهريّ، و مصباح اللغة للفيّومى.

و خامسا- أساس البلاغة، و الفائق للزمخشريّ المتوفّى 583- ه‍.

و سادسا- لسان العرب لابن منظور 630- 711 ه‍.

و سابعا- المفردات للراغب الاصبهانيّ المتوفّى 565 ه‍.

ثمّ استفدنا في مقام طلبتنا عن سائر كتب اللغة: كفروق اللغة للعسكرىّ، و كتاب الأفعال لابن القطّاع، و كليّات أبى البقاء الكفويّ، و المعرّب من الكلام للجواليقيّ، و فقه اللغة للثعالبيّ، و غيرها كالقواميس العبريّة و غيرها.

7- و قد نقلنا من هذه الكتب ما يفيد في تحصيل غرضنا و استنتاج مقصدنا، و مقدار ما يلزم نقله في إفادة المطلوب، أو ما فيه فائدة أدبيّة مربوطة، و لم نلتزم نقل جميع ما في الباب، و لا سيّما من المفصّلات كالتهذيب و اللسان، و لكنّا نقلنا منها عين ألفاظها و عباراتها من دون تحريف و تبديل و تغيير و زيادة.

8- و قد استفدنا في كلّ كلمة بعد مراجعة تلك الكتب: عن موارد استعمال الكلمة في القرآن الحكيم، و كان هذا النظر هو المهمّ المنتج، و لا عجب فيه فانّه كلام اللّه العزيز العليم، لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ تنزيل من ربّ حكيم عظيم.

9- و استفدنا من كتب الأدب و الإعراب و الاشتقاق للعلماء المتقدّمين كأدب الكاتب و الكافيّة و الشافيّة و كتب الزمخشري و الكتاب لسيبويه و أشباهها، و لا سيّما في الاشتقاق من المشتقّات و المقالات للعلّامة المحقّق التبريزي (رضوان اللّه عليه).

10- فليراجع في معاني الهيئات الى فهرس المجلّد الأوّل و سائر المجلّدات.

[البحث في بعض موضوعات مذكورة في الكتاب]

و قد سأل منّى بعض فضلاء الأصدقاء المعظّمين أن أشرح لهم بعض‌

11

موضوعات مذكورة في الكتاب، و أوضح بعض مطالب من مبانى مخصوصة في هذا التأليف، فامتثلت أمره و أنجحت مأموله و أجبت مسؤوله بقدر الميسور، و منه التأييد.

الأوّل- الاشتقاق ينقسم على أقسام:

1- الاشتقاق الصغير أو الأصغر-

هو أن يشتمل الفرع على أصول حروف الأصل مع محفوظيّة الترتيب بينها، كاشتقاق الأفعال و الصفات عن المصدر، كما في الضرب و ضرب و يضرب و اضرب و ضارب.

2- الاشتقاق الكبير،

و قد يعبّر عنه بالصغير: و هو أن يشتمل الفرع على اصول الأصل فقط و لا يلاحظ فيه ترتيب الحروف، كما في حمد و مدح، و جذب و جبذ، و غرد و رغد.

3- الاشتقاق الأكبر،

و قد يعبّر عنه بالكبير: و هو ما لا يشتمل على شي‌ء منهما، فليست حروف الأصل مضبوطة في الفرع و لا محفوظة الترتيب، و لكن يوجد تناسب بينهما في اللفظ و المعنى، كما في خبت و خبط و خفت و خفي و خبل، فيستفاد منها مفهوم الانخفاض. و هكذا في الغور و الغوض و الغوص و الغوط و الغيب، فيستفاد منها مفهوم الدخول و الورود.

و البحث في علم الصرف إنّما هو في الاشتقاق الصغير.

4- الاشتقاق الانتزاعىّ:

و هو اشتقاق عن موادّ جوامد تعتبر فيها جهة حدث انتزاعيّة في جهة من الجهات توجب صحّة الاشتقاق منها، كالخروج عن شي‌ء، و الورود و الدخول فيه، و العروض لشي‌ء، و الاتّصاف به.

و القاعدة الكليّة في جعل مصدر انتزاعيّ: هو إلحاق ياء مشدّدة مع هاء المصدريّة في آخر الكلمة، و تفيد حينئذ انتساب شي‌ء الى نفسه، و بذلك تخرج عن الجمود و يتحصّل في مفادها تحليل و تفكيك، كالرجليّة.

فهذه أنحاء الاشتقاق، و في التوجّه اليها، و ملاحظة خصوصيّة كلّ منها: تأثير كلّىّ في معرفة حقائق المعاني، و لا يتمّ الوصول إليها إلّا بالاطلاع التامّ و المعرفة‌

12

الكاملة بخصايصها و آثارها.

فيلزم لمن يريد السلوك في هذه المرحلة: أن يعرف خصوصيّات كلّ نوع من أنواع الاشتقاق و أن يتوجّه الى خصوصيّات الصيغ و معانيها.

الثاني- الأصل الواحد:

الأصل الواحد هو المعنى الحقيقىّ و المفهوم الأصيل المأخوذ في مبدأ الاشتقاق، الساري في تمام صيغ الاشتقاق.

و ممّا ينبغي أن يتوجّه اليه: أنّ مفاهيم صيغ المشتقّات لا يصحّ أن يكون مخالفا أو ضدّا أو مغايرا هذا الأصل الواحد الثابت الأصيل، فانّ تطوّر الهيئات و اختلافها لا يوجب تغايرا و اختلافا في أصل المعنى الحقيقي، و إنّما يضاف إلي ما يستفاد من تطوّر الهيئة.

و قد أشرنا الى خصوصيّات معاني الهيئات المشتقّة في خلال المجلّد الأوّل و سائر المجلّدات.

و هذا المعنى أصل مسلّم قطعىّ لمن يريد التحقيق في تعيين الأصل الواحد، و ردّ جميع مشتقّات الكلمة و فروعها الى ذلك الأصل، و قد خفي هذا المعنى على أغلب أهل التأليف من اللغويّين و الأدباء و المفسّرين.

و أمّا تعيين الأصل الواحد و انتخابه في كلمة:

فأوّلا- بالمراجعة الى كتب في اللغة تتعرّض و تتوجّه الى المعاني الحقيقيّة، و تميّزها عن المجازيّة و لو إجمالًا، كما في مقاييس اللغة و أساس البلاغة.

و ثانيا- بالمراجعة الى معاني اللغة في المعاجم المعتبرة و تمييز ما هو الغالب و الشائع استعمالا في صيغة المشتقّة و ما يكون مرادا عند الإطلاق.

و ثالثا- بالمراجعة الى جميع موارد استعمالها و استقصاء معانيها، ثمّ استخراج ما هو الجامع بينها و الضابط لها و ما يناسب كلّا منها.

و رابعا- بالمراجعة الى كلمات يراد فيها ظاهرا و التمييز بينها و تعيين‌

13

خصوصيّة كلّ منها، حتّى تتعيّن خصوصيّة كلّ لغة منها و امتيازها من بينها.

و خامسا- بالمراجعة الى موارد استعمال المادّة في القرآن الكريم و الدقّة و النظر الخالص فيها، و تحصيل ما هو الجامع بينها و الصادق حقيقة على جميعها، بحيث لا يبقى تجوّز و لا التباس، فانّ الألفاظ القرآنيّة إنّما استعملت في المعاني الحقيقيّة.

و لا يخفي أنّ المهمّ الأصيل في جميع هذه المقامات: هو التوجّه الخالص و الذهن الصافي و القلب المنوّر و النفس المطهّر من الأرجاس و الكدورات، حتّى يهديه اللّه بفضله و رحمته و منّه الى ما هو الحقّ، و يرشده الى الحقائق و اللطائف المكنونة.

الثالث- الدلالة الذاتيّة:

و منظورنا من هذه الكلمة: وجود تناسب بين حروف الكلمة و تركيبها و هيئتها و بين معناها المفهوم منها حقيقة، و هذا التناسب ارتباط مخصوص بينهما، كتناسب مخصوص بين الروح و الجسد، و الصفات النفسانيّة و الصورة، و صورة البدن و حركاته و خصوصيّة صوته، و هكذا جميع المراحل الوجوديّة.

و يدلّ على هذا المعنى امور:

الأوّل- تحقّق النظم الكامل في جميع مراتب العالم، و للألفاظ سهم من الوجود، و النظم سار في قاطبة مراحل الوجود، و التناسب سنخ من النظم.

الثاني- أنّ وضع اللفظ لمعنى إمّا بأمر معنوىّ الهىّ أو بارادة الواضع، فالتناسب في الصورة الاولى لا بدّ منه، و في الثانية أيضا: لا ينفكّ إرادته عن إرادة اللّه بالكليّة، فانّ الأمر بين الأمرين.

الثالث- أنّ انتخاب لفظ لمعنى مخصوص لا بدّ أن يكون بعد تصوّر المعنى ثم وضع لفظ مناسب راجح في مقابله، لئلّا يلزم الترجيح بلا مرجّح.

الرابع- سريان نفوذه تعالى و جريان سلطانه و قدرته و حكمه في جميع أطوار الوجود و في جميع مظاهر التكوين و مجالي الخلقة، و الألفاظ من مجالي الخلقة.

الخامس- هذا المعنى مرتبط بتوحيد الأفعال أيضا.

14

و لا يخفي أنّ المراد هو التناسب في الواقع و في نفس الأمر، و ليس بلازم أن نطّلع عليه و أن نعرفه، كما في سائر موارده.

ثمّ إنّ هذا الامر جارٍ في كلمات سائر انواع الحيوان، فهي أيضا تجليّات من مقاصدهم الباطنيّة و ممّا يريدون تفهيمه و إظهاره، و أنّها مضبوطة غير مختلّة، و جارية على قوانين كليّة، و لذا ترى تحقّق التفهيم و التفهّم بينهم.

و يدلّ على هذا المعنى: ما في الاشتقاق الكبير و الأكبر، من تقارب المعاني و تشابه المفاهيم و اشتراكها في جامع، كما في الخسر و الخسّ و الخسق، المشتركة في المحدوديّة و الضعف، و الخبن و الخبأ و الخدر و الخلب و الخمن و الخفي، المشتركة في السرّ و الخفاء.

و قد أشرنا في مطاوى مطالب الكتاب: أنّ ذوات الحروف و كيفيّة تركيبها و حركاتها و هيآتها لها تأثير مخصوص في خصوصيّات المعاني، و كثيرا ما فتترق و تختلف معاني الكلمات المتشابهة بهذه الخصوصيّات اللفظيّة، و هذا المعنى ظاهر جدّا في الكلمات المشتقّة بالاشتقاق الصغير. و هذا بحث طويل.

فظهر إجمالًا: أنّ للذوق و التدبّر و الدقّة في ظواهر الكلمات تأثيرا في تشخيص الأصل الواحد و تعيينه و تمييز خصوصيّاته.

الرابع- و أمّا حصر استعمال- كلمات القرآن في الحقائق:

فإنّ اللّه عزّ و جلّ محيط حكيم عالم، و علمه حضوريّ لا يحتاج الى تحصيل و فكر و حصول و إحضار، و الأبعاد الزمانيّة و الحدود الشخصيّة و التشخّصات المميّزة في ساحة جبروته تعالى منتفية، سبحانه و تعالى عمّا يوصف- يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لٰا يُحِيطُونَ بِشَيْ‌ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلّٰا بِمٰا شٰاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ.

فجميع الكلمات عنده تعالى حاضر مشهود، و ليس واحد منها أقرب و لا آنس في مقام علمه و إحاطته من كلمة أخرى.

فإذا شاء تعالى أن يتكلّم بألفاظ و ينزل آيات منه على صورة كلمات و‌

15

جملات: فيقتضى حكمته و إتقانه أن يختار ما هو الحقيقة و يستعمل ما هو أدلّ على المراد، فيعرّف المنظور على ما هو عليه من الخصوصيّات و الدقائق و اللطائف.

فانّ التسامح و عدم الدقّة في استعمال الكلمة في موضعه و مورده الحقّ و مقامه الصحيح: يوجب محو ما فيه من اللطف و الخصوصيّة الفارقة، فينحرف الحقّ عن مقامه، و يختلط الحق بالباطل، و يشتبه المراد على العبيد، و يوجب الضلال و الخسران و الغواية.

ففي هذه الصورة: لا يزيد القرآن إلّا مزيد ريب و ضلال، و لا ينتج إلّا توارد الاشكال و الاعتراض، فيستدلّ كلّ قوم على ما يريده بتأويله، و يتمسّك كلّ فرقة باطلة على طبق رأيه بتفسيره، و ليس هذا إلّا إغراء بالجهل. و لا يثمر إلّا إسقاط القرآن عن الإحكام و الحجّيّة.

فظهر أنّ كلّ كلمة في القرآن الكريم: إنّما استعملت في معناها الحقيقيّ، و يراد منها هو المدلول الحقّ الأصيل ليس إلّا.

الخامس- و بهذا تنكشف حقيقة إعجاز القرآن المجيد

: فانّ استعمال الألفاظ على هذا النحو خارج عن عهدة البشر و قدرته، لعدم إمكان إحاطته و حضوره و علمه بالجزئيّات علما حضوريّا و احاطة فعليّة، حتّى يأتى بكلّ كلمة في موردها و يستعمل كلّ جملة في مقامها الحقيقيّ، من دون تجوّز- راجع قرأ، سور.

هذا من جهة الألفاظ، و كذلك في بيان الحقائق و المعارف الإلهيّة، و تبيين ما يرتبط بالأخلاقيّات و تهذيب النفس، و في جعل الأحكام و التكاليف المتعلّقة بالوظائف و الأعمال البدنيّة.

فهو تعالى محيط و عالم و حكيم و مدبّر بالاحاطة الحضوريّة الفعليّة بجميع أرقام الكلمات و بكلّ المعاني و المعارف و الحقائق، فيضع كلّ كلمة في موردها الّذي اقتضته، و لا يصحّ تبديلها و تغييرها عنه، و هكذا في المعاني.

و الى هذه الحقيقة يرجع كلّ ما ذكروه في موضوع إعجاز القرآن.

16

السادس- التجوّز و الاشتراك:

فظهر أنّ الحكمة تقتضي أن لا يكون في القرآن تجوّز و لا اشتراك لفظىّ، حذرا من الإغراء بالجهل، و إضلال الناس، و إسقاط الحجيّة و الإحكام، من كتاب اللّه الكريم.

و قد أثبتنا هذه الحقائق عملا في تفسير الكلمات و تبيين المطالب و توضيح المعاني من الكتاب، بتوفيق اللّه المتعال و تأييده، و أسأله أن يوفّقنى بحول منه و قوّة في إتمام المقصود الأصيل من هذا الكتاب، و هو التفسير للقرآن الكريم، فانّ التفسير الصحيح لا يمكن إلّا بعد التحقيق في الكلمات و تبيين المعاني الحقيقيّة منها، و اللّه تعالى هو الهادي الى الحقّ. إنّه ولىّ التوفيق.

السابع- و قد ذكرنا: أنّا راعينا الأمانة التامّة في النقل و الرواية عن الكتب المستندة، من جهة المفهوم و المعنى،

و إن احتجنا الى التلخيص و الاختصار (حذف ما لا يرتبط بالموضوع) في المفصّلات، أو حذف مختصر من الألفاظ ممّا لا يخلّ بالمقصود، في المختصرات، فلا يحمل على خلاف الأمانة.

17

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* و نبدأ بالمقصود بعود اللّه المعبود.

باب حرف الألف

الألف

مغنى اللبيب- الألف المفردة تأتى على وجهين، أحدهما أن تكون حرفاً ينادى به القريب. و الثاني أن تكون للاستفهام و حقيقته طلب الفهم. و قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي فترد لثمانية معان: التسوية، الإنكار الإبطالى، و التوبيخي، التقرير، التهكّم، الأمر، التعجّب، الاستبطاء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في الهمزة، هو الاستفهام، و أمّا النداء: فليس معنى للهمزة بل هو مفهوم كلمة أى، ثم خفّفت بحذف الياء فصارت همزة مفتوحة مجردّة، و دلّت على النداء القريب.

فالمناسب أن ينادى بأى و أيا للبعيد، و بالهمزة للقريب، و يمكن أن نقول إنّ مقتضى كثرة المبنى أن تكون أيا للبعيد، و أى و آ للمتوسّط، و أ للقريب.

و الاستفهام إمّا حقيقىّ و هو طلب الفهم لنفسه حقيقة، إمّا نازل منزلته، بأن يكون الاستفهام بدواعى مختلفة و أغراض خارجيّة، كالتقرير و الامر و الإنكار و التعجّب و غيرها. فالمستفهم ينزّل نفسه منزلة من يطلب الفهم حتّى يحصل الغرض المقصود له.

18

و أمّا التسوية: فهي مفهومة من كلمات- سواء، لا أبالى، لا أدرى، و أمثالها. و الاستفهام محفوظ في مقامه.

سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ*- 2/ 6.

أى هل أنذرتهم أم لا؟ فانّ كلا الوجهين متساويان من جهة أخذ النتيجة.

الأبّ:

مقا- له أصلان، أحدهما المرعى و الآخر- القصد و التهيّؤ. و قال الزّجاج:

الأبّ جميع الكلأ الذي تعتلفه الماشية.

مفر- الأبّ: المرعى المتهيّئ للرعي و الجزّ.

مصبا- الأبّ: المرعى الّذى لم يزرعه الناس، ممّا تأكله الدوابّ و الأنعام، و يقال: الفاكهة للناس و الأبّ للدوابّ.

صحا- الأبّ: المرعى، و النزاع الى الوطن (أى الاشتياق)، أبّ يأبّ أبّا و أبابا و أبابة: تهيّأ للذهاب و تجهّز.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التهيّؤ، فالأبّ مصدرا بهذا المعنى، و صفة كصعب بمعنى المتهيّئ. و إطلاقه على المرعى بمناسبة كونه متهيّئا للرعي.

فالكلأ و العشب و ما ينبت من الأرض طبعا و من دون زرع متهيّأ لرعى الأنعام، كالفاكهة لتنعّم الإنسان.

و أمّا مفاهيم القصد و التجهّز و الاشتياق الى الوطن، كلّها من مصاديق التهيّؤ في مواردها.

فَأَنْبَتْنٰا فِيهٰا حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلًا وَ حَدٰائِقَ غُلْباً وَ فٰاكِهَةً وَ أَبًّا-

19

80/ 31.

فالفاكهة ما يتفكّه به الإنسان و يتمتّع به رطبا أو يابسا، و غلب استعماله في أثمار النباتات الّتى يتمتّع بأكلها الإنسان. كما أنّ الأبّ غلب استعماله في الكلأ و العشب المتهيّئ لتنعّم الأنعام. فأنبت اللّه تعالى غذاء الأنعام من الأرض من دون حاجة الى الزراعة و العمل، و هذا بخلاف الإنسان الشاعر المكلّف على العمل و تحصيل المعيشة.

مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعٰامِكُمْ.*

فغداء الأنعام هو الأبّ (في الآية) الّذي تهيّأ طبعا و من دون عمل لها.

أبد:

مصبا- الأبد: الدهر، و يقال: الدهر الطويل الّذى ليس بمحدود. قال الرمّانى: فإذا قلت لا أكلّمه أبدا، فالأبد من لدن تكلّمت الى آخر عمرك. و جمعه آباد. و أبد أبودا: نفر و توحّش فهو آبد.

مقا- أبد: يدلّ بناؤها على طول المدّة و على التوحّش. قالوا الأبد:

الدهر. و العرب تقول: أبد أبيد كما يقولون دهر دهير.

صحا- الأبد: الدهر و الجمع آباد و أبود، لا أفعله أبد الأبيد و أبد الآبدين كما يقال: دهر الداهرين. و الأبد: الدائم. و التأبيد: التخليد. و أبد: توحّش. و الأوابد: الوحوش.

مفر- الأبد عبارة عن مدّة الزمان الممتدّ الّذى لا يتجزّء كما يتجزّء الزمان، و ذلك أنّه يقال زمان كذا و لا يقال أبد كذا، و كان حقّه أن لا يثنّى و لا يجمع إذ لا يتصوّر حصول أبد آخر يضمّ اليه فيثنّى به، لكن قيل: آباد، و ذلك على حسب تخصيصه في بعض ما يتناوله، كتخصيص اسم الجنس في بعضه ثمّ يثنّى و‌

20

يجمع، على أنّه ذكر بعض الناس أنّ آباد مولّد و ليس من كلام العرب العرباء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو مطلق امتداد الزمان و طوله، و ليس في مفهومه قيد و لا حدّ، و إنّما يفهم الحدّ من جانب متعلّقاته، فهذه الكلمة تدلّ على امتداد مفهوم الجملة المتعلّقه بها على حسب اقتضائها.

إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا أَبَداً مٰا دٰامُوا فِيهٰا- 5/ 24.

يمتدّ الزمان الى آخر دوامهم فيها.

لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً- 9/ 83.

يمتدّ عدم خروجهم الى أن يبقى حيّا.

لٰا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً- 9/ 108.

أى ما دام كنت حيّا و بقي هذا المسجد.

لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً- 18/ 20.

أى ما داموا موجودين.

وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةُ وَ الْبَغْضٰاءُ أَبَداً.

أى ما دام الطرفان باقيين.

خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً*، ... نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً.

أى بمقدار خلُودهم.

و أمّا نصب هذه الكلمة في جميع موارد استعمالها: فعلى الظرفيّة، فانّها من ظروف الزمان المبهمة الّتى لا تحصرها حدود، و قد استعملت في القرآن في ثمانية و عشرين موردا- كما في المعجم.

و أمّا مفهوم النفر و التوحّش: فهو مأخوذ من العبريّة.

قع- (آبد): ضاع، اختفى، زال، فتى.

21

ابراهيم:

قاموس الكتاب- أبرام: الأب العالي، ثمّ سمّى بأبراهامز أى أب الجماعة العظيمة، فانّه كان رئيس الطائفة من بنى إسحاق و بنى إسماعيل، أى اليهود و الأعراب، فهو في مورد الاحترام و التجليل عند كلّ من اليهود و النصارى و المسلمين بالاتّفاق.

و قال أيضا- رام المرتفع. دامد المحلّ المرتفع.

قع- [آب] الأب و الرّئيس.

[رام] الارتفاع.

[رحم] الرحم.

المعرّب- أسماء الأنبياء كلّها أعجميّة، نحو إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و إلياس و إدريس و إسرائيل و أيّوب إلّا أربعة أسماء و هي آدم و صالح و شعيب و محمّد. فأمّا إبراهيم: ففيه لغات- إبراهيم: اسم قديم ليس بعربىّ و هو المشهور، إبراهام: و قد قرئ به، إبراهيم: بتثليث الهاء و حذف الياء، إبرهم.

صحا- و ابراهيم اسم أعجمىّ و فيه لغات: ابراهام، ابراهم.

كليا- ابراهيم: اسم سريانىّ معناه أب رحيم. و قال بعض المحقّقين: إنّ إجماع أهل العربيّة على أنّ منع الصرف في ابراهيم و نحوه للعجمة و العلميّة، فتبيّن منه وقوع المعرّب في القرآن.

أنّه قد استعمل هذا الاسم في تسعة و ستّين موردا في القرآن الكريم.

و التحقيق:

و ليعلم أنّ هذه الكلمة و أمثالها المأخوذة من اللغات الأعجميّة إذا تصرّف‌

22

فيها بالإبدال أو التغيير أو التخفيف في التلفّظ: تصير عربيّة و يقال: إنّها معربّة. فإذا قيل إنّها أعجميّة فهي باعتبار الأصل و معلوم أنّ كثيرا من اللغات العربيّة مأخوذة من العبريّة و السريانيّة، و هذا لا ينافي استقلال اللغة و أصالتها، فإنّ اللغات كالتكوينيّات لها مراحل مترتّبه و سير تكاملىّ، و إنّما يتنوّع و يتشخّص كلّ شي‌ء بالحدود و الفصول، فالإنسان له أصالة و استقلال و هو نوع خاصّ مستقلّ، و إن صحّ أن يقال: إنّه نوع كامل و مرتبة مترقّية من الحيوان أو الجماد أو النبات.

فكلّ لغة أجنبيّة وردت في العربيّة بتصرّف خاصّ: فهي عربيّة. و بهذا المعنى يتبيّن مفهوم الآيات الكريمة:

إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا.

وَ هٰذٰا كِتٰابٌ مُصَدِّقٌ لِسٰاناً عَرَبِيًّا.

إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا- 43/ 3.

في التكوين 11- لمّا كان سام [ابن نوح] ابن مائة سنة ولد أرفكشاد بعد الطوفان بسنتين، و عاش سام بعد ما ولد أرفكشاد شالح و عاش بعد أربعمائة و ثلاث سنين، و ولد شالح عابر، و ولد عابر فالج و عاش بعد أربعمائة و ثلاثين سنة، و ولد فالج رعوه، و ولد رعوه سروج، و ولد سروج ناحور، و ولد ناحور تارح و عاش بعد مائة و عشرين سنة، و عاش تارح سبعين سنة و ولد أبرام و ناحور و هاران، و ولد هاران لوطا، و اتّخذ أبرام و ناحور لأنفسهما امرأتين، اسم امرأة أبرام ساراى، و اسم امرأة ناحور ملكة، و عاش تارح مائتين و خمس سنين، و مات في حاران- انتهى ملخّصا.

هذا نسب ابراهيم (ع) الى نوح (ع) من التوراة.

و أمّا صفاته الممتازة الّتى ذكرت في القرآن الكريم، فهي تستفاد من هذه الآيات:

1- مٰا كٰانَ إِبْرٰاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لٰا نَصْرٰانِيًّا وَ لٰكِنْ كٰانَ حَنِيفاً- 3/ 67.

23

أى لم يكن على دين اليهود و لا على دين النصارى، مع أنّه كان مع الحقّ اتّفاقا، و كان موحّداً و مخلصّاً في اللّه تعالى و مائلًا اليه و سالكاً سبيله، فهذا هو المطلوب المقصود.

2- إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّٰاهٌ مُنِيبٌ- 11/ 75.

إنّه كان مع الحلم و الاستقامة، متوجّها الى جهات الضعف في نفسه بحال الخشوع و الخشية، و راجعا سائرا اليه تعالى.

3- سَلٰامٌ عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ- 37/ 109.

دعاء له بالسلامة في بدنه و قلبه و إيمانه.

4- وَ إِبْرٰاهِيمَ الَّذِي وَفّٰى- 53/ 37.

أى وفى بميثاقه و عهوده و استقام على الحقّ.

5- إِنَّهُ كٰانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا*- 19/ 41.

أى من الصدّيقين في القول و العمل و من الأنبياء.

6- وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- 6/ 75.

يأتى في ملك.

7- بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ مٰا كٰانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- 2/ 135.

يأتى في الحنف.

و قال ابن الوردي- إنّ ابراهيم ولد لمضىّ 1081 من الطوفان.

أبق

مقا- أبق: يدلّ على إباق العبد و التشدّد في الأمر. أبق العبد يأبق أبقا و أبقا. و عبد أبوق و أبّاق.

مصبا- أبق العبد أبقا: إذا هرب من سيّده من غير خوف و لا كدّ عمل،

24

من بابى تعبّ و قتل في لغة، و الأكثر من باب ضرب.

مفر- أبقّ: إذا هرب، و عبد آبق و جمعه أبّاق. تأبّق الرجل: تشبّه به في الاستتار، و أبق يأبّق إباقا.

كليا- الأبق: و هو هرب العبد من السيّد خاصّة، و لا يقال للعبد آبق إلّا إذا استخفى و ذهب من غير خوف و لا كدّ عمل، و إلّا فهو هارب.

و التحقيق:

أنّ الأبق و الهرب مشتركان في الذهاب من غير استيذان، و في الأبق قيد آخر و هو الهرب قبل أن يتوجّه اليه خوف أو شدّة من سيّده.

وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ- 37/ 140.

فيدلّ على ذهابه من غير استيذان من ربّه، و قبل أن يصل اليه خوف أو شدّة أو كدّ عمل من جانب مولاه، فهو العبد الآبق غفلة.

و الأبق كان مكروها عند اللّه المتعال، فأخذه اللّه.

فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنٰادىٰ فِي الظُّلُمٰاتِ- 21/ 87.

راجع يونس.

حسناتُ الأبْرارِ سيّئات المقرّبين

. إبل:

مصبا- الإبل اسم جمع لا واحد لها و هي مؤنّثة، لأنّ اسم الجمع الّذى لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث و تدخله الهاء إذا صغّر نحو أبيلة و غنيمة، و الجمع آبال أبيل، فالمراد قطيعات الإبل.

لسا- ابن الاعرابى: الإبّول- طائر ينفرد من الرفّ و هو السطر من الطير.

25

و الإبّيل و الإبّول و الإبّالة: قطعة من الطير و الخيل و الإبل. و قيل: الأبابيل جماعة في تفرقة، واحدها إبّيل و إبّؤل. و ذهب أبو عبيدة: الى أنّ الأبابيل جمع لا واحد له بمنزلة عبابيد و شماطيط و شعاليل. قال الجوهري: و قال بعضهم: إبّيل، قال: و لم أجد العرب تعرف له واحدا، و قيل إبّالة و أبابيل، و إبّالة: كأنّها جماعة. و قيل:

أبابيل و إبّول مثل عجاجيل عجّول. التهذيب: و لو قيل واحد الأبابيل إيبالة كان صوابا كدينار.

مقا- إبل: بناء على ثلاثة اصول، على الإبل، و على الاجتزاء، و على النقل و الغلبة. إبل مؤبّلة: جعلت قطيعا قطيعا. قال الخليل، في- طَيْراً أَبٰابِيلَ:

يتبع بعضها بعضا، واحدها إبّالة و إبّول.

مفر- و أبل أبلا: اجتزأ عن الماء تشبّها بالإبل في صبرها عن الماء، و كذلك تأبّل الرجل عن امرأته: إذا ترك مقاربتها. و طيرا أبابيل: متفرّقة كقطعات إبل، الواحد إبّيل. و الإبّالة: الحزمة من الحطب تشبيها به.

و التحقيق:

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحيوان المتّصف بصفة الاجتزاء مع الثقل، و الإبل أحد مصاديق هذا المعنى فغلب استعماله فيها. و أمّا الأبابيل: فلعلّها أيضا كانت موصوفة بالاجتزاء و الغلبة، بمعنى اتّصافها بالقوّة و القدرة و القناعة و الاجتزاء مع كونها قطيعة قطيعة، فهذه الكلمة ليست اسماً لنوع مخصوص من الطير، بل هي اسم لطير تكون بهذه الخصوصيّات، و أمّا أنّها من أىّ نوع كانت: فاللّه أعلم بها.

و الاشتقاق منها انتزاعىّ بلحاظ الصّفتين.

أَ فَلٰا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ- 88/ 17.

مضافا الى حواسّها و اعضائها الظاهريّة: أنّها خلقت للركوب في الأسفار و‌

26

لحمل الأثقال، بالخلقة المتناسبة لهما و بقدرة التحمّل و الصبر على الجوع و العطش.

وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبٰابِيلَ 105/ 3.

طائرات قطيعة قطيعة لها القدرة و المقاومة و الاستقامة و الصبر حتّى ينلن ما يردن.

ابن

انظر مادّة- بنو.

أب

مقا- يدلّ على التربية و الغذو، أبوت الشي‌ء: إذا غذوته. و بذلك سمّى الأب أبا. و يقال في النسبة الى أب: أبوىّ.

مصبا- لامه محذوفة و هي واو، لأنّه يثنّى أبوين و الجمع آباء مثل سبب و أسباب، و إذا صغّر ردّت اللام المحذوفة، ثمّ تجتمع الواو و الياء فتقلب الواو ياءً و تدغم في الياء فيبقى أبىّ.

مفر- أب: و يسمّى كلّ من كان سببا في إيجاد شي‌ء أو إصلاحه أو ظهوره أبا، و لذلك يسمّى النبيّ (ص) أبا للمؤمنين. و‌

روى أنّه (ص) قال لعلىّ

:

أنا و أنت أبوا هذه الأمّة.

كليا- و أرباب الشرائع المتقدّمة كانوا يطلقون الأب على اللّه تعالى، باعتبار أنّه السبب الأوّل، حتّى قالوا الأب هو الربّ الأصغر و اللّه هو الربّ الأكبر، ثمّ ظنّت الجهلة منهم أنّ المراد به معنى الولادة، فاعتقدوا ذلك تقليدا، و لذا كفر قائله.

يوحنّا 14/ 16- و أنا أطلب من الأب فيعطيكم معزّيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحقّ الّذى لا يستطيع العالم أن يقبله.

صحا- و لقد أبوت أبوّة و ما له أب يأبوه اى يغذوه و يربّيه، و النسبة اليه‌

27

أبوىّ. و الأبوان: الأب و الامّ. و قولهم- يٰا أَبَتِ افْعَلْ: يجعلون علامة التأنيث عوضا من ياء الاضافة.

قع- [آب] الأب و الرئيس.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التربية في جهة مادّيّة أو معنويّة، و بلحاظ هذا المفهوم يوجد للأب مصاديق حقيقية كثيرة، كالوالد و الربّ المتعال و المعلّم و النبىّ و الجدّ و العمّ، و غيرهم من أولياء التربية. و الاشتقاق منها انتزاعىّ.

وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبٰائِي إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ ... كَمٰا أَتَمَّهٰا عَلىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ ... كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ... وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ ... وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا ... قٰالُوا نَعْبُدُ إِلٰهَكَ وَ إِلٰهَ آبٰائِكَ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ إِلٰهاً وٰاحِداً ... وَ مٰا كٰانَ اسْتِغْفٰارُ إِبْرٰاهِيمَ لِأَبِيهِ ... وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ- 6/ 74.

يٰا أَبَتِ هٰذٰا تَأْوِيلُ رُءْيٰايَ ... يٰا أَبَتِ افْعَلْ مٰا تُؤْمَرُ.

و لا يخفى أنّ حرف التاء من علائم الخطاب، كما في فعلت و فعلت و تفعل و أنت و أنت، و الخطاب يدلّ على القرب و المشافهة و المودّة و العطوفة، فإلحاق التاء في النداء حيث ما يمكن يكون بهذا النظر، و ليست عوضا عن الياء، و إنّما تحذف الياء للثقل، و يكتفى بالكسرة للتخفيف.

أبى

مقا- أبى: يدلّ على الامتناع. أبيت الشي‌ء آباه، و قوم أبيّون و أباة. و الإباء ان تعرض على الرجل الشي‌ء فيأبى قبوله، فتقول ما هذا الإباء. و الأبيّة:

الصّعبة.

28

مصبا- أبى الرجل يأبى الرجل إباء و إباية: امتنع، فهو آب و أبىّ، و بناؤه شاذّ، لأنّ باب فعل يفعل حقّه أن يكون حلقىّ العين أو اللام، و لم يكن يأتى من حلقىّ الفاء إلّا أبى يأبى و عضّ يعضّ و أتّ الشعر يأتّ إذا كثر و التفّ.

مفر- الإباء: شدّة الامتناع، فكلّ امتناع إباء و ليس كلّ إباء امتناع. و رجل أبىّ: ممتنع من تحمّل الضيم (القهر و الظلم).

و التحقيق

أنّ المادّة تدلّ على الامتناع في قبال أمر مواجه ماديّا أو معنويّا. و المنع هو حدوث العائق، راجع- منع أَبىٰ وَ اسْتَكْبَرَ ... فَأَبىٰ أَكْثَرُ النّٰاسِ* ... وَ تَأْبىٰ قُلُوبُهُمْ ... وَ لٰا يَأْبَ كٰاتِبٌ ... فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا ... فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمٰا.

يراد الامتناع في قبال هذه الأمور.

أتى

صحا- الإتيان: المجي‌ء، و قد أتيته أتيا، و آتيته على ذلك الأمر مواتاة:

إذا وافقته و طاوعته. و الإيتاء الإعطاء. و تأتّى له الشي‌ء: تهيّأ، و تأتّى له:

ترفّق. و سيلٌ أتىٌّ و أتاوىّ: إذا جاءك. و الأتىّ و الأتاوىّ: الغريب.

مفر- الإتيان: مجي‌ء بسهولة، و منه قيل للسيل المارّ على وجهه: أتىّ و أتاوىّ، و به شبّه الغريب فقيل أتاوىّ، و الإتيان يقال للمجي‌ء بالذات و بالأمر و بالتدبير، و يقال في الخير و في الشرّ و في الأعيان و الأعراض: إِنْ أَتٰاكُمْ عَذٰابُ اللّٰهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّٰاعَةُ ... أَتىٰ أَمْرُ اللّٰهِ ... فَأَتَى اللّٰهُ بُنْيٰانَهُمْ. أى بالأمر. و التدبير، نحو- جٰاءَ رَبُّكَ. و كلّ موضع ذكر فيه- أُوتُوا*: فانّه قد يقال فيمن لم يكن منه قبول. وَ آتَيْنٰا*:

29

يقال فيمن كان منه قبول. و خصّ دفع الصدقة في القرآن بالإيتاء: آتُوا الزَّكٰاةَ*.

مصبا- أتى الرجل يأتى أتيا: جاء، و الإتيان اسم منه، و أتيته يستعمل لازما و متعديّا. و أتى يأتوا أتوا لغة فيه. و أتى زوجته إتيانا: كناية عن الجماع. و أتى عليه: مر بّه. و أتى عليه الدهر: أهلكه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو المجي‌ء بسهولة و بجريان طبيعيّ، سواء استعملت في اللزوم أو التعدّى، مجرّدة أو مزيدا فيها، و سواء كان الإتيان في المكان أو في الزمان، و سواء كان الفاعل أو المفعول به محسوسا أو معقولا، فتختلف خصوصيّات الإتيان باختلاف الموارد، ففي كلّ مورد بحسبه.

ففي الزمان- أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّٰاعَةُ ... هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ حِينٌ.

و في المكان- أَتَيٰا أَهْلَ قَرْيَةٍ ... فَلَمّٰا أَتٰاهٰا نُودِيَ يٰا مُوسىٰ.

و في اللازم- إِنَّ السّٰاعَةَ لَآتِيَةٌ* ...، تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجٰادِلُ.

و في المتعدّى- أَتٰاهُمُ الْعَذٰابُ* ... أَتَيٰا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمٰا.

و في المعقول- هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ مُوسىٰ* ... أَنّٰا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهٰا* ... مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ... هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ الْغٰاشِيَةِ.

و في المزيد فيها- آتَيْنٰاهُ حُكْماً وَ عِلْماً* ... يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ... وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ ... فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ* ... وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ.

فالأصل الواحد في جميع هذه الموارد محفوظ. و اختلاف خصوصيّات ذلك المعنى باعتبار اختلاف الموارد و الصيغ و بحسب التناسب و اقتضاء طرفى النسبة- كالسيل إذا اجرى و أتى فهو أتىّ. أو الغريب إذا ورد و أتى البلد فهو أتاوىّ. و إتيان الأمر و التدبير فيما كان الفاعل معنويا خاصّا.

و هذه المادّة في اللغة العبريّة أيضا بهذا المعنى:

30

فر- [آتاء] المجي‌ء.

أثاث

صحا- أثّ النبات يأثّ أثاثة: كبر و التفّ، نبات أثيث و شعر أثيث.

قال الفرّاء: الأثاث متاع البيت و لا واحد له. و قال أبو زيد: الأثاث المال أجمع، الإبل و الغنم و العبيد و المتاع.

مقا- أثّ: هذا من الاجتماع يتفرّع و من اللين، و هو أصل واحد. قال ابن دريد: أثّ النبت أثّا إذا كثر، و نبت أثيث، و كلّ شي‌ء موطّأ أثيث. و أثاث البيت من هذا، يقال إنّ واحده أثاثة، و يقال لا واحد لها.

مفر- الأثاث: متاع البيت الكثير، من أثّ إذا كثر و تكاثف و قيل للمال كلّه إذا كثر.

و التحقيق

أنّ الأصل في هذه المادّة هو مجموع ما يتعلّق بموضوع يكون بها تشكّله. و يتنوّع ذلك بتنوّع مواردها، فيقال أثاث البيت، أثاث الحجرة، أثاث المعمل، أثاث السّيارة، أثاث الحياة الإنسانيّة.

و أمّا مطلق الكثرة أو المال: فمن باب التجوّز، بمناسبة قيود الأصل.

وَ كَمْ أَهْلَكْنٰا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثٰاثاً- 19/ 74.

أى مطلق ما يتعلّق بمعاشهم من لوازم المأكل و الملبس و المسكن و المتجر.

وَ مِنْ أَصْوٰافِهٰا وَ أَوْبٰارِهٰا وَ أَشْعٰارِهٰا أَثٰاثاً وَ مَتٰاعاً- 16/ 80.

أى يراد مطلق ما يعمل منها و يستفاد في تأمين المعاش.

31

و المتاع كلّ ما يتمتّع به من اللباس و غيره.

أثر

صحا- الأثر مصدر أثرت الحديث أءثره: إذا ذكرته عن غيرك، و منه حديث مأثور: ينقله خلف عن سلف. و الأثر: ما بقي من رسم الشي‌ء و ضربة السيف. و سنن النبيّ (ص): آثاره. و المأثرة: المكرمة لأنّها تؤثر أى تذكر و يأثرها قرن عن قرن. و أَثٰارَةٍ مِنْ عِلْمٍ: بقيّة منه، و كذلك الأثرة. و التأثير: إبقاء الأثر في الشي‌ء.

مصبا- ما يقرب من صحا.

مقا- أثر: له ثلاثة اصول- تقديم الشي‌ء، ذكر الشي‌ء، رسم الشي‌ء الباقي. و الأثر: بقيّة ما يرى من كلّ شي‌ء و ما لا يرى بعد أن تبقى فيه علقة. و الأثار: الأثر، كالسداد و السدد و الفلاح و الفلح. قال الخليل: الأثر الاستقفاء و الاتّباع، و فيه لغتان: أثر و إثر. و لا يشتقّ من حروفه فعل في هذا المعنى و لكن يقال ذهبت في إثره.

مفر- أثر الشي‌ء حصول ما يدلّ على وجوده، و الجمع الآثار- قَفَّيْنٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ بِرُسُلِنٰا ...، فَانْظُرْ إِلىٰ آثٰارِ رَحْمَتِ اللّٰهِ. و المآثر: ما يروى من مكارم الإنسان، و يستعار الأثر للفضل و الإيثار للتفضّل (و هو اختيار الفضل)، و منه آثرته، وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ، و تَاللّٰهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّٰهُ عَلَيْنٰا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو الأثر، أى ما يدلّ على الشي‌ء و ما يبقى من آثار وجوده. و من مصاديقه: الحديث المأثور. أثر الضربة. السنّة النبويّة. أثارة‌

32

من العلم. البقيّة من الشي‌ء. أثر المشي و السلوك. المكرمة. الفضيلة الباقية المأثورة.

و أمّا حقيقة الإيثار: فهي إثبات الأثر و تقديم ما له الفضل و انتخابه و اختياره على غيره. و التأثير: إيجاد الأثر و إحداثه.

قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ... مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... كٰانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ آثٰاراً فِي الْأَرْضِ ...

نَكْتُبُ مٰا قَدَّمُوا وَ آثٰارَهُمْ ... وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُهْتَدُونَ ... ائْتُونِي بِكِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ هٰذٰا أَوْ أَثٰارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ... وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ ... لَقَدْ آثَرَكَ اللّٰهُ عَلَيْنٰا ... بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا.

و الفرق بين الإيثار و التأثير: هو الفرق بين صيغة الإفعال و التفعيل، فإنّ الافعال لقيام الفعل و نسبته أوّلا إلى الفاعل و الثاني للوقوع أوّلا و نسبته إلى المفعول به.

أثل

مصبا- الأثل: شجر عظيم لا ثمر له، الواحدة أثلة، و قد استعيرت الأثلة للعرض فقيل نحت أثلة فلان إذا عابه و تنقّصه، و هو لا تنحت أثلته أى ليس به عيب و لا نقص.

مقا- الأثل: يدلّ على أصل الشي‌ء و تجمّعه. قال الخليل: الأثل شجر يشبه الطرفاء إلّا أنّه أعظم منه و أجود عودا منه، تصنع منه الأقداح الجياد. أثّل تأثيلا: إذا كثر ماله و حسنت حاله. قال أبو عمرو: الأثال: المجد و المال. و أثلة كلّ شي‌ء أصله.

صحا- و قيل للأصل أثلة، يقال فلان ينحت أثلتنا إذا قال في حسبه قبيحا. و التأثيل: التأصيل. يقال مجد مؤثّل و أثيل.

أسا- الأثلة: السمرة، و قيل شجرة من العضاه طويلة مستقيمة الخشبة تعمل منها الأقداح و القصاع، فوقعت مجازا في قولهم نحت أثلته، و لفلان أثلة مال أى أصل مال.

33

أنّ السمرة: أجود عودا و استقامة من بين العضاه و ليس فيها احسن من السمرة. و العضاه: كلّ شجر عظيم ذى شوك و الواحدة عضاهة.

و التحقيق

و أمّا الأصل و الحقيقة في هذه المادّة: فهي الأصالة، و اكثر استعماله في المعنويّات، و هي قريبة من موادّ الأصل و الأثّ و الأسل، ثمّ استعملت في كلّ شجر أصيل مستقيم لا يقصد منه إلّا أصله و عوده، أو في السمرة خاصّة.

وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‌ءٍ مِنْ سِدْرٍ- 34/ 16.

الأكل: الثمرة. و الخمط من الثمرة: ما لا يلائم طعمه أو رائحته. و الأثل عطف على أُكُلٍ اى و ذواتي أثل و هي الأشجار القويّة بلا اثمار. و يمكن أن يكون بمعناه الحقيقي و هو أصل الشجر و أسفله، إشارة الى جريان السيل العرم، أى و لم تبق فيها إلّا اصول الأشجار المثمرة الملائمة و شي‌ء من السدر.

و هذا المعنى أنسب بسياق الآية الشريفة: من جهة جريان السيل، و ذكر الخمط في الأشجار الّتى لا تلائم أثمارها، و ذكر سِدْرٍ قَلِيلٍ من الّتى تلائم، و من كونه معنى حقيقيّا كما قلنا.

و أمّا قرب الموادّ في كلمات- أصل، أثل، أسل: فيقال له الاشتقاق الأكبر.

و أمّا مفهوم التجمّع في التأثّل: فيستفاد من صيغة التفعّل، أى المطاوعة للتأثيل.

الإثم:

مقا- أثم: يدلّ على أصل واحد، و هو البطؤ و التأخّر، يقال: ناقة آثمة أى‌

34

متأخّرة. و الإثم مشتقّ من ذلك لأنّ ذا الإثم بطي‌ء عن الخير متأخّر عنه.

مصبا- أثم أثما من باب تعب، و الإثم بالكسر اسم منه، فهو آثم، و في المبالغة: أثّام و أثيم و أثوم. و أثّمته تأثيما: قلت له أثمت، كما يقال صدّقته و كذّبته.

و الأثام كسلام هو الإثم و جزاؤه.

مفر- الإثم و الأثام اسم للأفعال المبطئة عن الثواب و جمعه آثام. و قوله تعالى- فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ أى في تناولهما إبطاء عن الخيرات. يَلْقَ أَثٰاماً أى عذابا، فسمّاه عذابا و أثاما لما كان منه، و قيل: أى يحمله ذلك على ارتكاب آثام، و ذلك لاستدعاء الأمور الصغيرة الى الكبيرة، و على الوجهين حمّل- فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا.

و التحقيق

أنّ المعنى الحقيقىّ و الأصل في هذه المادّة: هو البطؤ و التأخّر للخير. و بالنظر الى هذا الأصل تنكشف لطائف و حقائق في موارد استعمالاتها في الآيات الكريمة.

وَ إِذٰا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّٰهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ- 2/ 206.

أى يظهر البطؤ و يتأخّر في مرحلة التقوى حفظا للعزّة و المنزلة المتخيّلة الموهومة.

وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ- 5/ 2.

فالبرّ هو صدق العمل و حسن الفعل، و يقابله البطؤ و التسامح و التأخّر فيه، كما أنّ التقوى هو وقاية النفس و حفظها، و يقابله العدوان و هو التجاوز، فيكون العدوان مقابلا للإثم باعتبار آخر.

قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ الْإِثْمَ- 7/ 33.

فالفواحش هي الأعمال القبيحة و الشنيعة، و يماثلها الإثم و هو التأخّر عن العمل الصالح و التهاون فيه، و لا كذلك إذا أريد من الإثم معناه المتداول و هو من الفواحش، و لا يكون في ذكره فائدة.

35

وَ يَتَنٰاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ- 58/ 8.

أى بالتفريط و التقصير في العمل، و التعدّى عن الحقّ و العصيان للرسول.

إِنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدٰادُوا إِثْماً- 3/ 178.

اى نمهّل و نطوّل عيشهم ليزدادوا في التأخّر و البطؤ في طريق الصلاح و السعادة و الخير.

وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ- 2/ 283.

أى مبطئ عن السير الى الحقّ و محجوب عنه.

لٰا يَسْمَعُونَ فِيهٰا لَغْواً وَ لٰا تَأْثِيماً 56/ 25.

أى قولا و كلاما بجعل الآخرين بطيئا في العمل بوظائفهم و موجبا لتأخّرهم.

هذا هو الأصل و المعنى الحقيقىّ في هذه المادّة، و قد استعملت في الأعمال المبطئة مجازا، و على أىّ حال: فاللازم لنا أن نحمل هذه الكلمة على أصلها، و لا سيّما في كلمات اللّه التامّة، حتّى تنكشف لنا أسرار الكلمات و لطائف الآيات، و كذا في سائر الكلمات الإلهيّة.

أجاج:

مقا- أجّ: فلها أصلان: الحفيف، و الشدّة إمّا حرّا و إمّا ملوحة. أجّ الظليم: إذا عدا، أجيجا و أجّا، و ذلك إذا سمعت حفيفه في عدوه. و الأجيج:

أجيج الكير من حفيف النار. و أجّة القوم حفيف مشيهم و اختلاط كلامهم. و الماء الأجاج: الملح.

مصبا- ماء أجاج: مرّ شديد الملوحة. و أجّت النار تؤجّ أجيجا: توقّدت.

صحا الأجيج: تلهّب النار. و قد أجّت تأجّ أجيجا. و أجّ الظليم يؤجّ‌

36

أجّا: عدا و له حفيف في عدوه. و الأجّة شدّة الحرّ و توهّجه، و الجمع أجاج. و ماء أجاج: ملح مرّ.

مفر- هذا ملح أجاج: شدّة الملوحة و الحرارة، من قولهم أجيج النار و أجّتها، و قد أجّت و ائتجّ النهار.

و التحقيق

أنّ الأصل في هذه المادّة: هو حدّة مع الشدّة، و هو يختلف باختلاف الموارد، فحدّة كلّ بحسبه: حفيف الظليم عنه عدوه، و الحدّة في التأجج و التلهبّ، و في الحرارة، و المرارة، و الكلام.

و يدلّ عليه ما يفهم من الضجّ و العجّ، و بينها اشتقاق اكبر.

و أمّا شدّة الملوحة: فكأنّها نوع تأجّج، و يظهر هذا التّأجّج في جهاز الهاضمة عند تناول ما فيه الملوحة الشديدة.

هٰذٰا عَذْبٌ فُرٰاتٌ وَ هٰذٰا مِلْحٌ أُجٰاجٌ- 25/ 53.

فيما قلنا يظهر لطف ذكر الأجاج بعد كلمة الملح، أى ملح يتوقّد الفم من تناوله، في قبال الفرات.

أجر

مقا- أجر: له أصلان يمكن الجمع بينهما بالمعنى: فالأوّل- الكراء على العمل. و الثاني جبر العظم الكسير. فامّا الكراء: فالأجر و الاجرة، و كان الخليل يقول: الأجر جزاء العمل، أجر يأجر أجرا، و المفعول مأجور، و الأجير المستأجر و الإجارة ما أعطيت من أجر في عمل، و من ذلك مهر المرأة- فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ.* و أمّا جبر العظم: فيقال أجرت يده. فهذان الأصلان، و المعنى الجامع بينهما أنّ أجرة‌

37

العامل كأنّها شي‌ء يجبر به حاله فيما لحقه من كدّ فيما عمله. فأمّا الاجّار: فلغة شاميّة.

مصبا- أجره اللّه أجرا و آجره إذا أثابه، و أجرت الدار و العبد. قال الزمخشري: و آجرت الدار على أفعلت فأنا مؤجر و لا يقال مؤاجر فهو خطأ، و الاجرة الكراء، و الجمع أجر مثل غرفة و غرف، و ربّما جمعت أجرات بضمّ الجيم و فتحها، و يستعمل الأجر بمعنى الإجارة و الاجرة.

مفر- الأجر و الاجرة: ما يعود من ثواب العمل دنيويّا كان أو اخرويّا- إِنْ أَجْرِيَ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ*، ... وَ آتَيْنٰاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيٰا، ... وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ و الاجرة: في الثواب الدنيويّ. و الجمع للأجر أجور، و الأجر و الأجرة يقال فيما كان عن عقد و ما يجرى مجرى العقد، و لا يقال إلّا في النفع- فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ*، و أَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ*. و الجزاء: يقال في العقد و النافع و غيرهما- جَزٰاهُمْ بِمٰا صَبَرُوا جَنَّةً، ... جَزٰاؤُهُمْ جَهَنَّمُ. أجر يأجر زيد عمرا أجرا: أعطاه الشي‌ء بأجرة.

أسا- أجرك اللّه على ما فعلت، و أنت مأجور عليه. و منه قولهم: عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ- أى تجعلها أجرى على التزويج، يريد المهر، من قوله تعالى- وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ- كأنّه قال على ان تمهرنى عمل هذه المدّة. و آجرني فلان دارّه فاستأجرتها و هو موجر، و لا تقل مؤاجر فانّه خطأ و قبيح، و إنّما الّذى هو فاعل:

قولك- آجر الأجير مؤاجرة، كما يقال عامله معاملة.

و التحقيق

أنّ الأصل في هذه المادّة: هو الاجرة و ما يقابل بالعمل، و الايجار و الاجارة بمعنى الكراء، و هو الاجرة، و هو في الأصل مصدر كاريته فهو مكار، يقال أجرته و آجرته أى جعلت له اجرة، و استأجرت زيدا: طلبت منه الأجرة.

إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ- 28/ 26.

أى خير من طلبت منه الاجرة في قبال ما الزّمت به له من تأمين أو تعليم أو‌

38

تربية.

قٰالَتْ إِحْدٰاهُمٰا يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ- 28/ 26.

أى اجعله مستأجرا لك، و هو الأجير، أى من عليه الاجرة في قبال التزام المستأجر.

عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ- 28/ 27).

أى أنّ تكون الاجرة عليك مدّة ثماني سنوات في قبال النكاح و التزويج.

وَ مٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ* 26/ 109.

أى ما استأجرتُكم عليه.

إِنّٰا أَحْلَلْنٰا لَكَ أَزْوٰاجَكَ اللّٰاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ 33/ 50.

أى مهورهنّ في قبال تزويجهنّ.

و ليعلم أنّ الإجارة مصدر مجرّد كالتجارة و الزراعة. و المصدر من الإفعال هو الإيجار. و الايجار يستعمل متعديّا الى مفعول واحد أو الى مفعولين- كقولك آجرت زيدا الدار- أى جعلت الدار لزيد حتّى يأجرها أى أن يعطي أجرتها.

الأجل

مصبا- أجل الرجل على قومه شرّا أجلا، من باب قتل: جناه عليهم و جلبه عليهم. و يقال من أجله كان كذا، أى بسببه، و أجل الشي‌ء مدّته و وقته الّذي يحلّ فيه، و هو مصدر أجل الشي‌ء أجلا، من باب تعب، و أجّلته تأجيلا، أى جعلت له أجلا، و الآجل خلاف العاجل، و جمع الأجل الآجال. و أجل مثل نعم وزنا و معنى.

مقا- فالأجل غاية الوقت في محلّ الدين و غيره، أجل يأجل، و الاسم الآجل نقيض العاجل. و قولهم أجل: في الجواب، هو من هذا الباب، كأنّه يريد‌

39

انتهى و بلغ الغاية. و الإجل: قطيع من بقر الوحش. و قولهم: من أجل ذلك فعلت كذا: و هو محمول على أجلت الشي‌ء أى جنيته، فمعناه من أن اجل كذا فعلت، أى من أن جنى.

كليا- و أجل في الأصل مصدر أجل شرّا إذا جناه، استعمل في تعليل الجنايات ثمّ اتّسع فيه فاستعمل في كلّ تعليل.

و التحقيق

أنّ الأصل فيها هو الوقت المعيّن المعهود، و بتناسب هذا المعنى تستعمل فيما يقرب منها. فيقال أجل على قومه شرّا أى جلبه و جرّه اليهم فان تعيين وقت عليهم يلازم اقداما على ضررهم، و تضييقا عليهم. و هذا المعنى قريب من قولهم- أجل الشي‌ء أى تأخّر و تعيّن.

إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ ... وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ... وَ بَلَغْنٰا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنٰا ...

لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ... كِتٰاباً مُؤَجَّلًا.

و التأجيل: تعيين الأجل. و المؤجّل: الموقّت و المعيّن.

و أمّا قطيع البقر و غيره: فهو نوع من الانتهاء و المحدوديّة و التعيّن.

أحد

مصبا- أحد: أصله وحد فأبدلت الواو همزة، و يقع على الذكر و الأنثى- يٰا نِسٰاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسٰاءِ. و يكون مرادفا لواحد في موضعين سماعا:

أحدهما- وصف اسم الباري تعالى، فيقال هو الواحد و هو الأحد، لاختصاصه بالأحديّة فلا يشركه فيها غيره، و لهذا لا ينعت به غير اللّه تعالى، فلا يقال رجل أحد و لا درهم أحد. و الثاني- أسماء العدد للغلبة و كثرة الاستعمال، فيقال أحد و‌

40

عشرون و واحد و عشرون، و في غير هذين يقع الفرق بينهما في الاستعمال، بأنّ الأحد لنفى ما يذكر معه فلا يستعمل إلّا في الجحد لما فيه من العموم، نحو ما قام أحد، أو مضافا نحو ما قام احد الثلاثة. و أمّا تأنيث الأحد: فلا يكون إلّا بالألف لكن لا يقال إحدى إلّا مع غيرها- إحدى و عشرون.

مقا- أحد فرع، و الأصل الواو- وحد. ما استأحدت بهذا الأمر: ما انفردت به.

صحا- يوم الأحد و يجمع على آحاد، و استأحد الرجل: انفرد. و جاءوا أحاد أحاد، غير مصروفين لأنّهما معدولان. و احد جبل في المدينة. و أحّدهنّ:

صيّرهنّ أحد عشر.

و التحقيق

أنّ النسبة بين أحد و وحد: هي الاشتقاق الأكبر، كما في أمثالهما من الكلمات المتقاربة لفظا و معنى، و الحكم بأنّ واحدا منهما أصل و الآخر فرع:

مشكل، و لا سيّما مع استعمال الصيغ المشتقّة من كلّ واحد من المادّتين- راجع وحد.

و في الأحد دلالة زائدة من الواحد، على الانفراد و التجرّد.

وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ- 92/ 19.

أستعمل في مقام النفي.

هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ.

اطلق على اللّه تعالى.

إِحْدَى الطّٰائِفَتَيْنِ ... إِحْدٰاهُنَّ ... إِحْدَى ابْنَتَيَّ.

صيغة تأنيث استعملت مضافة.

إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ* ... أَمّٰا أَحَدُكُمٰا ... فَخُذْ أَحَدَنٰا مَكٰانَهُ ... يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ

41

يُعَمَّرُ ... قٰالَ أَحَدُهُمٰا.

التعبير بهذه الكلمة إشارة الى عدم خصوصية فرد معيّن، و التوجّه الى الحكم لا الى موضوع معيّن.

أخذ

مقا- أخذ: أصل واحد تتفرّع منه فروع متقاربة في المعنى، فالأصل جوز الشي‌ء وجيبه و جمعه، تقول: أخذت الشي‌ء آخذه أخذا. قال الخليل: هو التناول خلاف العطاء.

صحا- أخذه بيه أخذا: تناوله. و الإخذ بالكسر اسم منه. و أخذ من الشعر: قص. و أخذ الخطام: أمسكه. و أخذه اللّه تعالى: أهلكه. و أخذه بذنبه.

عاقبه عليه. و آخذه و مؤاخذة كذلك و الأمر منه آخذ. و أخذته مثل أسرته لفظا و معنى، فهو أخيد فعيل بمعنى مفعول، و الاتّخاذ افتعال من الأخذ، ائتخذوا في الحرب: إذا أخذ بعضهم بعضا، ثمّ ليّنوا الهمزة و أدغموا فقالوا- اتّخذوا.

كليا- الأخذ التناول. و أخذ إخذهم بالكسر: سار سيرتهم و تخلّق بأخلاقهم. و أخذ: يعدّى بالباء نحو فَيُؤْخَذُ بِالنَّوٰاصِي، و بنفسه نحو خُذْهٰا وَ لٰا تَخَفْ و إن كان المقصود بالأخذ غير الشي‌ء المأخوذ حسّا فيتعدّى اليه بحرف. و الفعل مع صلته قد يكون بمعنى فعل آخر مع صلة اخرى- أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ- أى حملته عليه.

مفر- الأخذ حوز الشي‌ء و تحصيله، و ذلك تارة بالتناول، نحو مَعٰاذَ اللّٰهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلّٰا مَنْ وَجَدْنٰا. و تارة بالقهر نحو- لٰا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لٰا نَوْمٌ ... أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ... فَأَخَذَهُ اللّٰهُ نَكٰالَ الْآخِرَةِ ... وَ كَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذٰا أَخَذَ الْقُرىٰ. و يعبّر عن الأسير بالمأخوذ و الأخيذ. و الاتّخاذ افتعال منه و يعدّى الى مفعولين و يجرى مجرى الجعل نحو- لٰا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ و اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَوْلِيٰاءَ*.

42

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا. أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ. و قوله- وَ لَوْ يُؤٰاخِذُ اللّٰهُ النّٰاسَ* بعضهم ببعض ففي لفظ المؤاخذة تنبيه على معنى المجازاة و المقابلة لما أخذوه من النعم فلم يقابلوه بالشكر، و يقال فلان مأخوذ به.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التناول مع الحوز. و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد:

فقد يكون التناول باليد- كما في- خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً ...، أَخَذَ الْأَلْوٰاحَ.

و قد يكون بالقلب- كما في- خُذُوا مٰا آتَيْنٰاكُمْ بِقُوَّةٍ*، ... وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.

و قد يكون بالسمع كما في- بِرِسٰالٰاتِي وَ بِكَلٰامِي فَخُذْ مٰا آتَيْتُكَ.

و بأخذ قهر أو رأفة- فَأَخَذَهُمُ اللّٰهُ بِذُنُوبِهِمْ*، ... لٰا تَأْخُذْكُمْ بِهِمٰا رَأْفَةٌ.

و بأخذ إحاطة في الخير و الشرّ- فَأَخَذَهُمُ الْعَذٰابُ* ...، لٰا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لٰا نَوْمٌ ...، كُلَّ عَدْلٍ لٰا يُؤْخَذْ مِنْهٰا.

و كذلك سائر أنواع هذا المفهوم: من الأخذ بالعمل، و بالتصرف، و غيرهما- خُذِ الْعَفْوَ ...، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ.

و أمّا الاتّخاذ: فهو الأخذ مع الدقّة و التوجّه، فيكون قريبا من الانتخاب.

وَ قٰالُوا اتَّخَذَ اللّٰهُ وَلَداً ...، اتَّخَذَ اللّٰهُ إِبْرٰاهِيمَ خَلِيلًا ...، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ ...،

اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ* ...، اتَّخِذِي مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً.

أخر

مقا- أخر: أصل واحد اليه ترجع فروعه، و هو خلاف التقدّم، و الاخر‌

43

نقيض القدم. و الآخر نقيض المتقدّم.

مصبا- قال أبو عبيد: مؤخر العين، الأجود فيه التخفيف، و مؤخّر كلّ شي‌ء خلاف مقدّمه، و أخّرته ضدّ قدّمته، فتأخر، و الأخر و زان فرج بمعنى المطرود المبعد. و الأخير و الآخر خلاف الأوّل، و الأنثى آخرة. و الآخر بالفتح: بمعنى الواحد و وزنه أفعل و الأنثى أخرى بمعنى الواحدة أيضا، و يجمع الآخر لغير العاقل على الأواخر، و إذا وقع صفة للجمع غير العاقل أو حالا أو خبرا له: جاز أن يجمع جمع المذكّر أو جمع المؤنث و أن يعامل معاملة المفرد المؤنّث لأنّه غير عاقل، فيقال الأيّام الأفاضل باعتبار الواحد المذكّر، و الفضليات و الفضل إجراء له مجرى جمع المؤنّث لأنّه غير عاقل، و الفضلى اجراء له مجرى الواحدة، و جمع الاخرى أخريات و أخر.

كليا- الآخر مقابل الأوّل، و هو اسم لفرد لا حق لمن تقدّمه و لم يتعقّبه مثله، يجمع على آخرين و تأنيثه بالتاء لا غير، و رجل آخر معناه أشدّ تأخّرا، ثمّ أجرى مجرى غيره، و مدلول الآخر خاصّ بجنس ما تقدّمه بخلاف غير، فانّها تقع على المغايرة مطلقا في جنس أو صفة، و أخر جمع أخرى، و إنّما لم ينصرف لأنّه وصف معدول عن الأخر (أى مع اللام)، و القياس أن يعرّف إلّا أنّه في معنى المعرّف، و ليس في القرآن من الألفاظ المعدولة الّا ألفاظ العدد- مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ*. و من غيرها طُوىً*. و من الصفات اخر، وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ. و الآخرة و كذا الدنيا مع كونهما من الصفات الغالبة قد جرتا مجرى الأسماء، إذ قلّما يذكر معهما موصوفهما.

لسا- قال الزجّاج في قوله- وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوٰاجٌ: و اخر لا ينصرف لأنّ وحدانها لا تنصرف مثل كبر و صغر، و كذلك كلّ جمع على فعل لا ينصرف إذا كانت وحدانها لا تنصرف. و إذ كان فعل جمعا لفعلة فانّه ينصرف نحو سترة و ستر، و إذا كان فعل اسما مصروفا عن فاعل لم ينصرف في المعرفة و ينصرف في النكرة. و أخرّته فتأخّر، و استأخر: كتأخّر، و في التنزيل- لٰا يَسْتَأْخِرُونَ سٰاعَةً وَ لٰا يَسْتَقْدِمُونَ* ...

وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ.

44

و التحقيق

أنّ الأصل في هذه المادّة: هو التأخّر و هو ما يقابل التقدّم. و اختلاف المعاني في مشتقّاتها ليس إلّا من جهة اختلاف الصيغ و الهيئات فقط.

فآخر كفاعل، و أخير كفعيل، و أخر كحسن، و الآخر كأفعل، و أخرى كفعلى، و اخر جمع اخرى كصغرى و صغر و كبرى و كبر، و تفصيل عدم انصراف اخر مذكور في الكتب النحويّة.

و إطلاق أخر على المطرود من جهة تأخّره عن مقامه.

و الظاهر أنّ صيغ الفعل المجرّد و كذا باب الإفعال من هذه المادّة غير مستعملة، و لم نر صيغة على وزانها.

خَلَطُوا عَمَلًا صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً ... يَجْعَلُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ ... أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ.

... وَ قٰالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرٰانِي أَحْمِلُ ... وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ.

فذكر هذه الكلمة (آخر) في هذه الموارد يشير الى زيادة التأخّر فيها رتبة، كما في الآيتين الأوليين. أو تكوّنا و من جهة شدّة الامتياز و الفصل، كما في الآية الثالثة، أو من جهة خصوصيّات ظاهريّة كما في الأخيرتين.

و هذا المعنى محفوظ في صيغ التأنيث و التثنيّة و الجمع منها- ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ.

إشارة الى زيادة تأخّر رتبة من ليس بعادل و انحطاط مقامه بالنسبة إلى العادل.

فَإِنْ عُثِرَ عَلىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقّٰا إِثْماً فَآخَرٰانِ ... وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ.

التأخّر في هاتين الآيتين في جهة الارتفاع و العلوّ.

وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا- التأخّر من جهة الانحطاط في الرتبة.

و قد يكون التأخّر في الزمان: كما في- ثُمَّ أَنْشَأْنٰا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ... وَ

45

آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّٰا يَلْحَقُوا بِهِمْ.

و قد يكون التأخّر من جهة مجرّد الارتباط و النسبة: كما في- وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ* ... وَ لِيَ فِيهٰا مَآرِبُ أُخْرىٰ ... هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ ... ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرىٰ فَإِذٰا هُمْ قِيٰامٌ.

و الآخر: كفاعل، بمعنى المتأخّر المطلق بالنسبة الى ما قبله، و هذا المعنى محفوظ في جميع موارد استعماله كما في- اليوم الآخر- بالنسبة الى يوم الدنيا المتقدّم.

وَ آخِرُ دَعْوٰاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ- 10/ 10.

بالنسبة الى قولهم أوّلا- دَعْوٰاهُمْ فِيهٰا سُبْحٰانَكَ، و إشارة الى كونهم شاكرين حامدين راضين ما داموا في الجنّة.

عِيداً لِأَوَّلِنٰا وَ آخِرِنٰا.

أى لمبتدأ حياتنا و بقيّتها ما داموا في الدنيا.

هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّٰاهِرُ وَ الْبٰاطِنُ- 57/ 3.

أى هو البدء في عالم الوجود و المتأخّر المطلق أى ما يكون بعده، فلا فصل بين الأوّل و الآخر كالنقيضين، فالآخر يشمل جميع المراحل لما بعد الأوّل، كما أنّ الباطن في مقابل الظاهر و يشمل جميع المراحل و المراتب الّتى هي دون الظاهر.

فلا يطلق الآخر [بصيغة أفعل التفضيل] على اللّه المتعال، إذ لا معنى لكونه أشدّ تأخّرا.

و أيضا لا يستعمل اسم الآخر إلّا مع اسم الأوّل، فانّه يدلّ على امتداد مفهوم الوجود فيما بعد الأوّل، فهو مفهوم إضافىّ، كما أنّ الباطن له مفهوم إضافىّ في مقابل الظاهر.

و الآخرة: مؤنّث الآخر، و قد ذكرت في تسعة موارد في القرآن الكريم، مقيّدة بالدار، صفة أو مضافة اليها.

إِنْ كٰانَتْ لَكُمُ الدّٰارُ الْآخِرَةُ ... وَ إِنَّ الدّٰارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوٰانُ ... وَ لَدٰارُ الْآخِرَةِ

46

خَيْرٌ*.

و في مورد واحد مقيّدة بالنشأة- يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ.

و في خمسة موارد مقابلة بالأوّلى- فَأَخَذَهُ اللّٰهُ نَكٰالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولىٰ ... فَلِلّٰهِ الْآخِرَةُ وَ الْأُولىٰ.

و في ثمانية و أربعين موردا مقابلة بالدنيا- فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ* ... فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ... مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ ... اشْتَرَوُا الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ.

و قد ذكر الآخر مذكّرا صفة لليوم في ستّة و عشرين موردا- آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... لِمَنْ كٰانَ يَرْجُوا اللّٰهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ*.

فظهر أنّ معنى الآخر و الآخرة: هو المراحل المتأخّرة و المنازل المتعقّبة بعد انقضاء أيّام الدنيا، فيعبّر عنها بالدار الآخرة و النشأة الآخرة و اليوم الآخر و الآخرة (المطلقة) فالآخرة ممتدّة في طول الحياة الدنيا، فتشمل مرحلة القبر و البرزخ و الحشر و النشر و الحساب و الجنّة و الجحيم و غيرها.

و ممّا قلنا يظهر لطف التعبير بهذه الكلمة دون كلمة الآخر بالفتح أو كلمة الاخرى: فانّ الواقع و الحقّ اتّصال مرحلة تلك الدار بالحياة الدنيا و ترتّبها عليها من دون فصل، فلا معنى في التعبير بصيغة أفعل الدالّة على البعد و الفصل، و هذا من إعجاز كتاب اللّه المبين.

و أمّا الفرق بين التأخّر و الاستيخار في قولهم- أخّرته فتأخّر و استأخر:

فالتأخّر للمطاوعة الصرفة، و في الاستيخار مضافة الى المطاوعة: دلالة على الطلب المكنون في باطنه، فكأنّه يحبّ الاستيخار قبل أن يتأخّر.

لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ- 15/ 24.

أى من كان يحبّ التقدّم و يطلبه ثمّ تقدّم، و من كان يحبّ التأخّر و تأخّر.

فَإِذٰا جٰاءَ أَجَلُهُمْ لٰا يَسْتَأْخِرُونَ سٰاعَةً وَ لٰا يَسْتَقْدِمُونَ*- 7/ 34.

47

أى لا يتأخّرون و لا يتقدّمون و لا يوجد منهم ميل أو طلب الى التأخّر و التقدّم أيضا، و هذا التعبير يدلّ على كمال اللطف و الرحمة من اللّه المتعال بحيث لا يبقى حين حلول الأجل اقتضاء في تقدّمه و تأخّره حتّى يوجب الطلب و الميل الى خلافه.

مٰا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهٰا وَ مٰا يَسْتَأْخِرُونَ*- 15/ 5.

إشارة الى كمال النظم و نهاية التدبير في خلق اللّه تعالى بحيث لا يمكن السبق فيها و لا طلب التأخير منهم بأىّ سبب كان.

أخو

مصبا- الأخ لامه محذوفة و هي واو، و تردّ في التثنيّة على الأشهر، فيقال أخوان و جمعه إخوه و اخوان و آخاء، و الأنثى أخت و جمعها أخوات، هو أخو تميم أى واحد منهم، و أخو الموت أى مثله، و أخو الصدق أى ملازم له، و أخو الغنى أى ذو الغنى، و تأخيّت الشي‌ء بمعنى قصدته و تحريته. و آخيت بين الشيئين و واخيت لغة اليمن كواخذت.

صحا- الأخ أصله أخو بالتحريك لأنّه جمع على آخاء مثل آباء، و الذاهب منه و او لأنّك تقول في التثنيّة أخوان، و الجمع إخوان كخرب و خربان، و إخوه و أخوة، و قد يتّسع في الجمع فيراد به الاثنان،- و فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ- كقولك إنّا فعلنا و نحن صنعنا، و أنتما اثنان.

مفر- الأخ و هو المشارك آخر في الولادة، من الطرفين أو من أحدهما أو من الرضاع، و يستعار في كلّ مشارك لغيره في القبيلة أو في الدين أو في صنعة أو في معاملة أو في مودّة أو في غير ذلك من المناسبات- و لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قٰالُوا لِإِخْوٰانِهِمْ- أى لمشاركيهم في الكفر- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ. و قوله فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ أى إخوان و أخوات. و قوله إِخْوٰاناً عَلىٰ سُرُرٍ

48

مُتَقٰابِلِينَ- تنبيه على انتفاء المخالفة فيما بينهم. و الاخت تأنيث الأخ و جعل التاء فيه عوضا من المحذوف فيه. و يٰا أُخْتَ هٰارُونَ- يعنى أخته في الصلاح لا في النسبة، كقولهم يا أخا تميم، أَخٰا عٰادٍ، سمّاه أخا تنبيها على إشفاقه عليهم شفقّة الأخ على أخيه. و عليه قوله: وَ إِلىٰ ثَمُودَ أَخٰاهُمْ*، ... وَ إِلىٰ مَدْيَنَ أَخٰاهُمْ*. و قولهم: تأخّيت أى تحريّت تحرّى الأخ للأخ، و اعتبر من الاخوّة معنى الملازمة، فقيل أخيّة الدابّة. و قولهم وَ مٰا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلّٰا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهٰا- أى من الآية الّتى تقدّمتها، و سمّاها أختا لها لاشتراكهما في الصحّة و الابانة و الصدق. و قوله: كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهٰا- إشارة الى أوليائهم المذكورين في نحو قولهم: أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ.

لسا- و الاخت أنثى الأخ، صيغة على غير بناء المذكّر و التاء بدل من الواو، وزنها فعلة فنقلوها الى فعل و ألحقتها التاء المبدلة من لامها بوزن فعل فقالوا أخت، و ليست التاء فيها بعلامة تأنيث كما ظنّ من لا خبرة له بهذا الشأن، و ذلك لسكون ما قبلها، هذا مذهب سيبويه و هو الصحيح.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تشارك في نسب أو في أمر مادّىّ أو معنوىّ يجمعهما ذلك الأمر. كما قلنا في الأب أيضا: إنّ الأصل فيه هو التربية المطلقة.

و هذه الكلمة من الأسماء الستّة الّتي ذكروا أنّ إعرابها بالحروف، و هي أب، أخ، حم، هن، فم، ذو.

فَأَرْسِلْ مَعَنٰا أَخٰانٰا- 12/ 63.

و كان يوسف أخاهم من الأب.

وَ إِلىٰ عٰادٍ أَخٰاهُمْ هُوداً* ... وَ إِلىٰ مَدْيَنَ أَخٰاهُمْ شُعَيْباً*.

باعتبار كونهم من قبيلة واحدة و ينتهى نسبهم الى أب واحد، و هكذا:

قٰالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ... إِذْ قٰالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لٰا تَتَّقُونَ ... فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ

49

شَيْ‌ءٌ- 2/ 178.

عبّر بالأخ لإيجاد الشفقّة و الرحمة، فانّ أفراد بنى آدم لازم لهم أن يعاملوا و يعاشروا بينهم كالإخوان، فانّهم من أب واحد و امّ واحدة، أبوهم آدم و الام حوّاء. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ- 17/ 27.

فإذا كان الإنسان مبذّرا و خرج عن الاعتدال فهو أخو الشيطان، و يجمعهما عنوان واحد و هو التعدّى عن الحقّ و البعد عن مرحلة العدل.

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... نٰافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوٰانِهِمُ ... كَفَرُوا وَ قٰالُوا لِإِخْوٰانِهِمْ.

فالمؤمنون و المنافقون و الكافرون كلّ فرقة منهم بعضهم إخوة بعض، يجمعهم عنوان واحد- النفاق، الكفر، الايمان.

و الفرق بين الإخوة و الإخوان: أنّ استعمال الإخوة في ابتداء مراحل الأخوّة، و لمّا تحقّقت المحبّة بينهم و كملت الالفة و خلصت المودّة تطلق كلمة الإخوان، و كذلك إذا أريد تحقّق المحبّة و جلب الالفة و إيجاد الاخوّة بينهم. و يؤيّده وجود حرف المدّ و اللين فيه. هذا ما يظهر و يستكشف من تحقيق موارد استعمال الكلمتين.

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ- 49/ 10.

نزلت في موارد حدوث الاختلاف و البغض بينهم، فيشار الى دفعه بالاشتراك في الايمان.

و كذلك- لٰا تَقْصُصْ رُؤْيٰاكَ عَلىٰ إِخْوَتِكَ ... فَإِنْ كٰانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ... فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ.

هذه الآيات نزلت في موارد مقتضية للاختلاف و حدوث البغض، فيلاحظ معنى الاخوّة و يتوجّه اليه.

و في مقابلتها: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوٰاناً- 3/ 103.

إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ- 9/ 24.

50

نزلت في مقام تحقّقت الالفة أو اقتضتها.

وَ لَهُ أَخٌ ... ائْتُونِي بِأَخٍ ... وَ هٰذٰا أَخِي ... وَ أَخِي هٰارُونُ:

و شرط ذا الاعراب أن يضفن لا * * *للياء كجاء أخو أبيك ذا اعتلاء.

و أمّا تأخّيت أى تحرّيت و قصدت: فلا يبعد أن تكون مأخوذة من مادّة الوخي بمعنى القصد و السير، فيكون بين المادّتين اشتقاق أكبر.

أدّ

مقا- أدّ: فأصلان أحدهما عظم الشي‌ء و شدّته و تكرّره. و الآخر الندود.

أمّا الأوّل: فالإدّ و هو الأمر العظيم. قال اللّه تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا- أى عظيما من الكفر. و يقال: أدت الناقة إذا رجعت حنينها. و الأدّ: القوّة. و ثانيهما أدّت الإبل إذا ندّت (نفرت).

صحا- الإدّ و الإدّة: الداهية و الأمر الفظيع، و منه قوله تعالى- لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. و كذلك الآدّ مثال فاعل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الأمر العظيم المكره، و هو خلاف الجريان الصحيح السليم، كما أنّ نسبة الولد الى اللّه العزيز المتعال كذلك، فانّها نسبة منكرة، و هكذا حنين شديد من الناقة، و نفرها دفعة، و يدلّ عليه الكسرة و التشديد الدالّان على انكسار و شدّة.

وَ قٰالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمٰنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا- 19/ 89.

هذه الكلمة وردت في القرآن المجيد في مورد واحد.

51

أدم

مقا- أدم: أصل واحد و هو الموافقة و الملائمة. طعام مأدوم. و أدم الطعام، لأنّ صلاحه و طيبه لا يكون إلّا بالإدام.

مصبا- أدمت بين القوم أدما: أصلحت و ألّفت. و‌

في الحديث

: فهو أحرى أن يؤدم بينكما

: أى يدوم الصلح و الالفة. و الإدام: ما يؤتدم به مائعا كان أو جامدا.

مفر- آدم أبو البشر، قيل سمّى بذلك لكون جسده من أديم الأرض، و قيل لسمرة في لونه، يقال رجل آدم أى أسمر، و قيل سمّى بذلك لكون جسده من عناصر مختلفة و قوى متفرّقة، يقال جعلت فلانا أدمة أهلى، أى خلطته بهم، و قيل سمّى به لما طيّب به من الروح المنفوخ به و جعل له به العقل و الفهم و الرويّة الّتى فضّل بها على غيره.

فر- [آدام] آدم، انسان.

[آدوم] الأحمر.

[اداماه] الأرض، التربة.

أخبار الزمان ص 49- و سمّى اللّه آدم عبد اللّه و كنّاه أبا محمّد، و كان يتكلّم بالعربيّة فحوّل اللّه عزّ و جل لسانه الى السريانيّة.

المعارف ص 11- فخلق آدم من أدمة الأرض و نفخ في وجهه نسمة الحياة، و قال إنّ آدم لا يصلح أن يكون وحده، و لكن أصنع له عونا.

التنبيه و الإشراف ص 69- و هذه جزيرة العرب كانت كلّها مملكة واحدة يملكها ملك واحد و لسانها واحد سريانىّ و هو اللسان الأوّل لسان آدم و نوح و ابراهيم (ع) و غيرهم فيما ذكر اهل الكتب ... و انّما تختلف لغات هذه الشعوب من السريانيّين اختلافا يسيرا، و العربيّة أقرب اللغات بعد العبرانيّة الى السريانيّة، و ليس التفاوت بينهما بالكثير، و قيل إنّ أوّل من تكلّم بالعبرانيّة ابراهيم الخليل (ع)

52

بعد أن خرج من قريته المعروفة باور كشد و عبر الفرات.

و التحقيق

أنّ الأصل في المادّة: هو خلط يوجب إصلاحا و ملائمة، و منه خبز مأدوم، و إدام الطعام.

و كلمة آدم عربيّة على أفعل، و هي مأخوذة من العبرانيّة و السريانيّة بتغيير مختصر و تصرّف و تعريب.

ثمّ إنّ ما يقوى في النظر أنّ هذه الكلمة أطلقت عليه (ع) أوّلا باعتبار معناه الوصفي لا بعنوان العلميّة، ثمّ جعلت علما له بالغلبة.

و من الآيات الّتى استعملت هذه الكلمة فيها بعنوان العلميّة الشخصيّة:

إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً ...، إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ- 3/ 59.

فالكلمة استعملت فيها علما كنوح و عيسى، و الحكم [الاصطفاء، المثليّة] أيضا مخصوص به، و لا يمكن تعميمه بسائر بنى آدم.

و من الموارد الّتى يمكن تعميمه و إن كان المورد خاصّا.

وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلٰائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ*- 2/ 34.

وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ... يٰا آدَمُ إِنَّ هٰذٰا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ- 20/ 117.

فانّ سجود الملائكة و خضوعهم لآدم: ليس من جهة خصوصيّة شخص آدم من حيث هو هو، بل من جهة مقامه و صفاته النفسانيّة و صفاء ذاته و روحانيّة نفسه، و بلحاظ أنّه خليفة اللّه في خلق الرحمن و مظهره في أرضه و حجّته و آيته الكبرى.

إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً- 2/ 30.

و بهذا ينكشف معنى تعليم الأسماء لآدم: فانّه أمر تكوينىّ يرجع الى الاستعداد الفطرىّ و الجعل التكوينىّ الإلهىّ و المرآتيّة الكاملة و الجامعيّة التامّة.

ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ- 23/ 14.

53

و كذلك يظهر معنى عداوة إبليس لآدم شخصا أو نوعا: فانّ الإنسان مظهر للرحمن كما أنّ إبليس مظهر للاستكبار و الشيطنة و مصداق غضب و قهر للجبّار و هو مطرود رجيم، فهذه العداوة بينهما طبيعىّ قهرىّ.

إِنَّ الشَّيْطٰانَ لِلْإِنْسٰانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ- 12/ 5.

إِنَّ الشَّيْطٰانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا- 35/ 6.

هذا منشأ العداوة و لا ينافيه حدوث عداوة اخرى أيضا في أثر مقتضيات اخر. كما أنّ تعليم الأسماء تكوينا لا ينافيه التعليم الحادث.

و ليعلم أنّ إطلاق كلمة- آدم- في القرآن الكريم: واقع في موارد تقتضي الاشارة الى فطرته الأصليّة السليمة الصافية و خلقته الطاهرة الخالصة فإنّها أوّل كلمة أطلقت عليه بعد قوله تعالى- إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، و هذا بخلاف كلمة البشر و الإنسان: فانّ إطلاقهما عليه باعتبارات عرضيّة ثانويّة بتناسب المادّتين.

و الى هذا المعنى يشار بالعهد التكوينىّ في قوله تعالى:

وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ...

أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ.

و لا ينافي هذا العهد: الوصايا و التذكّرات و عهود اخر تشريعيّة بوسائط أخر من الكتب النّازلة و الأنبياء المرسلين و الوحى و غيرها.

وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.

أدى

مقا- أصل واحد و هو إيصال الشي‌ء الى الشي‌ء أو وصوله اليه من تلقاء نفسه، أدى اللبن إذا وصل الى حال الرؤوب، أدّى فلان يؤدّى ما عليه أداء أو تأدية، و فلان آدى للأمانة منك.

54

مصبا- أدّى الأمانة الى أهلها تأدية إذ أوصلها، و الاسم الأداء، و آدى على أفعل: قوى في السلاح و نحوه، و الأداة: الآلة و أصلها واو، و الجمع أدوات، و الإداوة: المطهرة.

مفر- الأداء: دفع الحقّ دفعة و توفيته، كأداء الخراج و الجزية و ردّ الأمانة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الوصول و الإيصال لما في الذمّة الى مورده.

و ليعلم انّ هذه المادّة يائيّة (آخرها ياء)، و أمّا الواويّة و هي أدو: فمشتقّاتها الأداة و الإداوة، و آداه يؤديه ايداء إذا قوّاه و أعانه. و قد اختلطت المادّتان في كلامهم، و بينهما اشتقاق أكبر، فانّ التناسب بين الإيصال و الاعانة و التقوية ظاهرة، و لا سيّما مع دعاية خصوصيّة البابين، الإفعال و التفعيل، و قد استعملت الواويّة من باب الافعال و اليائيّة من التفعيل.

فَاتِّبٰاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدٰاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسٰانٍ ... إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا- 4/ 58.

أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبٰادَ اللّٰهِ 44/ 18. فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمٰانَتَهُ- 2/ 283.

و أمّا حقيقة التأدية في قوله تعالى: وَ جٰاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ. أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبٰادَ اللّٰهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. وَ أَنْ لٰا تَعْلُوا عَلَى اللّٰهِ- 44/ 18.

تحويل عباد اللّه (و هم الّذين يتوجّهون اليه و لهم تعلّق به و يريدون أن يسيروا اليه و يعملوا بوظائف عبوديتهم) اليه، أى الى الرسول موسى (ع) الّذى مرسل من جانب اللّه تعالى و خليفته في أرضه و أمين اللّه و رسوله على خلقه، حتّى يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ* و يبلّغهم أوامر اللّه و نواهيه و أحكام العبوديّة.

و هذا المعنى أقرب الى الصواب لغة و أدبا و معنى.