التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج4

- حسن المصطفوي المزيد...
378 /
1

الجزء الرابع

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[المدخل]

إنّ القرآن الكريم يُعَدُّ المصدرَ الأَوّل للعلوم الإسلاميّة فهو كتابٌ مبارك من جميع نواحيه و اهتم المسلمون من أقدم العصور بشأن القرآن من آداب تلاوته و فنون بلاغته و تفسير آياته و أسباب نزوله و قَصصه و أحكامه و حِكَمه و أمثاله و غيرها من العلوم القرآنيّة و قاموا بتحقيق لغاته كسائر علومه و في ذلك رَوَوا عن النَّبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «أَعرِبوا القرآنَ وَ التمسُوا غَرائبَهُ» و المرادُ بإعرابه معرفةُ معاني ألفاظه و ليس المرادُ به الإعرابَ المصطلحَ عليه عند النُحاة كما قال السّيوطى في «الإتقان».

و قد صنّف في هذا الفن جماعةٌ لا يُحصى عددُهم، منهم أبو عبيدة و ابن قُتَيبة و العزيزي و ابن دُريد و ابو بكر بنُ الأنبارى و السّجستانى و الرّاغب الإصفهانى و اختار بعضُهم في تفسير مفردات القرآن طريقَ الاحتجاج بالشّعر و أنكر ذلك جماعةٌ عليهم و قالوا: إذا فعلتم هذا جعلتم الشّعرَ أَصلًا للقرآن و كيف يجوز أن يُحتَجَّ بالشّعر على القرآن و الشّعرُ مذمومٌ في القرآن؟! قال ابو بكر بنُ الأنبارى: «و ليس الأَمرُ كما زعموه من انّا جعلنا الشّعرَ أَصلًا للقرآن بل أردنا تبيينَ الحرفَ الغريبَ من القرآن بالشّعر لأَن اللَّه تعالى قال:. إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا و قال. بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ و قالَ ابنُ عبّاس: الشّعرُ ديوانُ العَرب فإذا خَفِى علينا الحرفُ من القرآن الّذى أنزله اللهُ بلُغَةِ العرب رجعَنا الى ديوانها فَالتمَسنا معرفة ذلك منه».

و اختار بعضٌ الرّجوعَ إلى ما رُوِىَ من العرب في معاني المفردات و أصولها ثمّ طَبَّقوه على الآياتِ القرآنيّة. منهم الرّاغب الإصفهانى فإنّه صنّف كتابَ: «المفردات في غريب القرآن» و اصطَفى ذلك المِنهَج على سائر المَناهج فاستَحسَنَ عملَهُ الّذين جاؤوا من بعده.

و في عصرنا الأستاذُ البارعُ الشّيخُ حسن المصطفوى مصنّفُ هذا الكتاب اتبَعَ مِنهَجَ الرّاغب الإصفهانى في تحقيق لغات القرآن و وَسَّعَ على ذلك و جعل يَبحَثُ عن الأصل الواحد في كلّ كلمةٍ بالنّقل من كتب أئمّة الأدب و مشاهيرهم ثم يُطبّقه على موارد استعماله في الذّكر الحكيم و هو يستنبط دائماً لطائف الآيات و يستخرج دقائقَ المعاني من خلال الفحص الأَدبى.

و من الأَسف أَنّه يخرج أحياناً من حدود اللغة و يدخل في أمور لا تليق بكتابه!

2

منها قوله: إنّ البدن المادىّ و قواه إذا مات بالانتقال الى عالم الآخرة فلا يبقى له التذاذ بالأمور المادّيّة و لا يحتاجُ إلى أمور يحتاج اليها البدن الجسدانيّ من الاستراحة و الاستظلال و مشاهدة الطراوة و الالتذاذ باللذائذ الطبيعيّة و اللّطافة! (راجع ج 5، ص 94).

و هذا القول لا يلائِمُ ما جاءَ في كتاب اللّٰه تعالى حيثُ يقول اللّه عَزَّ و جَلَّ:. أُكُلُهٰا دٰائِمٌ وَ ظِلُّهٰا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا و قالَ تعالى. وَ فِيهٰا مٰا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَ أَنْتُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ و غير ذلك من الآيات المُصرّحةِ بلَذّات الحسيّة في الجنّة و نعيم الآخرة.

و منها قوله: «و أمّا إحضارُ بلقيس فلا مانع منه إذا قَوِيَتِ النَّفسُ و كانت نافذةَ إرادتها و هذا الموضوع ثابتٌ محقَّقٌ فكيف إذا صَرَّح به القرآن الكريم و هو من المعجزات و الخوارق الّتى آتاها اللهُ تعالى لأنبيائه و أوليائه و قد يُترأى أمثالُ هذه الموضوعاتِ من المُرتاضين» (راجع ج 5، ص 10).

و الظّاهر انّه ذهب الى القول بأنّ النبىّ أو الولىّ يُظهر المعجزات و الخوارقَ بتأثير نفسه في الأشياء و نفوذ إرادته فيها كما صنع المرتاضون بزعمه و هذا أيضا لا يوافق ما جاء في التّنزيل من حكاية معجزات الأنبياء (عليهم السلام) و اعترافِهم بالعجز عن إظهار الآيات إلا بإرادة اللّه عزّ و جلّ كما قال تعالى لخاتم أنبيائه:. قُلْ إِنِّي عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ مٰا عِنْدِي مٰا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفٰاصِلِينَ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مٰا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ و قال جَلَّ اسمُهُ:. قُلْ إِنَّمَا الْآيٰاتُ عِنْدَ اللّٰهِ وَ إِنَّمٰا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ و قالَ عزَّ و عَلا لموسى (عليه السلام). خُذْهٰا وَ لٰا تَخَفْ سَنُعِيدُهٰا سِيرَتَهَا الْأُولىٰ و لعيسى (عليه السلام). إِنِّي مُنَزِّلُهٰا عَلَيْكُمْ و لإبراهيم (عليه السلام) حين سأَل ربّه لِيُرِيَهُ كيف يُحيى الموتى:. فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللّٰهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ و غير ذلك من الآيات ... (1)

و مع هذا كلّه، ستجد كتاب الأستاذ من أحسن ما صُنِّفَ في نوعه بحيث لا يُغنى عنه باحثٌ مُسترشد و لا عالمٌ مُرشد.

هذا ما أردنا أن نذكر في مقدمة الكتاب من التّعريف و النقد وفّقنا اللّٰه تعالى لإصلاح القول و العمل و لخدمة العلم و الدّين وَ الحَمدُ لِلّٰهِ رَبِّ العالَمين.

بنگاه ترجمه و نشر كتاب‌

____________

(1)- حقّقنا هذا البحث في كتابنا المسمّى ب‍: (راهى بسوى وحدت اسلامى) و استَوفَينا الكلامَ فيه فراجِعهُ تجد إنشاء اللّٰه تعالى ما يُغنيك.

3

بسم اللّه الرّحمن الرحيم

الحمدُ للّه الّذى هَدانا لهذا وَ ما كنّا لنهتدي لو لا أَن هَدانَا اللّه، و أشهدُ أَن لا إله الّا هو الحىّ القيّوم السَّلامُ المؤمن المُهيمن، اللّهمّ إنّك أكرم مقصود و أكرم مأتىّ، و قد توجّهت اليك و أنت الرحمن الرحيم الكريم ذو العزّة و الجمال و الجلال.

و أسأله أن يصلّى و يسلّم على خير خلقه و حبيبه و رسوله خاتم النبيّين و سيّد المرسلين أبى القاسم محمّد و آله الطاهرين المعصومين الأئمّة الدعاة و السادة الولاة و حجج اللّه على العباد و خلفائه و رحمة اللّه و بركاته.

و بعد: فنبتدئ بحول اللّه و قوّته و تأييده حرفَ الراء و هو أوّل الجزء الرابع من كتاب- التحقيق في كلمات القرآن الكريم- و أسأله أن يوفّقنا في إتمام هذا الكتاب الشريف و أن يجعله مَرضيّا و مقبولا عنده، انّه خير معين.

و ما النصر و التأييد الّا من اللّه العزيز الكريم.

حرف الراء

رأس:

مصبا- الرأس: عضو معروف، و هو مذكّر، و جمعه أرؤس رؤس، و بائعها رأّس مثل نجّار و عطّار، و أمّا روّاس فمولّد، و الرأس: مهموز في أكثر لغاتهم الّا بنى تميم، فانّهم يتركون الهمز لزوماً. و رأس الشهر: أوّله. و رأس المال: أصله. و رأس الشخصُ يرأس بفتحتين رآسة:

شرف قدره، فهو رئيس، و الجمع رؤساء.

مقا- رأس: يدلّ على تجمّع و ارتفاع. فالرأس رأس الإنسان و غيره.

و الرأس: الجماعة الضخمة. و الأرأسُ: الرجل العظيم الرأس. و يقال بعير رَءُوس: إذا لم يبق له طِرق الّا في رأسه. و شاة رَأساء: إذا اسودّ رأسها.

و الرئيس: الّذى قد ضرب رأسه. و يقال سحابة رائسة و هي الّتى تقدم السحاب و يقال أنت على رئاسِ أمرك. و العامّة تقول على رأس أمرك.

صحا- الرأس: يجمع في القلّة أرؤس، و في الكثرة رؤس، و بيت رأسٍ اسم قرية بالشام كانت تُباع فيها الخُمود. قال الأصمعى: يقال للقوم إذا كثروا و عزّوا: هم رأس. و رأَسَ فلان القومَ يرأَس رئاسة و هو رئيسهم، و يقال- رَيِّس مثال قَيّم. و رأّسته عليهم ترئيساً فتَرأّس هو و ارتأس عليهم، و رأسته فهو مرءوس و رَئيسٌ إذا أصبتَ رأسه. و تقول أُعد علىّ كلامك من رأس و لا يقل من الرأس، و العامّة تقوله. و قولهم أنت على رِئاس أمرك أى أوّله و العامّة تقول على رأس أمرك. و رِئاس السيف: مَقبضه.

التهذيب 13/ 63- ابن الأعرابى: راس يروس روسا: إذا أَكل و‌

4

جوّد، و راس يريس ريساً: إذا تبختر في مشيته. و أمّا الرأس: فانّ ابن الأعرابى قال: رأس الرجل يرأس رأسة إذا زاحم عليها و أرادها. و قال الليث: رأس كلّ شي‌ء أعلاه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو المبدأ العالي للشي‌ء أعمّ من أن يكون مادّيّا أو معنويّاً، و لا بدّ أن يكون داخلًا في الشي‌ء أى من أجزائه الداخليّة، و أمّا مفهوم المبدإ: فهو أعمّ من أن يكون داخلا في الشي‌ء أو خارجا عنه.

و أمّا مفاهيم الأوّليّة و العلوّ و الشرافة و العزّة و أمثالها: فمن لوازم الأصل كما لا يخفى على البصير.

و الظاهر انّ فيما بين الروس و الريس و الرأس اشتقاقا أكبر، و اختلاف معانيها بسبب الاختلاف في موادّها و صيغها، فانّ الهمزة تدلّ على الرفعة و الياء على الانكسار و الانخفاض، و التبختر هو مفهوم بين الرفعة و الخفضة.

و أمّا اشتقاق الفعل من الرأس: فهو انتزاعىّ.

. وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ- 7/ 150،. وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً- 19/ 4،. لٰا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لٰا بِرَأْسِي- 20/ 94،. أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ- 2/ 196،. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ- رَأْسِهِ- 44/ 48- التعبير بالرأس في هذه الموارد دون سائر الأعضاء:

باعتبار ما قلنا من الأصل، أى الاشارة الى المبدئيّة و العلوّ، فالرأس هو مقدّم الأعضاء، فإذا كان متعلّقاً لحكم فسائر الأعضاء محكوم به تبعاً.

. وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ- 2/ 279- جمع رأس المال أى أصل المال، و يعبّر عنه بالفارسيّة- سرمايه، و هو ما يرجع اليه مطلق ما يملك و يتموّل.

5

. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ- 14/ 43،. يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ- 22/ 19. إِذِ الْمُجْرِمُونَ نٰاكِسُوا رُؤُسِهِمْ- 32/ 12،. لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ- 63/ 5،. فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ ...،. ثُمَّ نُكِسُوا عَلىٰ رُؤُسِهِمْ- 17/ 51/ و 21/ 65- فاستعمال- المادّة في هذه الموارد باعتبار مفهوم الأصل و كون الرأس مبدأ و ذا رفعة، و إذا كان الرأس مُقنعاً أو منكوساً أو منغضاً أو ملتوىً أو مصبّاً عليه: فسائر- أعضاء البدن يكون كذلك بالأولويّة و التبع.

. إِنَّهٰا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهٰا كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّيٰاطِينِ- 37/ 65 فالشجرة الظاهرة في أصل الجحيم طلعها كأنّه يتجلّى فيه رُءوس الشياطين الّذين هم مظاهر البعد من اللّه العزيز، فكأنّ الطلع مظهر البعد و يتجلّى فيه البعد.

. وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ- 5/ 6- المسح برأس و رجل اشارة الى لزوم الطهارة و النزاهة في العضو العالي و الداني و ما بينهما، و في مرحلة التفكّر و السير المعنوىّ و في عالم الحركة الظاهريّة المادّيّة، فانّ الرأس عضو فيه الدماغ و هو مركز الحواسّ، و الرجل عضو به يتحقّق السير و الحركة الظاهريّة. و لازم أن تتحقّق الطهارة في كلا المرحلتين.

رأف:

صحا- الرأفة: شدّة الرحمة. أبو زيد: رؤفت بالرجل أرؤف به رأفةً و رآفة، و رأفت أرءف به، و رئفت به رأفاً، قال: كلّ من كلام العرب، فهو رءوف على فعول، و رؤف ايضاً على فعل.

مقا- رأف: كلمة واحدة تدلّ على رقّة و رحمة، و هي الرأفة.

يقال رؤف يرؤف رأفة و رآفة على فعلة و فعالة، و لا تأخذكم بهما رأفة‌

6

في دين اللّه- و قرئت رآفة. و رجل رءوف و رؤف.

لسا- الرأفة: الرحمة، و قيل: أشدّ الرحمة. رأف به يرأف و رئف و رؤف رأفة و رآفة. قال الفرّاء: الرأفة و الرآفة مثل الكأبة و الكآبة. و من صفات اللّه عزّ و جلّ: الرءوف و هو الرحيم لعباده العطوف عليهم بألطافه. و الرأفة أخصّ من الرحمة و أرقّ، و لا تكاد تقع في الكراهة، و الرحمة قد تقع في الكراهة للمصلحة.

[فظهر أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو العطوفة و اللطف و الرحمة الخالصة الشديدة بحيث لا تقبل وقوع ألم و لا توجب كراهة ما و لو كانت لمصلحة. و أمّا الرحمة: فهي مطلق العطوفة و يلاحظ فيها الصلاح و الخير و لو كانت ملازمة الألم و الكراهة، كما في معالجة المريض بما يكرمه.

فالرأفة أقوى و أشدّ من جهة الكيفيّة، و الرحمة أعمّ من جهة الكميّة و المصاديق و اكثر مورداً. و أمّا الفرق بينهما و بين العطف و اللطف و الرقّة فراجع مادّة- الرحمة.

و الرءوف من أسماء اللّه الحسنى، لكونه متّصفا بالرأفة في مقابل خلقه و بالنسبة الى عباده، و لا يرى منه تعالى خلاف الرأفة الّا إذا اقتضى عدله و حكمته أن يعاقب الكافر و المتخلّف بعد إتمام الحجّة من جميع الجهات، فهو تعالى لا يريد لعباده الّا ما هو خير لهم.

. إِنَّ اللّٰهَ بِالنّٰاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ* ...،. إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ* ...،. إِنَّ اللّٰهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ- يذكر اسم الرءوف قبل الرحيم: فانّ مفهوم الرحيم أوسع دائرة، و لا يبعد أن يكون المفهومان متغايرين، و لا يصدق أحدهما على‌

7

الآخر، فانّ الرأفة فوق الرحمة و المرتبة الشديدة القويّة منها، و الرحمة قد تتحقّق بعدها، كما في الخالق و البارئ و المصوّر.

فالرّأفة انّما تتحقّق في الذات، و الرحمة في مقام التعلّق و بالنسبة الى الخلق، و هو مقام ظهور الرأفة و تجلّيها.

و إذا أريد موضوع الرأفة من حيث هي: فتذكر مجرّدة من دون ذكر الرحمة كما في-. وَ لٰا تَأْخُذْكُمْ بِهِمٰا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّٰهِ- أى و لا توجب الرأفة- المتحصّلة في قلوبكم أن تكفّوا عن جلدهما، و قوله- في دين: متعلّق بالأخذ أى لا ينبغي في دين اللّه أن تمنعكم الرأفة عن اجراء الحدّ- 24/ 2 و كما في قوله تعالى-. وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ- 2/ 207- فانّ اللّه تعالى بعد هذه المعاملة في حقّ من يبتغى مرضاته رءوف و يعمل بمقتضى رأفته و لطفه، و لا يتصوّر فيه تعالى خلاف الرأفة و العطوفة ما لم يراءى من العبد الكفر و الطغيان.

و كما في قوله تعالى-. وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ وَ اللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ 3/ 30 فانّ مقتضى صفة رأفته بالعباد أن يهديهم الى الصلاح و ما فيه الخير و السعادة و الكمال لهم و يحذّرهم عمّا يوجب السخط و غضب اللّه عليهم و منعَ الرأفة و العطوفة عنهم.

و هذا بخلاف ذكر الرحمة بعد الرأفة: فانّه في موارد تقتضي فعليّة الرحمة و جريانها و تعلّقها على العباد-. عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ- 9/ 128- فانّ الرسول ص شديد الرغبة الى الهداية و الخير و الفلاح للمؤمنين، و يُديم رأفته و رحمته بهم. راجع الآيات السابقة.

8

رأى:

مقا- رأى: أصل يدلّ على نظر و ابصار بعين- أو بصيرة. فالرأى ما يراه الإنسان في الأمر، و جمعه الآراء. رأى فلان الشي‌ء وراءه، و هو مقلوب. و الرأى: ما رأت العين من حال حسنة. و العرب تقول: ريته في معنى رأيته. و تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضاً، و رأى فلان يرائى، و فعل ذلك رئاء الناس: و هو أن يفعل شيئا- ليراه الناس. و الرواء: حسن المنظر. و المرآة: معروفة. و الترئية و ان شئت ليّنت الهمزة فقلت التريّة: ما تراه الحائض من صفرة بعد دم الحيض، أو أن ترى شيئا من أمارات الحيض قبل. و الرؤيا:

معروفة، و الجمع رئي.

مصبا- روى: روى البعير الماء يرويه من باب رمى: حمله، فهو راوية، الهاء فيه للمبالغة، ثمّ أطلقت الراوية على كلّ دابّة يستقى الماء عليها، و منه يقال: رويت الحديث: إذا حملته و نقلته، و يعدّى بالتضعيف فيقال روّيت زيدا الحديث، و يبنى للمفعول فيقال روّينا الحديث. و الراية علم الجيش، يقال أصلها الهمز لكنّ العرب آثر تركه تخفيفا، و منهم من ينكر هذا القول و يقول لم يسمع الهمز، و الجمع رايات، و المرآة معروفة و أصلها مرأية على مفعلة، قلبت الياء ألفا. و الروية الفكر و التدبّر، و هي كلمة جرت على ألسنتهم بغير همز تخفيفا، و هي من روّأت في الأمر، إذا نظرت فيه. و رأيت الشي‌ء رؤية: أبصرته بحاسّة البصر، و منه الرياء و هو اظهار العمل للناس ليروه و يظنّوا به خيراً، و رؤية العين: معانيتها للشي‌ء، يقال رؤية العين و رأى العين، و جمع‌

9

الرؤية رئي. و رأى في الأمر رأيا. و الّذى أراه بالبناء للمفعول بمعنى الّذى أظنّ، و بالبناء للفاعل بمعنى الّذى أذهب اليه. و الرأى: العقل و التدبير، و رجل ذو رأى: بصير بالأمور، و جمع الرأى آراء. و رأى في منامه رؤيا على فعلى غير منصرف لألف التأنيث. و رأيته عالما:

يستعمل بمعنى العلم و الظنّ فيتعدّى الى مفعولين، و رأيت زيدا: أبصرته، يتعدّى الى واحد لأنّه من أفعال الحواسّ، فان رأيته على هيئة: نصبتها على الحال و قلت رأيته قائما و رأيتنى قائما- يكون الفاعل هو المفعول و هذا مختصّ بافعال القلوب على غير قياس، قالوا: و المراد إذا كانا- متّصلين مثل رأيتنى و علمتني، و أمّا في غيره فانّه غير ممتنع- ظلمت نفسي و أهلك الرجل نفسه.

مفر- رأى: عينه همزة، و تحذف الهمزة من مستقبله، فيقال ترى و يرى و نرى-. فَإِمّٰا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ...-. أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلّٰانٰا. و الرؤية: ادراك المرئي، و ذلك أضرب بحسب قوى النفس: الأوّل- بالحاسّة و ما يجرى مجريها- انّه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم. و الثاني- بالوهم و التخيّل نحو و لو ترى إذا يتوفّى الّذين كفروا. و الثالث بالتفكّر نحو انّى أرى ما لا ترون. و الرابع- بالعقل نحو ما كذب الفؤاد ما رأى. و يجرى أ رأيت مجرى أخبرنى، فيدخل عليه الكاف و يترك التاء على حالته في التثنية و الجمع و التأنيث، و يسلّط التغيير على الكاف دون التاء لسا- الرؤية بالعين تتعدّى الى مفعول واحد، و بمعنى العلم تتعدّى الى مفعولين، يقال: رأى زيدا عالما، و رأى رأيا و رؤية و راءة مثل راعة.

10

و قال ابن سيده: النظر بالعين و القلب. و حكى ابن الأعرابى: على ريّتك أى رؤيتك، فأبدل الهمرة واوا ثمّ ادغم ثمّ كسر الراء بمناسبة الياء. و ريته على الحذف، و من را مثل معدان: أصله من رأى، فخفّف الهمز ثمّ حذف إحداهما الالتقاء الساكنين، أو أبدل الهمزة ياء كما في سألت و قرأت سيلت و قريت. قال سيبويه: كلّ شي‌ء كانت زائدة أوّله من رأيت: فقد اجتمعت العرب على تخفيف همزه، أى كان أوّله زائدة من الزوائد الأربع نحو أرى و يرى و ترى و نرى، لأنّهم جعلوا همزة المتكلّم في أرى تعاقب الهمزة الّتى هي عين الفعل و هي همزة أرأى، ثمّ أتبعوها سائر حروف المضارعة. و بعضهم يحقّقه فيقول يرأى، و هو قليل الفروق- 58- الفرق بين النظر و الرؤية: أنّ النظر طلب الهدى. و الناظر الطالب لظهور الشي‌ء، فصحّ بهذا أنّ النظر تقليب العين حيال مكان المرئىّ طلبا لرؤيته. و الرؤية هي ادراك المرئىّ. و لمّا كان اللّه تعالى يرى الأشياء من حيث لا يطلب رؤيتها صحّ أنّه لا يوصف بالنظر.

الفرق بين البديهة و الرويّة: أنّ الرويّة فيما قال بعضهم آخر النظر. و البديهة أوّله. و قال بعضهم: الرويّة طول التفكّر في الشي‌ء و هو خلاف البديهة. و بديهة القول ما يكون من غير فكر. و الرويّة إشباع الرأى و- الاستقصاء في تأمّله، تقول روّأت في الأمر.

التهذيب 15/ 316- قال الليث: الرأى: رأى القلب، و الجمع الآراء.

و رأيته رأى العين أى حيث يقع البصر عليه. و يقال من رأى القلب ارتأيت و قال الفرّاء: إن كنتم للرؤيا تعبرون- إذا تركت العرب الهمزة من الرؤيا:

11

قالوا الرؤيا، طلبا للخفّة، فإذا كان من شأنهم تحويل الواو الى الياء قالوا لا تقصص ريّاك- في الكلام، و أمّا في القرآن فلا يجوز‌

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو النظر المطلق بأىّ وسيلة كان، بالعين الباصرة، أو بقلب بصير، أو بشهود روحانىّ، أو بمتخيّلة مفكّرة بتركيب الصور و المعاني.

فالرؤية بالعين كما في- فلمّا رأى القمر بازغا، فلمّا رآها تهتزّ، و إذا رأوك ان يتّخذونك، و رأيت الناس يدخلون، هل ترى من فطور، فلمّا تراءى الجمعان،. فَقٰالُوا أَرِنَا اللّٰهَ جَهْرَةً.

و الرّؤية بالقلب كما في-. بٰارَكْنٰا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا- 17/ 1،. كَلّٰا لَوْ- تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ الْيَقِينِ- 102/ 7،. وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ- 81/ 23،. وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ عِنْدَ- 53/ 13.

و الرؤية بالشهود الروحي كما في-. مٰا كَذَبَ الْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ- 53/ 11، و. لَقَدْ رَأىٰ مِنْ آيٰاتِ رَبِّهِ الْكُبْرىٰ- 53/ 18،. إِنَّنِي مَعَكُمٰا أَسْمَعُ وَ أَرىٰ- 20/ 46،. وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- 6/ 75،. رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ- 7/ 143.

و الرؤية في الرؤيا و في النوم كما في-. إِنِّي أَرىٰ فِي الْمَنٰامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ 37/ 102. إِنِّي أَرٰانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَ قٰالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرٰانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً- 12/ 36،. إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّٰهُ فِي مَنٰامِكَ قَلِيلًا- 8/ 43.

و الرؤية بالعقل النظري كما في-. أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ- 22/ 18،. أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ 58/ 7‌

12

. أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ 24/ 41.

و الرؤية بالمتخيّلة كما في-. إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً- 70/ 6،. أَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهٰارَ مُبْصِراً- 27/ 86،. أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً- 35/ 8،. فَلَمّٰا رَآهٰا تَهْتَزُّ كَأَنَّهٰا جَانٌّ وَلّٰى*- 28/ 31.

و أمّا حقيقة الرؤية بالعين: فبانطباع النور المنعكس من المرئىّ الى الرطوبة الجليديّة في العين، و هذا الموضوع مبحوث عنه في مبحث النور.

و أمّا المخيّلة: فهي قوّة تركّب بعض الصور المخزونة في الخيال مع بعض و بعض المعاني الجزئيّة في الوهم مع بعض منها، فان استعملتها النفس الباطنيّة تسمّى مفكّرة، و انّ استعملتها الوهم سمّيت مخيّلة و أمّا الرؤيا في النوم: فهي تتحقّق بانقطاع النفس عن الحواسّ الظاهرة و توجّهها الى الباطن، فتحصل للقوّة المخيّلة فراغ لرؤيتها و إدراكها، فان كانت مستعملة تحت حكومة العقل و الروحانيّة: فيكون إدراكها صائبا و الّا فيختلط رؤيتها، و يكون من أضغاث الأحلام.

و أمّا الرؤية بالشهود: فهو مرتبة حقّ اليقين و العلم الحضورىّ.

و لا يخفى أنّ قولهم- انّ رأيت يتعدّى الى مفعولين و هو من أفعال القلوب: يراد منه أنّ الرؤية إذا كان بمعنى الرؤية بالقلب، أى الإدراك بالقوّة العاقلة و البصيرة الباطنيّة: يكون بمعنى العلم قهرا. و إذا كان بمعنى الرؤية بالمخيّلة: يكون بمعنى الظنّ قهرا. و مقتضى هذين المفهومين أن يتعدّى الى مفعولين كما في أفعال القلوب، و يراد منها أفعال تدلّ على معاني تصدر من القلب لا من الجوارح البدنيّة كالعين و غيرها.

13

و ليعلم أنّ الرؤية معناه الحقيقي و الأصل الواحد فيه: هو ما قلناه من مطلق النظر بعين أو بغيرها. و أمّا مفهوم العلم أو الظنّ أو التدبّر أو التعقّل و غيرها: فانّما هي من آثار الرؤية، و تستفاد منها في مواردها.

و الرؤية بالقلب و الشهود: مرجعهما الى مفهوم كلّى واحد، الّا أنّ الرؤية بالقلب مفهوم عامّ و له مراتب، و المرتبة العالية منه يقال لها الرؤية بالشهود و هذا غير الرؤية بالنظر و العقل، و هو يتعدّى الى مفعولين.

و أمّا مفاهيم حمل الحديث أو الاستقاء المفهومين من مادّة- روى:

فلا يخفى التناسب بينهما و بين الرؤية، فانّ الرؤية انطباع نور المرئىّ و هذا نوع قبول و تحمّل، و النور و العلم و الماء متناسبة، فانّ العلم نور، و الماء:

صورة نازلة للنور.

و أمّا الراية بمعنى علم الجيش: فلا يبعد اشتقاقها من الرؤية، فانّ الراية عنوان الجماعة و ما يرى و يتظاهر منهم، و هو مظهر و علامة لهم.

و الترئية: بمناسبة ما يرى من المرأة و يظهر من علائم الحيض أو الاستحاضة، أو بسبب اراءة الدم و اعلامه ظهور أيّام مخصوصة، و تلك الأيّام و الحالات من المرأة خلاف ما يتوقّع و ينتظر منها، و هي جالبة يتوجّه اليها.

و أمّا صيغة أ رأيتك و أ رأيتكم: فيقال انّها بمعنى أخبرنى، و لكنّ الحقّ أنّ هذه الصيغ أيضا بمعناها الحقيقي و مأخوذة من مفهوم الرؤية، و اتّصال- الضمير لتعيين المخاطب مفردا و تثنية و جمعا و مذكّرا و مؤنّثا، و يبقى الفعل على حالة واحدة لعدم الافتقار الى تغييره و تحويله، و هذا التعبير يدلّ على تأكيد و مبالغة في السؤال و في تفصيل الجواب و الدقّة فيه.

14

و نظائر هذه الصيغ كثيرة في كلام العرب، فتقول: دونك، دونكما، دونكم، ايّاك، ايّاكما، ايّاكم، يسر بك، يسر بكما، يسر بكم. هاك، هاكما، هاكم، و هكذا.

. أَ رَأَيْتَكَ هٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ- 17/ 62،. قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتٰاكُمْ عَذٰابُ اللّٰهِ*- 6/ 40- أى أ ترى نفسك أو أ ترون أنفسكم و عند وجدانكم ان أنصفتم من أنفسكم و رجعتم اليها: فكيف تحكمون.

فهذه الصيغ انّما هي مستعملة في معانيها الحقيقيّة، و لازمها و ما يتحصّل منها في مقام المخاطبة: هو- أخبرنى أو أخبرونى. و بهذه الملاحظة قد تطلق هذه الصيغة و يراد منها هذا المفهوم.

و أمّا الرويّة و التروئة: قلنا انّ الرؤية أعمّ من الرؤية بالعين، و التّخييل، و الفكر و التعقّل، و المشاهدة بالقلب، و الرؤيا في النوم.

فالرّوئة ان كانت مأخوذة من مادّة الرؤية: فهي منظور فيها الفكر و التعقّل، أى جعل النفس ذات تدبّر و تفكّر.

و أمّا الرؤيا: فزيادة اللفظ فيه تدلّ على رؤية مخصوصة ممتدّة.

راجع مادّة- البصر و الشّهادة.

. وَ لَمّٰا جٰاءَ مُوسىٰ لِمِيقٰاتِنٰا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قٰالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قٰالَ لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي- 7/ 143 فبعد التكلّم و احساس لذّة المناجاة و المخاطبة: اشتدّ الاشتياق و التهب حرارة اللقاء و الطلب و الوصل، و خرج عن حالة الاختيار و تمالك نفسه، و سأل الرؤية المطلقة الكاملة و الوصل، و طلب كمال اللقاء و الشهود،

15

غير مقيّد برؤية عين و لا متوجّه الى جهة مخصوصة و الى صورة ممكنة في عالمه أو ممتنعة، فقال-. رَبِّ أَرِنِي. فأجاب سبحانه حقّ ما يجاب به في ذلك المورد بقوله-. لَنْ تَرٰانِي و مع هذا فقد استجاب سؤاله و أنجح طلبته بمقدار ما يمكن و في حدّ الميسور- فقال عزّ و جلّ- و لكن انظر الى الجبل. فخرّ موسى في أوّل مرتبة من التجلّى و صعق في مرحلة ابتدائيّة من اللقاء و الرؤية الشهوديّة.

و الجبل: قلنا انّ الأصل فيه هو ما كان عظيما و فطريّا، فالجبل الخارجىّ و كذا الانّيّة و العظمة النفسانيّة للإنسان من مصاديق الجبل.

و على أىّ حال: فتشير الآية الكريمة الى انّ حجاب الرؤية هو استقرار العظمة الشخصيّة و تمكّن الإنّيّة الذاتيّة، و لا بدّ من اندكاكها و فنائها، و لا يمكن أن يجتمع استقرار الجبليّة و البقاء للإنّيّة مع شهوده عزّ و جلّ و تجلّيه تعالى.

ربّ:

مصبا- الربّ: يطلق على اللّه تعالى معرّفا باللام و مضافا، و يطلق على مالك الشي‌ء الّذى لا يعقل مضافا اليه، فيقال ربّ الدين و ربّ المال، و قد استعمل بمعنى السيّد مضافا الى العاقل أيضا، و منه قوله (ع) حتّى تلد الأمة ربّتها، و في رواية ربّها. و في التنزيل- فيسقى ربّه خمرا. قالوا و لا يجوز استعماله باللام للمخلوق بمعنى المالك، لأنّ اللام للعموم و المخلوق لا يملك جميع المخلوقات، و ربّما جاء باللام عوضا عن الاضافة إذا كان بمعنى السيّد. و بعضهم يمنع أن يقال ربّ العبد، و قوله- حتّى تلد الأمة ربّها: حجّة عليه. و ربّ زيد الأمر ربّا من باب قتل: إذا ساسة و قام بتدبيره. و منه قيل للحاضنة رابّة و ربيبة فعيله بمعنى فاعلة، و قيل لبنت امرأة الرجل:

ربيبة فعيله بمعنى مفعولة لأنّه يقوم بها غالبا تبعا لامّها، و الجمع ربائب، و‌

16

جاء ربيبات على لفظ الواحدة. و الابن ربيب، و الجمع أربّاء. و الربّ: دبس الرطب إذا طبخ. و ربّ: حرف يكون للتقليل غالبا، و يدخل على النكرة نحو ربّ رجل قام، و تدخل عليه التاء مقحمة و ليست للتأنيث، إذ لو كانت للتأنيث لسكنت و اختصّت بالمؤنّث.

مقا- ربّ: يدلّ على اصول، فالأوّل- إصلاح الشي‌ء و القيام عليه فالربّ: المالك، و الخالق، و الصاحب. و الربّ: المصلح للشي‌ء، يقال ربّ فلان ضيعته: إذا قام على إصلاحها. و هذا سقاء مربوب بالربّ، و الربّ للعنب و غيره، لأنّه يربّ به الشي‌ء. و فرس مربوب. و الربّىّ: العازف بالربّ. و رببت الصبىّ أربّه، و ربّبته أربّبه. و الرابّ: الّذى يقوم على أمر الربيب. و الأصل الآخر- لزوم الشي‌ء و الاقامة عليه، و هو مناسب للأصل الأوّل، يقال أربّت السحابة بهذه البلدة: إذا دامت. و أرض مربّ: لا يزال بها مطر، و لذلك سمّى السحاب ربابا. و من الباب الشاة الربّى: الّتى تحتبس في البيت للّبن، فقد اربّت: إذا لازمت البيت. و يقال هي الّتى وضعت حديثا، فان كان كذا فهي الّتى تربّى ولدها، و هو من الباب الأوّل. و الأصل الثالث- ضمّ الشي‌ء للشي‌ء، و هو أيضا مناسب لما قبله و متى أنعم النظر كان الباب كلّه قياسا واحدا. و من هذا الباب الربابة و هو العهد، يقال للمعاهدين أربّة، و سمّى العهد ربابة لأنّه يجمع و يؤلّف و الربب: الماء الكثير.

صحا- ربّ كلّ شي‌ء: مالكه. و الربّانىّ: المتألّه العارف باللّه- كونوا ربّانيّين، رببت القوم: سستهم أى كنت فوقهم. و ربّ الصنيعة: أصلحها‌

17

و أتمّها. و ربّ فلان ولده يربّه ربّا، و ربّبه و تربّبه: بمعنى، أى ربّاه و المربوب: المربّى. و التربّب: الاجتماع. و الربى على نعلى: الشاة الّتى وضعت حديثا، و جمعها رباب، و المصدر رباب بالكسر، و هو قرب العهد بالولادة. و الرابّ زوج الامّ. و الرابّة: امرأة الأب. و ربيب الرجل: ابن امرأته من غيره و هو بمعنى مربوب، و الأنثى ربيبة. و الربيبة أيضا: واحدة الربائب من الغنم الّتى تربّيها الناس في البيوت لألبانها.

مفر- الربّ: في الأصل التربية و هو إنشاء الشي‌ء حالا فحالا الى حدّ التمام، يقال ربّه و ربّاه و ربّبه. فالربّ: مصدر مستعار للفاعل و لا يقال الربّ مطلقا الّا للّه تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات- بلدة طيّبة و ربّ غفور، ربّكم و ربّ آبائكم، و ربّ الدار و ربّ الفرس، و اذكرني عند ربّك. و الربّانىّ: قيل منسوب الى ربّان، و لفظ فعلان من فعل يبنى نحو عطشان و سكران، و قلّما يبنى من فعل، و قيل:

هو منسوب الى الربّ الّذى هو المصدر و هو الّذى يربّ العلم كالحكيم، أو يربّ نفسه بالعلم، و كلاهما في التحقيق متلازمان. و قيل: منسوب الى الربّ أى اللّه تعالى كقولهم الهىّ، و زيادة النون فيه كزيادته في قولهم لحيانيّ و جسمانيّ، و الجمع ربّانيّون. و قيل ربّانىّ في الأصل لفظ سرياني و قوله تعالى-. رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ: فالربّى كالربّانىّ. و الربوبيّه: مصدر يقال في اللّه عزّ و جلّ، و الرباية يقال في غيره.

قع- (رب) خاخام، معلّم، وزير، ضابط، سيّد.

- (رب) اكثر، أغلب، وفرة، كثرة.

18

- (رابَب) كَثُرَ، زادَ، تضاعفَ، عَظيمَ.

- (رَبّان) ربّانى، خاخام، معلّم، مدرّس، بطل.

لسا- ابن الأنبارى: الربّ ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الربّ المالك، و يكون الربّ السيّد المطاع، و يكون الربّ المصلح. و ربّ ولده و الصبىّ يربّه ربّا، و ربّبه تربيبا و تربّة: ربّاه. و في الحديث: لك نعمة تربّها- أى تحفظها و تراعيها و تربّيها، كما يربّى الرجل ولده. و تربّيه و ارتبّه، و ربّاه تربية على تحويل التضعيف، و تربّاه على تحويل التضعيف أيضا: أحسن القيام عليه و وليه حتّى يفارق الطفوليّة كان ابنه أو لم يكن. و الصبىّ مربوب و ربيب، و كدلك الفرس. و المربوب المربّى، و الربائب: الغنم الّتى تكون في البيت و ليست بسائمة، واحدتها ربيبة بمعنى مربوبة، لأنّ صاحبها يربّها. و الربّة: الفرقة من الناس. و الربّة كالربّة. و الربّى واحد الربّيّين و هم الألوف من الناس. و الأربّة من الجماعات واحدتها ربّة. قال الزجّاج: ربّيّون بكسر الراء و ضمّها و هم الجماعة الكثيرة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة سوق شي‌ء الى جهة الكمال و رفع النقائص بالتخلية و التحلية، سواء كان من جهة الذاتيّات أو العوارض أو الاعتقادات و المعارف أو الصفات و الأخلاقيّات أو الأعمال و الآداب أو العلوم المتداولة، في انسان أو حيوان أو نبات، ففي كلّ شي‌ء بحسبه و بحسب ما يقتضى ترفيع منزلته و تكميل شأنه.

و هذه الحقيقة الأصلية يعبّر عنها في مورد بالإصلاح، و في مورد آخر بالانعام،

19

و في آخر بالمدبّر، و في موضوع بالسائس، و في مورد بالإتمام، و في آخر بما يناسب الأصل و يرجع اليه. فهذه المعاني كلّها من مصاديق الحقيقة.

و أمّا المالكيّة و المصاحبة و السيادة و القيمومة و الزيادة و النماء و العلوّ و الملازمة و الاقامة و الادامة و الجمع و رفع الحاجة و التعليم و التغذية و ما يشابهها: كلّ منها من لوازم الأصل و من آثاره، و كلّ منها في مورد خاصّ بحسب اقتضاء المقام و تناسب الموضوع.

فيقال ربّت الامّ ولدها، و ربّ السيّد موليه، و ربّ المعلّم تلميذه، و ربّ العارف مريده، و ربّ المطر النبات، و ربّ التاجر ماله، و ربّ الزارع أرضه، و ربّت المرضعة الطفل، و ربّ زيد الأمر، و ربّت الربيبة مربوبتها، و ربّ الصانع السقاء، فهو رابّ و ربيب و ربّ و ربّان و ربّ و رباب. و ذاك مربوب و مربّى.

ففي الصيغ المجرّدة يلاحظ مجرّد النسبة، و في الإفعال قيام النسبة بالفاعل، و في التفعيل وقوع النسبة على المفعول به. و في الصيغ المشبهة:

اتّصاف الذات و جهة الثبوت.

فالربّ يشترك في المصدريّة و الوصفيّة كالضرب و الصعب: فيدلّ على المبالغة في الاتّصاف و ثبوت التربية، فالربّ من كان من شأنه التربية و هو متّصف بهذه الصفة ثابتة فيه.

ربّ العالمين، ربّ كلّ شي‌ء، ربّ موسى و هارون، ربّ العرش العظيم، ربّ السموات و الأرض، ربّ آبائكم الأوّلين، ربّ المشرق و المغرب، ربّ هذه البلدة، ربّ هذا البيت، ربّ الفلق، ربّ الناس: فالتربية في كلّ منها‌

20

بحسب اقتضاء الموضوع، من التدبير و النظم و التكميل و الإصلاح و التنعيم.

و قد يطلق من دون اضافة و تقييد بشي‌ء، فيراد مطلق التربية من جميع الجهات كما في- بلدة طيّبة و ربّ غفور، سلام قولا من ربّ رحيم، أغير اللّه أبغى ربّا: فالمراد مطلق التربية ذاتا و أخلاقا و عملا و أدبا و علما و ترفيعا.

و قريب منها ما يضاف الى مطلق الذات من دون خصوصيّة كما في- ربّ أرنى، ربّ اغفر لى، ربّ لا تذر، ادع لنا ربّك، و اذكر ربّك، انّ ربّك، فضلا من ربّكم، عذت بربّى و ربّكم، فمن ربّكما، ربّنا تقبّل منّا، ربّنا أنزل علينا، ربّنا اغفر لنا، قال له ربّه، فاجتباه ربّه، بأمر ربّها، و أذنت لربّها، على هدى من ربّهم، ربّى الّذى يحيى. فيراد مطلق التربية المتعلّقة بهذه الموضوعات بأىّ نحو ممكن و في أىّ صورة مقتضية.

و هذا بخلاف ما إذا أضيف الى موضوع خاصّ و مفهوم معيّن كما في- سبحان ربّك ربّ العزّة، ربّ المشرق و المغرب، ربّ الفلق: فيشار فيها الى أنّ تربية العزّة و الشروق و الغروب و الفلق و تحوّلها الى مراحل كمالها و سيرها الى مراتب عالية و تدبيرها و نظمها: كلّ بيد اللّه المتعال.

و سيجي‌ء في هذه الموادّ: أنّ العزّة عبارة عن كون شي‌ء ذا قدر و خطر و يشتدّ الحاجة اليه و يقلّ وجود مثله من جهة كماله ذاتا. و الشروق و الغروب عبارة عن ظهور الوجود و بروزه و غروبه. و الفلق في عالم الوجود.

و لا يخفى ما بين هذه المادّة و مادّة- رأب، و ربو، و ربأ- من الاشتقاق الأكبر، و الرأب بمعنى الإصلاح و الجمع، و الربو و الربا بمعنى الزيادة و النماء. و لا يبعد التداخل بين هذه المعاني، و ان-

21

يكون مفاهيم- الزيادة و النماء و الإصلاح المذكورة في ذيل هذه المادّة، مأخوذة من الرأب و الربو، و داخلة فيها من جهة التشابه و التداخل، و من غير تحقيق.

و يدلّ على هذا المعنى طروّ الابدال فيها كما في نظائرها من صيغ المضاعف، فيقال في التفعيل من الربّ: ربّى يربّى تربية فهو مربّى و ذاك المربّى، للتخفيف في التضاعف المكرّر، كما في التصدية و دسّاها و أمليت، و الأصل التصديد و دسّسها و أمللت. فيظنّ أنّ التربية من الربو بمعنى النماء و الزّيادة.

و أمّا الربّة بالتحريك: فعلى فعله بالفتح للمرّة، و على فعله بالكسر للنوع. و على فعله بالضمّ كاللقمة بمعنى ما يفعل، أى تربية واحدة، و نوع من التربية، و ما يربّى به. و لمّا كان مرجع مفهوم التربية الى الإنماء و الاستزادة في ذات أو صفة أو علم أو ادب أو غيرها: فقد يراد من هذه الصيغ مطلق الزيادة، مضافا الى اشراب مفهوم الربو و الربا.

و يدخل عليها ياء النسبة فيقال ربّىّ- بالحركات الثلاث، و الجمع فيها ربّيّون بالتحريك.

. وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قٰاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمٰا وَهَنُوا- 3/ 146- أى رجال لهم تربية خاصّة، و منسوبون الى برنامج مخصوصة حقيقيّة، و لا بدّ أن تكون هذه التربية الهيّة روحانيّة، فانّ التربية الحقيقيّة ليست الّا هي، و هذا مقتضى اطلاق الكلمة.

و هذا المعنى هو المدلول الأصيل الحقيقىّ للكلمة. و قرء بعض من‌

22

القرّاء بفتح الراء، و بعضهم بالضمّ، و لكنّ القراءة الصحيحة هي الكسرة ليدلّ اللفظ على نوع خاصّ من التربية.

نعم هؤلاء رجال قد تربّبوا في مكتب النبوّة، و تعلّموا الصبر و الإخلاص و الاستقامة من مهابط الوحى و الرسالة، فهم مجاهدون و مقاتلون في صفّ الأنبياء و معهم، و هذا المقام يناسب كلمة الربيّون دون الربّانيّون أو كلمات اخرى.

. وَ لٰكِنْ كُونُوا رَبّٰانِيِّينَ بِمٰا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتٰابَ- 3/ 80-. يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هٰادُوا وَ الرَّبّٰانِيُّونَ وَ الْأَحْبٰارُ- 5/ 48- منسوب الى الربّان كالرحمن و الريّان، و الربّان هو من يكون من شأنه و من صفته- التربية بنحو الثبوت، و إذا نسب اليه شخص تقول ربّانىّ، أى من يكون- واقعا تحت تربية الربّان و متّصفا بهذه الصفة و منتسبا اليه من هذه الجهة و بهذا العنوان.

فالنسبة في الربّى الى التربية اوّلا ثمّ يتوجّه الى المربّى، و في الربّان:

ينسب الى اللّه الربّان أوّلا ثم يتوجّه الى الصفة.

و الفرق بين الربّان و النبىّ: أنّ الربّان أعمّ، فانّ النبىّ هو- الربّانىّ مع كونه مخبرا عنه و مأمورا بالإبلاغ عنه.

فظهر لطف التعبير به في مورده، و كذلك عطفه على النبيّون في الآية الثانية، و ذكر جملة بما كنتم تعلّمون في الاولى.

. وَ رَبٰائِبُكُمُ اللّٰاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسٰائِكُمُ اللّٰاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ- 4/ 23- الربائب فعائل جمع فعيلة، نحو صحائف و كتائب، و هذه الصيغة تدلّ على من‌

23

اتّصف بوصف و ثبت له، و يستوي فيها المذكّر و المؤنّث إذا كان النظر الى جهة الوصف، و أمّا إذا كان النظر الى الذات و كان الوصف منظورا من جهة المرآتيّة و الآليّة كما في هذا المورد فيختلفان و أمّا كلمة ربّ: قد عدّها النحويّون من حروف الجرّ. و التحقيق أنّ هذه الكلمة أيضا مأخوذة من المادّة، و الأصل الواحد منظور فيها، و هو اسم يدلّ على الزيادة و النماء و الكثرة اللازمة للتربية، و مأخوذ عن فعل ماض مجهول أو عن فعلة، و يجرّ ما بعده بالاضافة.

و هذا التكثير في مفهومه امّا حقيقتا أو ادّعاء أو للمبالغة، و نظيره كلمات عدا و خلا و حاشا المعدودة من الحروف الجارّة- راجع- حوش.

. رُبَمٰا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كٰانُوا مُسْلِمِينَ- 15/ 2- أى كثير الّذى يودّه الكافرون، فكلمة ما موصولة أو نكرة موصوفة، كما ذكرناه في شرح العوامل.

فظهر أنّ الأصل الواحد منظور و ملحوظ في جميع مشتقّات المادّة، و لا حاجة لنا الى العدول عن الحقيقة الى المجاز و الاستعارة، ثمّ نتكلّف في تفسير الكلمات و نحتاج الى تأويلات ضعيفة-. أَ أَرْبٰابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّٰهُ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ- 12/ 39- فانّ من يتّخذ غير اللّه ربّا: لازم أن يتّخذ أربابا متفرّقة متعدّدة، كلّ واحد منهم في جهة و في حاجة، في مال و في عنوان و في رفع ابتلاء دنيوىّ، و في جهات اخرويّة، و غيرها- كما قال تعالى-. اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً- 9/ 31-. وَ لٰا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلٰائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْبٰاباً- 3/ 80-. وَ لٰا يَتَّخِذَ بَعْضُنٰا بَعْضاً أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ- 3/ 64.

24

ربح:

مصبا- ربحَ في تجارته من باب تعب ربحا و رباحا، و به سمّى، و يسند الفعل الى التجارة مجازا، فيقال ربحت تجارته فهي رابحة. و أربحت الرجل ارباحا: أعطيته ربحا. و أمّا ربّحته بالثّقيل فغير منقول. و بعته المتاع و اشتريته منه مرابحة: إذا سمّيت لكلّ قدر منه ربحا.

مقا- ربح: أصل واحد يدلّ على شفّ في مبايعة، من ذلك ربح فلان في بيعه يربح: إذا استشفّ، و تجارة رابحة: يربح فيها.

يقال ربح و ربح، كما يقال مثل و مثل. و الربح: الخيل و الإبل تجلب للبيع و التربّح. و ممّا شذّ عن الباب: الرباح، يقال انّه القرد.

مفر- الربح: الزيادة الحاصلة في المبايعة، ثمّ يتجوّز به في كلّ ما- يعود من ثمرة عمل، و ينسب الربح تارة الى صاحب السلعة، و تارة الى السلعة نفسها-. فَمٰا رَبِحَتْ تِجٰارَتُهُمْ.

لسا- الربح و الربح و الرباح: النماء في التجر. و العرب تقول للرجل إذا دخل في التجارة: بالرباح و السماح. ربح فلان و رابحته، و هذا بيع مربح إذا كان يربح فيه، و العرب تقول: ربحت تجارته إذا ربح صاحبها فيها و تجارة رابحة: يربح فيها.

قع- (راباه)- زاد، كثر، نما، تضاعف، عظم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو حصول نماء و زيادة في معاملة، و هذا نماء مخصوص و زيادة مقيّدة بأن تكون في مبايعة، و بينها و بين موادّ الربا و الربو و الربل اشتقاق اكبر.

25

ثمّ انّ نسبة الربح و الخسران الى المعاملة أو الى من يعامل كلّ منهما- صحيح عرفا و أدبا، فيقال ربحت تجارته أو خسرت، و يقال ربح التاجر في تجارته أو خسر. فالربح يصحّ عرفا أن ينتسب الى التاجر و الى التجارة.

. أُولٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ فَمٰا رَبِحَتْ تِجٰارَتُهُمْ- 2/ 16- فان الذين لا يؤمنون بالآخرة و يخادعون الله و رسوله: أخذوا الضلالة و اختاروها في قبال الهدى و بالانصراف عنه و تركه، و لا يتوجّهون الى خسران هذه المعاملة، فهذه التجارة منهم غير رابحة.

فانّ التجارة تكون رابحة إذا حصل فيها نماء و زيادة على ما تركه، بأن يكون العوض الّذى يأخذه زائدا على ما يعطيه و على أصل قيمته، فيتحصّل الربح في تلك المبادلة، و يتحقّق لصاحبه أيضا.

ربص:

مقا- ربص: أصل واحد يدلّ على الانتظار، من ذلك التربّص، يقال تربّصت به. و حكى السجستاني: لي بالبصرة ربصة، و لي في متاعي ربصة، أى لي فيه تربّص.

مصبا- تربّصت الأمر تربّصا: انتظرته. و الربصة و زان غرفة:

اسم منه. و تربّصت الأمر بفلان: توقّعت نزوله به.

لسا- التربّص: الانتظار. ربص بالشي‌ء ربصا و تربّص به:

انتظر به خيرا أو شرّا، و تربّص به الشي‌ء: كذلك. الليث: التربّص بالشّى‌ء أن تنتظر به يوما ما، و الفعل تربّصت به. و في التنزيل- هل تربّصون بنا الّا احدى الحسنيين، أى الّا الظفر و الّا الشهادة، و نحن نتربّص بكم.

و نحن نتربّص بكم أحد الشرّين، عذابا من اللّه أو قتلا بأيدينا، فبين ما ننتظره‌

26

و تنتظرونه فرق كبير. و لي على هذا الأمر ربصة، أى تلبّث.

الجمهرة 1/ 259- و البصر: معروف، أبصر يبصر ابصارا، فهو مبصر و بصير ... و تربّصت بالشي‌ء تربّصا و ربصت به ربصا: و هو انتظارك بالرجل خيرا أو شرّا يحلّ به. و في التنزيل- فتربّصوا به حتّى حين ...

و الصبر: ضدّ الجزع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو المفهوم المركّب من الصبر و النظر، أى التلبّث و النظر توقّعا لحدوث أمر، خيرا أو شرّا.

و ليس مطلق التلبّث أو الصبر أو التأخير أو النظر أو الأبصار من مصاديق الأصل، بل بالقيود المذكورة.

و لا يخفى التناسب بين موادّ البصر و الصبر و الربص و البرص: من جهة اللفظ و المعنى.

و يلاحظ في مادّة الانتظار مفهوم النظر من حيث هو، فقط.

. فَتَرَبَّصُوا إِنّٰا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ- 9/ 52،. لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ- 2/ 226،. إِنْ هُوَ إِلّٰا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّٰى حِينٍ- 23/ 25،. وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً- 2/ 234،. وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوٰائِرَ- 9/ 98،. وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ- 2/ 228.

فيراد في جميع هذه الموارد التلبّث بتوقّع تحقّق أمر منظور، و بهذا يظهر لطف التعبير فيها بهذه المادّة دون التلبّث أو الانتظار أو الصبر أو التأخير أو التوقّع أو ما يشابهها.

27

و أمّا التعبير في الموارد بصيغة التفعّل: فانّ هذه الصيغة تدلّ على المطاوعة و الوفاق، فيكون المعنى اختيار الربصة و اتّخاذها.

ربط:

مصبا- ربطته ربطا من باب ضرب، و من باب قتل لغة: شددته. و الرباط: ما يربط به القربة و غيرها، و الجمع ربط. و يقال للمصاب: ربط اللّه على قلبه بالصبر، كما يقال أفرغ اللّه عليه أى ألهمه. و الرباط: اسم من رابط مرابطة: إذا لازم ثغر العدوّ. و الرباط: الّذى يبنى للفقراء- مولّد.

مقا- ربط: أصل واحد يدلّ على شدّ و ثبات. من ذلك ربطت الشي‌ء أربطه ربطا. و الّذى يشدّ به رباط. و من الباب الرباط: ملازمة ثغر العدوّ، كأنّهم قد ربطوا هناك فثبتوا به و لازموه. و رجل رابط الجأش أى شديد القلب و النفس. و يقال ارتبطت الفرس للرباط، و يقال انّ الرباط من الخيل: الخمس من الدوابّ فما فوقها، و لآل فلان رباط من الخيل كما يقال تلاد. و يقال قطع الظبى رباطه أى حبالته.

صحا- ربطت الشي‌ء أربطه و أربطه أيضا: شددته، و الموضع مربط و مربط، يقال ليس له مربط عنز، و فلان يرتبط كذا رأسا من الدواب و يقال نعم الربيط هذا لما ترتبط من الخيل.

لسا- ربط الشي‌ء فهو مربوط و ربيط: شدّه. و المربط و المربطة ما ربطها به. و المربطة من الرحل: نسعة لطيفة تشدّ فوق الحشيّة و الربيط: ما ارتبط من الدوابّ. و رجل رابط الجأش، أى شديد القلب كأنّه يربط نفسه عن الفرار يكفّها بجرأته و شجاعته، و ربط جأشه أى‌

28

رباطة: اشتدّ قلبه و وثق و حزم فلم يفرّ عند الروع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التوثيق و الشدّ متعلّقا بشي‌ء أو في موضوع ليثبت على تلك الحال. و التوثيق و الشدّ يلاحظ مفهومهما من حيث هو من دون تعلّق الى شي‌ء آخر، و من دون نظر فيهما الى جهة الثبوت، و في التوثيق يلاحظ جهة الاطمينان و الوثوق. و أمّا الشدّ: فمطلق من جميع الجهات من دون نظر الى قيد.

فظهر أنّ مفاهيم- الثبوت و الوثوق و الحزم و اللزوم: من آثار ذلك الأصل و من لوازمه.

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صٰابِرُوا وَ رٰابِطُوا- 3/ 200- الصبر في قبال الوظائف و المكاره، و المصابرة ادامة الصبر و الثبات عليه بحيث يظهر الصبر منه علنا و يتجلّى بين الناس، و المرابطة تحقّق الارتباط بينهم، و يعبّر عنه- بالفارسيّة بكلمة- وابسته شدن و بستگى پيدا كردن- و هذه المقدّمات الثلث و تحقّقها لازمة في كلّ مسير و في الوصول الى كلّ مطلوب.

و المرابطة لها مراتب: أوّلها تحقّق الارتباط بين الأفراد و من يهديهم و يرشدهم، أى فيما بين الامّة و الامام، ليهتدوا بهديه و يسيروا بإرشاده و يعملوا على ما يأمر و ينهى. و ثانيها- تحقّق المرابطة بين الرعيّة و الامّة ليكونوا رحماء فيما بينهم و يستقرّوا في صفّ واحد و يدا واحدا على مخالفيهم و على كلمة واحدة.

و ثالثها- تحقّق الربط من جهة التجهيزات و القوى اللازمة للدفاع عن أنفسهم و لحفظ منافعهم. فالمرابطة شاملة لجميع هذه المراتب.

و لا يبعد أن نقول: انّ الربط فيما بين البدن و القلب مرتبة أوّليّة-

29

قبل هذه المراتب، و يعبّر عنها بربط الجأش.

. وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ- 8/ 60- أى مرابطة الخيل بأن تكون تحت اختياركم و تحت النظم، منظّمة مربوطة حاضرة، بتحقّق- المرابطة فيما بينها و فيما بينكم و بينها، و الرباط مصدر المفاعلة، و القوّة:

كالقدرة مصدر أيضا.

. وَ رَبَطْنٰا عَلىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قٰامُوا فَقٰالُوا رَبُّنٰا- 18/ 14- اشارة الى مرتبة ربط الجأش و اشتداد القلب و استحكامه غير مضطرب و لا متزلزل. و هذا أوّل مرتبة من تحقّق الايمان و الطمأنينة في القلب، و هذا قريب من نزول السكينة في قوله تعالى-. فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً.

و أمّا استعمال الربط بحرف- على: اشارة الى أنّ الرباط كان واقعاً عليها و على وجهها، أن انّهم ثابتون و مربوطون على مقتضى قلوبهم، لا يطرى عليهم التزلزل و التردّد من الخارج، فهم يعملون طبق ايمانهم.

و لا يصحّ التعبير هنا بجملة- و ربطنا قلوبهم: فانّ مفهوم الآية ح ينعكس، و يكون المعنى: و شددنا قلوبهم.

. إِنْ كٰادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لٰا أَنْ رَبَطْنٰا عَلىٰ قَلْبِهٰا- 28/ 10- أى لو لا أن شددنا و ضبطناها على الاستقامة و الايمان من قلبها.

. وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ- 8/ 11- فظهر لطف التعبير بهذه المادّة في الآيات المذكورة، و استعمالها مجرّدة إذا نسبت الى اللّه المتعال فانّه لا معنى لادامة الربط و التظاهر به في تلك الموارد، و هذا بخلاف- و صابروا و رابطوا- المنتسبة الى الناس.

30

ربع:

مصبا- الربع بضمّتين، و اسكان الثاني تخفيف، جزء من أربعة أجزاء، و الجمع أرباع، و الربيع و زان كريم لغة فيه، و المرباع:

ربع الغنيمة كان رئيس القوم يأخذ لنفسه في الجاهليّة ثمّ صار خمسا في الإسلام. و ربعت القوم أربعهم: إذا أخذت من غنيمتهم المرباع أو ربع مالهم، و إذا صرت رابعهم أيضا، و في لغة: من بابى قتل و ضرب، و كانوا ثلاثة فأربعوا و كذلك الى العشرة إذا صاروا كذلك، و لا يقال في التعدّى بالألف، و لا في غيره الى العشرة، و هذا ممّا تعدّى ثلاثيّه و قصر رباعيّه. و الربع: محلّة القوم و منزلهم و قد اطلق على القوم مجازا، و الجمع رباع و أرباع و أربع و ربوع، و المربع:

منزل القوم في الربيع، و رجل ربعة و امرأة ربعة: معتدل، و حذف الهاء في المذكّر لغة، و فتح الباء فيهما لغة، و رجل مربوع مثله. و الربيع:

عند العرب ربيعان: ربيع شهور و ربيع زمان، فربيع الشهور اثنان، قالوا لا يقال فيهما الّا شهر ربيع الأوّل و شهر ربيع الآخر بزيادة شهر و تنوين ربيع و جعل الأوّل و الآخر و صفا تابعا، و يجوز فيه الاضافة، و هو من باب اضافة الشي‌ء الى نفسه عند بعضهم لاختلاف اللفظين، نحو حبّ الحصيد و لدار الآخرة و حقّ اليقين و مسجد الجامع. و الربيع: الجدول و هو النهر الصغير. و يصغّر الربيع على ربيع، و به سمّيت المرأة. و النسبة الى ربيع الزمان ربعىّ على غير قياس فرقا بينهما. و الرباعية بوزن الثمانية: السنّ الّتى بين الثّنيّة و الناب، و الجمع رباعيات بالتخفيف أيضا. و يوم الأربعاء ممدود و هو بكسر الباء و لا نظير له في المفردات، و انّما يأتى على وزنه في الجمع و بعض بنى أسد يفتح الباء، و الضمّ لغة.

31

مقا- ربع: اصول ثلاثة، أحدها جزء من أربعة أشياء، و الآخر- الاقامة، و الثالث الاشالة و الرفع. فأمّا الأوّل- فالربع من الشي‌ء يقال ربعت القوم أربعهم: إذا أخذت ربع أموالهم. و ربعتهم أربعهم: إذا كنت لهم رابعا. و المرباع من هذا. و في الحديث- لم أجعلك تربع- أى تأخذ المرباع. و من الباب رباعيات الأسنان ما دون الثنايا. و الربع في الحمىّ: ما يكون في اليوم الرابع، يقال ربعت عليه الحمىّ و أربعت. و الربع الفصيل ينتج في الربيع. و المربع: منزل القوم في ذلك الزمان. و من الباب الربيع و هو زمان من أربعة أزمنة. و الأصل الآخر- الإقامة يقال ربع يربع، و الربع: محلّة القوم، و من الباب: القوم على ربعاتهم، أى على أمورهم الاول، كأنّه الأمر الّذى أقاموا عليه قديما الى الأبد. و يقولون اربع على ظلعك- أى تمكّث و انتظر. و يقال غيث مربع مرتع: فالمربع الّذى يحبس من أصابه في مربعه عن الارتياد و النجعة. و المرتع الّذى ينبت ما ترتع فيه الإبل. و الأصل الثالث- ربعت الحجر إذا أشلته، و الحجر نفسه ربيعة، و المربعة: العصا الّتى تحمل بها الأحمال حتّى توضع على ظهور الدوابّ.

الاشتقاق 312- الربيعة: الصخرة الّتى تربع و تحمل باليد. و الربيعة: البيضة من حديد. و الربيع من الزمان معروف. و المربع الموضع الّذى ينزله القوم. و ناقة مرباع: تنتج في الربيع، فولدها ربع. و ربع في المكان: إذا أقام به. و المربعة: عصا يأخذها رجلان فيحملان بها أحد العكمين فيضعانه على ظهر البعير. و يقال بنو فلان على رباعتهم في الجاهليّة‌

32

أى على ما كانوا عليه.

قع- (ربع) ربع، أحد أضلاع المربّع، ربع ساعة.

؟؟- اضطجاع، تمدّد، ربوض، جثوم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو العدد المخصوص، و يختلف معناه باختلاف الصيغ، فيقال الرابع كالفاعل لمن يقوم به هذا العدد، و الأربع كالأسود و الأبيض لما يتّصف به و هو نفس هذا العدد، و تقول في تأنيثه الأربعاء مثلّث الباء، و فيما يتّصف تقول الربيع و الربيعة، و فيما يربع تقول الربع و الربعة كاللقمة، و هكذا.

و تشتقّ منها أفعال انتزاعا كما في نظائرها: فتقول- ربع يربع فهو رابع و ذلك مربوع، و أربع يربع فهو مربع، و ارتبع فهو مرتبع.

و بمناسبة هذا المعنى الأصيل الحقيقىّ: تستعمل في فصل الربيع و هو ثلاثة أشهر من أوّل السنة، و هو ربع السنة، أى إذا انتهى فصل الربيع فقد ينتهى به قسمة من أربعة فصول السنة.

و لمّا كان شهر الربيع الأوّل و الثاني واقعين في فصل الربيع في تلك الأيّام سمّيا بذلك الاسم، فانّ تسمية الشهور كان موافقا الأزمنة.

و أمّا مفهوم الاقامة و التمكّن و الاضطجاع: فانّ الرّبّع أى الكون على أربعة قوائم و على هذه الحالة: آية الاستقرار و التمكّن، و قد يعبّر عن- الاقامة و الاستقرار التامّ بهذه الحالة كناية، فهذا المعنى ليس من مصاديق الأصل بل من لوازمه.

فيكنّى بهذه المادّة عن الاستقرار التام و التمكّن الكامل. و نظير‌

33

هذا المعنى الاشالة و الرفع: فتستعمل فيه إذا أريد اعمال القدرة التامّة و ارتكاز جميع القوى في هذا العمل.

. أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهٰادٰاتٍ ...،. تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ...،. فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ...،

. مِنْهٰا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ...،. فِي أَرْبَعَةِ أَيّٰامٍ ...،. فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ- عدد الأربعة كامل في نفسه و فيه كثرة لاحتوائه على قوائم أربعة الدالّة على الثبوت و الاستقرار و التحقّق، و هو أوّل عدد زوج مركّب من زوجين أو من فرد و واحد أو من أربعة وحدات و يقبل التقسيم.

و يقال في مقام الجمع: أربعون و هو ملحق بالجمع-. وَ إِذْ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ...،. فَإِنَّهٰا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ...،. فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ...،. وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً- فيدلّ على كثرة في كثرة، و لهذا العدد خصوصيّات، و هو ترفيع الأربعة، أى مرتبة فوقها و هي العشرات، فيدلّ على أربعة قوائم من العشرات، و فيها كمال الاستقرار و التثبّت.

. سَيَقُولُونَ ثَلٰاثَةٌ رٰابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ- 18/ 22-. مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ- 58/ 7. انّ الناس سيقولون باعتبار الجماعة. أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحٰابَ الْكَهْفِ انّهم ثلاثة و رابعهم كلبهم فيتمّ الاستقرار. و ما يكون من نجوى بين جماعة و أقلّها ثلاثة و هو رابعهم و معهم.

. فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ- 4/ 3- قد سبق في- ثلث- أنّ هذه الصيغة (فعال) صفة تدلّ على استمرار الصفة، لزيادة حرف الألف، فانّ الربع بضمّتين أو التسكين تخفيفا كالصلب و الجنب صفتان أيضا تدلّان على الثبوت-. فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْنَ- 4/ 12.

34

ربو:

مصبا- الربا: الفضل و الزيادة، و هو مقصور على الأشهر، و يثنّى ربوان بالواو على الأصل، و قد يقال ربيان على التخفيف، و ينسب اليه على لفظه فيقال ربوىّ، قاله أبو عبيد و غيره، و زاد المطرزي فقال الفتح في النسبة خطأ. و ربا الشي‌ء يربو: إذا زاد. و أربى الرجل: دخل في الربا، و أربى على الخمسين: زاد عليها. و ربى الصغير يربى من باب تعب و ربا يربو من باب علا: إذا نشأ، و يتعدّى بالتضعيف فيقال ربّيته- فتربّى. و الربوة: المكان المرتفع، و الفتح لغة بنى تميم.

مقا- الربى أ: المعتلّ و كذلك المهموز منه، يدلّ على أصل واحد، و هو الزيادة و النماء و العلوّ، تقول من ذلك ربا الشي‌ء يربو إذا زاد، و ربا الرابية يربوها: إذا علاها. و ربا: أصابه الربو، و الربو: علوّ النفس. و الربوة و الربوة: المكان المرتفع. و يقال أربت الحنطة: زكت و هي تربى، و الربوة بمعنى الربوة أيضا. و يقال ربّيته و تربّيته إذا غذوته، و هذا ممّا يكون على معنيين: أحدهما- من الّذى ذكرناه، لأنّه إذا ربّى نما و زكا و زاد. و المعنى الآخر- من ربّيته من التربيب. و يجوز أن يكون أصل احدى الباءات ياء. و الوجهان جيّدان. و الربا في المال و المعاملة معروف، و تثنيته ربوان و ربيان و الاربيّة من هذا الباب، يقال هو في اربيّة قومه: إذا كان في عالى نسبه من أهل بيته. و الاربيّتان: لحمتان عند اصول الفخذ من باطن، و سمّيتا بذلك لعلوّهما على ما دونهما.

و أمّا المهموز: فالمربأ و المربأة من الأرض، و هو المكان العالي يقف عليه عين القوم. و أنا أربأ بك عن هذا الأمر، أى أرتفع بك عنه. و‌

35

ذكر ابن دريد: لفلان على فلان رباء، ممدود، أى طول. قال أبو زيد:

رابأت الأمر مرابأة: حذرته و اتّقيته، و هو من الباب كأنّه يرقبه.

لسا- ربا الشي‌ء يربو ربوّا و رباء: زاد و نما. و أربيته: نمّيته. و في التنزيل- و يربى الصدقات. و الربية: من الربا، مخفّفة، قال الفرّاء و مثل الربية من الرباحية من الاحتباء، سماع من العرب، يعنى أنّهم تكلّموا بهما بالياء و لم يقولوا ربوة و حبوة، و أصلهما الواو. و الاسم الربا مقصور، و ربت: اى عظمت و انتفخت.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الانتفاخ مع زيادة بمعنى أن ينتفخ شي‌ء في ذاته ثم يتحصّل له فضل و زيادة.

و هذا المفهوم قد تشابه به على اللغويّين، ففسّروها بمعاني ليست من الأصل، بل هي من آثاره و لوازمه و ما يقرب منه، كالزيادة المطلقة، و الفضل، و النماء، و الانتفاخ، و الطول، و العظم، و الزكا، و النشأ، و العلا.

و بهذا يظهر الفرق بين هذه المادّة و بين الربب و الربا، فقولنا ربى‌ء الصغير مهموزا أى علا و طال، و ربّ الصغير بالتضعيف أى ساقه الى جهة الكمال، و ربا الصغير معتلّا أى انتفخ و زاد.

. وَ تَرَى الْأَرْضَ هٰامِدَةً فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا الْمٰاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ- 22/ 5 فالاهتزاز و التحرّك انّما يتحقّق بعد الخمود و الجمود، ثمّ يتحصّل الربوة أى الانتفاخ و الزيادة، ثمّ الانبات [و أنبتت].

فذكر- أنبتت، بعد الربو: يدلّ على أنّ مفهوم الربو غير الانبات و النماء، و هكذا مفاهيم- الطول و العلا و العظمة.

36

. كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصٰابَهٰا وٰابِلٌ- 2/ 265- أى في مكان منتفخ مستعدّ- للانبات و الزرع، و ليس المعنى المكان العالي المرتفع، فانّ ارتفاع المكان لا يعدّ من محسّنات الأراضى المزروعة. و هكذا لا يناسب المقام معاني- الزيادة و النماء و الطول و الزكا و أمثالها.

. وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْنٰاهُمٰا إِلىٰ رَبْوَةٍ ذٰاتِ قَرٰارٍ وَ مَعِينٍ 23/ 50 قد أفرد كلمة الآية اشارة الى أنّ مريم و ابنه معا آية، من جهة التولّد على خلاف الجريان الطبيعي، و الربوة محلّ مستعدّ للانبات و منتفخ مهيّأ للزراعة، فيناسب السكون و الحياة و العيش [ذات قرار و معين].

و لا يناسب التفسير أيضا بالارتفاع و الفضل و الطول و العظمة و غيرها.

. فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رٰابِياً- 13/ 17-. فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رٰابِيَةً- 69/ 10 أى زبدا منتفخا زائدا، و أخذة منتفخة قويّة، فهي أخذة واحدة دفعة، الّا أنّها قويّة و زائدة في الشدّة و الحدّة. و الأخذ ليس بمادّىّ: فيكون الزيادة و الانتفاخ فيه أيضا غير مادّىّ.

. وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمٰا كَمٰا رَبَّيٰانِي صَغِيراً- 17/ 24- فالمناسب أن يكون لفظ- التربية- في هذا المورد من مادّة الربو لا من الريب، فانّ المعنى العام في جميع الموارد هو تحقّق الانتفاخ و الزيادة الجسمانيّة و حصول النشوء المادّىّ الظاهرىّ تحت مراقبة الوالدين، و أمّا التربيب و السوق الى الكمال المعنوىّ غير متحقّق في أغلب الموارد و بالنسبة الى أغلب الأولاد، و هذا المعنى حقّ آخر و له مزيد شكر و امتنان إن تحقّق.

و مفهوم التربية عامّ شامل لجميع المراتب من حصول النشوء و النماء و‌

37

و الزيادة في أىّ مرتبة و بأىّ مقدار و بأىّ كيفيّة ماديّة أو معنويّة.

و يؤيّد ما ذكرناه: ذكر كلمة- صغيرا، فانّ المقتضى في الصغر هو التربية- و حصول الانتفاخ و الزيادة الجسمانيّة و هو الكبر. مضافا الى انّ الوالدين قد يكونان غير صالحين بل منحرفين، كما في-. قٰالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينٰا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينٰا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ- 26/ 18- فانّ موسى (ع) قد ربّى في بيت فرعون صغيرا من جهة جسمانيّة فقط. و هذا حقيقة الانتفاخ و الزيادة.

. وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ- 30/ 39 الرباء مصدر ربا يربو، و اسم المصدر منه الربا مقصورا و هو بمعنى ما حصل من المصدر، أى نفس الانتفاخ و المزيد من حيث هو.

و يستفاد من هذه الآية الشريفة: أنّ الربا هو ما كان رابيا في أموال- الناس، بمعنى أنّ حصول الانتفاخ و الزيادة انّما يتحقّق فيما بين أموال الناس لا في ماله و تحت تصرّفه، و هذا بخلاف البيع، فانّ المبيع في مقام البيع انما يزيد اعتبارا و قيمة و ينتفخ عند مالكه، فالمبيع يباع على ما هو عليه حين وقوع البيع، و أمّا الربا: فيفرض انتفاخه و زيادة قيمته عند من يعطى الزيادة و فيما بين ماله.

فهذا أمر خلاف العدل و المصلحة و النظم و القانون الاقتصادىّ، فانّ- الغنم لمن عليه الغرم، و الربح تابع للمال، و إذا حصل انتفاخ لشي‌ء فيما بين أموال سائر الناس و منها: فكيف يجوز أخذه و التصرّف فيه.

فما ينتفخ في أموال الناس و يؤخذ منهم: فلا يحصل له بركة و لا يستنجّ منه نفع و خير في الدنيا و لا في الآخرة-. فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ-. يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ- 2/ 276،. قُلِ اللّٰهُمَّ مٰالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشٰاءُ

38

وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشٰاءُ.

. الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا- 2/ 275- أى إنّ آكلى الربا كم يسقطه الشيطان بالضرب مساسا، فيخطّون عن مراحل الروحانيّة و مقام النور و الحقيقة، و يتوغّلون في الدنيا و محبّتها و شهواتها، فليس لهم تعقّل و تفكّر و هدف الّا العوائد و الغنائم المادّية- راجع الخبط.

فانّهم بمقتضى حالاتهم يقولون- انّما البيع الّذى أحلّه اللّه كأخذ الربا من جهة الاستفادة و الاسترباح، و هم غافلون عن أنّ الربا انّما يربو في أموال الناس، بخلاف الربح في البيع.

و استعمال كلمة الربا في هذا المورد: يدلّ على كونه اسم مصدر، و كذا في قوله تعالى-. وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ. فانّ أكله و أخذه لا يصحّ الّا إذا كان بمعنى الاسميّة.

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً- 3/ 130- هذه الآية الكريمة ناظرة الى موارد يؤخذ الربا مكرّرة و يضاعف بتمديد الأجل أو بأىّ عنوان آخر. و هذا اشارة الى بلوغ ظلمهم و تعدّيهم الى أموال الناس ما شاءوا و ما أمكنوا، من غير عاطفة و ملاحظة و رعاية لهم.

ثمّ انّ كلمة الربا- تكتب في القرآن بالواو كالصلوة و الزكاة، و كتابة- الألف لئلّا تقرأ بالواو، فالواو و اشارة الى أصل المادّة، و الألف الى أنّ القراءة لازم ان تكون بالألف المقصورة، و قد يقر، بالتفخيم.

39

ثمّ انّ الربا المحرّم انّما هو في المكيل و الموزون، و أمّا المعدود و المزروع، أى ما يكون تحديده و تعيينه بواسطة التعداد أو الزرع: فالربا فيه غير محرّم، فانّ العدّ و الزرع ليسا كالوزن و الكيل في الدقّة و التحديد، و لا يمكن التساوي فيهما حقيقة و بالدقّة، فانّ المعدود و المزروع يتسامحا فيهما عرفا. و قد- يقتضى العرف و الحكم العدل أن يجرى الربا و الزيادة في طرف، حتّى يكون المبادلة متساويين عند العرف و الدقّة.

و بهذا يظهر ما في كلام بعضهم من عدّ الاسكناس في المعدود: فانّ المعدود ما يكون في نفسه و بذاته ذا قيمة، و العرف يقدّر تحديده في مقام المبادلة بالعدّ، و الاسكناس ليس له قيمة ذاتيّة في نفسه، بل باعتبار المعتبر، و لا بدّ أن يكون ذلك الاعتبار عند العرف نافذا و مطمئنّا عليه، اعتمادا الى ثروة و ملك و قدرة ماليّة بمقدار تلك المعتبرات العرفيّة، و لا فرق بين ذلك المعتبر أن يكون تاجرا من جهة تجارته الواسعة أو مالكا بلحاظ ما يملكه من الأراضى، أو صاحب معمل دائر أو معدن أو أجناس ثمينة.

و كلّما ما كان مقام المعتبر أعلى و أجلى: كان لاعتباره نفوذ و قوّة و اعتماد أزيده و أرفع مقام يستند عليه: الحكومة الرسميّة الملّيّة الّتى تعتمد على قولها و عملها و تدبيرها و سياستها الرعيّة.

و لا يخفى أنّ نشر الاسكناس في الحقيقة: عبارة عن جعله معتبرا و قابلا للإنفاذ و الاجراء، و هو سند رسمىّ مقبول عند الحكومة و الرعيّة، و ليس معنى اعتباره أن يكون مستندا في جميعه الى أموال الحكومة، فانّ اكثر الاسكناس موجودة بيد أفراد الرعيّة، يعاملون بها في قاطبة معاملاتهم، و يأخذونها‌

40

عوضا عمّا في أيديهم من الأموال، فاعتبار (پشتوانه) تلك الاسكناس و القراطيس المعمولة في الممالك الجارية بأيدى الرعيّة انّما هو أموال الناس، و لا دخل لها بأموال الحكومة و اعتباره.

فالاعتبار من جهة الإنفاذ و الاجراء و الرسميّة و الاعتماد: انّما هو من جانب الحكومة، كسائر الأسناد الرسميّة. و أمّا من جهة الماليّة (پشتوانه) فهو من جانب الرعيّة و من بيده من أفراد الناس، فمن يعطى للبائع اسكناسا في مقام مبادلة مال أو ملك: فهو ضامن لمحتواه و مقدار الثمن.

و لا فرق بين الاسكناس و بين سائر الاسناد الرسميّة.

فالاسكناس الموجود عند تاجر او كاسب أو مالك: انّما هو آية تموّله و علامة مقدار تمكّنه و ثروته، و إعطاء الاسكناس عوضا عن المال كاعطاء السند الرسمىّ المعتبر، بل هو أشدّ اعتبار او نفوذا و جريانا.

مضافا الى أنّ قانون الربا و هو انتفاخ المال في أموال الناس: جار في هذا المورد قطعا، و هذا المورد من مصاديق العنوان المسلّمة البارزة. و الّا فلا يوجد موضوع للربا في هذا الزمان، و يصحّح الربا في اكثر موارده، بل في جميع موارده الخارجيّة المعمولة المتداولة.

فنحن نقطع بانّ نظر الشارع المنع عن انتفاخ المال في أموال الناس، و الربا دائر على ذلك المدار، و جار على ذلك العنوان، و قد اتّضح حقّ الحكم و فلسفة القانون و علّته- فلا تغفل و كن على بصيرة، و اتّق اللّه في التسامح في بيانه و حكمه-. وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ ...

. اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- 2/ 278-

41

حرف- مِن- بيانيّة، أى خذوا أصل المال و ذروا الباقي الّذى جعلتموه على معطى الربا، و هو الربا، فانّ غاية تمكّن المعطى هو تأدية ما عليه من أصل المال، لأنّ ضعفه و فقره و حاجته اقتضت قبول هذه المعاملة، و إلزامه على أزيد من أصل المال تحميل عليه بما لا طاقه له.

و التعبير بكلمة- ما بقي: فانّ المنظور ترك أخذ ما يبقى عليه بعد تأدية أصل المال، أى ما انتفخ في أمواله، و ليس المقام لبيان ترك المطلق الربا‌

رتع:

أسا- رتعت الماشية رتعا و رتوعا، و إبل رتاع و رتّع و رتوع، و هو أن ترعى كيف شاءت في خصب و سعة، و أرتعها أهلها و هم مرتعون في مرتع واسع. و من المجاز: رتع القوم إذا أكلوا ما شاء وافى رغد، و قوم راتعون، و رتع فلان في مال فلان. و أرتعت الأرض: أشبعت الراعية.

مصبا- رتعت الماشية رتعا من باب نفع و رتوعا: رعت كيف شاءت و أرتع الغيث إرتاعا: أنبت ما ترتع فيه الماشية، فهو مرتع، و الماشية راتعة، و الجمع رتاع، و المرتع: موضع الرقوع، و الجمع المراتع.

مقا- رتع: كلمة واحدة و هي تدلّ على الاتّساع في المأكل، تقول:

رتع يرتع، إذا أكل ما شاء، و لا يكون ذلك الّا في الخصب. و المراتع: مواضع الرتعة، و هذه المنزلة يستقرّ فيها الإنسان.

لسا- الرتع: الأكل و الشرب رغدا في الريف. و الاسم الرتعه و الرتعة يقال خرجنا نرتع و نلعت، أى ننعم و نلهو. في حديث امّ زرع: في شبع و رىّ و رتع، أى تنعّم. و كلّ مخصب مرتع. ابن الأعرابى: الرتع الأكل بشره‌

42

و في الحديث: إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا، أراد برياض الجنّة ذكر اللّه و شبّه الخوض فيه بالرتع في الخصب. أرسله معنا غدا يرتع و يلعب، اى يلهو و ينعم. و قيل يسعى و ينبسط. و قيل يأكل. قال الفرّاء: يرتع، العين مجزومة لا غير، لأنّ الهاء في قوله أرسله معرفة و غدا معرفة، و ليس في جواب الأمر و هو يرتع الّا الجزم. و لو كان بدل المعرفة نكرة كقولك أرسل رجلا يرتع: جاز فيه الرفع و الجزم- ابعث لنا ملكا يقاتل- الجزم لأنّه جواب الشرط، و الرفع على أنّه صلة للملك.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التوسّع في الرّفّه، اى ترفّه و تنعّم في سعة. و هذا المفهوم يختلف خصوصيّاته- باختلاف الموارد و المصاديق، فالتنعّم في سعة لطالب المال غير ما هو لطالب العلم، و للإنسان غير ما هو للحيوان، و للحيوان غير ما هو للنبات، و للكبير غير ما هو للطفل و الصغير، و هكذا.

فيقال: رتعت الماشية أى رعت في خصب. و أرتعت الأرض أشبعت الراعية. و أرتع- الغيث: أنبت ما يرعى و ما ينبت. و رتع- القوم: أكلوا و تنعّموا قد رغد عيش. و رتع الطفل: صار في حال ترفّه و تنعّم وسعة. و رتع طالب العلم: صار في طلبه على سعة و تمكّن زائد. و رتع في ذكر اللّه: خاض فيه مع توجّه و التفات تامّ.

فكلّ هذه المعاني يلاحظ فيها الأصل الواحد الجامع مع خصوصيّة زائدة بمناسبة المورد و المصداق.

فهذه كلّها من مصاديق الحقيقة الواحدة.

43

. أَرْسِلْهُ مَعَنٰا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ- 12/ 12- أن يحصل له ترفّه و توسّع و تفرّج بما هو المتوقّع من الصبيان.

عبّر بكلمات- أرسل، غدا، يرتع: اشارة الى إلقاء المسئوليّة الى يعقوب أبيه، و الى الفرجة و المهلة للتفكّر، و الى صلاح و خير لنفس يوسف. و يذكر بعد هذه المقدّمات في المرتبة المتأخّرة- انّهم ليحفظونه قهرا. و التعبير بصيغة الفاعل دون الفعل: اشارة الى أنّ هذا وظيفتهم و من شأنهم ذلك، و لا يتعهّدون ذلك العمل.

رتق:

مصبا- رتقت المرأة رتقا من باب تعب، فهي رتقاء: إذا استدّ مدخل الذكر من فرجها فلا يستطاع جماعها. و قال ابن القوطية: رتقت الجارية و الناقة، و رتقت الفتق رتقا من باب قتل:

سددته فارتتق.

مفر- الرتق: الضمّ و الالتحام خلقة كان أم صنعة. قال تعالى- كانتا رتقا ففتقناهما- أى منضمّتين. و الرتقاء: الجارية المنضمّة- الشفرتين. و فلان راتق و فاتق في كذا، أى هو عاقد و حالّ.

صحا- الرتق: ضدّ الفتق، و قد رتقت الفتق أرتقه فارتتق، أى التأم. و الرتق: مصدر قولك امرأة رتقاء.

اس- رتق الفتق حتّى ارتتق، و قرئ- كانتا رتقا و رتقا. و عن ابن الكلبي كانتا رتقاوين ففتق اللّه السماء بالماء، و فتق الأرض بالنبات. و امرأة رتقاء: بيّنة الرتق إذا لم يكن لها خرق الّا المبال. و من المجاز: رتقنا فتقهم إذا أصلحوا أحوالهم و نعشوهم، و رتق فلان فتق القوم: إذا أصلح‌

44

ذات بينهم.

لسا- الرتق ضدّ الفتق. ابن سيده: الرتق الحام الفتق و إصلاحه رتقه يرتقه و يرتقه رتقا، فارتتق، أى التأم. يقال: رتقنا فتقهم حتّى ارتتق، و الرتق: المرتوق. و في التنزيل-. أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا. قال بعض المفسّرين: كانت السماوات رتقا لا ينزل منها رجع، و كانت الأرض رتقا ليس فيها صدع ففتقهما اللّه تعالى بالماء و النبات رزقا للعباد. قال الفرّاء: فتقت السماء بالقطر و الأرض بالنبت، قال، و لم يقل رتقين: لأنّه أخذ من الفعل.

و قال الزجّاج: لأنّ الرتق مصدر، المعنى- كانتا ذواتي رتق فجعلنا ذواتي فتق. و رتقت المرأة و هي رتقاء.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الفتق، أى الالتئام و الالتحام، و الفرق بينها و بين موادّ- الاستداد و الضمّ و العقد و الإصلاح و الالتئام و الإلحام- يعرف في تلك الموادّ.

يقال هو من أهل الرتق و الفتق، و من أهل الحلّ و العقد: أى من بيده حلّ الأمور المعضلة، و إحكام الأمور المتزلزلة، و الشقّ و الفصل في الأمور المنسدّة المنضمّة، و الإلحام في الأمور المنفصلة المتفرّقة.

و يلاحظ في العقد: الاستحكام و التعقّد في نفس الشي‌ء، و يقابله الحلّ.

و في الرتق يلاحظ الالتئام بين شيئين متّصلين أو منفصلين، و يقابله- الفتق و هو الفصل و الكشف و الشّقّ.

. أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا

45

وَ جَعَلْنٰا مِنَ الْمٰاءِ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَيٍّ أَ فَلٰا يُؤْمِنُونَ- 21/ 30- لمّا كاف الخطاب على الكافرين بقوله تعالى-. أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا: يلزم أن يكون الرتق و الفتق بمرأى منهم و قابلا لأن يرونه، فلا يصحّ أن يفسّر بفتق ما رتق من السماوات الروحانيّة و الأرض الجسماني أو برتق السماوات و الأرض و فتقهما في بدء خلقهما، فانّ هذه المراتب غير مرئيّة لهم، و لا يجوز خطابهم بما لا يدركونه و لا يرونه- بقوله تعالى-. أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا.

و يدلّ عليه ما ورد من الروايات في تفسير الآية الكريمة، كما في تفسير البرهان 2/ 687- قال له الشامي: يا أبا جعفر قول اللّه عزّ و جلّ- كانتا رتقا ففتقناهما فقال أبو جعفر ع: فلعلّك تزعم أنّهما كانتا متلازقتين متلاصقتين ففتقت إحداهما من الاخرى؟ فقال نعم. فقال أبو جعفر ع: استغفر ربّك، فانّ قول اللّه تعالى- كانتا رتقا ففتقناهما- يقول- كانت السماء رتقا لا تنزل المطر و كانت الأرض رتقا لا تنبت حبّا، فلمّا خلق اللّه الخلق و بثّ فيها من كلّ دابّة فتق السماء بالمطر و الأرض بنبات الحبّ. فقال الشامي: أشهد أنّك من ولد الأنبياء و انّ علمك علمهم.

فالرتق بهذا المعنى يراه المؤمن و الكافر في كلّ حين.

و يناسب التفسير آخر الآية الكريمة-. وَ جَعَلْنٰا مِنَ الْمٰاءِ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَيٍّ- أى بعد فتق السماء بنزول المطر: جعلنا من الماء النازل حيوة النباتات و الحيوان و الإنسان، فمبدأ حياة كلّ حىّ هو الماء- في عالم المادّة.

فالمناسب اللطيف بهذا المقام هو التعبير بمادّة الرتق، دون السدّ و الضمّ و العقد و الالتئام و الالتحام و غيرها- كما لا يخفى- راجع الفتق.

46

رتل:

مصبا- رتل الثغر رتلا فهو رتل من باب تعب إذا استوى نباته. و رتّلت القرآن ترتيلا: تمهّلت في القراءة و لم أعجل.

مفر- الرتل: اتّساق الشي‌ء و انتظامه على استقامة، يقال رجل رتل الأسنان. و الترتيل: إرسال الكلمة من الفم بسهولة و استقامة قال تعالى-. وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا.

اسا- ثغر مرتّل و رتل و رتل: مفلّج مستوى النبتة حسن التنضيد. و من المجاز: رتّل القرآن ترتيلا: إذا ترسّل في تلاوته و أحسن تأليف حروفه. و هو يترسّل في كلامه و يترتّل.

التهذيب 14/ 268- عن أبى العبّاس: ما أعلم الترتيل الّا التحقيق و التمكين، أراد في قراءة القرآن. و قال الليث: تنسيق الشي‌ء، و ثغر رتل حسن التنضيد، و رتّلت الكلام ترتيلا أى تمهّلت فيه و أحسنت تأليفه، و هو يترتّل في كلامه و يترسّل. و قال أبو إسحاق: رتّل القرآن ترتيلا، بيّنه تبيينا، و التبيين لا يتمّ بأن تعجل في القراءة، و انّما يتمّ بأن تبيّن جميع الحروف و توفّيها حقّها من الاشباع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو حسن التنسيق و التنضيد. و هذا المعنى تختلف خصوصيّاته باختلاف المصاديق، يقال كلام رتل و رتّل الكلام: إذا أحسن تأليفه و تنسيقه و أبانه و نظّمه، و شي‌ء رتل إذا كان حسن التناسق، و ثغر رتل و رتل الأسنان إذا كان حسن التنضيد مستوى النبات و ماء رتل أى بارد، و الرتل من كلّ شي‌ء: الطيّب منه. و رتّل القرآن: بيّنه و تأنّق في قراءته و ترسّل فيه ليكون حسن التناسق.

47

فالملحوظ في جميع هذه الموارد: انّما هو مفهوم حسن التناسق.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ النسق و النضد و النظم و الرصف:

أنّ النسق عطف شي‌ء على شي‌ء و تتابع على نظام واحد. و النضد ضمّ شي‌ء الى آخر في اتّساق و جمع و احكام منتصبا أو عريضا بعضه فوق بعض، و الرصف هو مطلق النضد. و الرتل قلنا انّه حسن النسق، أى تتابع بين امور على أحسن وجه و أحسن نظام.

و النظم: تأليف و وضع كلّ شي‌ء فيما يناسبه.

فظهر أنّ مفاهيم- الاستواء و الاستقامة و الانتظام و اللطافة و التّرسّل و التبيين و التمكّث و التغنّى و التمهّل: من آثار الأصل، و مفهوم الأصل يتجلّى في كلّ مورد بما يناسبه.

و ظهر أيضا: انّ الترتيل بمعنى قراءة القرآن على نحو ابانة الحروف و الكلمات و التمهّل فيها و التمكّث و التأنّق، انّما هو مصطلح خاصّ و من مصاديق الأصل في القراءة خاصّة.

و من مزالّ الأقدام: تشابه المفاهيم المستحدثة المتداولة على المفسّرين حيث غفلوا عن الأصل، و وقعوا في مضيقة و انحراف.

. وَ قٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لٰا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وٰاحِدَةً، كَذٰلِكَ، لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤٰادَكَ وَ رَتَّلْنٰاهُ تَرْتِيلًا- 25/ 32- أى نزّل القرآن على حسب الوقائع و الحوادث و المقامات المقتضية، شاهدا عليها و مفسّرا لها، ليتثبّت فيها الفؤاد و يستقرّ فيها الحكم، و مع هذا فنحفظ الاتّساق و حسن النسق و تمام النظر و كمال النضد بين آياتها و جملاتها.

48

. يٰا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلّٰا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا- 73/ 5- ترتيل القرآن أى تنسيقه و حسن تنضيده و الاهتمام في تبيينه من الرسول ص: يشمل التنسيق في مقام القراءة و في الضبط و الكتابة.

و المنظور أن يهتمّ في تنظيمه و تنسيقه و حفظه و تبيينه، و هو كلام اللّه الكريم و فيه مظاهر المعارف الالهيّة و مجالي الحقايق و ضوابط الأحكام و الأوامر و جوامع الخير و السعادات، و هو المثل الأعلى من برنامج النبوّة و الرسالة، و هو الثّقل الأكبر.

فظهر أنّ ترتيل القرآن: امّا في مقام التنزيل، و امّا في مقام الضبط و الكتابة من كتّاب الوحى، و امّا في مقام القراءة. فالأول من اللّه العزيز، و الثاني من النبىّ ص، و الثالث وظيفة المسلمين.

و بما قلناه تبيّن لطف التعبير في الموردين بالمادّة دون القراءة و التلاوة و غيرهما.

ثمّ انّ الترتيل في جهة الضبط و الحفظ على ما هو في الواقع لفظا و نظما و- تنسيقا و من جهة المعاني و التوجّه الى الحقائق و ما يراد: انّما هو يحتاج الى حالة روحانيّة و انقطاع و حضور تامّ- قم الليل و رتّل.

رجّ:

مصبا- رججت الشي‌ء رجّا من باب قتل حرّكته، فارتجّ هو، و ارتجّ البحر: اضطرب. و ارتجّ الظلام: التبس.

مقا- رجّ: أصل يدلّ على الاضطراب، و هو مطّرد منقاس و يقال كتيبة رجراجة: تمخّض لا تكاد تسير، و جارية رجراجة: يترجرج‌

49

كفلها. و الرجرجة: بقيّة الماء في الحوض. و يقال للضعفاء من الرجال الرجاج. و الرجّ: تحريك الشي‌ء، تقول رججت الحائط رجّا، و ارتجّ البحر. و الرجرج: نعت للشي‌ء الّذى يترجرج. و ارتجّ الكلام: التبس، و انّما قيل له ذلك لأنّه إذا تعكّر كان كالبحر المرتجّ. و الرجرجة: الثريدة الليّنة. و يقال الرجاجة النعجة المهزولة، فان كان صحيحا فالمهزول مضطرب. و ناقة رجّاء: عظيمة السنام.

صحا- رجّه يرجّه رجّا: حرّكه و زلزله. و الرجرجة: الاضطراب و ترجرج الشي‌ء: جاء و ذهب. و الرجاج: مها زيل الغنم. و الرجاج ايضا الضعفاء من الناس و الإبل.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الاضطراب الشديد، و هذا المفهوم قريب من الزلزلة و الرجفة.

و الفرق بينها و بين الاضطراب و الزلزلة و الرجفة و الدكّ و الشقّ و الحركة:

انّ الحركة هو كون على مكان أو حالة بعد أن لم يكن فيها و هو ضدّ السكون، و هذا المعنى يعمّ الحركة زمانا أو مكانا او حالا، طولا أو عرضا. و الزلزلة من الزلّة و الزلل و هو استرسال في الرجل و عثرة من غير قصد، و تكرار المادّة في الزلزلة يشير الى تكرّر الزلّة و الاسترسال، فزلزلة الأرض استرسال فيها من دون ارادة منها مكرّرا.

و الرجفة هو الزلزلة مع شدّة و عظمة. و الدكّ هو الدقّ حتّى يستوي و ينخفض.

و الشقّ هو الصدع و التفريق. و الاضطراب هو الحركات المتوالية في جهتين مختلفتين، كأنّ بعض الأجزاء يضرب بعضا، و كأنّ الشخص المضطرب يختار الضرب فانّ الافتعال للمطاوعة و الاختيار.

50

و لا يخفى أنّ كلّ مادّة فيه حرفا الراء و الجيم: يدلّ على حركة مخصوصة، كما في الرجّ و الرجف و الرجع و الرجز و الرجس و الرجن و الرجب و الرهج و الرجم و الجرّ و الجري و الجرف و الرعج و ما يقاربها غالبا.

ثمّ انّ وقوع زلزلة عظيمة و رجف و رجّ و اضطراب و تشقّق شديد للأرض من المسلّمات الّتى أخبر بها في القرآن الكريم بتعبيرات مختلفة-. يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبٰالُ وَ كٰانَتِ الْجِبٰالُ كَثِيباً- 73/ 14،. كَلّٰا إِذٰا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا- 89/ 21،. إِذٰا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزٰالَهٰا- 99/ 1،. وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبٰالُ فَدُكَّتٰا دَكَّةً وٰاحِدَةً- 69/ 14،. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا- 8/ 26،. وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ- 84/ 3،. يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرٰاعاً ذٰلِكَ حَشْرٌ 50/ 44،. يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ- 14/ 48،. وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبٰالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بٰارِزَةً- 18/ 47.

. إِذٰا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَ بُسَّتِ الْجِبٰالُ بَسًّا- 56/ 4- أى إذا اضطربت الأرض شديدا و فتّتت الجبال-. فَكٰانَتْ هَبٰاءً مُنْبَثًّا.

فالشدّة في الاضطراب تكشف عن أمرين: من مادّة الرجّ، و من المصدر بعد ذكر الفعل، فانّه يدلّ على التوكيد.

و أمّا خصوصيّات هذه الرجّة و الرجفة و الدكّة و الزلزلة: فعلمها عند اللّه المتعال، و قد سبق في مادّة الأرض: أنّها أعمّ من الأرض المحسوس الكرة الأرضيّة، و العالم الجسماني في قبال العالم الروحاني. و ارادة المعنى الثاني أقرب الى الفهم. و يؤيّده-. يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّمٰاوٰاتُ وَ بَرَزُوا لِلّٰهِ الْوٰاحِدِ أى تبدّل أرض العالم الجسماني الى أرض لطيفة كالبرزخ أو ألطف منه.