التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج5

- حسن المصطفوي المزيد...
296 /
5

الجزء الخامس

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[المدخل]

ربّ يسّر و لا تعسّر سهّل علينا يا ربّ العالمين.

الحمد للّه الّذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه.

و الصلاة و السلام على خير خلقه خاتم النبيّين أبي القاسم محمّد و آله الطاهرين المعصومين.

و بعد: فنبدأ بحول اللّه و قوّته و توفيقه بالجزء الخامس من كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) و أوّله حرف السين.

و نسلك في هذا الجزء أيضا على ضوابط أشرنا اليها في مقدّمة الكتاب.

و لازم للقارئ العزيز أن يراجع اليها ليكون على بصيرة من مبانيه.

و أستعين اللّه عزّ و جلّ و أستمدّه في هذا المشروع الخطير، إنّه خير موفّق و معين، و ما النصر إلّا من عند اللّه العزيز الحكيم.

و كفى بربّك هاديا و نصيرا.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم‌

باب حرف السّين

سأل

مقا- سأل: كلمة واحدة. يقال سأل يسأل سؤالا و مسألة. و رجل سؤلة:

كثير السؤال.

مصبا- سألت اللّه العافية: طلبتها، سؤالا و مسألة، و جمعها مسائل، و سألته عن كذا: استعلمته، و تساءلوا: سأل بعضهم بعضا، و السؤال: ما يسأل.

و المسئول: المطلوب. و الأمر من سأل: اسأل. و فيه لغة: سال يسال من باب خاف، و الأمر سل.

صحا- السؤل: ما يسأله الإنسان، و قرئ- أوتيت سؤلك يا موسى- بالهمزة و بغير الهمز. و سألته الشي‌ء و سألته عن الشي‌ء سؤالا و مسألة، قوله تعالى-. سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ- أي عن عذاب. قال الأخفش، يقال: خرجنا نسأل عن فلان و بفلان. و قد تخفّف همزته فيقال سال يسال، و الأمر منه سل، و من الأوّل اسأل.

و رجل سؤلة: كثير السؤال.

أسا- هو سآّل و سئول و سؤلة، و قوم سألة و سؤّال. و سألته عن كذا سؤالا و مسألة، و ساءلته عنه مساءلة، و تساءلوا عنه، و سألته حاجة، و أصبت منه سؤلي:

طلبتي، فعل بمعنى مفعول كعرف و نكر.

8

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو طلب أمر عن شخص، و المطلوب أعمّ من أن يكون خبرا أو مالا أو علما أو عطاء أو شيئا آخر.

فإذا كان المطلوب خبرا يكون بمعنى الاستخبار، و إذا كان علما يكون بمعنى الاستعلام، و إذا كان عطاء يكون بمعنى الاستعطاء.

و هذه المادّة متعديّة الى مفعولين بنفسها، فيقال سأله متاعا. و قد تتعدّى الى الثاني و تستعمل بالباء أو بحرف عن، بحسب اقتضاء المعنى.

و الفرق بين السؤال و الطلب: أنّ الطلب صفة نفسانيّة قائمة بالنفس و لا يحتاج الى الظهور أو الى الإظهار كما في طلب الكمال، و فيه إلزام. و ليس كذلك السؤال و ليس فيه إلزام.

فالسؤال عن خبر: كما في-. وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ*،. لٰا يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ،. وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ يَتَسٰاءَلُونَ*.

و السؤال عن عطاء: كما في-. وَ مٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ*،. قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً*،. أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً .. وَ لٰا يَسْئَلْكُمْ أَمْوٰالَكُمْ- 47/ 36.

و السؤال عن علم: كما في-. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ،. يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّٰاعَةِ*،. وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ- 2/ 186.

و السؤال عن عمل: كما في-. يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتٰابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتٰاباً.

و السؤال عن عذاب: كما في-. سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ لِلْكٰافِرينَ.

ثمّ إنّ الاستعمال بالباء: إنّما يكون في مقام التأكيد-. فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً،. سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ.

و بحرف من: يدلّ على التبعيض كما في-. مٰا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ*.

و يستعمل بحرف من: إذا أريد الدلالة على إخراج و تفكيك عن شي‌ء، و التبعيض من مصاديق هذا المعنى. و بحرف عن: إذا أريد الدلالة على صدور و تجاوز عن شي‌ء محسوسا أو معنويا كما في-. إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‌ءٍ،. لٰا تَسْئَلُوا عَنْ

9

. أَشْيٰاءَ،. وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتٰامىٰ- أي عمّا يختصّ بهم و عن حالاتهم و أحكامهم، فيسأل صدور أحكامهم و ما يختصّ بهم. و هذا بخلاف حرف من فيدلّ على الإخراج، كما في إخراج الأجر.

سأم

مصبا- سئمته أسأمه من باب تعب سأما و سآمة: بمعنى ضجرته و مللته.

و يعدّى بالحرف أيضا فيقال سئمت منه. و في التنزيل-. لٰا يَسْأَمُ الْإِنْسٰانُ مِنْ دُعٰاءِ الْخَيْرِ.

لسا- سئم الشي‌ء و سئم منه و سئمت منه أسأم سأما و سأمة و سآما و سآمة:

ملّ، و رجل سئوم و قد أسأمه هو. و السآمة: الملل و الضجر.

مفر- السآمة: الملالة ممّا يكثر لبثه، فعلا كان أو انفعالا، قال: و هم لا يسأمون.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الملالة مع الضجر.

و أمّا الفرق بين هذه المادّة و موادّ الكسل و الفتور و الرخو و الضعف و القلق و البطالة و اللين و الضيق و الملالة و الضجر:

أنّ الرخو ضدّ الشدّة. كما أنّ البطالة في مقابل الحقّ. و الضعف في مقابل القدرة. و اللين في مقابل الخشونة. و الضيق في قبال الوسع. كما سبق في مادّتي- الحقّ و الرخو.

و الفتور: هو لين و ضعف بعد الحدّة.

و الكسل: مطلق الفتور و التثاقل.

و القلق: هو الاضطراب في قبال الطمأنينة.

و الملالة: تضيّق القلب و يعبّر عنه بالفارسيّة (گرفتگى و دلتنگى).

و الضجر: تألّم يعبّر عنه ب‍ (آزردگى و رنجورى).

10

و السأم: مفهوم مركّب من الملل و الضجر.

و سيجي‌ء في ذيل الموادّ ما يوضح حقائقها أكثر ممّا ذكرناه هنا.

و يؤيّد المفهوم استعمال السام معتلّا بمعنى الموت و المرض.

. يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ هُمْ لٰا يَسْأَمُونَ- 41/ 38.

أي لا يجدون في أنفسهم مللا و ضجرا من إدامة التسبيح و من الاشتغال به، فانّ الاشتغال بما يلائم النفس يوجب شعفا و بهجة و انشراحا للقلب، كما قال:. لٰا يَسْأَمُ الْإِنْسٰانُ مِنْ دُعٰاءِ الْخَيْرِ- 41/ 49- أي لا يملّ و لا ينضجر إذا كان في طلب ما يلائم روحه و في طريق تحصيل ما هو خير له.

. لٰا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلىٰ أَجَلِهِ- 2/ 282.

أي لا يكن منكم إظهار السأم في موقع لزوم المكاتبة حين التداين، حتّى يوجب السأم ترك المكاتبة بينكم.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في الآيات دون نظائرها.

سبأ

مقا- سبى: أصل واحد يدلّ على أخذ شي‌ء من بلد الى بلد آخر كرها، من ذلك السبي، يقال سبى الجارية يسبيها سبيا. و إذا كان مهموزا خالف المعنى الأوّل، و كان على أربعة معان: فالأوّل- سبأت الجلد، إذا محشته (قشرته) حتّى احرق شيئا من أعاليه. و الثاني- سبأت جلده: سلخته. و الثالث- سبأ فلان على يمين كاذبة، إذا مرّ عليها غير مكترث. و الرابع- قولهم ذهبوا أيادي سبا، أي متفرّقين، و هذا من تفرّق أهل اليمن. و سبا: رجل يجمع عامّة قبائل اليمن. و يسمّى أيضا بلدهم بهذا الاسم.

الاشتقاق 361- قحطان من قولهم قحيط أي شديد، ولد قحطان يعرب، و هو يفعل من قولهم أعرب في كلامه أي أفصح فيه. و ولد يعرب يشجب، من قولهم شجب الرجل إذا هلك. و ولد يشجب سبأ، مهموز، قال الكلبي اسمه عبد شمس، و قال قوم اسمه عامر، و سبأ اسم يجمع القبيلة كلّهم. و تفرّقت قبائل اليمن من كهلان‌

11

و حمير ابني سبأ.

قاموس الأعلام- سبا: كانت أراضي و بلدة في الشرق من صنعاء يمن، و مركزها بلدة مأرب، و كانت بلقيس في عهد سليمان حاكمة عليها، و بانيها سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان من أحفاد نوح، و سمّيت باسمه- انتهى ترجمته.

المروج 1/ 278- أوّل من يعدّ من ملوك اليمن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان، و اسمه عبد شمس، و كان ملكه: أربعمائة سنة و أربعا و ثمانين سنة. ثمّ ملك بعده ولده حمير و كان أشجع الناس في وقته و أفرسهم و أكثرهم جمالا، و كان ملكه خمسين سنة، ثمّ ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ، فطال عمره و كبر سنّه ... ثمّ ملك بعد تبّع الأوّل بلقيس بنت الهدهاد (و هو ابن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، ملك قبل تبّع عشر سنين) و كان ملك بلقيس عشرين و مائة سنة، و كان من أمرها مع سليمان (ع) ما ذكر اللّه عزّ و جلّ في كتابه، فملك سليمان اليمن 23 سنة.

أخبار الأيّام الثاني 9- و سمعت ملكة سبأ بخبر سليمان و أتت لتمتحن سليمان بمسائل الى أورشليم بموكب عظيم جدّا و جمال، حاملة أطيابا و ذهبا بكثرة و حجارة كريمة، فأتت الى سليمان و كلّمته عن كلّ ما في قلبها، و أخبرها سليمان بكلّ كلامها، و لم يخف عن سليمان أمر إلّا و أخبرها به ... الخ.

و قريب منها ما في- الملوك الأوّل، الإصحاح العاشر.

معجم البلدان 3- سبأ: أرض باليمن مدينتها مأرب، بينها و بين صنعاء مسيرة ثلاثة أيّام، سمّيت به لأنّها كانت منازل ولد سبأ بن يشجب، و إنّما سمّي سبأ لأنّه أوّل من سبى السبي. و العرب تقول: تفرّقوا أيادي سبا و كأيدي سبا، نصبا على الحال، لما كان سيل العرم تفرّق أهل هذه الأرض في البلاد، و اليد: الطريق، يقال أخذ القوم يد البحر، فقيل للقوم إذا ذهبوا في طرق متفرّقة: ذهبوا أيدي سبا، أي فرّقتهم طرقهم الّتي سلكوها كما تفرّق أهل سبا، و العرب لا تهمّز سبا في هذا الموضع لأنّه كثر في كلامهم فاستثقلوا ضغطة الهمز. و طول سبا 64 درجة، و عرضها 17 درجة.

12

و التحقيق

أنّ سبأ اسم لناحية من مملكة اليمن في جهة شرقيّ صنعاء، و مدينته مأرب، و اليمن واقع في ناحية جنوبيّة غربيّة من جزيرة العرب، محدود غربا بالبحر الأحمر، و شمالا بالعسير و التهامة من السعوديّ، و شرقا بحضرموت، و جنوبا بخليج عدن.

و هذه الحدود كانت مختلفة في الأزمنة السابقة بتغيير الدول.

و صنعاء تعرّف مكانها بأنّها واقعة من جهة طول البلد في درجة حدود 44 درجة، و من جهة العرض في حدود 15 درجة من خطّ الاستواء.

و هذا الحدّ الطولي يوافق درجة بلدة كربلا من العراق، و بلدة ماكو من ايران فيكون خطّ الزوال (نصف النهار) في هذه البلاد واحدة.

و لمّا كان عرض بلدة مكّة المكرّمة في 21 درجة من خطّ الاستواء، و كلّ درجة يعادل 111 كيلومترا: فيكون البعد فيما بين صنعاء و مكّة المكرّمة 6 درجة و 666 كيلومترا بالتقريب.

و أمّا ما في معجم البلدان من كون طول سبأ 64 درجة كما في تقويم البلدان بالنسبة الى المأرب أيضا: فانّ هذا الاختلاف من جهة اعتبار خطّ المبدأ، فالقدماء يعتبرونه من دائرة الزوال في جزائر الخالدات الواقعة في المحيط الأطلس، و المتأخّرون يعتبرونه من الدائرة المارّة على رصدخانه كرينيج بلندن.

و على أيّ حال فالمأرب في الجهة الشرقيّة من صنعاء، و البعد بينهما 3 درجات و هذا يوافق مسيرة عدّة أيّام، 333 كيلومترا.

. لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتٰانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ .... فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ- 34/ 16.

و المراد من السبأ: هو بنو سبأ بن يشجب الساكنون في مأرب يمن. و يراد من الجنّتين: ناحية ملتفّة بالأشجار من شرق البلد و ناحية من غربها، و على هذا عبّرت بالتنكير، بل أطلقت عليهما مطلق عنوان الآية. و العرم صفة بمعنى الصعب‌

13

الشديد.

. فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقٰالَ أَحَطْتُ بِمٰا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ لَهٰا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهٰا وَ قَوْمَهٰا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللّٰهِ- 27/ 25.

و لا يخفى أنّ التبابعة و أصحاب الأخدود كانت من هؤلاء الملوك، كما مرّ في مادّتي- تبع، خدّ.

و ظهر أنّ ملكة سبأ و هي بلقيس بنت هدهاد أو هدّاد: كاتبها سليمان و راودها على التسليم فأجابت و أقبلت اليه.

ثمّ من المقطوع وسعة ملك سليمان (ع) و بلوغها الى الحجاز، فتقرب من أراضي اليمن و محدودة سبأ و مأرب.

و أمّا جريان سيل عرم في مأرب و خراب سدّها: فلا يبعد أن يكون بعد التبابعة و في أثر مظالمهم و كفرهم، أو بعد صاحب الأخدود.

و أمّا البحث و التحقيق عن خصوصيّات هذه الوقائع الجزئية الخارجيّة فخارجة عن برنامج هذا التأليف، مع قصور المآخذ.

و أمّا إحضار بلقيس: فلا مانع منه إذا قويت النفس و كانت نافذة إرادتها، و هذا الموضوع ثابت محقّق في علم النفس، فكيف إذا صرّح به القرآن الكريم، و هو من المعجزات و الخوارق الّتي آتاها اللّه تعالى لأنبيائه و أوليائه تكوينا. و قد يتراءى أمثال هذه الموضوعات من المرتاضين.

و قد سبق في داود: أنّه (ع) تولّد في القرن الحادي عشر قبل الميلاد و في القرن السادس من وفاة موسى (ع)، فيكون زمان حياة سليمان (ع) و بلقيس قريبا من هذا الزمان.- راجع- سلم، عفر، هدهد.

سبب

مصبا- سبّه سبّا، فهو سبّاب، و منه قيل: للإصبع الّتي تلي الإبهام سبّابة لأنها يشار بها عند السبّ، و السبّة: العار، و سابّه مسابّة و سبابا، و اسم الفاعل منه‌

14

سبّ بالكسر، و السبّ أيضا: الخمار و العمامة. و السبب: الحبل و هو ما يتوصّل به الى الاستعلاء، ثمّ استعير لكلّ شي‌ء يتوصّل به الى أمر من الأمور، فقيل هذا سبب هذا، و هذا مسبّب عن هذا.

مقا- سبّ: حدّه بعض أهل اللغة و أظنّه ابن دريد: أنّ أصل هذا الباب القطع، ثمّ اشتقّ منه الشتم. و هذا الّذي قاله صحيح، و أكثر الباب موضوع عليه.

من ذلك السبّ: الخمار، لأنّه مقطوع من منسجه. فأمّا الأصل فالسبّ: العقر، يقال سببت الناقة إذا عقرتها. و السبّ: الشتم، و لا قطيعة أقطع من الشتم. و يقال للّذي يساب السبّ. و يقال رجل سببة إذا كان يسبّ الناس كثيرا. و رجل سبّة إذا كان يسبّ كثيرا. و يقال بين القوم اسبوبة يتسابّون بها. و يقال مضت سبّة من الدهر، يريد قطعة منه. و أما الحبل فالسبب، فممكن أن يكون شاذّا عن الأصل الّذي ذكرناه، و يمكن أن يقال إنّه أصل آخر يدلّ على طول و امتداد. و من ذلك السبب. و من ذلك السبّ و هو الخمار الّذي ذكرناه. و يقال للعمامة أيضا السبّ.

الجمهرة 1/ 30- سبّ يسبّ سبّا، و أصل السبّ القطع، ثمّ صار السبّ شتما، لأنّ الشتم خرق الأعراض. و رجل سبّ إذا كان سبّابا للناس. و فلان سبّ فلان أي نظيره. و السبّ: الشقّة البيضاء من الثياب، و هي السبيبة أيضا. و سبّة من الدهر و سنبة من الدهر: أي ملاوة (زمان طويل). و السبّة: الدبر. و السب بلغة هذيل: الحبل.

قع- (سابب): دار، طوّق، حاصر، سبّب، التفت.

(ساباه): جدّة، امرأة عجوز.

(سبّاه): سبب، علّة، تحويل ملكيّة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحصر و الحدّ بالنسبة الى سعة شي‌ء و انطلاقه و اعتلائه.

و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد و الموضوعات: ففي مورد حصر‌

15

الأشخاص يعبّر بالسبّ، فيقال سبّه إذا قال فيه ما يوجب حصره و يمنع عن انطلاقه و اعتلائه، فالشتم و التقبيح من مصاديق هذا المفهوم.

. وَ لٰا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ فَيَسُبُّوا اللّٰهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ- 6/ 108.

أي القول بما يوجب حصر مقامه و تحديد مرتبته و علوّ شأنه.

و من مصاديق هذا المعنى: القطع، العقر، فيما يوجب حصر الانطلاق، لا مطلقا، و بهذا القيد يظهر الفرق بين المادّة و بين هذه الموادّ.

و بلحاظ هذه الحقيقة يطلق السبّ على العار المحيط الموجب للحصر و الحدّ، و على خمار و عمامة تشدّ على الرأس و تحصره لا مطلقا.

و أمّا السبب: و هو ما يتوصّل به الى شي‌ء في مقام حصره و الاحاطة به، لا مطلقا، و هذا هو الفرق بينه و بين العلّة و الموجب.

. إِنّٰا مَكَّنّٰا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْنٰاهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً- 18/ 84.

. وَ رَأَوُا الْعَذٰابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبٰابُ- 2/ 166.

. يٰا هٰامٰانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبٰابَ أَسْبٰابَ السَّمٰاوٰاتِ- 40/ 37.

يراد ما يوصل الى المطلوب و يحصره و يقرّبه، بحيث يكون المطلوب محصورا و تحت اختياره و في محدوديّة إدراكه، فانّ أسباب كلّ شي‌ء بحسبه.

و يدلّ على الأصل في المادّة: مادّة السبي بمعنى الأسر.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في موارد استعمالها في الآيات الكريمة.

سبت

مصبا- يوم السبت، جمعه سبوت و أسبت، و سبت اليهود: انقطاعهم عن المعيشة و الاكتساب، و هو مصدر، يقال سبتوا سبتا من باب ضرب: إذا أقاموا بذلك، و اسبتوا: لغة. و سبت رأسه سبتا من باب ضرب أيضا: حلقه. و المسبوت:

المتحيّر. و السبات: النوم الثقيل، و أصله الراحة، يقال منه سبت يسبت من باب‌

16

قتل، و سبت: غشي عليه.

مفر- السبت: أصل السبت القطع، و منه سبت السير: قطعه، و سبت شعره: حلقه، و أنفه: اصطلمه (استأصله). و قيل سمّي يوم السبت: لأنّ اللّه تعالى ابتدأ بخلق السموات و الأرض يوم الأحد فخلقها في ستّة أيّام فقطع عمله يوم السبت، فسمّي بذلك. و سبت فلان: صار في السبت، و قوله يوم سبتهم شرّعا:

قيل يوم قطعهم للعمل، و يوم لا يسبتون: قيل معناه: لا يقطعون العمل، و قيل لا يكونون في السبت. و قوله إنّما جعل السبت: أي ترك العمل فيه. و جعلنا نومكم سباتا: أي قطعا للعمل.

مقا- سبت: أصل واحد يدلّ على راحة و سكون، يقال للسير السهل الليّن:

سبت، ثمّ حمل على ذلك السبت: حلق الرأس. و يصحّح هذا القياس- يصبح سكران و يمسي سبتا- لأنّه يكون في آخر النهار مخثرا (ضدّ الرقّة) قليل الحركة، فلذلك يقال للمتحيّر مسبوت. و أمّا السبت بعد الجمعة: فيقال: لأنّ الخلق فرغ منه يوم الجمعة فلم يكن بعد الجمعة خلق. فأمّا السبت: فالجلود المدبوغة بالقرظ (ورق السلم)، و كأنّ ذلك سبتا سمّي: لأنّه قد تناهى إصلاحه.

أسا- يلبسون النعال السبتيّة و نعال السبت، و هو الأدم، لأنّ شعره يسقط في الدباغ كأنّه سبت أي حلق. و سبت رأسه، و رأس مسبوت. و جعل اللّه النوم سباتا: موتا، و أصبح فلان مسبوتا: ميّتا. و من المجاز- سبت علاوته: إذا قطع رأسه. و أروني سبتيّ.

صحا- السبت: الراحة. و السبت: الدهر. و السبت: حلق الرأس.

و السبت: إرسال الشعر عن العقص. و السبت: سير الإبل، ضرب منه. و سبت علاوته: إذا ضرب عنقه، و منه سمّي يوم السبت: لانقطاع الأيام عنده. و السبت:

قيام اليهود بأمر سبتها. و السبات: النوم، و أصله الراحة. و المسبوت: الميّت و المغشيّ عليه و كذلك العليل إذا كان ملقى كالنائم يغمّض عينه في أكثر أحواله.

قع- (شابت) استراح، توقّف، انقطع عن العمل، وقف، انتهى، قضى يوم السبت، تمسّك بالسبت.

17

(شبت): جلوس، قعود، سكنى، توقّف، انقطاع.

(شبات): السبت، يوم استراحة، يوم عطلة.

سفر الخروج 20/ 8- اذكر يوم السبت لتقدّسه، ستّة أيّام تعمل و تصنع جميع عملك، و أمّا اليوم السابع ففيه سبت للربّ إلهك، لا تصنع عملا ما أنت و ابنك و ابنتك و عبدك و أمتك و بهيمتك و نزيلك الّذي داخل أبوابك، لأنّ في ستّة أيّام صنع الربّ السماء و الأرض و البحر و كلّ ما فيها و استراح في اليوم السابع، لذلك بارك الربّ يوم السبت و قدّسه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الاستراحة بعد العمل و الفعّاليّة.

و بلحاظ هذا الأصل تستعمل في مفاهيم- الانقطاع عن الاكتساب و المعيشة، و السكون، و النوم الثقيل، و الغشية، و القعود، و انتهاء العمل، و الموت، و السير الليّن السهل، و حلق الرأس، و أمثالها.

فإطلاق المادّة على كلّ واحد من هذه المعاني صحيح إذا كان مصداقا لما ذكرناه من الأصل، و هو الاستراحة مع قيد كونه بعد العمل.

و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد: كتحقّق الاستراحة بعد طول الاكتساب، و حصول الراحة بالسكون بعد التحرّك و السير، و بالنوم بعد الفعاليّة و التيقّظ، و الغشية و الموت بعد طول العمل و الحياة، و بالقعود في مقام التواني في العمل، و بالسير الليّن إذا حصل الملال، و بحلق الرأس بعد وفور الشعر.

و لا يخفى ما بين هذه المادّة و موادّ- ثبت، سبّ، ضبط: من الاشتقاق الأكبر، و ظهر أنّ المادّة في العبريّة بالشين المعجمة، و كذلك السبا.

. وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبٰاساً وَ النَّوْمَ سُبٰاتاً- 25/ 47.

. وَ جَعَلْنٰا نَوْمَكُمْ سُبٰاتاً- 78/ 9.

أي استراحة بعد دوام الاشتغال، فانّ الحواسّ الظاهرة الّتي تستعمل بالجهاز العصبي تسكن عند النوم و تتوقّف به الحركات البدنيّة و الأعمال الظاهريّة، ثمّ بالنوم‌

18

يستردّ النشاط و القدرة.

. إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتٰانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لٰا يَسْبِتُونَ لٰا تَأْتِيهِمْ- 7/ 163.

أي يوم يستريحون بعد أيّام الاشتغال، يقال سبت يسبت سبتا و سباتا: استراح بعد العمل و الملال. و يسمّى هذا اليوم بالسبت لوقوع الاستراحة فيه بعد الاشتغال في ستّة أيّام.

. وَ قُلْنٰا لَهُمْ لٰا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ- 4/ 154.

. وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كٰانَتْ حٰاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ- 7/ 163.

. أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمٰا لَعَنّٰا أَصْحٰابَ السَّبْتِ- 4/ 47.

. وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ- 2/ 65.

. إِنَّمٰا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ- 16/ 124.

جعل اللّه السبت لليهود يوم فراغة و استراحة و انقطاع عن المشاغل الدنيويّة و الاكتساب و الصيد و العمل، لكي يشتغلوا بالطاعة و العبادة، و ينقطعوا الى اللّه المتعال متوجّهين اليه، فاعتدوا و عصوا.

يقول في- نحميا 13/ 15- في تلك الأيّام رأيت في يهوذا قوما يدوسون معاصر في السبت و يأتون بحزم و يحملون حميرا و أيضا يدخلون أورشليم في يوم السبت بخمر و عنب و تين و كلّ ما يحمل فأشهدت عليهم يوم بيعهم الطعام، و الصوريّون الساكنون بها كانوا يأتون بسمك و كلّ بضاعة و يبيعون في السبت لبني يهوذا و في أورشليم، فخاصمت عظماء يهوذا و قلت لهم ما هذا الأمر القبيح الّذي تعملونه و تدنّسون يوم السبت، ألم يفعل آباؤكم هكذا فجلب الهنا علينا كلّ هذا الشرّ.

وفي- حزقيال 20/ 13- فتمرّد عليّ بيت إسرائيل في البريّة لم يسلكوا في فرائضي و رفضوا أحكامي الّتي إن عملها انسان يحيا بها و نجّسوا سبوتي كثيرا، فقلت إنّي أسكب رجزي عليهم في البريّة لإفنائهم. 18- و قلت لأبنائهم في البريّة لا تسلكوا في فرائض آبائكم و لا تحفظوا أحكامهم.

19

و في- قاموس الكتاب- ما ترجمته- سبت: و لمّا قام المسيح (ع) من الأموات جعل المسيحيّون هذا اليوم يوم سبت لهم، فانّه يذكّر لهم قيام المسيح، و يوجب مزيد تقرّب لنا منه ... فالسبت الّذي هو من جملة أجزاء الشريعة الأخلاقيّة: باق كما كان في السابق، و لا يضرّ تبديل يوم السبت بيوم الأحد، فالغرض محفوظ، و علينا أن نلتزم بأحكام السبت في يوم الأحد.

سبح

مصبا- التسبيح: التقديس و التنزيه، يقال سبّحت اللّه أي نزّهته عمّا يقول الجاحدون، و يكون بمعنى الذكر و الصلاة، يقال: فلان يسبّح اللّه أي يذكره بأسمائه، نحو سبحان اللّه، و هو يسبّح أي يصلّي السبحة فريضة كانت أو نافلة، و يسبّح على راحلته أي يصلّي النافلة، و سبحة الضحى، و منه- فلولا أنّه كان من المسبّحين أي من المصلّين، و سمّيت الصلاة ذكرا لاشتمالها عليه، و منه-. فَسُبْحٰانَ اللّٰهِ حِينَ تُمْسُونَ، أي اذكروا اللّه، و يكون بمعنى التحميد نحو. سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا، و سبحان ربّي العظيم أي الحمد للّه، و يكون بمعنى التعجّب و التعظيم لما اشتمل الكلام عليه نحو. سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا- إذ فيه معنى التعجبّ من الفعل الّذي خصّ عبده به و معنى التعظيم بكمال قدرته، و قيل في قوله تعالى:. أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لٰا تُسَبِّحُونَ أي لولا تستثنون، قيل كان استثناؤهم سبحان اللّه، و قيل إن شاء اللّه، لأنّه ذكر اللّه تعالى. و المسبّحة: الإصبع الّتي تلي الإبهام اسم فاعل من التسبيح لأنّها كالذاكرة حين الاشارة بها الى إثبات الالهيّة. و السبحات الّتي في الحديث:

جلال اللّه و عظمته و نوره و بهاؤه. و السبحة: خرزات منظومة. و السبحة: الّتي يسبّح بها، و جمعها سبح كغرفة و غرف، و المسبّحة: اسم فاعل من ذلك مجازا و هي الإصبع الّتي بين الإبهام و الوسطى. و هو سبّوح و قدّوس أي منزّه عن كلّ سوء و عيب، قالوا و ليس في الكلام فعّول إلّا سبّوح و قدّوس و ذرّوح و هي دويبة، و فتح الفاء في الثلاثة لغة على قياس الباب، و كذلك ستّوق و فلّوق بالضمّ لا غير. و تقول العرب سبحان من كذا أي ما أبعده. و سبّحت تسبيحا إذا قلت سبحان اللّه. و سبحان اللّه: علم‌

20

على التسبيح، و هو منصوب على المصدر غير متصرّف لجموده، و سبح الرجل في الماء سبحا من باب نفع، و الاسم السباحة، فهو سابح، و سبّاح مبالغة. و سبح في حوائجه: تصرّف فيها.

مقا- سبح: أصلان، أحدهما- جنس من العبادة. و الآخر- جنس من السعي. فالأوّل- السبحة و هي الصلاة، و يختصّ بذلك ما كان نفلا غير فرض، يقول الفقهاء- يجمع المسافر بين الصلاتين و لا يسبّح بينهما، أي لا يتنفّل بينهما بصلاة. و من الباب: التسبيح و هو تنزيه اللّه جلّ ثناؤه من كلّ سوء. و التنزيه التبعيد. و الأصل الآخر- السبح و السباحة: العوم في الماء، و السابح من الخيل:

الحسن مدّ اليدين في الجري.

التهذيب 4/ 337-. إِنَّ لَكَ فِي النَّهٰارِ سَبْحاً طَوِيلًا. قال الليث معناه: فراغا للنوم. و يكون السبح أيضا فراغا بالليل. ابن الأعرابي: اضطرابا و معاشا، و من قرأ سبحا: أراد راحة و تخفيفا للأبدان. أبو الجهم الجعفري: سبحت في الأرض و سبخت فيها إذا تباعدت فيها، و سبح في الكلام إذا أكثر فيه. الزجّاج: و سبحان في اللغة تنزيه اللّه عزّ و جلّ عن السوء. قلت: و هذا قول سيبويه، يقال سبّحت اللّه تسبيحا و سبحانا بمعنى واحد، فالمصدر: تسبيح، و الاسم سبحان يقوم مقام المصدر. و معنى تنزيه اللّه من السوء: تبعيده منه، و كذلك تسبيحه تبعيده، من قولك سبحت في الأرض إذا أبعدت فيها، و منه-. فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ*،. وَ السّٰابِحٰاتِ سَبْحاً- أي تذهب فيها بسطا كما يسبح السابح في الماء، و كذلك السابح من الخيل يمدّ يديه في الجري كما يسبح السابح في الماء.

مفر- السبح: المرّ السريع في الماء و في الهواء، و استعير لمرّ النجوم في الفلك، و لجري الفرس، و لسرعة الذهاب في العمل، و التسبيح تنزيه اللّه تعالى، و أصله المرّ السريع في عبادة اللّه، و جعل التسبيح عامّا في العبادات قولا كان أو فعلا أو نيّة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الحركة في مسير الحقّ من دون انحراف‌

21

و نقطة ضعف، أو كون على الحقّ منزّها عن نقطة ضعف.

فيلاحظ فيها جهتان: جهة الحركة في مسير الحقّ و جهة التباعد عن الضعف، و بهذا يظهر الفرق بينها و بين موادّ- التنزيه و التقديس و التبرئة و التبعيد و التزكية و التخلية و التهذيب و التطهير و الفراغ و التفصيل و التجنيب و التنحية و التخليص و نظائرها.

فانّ النظر في التنزيه و التبرئة و التبعيد و التخلية و التزكية و التنحية: الى جهة التباعد فقط، و يلاحظ في كلّ منها قيد مخصوص:

فالنظر في التنزيه الى إزالة كلّ مكروه و قبيح.

و في التبرئة الى تباعد عن عيب أو التزام و تقيّد.

و في التبعيد الى مطلق التباعد في قبال التقرّب.

و في التخلية الى الفراغ عمّا يكون شاغلا به و هو في مقابل الاشتغال.

و في التزكية الى تنحية ما يلزم و ما ليس بحقّ.

و في التنحية إمالة و صرف الى جانب مطلقا.

و في التجنيب إمالة الى جنب معيّن و جانب له.

و النظر في التقديس و التطهير و التفصيل و التخليص و التهذيب و الفراغ، الى جهة وجوديّة بعد تحقّق تباعد و إزالة ما.

فيلاحظ في التقديس حصول قداسة و بركة بعد إزالة الخلاف.

و في التطهير حصول طهارة بعد الرجاسة و النجاسة و هو أعمّ من تحقّقه في الظاهر أو في المعنى، و القداسة مخصوصة بالمعنى.

و النظر في التفصيل الى تحقّق فصل بعد وصل.

و في التخليص الى نقاء الذات و تصفيته عن الشوب و الخلط.

و في التهذيب الى حصول صلاح و تحقّق خلوص.

و في الفراغ الى تحقّق انتهاء جريان التخلية و تماميّة الاشتغال.

ثمّ إنّ مفاهيم- التباعد و التنزيه من السوء و التقديس و الفراغ و التنفّل و الاضطراب و المعاش و كثرة الكلام و الذكر و الحمد و العبادة و السعي و العوم في الماء‌

22

و حسن الجري في السير و التصرّف في الحوائج: كلّها يرجع الى الأصل.

فانّ الحقيقة في المادّة إنّما تختلف مصاديقها باختلاف مواردها: فالحركة في مسير الحقّ مع التباعد عن الانحراف و الضعف و النقص: إنّما يتحقّق في السباحة في الماء بحسن الجريان و النظم في الحركة من دون انحراف و غور. و في الخيل: بالنظم في المسير و بحسن الجري و لطفه.

و في الإنسان من جهة الحياة المادّية: بحسن العمل و الاجتهاد في تأمين المعاش و رفع حوائج نفسه و غيره. و من جهة الروحانيّة: بحسن العبادة و السعي في تهذيب نفسه و التنزيه عن السوء و التباعد عن الضعف و تحصيل الفراغ و تحقّق التخلية عن المشاغل النفسانيّة و التنفّل و حمد اللّه و تعظيمه.

و في النطق و الكلام: بحسن جريانه من جهة الفصاحة و البلاغة و إدامة البيان و إتمامه.

و في اللّه عزّ و جلّ: بجريان أمره على الحقّ الثابت مع التنزّه عن أيّ ضعف و نقص و انحراف، و بتحقّق هذا الأصل فيه حقّا من دون تجوّز و ضعف.

و في الملائكة و الأولياء و السالكين الى اللّه تعالى: هو السلوك في مسير الحقّ و الى اللّه عزّ و جلّ مع التنزّه و التباعد عن أيّ انحراف و مكروه و سوء.

و الفرق بين السبح و التسبيح: أنّ السبح لازم و يستعمل في موارد يتحقّق الجريان و التنزّه بطريق طبيعيّ. و التسبيح هو جعل شي‌ء آخر في هذا الجريان و التنزّه، و هو متعدّ، و في كلّ مورد يختلف مفهوم الكلمة باختلاف الموضوعات.

فالسبح: كما في-. كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ*- 21/ 33.

. وَ السّٰابِحٰاتِ سَبْحاً فَالسّٰابِقٰاتِ سَبْقاً- 79/ 3.

. إِنَّ لَكَ فِي النَّهٰارِ سَبْحاً طَوِيلًا- 73/ 7.

. سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ- 17/ 1.

. اتَّخَذَ اللّٰهُ وَلَداً سُبْحٰانَهُ*- 2/ 116.

فالآية الاولى- تدلّ على سبح الشمس و القمر و جريانهما في مداريهما بنظم دقيق‌

23

و على جريان طبيعيّ كامل حسن من دون أن يكون فيه أقلّ أمر من الخلل و الانحراف و الفتور و التثاقل و الخلاف.

و الآية الثانية- تدلّ على نفوس يسيرون في صراط الحقّ و هم المخلصون من عباد اللّه و المجذوبون من السالكين اليه و الملائكة الروحانيّون، الّذين لا يفترون في العمل بوظائفهم و لا يرى منهم انحراف و تعطّل فيما يقصد منهم.

و الآية الثالثة- ناظرة الى الثانية و متفرّعة عليها، فانّ رسول اللّه (ص) مصداق أتمّ و أكمل و فرد أعلى من مصاديق العباد المخلصين، فهو لا يزال في جميع حياته أيّامه و لياليه في سفره و حضره و في حالة انفراده و اجتماعه و في خلوته و اشتغاله و في سكوته و تكلّمه: متوجّها الى اللّه تعالى و سالكا اليه مخلصا له.

و النهار فيها خصوصيّات زائدة و اقتضاء مخصوص اضافيّ في مقام الخدمة و العمل بالوظائف المقرّرة و تحقّق السير في مسير الحقّ و التنزّه عن نقاط الضعف و التخلّص عن شوائب المادّة، بالنسبة الى مقامه الأسنى.

و أمّا الآية الرابعة و ما يشابهها: فالسبح في اللّه عزّ و جلّ إنّما يتحقّق و يصدق بمعناه الحقيقيّ و مفهومه التامّ الكامل، فهو في مجرى الحقّ في ذاته و صفاته و أفعاله و جميع أموره منزّها عن أيّ ضعف و نقص و حدّ و فقر.

و توضيح ذلك: أنّ نور الوجود في مقاماته و مراتبه كلّما قوي و اشتد يكون الضعف و الحدّ و الفقر و النقص فيه أقلّ، فنور الوجود و آثاره البارزة في مرتبة النبات أقوى من مرتبة الجماد، و هو في الحيوان أقوى من النبات، و في الملكوت أقوى من الحيوان، و في الروح و الجبروت أقوى من الملكوت، فيكون القدرة و الكمال و العلم و الحياة و الارادة في الأرواح أوسع و أقوى من المراتب النازلة، و الضعف و النقص و الفقر فيه أقلّ.

و الإنسان موجود جامع لجميع المراتب، من عالم الجماد الى الروح الكامل، و لازم له السلوك و الحركة من مرتبة الى ما فوقها، حتّى يستكمل المراحل و يصل الى مقام الروحانيّة الكاملة و النورانيّة التامّة، و يتنزّه عن العيوب و النواقص، و يتقرّب من مبدأ الجمال و الكمال و الجلال و النور التامّ.

24

و الضعف العامّ بجميع مراتب العوالم: هو الإمكان و الحدّ المطلق، فيبقى هذا الضعف و هو الحدّ الذاتيّ في مرتبة عالم الأرواح، و لا يمكن رفعه و التنزّه منه، لأنّ الحدّ من لوازم الإمكان ذاتا.

و فوق هذا العالم: عالم الالوهيّة، و هو نور الوجود الحقّ الواجب الأزليّ الأبديّ المنزّه عن أيّ نقص و ضعف و حدّ في ذاته و صفاته.

و له تعالى بذاته و في ذاته و من ذاته و لذاته حياة و قدرة و علم و إرادة و غنى، و ليس له فقر و لا ضعف و لا حدّ، فهو سبّوح قدّوس.

و أمّا المعرفة بذلك شهودا و حضورا، فيتوقّف على التنزّه و التخلّي و التخلّص و الفراغ عن المراتب النازلة، و بل عن وجوه الامكانيّ المحدود، بحيث يفرغ عن كلّ ما سوى اللّه عزّ و جلّ و يفنى فيه تعالى، و ترتفع الحجب الظلمانيّة و النورانيّة، و لا يرى إلّا اللّه، و لا يشاهد إلّا نور جماله- فارفع الأنانيّة من البين.

فحينئذ يشاهده جلّ و عزّ فارغا و نزيها عن أيّ حدّ و وصف و إشارة قيّوما على كلّ شي‌ء محيطا على جميع مراتب الوجود، بل يشاهد الكلّ فانيا فيه، ليس إلّا هو.

و إذ لا ضعف في ذاته و لا فقر و لا حدّ: فهو على الحقّ الصريح في وجوده و صفاته العليا و أفعاله و في جميع تجلّياته و مراحل ظهوره- و يبقى وجهه.

فهذا بين محدود من حقيقة السبّوحية له عزّ و جلّ- راجع- ريد.

و أمّا كلمة- سبحان: فالظاهر أنّها مصدر كالغفران و الفرقان و الشكران و القرآن، و انتخابها على السبح: فانّ زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى. و هذا كانتخاب كلمة- سبوح، على سائر الصيغ.

و هذه الكلمة إنّما تستعمل في القرآن، إمّا في مقام النظر الى التنزيه في المرتبة الاولى كما في:

. سُبْحٰانَ اللّٰهِ عَمّٰا يُشْرِكُونَ*،. سُبْحٰانَ اللّٰهِ عَمّٰا يَصِفُونَ*،. اتَّخَذَ اللّٰهُ وَلَداً سُبْحٰانَهُ*،. وَ يَجْعَلُونَ لِلّٰهِ الْبَنٰاتِ سُبْحٰانَهُ،. سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يَقُولُونَ.

و إمّا أن يكون النظر البادي الى جهة التعظيم، و كون الجريان في المورد على الحقّ و الحكمة و التدبير اللازم: كما في:. سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ- 17/ 1.

25

. فَسُبْحٰانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ،. سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا.

و أمّا إعراب الكلمة على النصب: فلكونها مفعولا مطلقا، و يقدّر الفعل على حسب اقتضاء المقام- من فعل متكلّم أو غائب، مفرد أو جمع، مجرّد أو مزيد فيه.

و يمكن أن يكون مفعولا به، و يقدّر الفعل المناسب كقولنا- اظهر، أعلن.

و هو مضاف دائما الى فاعله.

و لا يخفى أنّ هذا التقدير يلاحظ بالنسبة الى تشريح المعنى و تجزية التركيب و تطبيق الجملة على قواعد الإعراب، و إلّا فالكلمة بهذه الخصوصيّات تستعمل في كلامهم في مقام التسبيح، من غير توجّه الى تقدير، كما في لبيّك و أمثاله.

و أمّا السبّوح: فهو للمبالغة فيمن يكون على الحقّ متنزّها.

و أمّا التسبيح: فهو إمّا من اللّه عزّ و جلّ، أو من الملائكة، أو من الإنسان، أو من جانب عامّة الموجودات.

و متعلّق التسبيح فيها: إمّا نفس المسبّح و ذاته، أو اللّه عزّ و جلّ.

و أيضا إنّ التسبيح: إمّا يتحقّق بالقول و الإظهار، أو في مقام العلم و المعرفة، أو بالعمل و الرياضة اختيارا أو اضطرارا.

ففي التسبيح من اللّه تعالى قولا و إظهارا: كما في-. سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ،. سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يَقُولُونَ.

و التسبيح العلميّ منه تعالى: فانّ علمه حضوريّ و عين ذاته تعالى، فهو دائما و بذاته في التسبيح.

و أمّا التسبيح القوليّ و العلميّ الملازم للإظهار من الإنسان، كما في:

. وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا- 48/ 9.

. وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً.

و التسبيح العلميّ و العمليّ منه لنفسه و لذاته: كما في:

. يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ- 24/ 36.

و أمّا التسبيح المطلق قولا و عملا و علما من الملائكة، كما في:

26

. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ لٰا يَفْتُرُونَ- 21/ 20.

. وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ- 2/ 30.

و أمّا التسبيح المطلق من الخلق، كما في:

. يُسَبِّحُ لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ.

. وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ- 17/ 44.

. وَ سَخَّرْنٰا مَعَ دٰاوُدَ الْجِبٰالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ- 21/ 79.

و ينبغي التنبيه على امور: على ما هو المشاهد لبعض أهل المعرفة:

1- إنّ التسبيح كما قلنا هو جعل شي‌ء متنزّها عن الضعف و النقص و الانحراف، مع كونه مستقرّا على الحقّ. و هذا المعنى لا يصحّ إطلاقه بالنسبة الى اللّه تعالى و في حقّه، إلّا على سبيل الإظهار و القول، أو على طريق العلم و المعرفة به.

و أمّا التسبيح العمليّ و على طريق الجعل: فلا يجوز بالنسبة اليه تعالى، فانّه بذاته و في ذاته سبّوح قدّوس و حقّ و على حقّ.

سواء كان هذا النحو من التسبيح الجعلي: من جانب اللّه نفسه أو من جانب الملائكة أو من الإنسان أو من سائر الموجودات.

و في هذا المورد تستعمل الكلمة بلا واسطة حرف، كما في-. وَ تُسَبِّحُوهُ،.، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً،. وَ يُسَبِّحُونَهُ،. فَسَبِّحْهُ*،. وَ سَبِّحُوهُ.

2- التسبيح العمليّ الجعليّ إذا لوحظ بالنسبة الى غيره تعالى: فلا يصحّ إطلاقه إلّا بالنسبة الى كلّ فرد في نفسه، كتسبيح الإنسان نفسه و ذاته، و تسبيح الملائكة ذواتها، و تسبيح الموجودات غير الشاعرة بالقهر ذواتها.

كما في-. سَبَّحَ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ،. فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ،. يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ رِجٰالٌ.

يراد تسبيحهم أنفسهم للّه و في سبيل اللّه و لطلب الكمال و التنزّه عن كلّ نقص و ضعف و للتقرّب من الحقّ و في السير الى اللّه تعالى.

و تستعمل التسبيح في هذا المورد بحرف اللام، كما رأيت.

3- مرجع التسبيح الى التكوين و تغيير مراحل الوجود و تحويلها من مرتبة الى‌

27

مرتبة و من ضعف الى قوّة، و ذلك بتقدير العزيز العليم في أصل التكوين، و هذا السير لا يتحقّق إلّا بجريان طبيعيّ مقدّر من اللّه تعالى، و لا يمكن لأحد أن يملك اختيار هذا التحويل و التسبيح المقدّر إلّا من أوّل التكوين و الخلق ثمّ بالقوى المودّعة في ذوات الأشياء و في أنفسها. و هذا بخلاف مفاهيم التزكية و التطهير و التقديس و التبرئة و أمثالها ممّا يرجع الى تغيير في العوارض و الحالات.

و على هذا فلم يرد اطلاق التسبيح العملّي من أحد بالنسبة الى آخر، و إن كان من جانب اللّه العزيز القدير، فانّه قدّر الخلق أوّلا على ما قدّر و على احسن نظم و أكمل صورة، و لم يجز لأحد أن يبدّله و يتصرّف فيه.

نعم إذا ورد جريان أمر على خلاف التقدير الإلهي: فهو استثنائيّ و خارج عن قانون الخلق و التقدير، و من هذا القبيل المعجزات و الخوارق.

. يُسَبِّحُ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ- 64/ 1.

. يُسَبِّحُ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ- 62/ 1.

فذكر المالكيّة بعد التسبيح يشعر الى هذا المعنى.

4- قلنا إنّ التسبيح على قسمين تسبيح اللّه عزّ و جلّ و تسبيح النفس للّه:

و هذان القسمان في مقام الإنسان مفهومان لنا. و أمّا في المقامات العالية و السافلة:

فتسبيح النفس للّه في كلّ مرتبة: هو تنزيه الذات عن النواقض و العيوب الّتي في تلك المرتبة حتى تصل الى مرتبة فوقها و تفنى فيها، ليتحقّق حقيقة الشهود.

و أمّا تسبيح اللّه تعالى في المراتب بالقول: فانّ القول بمعنى الإظهار لما في الباطن، و هذا المعنى يختلف في أنواع الموجودات و المراتب، ففي كلّ مرتبة و جنس و نوع باقتضاء فطرته و خلقته.

فالبيان المظهر لما في الباطن: يكون في بعض بالنطق بكلمات و لغات بتنوّعها، و في بعض بأصوات مخصوصة مختلفة، و في بعض بتحوّلات و حركات و إشارات مخصوصة، و في بعض بتغيّرات و تبدّلات، و هكذا.

فالبيان بمعنى الإبراز و الإظهار، و لا يختصّ بالنطق و الكلام، بل لكلّ نوع من الموجودات بيان خاصّ من الأحوال و الأطوار و الحركات و الأصوات و اللغات‌

28

المختلفة.

فكلّ نوع من أنواع الموجودات يسبّح اللّه عزّ و جلّ ببيانه الخاصّ به.

ثمّ إنّ حقيقة التسبيح إنّما يتقوّم بما في الباطن من العلم و المعرفة و التوجّه و الشهود القلبي، و بتحقّق مفهوم التسبيح في الباطن، حتّى يستدعي الإظهار و البيان بأيّ نوع منه.

و حقيقة تحقّق التسبيح الباطنيّ الواقع: إنّما هو بتحقّق التنزّه و المحو و الفناء في المرتبة الخاصّة بأيّ نوع كان، فانّ المعرفة في حدّ العارف، و عرفان كلّ شخص بحسب وسعه و استعداده.

فكلّ فرد إنّما يعرف و يشاهد من التسبيح: ما يشاهده في نفس منه، أي ما يتحقّق من التنزّه و الفناء لنفسه في نفسه، فيشاهد عين هذه المعرفة و الشهود في هذه المرتبة، بالنسبة الى تسبيح اللّه عزّ و جلّ.

فإذا تحقّق فناء في مرتبة من مراتب الموجودات: فيتحصّل معرفة شهوديّ باطنيّ، و لو لم يوجد توجّه منه به كما في الجماد و النبات، و يتحصّل أيضا شهود حقيقيّ قهريّ بهذه المرتبة بالنسبة الى مرجعه و مآبه و منتهاه و ربّه و خالقه، سواء أراد هذا الشهود أم لم يرد و لم يتوجّه. فهذا حقيقة التسبيح.

و الى هذا المعنى أشار بقوله تعالى:. لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كٰانَ حَلِيماً- 17/ 44.

و لم يقل لا تسمعون تسبيحهم.

5- ظهر أنّ حقيقة التسبيح إنّما يتحقّق في تسبيح النفس، و كلّما ازداد تسبيح النفس و تنزّهه و فناؤه: ازداد حقيقة تسبيح اللّه المتعال و يشاهده شهودا عينيّا و يقينيّا.

و هذا المعنى أوجب التعبير بقوله تعالى:. سَبَّحَ لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ،. يُسَبِّحُ لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ، أي يسبّحون و ينزّهون أنفسهم للّه و في سبيل تسبيح اللّه عزّ و جلّ.

و الى هذه الحقيقة يرجع مفهوم- من عرف نفسه فقد عرف ربّه، فانّ حقيقة معرفة الربّ في معرفة النفس، و حقيقة عرفان النفس و كماله و الوصول الى منتهى مرتبة‌

29

المعرفة: شهود فناء النفس في عظمة اللّه و جلاله و جماله.

و إذا شوهد هذا العرفان: تجلّى نور الحقّ و ظهر شهود الربّ، و ما دامت الأنانيّة و تجلّيات النفس باقية: لا يمكن أن يشاهد نور الحقّ.

فظهر أنّ نتيجة تحقّق مفهوم التسبيح: هو تحقّق معرفة الربّ عزّ و جلّ.

6- قد انكشف ممّا سبق أنّ التسبيح يتوقّف على الخضوع الكامل و كسر الأنانيّة و الضعة التامّة و الفناء، و كلّما ازداد الانكسار و الانمحاء و الفناء: ازداد التسبيح صفاء و نورا و مقاما.

و بهذه المناسبة: يذكر التسبيح في مقابل الاستكبار كما في:

. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ- 41/ 38.

. إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لٰا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ- 7/ 206.

و كذلك يذكر قرينا بالخضوع و السجود: كما في:

. إِذٰا ذُكِّرُوا بِهٰا خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ- 32/ 15.

. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السّٰاجِدِينَ- 15/ 98.

. وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ أَدْبٰارَ السُّجُودِ- 50/ 40.

و على هذا ورد التسبيح ذكرا للركوع و السجود في الصلوات، في الركوع بوصف العظيم، و في السجود بصيغة الأعلى للتفضيل.

7- يذكر التسبيح في الآيات الكريمة و الأذكار الواردة، قرينا بالحمد: فانّ من آثار التسبيح و لوازمه: الحمد للّه ربّ العالمين.

فانّ العبد إذا رأى نفسه ذليلا خاضعا فانيا في قبال عظمة الربّ تعالى: يرى اللّه تعالى مالكا مؤثّرا في جميع الشؤون، بيده الملك و الخير يعطي من يشاء و يمنع عمّن يشاء، و هو مالك الملك و مدبّر الأمور، فلا يستحقّ أحد أن يحمد إلّا هو اللّه الرحمن المعطي المنعم الأحد الصمد.

. وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ- 2/ 30.

. وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكٰارِ- 40/ 55.

. وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ- 52/ 48.

30

و في التسبيحات الأربع: سُبحانَ اللّه و الحمد للّه.

و في ذكر السجود: سبحان ربي الأعلى و بحمده.

و الباء لتحقيق الربط بين التسبيح و الحمد، راجع مادّة- حمد.

8- فرق بين الإنسان و ما دونه و ما فوقه من جهة التنزّه و الفناء و كسر آثار الأنانيّة:

ففي الجماد و النبات و الحيوان تنزّهات و انكسارات جزئيّة، في تطوّرات حالاتها و جريان أمورها الطبيعيّة، و فناء طبيعيّ واحد كلّي في كلّ مرتبة من مراتب هذه الأنواع، كالفناء من الجماديّة أو من النباتيّة.

و في الملائكة: فناء مستمرّ و شهود جلال و جمال دائمّي في جميع الحالات و جريانات أمورهم و مقاماتهم. و هذا الشهود أيضا لهم فطريّ.

و أمّا الإنسان: فهو نسخة جامعة كاملة من مراتب الموجودات، و هو خلاصة من العوالم الموجودة، و فيه استعداد قبول جميع الصور و الخصوصيّات.

مضافا الى أنّ فيه قوّة الانتخاب و الاختيار و المجاهدة و الحركة الإراديّة: فهو مستعدّ للسير و السلوك و الترقّي الى مراتب الكمال، و الفناء من مرتبة الى مرتبة و من عالم الى ما فوقها حتى يصل الى عالم التجرّد و النور.

. إِنَّ لَكَ فِي النَّهٰارِ سَبْحاً طَوِيلًا- 73/ 7.

. سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى- 17/ 1.

. وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرٰافَ النَّهٰارِ لَعَلَّكَ تَرْضىٰ- 20/ 130.

9- قد ظهر أنّ تسبيح اللّه تعالى و تسبيح النفس متلازمان، و مفهومهما يرجع الى حقيقة واحدة، و هي العلم الحضوريّ و المعرفة الشهوديّة في الباطن، فانّ النفس إذا فني عنه نفسه: يكون وجها للربّ تعالى، و يتجلّى فيه نور الجلال و الجمال و عظمة الحقّ، و يمحو آثار التشخّص و الأنانيّة، فيتحقّق التنزّه و السبح في العبد بهذا الفناء، و يتجلّى نو السبّوحيّة الحقّة الإلهيّة، ففناء العبد عين ظهور الحقّ، و سبحه مظهر سبّوحيّة الربّ تعالى.

و على هذا قد يطلق التسبيح مطلقا من دون متعلّق له، من ربّ أو عبد، فيعمّ‌

31

الموضوعين، لوحدة المرجع فيهما، كما في:

. يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ*،. وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ*،. وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكٰارِ.

10- قد يذكر التسبيح في الآيات الكريمة متعلّقا بكلمة الاسم، كما في:

. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ*- 56/ 74.

. سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى- 87/ 1.

و لمّا كان توجّه الناس الى اللّه المتعال في أمورهم و جريان حياتهم و تأمين معاشهم و معادهم: إنّما هو بوسيلة أسمائه الحسنى، فلا بدّ من معرفة الاسم الّذي به يتوجّه الى اللّه حقّ المعرفة.

و ذلك إنّما يتحقّق بتنزيهه عن النواقص و العيوب و جهات الضعف، و تثبيته على الحقّ، فانّ معرفة اللّه تعالى إنّما يتحصّل بمعرفة أسمائه.

. وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا.

راجع- سما.

و إذا أريد من الاسم، مطلق العنوان و الآية و الصفة: فلا اشكال فيه أيضا- راجع سما.

و ذكر كلمة الربّ: إشارة الى موارد جريان الأمور في مقام التربية.

و إذا استعمل التسبيح متعلّقا بحرف الباء: فيدلّ على التوسّط و التوسّل و الربط، كما في:

. بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* ...،. ارْكَبُوا فِيهٰا بِسْمِ اللّٰهِ.

سبط

مقا- سبط: أصل يدلّ على امتداد شي‌ء، و كأنّه مقارب لباب- بسط، يقال شعر سبط و سبط، إذا لم يكن جعدا. و يقال أسبط الرجل إسباطا، إذا امتدّ و انبسط بعد ما يضرب. و السباطة: الكناسة، و سمّيت بذلك لأنّها لا يحتفظ بها و لا تحتجن.

مصبا- سبط الشعر سبطا من باب تعب، فهو سبط، و ربّما قيل سبط، وصف بالمصدر: إذا كان مسترسلا، و سبط سبوطا فهو سبط، مثل سهل سهولة فهو‌

32

سهل: لغة فيه. و السبط: ولد الولد، و الجمع أسباط. و السبط أيضا: الفريق من اليهود، يقال للعرب قبائل و لليهود أسباط. و الساباط: سقيفة تحتها ممرّ نافذ، و الجمع سوابيط.

صحا- شعر سبط و سبط: أي مسترسل غير جعد، و رجل سبط الشعر و سبط الجسم و سبط الجسم: إذا كان حسن القدّ و الاستواء. و السبط واحد الأسباط. و قوله تعالى:. وَ قَطَّعْنٰاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبٰاطاً أُمَماً- فانّما انّث لأنّه أراد اثنتي عشرة فرقة، ثمّ أخبر أنّ الفرق أسباط، و ليس الأسباط بتفسير (تمييز العدد)، و لكنّه بدل من اثنتي عشرة، لأنّ التفسير لا يكون إلّا واحدا منكورا.

مفر- أصل السبط انبساط في سهولة، و قد سبط سبوطا و سباطة و سباطا، و امرأة سبطة الخلقة، و رجل سبط الكفّين: ممتدّهما، و يعبّر به عن الجود. و السبط:

ولد الولد، كأنّه امتداد الفروع.

سفر خروج 1- و هذه أسماء بني إسرائيل الّذين جاءوا الى مصر مع يعقوب كلّ انسان و بيته، رأوبين و شمعون و لاوي و يهوذا و يسّاكر و زبولون و بنيامين و دان و نفتالي و جاد و أشير، و كانت جميع نفوس الخارجين من صلب يعقوب سبعين نفسا، و لكن يوسف كان في مصر.

سفر عدد 26/ 52- ثمّ كلّم الربّ موسى قائلا، لهؤلاء تقسم الأرض نصيبا على عدد الأسماء، الكثير تكثر له نصيبه و القليل تقلّل له نصيبه، كلّ واحد حسب المعدودين منه يعطى نصيبه، إنّما بالقرعة تقسم الأرض حسب أسماء أسباط آبائهم يملكون.

قاموس كتاب- سبط: سمّي نسل كلّ من أولاد يعقوب باسم السبط و قسّمت أراضي المملكة الموعودة بين الأسباط الاثني عشر، لكلّ واحد منهم بمقدار سهمه، و اختصّ سبط لاوي من بينهم لخدمات الهيكل، و تأمين معاشهم على ذمّة الباقين.

33

و التحقيق

أنّ السبط بمعنى البسط المخصوص، و بينهما اشتقاق أكبر، و بلحاظ هذا المفهوم يطلق على النسل بعد ولد الولد، و لمّا كثرت ذرّيّة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (ع) من أولاده الاثني عشر: انتشروا في أراضي فلسطين بشرقيّ بحر الروم.

و صاروا قبائل و سمّوا بالأسباط و بني إسرائيل، و إسرائيل هو يعقوب بن اسحق، و كانوا الى مدّة مديدة متّفقين ثمّ اختلفوا اختلافا شديدا، و ظهرت الحروب الكثيرة بينهم، فمنهم من آمن و بقي على التوحيد، و لكنّ كثيرا منهم كفروا بل و عبدوا الأصنام.

و بعث اللّه فيهم أنبياء و رسلا، و اشتهروا بأنبياء بني إسرائيل، قال تعالى:

. لَقَدْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ وَ أَرْسَلْنٰا إِلَيْهِمْ رُسُلًا- 5/ 70.

. لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ عَلىٰ لِسٰانِ دٰاوُدَ- 5/ 78.

. وَ مٰا أُنْزِلَ إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبٰاطِ- 2/ 136.

. وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبٰاطِ- 4/ 163.

. وَ مٰا أُنْزِلَ عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبٰاطِ- 3/ 84.

و يراد مطلق الذريّة و النسل من هؤلاء الأنبياء و لا سيّما من يعقوب (عليهم السلام)، فيشمل قاطبة الأنبياء من ذريّتهم الّذين أنزل اللّه اليهم كتابا و صحفا، و قد بعث اللّه في بني إسرائيل أنبياء كثيرين و أنزل اليهم كتبا في الدعوة الى اللّه و المواعظ و الأخلاقيّات و المعارف.

و قد ذكرت أسامي عدّة كثيرة من هؤلاء الأنبياء في الكتاب المقدّس و هو مجموعة من كتب العهد العتيق- فراجعها.

و أمّا التعبير في مورد الإنزال في الآية الاولى بحرف الى، و في الاخرى و هي الآية الثالثة، بحرف على: فانّ الثالثة جارية من لسان الرسول (ص)، و يقتضي‌

34

التجليل و التعظيم لما انزل، و حرف على يدلّ على الاستعلاء و التفخيم، و الاولى من لسان القوم فعبّر بتعبير متعارف معمول به-. قُولُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا.

فالآيات الكريمة تدلّ على نزول كتب و كذلك نزول وحي (كما في الثانية) على الأنبياء من أسباط يعقوب و ذرّيّته. و من التأسّف الشديد: أنّ كتب السابقين من الأنبياء و الرسل قد انمحت بالكليّة أو انحرفت على نحو لا يصحّ لنا الاعتماد عليها و الاستفاضة من مطاويها.

و تدلّ الآيات الشريفة على إفحام المخالفين من اليهود و النصارى في الطعن على المسلمين بقولهم-. كُونُوا هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ تَهْتَدُوا، فأجاب عنهم بقوله-. قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ مٰا كٰانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- 2/ 135.

ثمّ قال:. أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبٰاطَ كٰانُوا هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ، قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّٰهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهٰادَةً- 2/ 140.

فلا يجوز التقيّد بالتهوّد أو التنصّر، فانّ الأنبياء إنّما هم دعاة الى اللّه لا الى أنفسهم، و لازم لنا أن نؤمن بهم جميعا و لا نفرّق بين أحد منهم.

. وَ قَطَّعْنٰاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبٰاطاً أُمَماً وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ إِذِ اسْتَسْقٰاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنٰاسٍ مَشْرَبَهُمْ- 7/ 160.

تقطيع بني إسرائيل على اثنتي عشرة أسباطاً و تفرّقهم على هذه الفرق المحدودة إنّما تحقّق في زمان موسى (ع)، و هو موسى بن عمران بن قاهاث بن لاوي بن يعقوب ابن اسحق، و كان إقامة بني إسرائيل بين وفاة يوسف و مولد موسى (ع) أربعا و ستّين سنة.

يقول في سفر عدد 26/ 57- و هؤلاء المعدودون من اللاويّين حسب عشائرهم لجرشون عشيرة الجرشونيّين، و لقهات عشيرة القهاتيّين ... و أمّا قهات فولد عمرام، و اسم امرأة عمرام يوكابد بنت لاوي الّتي ولدت للاوي في مصر، فولدت لعمرام هارون و موسى و مريم أختهما.

و في- أخبار الأيّام الأوّل 6/ 1- بنو لاوي جرشون، و قهات و مرارى، و بنو‌

35

قَهاتَ عَمْرامُ و يصهارُ و حبرون و عُزِّيئيلُ، و بنو عمرام هارون و موسى.

فظهر أنّ السبط بمعنى ولد الولد و هو مفرد، و جمعه أسباط و هو بمعنى أولاد الولد، و لمّا كان أولاد ولد يعقوب متشعّبا على اثني عشر قسما، و كلّ قسمة و شعبة منها في نفسها أسباط: فالأسباط في هذا المورد واحد الشعب و الفرق، و لا يراد معناه الجمعي، بل النظر الى كونه واحدا و قسما من الفرق الاثنتي عشرة.

فالأسباط في هذه الآية الكريمة تمييز من العدد و هو كالمفرد، و لا يجوز كونه بدلا، فانّ المبدل منه لا يجوز ان يسقط هنا.

مضافا الى أنّ الأسباط في هذا التقدير يدلّ على مجموعة من السبط لا على مجموعة من الأسباط، و يكون خلاف المطلوب.

و يوضح ذلك ذكر الأمم، و المعنى: و قطّعناهم على اثنتي عشرة من الأسباط و المجموعة من السبط، حال كون تلك الاثنتي عشرة امما.

سبع

مصبا- السبع: جزء من سبعة أجزاء، و الجمع أسباع، و فيه لغة ثالثة- سبيع، و سبعت القوم سبعا من باب نفع، و في لغة- من بابي قتل و ضرب: صرت سابعهم، و كذا إذا أخذت سبع أموالهم، و سبعت له الأيّام سبعا من باب نفع:

كملتها سبعة، و سبّعت: مبالغة. و السبع: معروف، و بإسكان الباء لغة، و هي الفاشية (أي بالإسكان) عند العامّة، و يجمع على لغة الضمّ على سباع، و على لغة السكون في أدنى العدد أسبع. و يقع السبع على كلّ ما له ناب يعدو به و يفترس كالذئب و الفهد و النمر، و أرض مسبعة: كثيرة السباع. و الأسبوع من الطواف: سبع طوافات، و الجمع أسبوعات و أسابيع. و الأسبوع من الأيّام: سبعة أيّام، و الجمع أسابيع.

مقا- سبع: أصلان مطّردان صحيحان، أحدهما في العدد، و الآخر شي‌ء من الوحوش. فالأوّل- السبعة، و السبع جزء من سبعة. و يقال سبعت القوم: إذا أخذت سبع أموالهم أو كنت لهم سابعا. و من ذلك قولهم: هو سباعيّ البدن إذا كان‌

36

تامّ البدن. و أمّا الآخر- فالسبع واحد من السباع. و من الباب سبعته: إذا وقعت فيه، كأنّه شبّه نفسه بسبع في ضرره و عضّه. و أسبعته: أطعمته السبع.

مفر- أصل السبع: العدد، سبع سماوات، سبعا شدادا، و سبع سنبلات، سبعون ذراعا. و السبع: معروف، قيل سمّي بذلك لتمام قوّته، و ذلك أنّ السبع من الأعداد التامّة.

أسا- ثوب سباعيّ: سبع أذرع، و سبّع لامرأته: جعل لها سبعة أيّام يقيم معها، و سبّع القرآن: وظّف عليه قراءته في سبعة أيّام، اللّهمّ سبّع لفلان و عشّر: من قوله تعالى-. سَبْعَ سَنٰابِلَ،. عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا، و أسبعت فلانة: ولدت لسبعة أشهر، و ولدها مسبع. و سبعت الذئاب الغنم.

قع- (شبع) سبع، سبع مرّات.

(شبعاه) سبعة.

(شبّع) فعل الشي‌ء سبع مرات، سبّع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الافتراس مع التوحّش، و لحرفي السين و الباء خصوصيّة في مفهوم الطعن و التدمير، كما في السبأ بمعنى السلخ، و السبي بمعنى الأسر، و السبّ بمعنى الطعن، و البأس بمعنى العذاب، و البلس بمعنى اليأس، و العبس بمعنى العبوسيّة و الشدّة، و السبه بمعنى ضعف العقل.

و لا يبعد أن يكون السبع في الأصل صفة مشبهة، يقال رجل فرح و فرح و طمع و طمع و فطن و فطن.

. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ .... وَ مٰا أَكَلَ السَّبُعُ إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ- 5/ 3.

أي ما أكل منه الحيوان الوحشيّ المفترس و مات و لم يذكّ قبل أن يموت.

و أمّا السبع بمعنى العدد: فهو مأخوذ من اللغة العبريّة، و هو شبع، و هذا كما في سائر الأعداد، و سبق في ثمن و خمس- فراجعهما.

و المشتقّات كلّها من هذه الكلمة انتزاعيّة، و الاشتقاقات الانتزاعيّة قلمّا تقع في‌

37

فصيح الكلام و لا سيّما في الكتاب الكريم.

و أما عدد السبع: فقد يستعمل من قديم الأيّام في مقام الإشارة الى التعداد الكامل و المقدار التامّ.

كما في:. إِنِّي أَرىٰ سَبْعَ بَقَرٰاتٍ سِمٰانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجٰافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلٰاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يٰابِسٰاتٍ- 12/ 43.

. وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ- 31/ 27.

و يستعمل سبعون في مورد يراد التماميّة الزائدة و الكثرة الكاملة:

. إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّٰهُ لَهُمْ- 9/ 80.

. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ- 69/ 32.

و أيضا إنّ عدد السبع قد لوحظ في الجريانات الطبيعيّة و التشريعيّة لخصوصيّة فيه: كالسماوات السبع، و الأسبوع، و الطواف سبعا، و الصيام سبعة أيّام في كفّارات الحجّ، و غيرها.

فمراحل خلقة الإنسان سبعة:. وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنٰاهُ نُطْفَةً فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظٰاماً، فَكَسَوْنَا الْعِظٰامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ، فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ- 23/ 14.

و مراحل خلقة العالم الكبيرة سبعة: الماء و البخار، و الجمادات، و النباتات، الحيوان، الإنسان، الملائكة، العقول.

و كليّات مراحل السلوك الى اللّه تعالى سبعة: 1- التوبة و التوجّه، 2- التقوى و الطاعة، 3- تزكية الباطن و تطهيره، 4- نورانيّة القلب و صفاؤه، 5- حصول المعرفة بالمعارف و الحقائق، 6- مقام الملكوت، 7- الجبروت.

و للجحيم أيضا سبعة أبواب-. وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ- 15/ 44.

يقول في أمثال سليمان 26/ 16: الكسلان أوفر حكمة في عيني نفسه من السبعة المجيبين بعقل- 25- و القلب الشرّير بشفتيه يتنكّر المبغض و في جوفه يضع‌

38

غِشّا إذا حسّن صوته فلا تأتمنه لأنّ في قلبه سبع رجاسات.

فيراد من السبع مطلق الكثرة و الزيادة، و أقلّها السبعة، كما أنّ أقلّ الجمع الثلاثة، و هذا لطف التعبير به دون الجمع.

. ثُمَّ اسْتَوىٰ إِلَى السَّمٰاءِ فَسَوّٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ- 2/ 29.

. تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰاوٰاتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ- 17/ 44.

. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ السَّبْعِ- 23/ 86.

. خَلَقَ اللّٰهُ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ طِبٰاقاً- 71/ 15.

. خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ- 65/ 13.

الظاهر أن يكون المراد السماوات الطبيعيّة المحسوسة، من منظومات السيّارات و الثوابت و الشموس و الأقمار.

و لعلّ المراد من هذا العدد: كونها على سبع طبقات أو سبع منظومات مرتبطة أو غير ذلك من العناوين-. وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا.

أو يراد مفهوم الكثرة لا خصوص هذا العدد.

و يمكن أن نقول إنّ في بعض هذه الآيات الكريمة إطلاقا يشمل السماء الطبيعيّة، و الروحانيّة، في مقابل أرض المادّة و الطبيعيّة.

راجع- ثنى، سما، ارض.

سبغ

مصبا- سبغ الثوب سبوغا من باب قعد: تمّ و كمل، و سبغت الدرع و كلّ شي‌ء: إذا طال من فوق الى أسفل. و عجيزة سابغة و ألية سابغة أي طويلة. و سبغت النعمة سبوغا: اتّسعت. و أسبغها اللّه: أفاضها و أتمّها. و أسبغت الوضوء: أتممته.

مقا- سبغ: أصل واحد يدلّ على تمام الشي‌ء و كماله، يقال: أسبغت الأمر، و أسبغ فلان وضوءه. و يقال أسبغ اللّه عليه نعمه، و رجل مسبغ أي عليه درع سابغة.

صحا- شي‌ء سابغ، أي كامل واف، و سبغت النعمة تسبغ سبوعا:

39

اتّسعت، و أسبغ اللّه عليه النعمة أي أتمّها. و سبّغت الناقة تسبيغا، أي ألقت ولدها و قد أشعر (نبت عليه الشعر)، و ذنب سابغ أي واف.

الجمهرة 1/ 286- أسبغ اللّه عليه النعمة و أصبغها: أكثرها، إسباغا، بالسين و الصاد، و السين أعلى و أكثر، و كلّ ضاف (المتمايل مع عدول) سابغ، ثوب سابغ و شعر سابغ، و لذلك سمّيت الدروع سوابغ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو وسع خاصّ في موضوع أو عمل، و يقابله التضيّق و المحدوديّة.

و الفرق بينها و بين الوسع و الفسح و الرغد و الرفاه و التمام و الكمال، و الإحاطة و الإدارة و الإطافة و الاستيلاء و الإحداق، و الشمول و الاحتواء و الحوز و الجمع و الختم:

الوسع: سعة في محلّ أو موضوع ماديّ أو معنويّ، و يقابله الضيق.

الفسح: سعة في محلّ.

الرغد: سعة في العيش و الحياة.

الرفاه: سعة في تنعّم.

التمام: بالنسبة الى الأجزاء و الأغلب استعماله في الكمّ، و يقابله النقص.

الكمال: بالنسبة الى ما يزيد و يضاف الى الذات و أغلب استعماله في الكيف.

الختم: في مقابل الابتداء أي إكمال الشي‌ء حتى يبلغ الى الآخر.

و الإحاطة: استيلاء مع توجّه و رعاية.

و الإدارة: استيلاء بالدوران من حيث هو من دون نظر الى جهة اخرى.

و الإحداق: استيلاء بلحاظ النظر.

و الإطافة: استيلاء بلحاظ الطواف.

و الاستيلاء: استيلاء بلحاظ الولاية.

و الجمع: انضمام شي‌ء الى آخر.

و الاحتواء: اشتمال و استيلاء بضمّ شي‌ء الى آخر.

40

و الحوز: جمع و ضمّ مع التسلّط و التملّك.

الشمول: إحاطة و تطبيق على أفراد.

راجع- حوز، جمع، رغد، و سائر الموادّ.

. وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً- 31/ 20.

أي جعل نعمه عليكم سابغة أي في وسع من دون تضيّق و محدوديّة فيها.

فيقال ثوب سابغ، و شعر سابغ، و درع سابغ، و نعمة سابغة، و ناقة سابغة الضلوع، و عجيزة سابغة، و مطر سابغ.

. وَ أَلَنّٰا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سٰابِغٰاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ- 34/ 11.

أي و جعلنا الحديد بين يديك ليّنا لتعمل به وسائل سابغة بوسع و سهولة من دون محدوديّة و تضيّق فيها، كالدرع و غيره من الأسلحة و الأسباب.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في الموردين دون نظائرها.

سبق

مصبا- سبق سبقا من باب ضرب: و قد يكون للسابق لاحق، كالسابق من الخيل، و قد لا يكون كمن أحرز قصبة (المنصوبة فمن سبق أخذها) السبق فانّه سابق اليها و منفرد بها و لا يكون له لاحق. قال الأزهري: و تقول العرب: للّذي يسبق من الخيل سابق و سبوق، و إذا كان غيره يسبقه كثيرا فهو مسبق مثقل اسم مفعول. و السبق: الخطر و هو ما يتراهن عليه المتسابقان. و سبّقته: أخذت منه السبق، و أعطيته إيّاه. و سابقه مسابقة و سباقا، و تسابقوا الى كذا، و استبقوا اليه.

مقا- سبق: أصل واحد صحيح يدلّ على التقديم. يقال سبق يسبق سبقا.

فأمّا السبق: فهو الخطر الّذي يأخذه السابق.

صحا- سابقته فسبقته سبقا، و استبقنا في العدو: تسابقنا. و قد قيل في قوله تعالى-. ذَهَبْنٰا نَسْتَبِقُ أي ننتضل، و يقال له سابقة في هذا الأمر إذا سبق الناس اليه.

مفر- أصل السبق: التقدّم في السير نحو. فَالسّٰابِقٰاتِ سَبْقاً. و الاستباق:

التسابق-. إِنّٰا ذَهَبْنٰا نَسْتَبِقُ، ثمّ يتجوّز به في غيره من التقدّم- قال ما سبقونا اليه،

41

سبقت من ربّك أي نفذت و تقدّمت، و يستعار السبق لإحراز الفضل و التبريز، و على ذلك السابقون السابقون أي المتقدّمون الى ثواب اللّه و جنّته بالأعمال الصالحة. و قوله. وَ مٰا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ* أي لا يفوتوننا،. وَ مٰا كٰانُوا سٰابِقِينَ- تنبيه أنّهم لا يفوتونه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل اللحوق، أي تقدّم في المسير الى منظور معيّن، في حركة أو عمل أو فكر أو علم.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ التقدّم و المضيّ و المرور:

أنّ النظر في التقدّم: الى جهة كون الشي‌ء متقدّما بالنسبة الى شي‌ء متأخر، سواء قصد ذلك أو لم يقصد، في زمان أو مكان، و هو خلاف التأخّر.

و النظر في المرور: الى العبور و الوصول الى نقطة مقصودة، سواء تجاوز عنها ام لا.

و النظر في المضيّ: الى تحقّق أمر أو تجاوز جريان عن الحال الى ما تقدّم، و لا توجّه فيه الى أمر متأخّر أو لاحق، و هو في مقابل الاستقبال و الانتظار.

. وَ لَوْ لٰا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ*،. إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنىٰ،. مٰا سَبَقَكُمْ بِهٰا مِنْ أَحَدٍ*،. لَوْ كٰانَ خَيْراً مٰا سَبَقُونٰا إِلَيْهِ،. مٰا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهٰا وَ مٰا يَسْتَأْخِرُونَ*،. لٰا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ،. سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ.

و المعنى في جميع هذه الموارد هو التحرك في برنامج بحيث يكون متقدّما و في الصفّ الأوّل و يلحق به الآخرون.

. وَ السّٰابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ،. أُولٰئِكَ يُسٰارِعُونَ فِي الْخَيْرٰاتِ وَ هُمْ لَهٰا سٰابِقُونَ،. وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ،. وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اللّٰهِ.

و المعنى ظاهر، و هو التقدّم في المسير.

ثمّ إنّ الاستباق من اللّه تعالى: هو الفضل و اللطف و الرحمة و الإحسان، و أمّا العدل و الحساب و الجزاء المتعادل: فانّما هي في المرتبة اللاحقة.

42

. وَ لَوْ لٰا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ*- 11/ 110.

و الاستباق من العبد: هو المسارعة في الخيرات و المجاهدة في الأعمال الصالحة و الملازمة بالطاعات:. سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ- 57/ 21.

. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ أَنْ يَسْبِقُونٰا- 29/ 4.

و أمّا استباق العبد في التكوينيّات و في قضاء اللّه و تقديره و حكمه: فغير ممكن، كما يقول تعالى:

. مٰا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهٰا وَ مٰا يَسْتَأْخِرُونَ*- 23/ 43.

. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ أَنْ يَسْبِقُونٰا- 29/ 4.

. وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهٰا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ- 2/ 148.

. نَحْنُ قَدَّرْنٰا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ مٰا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ- 56/ 60.

. فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا كٰانُوا سٰابِقِينَ- 29/ 39.

و المعنى أنهم لا يمكن لهم أن يسبقوا قضاءه و تقديره و مشيّته، و التجاوز عن برنامج حكمه، و الغلبة على ما يريده و يختاره، و الاستباق في قبال نظم العالم.

و هذا التقدير و الحكم أعمّ من أن يكون في عامّة الموجودات و العالم الكبير أو في العالم الصغير و في فرد من العالم.

. وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهٰا ...،. وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنٰا لِعِبٰادِنَا الْمُرْسَلِينَ- 37/ 171.

. وَ لَا اللَّيْلُ سٰابِقُ النَّهٰارِ- 36/ 40.

. وَ السّٰابِحٰاتِ سَبْحاً فَالسّٰابِقٰاتِ سَبْقاً- 79/ 4.

و المراد النفوس الّتي تُنزّه أنفسها عن العيوب و النقائص و تسبق في السلوك الى اللّه- راجع النزع، و النشط.

سبل

مقا- سبل: أصل واحد يدلّ على إرسال شي‌ء من علو الى سفل، و على امتداد شي‌ء. فالأوّل- من قيلك: أسبلت الستر، و أسبلت السحابة ماءها و بمائها.

43

و السبل: المطر الجود (المطر الغزير). و سبال (جمع سبلة) الإنسان من هذا لأنّه شعر منسدل. و قولهم لأعالي الدلو أسبال من هذا، كأنّها شبّهت بالّذي ذكرناه من الإنسان. و الممتدّ طولا: السبيل، و هو الطريق، سمّي بذلك لامتداده. و السابلة:

المختلفة في السبل جائية و ذاهبة. و سمّي السنبل سنبلا لامتداده.

مصبا- السبيل: الطريق، و يذكّر و يؤنّث، قال ابن السكّيت: و الجمع على التأنيث سبول، و على التذكير سبل. و قيل للمسافر ابن السبيل لتلبّسه به، قالوا و المراد من ابن السبيل في الآية من انقطع عن ماله. و السبيل: السبب، و منه-. يٰا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، أي سببا و وصلة. و السابلة: الجماعة المختلفة في الطرقات في حوائجهم. و سبّلت الثمرة: جعلتها في سبل الخير و أنواع البرّ. و سنبل الزرع فنعل، الواحدة سنبلة، و السبل و السبلة مثله كقصب و قصبة. و سنبل الزرع: أخرج سنبله، و أسبل: أخرج سبله. و أسبل الرجل الماء: صبّه.

التهذيب 12/ 436- السبيل: الطريق، يؤنّثان و يذكّران-. وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لٰا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا،-. قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي. و جمع السبيل سبل، و ابن السبيل: المسافر الّذي انقطع به و هو يريد الرجوع الى بلده و لا يجد ما يتبلّغ به. و قال الليث: السبولة هي سنبلة الذرّة و الأرزّ و نحوه إذا مالت، يقال قد أسبل الزرع إذا سنبل، و الفرس يسبل ذنبه، و المرأة تسبل ذيلها. و السبلة: ما على الشفة العليا من الشعر يجمع الشاربين و ما بينهما. و المرأة إذا كان لها هناك شعر: قيل امرأة سبلاء. و السبل: المطر المسبل. عن ابن الأعرابيّ: السبل أطراف السنبل. و يقال أسبل فلان ثيابه: إذا طوّلها و أرسلها الى الأرض.

الفروق 246- الفرق بين الصراط و الطريق و السبيل: أنّ الصراط هو الطريق السهل. و الطريق لا يقتضي السهولة. و السبيل اسم يقع على ما يقع عليه الطريق و على ما لا يقع عليه الطريق. تقول سبيل اللّه و طريق اللّه، و تقول سبيلك أن تفعل كذا و لا تقول طريقك أن تفعل به.

44

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو إرسال شي‌ء بالتطويل، كما في إسبال المرأة ذيلها، و إسبال الثوب، و إسبال الشعر، و إسبال الماء، و إسبال الستر، و إسبال السحاب، و إسبال المطر.

و السبيل هو ما يمتدّ و يرسل و يسبل من نقطة، فهو الطريق السهل الطبيعيّ الممتدّ الموصل الى نقطة مقصودة، ماديّة أو معنويّة.

و هذا بخلاف الطريق فهو من الطرق بمعنى الضرب و الدقّ، و هو ما يكون و يتحصّل بالعمل و الصنع و التهيئة و من غير سهولة.

و أمّا الصراط فهو الطريق الواضح الواسع، بطور مطلق- راجعه.

فالسبيل المادّيّ: كما في:. وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيهٰا سُبُلًا،. وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيهٰا سُبُلًا، .... وَ جَعَلْنٰا فِيهٰا فِجٰاجاً سُبُلًا ...،. لِتَسْلُكُوا مِنْهٰا سُبُلًا فِجٰاجاً ...،. وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ ...،. وَ الصّٰاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ.

و هذه الإطلاقات كما ترى إطلاقات في السبل الطبيعيّة الجارية السهلة، يقصد السلوك فيها الى مقصد.

و السبيل المعنويّ الفطريّ الحقيقيّ: كما في:. فِي سَبِيلِ اللّٰهِ*،. عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ*،. غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ،. وَ لٰا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ،. وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ،. وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ،. وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ،. إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ سٰاءَ سَبِيلًا،. وَ قَدْ هَدٰانٰا سُبُلَنٰا.

فسبيل اللّه و سبيل الرسل و سبيل المؤمنين: هو سبيل الحقّ و الرشد و الفطرة السالمة الطاهرة الزاكية، و في مقابلة سبل الغيّ و الفساد و المقت و الخلاف و الفحشاء و الكفر و الضلال.

و على هذا قد يطلق السبيل من دون إضافة مرادا منه السبيل الواحد الحقّ، و هو سبيل اللّه و سبيل الرشد و الهدى كما في:. فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ السَّبِيلِ*،. وَ يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ،. وَ صُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ،. وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.

45

و لا يخفى انّ السبيل الحقّ المستقيم واحد ليس إلّا، و أمّا الطرق غير الحقّة و ما يخالف الحقّ المستقيم: فخارجة عن الإحصاء، فانّ في كلّ نقطة عن خطّ الاستقامة يمكن أن يحصل انحراف و ضلال، و على هذا لا يذكر سبيل الحقّ و سبيل اللّٰه إلّا مفردا، و أمّا الطرق المخالفة: فتذكر إمّا مضافة الى موضوع او بصيغة الجمع، كما في:. فِي سَبِيلِ الطّٰاغُوتِ،. سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ،. وَ لٰا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.

و أمّا آيات-. وَ قَدْ هَدٰانٰا سُبُلَنٰا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلىٰ مٰا آذَيْتُمُونٰا- 14/ 12.

. وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا- 29/ 69.

. يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ السَّلٰامِ- 5/ 16.

فالأوليان بمناسبة ارتباطها و رجوعها الى الجماعة، فالاولى في مورد الأنبياء، و الثانية في مورد المجاهدين، فالنظر الى السبل التي يهتدي إليها هؤلاء الأفراد باختلاف طرقهم، و إن انتهت الى سبيل واحد، فالنظر الى جهة اهتداء الأفراد لا الى السبيل و السبل.

و أمّا الأخيرة: فالنظر فيها الى جهة هداية الكتاب في شئون مختلفة و في جميع الجهات دنيويّة و اخرويّة و ظاهريّة و باطنيّة.

و هذه الجهة لا يبعد أن تكون ملحوظة في الأوليين أيضا.

ثمّ إنّ حقيقة سبيل اللّٰه: عبارة عن مسير حقيقيّ للعبيد ينتهي الى لقاء اللّه تعالى، و هو كمال العبد و المرتبة القصوى من الانسانيّة، و قلنا في السبح إنّه إنّما يتحقّق بالتنزيه و رفع النقائص و العيوب حتّى يصل الى مقام الملكوت ثمّ الى عالم العقول و الجبروت ثمّ الفناء في اللاهوت.

و في هذا السلوك يتحصّل موت بعد موت من عالم الى عالم و من حياة الى ما فوقها و من روحانيّة و نورانيّة الى أوسع منها.

و الى هذه الحقيقة يشار في:. وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتٌ- 2/ 154.

. وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً- 3/ 169.

. فَلٰا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيٰاءَ حَتّٰى يُهٰاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ- 4/ 89.

46

. وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جٰاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ- 5/ 35.

. وَ تُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ- 61/ 11.

و آخر مقام للسالك المجاهد المهاجر الى اللّه تعالى: هو الموت في اللّه و الفناء فيه و محو آثار الأنانيّة بالكليّة و ظهور نور الحقّ و سلطته.

ستّ

مصبا- ستّة رجال و ستّ نسوة، و الأصل: سدسة و سدس، فأبدل و ادغم، لأنّك تقول في التصغير سديس و سديسة. و عندي ستّة رجال و نسوة: إذا كان من كلّ ثلاثة.

مقا- سدس: أصل في العدد، و هو قولهم السدس: جزء من ستّة أجزاء، و إزار سديس: أي سداسيّ. و السدس من الورد في أظماء الإبل: أن تنقطع الإبل عن الورد خمسة أيّام و ترد السادس. و أسدس البعير، إذا ألقى السنّ بعد الرباعيّة، و ذلك في السنة الثامنة. فأمّا الستّة فمن هذا أيضا غير أنّها مدغمة، كأنّها سدسة.

مفر- السدس: جزء من ستّة- فلامّه السدس. و سدست القوم: صرت سادسهم، و أخذت سدس أموالهم، و جاء سادسا و ساتّا و ساديا: بمعنى. و يقال لا أفعل كذا سديس عجيس (السديس بمعنى السدس. و العجس هو البطوء): أي أبدا. و السدوس: الطيلسان. و السندس: الرقيق من الديباج.

قع- (ششاه)- ستّة.

(ششيّ)- سادس.

(ششّيم)- ستّون.

و التحقيق

أنّ بين هذه المادّة و مادّة السدس اشتقاقا كبيرا، و لا يبعد أن يكون الأصل فيهما هو سدس، لاشتقاق كلمات منه، و هو قريب من اللغة العبريّة من جهة التلفّظ.

و يمكن أن يكون كلّ من المادّتين أصلا و في عرض واحد و مأخوذين من العبريّة.

47

و على أيّ حال فالأصل الواحد فيهما: هو العدد المخصوص.

و الاشتقاق فيهما انتزاعيّ، و يختار في كلّ صيغة من جهة المادّة و الحروف ما يناسبها تلفّظا و تعبيرا.

فالستّ إذا كان المعدود مذكّرا، و الستّة إذا كان مؤنّثا، كما في أخواته من الأعداد، و الستّون: شبه جمع للعشرات.

. وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ- 11/ 7.

سنذكر في- يوم: إنّه عبارة عن امتداد من الزمان معيّن ظاهر جليّ- يوم الدين، يوم القيامة، اليوم الآخر، اليوم الموعود، يوم الفصل، يومئذ.

و أمّا خلق السماوات و الأرض في ستّة أيام: فلعلّ المراد كون الخلق في ستّة مراحل من الزمان، بأن يكون تعيّن الزمان و محدوديّته بالحوادث و الوقائع الواقعة، فكلّ قسمة منه يوم.

و لا يبعد أن يكون تعدّد الأيّام و تحديدها بالستّة: باعتبار خلق البخار و الماء، ثمّ خلق الجماد من التراب و الطين و الحجر و سائر المتكوّنات من الماء، ثمّ نظم الكرات السماويّة و السماوات و الأرض، ثمّ النباتات، ثمّ الحيوان، ثمّ الإنسان، فهذه ستّ مراحل في التدبير و الخلق.

ثمّ إنّ الزمان و المكان أمران اعتباريّان لا حقيقة لهما في أنفسهما من حيث هما، فانّ المكان هو الملحوظ من استقرار جسم على آخر، و ليس ما وراء هذين الجسمين أمر آخر، فالجسم الحالّ فيه جسم آخر مكانه و محلّ استقراره، و هذا أمر اعتباريّ، و إن شئت قل إنّه من الأعراض، أي كون جسم منظورا فيه استقرار جسم آخر فيه.

و هكذا الزمان: فانّه أمر اعتباريّ ملحوظ من النسبة المنظورة بين شيئين، أي الفاصلة المعتبرة بين الحدّين الموجودين، أو قطعة من زمان ملحوظة من جهة وقوع أمر فيها. و إن شئت قل إنّه يعتبر و يلاحظ في موازاة حركة.

هذا هو الحقّ المشهود في حقيقة الزمان و المكان، و لتوضيحه محلّ آخر.

و أمّا عدد الستّ: فله خصوصيّات، فانّ الواحد فرد، و إذا كرّر يكون زوجا، و إذا جمع الفرد و الزوج يكون ثلاثة، و إذا ضوعفت تكون ستّة، و الستّة ينصّف،

48

و يثلّث، و يسدّس، و إذا ضوعف 6 يكون 12 و لهذا العدد أيضا خصوصيّات.

ثمّ إنّ في تطبيق النصف: تكون البخار و الماء و الجماد متماثلة في مقابل النبات و الحيوان و الإنسان ذات حياة. و في تطبيق الثلث: يكون الحيوان و الإنسان في قبال الجماد و النبات الفاقدين للحواسّ و في مقابل الماء و البخار مادّتي التكوين. و في مقام التسديس: يكون كلّ واحد من هذه الأنواع مخصوصا و مستقلا و غير مربوط بالآخر.

. فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً- 58/ 4.

و الستّة إذا رفعت الى العشرات تكون ستّين.

ستر

مصبا- الستر: ما يستر به، و جمعه ستور، و السترة: مثله، قال ابن فارس:

السترة ما استترت به كائنا ما كان، و الستارة: مثله، و الستار: لغة. و سترت الشي‌ء سترا من باب قتل.

مقا- ستر: كلمة تدلّ على الغطاء، تقول سترت الشي‌ء سترا، و أمّا الإستار، و قولهم إستار الكعبة: فالأغلب أنّه من الستر، و كأنّه أراد به ما تستر به من لباس، إلّا أنّ قوما زعموا أن ليس ذلك من اللباس و إنّما هو من العدد، قالوا و العرب تسمّي الأربعة الإستار (كلمة معرّبة). قالوا فأستار الكعبة جدرانها و جوانبها و هي أربعة.

أسا- اللّه ستّار العيوب، و دونه ستر و سترة و ستارة و ستار و ستور و أستار و ستر و ستائر. و استترت بالثوب و تستّرت. و من المجاز- جارية مستّرة و جوار مستّرات، و رجل مستور و قوم مساتير، و سترت المرأة ستارة، فهي ستيرة، و شجر ستير: كثير الأغصان، و ساتره العداوة مساترة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو كون الشي‌ء تحت ساتر و مطلق المستوريّة بأيّ نحو و وسيلة كان.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ- الحجب، الجنّ، الحجز، التغطية، المواراة،

49

الإخفاء، الكتمان، الحفظ، الحرس، الحجر، الفصل.

أنّ الحجب: هو كون الحائل المانع عن تلاقي شيئين أو أثرهما، فالنظر فيه الى مطلق وجود الحجاب، و لا يلاحظ جهة تغطية و لا مواراة.

و الجنّ: هو التغطية و النظر فيه الى جهة المستوريّة و لو في نفسه و بنفسه.

و المواراة: كون الشي‌ء مغطّى من جميع الجوانب.

و التغطية: يلاحظ فيه مطلق المواراة و لو من جانب واحد.

و الحجز: النظر فيه الى كون شي‌ء فاصلا بين شيئين و مانعا بينهما.

و الفصل: النظر فيه الى مطلق كون شي‌ء فاصلا.

و الإخفاء: يلاحظ فيه مجرّد كون الشي‌ء في الخفاء بأيّ وسيلة كان سواء كان بمواراة أو ستر أو تغطية أو حجاب أو غيرها.

و الكتم: في قبال الإبداء، و يستعمل في إخفاء ما في الضمير و القلب.

راجع هذه الموادّ فيما مضى و يأتي.

. وَجَدَهٰا تَطْلُعُ عَلىٰ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهٰا سِتْراً- 18/ 90.

أي لم يكن لهم ساتر من دون الشمس يغطّيهم، من لباس أو بناء أو عقل سالم.

. وَ مٰا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لٰا أَبْصٰارُكُمْ وَ لٰا جُلُودُكُمْ وَ لٰكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللّٰهَ لٰا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّٰا تَعْمَلُونَ- 41/ 22.

أي لم تكونوا متّخذين الغطاء و مختارين الستر عند ارتكاب الفواحش و المنكرات حذرا عن شهادة السمع يوم القيامة.

. وَ إِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنٰا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجٰاباً مَسْتُوراً- 17/ 45.

فانّ القرآن مَظاهر المعارف الإلهيّة و الحقائق الروحانيّة، و لا يدركها إلّا قلوب زاكية مطهّرة نورانيّة، و إذا احتجبت العقول بالصفات الخبيثة الحيوانيّة و الآراء المنحرفة و التمايلات المادّيّة و الأعمال الفاسدة: صارت تلك الأمور حاجبة لهم، بل و أنفسهم بهذه الكيفيّات و الملكات الراسخة الظلمانيّة تصير حجبا تفصل بينهم و بين‌

50

الشهود و إدراك الحقّ.

ثمّ أنّ تلك الحجب بل و المحجوبيّة غير مدركة لهم، كما في الجهل المركّب.

فوجود الحجاب مستور لهم بالجهل و بحبّ النفس و الأنانيّة، و هم لا يشعرون.

و هذا كمال المحجوبيّة و تمام البعد و الانحراف و الضلال عن الحقّ. و في نتيجة هذه المحجوبيّة يتحقّق مفهوم الآية الكريمة-. وَ مٰا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ- و قد جعلوا الحجاب و الستر لأنفسهم و عقولهم عوضا عن التستّر و التحجّب في الأعمال و التمايلات القبيحة، فهم متستّرون بالثياب و الأبنية من جهة الأبدان، و غير متستّرين بالعقل و الإدراك و البصرة الروحانيّة المتأصّلة في الإنسان، فهم أولى بتطبيق الآية-. لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهٰا سِتْراً.

سجد

مصبا- سجد سجودا: تطامن، و كلّ شي‌ء ذلّ: فقد سجد. و سجد:

انتصب في لغة طيّئ. و سجد البعير: خفض رأسه عند ركوبه. و سجد الرجل: وضع جبهته بالأرض. و المسجد: بيت الصلاة، و المسجد أيضا: موضع السجود، و الجمع مساجد. و قرأت آية سجدة و سورة السجدة. و سجدت سجدة بالفتح لأنّها عدد.

و سجدة طويلة بالكسر، لأنها نوع.

مقا- سجد: أصل واحد مطّرد يدلّ على تطامن و ذلّ. يقال: سجد إذا تطامن. و كلّ ما ذلّ فقد سجد. قال أبو عمرو: أسجد الرجل، إذا طأطأ رأسه و انحنى. و أمّا قولهم: أسجد إسجادا، إذا أدام النظر، فهذا صحيح، إلّا أنّ القياس يقتضي ذلك في خفض.

أسا- رجال و نساء سجّد، و باتوا ركوعا سجودا، و رجل سجّاد، و على وجهه سجّادة و هي أثر السجود، و بسط سجّادته و مسجدته، و يجعل الكافور على مساجد الميّت، جمع مسجد بفتح الجيم. و من المجاز: شجر ساجد و سواجد، و شجرة ساجدة: مائلة. و السفينة تسجد للرياح: تطيعها و تميل بميلها. و فلان ساجد المنخر: إذا كان ذليلا خاضعا، و عين ساجدة: فاترة. و سجد البعير و أسجد: طأمن‌

51

رأسه لراكبه.

مفر- السجود: أصله التطامن و التذلّل، و جعل ذلك عبارة عن التذلّل للّه و عبادته، و هو عامّ في الإنسان و الحيوانات و الجمادات، و ذلك ضربان: سجود باختيار و ليس ذلك إلّا للإنسان و به يستحقّ الثواب، نحو قوله تعالى-. فَاسْجُدُوا لِلّٰهِ وَ اعْبُدُوا- أي تذلّلوا له. و سجود تسخير و هو للإنسان و الحيوانات و النبات، و على ذلك-. وَ لِلّٰهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلٰالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ- و هو الدلالة الصامتة الناطقة المنبّهة على كونها مخلوقة و أنّها خلق فاعل حكيم، و قوله. اسْجُدُوا لِآدَمَ*- قيل أمروا بأن يتّخذوه قبلة، و قيل أمروا بالتذلّل و القيام بمصالحه و مصالح أولاده فأتمروا إلّا إبليس. و قوله-. ادْخُلُوا الْبٰابَ سُجَّداً*- أي متذلّلين منقادين.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو كمال الخضوع بحيث لا يبقى أثر من الأنانيّة.

و الفرق بين المادّة و بين موادّ- الركوع و الخضوع و الخشوع و التواضع و الذلّ و الصغار و الهوان و الخزي.

أنّ الخضوع: تواضع مقارنا بالتسليم و له مراتب:

فالركوع: حالة متوسّطة من الخضوع و هو ظاهريّ أو معنويّ أو هما معا.

و السجود: حالة كاملة تامّة منه، و هذا النحو من الخضوع لا يجوز لغير اللّه العزيز المتعال.

و التواضع: مرتبة دانية من الخضوع.

و كلّ من هذه المراتب لا يتحقّق إلّا بفعل العبد و اختياره لنفسه هذه الحالة.

و أمّا الذلّ: فهو حالة متحصّلة من غلبة من هو أعلى منه- راجع المادّة.

و لمّا كان حقّ السجود، هو منتهى الخضوع: يناسب ذكره بعد التسبيح و الركوع و الخرّ:

52

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا- 22/ 77.

. وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ- 22/ 26.

. إِذٰا ذُكِّرُوا بِهٰا خَرُّوا سُجَّداً- 32/ 15.

. إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً- 17/ 107.

. وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ- 7/ 206.

و يذكر بعده القرب و العبوديّة:

. كَلّٰا لٰا تُطِعْهُ وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ- 96/ 19.

. ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ- 22/ 77.

ثمّ إنّ السجود إمّا من الملائكة:

. إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ .... يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ- 206/ 7.

و إمّا من الإنسان:. سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ- 48/ 29.

و إمّا من جميع أفراد الإنسان:

. وَ لِلّٰهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً- 13/ 15.

و إمّا من الظلال: .... طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلٰالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ- 13/ 15.

و في خصوص النجم و الشجر:. وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدٰانِ- 55/ 6.

و إمّا من جميع الأنواع:. أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبٰالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النّٰاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذٰابُ- 22/ 18.

و السجود إمّا بالطَوْع و الاختيار: كما في سجود أهل الايمان و الاطمينان فانّهم يسجدون للّه تعالى بالرغبة و الاختيار و قصد الاطاعة.

و إمّا بالكره و الاضطرار و من دون قصد طاعة: كما في خضوع الكفّار و سجودهم في موارد الاضطرار و الابتلاء و بالفطرة.

و إمّا بالطبيعة التكوينيّة الذاتيّة و من دون إرادة: كما في سجود الجماد و النبات و الحيوان، فانّهم يسجدون للّه تعالى من حيث لا يشعرون.

ثمّ إنّ حقيقة السجود كما قلنا عبارة عن الخضوع التامّ مع التسليم الكامل،

53

و أمارة هذا المفهوم قد تكون بالإظهار القوليّ، أو بالإظهار العملي كالسجدة الشرعيّة و غيرها، أو بخضوع القلب و تسليمه بحيث تظهر آثاره في الجوارح، أو بالانقياد و الطاعة عن جريان الطبيعة و التكوين.

فهذه الحقيقة إنّما يتحقّق مفهومها أوّلا و بالذات في الطبيعة و التكوين و الفطرة، سواء كانت عن علم أو عن إرادة أو إختيار أم لا، فالاختيار و العلم و التوجّه إنّما هي خارجة عن الحقيقة من حيث هي، فانّ الإرادة و الاختيار من المقدّمات، و العلم و التوجّه من الملحقات المؤخّرات.

فحقيقة مفهوم السجود من حيث هو هو: إنّما يتحقّق وجوده من دون أن يتوقّف الى أمر آخر، و هذا المعنى في جميع المراتب واحد و ثابت.

نعم تختلف مراتبه بالشدّة و الكمال و الضعف: من جهة انضمام المعرفة و التوجّه و العلم و الارادة و الاختيار و الحبّ و الشوق و درجات الخضوع.

كما أنّ التسبيح الذاتيّ و النظم العامّ في ذوات الموجودات و أثر الحكمة و الرحمة في جميع مراتب الوجود متحقّقة ثابتة، من غير حاجة الى اظهار بقول أو عمل.

فظهر أنّ خضوع الموجودات في مقابل التقدير الإلهيّ و تسليمها في قبال قانون التكوين و الخلق و إطاعتها ذاتاً عن الحكمة: هو حقّ السجود.

فإظهار الخضوع بالقول أو بالعمل من دون تحقّق مفهومه في القلب: خارج عن حقيقة السجود-. إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لٰا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ- 7/ 206.

فالسجود يلازم التسبيح و التنزيه عن جهات النقص و الحدّ و الضعف، و يتحقّق بعد نفي الاستكبار و الأنانيّة، و ظهور حقيقته في مرحلة العبوديّة.

نعم بحقيقة السجود يرتفع الاستكبار و الحجب النفسانيّة بين العبد و الربّ تعالى، و يتحصّل كمال الخضوع و العبوديّة و الفناء-. وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ.

و في هذه المرحلة: يتحقّق الخضوع التامّ للنفس و قواه و الجوارح و البدن و جميع متعلّقاته الّتي تظهر من وراء النفس، و هذا هو المراد من الظلال في الآية الكريمة-. وَ لِلّٰهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلٰالُهُمْ- 13/ 15، كما ورد في‌

54

الدعاء- سجد لك عظمي و لحمي و شعري ... راجع الظلّ.

و كما أنّ الظِلّ من الساجد يسجد: الظِلّ من المسجود أيضا يسجد بالتبع، لكونه وجها و مظهرا و مجلى، فالوجه من حيث إنّه وجه: ليس فيه أنانيّة:

. ثُمَّ قُلْنٰا لِلْمَلٰائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلّٰا إِبْلِيسَ- 7/ 11.

. فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ*- 15/ 29.

. قٰالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصٰالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ- 15/ 33.

فجهل إبليس حقيقة الحال و غفل عن وجه الربّ و لم يتوجّه الى الروح الّذي ينفخ من روحه، بل توجّه الى جهة الظاهر الجسمانيّ المادّيّ.

نعم هذا المقام من مزالّ أقدام العارفين: فانّ المعرفة بالمظهريّة و كونه وجها، إنّما يتوقّف على معرفة المبدأ عزّ و جلّ، حتّى يصحّ مشاهدة وجهه و جماله و نور كبريائه، و لا سيّما إذا كان الوجه مظهرا تامّا.

و قد زلّت أفكار الملائكة أيضا في هذا المقام-. وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلٰائِكَةِ .... يٰا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ .... قٰالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- 2/ 33.

فلمّا عرّفّهم مقام آدم و شاهدوا مظهريّته التامّة للأسماء: سجدوا له في المرحلة الثانية-. فَسَجَدَ الْمَلٰائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*- 15/ 30.

و لا يخفى أنّ الملائكة لمّا كانوا متنوّعين من جهة الذوات و المظهريّة، و لكلّ نوع منهم وجهة خاصّة به و استعداد مخصوص و ليس فيهم ما للإنسان من الجامعيّة و التماميّة: فلم يكونوا مستغنين عن تعريف مقام آدم، بعد معرفة اللّه تعالى على مقدار استعدادهم و وسعهم- منهم سُجود لا يَركعون و رُكوع لا يَنتصِبون و صافّون لا يَتزايَلون و مسبّحون لا يسأمون.

و أمّا الإنسان: فله استعداد و مظهريّة جامعة تامّة، و قابل لأن تتجلّى فيه الصفات الإلهيّة، و أن يكون وجها كاملا للحقّ تعالى، فمعرفة اللّه عزّ و جلّ كاف في معرفة الإنسان الكامل- اللّهمّ عرّفني نفسك فانّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف‌