التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج7

- حسن المصطفوي المزيد...
300 /
11

الجزء السابع

حرف الضّاد

ضأن

مقا- ضأن: أصل صحيح و هو بعض الأنعام من ذلك الضأن. يقال أضأن الرجل: إذا كثر ضأنه. و الضائنة الواحدة من الضأن. و حكى بعضهم: فلان ضائن البطن: مسترخيه.

مصبا- الضأن: ذوات الصوف من الغنم، الواحدة ضائنة و الذكر ضائن.

قال ابن الأنبازى: الضأن مؤنّثة، و الجمع أضؤن، و جمع الكثرة ضئين.

صحا- الضائن: خلاف الماعز، و الجمع الضأن و المعز، مثل راكب و ركب و سافر و سفر، و ضأن أيضا مثل حارس و حرس. و قد يجمع على ضئين مثل غاز و غزىّ، و الأنثى ضائنة، و الجمع ضوائن.

التهذيب 12/ 68- الضأن و الضأن مثل المعز و المعز، و تجمع ضئينا، و قال الليث: الضأن ذوات الأصواف من الغنم، و يقال: للواحدة ضائنة. قال بعضهم: هو الليّن كأنّه لفجة. و قال آخر: هو الّذي لا يزال حسن الجسم قليل الطعم: و يقال رملة ضائنة و هي البيضاء العريضة. و يقال اضأن ضأنك و امعز معزك أى اعزل ذا من ذا، و قد ضأنتها إذا عزلتها. و عن ابن الأعرابي: رجل ضائن: إذا كان ضعيفا، و رجل ماعز إذا كان حازما مانعا ما وراءه و الضئنّى: السقاء الّذي يمخض به الرائب، يسمّى ضئنيّا، إذا كان ضخما من جلد الضأن.

لسا- الضائن من الغنم: ذو الصوف، و يوصف به فيقال: كبش ضائن، و الأنثى ضائنة. و الضائن خلاف الماعز، و الجمع الضأن و الضأن مثل المعز و المعز، و الضئين و الضئين تميميّة و الضئين داخل على الضئين أتبعوا الكسر الكسر، يطّرد هذا في جميع حروف الحلق إذا كان المثال فعلا أو فعيلا.

12

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الغنم في مقابل المعز، و الغنم أعمّ من الضأن و المعز، فانّ الأصل فيه الاغتنام.

و أمّا مفاهيم اللين و الاسترخاء و الضعف: فكأنّها مأخوذة من خصائص يمتاز بها الضأن عن سائر الأنعام.

. كُلُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثَمٰانِيَةَ أَزْوٰاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ...

. وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ- 6/ 144.

أى كلوا ممّا رزقكم اللّه من الأنعام. وَ مِنَ الْأَنْعٰامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً و لا تحرّموا ما أحلّ اللّه لكم باتّباع عن الهوى و الشيطان.

و ثمانية أزواج: حال من- ما رزقكم، أى حالكون ذلك البعض من ما رزقكم، متزوّجة ثمانية. و لا يجوز البدل من الحمولة، و لا المفعول من كلوا: فانّ الحمولة غير منحصرة في تلك الثمانية، و إنّ الأكل لا يجوز أن يتعلّق بمجموع الثمانية، فلا يقال كلوا ثمانية أزواج، بل من الثمانية.

و الزوج: ما يكون معه غيره من جنسه، و هو يطلق على واحد من الطرفين.

و مقابلة الضأن بالمعز: يدلّ على اختلافهما في الجنس و المفهوم.

و التفصيل بين الذكر و الأنثى منها: اشارة الى الإختلاف في التحريم.

ضبح

مقا- ضبح: أصلان صحيحان، أحدهما صوت و الآخر- تغيّر لون من فعل نار. فالأوّل قولهم- ضبح الثعلب يضبح ضبحا، و صوته الضباح، و هو ضابح. فأمّا قوله تعالى-. وَ الْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً: فيقال هو صوت أنفاسها، و هذا أقيس، و يقال بل هو عدو و فوق التقريب. و هو في الأصل ضبع، و ذلك أن يمدّ ضبعيه حتّى لا يجد مزيدا، و ان كان كذا فهو من الإبدال. و أمّا الأصل الثاني- فالصبح: إحراق أعالى العود بالنار. و الضبح: الرماد و الحجارة المضبوحة هي قدّاحة النار الّتى كأنّها محترقة. و يقال: الانضباح: تغيّر اللون الى السواد.

13

التهذيب 4/ 218- قال الليث: ضبحت العود في النار إذا أحرقت من أعاليه شيئا، و كذلك حجارة القدّاحة إذا طلعت كأنّها متحرّقة مضبوحة. ابن السكّيت: ضبحته الشمس و ضبته إذا غيّرت لونه و لوّحته، و كذلك النار. و قال الليث: الضباح: صوت الثعالب. أبو عبيد: ضبحت الخيل و ضبعت: إذا عدت و هو في السير.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو تضيّق في الباطن و تحرّج في جريان فعّاليّة، سواء كان ذلك التحرّج في انسان أو حيوان أو في نبات أو في جماد، كلّ بحسب تحرّك في باطنه.

و يدلّ على هذا المعنى: كلمات الضبث (القبض) و الضبر (الجمع) و الضبط (و هو نوع من الجمع): ففي كلّ منها معنى التضيّق في قبال التوسّع.

و أمّا الصوت في العدو، و التحرّق، و تغيّر اللون: فهي من آثار التضيّق في الباطن و تحرّك، فيتجلّى بهذه الصور.

. وَ الْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيٰاتِ قَدْحاً- 100 العدو هو تجاوز للتقدّم. و الضبح مصدر و هو حال، بمعنى ضابحة، عبّر بالمصدر مبالغة.

و العاديات: تشمل كلّما يعدو في سبيل الخير و في الطريق النجاح لينال الى هدف مقصود و نتيجة مرضيّة، فتشمل الخيل العاديات في سبيل اللّه، و المجاهدين المجتهدين في طريق الجهاد، و السالكين المرتاضين في مسير الحقّ و الجهاد الأكبر بمخالفة الهوى و بالإخلاص.

و نبحث عن تفسير الآية الكريمة في موادّها: بأنّ المراد النفوس السالكين الى اللّه تعالى، و فيها اشارة الى المراحل الخمسة للسلوك.

فهذه النفوس سائرون الى اللّه الحقّ، و مشتاقون الى وصول عالم النور و القدس و اللاهوت- راجع عدو.

فهذه قافلة من الخلق يسيرون الى اللّه و الى عالم اللاهوت، في قبال طوائف اخرى يتوغّلون في الحياة الدنيا و يسيرون الى الطاغوت.

14

فالقسم بالعاديات في مورده، و انّهم هم على الحقّ و الى الحقّ.

ضجع

مصبا- ضجعت ضجعا من باب نفع و ضجوعا وضعت جنبي بالأرض، و أضجعت لغة، فأنا ضاجع و مضجع، و أضجعت فلانا: ألقيته على جنبه، و هو حسن الضجعة. و المضجع: موضع الضجوع، و الجمع مضاجع. و الضجيع: الّذي يضاجع غيره.

التهذيب 1/ 334- ضجع و اضطجع، و الأصل اضتجع، و من العرب من يقول اضجع. و ضاجع الرجل امرأته مضاجعة: إذا نام معها في شعار واحد، و هو ضجيعها، و هي ضجيعته. و قال الليث يقال أضجعت فلانا إذا وضعت جنبه بالأرض، و كلّ شي‌ء تخفضه فقد أضجعته و رجل ضاجع أى أحمق، و دلو ضاجعة أى ممتلئة. و رجل ضجعيّ و ضجعىّ و قعدى: كثير الاضطجاع. و قال الأصمعيّ:

ضجعت الشمس للغروب و ضجع النجم فهو ضاجع: إذا مال للمغيب.

مقا- ضجع: أصل واحد يدلّ على لصوق بالأرض على جنب. ثمّ يحمل على ذلك يقال ضجع ضجوعا. و المرّة الواحدة الضجعة، و من الباب: ضجّع في الأمر، إذا قصّر، كأنّه لم يقم به و اضطجع عنه، و يقال رجل ضجوع، أى ضعيف الرأى. و رجل ضجعة: عاجز لا يكاد يبرح. و الضجوع: الناقة الّتى ترعى ناحية. و يقال تضجّع السحاب، إذا أربّ بالمكان. و الضاجعة و الضجعاء: الغنم الكثيرة، و انّما هو من الباب لأنّها ترعى و تضطجع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الاستفراغ عن العمل بتسكين البدن على الأرض، و يقابلها القيام للعمل أو القعود للعمل في الجملة، و من مصاديقها- التهيّؤ و الاستراحة للنوم. و الاستراحة قهرا لضعف. و الاستراحة و الاستفراغ لتقصير أو قصور.

. وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضٰاجِعِ- 4/ 31.

15

و الهجر في المضجع فانّ المضجع محلّ فراغة و مورد استراحة يتفرّغ الإنسان عن أفكار مختلفة و أعمال بدنيّة، و هو مستعدّ للمؤانسة و المصاحبة، و الهجر في ذلك المورد أشدّ تأثيرا و أقوى تأديبا و تنبيها للمرأة.

. إِنَّمٰا يُؤْمِنُ بِآيٰاتِنَا الَّذِينَ إِذٰا ذُكِّرُوا بِهٰا خَرُّوا سُجَّداً .... تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ- 32/ 16.

أى يختارون دعوة اللّه و أنسه و مناجاته على التفرّغ و الاستراحة، و يلتذّون بالمناجاة أكثر و أزيد من لذّة الاضطجاع، و يستفيدون في ساعات التفرّغ عن المشاغل الدنيويّة بالتوجّة و الدعاء و الذكر للّه تعالى.

فانّ من آمن باللّه باليقين القاطع و الشهود الكامل: يرى اللّه عزّ و جلّ حاضرا ناظرا قيّوما مطّلعا مالكا بيده الملك و الأمر، فكيف يمكن له التفرّغ و الاستراحة المطلقة و الغفلة التامّة.

. قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلىٰ مَضٰاجِعِهِمْ- 3/ 154 أى إنّهم برزوا الى مصارعهم بأىّ نحو و بأىّ وسيلة و صورة. و التعبير بالمادّة دون كلمات اخر: إشارة الى أنّ ذلك الموت تفرّغ عن الزحمة و التعب و الأعمال الشاقّة الدنيويّة و استراحة حقيقيّة.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في هذه الموارد.

ضحك

مقا- قريب من الضحى، و هو دليل الانكشاف و البروز، من ذلك الضحك ضحك الإنسان، و يقال الضحك، و الأوّل أفصح، و الضاحكة: كلّ سنّ تبدو من مقدّم الأسنان و الأضراس عند الضحك. ابن الأعرابى: الضاحك من السحاب مثل العارض الّا أنّه إذا برق يقال فيه ضحك. و الضحوك: الطريق الواضح. و يقال أضحكت حوضك: إذا ملأته حتّى يفيض. و يقال الاضحوكه ما يضحك منه. و رجل ضحكة: يضحك منه. و ضحكة: كثير الضحك و أمّا الضحّاك: فيقال انّه العسل.

16

مصبا- ضحك من زيد، و ضحك به يضحك ضحكا و ضحكا: إذا سخر منه أو عجب، فهو ضاحك، و ضحّاك مبالغة، و به سمّى، و ضحكت المرأة و الإرنب: حاضت.

التهذيب 4/ 88- قال الليث: ضحك يضحك ضحكا، و لو قيل ضحكا:

لكان قياسا، لأنّ مصدر فعل فعل. فضحكت فبشّرناها أى طمثت. قال الفرّاء: و هذا فلم نسمعه من ثقة، و كان ابن عبّاس يقول ضحكت: عجبت من فزع ابراهيم.

عمرو: الضحك و الضحّاك وليع الطلعة الّذي يؤكل. و الضحك: العسل. و الضحك: النور. و الضحك: المحجّة. و الضحك: ظهور الثنايا من الفرح. الليث: الضحوك من الطرق: ما وضح و استبان.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الأثر البارز من انبساط شديد في الباطن، كما أنّ البكاء هو الأثر البارز من انقباض شديد في الباطن. و ظهور الانبساط يختلف باختلاف الموضوعات.

فالانبساط في الطريق بوضوحه و تبيّنه، و في الشجر بظهور طلعه و نوره، و في المأكول بكونه حلوا مطلوبا في خلاف العفوصة.

و أمّا العجب: فهو من مبادي الضحك، إذا كان منتهيا الى الضحك، و ليست المادّة بمعنى التعجّب، كما في السخر أيضا.

. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ- 9/ 82.

. وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكىٰ وَ أَنَّهُ هُوَ أَمٰاتَ وَ أَحْيٰا- 53/ 43.

. أَ فَمِنْ هٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لٰا تَبْكُونَ- 53/ 60.

تدلّ الآيات الكريمة على أنّ الضحك في مقابل البكاء. و على أن التعجّب مغاير للضحك و واقع قبله. و على أنّ الضحك على نوعين من اللّه و من نفسه.

فالضحك الّذي يصدر باختيار من العبد: كما في سائر الأعمال الاختياريّة و الأفعال الصادرة من العبد، فلازم له أن يلاحظ فيه جهة الصلاح و البرّ و الخير و‌

17

الإخلاص، و يتّقى عن سوء النيّة و اللغو و الإفساد و الاهانة و السخر و التحقير.

. إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كٰانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ- 83/ 29.

. فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ بِآيٰاتِنٰا إِذٰا هُمْ مِنْهٰا يَضْحَكُونَ- 43/ 47.

فهذا النوع من الضحك انّما يصدر بسوء النيّة و الاختيار.

و هذا النوع إنّما يتعلّق به الأمر و النهى و الزجر كسائر أعمال العباد. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً.

و النوع الثاني من الضحك و البكاء: ما يصدر بأسباب خارجيّة و حوادث غير اختياريّة تواجه الإنسان، كالصحّة و السقم، و البلاء و الرخاء، و السعة و المضيقة في العيش، و الحوادث التكوينيّة، الّتى توجب انبساطا في الباطن أو انقباضا فيه من دون اختيار.

. وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكىٰ.

و هذا النوع هو الغالب المستمرّ الأصيل في جريان حياة الإنسان، فانّ هذا النوع هو اللاحق بالتكوين و من آثاره المتأصّلة، بخلاف النوع الأوّل فانّه عرضيّ تبعىّ، بل هو أيضا من أشعّة التكوين في الحقيقة.

ثمّ انّ الضحك إمّا في عالم المادّة أو فيما ورائها: فالأوّل كما في الآيات المذكورة. و الثاني- كما في. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضٰاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ- 80/ 39.

. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّٰارِ يَضْحَكُونَ- 83/ 34.

فانّ حقيقة الضحك كما قلنا هو ظهور الانبساط في الوجه، و الوجه أعمّ من المادّىّ و الروحانىّ، و الانبساط أيضا انّما يتحصّل بأمور متنوّعة.

ضحى

مصبا- الضحاء بالفتح و المدّ: امتداد النهار و هو مذكّر كأنّه اسم للوقت، و الضحوة مثله، و الجمع ضحى. و ارتفعت الضحى أى الشمس ثمّ استعملت الضحى استعمال المفرد، و سمىّ بها، حتّى صغّرت على ضحىّ. و الاضحيّة: فيها لغات، ضمّ الهمزة في الأكثر في تقدير افعولة، و كسرها اتباعا لكسرة الحاء و الجمع أضاحى، و ضحيّة و الجمع ضحايا، و أضحاة و الجمع أضحى، و منه‌

18

عيد الأضحى. و الأضحى: مؤنّثة، و قد تذكّر ذهابا الى اليوم. و ضحىّ تضحية: إذا ذبح الاضحيّة وقت الضحى، هذا أصله ثم كثر حتّى قيل ضحى في أىّ وقت كان من أيّام التشريق، و يتّعدى بالحرف فيقال ضحيت بشاة.

مقا- ضحى: أصل صحيح واحد يدلّ على بروز الشي‌ء. فالضحاء: امتداد النهار، و ذلك هو الوقت البارز المنكشف، ثمّ يقال للطعام الّذي يؤكل في ذلك الوقت ضحاء، و يقال ضحى الرجل يضحى إذا تعرّض للشمس، و ضحى مثله، و يقال إضح يا زيد أى ابرز للشمس. و الضحيّة معروفة و هي الاضحيّة، و إنّما سمّيت بذلك لأنّ الذبيحة في ذلك اليوم لا تكون الّا في وقت إشراق الشمس، و يقال ليلة إضحيانة و ضحياء، أى مضيئة لا غيم فيها، و يقال هم يتضحّون أى يتغدّون، و الغداء: الضحاء، و ضاحية كلّ بلدة: ناحيتها البارزة. و يقال فعل ذلك ضاحية إذا فعله ظاهرا بيّنا. و ضحى الطريق يضحو ضحوا و ضحّوا إذا بدا و ظهر. و أما ضحّيت عن الأمر إذا رفقت: فالأغلب عندي انّه شاذّ.

لسا- الضحو و الضحوة و الضحيّة على مثال عشيّة: ارتفاع النهار و الضحى: فويق ذلك، أنثى، و تصغيرها بغير هاء لئلّا يلتبس بتصغير ضحوة. و الضحاء ممدود: إذا امتدّ النهار و كرب أن ينتصف و قيل الضحى من طلوع الشمس الى أن يرتفع النهار، ثمّ بعد ذلك الضحاء الى قريب من نصف النهار.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الزمان الّذي تشرق فيه الشمس على ناحية، في قبال العشاء و الليل، فانّ العشيّة زمان شروع الظلمة الى مقدار من الليل. و الليل تمام المدّة الّتى فيها تغيب الشمس و يقال ضحى يضحى: إذا وقع في زمان الضحى. و الضحيّة و الاضحيّة: ما يذبح يوم النحر في ذلك الزمان، فانّه انّما يذبح بعد البلوغ الى منى و بعد رمى الحجر. و يطلق الضحاء على غذاء يؤكل في أوّل ذلك الزمان، كما أنّ العشاء يطلق على طعام يؤكل من آخر النهار و أوّل الليل. و الضاحية ناحية خارجة عن محيط البيوت، واقعة في موارد إشراق الشمس.

و هكذا قولهم ضحى الطريق إذا بدا، بمناسبته الوقوع في إشراق.

. وَ الضُّحىٰ وَ اللَّيْلِ إِذٰا سَجىٰ- 93/ 1.

19

. يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّٰاعَةِ .... كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهٰا لَمْ يَلْبَثُوا إِلّٰا عَشِيَّةً أَوْ ضُحٰاهٰا- 79/ 46.

. أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا .... وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا- 79/ 29.

فقد ذكرت المادّة في هذه الآيات الكريمة في مقابل الليل و العشاء، و هما زمانان.

و القسم بالضحى و الليل: فانّ جريان العوالم طولا أو عرضا على هذين القانونين: تجلّى النور و الاشراق، و ظهور الظلمة و الانقطاع، مادّيا أو روحانيا، كمّا في اليوم و الليل، و مراحل الطبيعة و النور.

فالسالك الى اللّه المتعال: لا بدّ له أن يتوجّه الى وجود هذين الأمرين و ظهور الحالتين في سيره، فانّ القبض و البسط بيده و بعلمه و سلطانه، و الابتلاء و الانبساط في الحياة بمشيّته و حكمته و تحت نظام أمره، فلا يصحّ له اليأس و الظنّ السوء و الحزن إذا واجه انقباضا أو قبضا أو ابتلاء.

و هذا القسم بتناسب ما بعده-. مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مٰا قَلىٰ.

و تقديم الضحى في هذه الآية الكريمة، و تأخيره في الآيتين الأخريين:

فانّ الخطاب فيهما الى من يتمايل الى جانب الظلمة و في مورد الكفر و الإنكار، و هذا بخلاف الآية المربوطة الى رسوله المكرّم.

و السجى: السكون و الاستقرار، و الغطش الظلمة.

. أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنٰا ضُحًى وَ هُمْ يَلْعَبُونَ- 7/ 98.

. قٰالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النّٰاسُ ضُحًى- 20/ 59.

فالضحى مفعول فيه للزمان، بأن يكون في زمان تشرق الشمس حتّى يكون مشهودا لكلّ أحد و لا يمكن لأحد أن يأتوا بعذر.

. وَ الشَّمْسِ وَ ضُحٰاهٰا وَ الْقَمَرِ إِذٰا تَلٰاهٰا وَ النَّهٰارِ إِذٰا جَلّٰاهٰا وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَغْشٰاهٰا- 91/ 1.

قلنا إنّ الضحى زمان يلاحظ فيه إشراق الشمس فيه، و هو مقدّم على القمر، فانّ الإشراق من القمر بواسطة، و أمّا النهار فهو زمان ممتدّ من أوّل طلوع الفجر الى‌

20

الليل، و إشراق الشمس غير ملحوظ فيه ثمّ بعده يذكر الليل، و الملحوظ فيه نفي الإشراق.

. وَ أَنَّكَ لٰا تَظْمَؤُا فِيهٰا وَ لٰا تَضْحىٰ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطٰانُ- 20/ 119.

أى تكون الأطعمة و المساكن معتدلة، بحيث لا توجد فيها حدّة توجب عطشا أو حرارة أو مضيقة أو شدّة.

فلا يكون فيها إشراق للشمس يوجب حرّة للمزاج.

و أمّا أنّ هذه الخصوصيّات و الآثار. أَلّٰا تَجُوعَ فِيهٰا وَ لٰا تَعْرىٰ، و. لٰا تَظْمَؤُا (فِيهٰا) وَ لٰا تَضْحىٰ الكائنة في جنّة آدم و حوّاء في زمان ابتداء خلقهما: هل كانت من جهة ذاتهما أو من جهة المحيط، و في أيّ محيط كانت هذه الجنّة؟ لعلّ اللّه يفهّمنا حقائق هذه الأمور- راجع عرى.

ضدّ

مصبا- الضدّ: هو النظير و الكف‌ء، و الجمع أضداد. أبو عمرو: الضدّ مثل الشي‌ء و الضدّ خلافه، و ضادّه يضادّه إذا باينه مخالفة، و المتضادان اللذان لا يجتمعان.

مقا- ضدّ: كلمتان متبائنتان في القياس، فالأوّل الضدّ ضدّ الشي‌ء. و المتضادان الشيئان لا يجوز اجتماعهما في وقت واحد كالليل و النهار. و الكلمة الاخرى الضدّ و هو الملأ، يقال ضدّ القربة إذا ملأها.

التهذيب 11/ 455- الضدّ: قال الليث: الضدّ كلّ شي‌ء ضادّ شيئا ليغلبه، تقول هذا ضدّه و ضديده. و تكونون عليهم ضدّا قال الفرّاء: عونا. عن عكرمة:

أعداء. قال الأخفش: الضدّ يكون واحدا و جماعة، مثل الرصد. أبو زيد: ضددت فلانا ضدّا أى غلبته و خصمته. و فلان ندّى و نديدى: للّذى يريد خلاف الوجه الّذى تريده و هو مستقلّ من ذلك بمثل ما تستقلّ به. عمرو عن أبيه: الضدد: الّذين يملئون للناس الآنية إذا طلبوا بالماء و احدهما ضادّ، فيقال ضادد و ضدد.

الأفعال 2/ 277- ضددت الإناء ضدّا: ملأته. و أضددت أتيت بالضدّ و هو خلاف الشي‌ء. و أضدّ الرجل: غضب.

21

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو المخالف الشديد بحيث لا يكون توافق و تجمّع بينه و بين ما يقابله. و هذا المعنى يشمل النقيضين المصطلحين أيضا، فانّ النظر في المادّة الى التخالف الشديد و امتناع التجمّع، سواء كان افتراقهما معا عن موضوع ممكنا أم لا.

ثمّ انّ المادّة قد تطلق على المثلين إذا وقعا متقابلين، فهما من جهة تقابلهما و بهذه الحيثيّة، يقال إنّهما ضدّان.

و بهذه المناسبة أيضا تطلق على الملأ: فانّ الملأ في قبال الخلأ، و من يملأ للناس آنيتهم هو في مقابلهم من يمنع عن أن يملئون آنيتهم.

. وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلّٰا سَيَكْفُرُونَ بِعِبٰادَتِهِمْ وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا- 19/ 84.

أى يكفر هؤلاء الآلهة بعبادتهم، و يكونون عليهم مخالفين و أعداء، من دون أن يكونوا عونا و ظهيرا لهم.

و جملة يكونون عطف على قوله سيكفرون، و نسق الآية يمنع أن يكون الضدّ بمعنى العون كما عن الفرّاء.

و لا يخفى لطف التعبير بالمادّة في الآية: اشارة الى مطلق المقابل المخالف.

ضرب

مقا- ضرب: أصل واحد، ثمّ يستعار منه و يحمل عليه. من ذلك ضربت ضربا إذا أوقعت بغيرك ضربا. و يشبّه به الضرب في الأرض تجارة و غيرها من السفر. و يقال: إنّ الإسراع الى السير أيضا ضرب. و من الباب الضرب: الصيغة، يقال هذا من ضرب فلان أى من صيغته، لأنّه إذا صاغ شيئا فقد ضربه و الضريب:

المثل، كأنّهما ضربا ضربا واحدا و صيغا صياغة واحدة و الضريب من اللبن: ما خلط محضه بحقينه، كأنّ أحدهما قد ضرب على الآخر. و الضريب: الشهد، كأنّ النخل ضربه. و يقال للسجيّة و الطبيعة الضريبة، كأنّ الإنسان قد ضرب عليها ضربا. و يقال للصنف من الشي‌ء الضرب، كأنّه ضرب على مثال ما سواه من ذلك‌

22

الشي‌ء. و الضريبة: ما يضرب على الإنسان من جزية و غيرها. و من الباب ضراب الفحل الناقة. و أضرب فلان عن الأمر: إذا كفّ، كأنّه أوقع بنفسه ضربا فكفّها عما أرادت.

مصبا- ضربه بسيف أو غيره. و ضربت في الأرض: سافرت و في السير أسرعت. و ضربت مع القوم بسهم: ساهمتهم. و ضربت على يده: حجرت عليه أو أفسدت عليه أمره. و ضرب اللّه مثلا: وصفه و بيّنه. و ضرب على آذانهم: بعث عليهم النوم فناموا و لم يستيقظوا. و ضرب النوم على اذنه. و ضربت عن الأمر و أضربت: أعرضت تركا أو إهمالا. و ضربت عليه خراجا: إذا جعلته وظيفة، و الاسم الضريبة، و الجمع ضرائب. و ضربت عنقه و ضرّبت الأعناق، و التشديد للتكثير. و ضارب فلان فلانا مضاربة، و تضاربوا، و اضطربوا، و رميته فما اضطرب أى ما تحرّك. و اضطربت الأمور: اختلفت.

مفر- الضرب: إيقاع شي‌ء على شي‌ء، و لتصوّر اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها. و الضرب في الأرض: الذهاب فيها هو ضربها بالأرجل. و ضرب الفحل: تشبيها بالضرب بالمطرقة. و ضرب الخيمة بضرب أوتادها بالمطرقة. و تشبيها بالخيمة قال: ضربت عليهم الذلّة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو طرق شي‌ء بشي‌ء على برنامج مقصود، و سنزيد في الطرق: فرق ما بينها و بين موادّ قريبة و مترادفة منها- فراجعه.

فهذا المعنى ملحوظ في كلّ من موارد استعمالها.

و الظاهر أنّ مادّة الطرق أقرب منها فيما بين مترادفاتها، فيقال طرقه أى ضربه بالمطرق، و الطراق: الضراب، و يقال للفحل مطرق، و طرقت الطريق:

سلكته. و الطريقة: الحالة.

فمفاهيم- الشهد و الصنف و السجيّة و الجزية و اللبن المصنوع المخلوط كلّ منها بلحاظ صياغته على خصوصيّة معيّنة و تقديره على كيفيّة مخصوصة، و في الصياغة معنى الضرب على شكل.

كما أنّ اطلاق الضرب على السير: إذا كان المشي على تفهّم و تدبّر في‌

23

الأقدام، فكأنّ كلّ قدم و ضرب رجل يلاحظ في نفسه، و هذا بخلاف ما إذا كان النظر الى تحقّق سير أو حركة أو سفر أو مشي أو عدو أو إسراع أو سلوك، فانّ النظر في كلّ منها الى خصوصيّة في مفهومه يغاير ضرب الرجل.

و أمّا الاعراض و الكفّ و الإفساد و الحجر: فانّ هذه الخصوصيّات انّما تستفاد من إيصال حروف- من و على، فيتحصّل مفهوم الضرب مع هذه الخصوصيّة المنظورة المستفادة من تلك الحروف.

و أمّا الاضطراب: فهو افتعال و يدلّ على طوع و اختيار، فكأنّ المضطرب يختار الضرب بأرجله و يعمل هذا العمل قاصدا هذا الضرب بنفسه، فانّه متحيّر متردّد لا يدري الى أيّ جهة يتوجّه.

. فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصٰاكَ الْحَجَرَ- 2/ 60.

. سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنٰاقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنٰانٍ- 8/ 12.

. فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ- 47/ 4 هذا ضرب باليد أو بوسيلة سلاح آخر من عصا أو رمح أو سيف أو غيره.

و إذا ضربتم في الأرض، و آخرون يضربون في الأرض، إذا ضربتم في الأرض فتبيّنوا- و هذا ضرب بالأرجل في الأرض. و التعبير بالضرب في هذا المورد: اشارة الى التوجّه بالموضوع و الدقّة في الجزئيات للسير، و ليس مطلق السير و الحركة منظورا.

كيف ضرب اللّه مثلا، و كلّا ضربنا له الأمثال، ضرب مثل فاستمعوا له، و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية- و هذا ضرب بوسيلة الكلام و اللسان، فانّ المثل كلام يضرب به في مورد خاصّ يناسبه، فكأنّه يطرق و يورد في ذلك المحلّ المتناسب.

. وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ- 2/ 61.

. أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ- 43/ 5.

. كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْحَقَّ وَ الْبٰاطِلَ- 13/ 17 فالذكر و الحقّ و الباطل من جهة كونها على هذه الصفة المعنويّة، و ان‌

24

كانت بصورة اللفظ، فانّ النظر الى جهة الوصفيّة. و هكذا في موضوع الذلّة و المسكنة. فيكون الضرب أيضا معنويّا.

ثمّ إنّ المادّة تستعمل بحرف الباء فتدلّ على التوسّط و السببيّة، كما في-. اضْرِبْ بِعَصٰاكَ*. و بحرف في فتدلّ على الظرفيّة و تحقّق الضرب فيه، كما في- و إذا ضربتم في الأرض. و بحرف على فتدّل على الاستيلاء كما في- و ضربت عليهم الذلّة- فالضرب قد استولى بالذلّة عليهم. و بحرف عن فتدلّ على التجاوز، كما في-. أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ. و بحرف اللام فتدلّ على التعلّق، كما في-. يَضْرِبُ اللّٰهُ لِلنّٰاسِ أَمْثٰالَهُمْ.

ضرّ

مصبا- الضرّ: الفاقة و الفقر، اسم. و بفتحها مصدر ضرّه يضرّه من باب قتل: إذا فعل به مكروها. و أضرّ به يتعدّى بنفسه ثلاثيّا، و بالباء رباعيّا. قال الأزهرىّ: كلّ ما كان سوء حال و فقر و شدّة في بدن، فهو ضرّ. و ما كان ضدّ النفع فهو بفتحها. و ضارّه مضارّة و ضرارا: بمعنى ضرّه، و ضرّه الى كذا و اضطرّه بمعنى ألجأه اليه و ليس له منه بدّ. و الضرورة اسم من الاضطرار. و الضرّاء: نقيض السرّاء، و لهذا أطلقت على المشقّة، و المضرّة: الضرر، و الجمع المضارّ. و ضرّة المرأة: امرأة زوجها و الجمع ضرّات على القياس، و سمع ضرائر، و كأنّها جمع ضريرة. و لا يكاد يوجد لها نظير. و رجل مضر: ذو ضرائر.

مقا- اصول ثلاثة: الأوّل- خلاف النفع. و الثاني اجتماع الشي‌ء. و الثالث- القوّة. فالأوّل- ضدّ النفع، ثمّ يحمل على هذا كلّ ما جانسه أو قاربه.

فالضرّ: الهزال. و الضرّ: تزوّج المرأة على ضرّة. و الضرّة: اسم مشتقّ من الضرّ، كأنّها تضرّ الاخرى كما تضرّها تلك. و الضرير: المضارّة. و أكثر ما يستعمل في الغيرة، يقال ما أشدّ ضريره عليها. و شبّه الحجران للرحى بالضرّتين فقيل لهما الضرّتان. و الثاني- فضرّة الضرع: لحمته الّتى لا تخلو من اللبن، و ضرّة الإبهام:

اللحم المجتمع تحتها. و الثالث- فالضرير: قوّة النفس يقال فلان ذو ضرير على الشي‌ء: إذا كان ذا صبر عليه و مقاساة.

25

الاشتقاق 45- ضرار مصدر ضاررته مضارّة و ضرارا و الضرّ ضدّ النفع. و تقول العرب: لا يضرّك هذا الأمر ضرّا و لا يضيرك ضيرا. و الضرورة و الضارورة:

واحد، و هو الاضطرار الى الشي‌ء، و الضرير: فعيل بمعنى مفعول و ضرير الوادي:

جنباه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل النفع، فالنفع هو الخير العارض يتحصّل للإنسان. و الضرّ هو الشرّ المتوجّه للشي‌ء يوجب نقصانا فيه أو في متعلّقاته.

و قد ذكر الضرّ في قبال مادّة النفع في 17 موردا من القرآن الكريم. وَ لٰا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لٰا يَنْفَعُكَ وَ لٰا يَضُرُّكَ- 10/ 106.

و إذا لم يوجب الشرّ المواجه نقصانا: فهو أذى و سوء حال، و لا يقال انّه ضرّ-. لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلّٰا أَذىً- 3/ 111.

. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ- 27/ 62.

فالأذى و السوء عامّان يشملان ما فيه نقصان أم لا.

ثمّ إنّ تحصّل النقصان إمّا في اعتقاد، أو في سبيل الخير و هداية، أو في بدن، أو مال، أو عنوان، أو ولد.

ففي الاعتقادات كما في:

. وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرٰاراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ- 9/ 107.

اي للمضارّة و الكفر في طريق الإسلام.

و في الاهتداء الى الحقّ كما في:

. عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لٰا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ- 5/ 105 اي لا يوجب ضلاله انحرافكم عن سبيل الحق.

و في مطلق الحياة و المعيشة كما في:

. وَ لٰا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ- 65/ 6.

أى حتّى تحصل لهنّ مضيقة و شدّة من الحياة بعد الطلاق.

و في جهة مضيقة من الطعام:

26

. يٰا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنٰا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنٰا بِبِضٰاعَةٍ مُزْجٰاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ- 12/ 88 و في مقام العلم:

. وَ يَتَعَلَّمُونَ مٰا يَضُرُّهُمْ وَ لٰا يَنْفَعُهُمْ- 2/ 102 فانّ العلم إذا لم يوجب هداية الى خير و إصلاح و تكميل نفس: فهو وبال على صاحبه، و لا يزيد له الّا فسادا و ضلالا و بعدا عن الحقّ.

و أمّا صيغة الاضطرار: فهي على افتعال و أصلها الاضترار، و تدل على اختيار الضرّ، أى الضرّ باختيار، يقال اضطرّه فهو مضطرر، و ذاك مضطرر، و بعد الإدغام يتساويان في اللفظ.

. وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلىٰ عَذٰابِ النّٰارِ- 2/ 126. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ- 2/ 173. وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ- 6/ 119. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ- 27/ 62.

هذه الصيغ مبنيّة للمفعول، فانّ الإنسان لا يضرّ نفسه بطوع و رغبة و اختيار حتّى يكون مضطرّا بصيغة الفاعل.

فهو قد يكون مضطرّا بصيغة المفعول، أى يعرض له نقصان و عذاب و شدّة و ابتلاء في بدنه أو متعلّقاته، بأىّ سبب و علّة مختارة من جانب اللّه العزيز، أو باذنه و تحت أمره، أو تحت حكمه العامّ و نظمه.

فالاضطرار بمعنى المفعول: له علل و أسباب و قوانين منظّمة، على قضاء و تقدير من اللّه المتعال، و سوء عمل و نيّة من العبد، فإذا وقع العبد في ذلك المورد و أصابه ضرر مخصوص مؤثّر فهو مضطّر.

و إذا كان الإنسان مضطرّا: فلا يقدر أحد أن يكشف ضرّه الّا اللّه المتعال:

. وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللّٰهُ بِضُرٍّ فَلٰا كٰاشِفَ لَهُ إِلّٰا هُوَ*- 10/ 107.

. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّٰهِ شَيْئاً إِنْ أَرٰادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرٰادَ بِكُمْ نَفْعاً- 48/ 11 فالمضطرّ هو الّذي يراد به ضرّ و يمسسه من اللّه ضر.

ثمّ إنّ المضطرّ على نوعين: مضطرّ في نفسه، و مضطرّ في مورد خاصّ و‌

27

بالنسبة الى شي‌ء. فالأوّل كما في:

. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ و الثاني كما في:

. نَضْطَرُّهُمْ إِلىٰ عَذٰابٍ غَلِيظٍ- 31/ 24.

و-. إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ- فكأنّ الاضطرار انّما تحقّق في صورة السوق اليه.

و نتيجة هذا الاضطرار و حصول النقصان: هو تحصّل حالة الالتجاء و الاحتياج. و بهذا المعنى قد استعملت كلمة الضرورة اى النقصان و الشرّ. و هذا الكلمة إمّا اسم مزيد كالضرورة، أو مصدر في الأصل على وزان قبول و هو بمعنى حالة النقصان و عروض الشرّ.

و أمّا اللحم المجتمع: فانّه نقصان مع شرّ. فانّ النقصان و الشرّ قد يكون بالزيادة، و هكذا مفهوم القوّة و الجنب و التصبّر: فانّها تدلّ على كونها في معرض الشرّ و النقصان و الضرّ، فيتصبّر و يتحمّل في مقابله.

و أمّا الضراء: فصيغة تأنيث على فعلاء، كالسرّاء، و البأساء و النعماء، أى ما يتّصف بالضرر و ما يكون فيه نقصان.

. وَ الصّٰابِرِينَ فِي الْبَأْسٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ- 2/ 177.

. وَ لَئِنْ أَذَقْنٰاهُ نَعْمٰاءَ بَعْدَ ضَرّٰاءَ مَسَّتْهُ- 11/ 10. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ- 3/ 134 هذه الصيغة تدلّ على الامتداد، بمقتضى ظاهر الكلمة، فانّ الصبر و حسن العمل انّما يتحققّان في صورة امتداد الزمان، و أمّا الضرّ أو البأس أو النعمة أو السرّ، إذا كانت في زمان محدودة موقتة فلا يعتنى بها و لا يترتّب عليها أثر قاطع.

و يشبهها صيغة الضرار، مصدرا بمعنى المضارّة، و تدلّ على دوام بالنسبة الى الضرر، فيقال: لا ضرر و لا ضرار في الإسلام- يراد أنّ مطلق الضّرر الحادث في أىّ جهة كان غير مجوّز في الإسلام، فلا يجوز صدور حكم فيه ضرر، إلّا أن يكون للوصول الى نفع كثير، هذا في جهة الحدوث، و أمّا الضرار في جهة الإبقاء و الادامة، بمعنى حدوث الضرر إذا تحقّق بأيّ صورة صحيحة أو فاسدة: فإدامته غير جائز.

28

. وَ لٰا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرٰاراً لِتَعْتَدُوا- 2/ 131. لٰا تُضَارَّ وٰالِدَةٌ بِوَلَدِهٰا وَ لٰا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ- 2/ 233.

يراد إدامة الضرر، ففي الموردين ينفي إدامة الضرر لهما بعد أن سبق الضرر بزواج و توالد.

و قلنا مرارا إنّ صيغة المفاعلة تدلّ على التداوم و الاستمرار كما أنّ التفاعل تدلّ على مطاوعة المفاعلة.

ضرع

مقا- ضرع: أصل صحيح يدلّ على لين في الشي‌ء. من ذلك ضرع الرجل ضراعة إذا ذلّ. و رجل ضرع: ضعيف. و من الباب ضرع الشاة و غيره، سمّى بذلك لما فيه من لين، و أضرعت الناقة إذا نزل لبنها عند قرب نتاجها. فأمّا المضارعة:

فهي التشابه بين الشيئين كأنّهما ارتضعا من ضرع واحد، و شاة ضريع: كبيرة الضرع و ضريعة أيضا، و يقال لناحل الجسم ضارع.

التهذيب 1/ 469- الضرع: ضرع الشاة و الناقة. و الضرع: الضعيف. و ضرع فلان لفلان و ضرع له: إذا ما تخشّع له و سأله أن يعطيه. و قد أضرعت له مالى: بذلته له. و تضرّع الظلّ: قلّ و قلص. و الضريع: الشراب الرقيق. و ضرّعت الشمس: دنت للغروب. و هذا ضرع هذا و صرع هذا: مثله. و الضريع: نبت يقال الشبرق، و أهل الحجاز يسمّونه الضريع إذا يبس. و قال الليث: يقال للجلدة الّتى على العظم تحت اللحم من الضرع: هي الضريع.

مصبا- ضرع له يضرع بفتحتين ضراعة: ذلّ و خضع، فهو ضارع، و ضرع ضرعا فهو ضرع من باب تعب: لغة. و أضرعته الحمّى: أوهنته، و تضرّع الى اللّه:

ابتهل. و ضرع ضرعا وزان شرف شرفا: ضعف فهو ضرع، تسمية بالمصدر. و الضرع لذات الظلف كالثدي للمرأة، و الجمع ضروع. و المضارعة: المشابهة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التذلّل مع طلب الحاجة أىّ حاجة كانت، من رفع بليّة و مغفرة و كشف ضرّ.

29

و بهذا القيد يظهر الفرق بينها و بين الخضوع و الخشوع و الذلّة و الحقارة و الضعة و الدعاء و الاستغفار و أمثالها.

و بهذه المناسبة تطلق على مفاهيم حقيقة أو مجازا، كالضرع في الشاة، فانّ الشاة في تلك الحالة متضرّعة متذلّلة لا بدّ لها من إرضاع مولودها و من تهيئة اللبن و حفظه لتغذية المولود، و المظهر لهذا التضرّع هو ضرعها، و على هذا يطلق على الضرع: الضريع و الضريعة إذا أثقلت و نزل لبنها.

و أمّا المضارع: فهو اصطلاح حادث بمناسبة ما.

. فَأَخَذْنٰاهُمْ بِالْبَأْسٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ- 6/ 42. وَ لَقَدْ أَخَذْنٰاهُمْ بِالْعَذٰابِ فَمَا اسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ- 23/ 76.

فالتذلّل في مقام الابتلاء و الشدّة و الضرّاء و العذاب مع طلب الرفع و الكشف: هو حقيقة الإنابة و التوبة، و يوجب توبة اللّه عليه و مغفرته و كشف الضرّ عنه.

. ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- 7/ 55.

. قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً- 6/ 63. وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ- 7/ 205.

- الدعوة طلب المدعوّ نفسه، و هذا غير طلب الحاجة منه و مسألة شي‌ء، أى ادعوا اللّه خالصا و توجّهوا اليه مخلصا، في حال التضرّع و متذلّلين و في مقام طلب المغفرة و كشف الضرّ الظاهرىّ و المعنوىّ، و ليكن هذا الدعاء و الدعوة في سرّ و اختفاء ليتحقّق الإخلاص-. وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً.

. لَيْسَ لَهُمْ طَعٰامٌ إِلّٰا مِنْ ضَرِيعٍ لٰا يُسْمِنُ وَ لٰا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ- 88/ 9 الضريع فعيل و هو الذليل المتذلّل في يبس و نفار و خشونة لا يتلقّى النفس منه غذاء يقوّيه و يرفع حاجته و يكشف ضرّه.

و هذا في الأطعمة الروحانيّة: المعلومات المختلطة بالمشتبهات و المشكوكات الّتى توجب ضلالا و انحرافا عن الحقّ، و تزيد في الظلمة و البعد، و لا يغنى عن جوعه و فقره و ابتلائه.

30

و في المادّيّات: هو يبيس النبات ذى شوك يقال انّه شبرق.

فالضريع له مفهوم كلّىّ يشمل ما يتذلّل في حاجة و ابتلاء، من المادّيّات و الروحانيّات و ممّا وراء عالم المادّة، في كلّ عالم بحسبه.

ضعف

مقا- ضعف: أصلان متبائنان، يدلّ أحدهما على خلاف القوّة. و الآخر- أن يزاد الشي‌ء مثله. فالأوّل- الضعف و الضعف: و هو خلاف القوّة، يقال ضعف يضعف، و رجل ضعيف، و قوم ضعفاء و ضعاف. و الآخر- فقال الخليل أضعفت الشي‌ء إضعافا، و ضعّفته تضعيفا، و ضاعفته مضاعفة، و أو أن يزاد على أصل الشي‌ء فيجعل مثلين أو أكثر.

مصبا- ضعف الشي‌ء: مثله، و ضعفاه: مثلاه، و أضعافه: أمثاله. و الضعف في لغة تميم، و الضعف في لغة قريش: خلاف القوّة و الصحّة، فالمضموم مصدر ضعف مثال قرب قربا، و المفتوح مصدر ضعف ضعفا من باب قتل، و منهم من يجعل المفتوح في الرأى و المضموم في الجسد، و هو ضعيف.

الجمهرة 3/ 92- الضعف و الضعف: لغتان، و قد قرئ بهما، و الضعف لغة النبىّ ص، و قرء عبد اللّه بن عمر على النبىّ ص-. مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، فقال النبىّ ص:. ضَعْفٍ قُوَّةً- يا غلام. و رجل ضعيف من قوم ضعفاء. و هذا ضعف هذا الشي‌ء أى مثله. و قال قوم مثلاه، و الجمع أضعاف. و التضعيف: عطفك الشي‌ء على الشي‌ء حتّى تطبقه عليه.

فرهنگ تطبيقى- ضعف: جعل شي‌ء على مثليه أو ثلاثة أمثال.

عبرى- (ضعف) «- (صعيف)

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل القوّة. و قد سبق في- رخو:

الفرق بينها و بين مترادفاتها.

و هو أعمّ من أن يكون في مادّىّ أو معنوىّ.

31

فالمادّىّ كما في:

. ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً- 30/ 54. ضَعُفَ الطّٰالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ- 22/ 73 و المعنوىّ كما في:

. إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطٰانِ كٰانَ ضَعِيفاً- 4/ 76 و الاستضعاف: طلب أن يكون شخص ضعيفا، فهو مستضعف، و ذاك مستضعف، فالمستضعف هو الّذى يجعل ضعيفا.

. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي ...،. يَسْتَضْعِفُ طٰائِفَةً مِنْهُمْ. وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ- 28/ 5. قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ- 4/ 97 فالمستضعف بصيغة المفعول يقابله المستكبر بصيغة الفاعل، و المستكبر هو الّذى استضعف و طلب ضعف الضعيف.

. وَ مٰا لَكُمْ لٰا تُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ- 4/ 75 يستفاد من الآية الكريمة أنّ المجاهدة في سبيل نجات الّذين استضعفوا فريضة، و هو كالمجاهدة في سبيل اللّه و أمّا الضعف و المضاعفة: فهذه المادّة مأخوذة من عبريّة، و قريبة منها في الأراميّة.

مع مناسبة بين المفهومين بعلاقة التقابل، فانّ التضاعف هو حصول قوّة في مقابل الضعف. أو انّ المضاعفة و التضاعف فيها معنى الاستمرار و الاستدامة، و يراد منها في المورد: التكرّر في مصداقه، و في المجرّد تدلّ الكسرة على ضعف مخصوص، و هو التكرّر.

و لا يخفى أنّ المضاعفة غير المزايدة و الكثرة و غيرها: فانّ المضاعفة هو تكرّر المثل مرتبتين أو بمراتب.

. وَ اللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ ...،. فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً ...،. يُضٰاعَفُ لَهُمُ الْعَذٰابُ ...،. لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً- 3/ 130‌

32

يراد المزيد مثلين و أمثالا من الأصل.

. وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ- 30/ 39. فَأُولٰئِكَ لَهُمْ جَزٰاءُ الضِّعْفِ بِمٰا عَمِلُوا- 34/ 37.

يقال أضعفه أى جعله ضعفا، و مثلين أو أمثالا.

. وَ لَوْ لٰا أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْنٰاكَ ضِعْفَ الْحَيٰاةِ وَ ضِعْفَ الْمَمٰاتِ- 17/ 75.

اللام في الحياة و الممات عوض عن المضاف اليه، أى حياتهم و مماتهم، و امّا الحياة في هذه الدنيا هي الحياة الدنيا السفلى في مقابل الحياة العليا، و هي عبارة عن تعلّقات مادّيّة و جريانها و استمرارها الى أن تنتهي مدّتها، فيصير الإنسان خائبا خاسرا ليس له من حقّ الحياة و السعادة الأصلية شي‌ء، و هذا هو الخسران المبين و العذاب الأكبر و اللهو الشديد.

و الابتلاء الأشدّ الأعظم منه هو الموت: فانّه عبارة عن انقطاع هذه العلائق و حصول التفارق بينه و بين متعلّقاته، من الأمور المادّيّة و اللذائذ الدنيويّة و المشتهيات النفسانيّة، مع مشاهدة عالم آخر و ادراك الخسران و المحجوبيّة و المحروميّة فيه.

ثمّ إنّ هذين العذابين يشتدّان في الأفراد بنسبة إدراكاتهم و تعقّلاتهم و استعدادهم و فطرتهم الأصيلة الذاتيّة، ثمّ العرضيّة، فيكون التمايل و الركون القليل من النبىّ ص (إن تحقّق) موجبا لتضاعف العذابين: انقطاع الارتباط الروحاني، و حصول تعلّق بالحياة الدنيا ثمّ مشاهدة التفارق بالموت.

فليس للنبىّ ص عذاب و ابتلاء أعظم من الابتلاءين، كما قال علىّ ع:

صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر على فراقك.

و لا يخفى أنّ تلك التعلّقات الدنيويّة: هي الطريق الممتدّ الى الجحيم و النار و الفراق و المحروميّة عن مقام السعادة-. فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي- كما أنّ صراط الجنّة و العبوديّة و اللقاء هو الانقطاع و التبتّل التام-. فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

و بهذه الآية الكريمة الحادّة، فليعتبر و ليتّغظ في حياته و تعلّقاته و ركونه‌

33

الى الّذين يخالفون عن أمر اللّه عزّ و جلّ: كلّ مؤمن معتبر، و ليتوجّه الى هذا القانون القاطع الإلهىّ.

أمّا قانون التضاعف: فكما في-. مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا الْعَذٰابُ ضِعْفَيْنِ- 33/ 30.

و أمّا قانون كون التعلّق بالدنيا عذابا: فكما في قوله تعالى-. فَلٰا تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ- 9/ 57.

ضغث

مقا- ضغث: أصل واحد يدلّ على التباس الشي‌ء بعضه ببعض، يقال للحالم: أضغثت الرؤيا. و الأضغاث: الأحلام الملتبسة. و الضغث: قبضة من قضبان أو حشيش. قال الخليل: أصل واحد، و يقال ناقة ضغوث: إذا شككت في سمنها فلمست. أ بها طرق. و الضغث كالمرس.

مصبا- ضغثت الشي‌ء ضغثا من باب نفع: جمعته. و منه الضغث: قبضة حشيش مختلط رطبها بيابسها. و يقال ملأ الكفّ من قضبان أو حشيش أو شماريخ-. وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً- قيل كان حزمة من أسل فيها مأية عود، و هو قضبان دقاق لا ورق لها يعمل منه الحصر. و الأصل في الضغث أن يكون له قضبان يجمعها اصل واحد، ثمّ كثر حتّى استعمل فيما يجمع.

التهذيب 8/ 4- قال الليث: الضغث قبضة من قضبان يجمعها أصل واحد مثل الأسل و الكرّاث و الثمام. قال الفرّاء: الضغث ما جمعته من شي‌ء مثل حزمة الرطبة و ما قام على ساق و استطال ثمّ جمعته. و قال ابن شميل: أتانا بضغث خبر و أضغاث من الأخبار، أى ضروب منها، و كذلك أضغاث الرؤيا: اختلاطها و التباسها.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يتفرّع مختلفا، أى الفروع المختلفة‌

34

المجتمعة في مورد، مادّيّة أو معنويّة.

و من مصاديقه: القضبان المتفرّعة، و الأخبار المتنوّعة المجموعة، و امور مختلفة تشاهد في الرؤيا، و الأمور الملتبسة المنضمّة.

. بَلْ قٰالُوا أَضْغٰاثُ أَحْلٰامٍ بَلِ افْتَرٰاهُ بَلْ هُوَ شٰاعِرٌ- 21/ 5 أى أفكار مختلطة مختلفة مجتمعة ترى له في الحلم ثمّ يظهرها.

. قٰالُوا أَضْغٰاثُ أَحْلٰامٍ وَ مٰا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلٰامِ بِعٰالِمِينَ- 12/ 44 أى رؤيا من امور مختلفة مختلطة متشكّلة، قد تفرّعت عن رؤيا.

و لا يخفى أنّ النائم بنومه يتعطّل كلّ حاسّة له ظاهريّة جسمانيّة، و ذلك انّما هو بتعطّل الأعصاب المتوسّطة بين الحواسّ و بين مراكزها في الدماغ، فيبقى الروح الحاكم على مملكة البدن مدركا.

و إدراك الروح حينئذ إمّا بالمتخيّلة و بمعلومات موجودة في النفس قد أدركت موادّها بالحواسّ الظاهريّة، أو بالقوّة العاقلة الروحانيّة، و ذلك إمّا في حدود الملكوت السفلى، أو في عالم الملكوت العليا، و أيضا إمّا بصورها الواقعيّة أو بصورها المتجسّمة المناسبة.

فالمراد من أضغاث الأحلام: هو ما يتراءى في النوم من الأمور المختلفة المجتمعة بالقوّة المتخيّلة.

. وَ اذْكُرْ عَبْدَنٰا أَيُّوبَ .... وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لٰا تَحْنَثْ- 38/ 44 اى خذ في يدك مجموعة من فروع مختلفة من أىّ جنس كان، ثمّ اضرب بذلك الضغث، فيحاسب كلّ من الفروع مرّة.

و هذا تخفيف و رخصة في بعض الموارد من الحدود و التعزيرات، إذا كان مبدأ الالتزام و التعهّد أمرا ليس فيه شدّة و حدّة.

ضغن

مقا- ضغن: أصل صحيح يدلّ على تغطية شي‌ء في ميل و اعوجاج، و لا يدلّ على خير. من ذلك الضغن و الضغن: الحقد، و فرس ضاغن: إذا كان لا يعطى ما عنده من الجري إلّا بالضرب. و يقال ضغن صدر فلان ضغنا و ضغنا. و فتاة‌

35

ضغنة: عوجاء. و يقال ضغن فلان الى الدنيا: ركن و مال، و ضغنى الى فلان أى ميلى اليه. و الّذى دلّ على ما ذكرناه من تغطية الشي‌ء: قولهم إنّ الاضطغان:

الاشتمال بالثوب.

التهذيب 8/ 11- قال الليث: الضغن: الحقد، و كذلك الضغينة، و الضغن في الدابّة: التواؤه و عسره. و في النوادر: هذا ضغن الجبل و إبطه: بمعنى واحد. أبو زيد: ضغن الرجل يضغن ضغنا و ضغنا: إذا وغر صدره و دوى. و ضغن فلان الى الصلح إذا مال اليه، و امرأة ذات ضغن على زوجها إذا أبغضته.

مفر- الضغن و الضغن: الحقد الشديد، و جمعه أضغان.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو احتقان الغضب و إضماره في القلب، أى إدامة حالة البغضة و الغضب في الباطن.

و بهذه المناسبة: يقال فرس ضاغن، إذا أضمر بغضه و لم يجر، و عود ضاغن إذا اعوجّ. و ضغن اليه: إذا مال في حالة الإضمار اليه.

و الفرق بين المادّة و الحقد: أنّ الحقد يلاحظ فيه جهة الامتلاء، و الضغن يلاحظ فيه جهة الإضمار، يقال تحقّدت الناقة: امتلأت شحما.

و على أىّ حال: فهذه الحالة مذمومة منكرة جدّا.

. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللّٰهُ أَضْغٰانَهُمْ- 47/ 29.

. وَ لٰا يَسْئَلْكُمْ أَمْوٰالَكُمْ إِنْ يَسْئَلْكُمُوهٰا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَ يُخْرِجْ أَضْغٰانَكُمْ- 47/ 37.

أى البغضة المستسرّة في الباطن، و يظهر هذا البغض المخبىّ في قلوبهم إذا واجهوا بخسارات دنيويّة و انفاقات ماليّة، فلا يستطيعون أن يتحمّلوها تعلّقا بالدنيا و حبّا لها.

و الإحفاء: ترك التعلّق و ظهور الخلوص. و الضمير في- يخرج: راجع الى اللّه تعالى، كما في الآية الاولى.

و ذكر الضغن: اشارة الى وجود البغض للرسول و الإسلام في بواطنهم، و‌

36

هذا مرض خاصّ و في رأس كلّ مرض.

فظهر لطف التعبير بالضغن دون سائر الصفات الذميمة، و دون كلمة الحقد، فانّ النظر الى جهة الإضمار و الإخفاء.

ضفدع

مصبا- الضفدع: بكسرتين، الذكر، و الضفدعة الأنثى، و منهم من يفتح الدال، و أنكره الخليل و جماعة، و قالوا الكلام فيها كسر الدال، و الجمع الضفادع، و ربّما قالوا الضفادى على البدل، كما قالوا الأرانى في الأرانب.

لسا- الضفدع: مثال الخنصر، و الضفدع: معروف: لغتان فصيحتان. و الأنثى ضفدعة و ضفدعة. و ناس يقولون ضفدع، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل الّا أربعة أحرف- درهم و هجرع و هبلع و قلعم. و ضفدع الرجل: تقبّض، و قيل سلح، و قيل ضرط.

حياة الحيوان- الضفدع: توصف بحدّة السمع إذا تركت النقيق و كانت خارج الماء، و متى دخل الماء في فيه لا تنقّ. و الثعبان يستدلّ بصياح- الضفدع عليه، فيأتى على صياحه فيأكله. و يعرض لبعض الضفادع مثل ما يعرض لبعض الوحوش من رؤية النار حيرة إذا رأتها، فإذا أبصرت النار سكتت.

و التحقيق

أنّ الكلمة اسم رباعىّ، يطلق على حيوان يقال له بالفارسيّة- غورباغه، و هو من الحيوانات البرّمائيّة، تضع بيضها في الماء، و يخرج منها حيوان دقيق و يتنفّس بخياشيمه، حتى تتكوّن في داخله رئتان و يتنفّس بهما، ثمّ يترك الماء و يتنفّس بهما و بجلده.

. فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمُ الطُّوفٰانَ وَ الْجَرٰادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفٰادِعَ وَ الدَّمَ آيٰاتٍ مُفَصَّلٰاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا- 7/ 132 إشارة الى ما نزل من أنواع العذاب على آل فرعون و القبطيّين، الى أن اغرقوا في اليمّ.

37

و منها شيوع الضفادع و كثرتها بحيث لم يبق بيت و لا محلّ منهم الّا و فيه ضفدع، و قد أشكل عليهم العيش و النوم و الأكل.

ضلّ

مقا- ضلّ: أصل صحيح يدلّ على معنى واحد و هو ضياع الشي‌ء و ذهابه في غير حقّه. يقال ضلّ يضلّ و يضلّ، لغتان. و كلّ جائر عن الحقّ و القصد ضالّ.

و الضلال و الضلالة: بمعنى. و رجل ضلّيل و مضلّل: إذا كان صاحب ضلال و باطل. و ممّا يدلّ على أنّ أصل الضلال ما ذكرناه قولهم أضلّ الميّت، إذا دفن، و ذاك كأنّه شي‌ء قد ضاع. و يقولون: ضلّ اللبن في الماء، ثمّ يقولون استهلك. قال ابن السكّيت: يقال أضللت بعيري، إذا ذهب منك، و ضللت المسجد و الدار، إذا لم تهتد لهما. و كذلك كلّ شي‌ء مقيم لا يهتدى له، و يقال أرض مضلّة و مضلّة.

مصبا- ضلّ الرجل الطريق و ضلّ عنه يضلّ من باب ضرب ضلالا و ضلالة: زلّ عنه و لم يهتد اليه، فهو ضالّ. هذه لغة نجد و هي الفصحى، و بها جاء القرآن، و في لغة لأهل العالية من باب تعب. و الأصل في الضلال الغيبة، و منه قيل للحيوان الضائع: ضالّة للذكر و الأنثى، و الجمع الضوالّ، و يقال لغير الحيوان ضائع و لقطة. و ضلّ البعير: غاب و خفى موضعه. و أضللته: فقدته. قال الأزهرىّ:

و أضللت الشي‌ء: إذا ضاع منك فلم تعرف موضعه، كالدابّة و الناقة و ما أشبههما، فان أخطات موضع الشي‌ء الثابت كالدار: قلت ضللته و ضللته. قال ابن الأعرابىّ:

أضلّنى كذا: إذا عجزت عنه فلم تقدر عليه.

التهذيب 11/ 463- يقال: أضللت الشي‌ء، إذا ضاع منك، و إذا أخطأت موضع الشي‌ء الثابت مثل الدار قلت ضللته و لا تقل أضللته. قلت: و الإضلال في كلام العرب ضدّ الهداية و الإرشاد، يقال أضللت فلانا، إذا وجّهته للضلال عن الطريق. و قال أبو عمرو: يقال ضللت بعيري إذا كان معقولا فلم تهتد لمكانه، و أضللته إذا كان مطلقا، فذهب و لا تدرى أين أخذ، و كلّما كان الضلال من قبلك قلت ضللته، و ما جاء من المفعول به قلت أضللته. و قال أصل الضلال الغيبوبة.

38

مفر- الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، و يضادّه الهداية، و يقال الضلال لكلّ عدول عن المنهج عمدا كان أو يسيرا كان أو كثيرا.

صحا- ضلّ الشي‌ء يضلّ ضلالا: ضاع و هلك، و الاسم الضلّ و منه ضلّ بن ضلّ، إذا كان لا يعرف و لا يعرف أبوه، و كذلك الضلال بن التلال، و الضالّة: ما ضلّ من البهيمة، للذكر و الأنثى.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو ما يقابل الاهتداء، فالضلال هو عدم الاهتداء، و الإضلال هو فقدان الهداية، أى جعل شي‌ء ضالّا فالضلال: فقدان الرشاد و الدلالة الى المقصود، سواء كان في جهة مادّيّة أو معنويّة.

و من لوازم هذا الأصل: الخطأ، الذهاب في غير حقّه، العدول عن الطريق، الضياع، الغيبوبة، و غيرها.

فانّ هذه الأمور تتحقّق في أثر عدم حصول الاهتداء الى المقصود، كما أنّ الدفن خلاف المسير و الحركة الى المقاصد الدنيويّة، و خلط الماء في اللبن على خلاف استمرار الحالة اللبنيّة و خلوصها.

و قلنا إنّ الضلال هو فقدان الاهتداء الى المقصود، و هو أعمّ من أن يكون في حقّ أو باطل، فانّ مطلوب كلّ شخص بحسب نظره.

فالحقّ كما في:

. وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالًا بَعِيداً- 4/ 116. وَ مَنْ يَعْصِ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالًا مُبِيناً- 33/ 36 و الباطل كما في:

. قٰالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّٰا لَنَرٰاكَ فِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ- 7/ 60. إِنَّ أَبٰانٰا لَفِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ- 12/ 8 فتفسير المادّة بالانحراف عن الحقّ: في غير محلّه.

و يدلّ على كون الأصل في قبال الاهتداء- قوله تعالى. مَنِ اهْتَدىٰ فَإِنَّمٰا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمٰا يَضِلُّ عَلَيْهٰا*- 10/ 108‌

39

. قُلْ لٰا أَتَّبِعُ أَهْوٰاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ- 6/ 56. أُولٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ*- 2/ 16 ثمّ إنّ الضلال إمّا في الاعتقاد كما في:

. وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ السَّبِيلِ- 2/ 108. وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللّٰهِ وَ مَلٰائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰالًا بَعِيداً- 4/ 136 و إمّا في الصفات الباطنيّة كما في:

. فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّٰهِ أُولٰئِكَ فِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ- 39/ 22. وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ- 28/ 50 و إمّا في الأعمال كما في:

. وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوٰاءَ السَّبِيلِ- 60/ 1. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ- 47/ 8 و في الضلال المطلق العامّ كما في:

. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبٰادَكَ- 71/ 27. وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ*- 62/ 2 و أمّا الضلال في التكوين و الخلق: فغير ممكن، فانّ التكوين من اللّه تعالى و من مظاهر قدرته التامّة، فلا يمكن فيها الضلال، و لا يتصوّر فيها الانحراف و النقص- كما قال اللّه تعالى:

. رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ- 20/ 50.

. سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّٰى- 87/ 2. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ- 95/ 4 و أمّا الإضلال من اللّه العزيز في طول الحياة بعد التكوين: فهو نوع من التعذيب و الأخذ و المجازاة، و إنّما يتحقّق بعد الكفر و الكفران و البغي و العصيان، كما في قوله تعالى:

. كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ الْكٰافِرِينَ- 40/ 74. يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفٰاسِقِينَ- 2/ 26‌

40

. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ- 47/ 8 فالهداية من اللّه تعالى بمقتضى بسط الرحمة و الفيض، و في امتداد التكوين و الخلق و التدبير و اللطف، فهي واقعة في النظم و الجريان و على الفطرة الّتى فطر الناس عليها-. وَ كَفىٰ بِرَبِّكَ هٰادِياً وَ نَصِيراً- 25/ 31. وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً- 16/ 89 و هذا بخلاف الضلالة: فانّها على خلاف الفطرة و بسط الرحمة، فتحتاج الى حادثة عرضيّة، و كذلك الإضلال:

. فَرِيقاً هَدىٰ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلٰالَةُ- 7/ 30. قُلْ مَنْ كٰانَ فِي الضَّلٰالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمٰنُ مَدًّا- 19/ 75. يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفٰاسِقِينَ- 2/ 26. قُلْ إِنَّ اللّٰهَ يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنٰابَ- 13/ 27 فانّ اللّه عزّ و جلّ له الحكومة و المالكيّة المطلقة و الاختيار التامّ و القدرة الكاملة، و لا يمكن أن يكون محدودا و مقيّدا بحدود خارجيّة أو بقيود عارضيّة.

و أمّا التقيّد بالتدبير و الحكمة و العدل و الميزان الحقّ و الخير و الصلاح:

فانّما مرجعها الى نفى الصفات السلبيّة، من الفقر و الضعف و الحاجة و الحدّ و النقص و أمثالها، فانّه تعالى لا يتّصف بهذه الصفات، و لا يمكن في حقّه فقر أو ضعف أو ظلم أو محدوديّة و الّا فهو ممكن مخلوق.

ضمر

مصبا- ضمر الفرس ضمورا من باب قعد، و ضمر ضمرا من باب قرب:

دقّ و قلّ لحمه. و ضمرته و أضمرته: أعددته للسباق، و هو أن تعلفه قوتا بعد السمن، فهو ضامر، و خيل ضامرة و ضوامر، و المضمار: الموضع الّذي تضمّر فيه الخيل. و ضمير الإنسان: قلبه و باطنه، و الجمع ضمائر. و أضمر في ضميره شيئا: عزم عليه بقلبه. و الضميران: الريحان الفارسي.

مقا- ضمر: أصلان صحيحان، أحدهما يدلّ على دقّة في الشي‌ء، و الآخر‌

41

يدلّ على غيبة و تستّر. فالأوّل قولهم ضمر الفرس و غيره ضمورا، و ذلك من خفة اللحم، و قد يكون من الهزال، و يقال للموضع الّذى تضمرّ فيه الخيل المضار. و رجل ضمر: خفيف الجسم. و الآخر الضمار و هو المال الغائب الّذى لا يرجى، و كلّ شي‌ء غاب عنك فلا تكون منه على ثقة فهو ضمار. و من هذا الباب أضمرت في ضميري شيئا.

الاشتقاق 170- و اشتقاق ضمرة من شيئين: إمّا من قولهم- بعير ضمر، إذا كان صلبا شديدا، أو من الضمور، كأنّه ضمرة من ضمر الفرس يضمر ضمورا، و ضمّرته تضميرا. و الضمار ضدّ العيان و هو ما أضمره الإنسان، و قد سمّوا ضمرة و ضميرا.

التهذيب 12/ 36- عن حذيفة: اليوم مضمار و غدا السباق، و السابق من سبق الى الجنّة. و قال الليث: الضمر من الهزال و لحوق البطن، و قضيب ضامر، و قد انضمر: إذا ذهب ماؤه. و المضار: موضع تضمّر فيه الخيل. قلت: و قد يكون المضمار وقتا للأيام الّتى تضمّر فيها الخيل للسباق أو للركض الى العدوّ، و تضميرها أن تشدّ عليها سروجها و تجلّل بالأجلّة حتّى تعرق تحتها فيذهب رهلها و يشتدّ لحمها، و يحمل عليها غلمان خفاف يجرونها و لا يعنّفون بها، فإذا ضمرّت و اشتدّت لحومها أمن عليها القطع عند حضرها، فذلك التضمير الّذى تعرفه العرب. و قال الليث: الضمر الشي‌ء الّذى تضمره في ضمير قلبك. و الضمر: المهضّم البطن.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الدقيق الصلب من كلّ شي‌ء بحيث يذهب و يزول عنه الزوائد و اللواحق الّتى توجب تثاقله.

و من مصاديقه: الفرس الضامر، و الرجل الضمر، و القضيب الضامر، و ما أضمرت في قلبك من شي‌ء دقيق صلب في نفسه أو بالإضمار، و المضمار مفعال:

مقدار من الزمان أو المكان يتوسّل فيه لتضمير الفرس.

. وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ- 22/ 28.

الرجال جمع راجل كالقيام و القائم. و كلّ ضامر: يشمل كلّ نوع أو فرد‌

42

من البعير و الفرس و غيرهما.

و التعبير بالمركوب الضامر: اشارة الى لزوم كون المركوب قويّا و شديدا صلبا خفيف الجسم، ليصحّ الاعتماد و السكون عليه. و كلّما كان الطريق بعيدا فيه أودية و جبال: يلزم رعاية هذه الحيثيّة أزيد.

ضمّ

مقا- أصل واحد يدلّ على ملاءمة بين شيئين، يقال ضممت الشي‌ء الى الشي‌ء فأنا أضمّه ضمّا. و هذه إضمامة من خيل، أى جماعة. و فرس سبّاق الأضاميم، أى الجماعات. و إضمامة من كتب مثل إضبارة.

صحا- ضممت الشي‌ء الى الشي‌ء فانضمّ اليه، و ضامّه، و تضامّ القوم:

إذا انضمّ بعضهم الى بعض. و اضطمّت عليه الضلوع، أى اشتملت. و الضمام: ما تضمّ به شيئا الى شي‌ء. و أسد ضماضم: يضمّ كلّ شي‌ء. و الضمضم: مثله، و رجل ضمضم: غضبان.

التهذيب 11/ 481- ضممت هذا الى هذا، فأنا ضامّ، و هو مضموم، و ضاممت فلانا، إذا أقمت معه في أمر واحد. و الإضمامة: جماعة من الناس ليس أصلهم واحدا و لكنّهم لفيف، و الجمع الأضاميم، و الضماضم: من أسماء الأسد، و ضمضمته صوته. و الضمّ و الضمام الداهية الشديدة. و العرب تقول للداهيّة: صمىّ صمام، و أحسب الليث أو غيره صحّفوه فجعلوا الصاد ضادا. و قال أبو زيد: الضماضم: الكثير الأكل الّذى لا يشبع.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة هو تقريب الشي‌ء الى شي‌ء آخر بحيث يقرب من الوصل، و لا يعتبر فيه اللصوق و الاتّصال، فالاتّصال أشدّ ضمّا، كما أنّ اللصوق أشدّ من الوصل.

و يعتبر فيها اختلاف النوع غالبا، بخلاف الوصل و اللصوق، فلا يقال بعد الانضمام، إنّ الشيئين شي‌ء واحد.

و أيضا يلاحظ في الضمّ: الجانب الواحد، فالنظر الى أحد الطرفين، أى‌

43

ضمّ شي‌ء الى آخر أقوى منه- راجع السرد.

. وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلىٰ جَنٰاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضٰاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ- 20/ 22. وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَنٰاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ- 28/ 32 اليد تدلّ على القدرة و هي مظهر القدرة. و الجناح من أصل التمايل و يطلق على ما به تمايل أو فيه تمايل كيد الإنسان و جانحته و هي الضلع المنحنى و جناح الطائر، و الرهب استمرار الخوف، و الضمّ خلاف البسط.

ففي التعبير بضمّ اليد اشارة الى جمع صولة القدرة و كسرها بإظهار حالة التحقّر و التذلّل، و إفناء النفسانيّة و الأنانيّة.

و المراد وضع اليد تحت عضد بحيث تقرب منها، ثمّ ضمّ الجناح و هو اليد الى البدن، بأن لا تكون باسطة القدرة و عاملة، بل متوقّفة ساكنة مقبوضة، كالعبد المطيع المتذلّل.

و لا تخالف بين الآية و بين آية-. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضٰاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَنٰاحَكَ- فانّ إدخال اليد الى الجيب انّما هو بتقريبها الى العضد من تحت القميص و اللباس، لأنّ النظر الى تحقّق حالة الخضوع و الانكسار و التذلّل.

و يدلّ على هذا المعنى: التعبير بكلمة- اسلك فيه، دون- اضمم، فانّ السلوك من الجيب و في الجيب هو التسيير فيه، لا الضمّ اليه.

و في الأمر بالضمّ الى الجناح إرشاد الى أنّ حقيقة الكمال و البلوغ الى القدرة و القوّة و الظفر: انّما تحصل بكسر الأنانيّة و إفنائها، فانّ هذا المورد و ان كان آية و معجزة من الربّ. فَذٰانِكَ بُرْهٰانٰانِ مِنْ رَبِّكَ الّا انّها قد ظهرت بهذه الصورة أيضا، ليعلم أنّ المسير الطبيعي للظفر و الفتوح هو هذا الطريق.

ضنك

مقا- ضنك: أصلان صحيحان و إن قلّ فروعهما. فالأوّل- الضيق، و الآخر- مرض. فالأوّل- الضنك الضيق، و من الباب امرأة ضناك: مكتنزة اللحم، إذا اكتنز تضاغط و الأصل الآخر- المضنوك: المزكوم، و الضناك:

الزكام.

44

لسا- الضنك: الضيّق من كلّ شي‌ء، الذكر و الأنثى فيه سواء، و كلّ عيش من غير حلّ ضنك و إن كان واسعا. قال أبو اسحق: الضنك: أصله في اللغة الضيق و الشدّة. و ضنك الشي‌ء ضنكا و ضناكة و ضنوكة: ضاق. و ضنك الرجل ضناكة، فهو ضنيك: ضعف في جسمه و نفسه و رأيه و عقله. و الضنكة و الضناك:

الزكام، و قد ضنك فهو مضنوك: إذا زكم. و الضناك: الموثّق الخلق الشديد، يكون ذلك في الناس و الإبل. و الضناك: المرأة الضخمة. و ناقة ضناك: غليظة المؤخّر.

أسا- ضنك عيشه يضنك ضنكا، و ضنكه اللّه يضنكه، و هو في ضنك من العيش، و عيشة ضنك، وصف بالمصدر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الشدّة في المضيقة مادّيّة أو معنويّة. و من مصاديقه الزكام الموجب لنزول الفضولات المائعة من الدماغ قهرا و من دون أن يمكن الاحتباس و الدفع، إمّا بسبب وصول حرارة أو برودة شديدتين، و هذا يحدث مضيقة شديدة في حال المزاج و المعيشة. و منها- اكتناز اللحم و امتلاؤه بحيث يوجب مرضا و شدّة في العمل و الحركة و تضاغطا في المزاج.

. وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ- 20/ 124.

يراد شدة الضيق في الماديّات و من جهة الروحانية، فانّ من أعرض عن التذكّر و التوجّه الى اللّه تعالى: فهو منقطع عنه تعالى و متقطّع ارتباطه عنه، منفصل عيشه عن المراحل الروحانيّة، فلا بدّ انّه يعيش في محدودة المادّة، مقيّدا بقيودها، و محدودا بحدودها الوافرة، ليس له من وسع عوالم الروحانيّة نصيب، و لا من الفيوضات الرحمانيّة حظّ، فانّ عالم المادّة إذا انقطع عن الروحانيّة: يكون كالجسد بلا روح، فهو في غاية الشدّة و المضيقة و المحدوديّة.

فكما أنّ البدن المنقطع عنه الروح، ميّت لا عيش له و لا انبساط فيه:

كذلك المعيشة إذا انقطعت عن الحياة الروحانيّة، تكون في غاية المحدوديّة و‌

45

المضيقة الشديدة الدنيويّة، منقطعة عن الالتذاذات المعنويّة و محرومة عن التوجّهات و الالطاف الغيبيّة.

ضنّ

مقا- ضنّ: أصل صحيح يدلّ على بخل بالشي‌ء يقال ضننت بالشي‌ء أضنّ به ضنّا و ضنانة، و رجل ضنين. و هذا عرق مضنّة و مضنّة: إذا كان نفيسا يضنّ به. و فلان ضنىّ من بين إخوانى، إذا كان النفيس الّذي يضنّ به.

مصبا- ضنّ يضنّ من باب تعب، ضنّا و ضنّة و ضنانة: بخل فهو ضنين، و من باب ضرب لغة.

التهذيب 11/ 467- قال الليث: الضنّ و الضنّة و المضنّة: كلّ ذلك من الإمساك و البخل-. مٰا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ- أى يؤدّى عن اللّه و يعلّم كتاب اللّه. و قرئ- بظنين. و يقال: اضطنّ يضطنّ، و في الأصل: اضتن.

الفروق 144- الفرق بين البخل و بين الضنّ: أنّ الضنّ أصله أن يكون بالعوارى، و البخل بالهبات، و لهذا تقول هو ضنين بعلمه، و لا يقال بخيل بعلمه، لأنّ العلم أشبه بالعارية منه بالهبة، و ذلك أنّ الواهب إذا وهب شيئا خرج من ملكه، و إذا أعار لم يخرج، فأشبه العلم العارية.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الإمساك عمّا يكون نفيسا في نظره و له أهميّة عنده، كما في العلم و الرفيق الخاصّ و الأخ الصالح و المال المخصوص له و وسائل معيشته.

و على هذا يقال إنّه مخصوص بالعوارى، فانّ العارية انّما هي فيما يختصّ به، و له اهتمام في ضبطه و حفظه.

و سبق في الشحّ انّه البخل الثابت في القلب، و البخل أعمّ منهما.

. وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَ مٰا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ- 81/ 24 أى ليس له أن يمسك ممّا يراه في الغيب، و أن لا يظهره.

و التعبير بقوله- على الغيب، دون بالغيب: فانّ الضنّة ليست متعلّقة به بل‌

46

واقعة عليه و متعلّقة بما فيه من العلم و الوحى و الشهود الواقعة في عوالم الغيب.

و الرسول لازم أن يكون أمينا، كما فيما قبل الآية الكريمة-. مُطٰاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ- و الأمانة تقتضي أن لا يرى منه شي‌ء زائد-. وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ ...،. إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ. و لا شي‌ء متروك يضنّ به، و إن كان نفيسا متعاليا، كالعلوم و المعارف الحقّة.

ضهئ

مقا- أصل صحيح يدلّ على مشابهة شي‌ء لشي‌ء يقال ضاهاه يضاهيه:

إذا شاكله، و ربّما همز فقيل يضاهئ، و المرأة الضحياء: هي الّتى لا تحيض، فيجوز على تمحّل و استكراه أن يقال كأنّها قد ضاهت الرجال فلم تحض.

مصبا- ضاهأه مضاهأة مهموز: عارضه و باراه. و يجوز التخفيف فيقال ضاهيته مضاهاة، و قرئ بهما، و هي مشاكلة الشي‌ء بالشي‌ء، و في حديث- أشدّ الناس عذابا يوم القيامة الّذين يضاهون خلق اللّه أى يعارضون بما يعملون- أى المصوّرون.

لسا- الليث: المضاهاة: مشاكلة الشي‌ء بالشي‌ء، و ربّما همزّوا فيه. و فلان ضهىّ فلان: نظيره و شبيهه. قال الفرّاء:. يُضٰاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا- أى يضارعون قولهم لقولهم اللات و العزّى. و قال أبو اسحق: أى يشابهون في قولهم هذا قول من تقدّم اتّباعا لهم، و قبلوا منهم إنّ المسيح و العزيز ابنا اللّه، قال و اشتقاقه من قولهم- امرأة ضهيأ، و هي الّتى لا يظهر لها ثدي، و قيل هي الّتى لا تحيض، فكأنّها رجل. و قال ابن سيده: الضهيأ و الضهياء من النساء: الّتى لا تحيض و لا ينبت ثدياها و لا تحمل. و حكى أبو عمرو: امرأة ضهياء و ضهياه، و هذا يقتضى أن يكون الضهيا مقصورا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو المعارضة في عمل أو قول، و يلازم هذا المعنى المشابهة في ذلك العمل.

و يدلّ على الأصل قول بعضهم إنّ المضاهاة بمعنى المباراة و المعارضة.

و قولهم في الحديث- الذين يضاهون خلق الله- أى يعارضون بما يعملون من‌

47

التصوير.

و بهذه المناسبة تطلق الضهياء على امرأة تبارى الرجل في بعض صفاته و أعماله من عدم ظهور الثدي و الحيض و الولادة فيها، فكأنّها قد تعارض الرجال.

و هكذا تطلق على أرض لم تنبت نباتا، فكأنّها بائرة.

. وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ، الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوٰاهِهِمْ يُضٰاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ- 9/ 31.

أى هؤلاء اليهود و النصارى مع أنّهم من أهل الكتاب و الدين و لهم سابقة في التوحيد و الايمان يعارضون الكفّار و يسابقونهم في قول الكفر و الشرك.

و هذا التعبير أشدّ و آكد في توبيخهم و قدحهم من التعبير بالمشابهة، و بهذا يظهر لطف التعبير بها دون المشابهة و المماثلة.

و ظهر أيضا: أنّ المبارة منهم في قبال قول الكفّار بالشرك، فانّهم بيارون ذلك القول، لا الكفّار أنفسهم.

و لا يخفى أن المادّة إذا كانت بمعنى المشابهة: فيلزم التعبير في المورد بهذا البيان- انّما يضاهي قولهم قول الكفّار، أو إنّما يضاهؤن الكفّار، و لا يصحّ المشابهة بينهم و بين القول.

ضوء

مقا- أصل صحيح يدلّ على نور، من ذلك الضوء و الضوء بمعنى، و هو الضياء و النور. قال أبو عبيد: أضاءت النار، و أضاءت غيرها.

مصبا- أضاء القمر إضاءة: أنار و أشرق، و الاسم الضياء، و قد تهمّز الياء، و ضاء ضوءا من باب قال: لغة فيه. و يكون أضاء لازما و متعدّيا، يقال أضاء الشي‌ء و أضاءه غيره.

التهذيب 12/ 96- قال الليث: الضوء و الضياء: ما أضاء لك. و قال الزجّاج: يقال ضاء السراج يضوء و أضاء يضي‌ء، و اللغة الثانية هي المختارة. و قال الليث: ضوّأت عن الأمر تضوئة: أى حدت. قلت: و لم أسمع بهذا المعنى.

48

كلّيات- الضياء: هو جمع ضوء كسوط و سياط، أو مصدر، كقام قياما. و اختلف في أنّ الشعاع الفائض من الشمس جسم أو عرض، و الحقّ أنّه عرض، و هو كيفيّة مخصوصة، و النور اسم لأصل هذه الكيفيّة، و إذا كانت كاملة تامّة قويّة:

فهي ضياء، و لهذا أضيف الى الشمس، و النور الى القمر، فالضوء أتمّ منه، و النور أعمّ منه، إذا يقال على القليل و الكثير.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو جهة الإشراق و الأشعّة المنتشرة من النور، فانّ النظر في النور الى نفس النور من حيث هو، و في الضوء الى جهة إشراقه، كما أنّ الإشراق هو طلوع مع الإضاءة، فالنور أعمّ من أن يكون فيه إضاءة أيضا أم لا.

ثمّ إنّ الحرارة و النور انّما يتحصّلان من تموّج و اهتزاز شديد في ذرّات الجسم، و ينتقل هذا الاهتزاز الشديد الى المحيط الخارج، و الضوء هو انبساط ذلك النور إذا بلغ الى حدّ تامّ شديد.

ثمّ إنّ النور إمّا محسوس و في المادّة، أو معقول معنوىّ، و المعنوىّ يستعمل مرادا به الجوهر، فانّ النور الحقيقي هو حقيقة الوجود، و قد يستعمل في موارد الاضاءة و الآثار المتحصّلة من النور، فيكون عرضا.

و أمّا الضوء: فهو من الأعراض، إلّا أن يراد منه الإشراق الروحانىّ التكوينىّ، فيكون جوهرا في ذلك المورد.

و أمّا عرضيّة النور: فهل هو من الكيفيّات المحسوسة، أو من أقسام الاستعداديّة أو من أن يفعل و ينفعل: فكلّ باعتبار.

فالاضاءة في النار كما في:

. كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نٰاراً فَلَمّٰا أَضٰاءَتْ مٰا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّٰهُ بِنُورِهِمْ- 2/ 17 فالإضاءة إنّما تتحصّل من النور، و النور من النار و الحرارة، فإذا انتفى النور ينتفي الاضاءة.

و الإضاءة في البرق:

49

. يَكٰادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصٰارَهُمْ كُلَّمٰا أَضٰاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ- 2/ 20 و في المطلق:

. إِنْ جَعَلَ اللّٰهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ مَنْ إِلٰهٌ غَيْرُ اللّٰهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيٰاءٍ- 28/ 71.

فالليل يقابل الضياء، فانّ الليل هو انبساط الظلمة، و الظلمة في مقابل النور-. يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ* ...،. أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمٰاتُ وَ النُّورُ ...،. وَ جَعَلَ الظُّلُمٰاتِ وَ النُّورَ.

و في الإضاءة المعنوىّ:

. وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسىٰ وَ هٰارُونَ الْفُرْقٰانَ وَ ضِيٰاءً وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ- 21/ 48 أى آتيناهما هذه المعاني ليستفيد منها المتّقون الّذين يتّقون عن الباطل و يبتغون الخروج عن محيط الظلمة الى الضياء و يريدون السلوك في مسير ذكر اللّه.

و هذه الأمور الثلاث مراحل مرتّبة في مبادي السلوك، و هي الّتى يلزم للمتّقى أن يجعلها في برنامج سيره و عمله.

. هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيٰاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً- 10/ 5 فانّ الشمس ممحّضة للاضاءة و بسط النور حتّى يتحصّل زمان النهار بعد الليل، و هذا بخلاف القمر، فانّ الملحوظ فيه مطلق وجود النور فيه، لرفع الاحتياجات الضروريّة و يتحقّق زمان الليل.

و التعبير به: فانّ النظر في المقام الى حصول الضياء، و كأنّ الشمس نفسها ضياء و مظهر للضياء، و هو المطلوب في تحقّق النهاريّة، كما أنّ المطلوب اللازم في الليل و ظلمتها مطلق وجود نور بالإجمال.

ثمّ إنّ الضياء كما أنّه وسيلة لتحصيل المعاش المادّىّ-. وَ جَعَلْنَا النَّهٰارَ مَعٰاشاً: كذلك الضياء الروحانىّ وسيلة تحصيل المعاش المعنوىّ الّذى هو المقصود الأصيل في حياة الإنسان، و هو الّذى ينتج سعادة أبديّة، و سعة في الحياة.

قال رسول اللّه ص: ألّلهمّ لا عيش الّا عيش الآخرة.

ضير

مقا- ضير: كلمة واحدة، و هو من الضير و المضرّة، و لا يضيرنى كذا،

50

أى لا يضرّنى.

التهذيب 12/ 57- ابن السكّيت: ضارنى يضيرنى و يضورنى ضيرا. عن الفرّاء: قرء بعضهم- لا يضركم كيدهم شيئا- يجعله من الضير. قالوا لا ضير إنّا الى ربّنا منقلبون- أى لا ضرّ. و عن الفرّاء: الضورة من الرجال: الحقير الصغير الشأن. و عن ابن الأعرابىّ: الضورة: الضعيف من الرجال، و الضورة: الجوعة.

لسا- ضير: ضاره ضيرا: ضرّه. و يقال ضارنى يضيرنى و ضارنى يضورنى ضورا. و يقال لا ضير و لا ضور و لا ضرّ و لا ضرر و لا ضارورة: بمعنى واحد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الضرر الليّن الخافت، و ذلك بمقتضى حرف اللين، فانّ الأصل في المادّة هو الضرّ مشدّدا، و هو يدلّ على الشدّة و الظهور.

و أمّا الضور واويا: فهو أيضا قريب من الضرّ، و بينهما اشتقاق و معناه الضرر و التضرّر المتوسّط، و بهذه المناسبة يطلق على من أصابه حقارة أو صغارة أو ضعف أو جوع و غيرها.

و قد اختلط مفاهيم هذه الموادّ في المعاجم، فتنبّه.

. لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ* .... قٰالُوا لٰا ضَيْرَ إِنّٰا إِلىٰ رَبِّنٰا مُنْقَلِبُونَ 26/ 50 التعبير بالضير دون الضرّ: اشارة الى أنّ هذا الشرّ المتوجّه خفيف و خافت يسير، في قبال ما يصل من مواجهة الحقّ و دركه، و في قبال تحقّق السير و الانقلاب الى الربّ الّذى بيده التربية، فانّه كمال الخير و السعادة و النفع.

ضيز

مقا- ضيز: و أصله فيما يقال الواو، و قد قيل انّه من بنات الياء، فلذلك ذكرناه هاهنا فالقسمة الضيزى: الناقصة، يقال ضزته حقّه: إذا منعته.

ضوز: أصلان صحيحان، أحدهما- نوع من الأكل. و الآخر- دالّ على‌

51

الاعوجاج. فالأوّل- ضاز التمر يضوزه ضوزا: إذا أكله بجفاء و شدّة. و الأصل الآخر- القسمة الضيزى.

التهذيب 12/ 52- عن الفرّاء في قسمة ضيزى: أى جائرة، و القرّاء جميعهم على ترك الهمز، و من العرب من يقول- ضئزى و ضؤزى. و ضيزى فعلى، و ان رأيت أوّلها مكسورا و هي مثل بيض و عين، كان أوّلها مضموما، فكرهوا أن يترك على ضمّه. و عن ابن السكّيت: ضزته حقّه، أى نقصته. و قال أبو الهيثم: ضزت فلانا أضيز ضيزا: جرت عليه. و عن ابن الأعرابىّ: تقول العرب- قسمة ضؤزى و ضوزى و ضئزى و ضيزى، و معناها كلّها الجور.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الانحراف مع الاعوجاج، و بلحاظ هذا الأصل يفسّر بالجور أو النقص أو المنع، فانّ في كلّ من هذه المعاني مفهوم الانحراف عن الاعتدال و الميزان.

و الصحيح الحقّ على مقتضى اللفظ و المعنى: أنّ الواوىّ غير اليائىّ، نعم بينهما اشتقاق أكبر، و مفهوم أكل التمر انّما هو للواوىّ، مع وجود تناسب في ما بينه و بين الانحراف، فانّه اعوجاج في أكل.

. أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزىٰ- 53/ 23 أى قسمة منحرفة عن العدل، بأن تجعلون الذكر لكم، حيث تستنكفون عن الأنثى، و تكون الأنثى حصّة للّه و تنسبونها اليه.

و لا يبعد أن نقول: إنّ المادّة تدلّ ضمنا على ضرر ما، فانّ الضيز هو الضير (بمعنى الضرر الخافت) بتبديل الراء زاء، و الزاء من حروف الصفير، و يدلّ على اظهار في قبال الخفت و الشدّة، فتكون موادّ الضرّ و الضير و الضيز قريبة المعاني.

فيكون من مصاديق هذا المعنى أيضا: مفاهيم الجور و النقص و المنع و الاعوجاج و الانحراف، في موارد الضرر مع حفظ معناه.

ثمّ انّ وجود الضيزى في هذا الاقتسام: فأوّلا من جهة أنّهم يظنّون انكسارا و انحطاطا في مقام الأنثى، مع أنّ الفضيلة انّما تنشأ من التقوى، و لا فرق بين‌

52

الرجل و المرأة:

. أَنِّي لٰا أُضِيعُ عَمَلَ عٰامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ 3/ 195.

و ثانيا- من جهة نسبتهم الأنثى المنحطّة على ظنّهم: الى اللّه تعالى، و نسبة الذكر الى أنفسهم، و صيغة فعلى مقصورة: تدلّ على سعة المعنى و جريانه و بسطه.

ضيع

مقا- ضيع: أصل صحيح يدلّ على فوت الشي‌ء و ذهابه و هلاكه. يقال ضاع الشي‌ء يضيع ضياعا و ضيعة و أضعته أنا إضاعة، فأمّا تسميتهم العقار ضيعة:

فما أحسبها من اللغة الأصيلة، و أظنّه من محدث الكلام. و سمعت من يقول إنّما سمّيت بذلك إذا ترك تعهّدها ضاعت.

مصبا- ضاع، فهو ضائع، و الجمع ضيّع و ضياع، و يتعدّى بالهمزة و التضعيف فيقال أضاعه و ضيّعه. و الضيعة: العقار، و الجمع ضياع و قد يقال ضيع و كأنّه مقصور منه. و أضاع الرجل: كثرت ضياعه. و الضيعة: الحرفة و الصناعة، و منه كلّ رجل و ضيعته، و المضيعة: بمعنى الضياع مثل معيشة، و يجوز سكون الضاد و فتح الياء، و المراد بها المفازة المنقطعة، و قال ابن جنىّ: المضيعة:

الموضع الّذى يضيع فيه الإنسان، و منه ضاع إذا هلك.

التهذيب 3/ 71- ضاع الشي‌ء ضياعا، و ترك فلان عياله بمضيعة و مضيعة، و أضاع عياله و ماله و ضيّعهم إضاعة و تضييعا، فهو مضيع و مضيّع. و ضيعة الرجل: حرفته و صناعته و كسبه، يقال ما ضيعتك؟ أى حرفتك، و إذا انتشرت على الرجل أسبابه قيل فشت ضيعته حتّى لا يدرى بأيّها يبدء. و قال الليث: الضياع:

المنازل، سمّيت ضياعا لأنّها تضيع إذا ترك تعهّدها و عمارتها. و قال شمر: كانت ضيعة العرب سياسة الإبل و الغنم، و يدخل في الضيعة الحرفة و التجارة.

و التحقيق

53

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو انمحاء الصورة و النظم في شي‌ء و عدم ترتّب الأثر له بحيث يكون مهملا. و هذا هو الفرق بينها و بين موادّ: الفقدان و الموت و الفناء و الفوت و الهلاك و القتل و العدم: فانّ النظر في الموت الى انقطاع الحياة. و في الفناء الى خلاف البقاء. و في العدم الى ما يقابل الوجود.

و يلاحظ في الفقدان: جهة غيبة شي‌ء عن حضور شخص و علمه.

و في الفوت: خروجه عن السلطة و اليد، في قبال الإتيان.

و في الهلاك: فناء شي‌ء بالحوادث، في ذوى العقلاء أو ما يتعلّق بهم.

و في القتل: موت بيد غيره، فهو مقتول.

و في التلف: عدم حصول الفائدة المقصودة من الشي‌ء مطلقا.

فكلّ من هذه الموادّ لازم أن يستعمل في مورده المناسب.

. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضٰاعُوا الصَّلٰاةَ- 19/ 59. فَاسْتَجٰابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لٰا أُضِيعُ عَمَلَ عٰامِلٍ مِنْكُمْ- 3/ 195. وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ- 2/ 143 يراد محو الصورة و الخصوصيّة المؤثّرة في ترتب الأثر لصلاة أو عمل أو إيمان، حتّى تكون مهملة لا أثر لها.

. إِنّٰا لٰا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ- 7/ 170.

. وَ لٰا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ- 12/ 56. وَ أَنَّ اللّٰهَ لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ- 3/ 171 فالضياع أقلّ مرتبة من التلف و الفوت و المحو، فانّ عمد تحصّل الأثر و تحقّق الهمل أقلّ مرتبة من مفهوم الانمحاء المطلق، و هو أعمّ من الهلاك و الفناء و العدم و الموت.

فلا يتصوّر في مقام الجزاء و الحساب: أن يعرض أدنى مسامحة أو انمحاء أو تفريط، سواء كان في موضوع: كالايمان و العمل و الصلاة، أو محمول: كالأجر.

فليتوجّه الإنسان الى أنّ ما يظهر منه من عقيدة أو عمل أو جزاء مترتّب، كلّها محفوظ عند اللّه و مضبوط في عالم الحقّ-. لٰا يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لٰا كَبِيرَةً إِلّٰا أَحْصٰاهٰا- .... فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ.

54

فظهر لطف التعبير بالمادّة دون أخواتها، في هذه الآيات الكريمة.

ثمّ إنّ المفهوم من هذه الآيات: أنّ الايمان و اليقين و كيفيّة الاعتقاد و النيّة في الأعمال، منظورة و ملحوظة في مقام الحساب و الجزاء، فيجازى كلّ عمل على مقدار الايمان المتعلّق به، فانّ الايمان و الاعتقاد و هو روح العمل و باطنه و ميزانه-. وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ،. لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.

ضيف

مصبا- الضيف: معروف، و يطلق بلفظ الواحد على الواحد و غيره، لأنّه مصدر في الأصل، من ضافه ضيفا من باب باع: إذا نزل عنده، و يجوز المطابقة، فيقال ضيف و ضيفة و أضياف و ضيفان. و ضيّفته و أضفته: إذا أنزلته و قرّبته، و الاسم الضيافة. قال ثعلب: ضفته إذا نزلت به و أنت ضيف عنده، و أضفته إذا أنزلته عندك ضيفا. و أضفته إضافة و استضافنى فأضفته: استجارنى فأجرته. و أضافه الى الشي‌ء إضافة: ضمّه اليه و أماله. و الإضافة في اصطلاح النحويّين من هذا، لأنّ الأوّل يضمّ الى الثاني، و إن أريد اضافة مفردين فالأحسن إضافة الثاني الى ضمير الأوّل المضاف اليه، نحو غلام زيد و ثوبه، و يجوز أن يكون الأوّل مضافا في النيّة و الثاني في اللفظ، نحو غلام و ثوب زيد.

مقا- ضيف: أصل واحد صحيح يدلّ على ميل الشي‌ء الى الشي‌ء يقال أضفت الشي‌ء الى الشي‌ء: أملته. و ضافت الشمس تضيف: مالت و كذلك تضيّفت إذا مالت للغروب. و الضيف من هذا، يقال ضفت الرجل: تعرّضت له ليضيفنى. و أضفته: أنزلته علىّ، و يقال: ضيّفته مثل أضفته إذا أنزلته بك. و فلان يتضيّف الناس، إذا كان يتبعهم ليضيفوه، و يقال لناحية الوادي ضيف، و هما ضيفان، و تضايفنا الوادي: أتيناه من ضيفته. و يقال و تضيّفوه إذا اجتمعوا عليه من جوانبه.

مفر- أصل الضيف: الميل، يقال ضفت الى كذا، و أضفت كذا الى كذا، و الضيف: من مال اليك نازلا بك‌

55

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التمايل الى جانب بحيث يتحقّق خارجا، لا التمايل المطلق.

و بهذا اللحاظ يطلق على من يميل الى بيت شخص لبيتوتة عنده أو لأكل طعام. و ميل الشمس الى جانب المغرب في نظرنا. و ميل الوادي الى خارج من المسيل، و هو الناحية من الوادي. و تمايل الى ظلّ شخص و جواره ليتّقى به نفسه.

و في تمايل الى تكاسل و سقم ما، يقال ضافت المرأة إذا حاضت. و في تمايل كلمة الى اخرى كما في الإضافة المصطلحة. فمفهوم التمايل الى جانب لازم أن يلاحظ في كلّ منها.

. وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرٰاهِيمَ- 15/ 51.

. قٰالَ إِنَّ هٰؤُلٰاءِ ضَيْفِي فَلٰا تَفْضَحُونِ- 15/ 68. هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ- 51/ 24. وَ لَقَدْ رٰاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنٰا أَعْيُنَهُمْ- 54/ 37. فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ لٰا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي- 11/ 78 الآيات 2- 4- 5 مربوطة الى ضيف لوط (ع) و هم الملائكة رسل اللّه المأمورون بانزال العذاب، و هم جاءوا بصورة غلمان، و قلنا إنّ الأصل في المادّة: هو النزول بتمايل الى بيت شخص أو ظلّه لغرض، و هذا المعنى صادق عليهم.

ثمّ إنّ الضيف إذا نزل في بيت: يصير في عداد عائلة صاحب البيت فعليه إطعامه و إسكانه و تأمين ماله و نفسه. و ذلك بمقتضى مفهوم المادّة من الميل الى بيت شخص لغرض.

و أمّا تشكّل الملائكة بصورة الإنسان كما هو صريح هذه الآيات الخمس و غيرها: فقد سبق في- شهد: أنّ البدن البرزخىّ اللطيف (الملكوتي) هو تشكّل من خصوصيّات منطوية في الروح، و صورة من مكنوناته، و تجلىّ عمّا في باطنه، و هذه ضابطة جارية في عالم الملكوت.

و الملائكة إذا أرادت مصاحبة و مخالطة و مؤانسة مع عالم الإنسان فلا بدّ أن تهيّأ أنفسها و تستعدّ في ضمائرها و تلقّن الى قلوبها ما يختصّ بالإنسان و‌

56

بعالمه: و هذا المعنى يوجب تشكّلها بصورة الإنسان قهرا، فان الظاهر تابع للباطن، و الصورة مظهر للحقيقة، و لا بدّ من ائتلاف تامّ و ارتباط تكوينىّ كامل بين الظاهر و الباطن، و إلّا لحصل الخلاف و التفاوت بينهما-. مٰا تَرىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمٰنِ مِنْ تَفٰاوُتٍ.

و هذا حقيقة قوله تعالى:

. فَأَرْسَلْنٰا إِلَيْهٰا رُوحَنٰا فَتَمَثَّلَ لَهٰا بَشَراً سَوِيًّا- 19/ 17 فالتمثّل من آثار المرسليّة اليهم، فانّ الرسول لازم أن يكون متماثلا و مشابها بالّذين أرسل اليهم. كما صرّح بهذا في قوله عزّ و جلّ:

. وَ لَوْ جَعَلْنٰاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنٰاهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنٰا عَلَيْهِمْ مٰا يَلْبِسُونَ- 6/ 9 حتّى يكون متماثلا يوجب الانس معهم.

و. اسْتَطْعَمٰا أَهْلَهٰا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمٰا- 18/ 77 التضييف هو جعل شخص ضيفا، أى فلم يقبلوا أن يكونا ضيفين.

و هذا غاية الدناءة و نهاية تسفّل طبيعة الإنسان، بحيث يكون آبيا عن نزول الضيف، و هو الّذى يظهر التمايل الى النزول في بيته، و لا يكون له في الأغلب منجأ و لا ملجأ الّا اليه.

و الضيف الحقيقىّ هو المتمايل أوّلا الى النزول. و أمّا المدعوّ: فردّه خلاف العهد و الدعوة، مضافا الى إهانته.

ضيق

مقا- ضيق: كلمة واحدة تدلّ على خلاف السعة. و ذلك هو الضيق، و الضيقة: الفقر، يقال أضاق الرجل: ذهب ماله، و ضاق إذا بخل. و الضيق:

الضيّق. و الباب كلّه قياس واحد. و الضيقة من منازل القمر.

مصبا- ضاق الشي‌ء ضيقا من باب سار، و الاسم الضيق و هو خلاف اتّسع، فهو ضيّق، و ضاق صدره: حرج، فهو ضيّق أيضا إذا أريد به الثبوت، و إذا ذهب به مذهب الزمان قيل ضائق. و ضيّقت عليه تضييقا. و ضاق الرجل بمعنى بخل.

57

و ضاق بالأمر ذرعا: شقّ عليه، و الأصل ضاق ذرعه أى طاقته و قوّته، فاسند الفعل الى الشخص و نصب الزرع على التمييز، و قولهم ضاق المال عن الديون: مجاز، و كأنّه مأخوذ من هذا.

لسا- الضيق: نقيض السعة، ضاق الشي‌ء يضيق ضيقا و ضيقا، و تضيّق و تضايق و ضيّقه هو، و حكى ابن جنّى أضاقه، و هو أمر ضيّق، الضيق: الأمر الضيّق، و الضيق: المصدر، و المضايق جمع المضيق، و الضيق أيضا تخفيف الضيّق، و الضيق جمع الضيقة، و الضيقة و هي الفقر و سوء الحال.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل السعة، و هو أعمّ من أن يكون في مادّىّ أو معنوىّ، في مكان أو غيره، و قد مرّ في- رحب: إنّه سعة في محلّ- راجع الرخو.

فالضيق في المكان كما في:

. وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ- 9/ 25.

و في الصدر كما في:

. وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لٰا يَنْطَلِقُ لِسٰانِي- 26/ 13 و في التقدير و الإحاطة كما في:

. وَ لَمّٰا جٰاءَتْ رُسُلُنٰا لُوطاً سِي‌ءَ بِهِمْ وَ ضٰاقَ بِهِمْ ذَرْعاً- 11/ 77 و في النفس كما في:

. وَ ضٰاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ- 9/ 118 و في مطلق الأمر كما في:

. وَ لٰا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّٰا يَمْكُرُونَ- 27/ 70. وَ لٰا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ- 65/ 6 فتكون المضيقة إمّا من جهة المكان و محلّ التعيّش و إدامة الحياة، أو من جهة خصوصيّة ما يصدر من القلب و في مرتبة ظهور ممّا في القلب، بأن يكون في ضيق عند التصميم و الإرادة و اظهار النيّة، و امّا من جهة ما يواجهه من خلاف أو مكر من المخالفين، و إمّا في مرحلة التقدير و التدبير فيما يريد أن يعمله و في‌

58

كيفيّة العمل، أو في تحقّق اضطراب شديد و انقباض عميق في النفس من جهات مختلفة، بحيث لا يدرى الى أىّ طريق يتوجّه و بأى عمل يتوسّل، و هذا أشدّ حالة من التضيّق يجعل النفس حيران لا يقدر على إعمال فكر.

و قد قال تعالى في الآية:

9/ 119-. حَتّٰى إِذٰا ضٰاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ وَ ضٰاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لٰا مَلْجَأَ مِنَ اللّٰهِ.

نعوذ باللّٰه الرحمن الرحيم الرؤوف الكريم من هذه المضايق المادّيّة و المعنويّة، و نتوب اليه، إنّه هو التوّاب الرحيم.

انتهى. و قد تمّ بتوفيق اللّه و تسديده ما يتعلّق بحرف الضاد من كلمات القرآن الكريم، و يتلوه إن شاء اللّه الرحمن [حرف الطاء]، و منه أستعين و أستمدّ إنّه خير معين و موفّق 25 رجب 1401 قمريّه‌

59

حرف الطّاء

طبع

مصبا- الطبع: الختم، و هو مصدر من باب نفع. و طبعت الدراهم:

ضربتها. و طبعت السيف و نحوه: عملته. و طبعت الكتاب و عليه: ختمته. و الطابع بكسر الباء و فتحها: ما يطبع به. و الطبع بالسكون: الجبلّة الّتى خلق الإنسان عليها. و الطبع بالفتح الدنس، و هو مصدر من باب تعب.

مقا- طبع: أصل صحيح، و هو مثل على نهاية ينتهى اليها الشي‌ء حتّى يختم عندها، يقال طبعت على الشي‌ء طابعا، ثمّ يقال على هذا طبع الإنسان و سجيّته، و من ذلك طبع اللّه على قلب الكافر، كأنّه ختم عليه حتّى لا يصل اليه هدى و لا نورٌ فلا يوفّق الخير. و من ذلك أيضا طبع السيف و الدرهم، و ذلك إذا ضربه حتّى يكتمله. و الطابع: الخاتم الّذى يختم به. و الطابع: الّذى يختم. و من الباب قولهم لملأ المكيال: طبع، و المقياس واحد، لأنّه قد تكامل و ختم. و تطبّع النهر: إذا امتلأ، و هو ذلك المعنى و كذلك إذا حملت الناقة حملها الوافي الكامل: فهي مطبّعة.

التهذيب 2/ 186- الطبع: مصدر طبعت الدرهم. و الطبع: النهر، و جمعه أطباع، و على الطبوع. و الطبع: ابتداء صنعة الشي‌ء، تقول- طبعت اللبن طبعا، و طبعت السيف طبعا. و الطبّاع: الّذى يأخذ الحديدة فيطبعها و يسوّيها إمّا سكّينا أو سيفا و إما سنانا. و حرفته الطباعة. و طبع اللّه الخلق على الطبائع الّتى خلقها و أنشاهم عليها. قال أبو اسحق: معنى طبع و ختم واحد، و هو التغطية على الشي‌ء، و قال:. بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ- غطّى على قلوبهم، و كذلك طبع اللّه على قلوبهم. و أمّا الطبع بحركة الباء: فهو تلطّخه بالأدناس، و أصل الطبع الصدأ يكثر على السيف و غيره.

60

مفر- الطبع: أن تصوّر الشي‌ء بصورة ما كطبع السكّة و طبع الدراهم، و هو أعمّ من الختم و أخصّ من النقش.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الضرب على الشي‌ء لتثبيته على حالة، فيعتبر فيه قيدان: الضرب، و التثبيت على حالة، فيقال طبع الدرهم و اللبن و السكّين و الكتابة و الأخلاق و غيرها: إذا ضربها ليثبتها على حالة أو صورة مخصوصة.

و هذا غير مفهوم الختم: فانّ الملحوظ فيه هو الانتهاء و الاختتام، و هذا المفهوم غير ملحوظ في هذه المادّة.

و يطلق على الصدأ إذا كان على حدّ الثبوت، فكأنّه مضروب على الشي‌ء، و على الصفات الباطنيّة إذا كانت مثبتة في القلب تكوينا أو بالتمرين، و على النهر إذا حفر و يجعل مجرى ثابتا للماء، في قبال الأودية الّتى لا مجرى ثابتا فيها.

. وَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ- 9/ 93. وَ نَطْبَعُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَسْمَعُونَ- 7/ 100. وَ طُبِعَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَفْقَهُونَ- 9/ 87. بَلْ طَبَعَ اللّٰهُ عَلَيْهٰا بِكُفْرِهِمْ فَلٰا يُؤْمِنُونَ إِلّٰا قَلِيلًا- 4/ 155. كَذٰلِكَ نَطْبَعُ عَلىٰ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ- 10/ 74. كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِ الْكٰافِرِينَ- 7/ 101. كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ- 40/ 35 فيستفاد من الآيات الكريمة امور:

1- أنّ الطبع إنّما يتحقّق بعد تحقّق الكفر بالحقّ، و الاعتداء، و التكبّر في قبال الحقيقة، و الجبر، و في هذه الصور فهو غير مستعدّ للاهتداء.

2- فإذا تحقّق الطبع: ينتج سلب التوفيق و فقدان النورانيّة، فلا يستطيع أن يفقه أو يسمع أو يؤمن أو يحصل له العلم و اليقين.

3- فيظهر أنّ الطبع من أعظم الابتلاءات و من أشدّ العقوبات للمعتدين،