التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج9

- حسن المصطفوي المزيد...
351 /
9

الجزء التاسع

باب حرف الفاء

فأد

مقا- فأد: أصل صحيح يدلّ على حُمىّ و شدّة و حرارة، من ذلك: فأدت اللحم: شويته، و هذا فئيد أى مشوىّ. و المفأد: السفود. و المفتأد: الموضع يشوى فيه. و ممّا هو من قياس الباب عندنا: الفُؤاد، سمّى بذلك لحرارته. و الفأد مصدر فأدته: إذا أصبت فؤاده.

مصبا- الفؤاد: كالقلب، لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد، أى التوقّد، يقال فأدت اللحم: شويته.

التهذيب 14/ 196- أبو زيد: فأدت الصيد أفأده فأدا، إذا أصبت فؤاده. و فأدت الخُبزةَ أفَأدُها: إذا خبزتَها في الملّة. و الفئيد: ما شوى و خبز على النار. و المفأد: ما يخبز و يشوى به، و يقال له المفآد على مفعال أيضا. عن الأصمعى المفئود: الضعيف الفؤاد الجبان. الليث: سمّى الفؤاد لتفؤده. و افتأد القوم: إذا أوقدوا نارا.

صحا- الفؤاد: القلب، و الجمع الأفئدة. و فأدت للخبزة: إذا جعلت لها موضعا في الرماد و النار لتضعها فيه. و ذلك الموضع أفؤود على أفعول. و الخشبة الّتى يحرّك بها التنّور: مفأدة، و الجمع مفائد.

10

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الشدّة في الشّي‌ء، مادّيّا أو معنويّا.

و الشّي‌ء: سبق إنّه خروج شي‌ء بالحرارة عن حالته الطبيعيّة.

و في الطبخ: يلاحظ فيه وقوعه بواسطة ماء أو نظيره من المائعات، و هذا بخلاف الشّي‌ء و الفأد.

و في الإنضاج: يلاحظ فيه البلوغ الى حال الطيب، بنار أو بغيرها، فيقال نضجت الثمرة: إذا طابت. و نضج اللحم، و أنضجته.

و الشّي‌ء: بلوغ الى حال الطيب بالنار، كما في الفأد.

و الفؤاد: كشجاع، يدلّ على ما يبلغ الخلوص الطيب و يتّصف بالشوى، و الألف يدلّ على الاستمرار، و هذه الصفة المستمرّة تتحصّل في المعنويّات.

فالفؤاد قد يطلق على القلب إذا بلغ حدّ الخلوص و النقاء و الطيب بواسطة التّزكية و التصفية بحرارة الايمان و الحبّ و التوجّه، فكأنّه مشوىّ بحرارة الجذبة و شدّة المحبّة مستمرّا.

. مٰا كَذَبَ الْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ- 53/ 11.

. كَذٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤٰادَكَ وَ رَتَّلْنٰاهُ تَرْتِيلًا- 25/ 32.

يراد هذه المرتبة من القلب البالغ الخاص.

و قد يطلق على القلب البالغ الخالص و هو اللبّ المطلق: كما في-. وَ أَصْبَحَ فُؤٰادُ أُمِّ مُوسىٰ فٰارِغاً- 28/ 10.

. إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا- 17/ 36.

يراد القلب الساكن البالغ بعد التّحوّل و التقلّب، فانّ القلب في المرحلة الاولى متقلّب، ثمّ يصير بحرارة الحوادث و شدّة التحوّلات ساكنا، و حينئذ يتعيّن تكليفه.

فالقلب إذا بلغ حدّ السكون و ارتفع عند الاضطراب و التقلّب و التحوّل:

11

يصير مستعدّا للنظر و الإدراك و التشخيص، فهو إمّا يميل الى الصلاح و يسير الى الخير و الفلاح. أو يهوى الى الشرّ و الضلال.

و يدلّ على هذا المعنى: ذكره في رديف السمع و البصر، فانّ البصر هو العين بلحاظ الرؤية. و السمع هو الأذن بلحاظ الاستماع و السمع، فيكون المراد من الفؤاد: هو القلب بلحاظ التفكّر و التعقّل و التخيّل، و تعيّش الإنسان إنّما يتمّ بهذه القوى الثلث- راجع القلب.

فالقلب بعد تقلّبه بالحوادث و التجربيّات و الابتلاءات و الشدائد يتحصّل له التفكّر النافع و التخيّل المفيد و التشخيص الصالح لدنياه أو عقباه، و بهذا النظر و في هذه المرتبة يطلق عليه الفؤاد.

و يدلّ على الأصل أيضا: حكم التثبيت و المسئوليّة، فانّ القلب المتقلّب لا مسؤوليّة له و لا معنى لتثبيته على تقلّبه.

فظهر أنّ إطلاق الفؤاد على القلب المتمايل الى الدنيا و العيش المادّى أيضا صحيح: فانه يتقلّب و يصير الى مسير اللذائذ و الخيرات العاجلة.

. فَمٰا أَغْنىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَ لٰا أَبْصٰارُهُمْ وَ لٰا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ- 46/ 26. وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مٰا تَشْكُرُونَ*- 32/ 9 يراد الفؤاد الطبيعىّ الخالص المنشأ في أوّل مرتبة، قبل أن ينكدر و يتلوّث بالعوارض المادّيّة و المشتهيات النفسانيّة.

فالفؤاد في هذه المرتبة فطرىّ أنشأه صافيا خالصا و هو وسيلة للتفكّر و التعقّل، كما أنّ السمع و البصر جعلا فطرة للرؤية و الاستماع.

و البلوغ و الشّي‌ء في هذه المرتبة أيضا فطرىّ، مضافا الى أنّ التفكّر و التعقّل إنّما يلازم الحرارة و الضغط، فالفؤاد دائما في حرارة.

و البلوغ و الشّي‌ء في هذه المرتبة أيضا فطرىّ، مضافا الى أن التفكر و التعقل إنما يلازم الحرارة و اضغط، فالفؤاد دائما في حرارة و بهذا يظهر لطف التعبير به في قوله تعالى:

. نٰارُ اللّٰهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ- 104/ 7 فانّ الفؤاد إذا استعدّ فطرة أو بالشىّ و الشدّة للتعقّل و التخيّل: يكون مسؤولا‌

12

في نظره و تعقّله و تشخيصه، و إذا كان تشخيصه على فساد و ضلال: فهو المطّلع للنار.

و لا يخفى ما بين المادّة و الفود و الفيد من الاشتقاق و التناسب.

فأى

صحا- فأوت رأس الرجل فأوا، و فأيته فأيا، إذا فلقته بالسيف. و انفأى القدح: انشقّ. و الفأو: ما بين الجبلين. و الفئة: الطائفة، و الجمع فئون، و الهاء عوض عن الياء ... و الفئين: الفرق المتفرّقة.

مفر- فيأ و الفيئة: الرجوع الى حالة محمودة: و الفئة: الجماعة المتظاهرة الّتى يرجع بعضهم الى بعض في التعاضد.

مصبا- فاء الرجل يفي‌ء فيئا من باب باع: رجع. و الفئة: الجماعة، و لا واحد لها من لفظها، و جمعها فئات، و قد تجمع بالواو و النون جبرا لما نقص.

لسا- فأى: فأوتُه بالعصا: ضربته. الليث: فأوت رأسه فأوا و فأيته فأيا: إذا فلقته بالسيف. و قيل هو ضربك قحفه حتّى ينفرج عن الدماغ. و الانفياء: الانفراج.

و منه اشتقّ اسم الفئة، و هم طائفة من الناس. و الهاء عوض من الواو، لأنَّ الفئة الفرقة من الناس، من فأوت بالواو أى فرّقت و شققت. و قد حكى فأوت فأوا و فأيا، فعلى هذا يصحّ أن يكون فئة من الياء. التهذيب: و الفئة: بوزن فعة من فأيت رأسه أى شققته، و كان في الأصل فئوة بوزن فعلة فنقص.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انفراج في انشقاق و من مصاديقه: انفراج في الجبل بانشقاقه. و انفراج الرأس بعد انشقاقه. و انفراج بانشقاق في الأقداح.

و من الباب: الجماعة المنفرجة المنشقّة من الناس على برنامج مقرّرة‌

13

و ضوابط معيّنة لديهم خلاف العموم.

و هذا هو الفرق بينها و بين كلمات- الجماعة، القوم، الطائفة، العشيرة، الرهط، الفريق- راجع- رهط.

فيلاحظ في استعمال هذه الكلمة القيدان المذكوران.

. قٰالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلٰاقُوا اللّٰهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّٰهِ- 2/ 249. قَدْ كٰانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتٰا فِئَةٌ تُقٰاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ أُخْرىٰ كٰافِرَةٌ- 3/ 13. فَمٰا لَكُمْ فِي الْمُنٰافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَ اللّٰهُ أَرْكَسَهُمْ بِمٰا كَسَبُوا- 4/ 88 يراد الجماعة الّذين انشقّوا و افترقوا و انفرجوا عن الناس العامّة و اختصّوا بآراء و أعمال خاصّة.

فظهر أنّ الكلمة من مادّة- فأو، و وزنه فعلة، و الأصل فئوة قلبت الواو ألفا بعد نقل حركتها الى ما قبلها ثم سقطت.

و لا يناسب ذكرها تحت عنوان الفي‌ء، لا لفظا و لا معنى.

فتأ

صحا- أبو زيد: ما أفتأت أذكره و ما فتأت أذكره: أى ما زلت أذكره.

و تفتؤ تذكر- أى ما تفتؤ.

مقا- فتى: أصلان: يدلّ أحدهما على طراوة و جدّة، و الآخر على تبيين حكم. و إذا همّز خرج عن البابين جميعا، يقال: ما فتئت و فتأت أذكره: أى ما زلت.

لسا- فتأ: ما فتئت و ما فتئت أذكره: لغتان، أى ما برحت و ما زلت، لا يستعمل إلّا في النفي، و لا يُتكلّم به إلّا مع الجحد، فان استعمل بغير ما و نحوها فهي منويّة، و ربّما حذفت العرب حرف الجحد من هذه الألفاظ، و هو منوىّ. و في‌

14

نوادر العرب: فتأت عن الأمر أفتأ: إذا نسيته و انقدعت.

شرح الكافية للرضى: و كذا زيد على ما زال من مراد فاتها ما فتأ و ما أفتأ و ما انفكّ و ما و في و ما دام، و أصلها أن تكون تامّة بمعنى ما انفصل منه، لكنّها جعلت بمعنى كان دائما، فنصبت الخبر نصب كان، لأنّه إذا لم ينفصل عن فعل كان فاعلا له دائما.

الأفعال 2/ 479- الفرّاء: فتأته عن الأمر: كسرته. و النار أطفأتها، و فتى من فتاء السنّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الانفصال عن الغير بالتوجّه و الاشتغال الى شي‌ء، فيقال: فتأت أذكره، أى انفصلت عن امور أخر بالاشتغال بذكره.

و الى هذا الأصل يرجع مفهوم السكون أو الانكفاف أو النسيان.

و أمّا إذا استعمل بحرف النافية: فيقصد عدم الانفصال عن الخبر بل الاشتغال به و التوجّه اليه، فيقال: ما فتئ زيد عالما، أى ما انفصل زيد و هو في حال العالميّة، و هو مشتغل بها. و قلنا في- أصبح: إنّ الخبر في الأفعال الناقصة منصوب على الحاليّة.

و لا يخفى التناسب بين المادّة و بين مادّة الفتى و الإفتاء: فإن تبيين الحكم يناسب انفصاله عن سائر الأحكام المشتبهة. و كذا الفتى بمعنى الشابّ، فانّ الشابّ يتبيّن تكليفه تكوينا في جريان حياته عند بلوغه الى هذه المرتبة، فيحصل له الاستقلال و التقوّم.

. قٰالُوا تَاللّٰهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّٰى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهٰالِكِينَ- 12/ 85 أى تشتغل بذكر يوسف منفصلا عن امور اخرى و منقطعا عن ذكر غيره.

و أمّا تقديرا لنافية: فهو خلاف الأصل، و خلاف مقام القرآن الكريم،

15

مضافا الى اختلال في سلاسة المعنى و بيان المقصود.

فتح

مقا- أصل صحيح يدلّ على خلاف الإغلاق، يقال: فتحت الباب و غيره فتحا، ثمّ يحمل على هذا سائر ما في هذا البناء فالفتح و الفتاحة: الحكم. و اللّٰه تعالى الفاتح، أى الحاكم. و الفتح: الماء يخرج من عين أو غيرها. و الفتح: النصر و الإظفار. و استفحت استنصرت. و فواتح القرآن: أوائل السور.

مصبا- و فتحته فانفتح: فرّجته فانفرج. و باب مفتوح خلاف المردود و المقفّل. و فتحت القناة فتحا: فجرتها ليجرى الماء فيسقى الزرع، و فتح الحاكم بين الناس: قضى. و فتّاح مبالغة. و فتح السلطان البلاد: غلب عليها و تملّكها قهرا.

و افتتحته بكذا: ابتدأته به. و الفتحة في الشي‌ء: الفرجة، و الجمع فتح، و باب فتح:

مفتوح واسع. و المفتاح: الّذى يفتح به المغلاق، و المفتح مثله، و كأنّه مقصور منه و الجمع مفاتح، و جمع الأوّل مفاتيح.

مفر- الفتح: إزالة الإغلاق و الإشكال. و ذلك ضربان: أحدهما- يدرك بالبصر، كفتح القفل. و الثاني- يدرك بالبصيرة كفتح الهمّ، و ذلك ضروب:

أحدها في الأمور الدنيويّة كفقر يزال بإعطاء المال. و الثاني- فتح المستغلق من العلوم. و قوله- إنّا فتحنا لك فتحا مبينا- قيل عنى فتح مكّة، و قيل فتح ما يُستغلَق من العلوم و الهدايات الّتى هي ذريعة الى الثواب و المقامات. و فاتحة كلّ شي‌ء:

مبدؤه الّذى يفتح به ما بعده، و به سمّى فاتحة الكتاب.

الأفعال 2/ 452- و فتح الباب و الشي‌ء فتحا. و بين القوم: قضى. و دار العدو: دخلها. و على القاري إذا حصر: لقّنه. و اللّه تعالى: نصر. و فتح على فلان: أقبلت الدنيا عليه بخيرها.

16

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الإغلاق، أى رفع الإغلاق و السدّ و الحجب، و هذا المعنى يختلف باختلاف الموارد و الموضوعات، مادّيّا أو معنويّا.

و سبق أن الغلق هو آخر مرتبة من الردم و السدّ و الحجر و المنع.

فالفتح المطلق: كما في-. إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً وَ يَنْصُرَكَ اللّٰهُ- 48/ 1 يراد الفتح المطلق في مسير الرسالة و إجراء وظائف النبوّة و إبلاغ الأحكام الالهيّة، برفع الموانع المادّيّة و المعنويّة و كشف المغلقات و إزالةُ الأسداد، ثمّ التقوية و النصر.

فالمغفرة و إتمام النعمة و الهداية و النصر من لوازم الفتح و آثاره:

و قد يكون النصر من مقدّمات الفتح في مرتبة الإيجاد لا الإبقاء- كما في:

. إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اللّٰهِ وَ الْفَتْحُ- 110/ 1. نَصْرٌ مِنَ اللّٰهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ- 61/ 13 و الفتح في المادّيّات: كما في-. فَفَتَحْنٰا أَبْوٰابَ السَّمٰاءِ بِمٰاءٍ مُنْهَمِرٍ- 54/ 11. وَ آتَيْنٰاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مٰا إِنَّ مَفٰاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ- 28/ 76 و في المعنويّات: كما في-. وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ لٰا يَعْلَمُهٰا إِلّٰا هُوَ- 6/ 59 فالمراد مطلق ما يقابل المشهود و الحاضر.

و الفتح في البلاء و العذاب: كما في-. حَتّٰى إِذٰا فَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بٰاباً ذٰا عَذٰابٍ شَدِيدٍ- 23/ 77‌

17

. حَتّٰى إِذٰا جٰاؤُهٰا فُتِحَتْ أَبْوٰابُهٰا وَ قٰالَ لَهُمْ خَزَنَتُهٰا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ- 39/ 71 و الفتح في العالم الآخرة: كما في-. وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّٰى إِذٰا جٰاؤُهٰا وَ فُتِحَتْ أَبْوٰابُهٰا- 39/ 73. جَنّٰاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوٰابُ- 38/ 50 يراد الفتح المناسب بعالم الآخرة، و ليس بمادّىّ، و لا بروحانيّ صرف.

فظهر أنّ مفهوم الفتح في كلّ مورد بحسبه و على مقتضاه.

و لا يخفى أنّ انفتاح أبواب الجنَّة انّما يتحصّل بتملّك مفاتحها و تحصيل ما به يتحقّق الفتح، و يرتفع الأسداد و الموانع. و لا ريب أنّ مفتاح الجنّة هو القلب السليم و خلوص الباطن و طهارة النفس، و يشير الى هذا المعنى قوله خزنتها:

. سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهٰا خٰالِدِينَ- 39/ 73 و بهذا يظهر أنّ معنى الآية:

. أَوْ بُيُوتِ خٰالٰاتِكُمْ أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ- 24/ 61 تملّك المفتاح و أن يكون مسلّطا على البيت من عند مالكه و يكون الفتح في اختياره، و هو مأمون مجاز، فالمراد هو المفتاح بعنوان الوصفيّة، و النظر الى الوصف، لا الى ذات المفتاح.

و أمّا الفتّاح: فهو من الأسماء الحسنى للّٰه عزّ و جلّ، و هو الفتّاح المطلق و بيده أسباب الفتح قاطبة، و هو القادر العالم، يفتح أىّ مغلقة في أىّ موضوع و في أىّ مرحلة و في أىّ عالم، مادّىّ، جسمانى، روحانىّ، ظاهرىّ، باطنىّ، محسوس، معقول.

. قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنٰا رَبُّنٰا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنٰا بِالْحَقِّ وَ هُوَ الْفَتّٰاحُ الْعَلِيمُ- 34/ 26 و من مصاديق الفتح: القضاء الحقّ في مورد جهل و لبس. و كشف الحقّ إذا خفى و اشتبه. و إفاضة علم و معرفة في مورد احتجاب. و رفع الانغلاق بأىّ‌

18

صورة و كشفه.

فتر

مقا- فتر: أصل صحيح يدلّ على ضعف في الشي‌ء من ذلك فتر الشي‌ء يفتر فتورا. و فتّرت الشي‌ء و افترته. و ممّا شذّ. عن هذا الباب الفتر: ما بين طرف الإبهام و طرف السبّابة إذا فتحتهما و لا يفتّر عنهم: أى لا يضعّف.

مصبا- فتر عن العمل فتورا من باب قصد: انكسرت حدّته و لان بعد شدّته. و منه فتر الحرّ: إذا انكسر. و طرف فاتر: ليس بحديد و قوله تعالى- على فترة من الرسل، أى على انقطاع بعثهم و دروس أعلام دينهم.

مفر- الفتور: سكون بعد حدّة و لين بعد شدّة و ضعف بعد قوّة. و على فترة- أى سكون حال عن مجي‌ء رسول اللّٰه. و قوله- لا يفترون- أى لا يسكنون عن نشاطهم في العبادة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو لين و ضعف بعد الحدّة. و سبق الفرق بينها و بين موادّ- الكسل و الرخو و الضعف و القلق و البطالة و اللين و الضيق- في السأم.

فالقيدان مأخوذان في المادّة، و إطلاقها في موارد مطلق اللينة أو الضعف أو الانكسار: بعيد عن الحقيقة.

. يٰا أَهْلَ الْكِتٰابِ قَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولُنٰا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- 5/ 19 في زمان ضعفت حدّة البعث و صولة قيام الرسل، فيلزم بمقتضى اللطف و الإرشاد أن يهدى اللّٰه تعالى عباده ببعث جديد.

. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ لٰا يَفْتُرُونَ- 21/ 20‌

19

فانّ التسبيح الحقيقىّ إنّما ينشأ من المعرفة و التوجّه و النورانيّة التامّة للعبد أو للملائكة المقرّبين، و إذا حصل حق المعرفة و العلم الحضورىّ: فلا يزال في تزايد و تكامل و شدّة فلا يمكن عروض ضعف و انكسار و فتور.

. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ لٰا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ- 43/ 75 فانّ الجرم قد سبق أنّه عبارة عن انقطاع عمّا يقتضيه الحقّ، فالمجرم من قطع نفسه عن الحقّ و مسيره، فهو يختار سبيل العصيان و الخلاف بسوء قصده و فساد نيّته و انكدار سريرته.

فما دامت هذه النيّة الفاسدة و السريرة المظلمة باقية: فهو في العذاب و المحجوبيّة و المحروميّة عن الألطاف الخاصّة الروحانيّة.

و تفتير العذاب و الشدّة عنه: إنّما هو على خلاف إختياره و تمايله.

فتق

مصبا- فتقت الثوب فتقا من باب قتل: نقّضت خياطته حتّى فصلت بعضه من بعض فانفتق. و فتّقت: مبالغة.

مقا- فتق: أصل صحيح يدلّ على فتح في شي‌ء، من ذلك فتقت الشي‌ء فتقا. و الفتق: شقّ عصا الجماعة. و الفتق: الصبح. و أعوام الفتق: أعوام الخصب.

الأصمعىّ: جمل فتيق: إذا تفتّق سمنا. و يقال فتق يفتق فتقا.

مفر- الفتق: الفصل بين المتّصلين، و هو ضدّ الرّتق. و الفتق و الفتيق:

الصبح.

التهذيب 9/ 62- الفرّاء: فتقت السماء بالقطر و الأرض بالنبات.

ابن السكّيت: أفتق قرن الشمس: إذا أصاب فتقا من السحاب فبدا منه، و أفتقنا: إذا صاد فنا فتقا من السحاب فبدا منه. و الفتق: أن تنشقّ الجلدة الّتى بين الخصية و‌

20

أسفل البطن فتقع الأمعاء في الخصية. و الفتيق اللسان: الحذاقىّ الفصيح اللسان.

و الفتيق: الحدّاد. و يقال النجّار.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الرتق، أى انفراج في قبال الالتئام و الالتحام، و هذا الانفراج انّما يحصل في نفس الشي‌ء، كما انّ الرتق التحام في نفس الشي‌ء أيضا.

و من مصاديق الأصل: انتقاض في الخياطة حتّى تنفصل الأجزاء. و انفتاق في الهواء حتّى ينفلق الصبح، و انفراج في التجمّع بحصول التفرّق. و انفتاق في السماء و الأرض بنزول المطر و إنبات النبات و الحبّ، و انطلاق في اللسان بالفصاحة. و انكشاف عن السحاب.

و ليعلم أنّ النظر في الفصل الى ما يقابل الوصل بين الشيئين.

و في الشقّ: مطلق الانفراج سواء كان مع تفرّق أم لا.

و في الانفراج: الى حصول فرجة بين الشيئين.

و في الانكشاف: الى زوال الغطاء و رفعه عن الشي‌ء ليظهر.

فالنظر في الفتق: الى حصول انفراج في الأمر الملتئم الرتق حتّى يتظاهر منه ما فيه و يخرج ما في كمونه.

. أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا وَ جَعَلْنٰا مِنَ الْمٰاءِ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَيٍّ- 21/ 30.

الآية الكريمة ناظرة الى الجريان الحادث في الأزمنة المتأخرّة، المشهود للناس، و ليست ناظرة الى ابتداء خلقهما و هو غير مشهود للناس، و لا الى السماوات الروحانية الخارجة عن محيط المادّة و الاحساس لهم أيضا.

و يدلّ على ذلك (كما سبق في الرتق) أوّل الآية- أو لم ير الّذين كفروا، و آخرها- و جعلنا من الماء كلّ شي‌ء حىّ.

21

و يدلّ على ذلك أيضا: التعبير بصيغة التثنية- كانتا رتقا، حيث تدلّ على اثنين مستقلّين- السموات، الأرض. و لم يعبّر بصيغة الإفراد- كانت رتقا، لتدلّ على مجموعهما في بدء الخلقة.

و لمّا كانت حياة الإنسان و إدامة عيشه متوقّفة على ما يتحصّل من الأرض من الحبوب و النبات، ثمّ منها الحيوان، و النبات و الحيوان انّما تحتاج في البقاء الى الماء، و هو ينزل من السماء: فلا بدّ أن يكون كلّ من الأرض و السماء فتقا غير رتق، حتّى يحصل الخصب و السعة في معاش الإنسان. و الرتق بالفارسيّة:

بستن و بسته شدن.

فتل

مصبا- فتلت الحبل و غيره فتلا من باب ضرب. و الفتيل: ما يكون في شقّ النواة. و فتيلة السراج، جمعها فتائل و فتيلات، و هي الذبالة.

مقا- فتل: أصل صحيح يدلّ على لىّ شي‌ء، من ذلك فتلت الحبل و غيره. و الفتيل: ما يكون في شقّ النواة، كأنّه قد فتل. و الفتل تباعد الذراعين عن جنبي البعير، كأنّهما لويا ليّا و فتلا.

لسا- الفتل: لىّ الشي‌ء كليّك الحبل، و كفتل الفتيلة، يقال انفتل فلان عن صلاته، أى انصرف. و لفت فلانا عن رأيه و فتله أى صرفه و لواه. و فتله عن وجهه فانفتل، أى صرفه فانصرف، و هو قلب لفت. و فتل وجهه عن القوم: صرفه كلفته، و فتل الشي‌ء يفتله فتلا، فهو مفتول و فتيل. و الفتيل و الفتيلة: ما فتلته بين أصابعك. قال ابن السكّيت: القطمير: القشرة الرقيقة على النواة: و الفتيل: ما كان في شقّ النواة، و النقير: النكتة في ظهر النواة. قال أبو منصور: هذه كلّها تضرب أمثالا للتافه الحقير.

22

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو لىّ مخصوص بنفس الشي‌ء و في نفسه.

يقال حبل مفتول و فتيل: إذا لوّى الحبل في جهة طوله و استقامته (پيچيدن).

و اللىّ أعمّ من أن يكون في نفسه أو بالنسبة الى غيره، و سواء كان في جهة الاستقامة أو بالثنى.

و فتيلة السراج: لأنّها كانت حبلا مفتولا في السابق.

و يشبّه الذراع المتباعد عن جنب البعير إذا كان طويلا و دقيقا على الحبل الفتيل، في إحكامه و استقامته.

. بَلِ اللّٰهُ يُزَكِّي مَنْ يَشٰاءُ وَ لٰا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا- 4/ 48. وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقىٰ وَ لٰا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا- 4/ 76.

التنكر يدلّ على التحقير و على أىّ شي‌ء كان مفتولا. و أصل الفتل أيضا يدلّ على وجود الضعف و الوهن، و يفتل الشي‌ء لإحكامه. و يدلّ أيضا على لفت في أصل الجريان الطبيعىّ و على التعمّل المصنوعىّ في استقامة شي‌ء.

و في التعبير بهذه المادّة و بالتنكير: اشارة الى هذه المعاني، و الى انتفاء الظلم و لو كان بمقدار فتيل و في أمر فتيل، أى ضعيف و هن يتعمّل فيه حتّى يرى محكما في الظاهر و بالتعمّل و التصنّع.

و الكلمة غير مخصوصة بفتيل شقّ النواة، بل يدلّ على أىّ شي‌ء ضعيف يفتل و يتعمّل فيه، و هذا لطف التعبير بها.

فتن

مقا- أصل صحيح يدلّ على ابتلاء و اختبار. من ذلك الفتنة، يقال فتنت أفتن فتنا. و فتنت الذهب بالنار: إذا امتحنته، و هو مفتون و فتين، و الفتّان:

23

الشيطان. و يقال: فتنه و أفتنه. و أنكر الأصمعىّ: أفتن. و يقال قلب فاتن أى مفتون. قال الخليل: الفتن: الإحراق، و شي‌ء فتين، أى محرق. و يقال للحرّة فتين، كأنّ حجارتها محرقة.

مصبا- فتن المال الناس من باب ضرب فتونا: استمالهم. و فتن في دينه و افتتن أيضا: مال عنه. و الفتنة: المحنة و الابتلاء، و الجمع فتن. و أصل الفتنة من قولك فتنت الذهب و الفضّة: إذا أحرقته بالنار، ليبين الجيّد و الردي‌ء.

التهذيب 14/ 296- فتن: جماع معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء و الامتحان، و أصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضّة و الذهب: إذا أذبتهما بالنار ليتميّز الردي‌ء من الجيّد، و من هذا قول اللّٰه عزّ و جلّ- يوم هم على النار يفتنون- أى يحرقون بالنار. و من هذا قيل للحجارة السود الّتى كأنّها أحرقت بالنار: الفتين.

ابن الأنبارى: فتنت فلانة فلانا: أمالته عن القصد، و الفتينة معناها: المميلة عن الحقّ و القضاء، و الفتنة: الاختبار- و لقد فتنّا الّذين من قبلهم- أى اختبرنا و ابتلينا. و الفتنة اشدّ- أى الكفر. و الفتنة: الجنون- بأيّكم المفتون- أى الّذى فتن بالجنون. و الفتنة: العذاب، المال، الأولاد، و الاختلاف بالآراء، و الغلوّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يوجب اختلالا مع اضطراب. فما أوجب هذين الامرين فهو فتنة. و لها مصاديق: كالأموال، و الأولاد، و الاختلاف في الآراء، و الغلوّ في الأمر، و العذاب، و الكفر، و الجنون، و الابتلاء، و غيرها إذا أوجب الأمرين.

و أمّا الفرق بينها و بين الاختبار و الابتلاء و الامتحان.

فانّ الاختبار: من الخبر و بمعنى الاطّلاع النافذ، و أخذه.

و الابتلاء: من البلو بمعنى إيجاد التحوّل و التقلّب، و الأخذ به.

و الامتحان: من المحن و هو دأب و جدّ في العمل حتّى يتحصّل الخبر و‌

24

النتيجة.

و الفتن: إيجاد اختلال و اضطراب.

فلا يصحّ استعمال واحد منها في مورد آخر، إلّا بالتجوّز. و قد اختلط كلّ واحد من هذه المعاني في مقام الاستعمال و التفسير في كلماتهم. نعم إذا لوحظت الحيثيّات و القيود فلا اشكال. فيقال: اختبرت الذهب، و ابتليته، و امتحنته، و افتتنه. فالأوّل- بلحاظ مجرّد تحصّل الخبر فيه. و الثاني- بتحصّل التحوّل و التقلّب فيه. و الثالث بالنظر الى دأب و جدّ حتّى يتحصّل الخبر. و الرابع- بالنظر الى حصول اختلال و اضطراب فيه.

فترى استعمال الامتحان في مورد الدأب و الجدّ و الدقّة في تحصيل الخبر-. إِذٰا جٰاءَكُمُ الْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ- 60/ 10.

و استعمال الابتلاء في مورد التحويل و التقليب:

. وَ أَمّٰا إِذٰا مَا ابْتَلٰاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ- 89/ 16.

. هُنٰالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزٰالًا شَدِيداً- 33/ 11 و استعمال الفتن و الافتتان في مورد الاختلال في نظم الأمور و حصول الاضطراب:

. أَ حَسِبَ النّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لٰا يُفْتَنُونَ- 29/ 3. أَ وَ لٰا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عٰامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لٰا يَتُوبُونَ وَ لٰا هُمْ يَذَّكَّرُونَ- 9/ 126 و هذا هو الإعجاز في بيان القرآن، و لا تجد هذه الدقّة و رعاية هذه الخصوصيّات، و لو في هذه الموادّ الأربعة، في كلمات أحد من الأدباء و الفصحاء، بل و لا يمكن لهم هذا الأمر.

و أمّا مفهوم الإحراق: فهو بلحاظ حصول اختلال و اضطراب في نظم الشي‌ء المحترق، و ليس مفهوم الاحتراق من الأصل.

25

و لعلّ هذا المعنى قد أخذ من ظاهر الآية الكريمة من دون تحقيق حقيقة الأصل:

. يَسْئَلُونَ أَيّٰانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النّٰارِ يُفْتَنُونَ- 51/ 13 و هكذا مفاهيم الأموال و الأولاد و العذاب و الكفر و الجنون:

. أَنَّمٰا أَمْوٰالُكُمْ وَ أَوْلٰادُكُمْ فِتْنَةٌ*- 64/ 15. فَإِذٰا أُوذِيَ فِي اللّٰهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّٰاسِ كَعَذٰابِ اللّٰهِ- 29/ 10. وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلّٰهِ- 2/ 193. فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ- 68/ 6 و مثلها الشيطان في قوله تعالى:

. يٰا بَنِي آدَمَ لٰا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطٰانُ- 7/ 27 فهذه كلّها من مصاديق الأصل، و ليست بأصل.

. وَ جَعَلْنٰا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ- 25/ 20. وَ مٰا جَعَلْنٰا عِدَّتَهُمْ إِلّٰا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا- 74/ 31. إِنّٰا جَعَلْنٰاهٰا فِتْنَةً لِلظّٰالِمِينَ- 37/ 63. فَقٰالُوا عَلَى اللّٰهِ تَوَكَّلْنٰا رَبَّنٰا لٰا تَجْعَلْنٰا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ- 10/ 85 قلنا إن الفَتن: إخلال في النظم يوجب اضطرابا. و الفتنة فعلة منه، و يدلّ على نوع ممّا يوجب الاختلال في جريان الأمور و الاضطراب، و قد يكون جريان امور حياة شخص أو أشخاص فتنة لبعض آخر و موجبا للاختلال و الاضطراب في نظم أموره خيرا أو شرّا، كإيجاب فقر أو غنى أو صحّة أو مرض، أو صلاح عمل أو عقيدة او خلق أو فسادها، أو ابتلاء أو عذاب أو نظائرها: اختلال نظم في الظرف المقابل.

فالإنسان الشريف المؤمن لازم أن يُراقب أخلاقه و أعماله و أقواله حتّى يعتبر عنها الآخرون بحسن الاعتبار و التنبّه، و توجب إنابة الى الحقّ و ميلا الى العدل و سوقا و توجّها الى اللّٰه المتعال.

26

و يحذر عن أن تكون تقوية للمخالفين و تحريفا للضالّين و إخلالا لمن يتمايل الى الفسق و الجور، و فتنة للظالمين.

و ظهر أنّ الفتن عبارة عن إيجاد الاختلال و الاضطراب، و هذا المعنى ينتج تزلزلا و ترديدا و تنبّها صرفا في البرنامج السابق الموجود، و بعد هذا يحصل الابتلاء و إيجاد التحوّل و التقلّب، ثمّ الامتحان بتحصّل النتيجة.

فالفتن لا يدلّ بأزيد عن التزلزل و التنبّه. و التنبّه الصرف و الترديد لا يزيد لصاحبه إلّا تحوّلا إمّا الى خير أو شرّ و فساد، و هذا أمر ضرورىّ في جريان كلّ حركة، حتّى يتحصّل الاطمينان و الاستحكام و الثبوت في أىّ طريق و جريان صلاحا أو فسادا.

. فَإِنّٰا قَدْ فَتَنّٰا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السّٰامِرِيُّ- 20/ 85. وَ قَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنٰاكَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنّٰاكَ فُتُوناً- 20/ 40. إِنْ هِيَ إِلّٰا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهٰا مَنْ تَشٰاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشٰاءُ- 7/ 155 و تفسّرها الآية الكريمة:

. كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنٰا تُرْجَعُونَ- 21/ 35 فالفتنة منصوب على أنّه مفعول له، أى و نوجد فيكم تحوّلا و تقلّبا في جريان حياتكم لأجل تحقّق الافتتان و الفتنة، فانّ الفتنة إيجاد الاختلال و الاضطراب، و قلنا إنّ اختلال النظم في الحياة يوجب تحوّلا الى خير أو الى شرّ، و الى تحقّق التثبّت و الاطمينان في أىّ طريق خيرا أو شرّا. فالفتنة مقدّم مفهوما و أعمّ من البلو.

و تقديم الشرّ: فانّ التحوّل في الأغلب يتحقّق بأمور لا يلائم الطبع، كالفقر و المرض و الضعف و الأذى و الحوادث و الضرر و غيرها.

فظهر أنّ الافتتان أوّل مرتبة من الابتلاء و الامتحان و الاختبار، و هو يدوم الى أن يحصل الاختبار و النتيجة، و على هذا يطلق الافتتان في القرآن الكريم في‌

27

موارد الاستخبار و تحصيل النتيجة:

. وَ مٰا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنٰاكَ إِلّٰا فِتْنَةً لِلنّٰاسِ- 17/ 60. وَ قَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنٰاكَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنّٰاكَ فُتُوناً- 20/ 40 يراد الافتتان الى أن ينتهى الى النتيجة و الخبر.

فالفتنة بالنسبة الى الوضع السابق و النظم الموجود ظاهراً: شرّ و اختلال و اضطراب، و أمّا بالنسبة الى النتيجة الحاصلة: خير أو شرّ.

و قد يستعمل الفتون في الجريان الاخروىّ، و ينتج التنبّه و التوجّه الى الحقّ و لو في الظاهر:

. وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكٰاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلّٰا أَنْ قٰالُوا وَ اللّٰهِ رَبِّنٰا مٰا كُنّٰا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ- 6/ 23 فالفتنة في أىّ عالم و في أىّ مقام و حالة تكون: لازم و مفيد و منتج، ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حىّ عن بينة.

فتى

مصبا- الفتىّ من الدوابّ: خلاف المسنّ و هو كالشابّ في الناس، و الجمع أفتاء، مثل يتيم و أيتام، و الأنثى فتيّة، و الفَتوى و الفُتيا: اسم من أفتى العالم: إذا بيّن الحكم. و استفتيته: سألته أن يُفتى. و يقال أصله من الفتى و هو الشابّ القوىّ، و الجمع الفتاوى، و يجوز فتح الواو للتخفيف. و الفتى: العبد، و جمعه في القلّة فتية، و في الكثرة فتيان، و الأمة فتاة، و جمعها فتيات. و الأصل فيه أن يقال للشابّ الحدث فتى ثمّ استعير للعبد و إن كان شيخا، مجازا تسمية باسم ما كان عليه.

مقا- فتى: أصلان: أحدهما- يدلّ على طراوة و جدّة. و الآخر- على‌

28

تبيين حكم. الفتىّ: الطرىّ من الإبل. و الفتى من الناس: واحد الفتيان. و الفتاء:

الشباب: يقال فتى بيّن الفتاء. و الأصل الآخر- الفتيا: أفتى الفقيه في المسألة:

إذا بيّن حكمها.

التهذيب 14/ 327- الليث- الفتىّ و الفتيّة: الشابّ و الشابّة و الفعل- فتو يفتو فتاء، و يقال فعل ذلك في فتائه. قال القتيبيّ: ليس الفتى بمعنى الشابّ و الحدث، إنّما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال. و يقال أفتى في المسألة إفتاءاً، و فتيا و فتوى اسمان من أفتى توضعان موضع الإفتاء. و أصل الإفتاء تبيين المشكل من الأحكام، أصله من الفتىّ و هو الشابّ الحدث الّذى شبّ و قوى، فكأنّه يقوّى ما أشكل ببيانه، فيشبّ و يصير فتيّا قويّا. و يقال للعبد فتى و للأمة فتاة. و عن النبىّ ص- لا يقولنّ أحدكم عبدى و أمتى، و لكن ليقل فتاي و فتأتي.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الأمر البالغ التامّ، سواء كان في موضوع خارجىّ أو أمر معنوىّ.

و من مصاديقه: الحكم الحقّ التامّ. و الأمر البالغ الكامل. و الرجل القوىّ المدبّر. و الشابّ الجزل العاقل.

و هذا هو الفرق بين الفتى و الشابّ، فانّ الشابّ أعمّ.

و هكذا الفرق بين الفتوى و النظر و الحكم، فانّ الفتوى نظر بالغ تامّ في أىّ جهة. و النظر مطلق. و يلاحظ في الحكم جهة البيت و اليقين.

فظهر الأمر الجامع بين مفهومى الفتى و الفتوى.

. يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلٰالَةِ- 4/ 176. فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَنٰاتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ- 37/ 149. قٰالَتْ يٰا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي- 27/ 32‌

29

. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنٰا فِي سَبْعِ بَقَرٰاتٍ- 12/ 46. قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيٰانِ- 12/ 41 يراد ما هو الحقّ و الواقع في هذه الموارد، سواء كان حكما تشريعيّا كما في الكلالة، أو تكوينيّا كما في البنات للّٰه تعالى، أو امرا حادثا مجهولا كما في الباقي.

فالفتوى ليس مخصوصا بالأحكام التشريعيّة، كما هو المتفاهم عرفا، بل كلّما يتبع موضوعا و هو حقّ.

. قٰالُوا سَمِعْنٰا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقٰالُ لَهُ إِبْرٰاهِيمُ- 21/ 60. وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِفَتٰاهُ لٰا أَبْرَحُ حَتّٰى أَبْلُغَ- 18/ 60. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ .... إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ- 18/ 10- 13. وَ قٰالَ لِفِتْيٰانِهِ اجْعَلُوا بِضٰاعَتَهُمْ- 12/ 62. وَ قٰالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرٰاوِدُ فَتٰاهٰا- 12/ 30 يراد الرجل التامّ البالغ و الشابّ المدبّر العاقل، و ليس بمعنى العبد المملوك، فانّ ابراهيم (ع) و فتى موسى (ع) و أصحاب الكهف: ليسوا بعبيد مملوكين قطعا، بل أحرار بالغون في التدبير و العقل.

و أمّا يوسف ع: فكان يعامل معاملة فتى بالغ كامل في العمل.

و أمّا حديث النبىّ ص- و لكن ليقل فتاي: فناظر الى الخضوع و التواضع و الى تعظيم و احترام عن عبد مخلوق للّٰه عزّ و جلّ و الى تأدّب في الكلام.

فظهر لطف التعبير بالمادّة في الموردين، دون كلمات اخرى- الرجل الصاحب، الغلام، العبد، الشابّ، الحكم، و غيرها.

و هكذا يلاحظ لطف التجليل و التوقير في التعبير بالفتاة:

. وَ لٰا تُكْرِهُوا فَتَيٰاتِكُمْ عَلَى الْبِغٰاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً- 24/ 33. فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ- 4/ 25‌

30

و ذلك بمناسبة إرادتهنّ تحصّنا و بكونهنّ مؤمنات، مع كونهنّ مملوكات‌

فجّ

مصبا- الفجّ: الطريق الواضح الواسع، و الجمع فجاج، و الفجّ من الفاكهة و غيرها: ما لم ينضج.

مقا- فجّ: أصل صحيح يدلّ على تفتّح و انفراج، من ذلك الفجّ: الطريق الواسع. و يقال قوس فجّاء: إذا بان و ترها عن كبدها. و ممّا شذّ عن هذا الأصل:

الفجّ: الشي‌ء لم ينضج ممّا ينبغي نضجه. و أفجَّ يُفجّ: إذا أسرع.

صحا- فجّ: الطريق الواسع بين الجبلين. و فججت ما بين رجلىّ أفجّهما فجّا: إذا فتحت، يقال يمشى مفاجّا، و قد تفاجّ. و رجل أفجّ: بيّن الفجج. و كلّ شي‌ء من البطّيخ و الفواكه لم ينضج: فهو فجّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الانفراج الواضح بين الطرفين. و من مصاديقه: الطريق الواضح المعيّن بين الجبلين أو في البرّ من وسط الصحراء. و الانفراج الواقع بين الرجلين إذا فتحتهما و وسّعتهما. و الفواكه إذا كانت في جريان النضج و لم يبلغ أو ان نضجها. و انشقاق و انفراج بين الشيئين.

. وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ- 22/ 27 أى يأتين من كلّ طريق واضح.

اشارة الى تحقّق الاستطاعة و الامكانات من جهة الطريق: أمنِه و تبيّنه و وضوحه و انتفاء الموانع المضرّة أو المضلّة.

و العميق: المتسفّل، فانّ الطريق كلّما يكون متباعدا: فهو أشدّ تسفّلا و‌

31

انحطاطا بالنسبة الى هذه النقطة المقصودة، و هذا من جهة الكرويّة الواقعةُ في الأرض.

. وَ اللّٰهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسٰاطاً لِتَسْلُكُوا مِنْهٰا سُبُلًا فِجٰاجاً- 71/ 20. وَ جَعَلْنٰا فِي الْأَرْضِ رَوٰاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنٰا فِيهٰا فِجٰاجاً سُبُلًا- 21/ 31 البسط في الأرض يقتضى وجود السُبل، و السبيل يقتضى الانفراج. و هذا الترتيب طبيعىّ كما في الآية الأولى. و أمّا تقديم الفجاج في الثانية: فبلحاظ مقابلته بالرَواسى، و النظر الى جعل الرواسي و الفجاج.

فجر

مصبا- فجر الرجل القناة فجراً من باب قتل: شقّها. و فجر الماء: فتح له طريقا، فانفجر، أى فجرى. و فجر العبد فجورا من باب قعد: فسق و زنى. و فجر الحالف فجورا: كذب. و الفجر: اثنان: الأوّل الكاذب و هو المستطيل. و الثاني الصادق و هو المستطير.

مقا- فجر: أصل واحد و هو التفتّح في الشي‌ء، من ذلك الفجر: انفجار الظلمة عن الصبح. و منه انفجر الماء: تفتّح. و الفجرة: موضع تفتّح الماء. ثمّ كثر هذا حتّى صار الانبعاث و التفتّح في المعاصي فجورا. و لذلك سمّى الكذب فجورا. ثمّ كثر هذا حتّى سمّى كلّ مائل عن الحقّ فاجرا. و من الباب الفجر، و هو الكرم و التفجّر بالخير. و مفاجر الوادي: مرافضه، و لعلّها لانفجار الماء فيها. و منفجر الرمل: طريق يكون فيه: و يوم الفجار: يوم استحلّت فيه الحرمة.

صحا- فجرت الماء أفجره فانفجر: بجسته فانبجس، و فجرّته: شدّد للكثرة، فتفجرّ. و الفجر في آخر الليل كالشفق في أوّله، و قد أفجرنا كما يقول أصبحنا من الصبح. و الفجار: أربعة أفجرة كانت بين قريش و من معها من كنانة،

32

و بين قيس عيلان في الجاهليّة، و إنّما سمّيّت فجارا لأنّها كانت في الأشهر الحرم. و قالوا قد فجرنا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انشقاق مع ظهور شي‌ء. و من مصاديقه:

انشقاق الظلمة و طلوع نور و ضياء. و انشقاق في الجبل و نبوع الماء. و انشقاق حالة الاعتدال و خروج أمر مخالف يوجب فسقا و طغيانا. و انشقاق حالة الإمساك بظهور الكرم.

فلا بدّ في صدق الأصل: من تحقّق اللحاظين. و بهذا القيدين يتميّز عن موادّ- الفجّ، الفرج، الفتح، الفجو، الفلق، الشقّ.

. وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً- 17/ 90. وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً- 54/ 12. وَ إِنَّ مِنَ الْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهٰارُ- 2/ 74. فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً- 2/ 60 يراد انشقاق الأرض و الحجارة و ظهور العين و النهر و الينبوع.

و النظر في العين: الى جهة الصدور من المَنبع. و في النهر الى جهة الجريان من حيث هو. و في الينبوع الى الجهتين. و اطلاق كلّ منها بتناسب المورد و اقتضائه، كتناسب الأرض بالعين و كونها منبعاً بالأصالة أو بالإيجاد و الجعل كما في- فقلنا اضرب بعصاك الحجر. و إطلاق الينبوع من جهة سؤالهم ذلك المجموع.

. حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ- 2/ 187 أى الخطّ المعترض الأبيض في الأفق الشرقىّ، المتحصّل من تحقّق الفجر، و هو الانشقاق في ظلمة الأفق فيخرج منه نور من الشمس.

. سَلٰامٌ هِيَ حَتّٰى مَطْلَعِ الْفَجْرِ- 97/ 5‌

33

أى علوّه و ظهوره و تبيّنه.

و الفجر و ليال عشر، و قرآن الفجر- راجع الليل- قرء.

. وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا- 91/ 8. أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّٰارِ- 38/ 28. أُولٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ- 80/ 42. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبٰادَكَ وَ لٰا يَلِدُوا إِلّٰا فٰاجِراً كَفّٰاراً- 71/ 27 فجر فُجورا فهو فاجر، و جمعه فجرة و فجّار، كالطالب و الطلبة و الطلّاب، و الفجور هو انشقاق في حالة التقوى و العدالة و ظهور الفسق و العدوان، و على هذا يقابل في الآيتين بالتقوى و المتّقى.

. بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسٰانُ لِيَفْجُرَ أَمٰامَهُ- 75/ 5 فانّ الإنسان من الانس و هو يتقرّب للاستيناس طبعا، و الفجور خروج عن التقوى الى التمايل و الشهوات و الفسق. و الأمام ظرف قبال الخلف و هو بين يدي الإنسان و في مورد المواجهة و التوجّه.

فالإنسان بمقتضى طبيعته الماديّة البدنيّة: مسيره و مقصوده الخروج عن التقوى و العفّة، و التمايل الى الشهوات النفسانيّة، و الغفلة عن الحياة الروحانيّة:

. إِنَّ الْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ- 82/ 14. كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الفُجّٰارِ لَفِي سِجِّينٍ- 83/ 7 فانّ برنامج عملهم محصورة في محدودة الحياة الدنيويّة الفانية، و يتجلّى في الآخرة بصورة الجحيم و السجّين، فانّه صفر اليد عن الحياة الاخرويّة و عن لذائذها و نعيمها.

فجو

مصبا- الفجوة: الفرجة بين الشيئين، و جمعها فجوات مثل شهوة و‌

34

شهوات. و فجوة الدار: ساحتها. و فجئت الرجل: أفجؤه من باب تعب: جئته بغتة.

مقا- فجو: يدلّ على اتّساع في شي‌ء. فالفجوة: المتّسع بين شيئين. و قوس فجواء: بان وترها عن كبدها. و الفجا: تباعد ما بين عرقوبى البعير.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انفراج وسيع بين شيئين، فيلاحظ فيها القيدان: السعة، و بين الشيئين.

و بهذين القيدين تفترق عن موادّ- الفرج، و الفجّ، الفجم، الفجر. و قد تختلط مفاهيم هذه الموادّ.

. وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذٰا طَلَعَتْ تَتَزٰاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذٰاتَ الْيَمِينِ وَ إِذٰا غَرَبَتْ .... وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ- 18/ 18 أى في محوطّة متسعة من الكهف بحيث لا يؤذيهم ضيق المحلّ و لا حبس الهواء و لا حرّ الشمس.

و التعبير بالمادّة: إشارة الى كون تلك المحوّطة إنّما تحصل بانفراج بعد التضيّق، فكأنّ الجدارين في ذلك المحلّ انفرجا.

فحش

مصبا- فحش الشي‌ء فحشا مثل قبح قبحا وزنا و معنى. و في لغة من باب قتل، و هو فاحش، و كلّ شي‌ء جاوز الحدّ فهو فاحش، و منه غبن فاحش، إذا جاوزت الزيادة ما يُعتاد مثله، و أفحش الرجل: أتى بالفحش، و هو القول السّي‌ء، و جاء بالفحشاء، مثله، و رماه بالفاحشة، و جمعها فواحش. و أفحش: بخل.

مقا- فحش: كلمة تدلّ على قبح في شي‌ء و شناعة. يقولون كلّ شي‌ء جاوز قدره فهو فاحش، و لا يكون ذلك إلّا فيما يُتكرّه. و فحش و هو فحّاش. و‌

35

يقولون: الفاحش: البخيل، و هذا على الاتّساع. و البخل أقبح خصال المرء.

لسا- الفحش و الفحشاء و الفاحشة: القبيح من القول و الفعل و جمعها الفواحش. و أفحش عليه في المنطق: قال الفحش. و كلّ خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال و الأفعال. و كلّ شي‌ء جاوز حدّه و قدره فهو فاحش. و كلّ أمر لا يكون موافقا للحقّ و القدر فهو فاحشة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو القبح البيّن. و الفرق بينها و بين موادّ- القبح و الهجن و السوء و الكراهة و الفضح و الضرّ و الفساد:

أنّ القبح في قبال الحسن، أعمّ من أن يكون في قول أو فعل، و تكون في الصورة.

و الهجن: قبح في عيب لا مطلقا.

و السوء: غير مستحسن في ذاته، في صورة أو غيرها، و يكون فيما يُعلم.

و الضرّ: في قبال النفع، يكون فيما لا يُعلم، و قد يكون في نفسه مطلوبا.

و الفساد: اختلال في عمل أو رأى، في قبال الصلاح.

و الفضح: انكشاف السوء و ظهوره و اشتهاره.

و الكراهة: في قبال الحبّ، ما يكون غير مطلوب.

و اظهار القول السّي‌ء، و إبراز البخل، و التجاوز عن الحقّ في مقام العمل: من مصاديق الأصل. و كلّ عصيان إذا كان بيّنا شديدا فهو فاحشة و فحشاء، و الفحشاء أشدّ مفهوما بوجود المدّ.

و المراد من البيّن و الظهور: ما يكون بيّنا قبحه في نفسه و معلوما عند العرف و الشرع، و إن كان في باطن- كما في:

. وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ- 6/ 151. قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ- 7/ 33‌

36

أى إذا كانت بيّنة، و قلنا إنّ البيّن ما يكون واضحا و منكشفا.

و يدلّ على أنّه غير السُوء و المنكر و البغي و الظلم و الزنا و الزنا و الإثم: قوله تعالى:

. إِنَّمٰا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشٰاءِ- 2/ 169. وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ- 16/ 90. وَ الَّذِينَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا- 3/ 135. وَ لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ إِنَّهُ كٰانَ فٰاحِشَةً- 17/ 32. وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ- 42/ 37 فالفاحشة إنّما ذكرت في مقابل هذه الموضوعات، فهي غيرها مفهوما، و إن كانت من مصاديقها إذا تبيَّنت و انكشفت عند العرف.

و لا يخفى أنّ الفحش و هو القبح البيّن: إنّما يوجد بتمايل و علاقة من القلب، فانّ العمل مظهر ما في الباطن، و الإناء يترشّح بما فيه. و هذا التمايل ينافي التوجّه الى اللّٰه تعالى و التعلّق به- ما جعل اللّٰه لرجل من قلبين في جوفه.

و على هذا قال تعالى:

. إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللّٰهِ أَكْبَرُ- 29/ 45 فانّ الصلوة هي الثناء الجميل و التحيّة، في حالة الإقبال و المواجهة و الخضوع و بصورة عبادة مخصوصة، و يلازم هذا المعنى ترك التمايل و التعلّق بالمنكر و الفحشاء:

. وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ- 24/ 21. إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ .... وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ- 16/ 90 فظهر أنّ الفحشاء تمنع عن السلوك الى اللّٰه عزّ و جلّ و عن تحصيل صفة الإخلاص في سبيله و عن الوصول الى مقام العبوديّة:

. كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشٰاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبٰادِنَا الْمُخْلَصِينَ- 12/ 24. مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا الْعَذٰابُ ضِعْفَيْنِ- 33/ 30‌

37

عبّر بقوله تعالى- مُبيّنة- أى ما جعل بيّنا و واضحا ما جانب اللّٰه بحيث لا يبقى عذر في العلم به و تبيّنه، و هذا غير كونه بيّنا في نفسه، فان الأمر البيّن قد يجهل به. و نظير هذا الموضوع:

. وَ لَقَدْ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكُمْ آيٰاتٍ مُبَيِّنٰاتٍ- 24/ 34 فانّ توجّه التكليف إنّما هو بعد التبيين.

فخر

مصبا- فخرت به فخرا من باب نفع، و افتخرت مثله، و الاسم الفخار، و هو المباهاة بالمكارم و المناقب من حسب و نسب و غير ذلك. و فاخرنى مفاخرة ففخرته: غلبته. و تفاخر القوم فيما بينهم: إذا افتخر كلّ منهم بمفاخره. و شي‌ء فاخر:

جيّد. و الفخار: الطين المشوىّ و قبل الطبخ هو خزف.

مقا- فخر: أصل صحيح يدلّ على عظم و قدم، من ذلك الفخر، و يقولون في العبادة عن الفخر: هو عدّ القديم. قال أبو زيد: فخرت الرجل على صاحبه أفخره فخرا: فضّلته عليه، و الفخير: الّذى يفاخرك. و الفخّير: الكثير الفخر. و التفخّر:

التعظّم. و الناقة الفخور: العظيمة الضرع القليلة الدرّ. و الفاخر من البسر، الّذى يعظم و لا نوى فيه. و فرس فخور: إذا عظم جردانه.

لسا- الفخر و الفخر و الفخار و الفخارة و الفخّيرى و الفخّيراء:

التمدّح بالخصال و الافتخار و عدّ القديم. و فلان متفخّر متفجّس. و المفخرة بفتح الخاء و ضمّها: المأثرة و ما فخر به. و فيه فخرة أى فخر، و إنّه لذو فخرة. و الفخّار:

الخزف.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادة: هو دعوى فضيلة له ممتازة في قبال آخرين،

38

و هذه الفضيلة إمّا في نفسه من صفة باطنيّة أو عمل، و إمّا في الخارج كالفضيلة في حسبه أو نسبه أو صاحبه، و يكون النظر الى تعظّم و تشرّف و تمدّح مستندا الى فضيلة معيّنة.

و التعظيم: مطلق، سواء كان مستندا الى سبب أم لا.

و الافتخار إن كان راجعا الى تعظيم النفس و التوجّه اليه أو الى تحقير الناس و إهانتهم: فهو من خبائث الصفات.

و قد يكون للإشارة الى تجليل شخص و تعريفه بمقام ممتاز بحيث يليق أن يُفتَخر به، أو للإشارة الى عظمة صفة أو عمل يُفتخر به، أو يكون قصده التواضع و الخضوع: ففي هذه الصور يكون ممدوحا.

و بهذا المعنى يفترق الافتخار عن المباهاة: فانّها من البهاء بمعنى الحسن و الظرافة. و مرجع المباهاة الى التفوّق من هذه الجهة في نفسه.

و أمّا الفخّار بمعنى الخزف: فكأنّه يفتخر بلسان حاله على سائر الطين و التراب بفضيلة حرارة أصابته حتّى طبخ. مضافا الى كون هذه الكلمة قريبة من اللغة الآراميّة- فحاراء- كما في- فرهنگ تطبيقى.

. خَلَقَ الْإِنْسٰانَ مِنْ صَلْصٰالٍ كَالْفَخّٰارِ- 55/ 14 قلنا إنّ الصَلصال هو الطين اليابس. و إذا اشتدّ يبسه في أثر حرارة الشمس يصير كالخزف. و نموّ الأشجار و إثمارها و بلوغها كما أنّها تحتاج الى الماء كذلك تحتاج الى اليبس و قطع الرطوبة و الماء، حتّى تشتدّ الشجرة و تصلب و تؤتى أكلها على ميزان استعدادها في نفسها.

. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفٰاخُرٌ بَيْنَكُمْ- 57/ 20. إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ مَنْ كٰانَ مُخْتٰالًا فَخُوراً- 4/ 36. إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتٰالٍ فَخُورٍ- 31/ 18 سبق أنّ الاختيال من الخيل، و هو الحالة المخصوصة المنعقدة المرتّبة خارجا أو ذهنا، و هو أعمّ من الظنّ و الوهم، و حالة التكبّر أو التبختر من مصاديقه.

39

و الفخور كالذلول من يتّصف بصفة الافتخار، بحيث يكون من شأنه ذلك. و التفاخر. مداومة الافتخار. و التعبير بالصيغتين: إشارة الى وجود أصل الصفة.

و لا ريب أنّ الإنسان يطلب بالطبع كمالا و نيلا الى ما يفقده، و هو إذا كان في مسير الحياة الدنيا و في العيش المادّىّ: فلا بدّ أنّه يطلب سعة في العيش المادّىّ و تزايدا في زينته و قوّة في أسبابه، حتّى يتحصّل له التفاخر بها على أقرانه من أهل الدنيا.

و هذا مسير قبال مسير الحياة الآخرة الروحانيّة الإلهيّة، و الإنسان كلّما قرب من واحد منهما بعد من الآخر.

و لا يخفى أنّ كمال الإنسان من جهة الروحانيّة و في الحقّ و بالحقّ: إنّما هو بالقرب من مبدأ الكمال و بالاتصاف بصفاته، و هذا المعنى انّما يتحصّل بالعبوديّة الخالصة و الخضوع التامّ و الفناء الكامل و انمحاء الأنانيّة و الانصراف عن التمايلات الدنيويّة النفسانيّة، فلا يبقى حينئذ مجال للافتخار و المباهاة- و لا تفرحوا بما آتاكم.

فدى

مصبا- فداه من الأسر يفديه فدى، و تفتح الفاء و تكسر: إذا استنقذه بمال. و اسم ذلك المال الفدية، و هو عوض الأسير، و جمعها فدى و فديات مثل سدرة. و فاديته مفاداة و فداء: أطلقته و أخذت فديته. و قال المبرّد: المفاداة أن تدفع رجلا و تأخذ رجلا. و الفدى: أن تشتريه. و قيل هما واحد، و تفادى القوم:

اتّقى بعضهم ببعض، كان كلّ واحد يجعل صاحبه فداء و فدت المرأة نفسها من زوجها و افتدت: أعطته مالا حتّى تخلّصت منه بالطلاق.

مقا- فدى: كلمتان متباينتان جدّا. فالاولى- أن يجعل شي‌ء مكان شي‌ء حمى له. و الاخرى شي‌ء من الطعام. فالاولى قولك فديته أفديه، كأنّك‌

40

تحميه بنفسك أو بشي‌ء يعوّض عنه، يقولون هو فداؤك، إذا كسرت مددت و إذا فتحت قصرت، يقال هو فداك. و تفادى من الشي‌ء: إذا تحاماه و انزوى عنه. و الكلمة الأخرى- الفَداء ممدود، و هو مِسطع التمر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: جعل شي‌ء عوضا عن شي‌ء أو أمر يُلزم عليه، سواء كان كلّ واحد منهما مالا أو موضوعا خارجيّا. و هذا كفداء مال أو شخص عن أسير في إطلاقه. و فداء مال في تطليق الزوجة. و إعطاء مال لرفع عقوبة و تخليص النفس عنها. و الفدية في قبال ترك واجب أو كفّارة.

و أمّا الفداء: فكأنّ ذلك الوعاء لتمر أو حنطة أو شعير، كان كيلا في بعض الموارد، فدية عن امور.

فيقال فدى الشي‌ء بمال:

. وَ فَدَيْنٰاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ- 37/ 107 أى جعلنا هذا الذبح العظيم عوضا عن ذبح إسماعيل، و يطلق على هذا العوض: الفدية على فعلة، و يدلّ على نوع من الفداء.

. وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ- 2/ 184. فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ- 2/ 196. فَالْيَوْمَ لٰا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ- 57/ 15 أى عوض في قبال تأخير الصوم، أو التعجيل في الحلق في الحجّ، أو في القيامة.

و أمّا الفداء: مصدر مجرّد أو من المفاعلة:

. فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً- 47/ 4 أى فإذا صاروا تحت السلطة و الإسارة و الوثاق: فامّا تطلقونهم أو تفادونهم‌

41

بالإطلاق و أخذ المفدىّ.

و التعبير بمصدر فاعل: اشارة الى استمرار الفدية، من جهة الكثرة و التعدّد في الأسارى.

و قلنا إنّ النظر في الفداء و مشتقّاته الى جعل شي‌ء عوضا و فدية، سواء كان ذلك الفديةُ مالا في قبال استنقاذ أسير، أو أسيرا في قبال أخذ أسير آخر أو مال أو حقّ أو امتياز مخصوص.

فالفادى هو من يُعطى فدية. و المفدىّ هو ما يُعطى له و لاستنقاذه، فالفادىّ هو آخذ المفدىّ لا الفديةُ.

. وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسٰارىٰ تُفٰادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ- 2/ 85 أي تجعلونهم فدية لأخذ ما تطلبون، فتطلقونهم مستمرّا. فالنظر ابتداء الى إعطائهم فدية في قبال ما هو مقصودهم.

و الافتداء: افتعال بمعنى إختيار الفداء، كما في:

. وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مٰا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ- 10/ 54. يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذٰابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ- 70/ 11. لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذٰابِ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ- 5/ 36 أى يختارون الفداء به.

و ليعلم أنّ عذاب يوم القيامة إنّما ينشأ من ظلمة النفس و محجوبيّته عن النور و الرحمة، في أثر الأعمال السيّئة و الأفكار الباطلة و الصفات الخبيثة، و إذا تحصّل ذلك فلا يفيد في رفعه و إصلاحه الفداء.

فانّ الفداء لا يناسب رفع المحجوبيّة عن النفس، و لا يؤثّر في إزالة آثار الظلم و الطغيان و العصيان، مضافا الى انقضاء زمان العمل و التكليف بالموت و الرحلة عن الدنيا:

. وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ- 19/ 39‌

42

فرت

مصبا- فرات: نهر عظيم مشهور يخرج من حدود الروم ثمّ يمرّ بأطراف الشام ثمّ بالكوفة ثمّ بالحلّة ثم يلتقى مع دجلة في البطائح، و يصيران نهرا واحدا ثمّ يصبّ عند عبّادان في بحر فارس. و الفرات: الماء العذب، يقال فرت الماء فروتة:

وزان سهل سهولة إذا عذب.

صحا- الفرات: الماء العذب، يقال ماء فرات و مِياه فرات و الفرات اسم نهر الكوفة. و الفراتان: الفرات و دجيل.

لسا- الفرات: أشدّ الماء عذوبة- هذا عذب فرات و هذا مِلح أجاج. و قد فرت الماء يفرت فروتة: إذا عذب، فهو فرات و قال ابن الأعرابىّ: فرت الرجل بكسر الراء: إذا ضعف عقله بعد مسكه. و الفرت: لغة في الفتر، كأنّه مقلوب عنه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو العذوبة و اللطافة في الماء. و الفرات كالشجاع: الماء المتّصف بالعذوبة و اللطافة، و بلحاظ هذه الصفة يجعل اسما لماء نهر و لنهر ماء عذب لطيف، فانّه ينبع و يجرى من جبال أرمينيا من مملكة تركيّة، و هي في امتداد جبل آرارات في الشمال الشرقىّ من تركيّا الفعليّة، ثمّ يجرى الى سوريّا و العراق.

. وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هٰذٰا عَذْبٌ فُرٰاتٌ- 25/ 53. وَ مٰا يَسْتَوِي الْبَحْرٰانِ هٰذٰا عَذْبٌ فُرٰاتٌ سٰائِغٌ شَرٰابُهُ- 35/ 12. وَ جَعَلْنٰا فِيهٰا رَوٰاسِيَ شٰامِخٰاتٍ وَ أَسْقَيْنٰاكُمْ مٰاءً فُرٰاتاً- 77/ 27 و قد ذكر الفرات في الآية الاولى في مقابل الأجاج، و قلنا إنّ الأجّ حدّة مع الشدّة، و ذكر العذب في مقابل الملح- [و هذا ملح أجاج] و قلنا إن العذب هو ما يلائم الطبع و يقتضيه الحال.

43

فتفسير الفرات بالعذب تقريبىّ لا تحقيقىّ. فانّ العذب قد ذكر في الآيتين الكريمتين في رديف الفرات و قبله، فالعذب عامّ لكلّ ما يلائم الطبع من أىّ جهة. و الفرات هو الملائم اللطيف منه. كما أنّ الأجاج: الماء إذا كان ذا ملوحة و أجّ و حدّة.

و هذا لطف التعبير في الآية الثالثة: بقوله تعالى- ماء فراتا، من دون ذكر العذب منفردا أو مع الفرات، فانّ ذكر الفرات يكفى في تعريف الماء المشروب عن قيد العذب، لكونه خاصّا، و فيه معنى العذوبة مع قيد زائد و هو اللطافة، فيختصّ بالإنسان.

و أمّا ذكر القيدين فيما يرتبط بالبحر في الآيتين: فانّ ماء البحر فيه جهة عموميّة و هي الملائمة المطلقة، و جهة خصوصيّة و هي اللطافة، و هكذا الملوحة و الأجّ. و لا يناسب التعريف بصفة خاصّة فقط، ففيه اقتضاء ملائمة الطبع من أىّ حيوان و انسان، و اقتضاء صفة اللطافة ليكون مخصوصا لشرب الإنسان.

فرث

مقا- فرث: اصيل يدلّ على شي‌ء متفتّت، يقال: فرث كبدها: فتّها. و الفرث: ما في الكرش. و يقال على معنى الاستعارة: أفرث فلان أصحابه: إذا سعى بهم و ألقاهم في بليّة.

صحا- الفرث: السرجين ما دام في الكرش، و الجمع فروث.

ابن السكّيت: فرثت للقوم جلّة أفرثها و أفرثها: إذا شققتها ثمّ نثرت ما فيها. و فرثت كبده أفرثها فرثا و فرّثتها تفريثا: إذا ضربته و هو حىّ، فانفرثت كبده أى انتثرت. و أفرثت الكبد: إذا شققتها و ألقيت ما فيها.

لسا- الفرث: السرجين ما دام في الكرش. ابن سيده: الفرث السرقين، و الفرث و الفراثة: سرقين الكرش. و فرث الحبّ كبده و أفرثها و فرّثها: فتّتها. و‌

44

انفرثَت كبده: انتثرت. و في حديث امّ كلثوم (ع) قالت لأهل الكوفة: أ تدرون أىّ كبد فرثتم لرسول اللّٰه ص؟ الفرث: تفتيت الكبد بالغمّ و الأذى. و أفرث أصحابه:

عرّضهم للسلطان أو كذّبهم عند قوم ليصغّرهم عندهم أو فضح سرّهم و امرأة فرث:

تبزق و تخبث نفسها في أوّل حملها.

و التحقيق

أنّ التفتّت: الانكسار و الانتشار. و الكرش و الكرش: لذي الخفّ و الظلف و كلّ مجترّ بمنزلة المعدة للإنسان. و الاجتزار: إعادة الغذاء من البطن للمضغ ثانية. السرجين و السرقين: معرّب سرگين. و الجلّة: القفّة و هي الزنبيل يتّخذ من ورق النخل و نحوه. و البزق: هو اضطراب في المعدة في أوّل الحمل حتّى تكاد تتقيّأ.

و أمّا الأصل الواحد في المادّة: فهو انشقاق مع اختلال في نظم الشي‌ء. و من مصاديقه: الفرث في الكبد. و التفتّت في اجتماع الأصحاب. و الاضطراب و الاختلال في جهاز الهاضمة بحصول حالة التقيّؤ. و الانكسار و التفتّت في الأكل حتّى يصير فرثا. و شقّ ظرف التمر و غيره و نثر محتواه.

و باعتبار مفهوم الأصل يطلق الفرث على سرجين الكرش، حيث إنّه لم يتغيّر الأكلّ بالكليّة، بل حصل له انكسار و اختلال و يحتاج الى مضغ ثانوىّ، حتّى يقال له الروث. فالروث سرجين الفرس و كلّ ذى حافر، فيقال راث أى تغوّط.

. وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعٰامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّٰا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خٰالِصاً سٰائِغاً- 16/ 66 أى يخرج من البطن من بين حالة الفرث و الدم، فانّ الدم يتكوّن من الاكل بعد مضغه الكامل، فاللبن إنّما يتحصّل من الفرث و قبل تكوّنه دما، فهو أوّله فرث و آخره دم، و فيما بينهما شراب خالص لذيذ مغذّى سائغ نافع مطلوب، ليس‌

45

فيه كراهة و قذارة لا مادّة و لا شكلا و لا لونا و لا رائحة.

فرج

مصبا- فرجت بين الشيئين فرجا من باب ضرب: فتحت. و فرج القوم للرجل فرجا أيضا: أوسعوا في الموقف و المجلس، و ذلك الموضع فرجة، و الجمع فرج، و كلّ منفرج بين شيئين فهو فرجة، و كلّ موضع مخافة فرجة. و الفرجة بالفتح: مصدر يكون في المعاني و هي الخلوص من شدّة. و فرّج اللّٰه الغمّ كشفه، و الاسم الفرج. و الفرج من الإنسان: يطلق على القبل و الدبر، لأنّ كلّ واحد منفرج.

مقا- فرج: أصل صحيح يدلّ على تفتّح في الشي‌ء، من ذلك الفرجة في الحائط و غيره: الشقّ. يقال فرجته و فرّجته. و يقولون إنّ الفرجة: التفصّى من همّ أو غمّ، و القياس واحد. و الفروج: الثغور الّتى بين مواضع المخافة، و سمّيت لأنّها محتاجة الى تفقّد و حفظ. و الفرج: الّذى لا يكتم السرّ، و الفرج مثله. و الفرج:

الّذى لا يزال ينكشف فرجه.

صحا- فرّج اللّٰه غمّك تفريجا، و كذلك فرّج اللّٰه غمَّك يفرج، و الفرج:

العورة. و الفرج: الثغر و موضع المخافة. و بينهما فرجة، أى انفراج. و الفرج:

القوس البائنة عن الوتر، و كذلك الفارج و الفريج. و رجل أفرج: للّذى لا يلتقى أليتاه لعظمهما.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو حصول مطلق انفراج بين الشيئين، في مادّىّ أو معنوىّ، و سبق في موادّ- الفتح، و الفتق، و الفجّ، و الفجر، و الفجور:

امتياز كلّ منها.

46

فالفتح: يقابل الإغلاق، و هو رفع الإغلاق و السدّ.

و الفتق: يقابل الرتق، و هو انفراج في قبال الالتيام.

و الفجّ: انفراج واضح بين الطرفين.

و الفجر: انشقاق مع ظهور شي‌ء فيه.

و الفجو: انفراج وسيع بين شيئين.

و قلنا إنّ الشقّ: انفراج مطلق مع تفرّق أم لا.

و الانكشاف: زوال الغطاء و رفعه عن الشي‌ء حتّى يظهر.

و الفصل: ما يقابل الوصل بين شيئين.

فالنظر في مادّة الانفراج: الى حصول مطلق فرجة، مادّيّا أو معنويّا، بين شيئين. و قد لوحظ في استعمالات القرآن الكريم، خصوصيّة كلّ من هذه الموادّ، و إن اختلطت و اشتبهت في كتب التفاسير و اللغة، و بهذا خفيت اللطائف و الدقائق الملحوظة في كلمات اللّٰه عزّ و جلّ فيما مرتبط بها، كسائر الموارد.

فالانفراج المعنوىّ: كقولهم- فرج اللّٰه غمكّ و همّك، أى كشفه، يراد تحصّل الانفراج بينه و بين الغمّ و الهمّ.

و المادّىّ: كما في-. فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَ إِذَا السَّمٰاءُ فُرِجَتْ وَ إِذَا الْجِبٰالُ نُسِفَتْ- 77/ 9. أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمٰاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنٰاهٰا وَ زَيَّنّٰاهٰا وَ مٰا لَهٰا مِنْ فُرُوجٍ- 50/ 6 الانفراج يخالف النظم و الارتباط و الاتّصال، و السماوات فيها نظم كامل و ارتباط تامّ ليس فيها خلل و لا فرج، و أمّا في الآخرة: فيختلّ النظم و يوجد الفصل و الانفراج فيها، بزوال عالم الطبيعة و انقضاء أجله.

. وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرٰانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهٰا- 66/ 12. وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ*- 70/ 29. يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ- 24/ 30‌

47

الفرج هو الانفراج، و الانفراج المخصوص الظاهر في أعضاء البدن هو الفرجة فيما بين الرجلين، و في تلك الفرجة تظهر قوّة التمايل و الشهوة في المرء و المرأة، و كلّ من القبل و الدبر جعل فيها، و كذلك الالتذاذات الشهويّة و التمايلات النفسانيّة إنّما تنتهي اليها و تجرى في الخارج بها.

ففي هذا التعبير لطف من جهتين: الأوّل- التوقّى عن ذكر كلمة تدلّ على ما يستقبح ذكره إلّا على طريق الكناية.

الثاني- تعميم الإحصان و الحفظ للقبل و الدبر و حواليهما ممّا يستلذّ بها في العرف، كما فيما بين الفخذين.

و هذا أبلغ في الهداية الى العفّة، و أتمّ في الإرشاد الى الإحصان و الحفظ و التقوى، و أبسط في تبيين الحكم المنظور.

و يذكر حفظ الفروج بعد غضّ البصر: فانّ الغضّ مقدّمة للحفظ، كما أنّ الإبصار ينتهى الى عدم المصونيّة في الفروج عملا.

فغضّ البصر من المرء و المرأة واجب نفسىّ و واجب غيرىّ، و بالغضّ يحفظ النفس عن ارتكاب الفاحشة و عن الارتطام في الهلاكة.

و هذا الحكم يستوي فيه الرجل و المرأة، و هو من أعلى التكاليف الّتى يحفظ بها عفاف الاجتماع و نظمه و صلاحه و فلاحه.

فرح

مصبا- فرح فرحا، فهو فرح و فرحان، و يستعمل في معان: أحدها- الأشر و البطر- إنّ اللّٰه لا يحبّ الفرحين. و الثاني- الرضا- كلّ حزب بما لديهم فرحون. و الثالث- السرور- فرحين بما آتاهم اللّٰه. و يقال فرح بشجاعته و نعمة اللّٰه عليه و بمصيبة عدوّه، فهذا الفرح لذّة القلب بنيل ما يشتهى. و يتعدّى بالهمزة و التضعيف.

48

مقا- فرح: أصلان: يدلّ أحدهما على خلاف الحزن، و الآخر- الإثقال. فالأوّل- يقال فرح يفرح فرحا. و المفراح: نقيض المحزان. و أمّا الأصل الآخر- فالإفراح: الإثقال.

التهذيب 5/ 20- قال الليث: رجل مفرح: قد أثقله الدين- قال النبىّ ص: و لا يترك في الإسلام مفرح. قال أبو عبيد: المفرح: الّذى قد أثقله و أفرحه الدين و لا يجد قضاءه. و رجل فرح و فرحان، و امرأة فرحة و فرحى.

لسا- الفرح: نقيض الحزن، و قال ثعلب: هو أن يجد في قلبه خفّة. و الفرح أيضا: البطر. و الفرحة و الفرحة: المسرّة. و الفرحة أيضا: ما تعطيه المفرّح لك أو تثيبه به مكافأة له. و رجل مفرح: محتاج مغلوب، و قيل فقير لا مال له. و قوله ص: لا يُترك: أى يقضى عنه دينه و لا يترك مدينا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الغمّ، و قلنا إنّ الغمّ هو التغطية، فيكون الفرح عبارة عن انبساط مطلق في الباطن يوجب رفع التغطّى و الانكدار.

و الفرق بينها و بين السرور و البطر و الأشر و الطرب.

أنّ السرور: يقابل الحزن، أى انبساط يوجب رفع الحزن و التألّم.

و الطرب: خروج عن الاعتدال و عن الحدّ الممدوح في السرور.

و البطر: تجاوز عن حدّ الطرب.

و الأشر: تجاوز عن حدّ البطر.

فالفرح مطلق السرور، و يصدق في أىّ مرتبة من مراتبه.

و أمّا الإفراح بمعنى الإثقال: فمرجعه الى جعل شخص في معرض الفرح و في مورده، بأن يرى مثقلا بالغموم حتّى يستوجب الفرح، و هذا المعنى يوجب تحقّق الانكدار و الاغتمام و التغطّى بالغموم أوّلا، ثمّ جعله مفرّحا برفع أسباب الاغتمام، و لعلّ هذا معنى ما قالوا من أنّ الإفراح بمعنى الإثقال بدين أو غيره.

49

فيكون معنى- لا يترك في الإسلام مفرح: إنّ من صار برفع الدين أو بغيره فرحا في رفع ابتلائه موقّتا، لا يترك أن يبقى على تلك الحالة، بل يلزم العمل في رفع ابتلائه رأساً بأداء دينه.

ثمّ انّ الفرح يكون في حقّ أو باطل، مادّيّا أو معنويّا.

ففي الحقّ: كما في-. وَ إِذٰا أَذَقْنَا النّٰاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهٰا- 30/ 36 و في الباطل: كما في-. ذٰلِكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ- 40/ 75. فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلٰافَ رَسُولِ اللّٰهِ- 9/ 81 و في الأمور الدنيويّة المادّيّة: كما في-. وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهٰا- 3/ 120. لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ- 57/ 23 و لا يخفى أنّ مفهوم الفرح إنّما يتحقّق بعد الاغتمام و برفع تغطية و انكدار، فهو أمر عرضىّ و يزول بزوال علّته:

. فَرِحُوا بِهٰا وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذٰا هُمْ يَقْنَطُونَ- 30/ 36 و على هذا يستعمل في الأمور الدنيويّة غالبا، فانّ الانبساط في الآخرة يتعلّق بمقامات روحانيّة و ينبعث من سلامة النفس و يدوم بدوام عالم الآخرة.

فرد

مصبا- الفرد: الوتر، و هو الواحد، و الجمع أفراد، و أمّا فرادى: فقيل جمع على غير قياس، و قيل كأنّه جمع فردان و فردي، و الأنثى فردة، و فرد بفرد من باب قتل: صار فردا، و أفردته: جعلته كذلك. و أفردت الحجّ عن العمرة: فعلت كلّ واحد على حدة، و انفرد الرجل بنفسه، و تفرّد بالمال و أفردته به، و أفردت اليه‌

50

رسولا.

مقا- فرد: أصل صحيح يدلّ على وحدة. من ذلك الفرد، و هو الوتر. و الفارد و الفرد: الثور المنفرد. و ظبية فارد: انقطعت عن القطيع، و كذلك السدرة الفاردة: انفردت عن سائر السدر، و أفراد النجوم: الدرارىّ في آفاق السماء. و الفريد: الدرّ إذا نظم و فصّل بينه و بغيره.

مفر- الفرد: الّذى لا يختلط به غيره، و أعمّ من الوتر و أخصّ من الواحد، و جمعه فرادى. و يقال في اللّٰه فرد تنبيها أنّه بخلاف الأشياء كلّها في الازدواج.

الفروق 114- الفرق بين الواحد و الفرد: أنّ الفرد يفيد الانفراد من القرن، و الواحد يفيد الانفراد في الذات أو الصفة، يقال هو فرد في داره، و هو واحد أهل عصره، و اللّٰه واحد.

و التحقيق

أنّ الفرد في قبال الزوج، كما أنّ الواحد في قبال الإثنين، و قلنا إنّ الزوج ما يكون له جريان مخصوص معادلا و مقارنا لآخر. فالفرد ما لا يكون له معادل و مقارن.

. وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فَرْداً- 19- 95. وَ زَكَرِيّٰا إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ رَبِّ لٰا تَذَرْنِي فَرْداً- 21/ 89. وَ لَقَدْ جِئْتُمُونٰا فُرٰادىٰ كَمٰا خَلَقْنٰاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ- 6/ 94 ففي التعبير بهذه المادّة اشارة الى الانفراد و عدم وجود مقارن له يساعده و يعاونه، فالنظر الى نفى المقارن.

. وَ قٰالَ لَأُوتَيَنَّ مٰالًا وَ وَلَداً .... كَلّٰا سَنَكْتُبُ مٰا يَقُولُ .... وَ نَرِثُهُ مٰا يَقُولُ وَ يَأْتِينٰا فَرْداً- 19/ 81 بلا مقارن و مصاحب.

. قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ- 34/ 46‌

51

فانّ القيام للّٰه منعطفا الى آخر في صورة وجود المقارن أو منفردا ثمّ التفكّر (ثمّ تتفكّروا): أحسن وسيلة الى إدراك الحقّ.

و سبق أنّ الثني بمعنى الانعطاف، و لا يبعد كون المثنى مصدرا بمعنى الانعطاف الى فرد آخر في قبال الاتّصاف بالانفراد.

و هو منصوب محلا على الحاليّة، أى أن تقوموا في حال الثني.

فردوس

مصبا- و الفردوس: البستان، يذكّر و يؤنّث قال الزجّاج: هو من الأودية ما ينبت ضروبا من النبت. و قال ابن الأنبارى: الفردوس بستان فيه كروم. قال الفرّاء: هو عربىّ، و اشتقاقه من الفردسة، و هي السعة. و قيل: منقول الى العربىّ و أصله رومىّ.

المعرّب 240- الفردوس: قال الزجّاج أصله رومىّ أعرب، و هو البستان.

و الفردوس أيضا بالسريانيّة: كذا لفظه- فردوس. و قال ابن الكلبىّ: الفردوس:

البستان بلغة الروم. و قال السدّى الفردوس أصله بالنبطيّة فرداسا.

قع- (فردس)- بستان، منهل الحكمة، حنّة.

و في فرهنگ تطبيقى- ترگومى آرامى- فرديسا.

و في فرهنگ تطبيقية- سرياني- فردايسا، فرديس.

و في فرهنگ تطبيقى- عبرى- فرديس.

و التحقيق

أنّ الكلمة عربيّة مأخوذة من العربيّة و السريانيّة و الآراميّة، و كانت مستعملة في هذه اللغات، ثمّ نقلت الى العربيّة، بتغيير متناسب، بمعنى الجنّة الوسيعة ذات أشجار و فواكه.

52

و الكلمة تناسب مادّة- فرد، فانّ الواو و السين يدلّان على السعة و الامتداد، و هذه الجنّة متفرّدة ليس لها معادل.

. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ كٰانَتْ لَهُمْ جَنّٰاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خٰالِدِينَ فِيهٰا- 18/ 107. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ .... وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلَوٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ أُولٰئِكَ هُمُ الْوٰارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ- 23/ 11 فالنازلون فيها هم الّذين اتّصفوا بهذه الصفات- الايمان، الأعمال الصالحة، الخشوع، الإعراض عن اللغو، و رعاية العهود و الأمانات، و المحافظة على الصلوات.

و هذه الصفات تقتضي و توجب استقرارا في جنّة وسيعة ممتدّة ذات تنعّمات و فواكه و التذاذات ظاهريّة و معنويّة.

و يدلّ على ذلك قوله تعالى- هم فيها خالِدون- فانّ الخلود فيها يقتضى وجود أىّ نوع من التنعّم و الالتذاذ فيها، حتّى لا يوجد محدوديّة و فقر و حاجة و مضيقة في العيش الظاهرىّ و المعنوىّ.

فرّ

مصبا- فرّ من عدوّه يفرّ من باب ضرب فراراً: هرب. و فرّ الفارس فرّا:

أوسع الجولان للانعطاف. و فرّ الى الشي‌ء: ذهب اليه.

مقا- فرّ: أصول ثلاثة: فالأوّل- الانكشاف و ما يقاربه من الكشف عن الشي‌ء. و الثاني- جنس من الحيوان. و الثالث- دالّ على خفّة و طيش.

فالأوّل- فرّ عن أسنانه و افترّ الإنسان، إذا تبسّم. و يقولون: فرّ فلانا عمّا في نفسه، أى فتّشه. و فرّ عن الأمر: ابحث. و من هذا القياس و إن كانا متباعدَين في المعنى: الفرار، و هو الانكشاف، يقال فرّ يفرّ، و المفرّ: المصدر، و المفرّ الموضع‌

53

يفرّ اليه. و الفرّ: القوم الفارّون. يقال فرّ جمع فارّ، كما يقال صحب جمع صاحب.

و الأصل الثاني- الفرير: ولد البقرة، و يقال الفرار من ولد المَعز: ما صغر جسمه، واحده فرير، كرخل و رخال. و الثالث- الفرفرة: الطيش و الخفّة. يقال رجل فرفار و امرأة فرفارة. و الفرفارة: شجرة.

الاشتقاق 550- فرّان: فعلان من قولهم: فررت الفرس و غيره من الدوابّ، إذا فتحت فاه لتعرف سنّه. و من قولهم: هذا فرّ بنى فلان، أى الّذى فرّ منهم. و الفرير و الفرار: ولد الحمار، و ربّما سمّى ولد البقرة أيضا فريرا، و الجذع من الظباء فرير و فرار. و قد قرئ- أين المفرّ، و أين المفرّ. فالمفرّ: الموضع الّذى يفرّ اليه. و المفرّ: مفعل من الفرار.

مفر- أصل الفرّ: الكشف عن سنّ الدابّة، يقال فررت فرارا، و منه الافترار، و هو ظهور السنّ من الضحك. و فرّ عن الحرب. و أفررته: جعلته فارّا، و رجل فرّ و فارّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الحركة السريعة مدبرا للتخلّص عن إبتلاء أو لانكشاف إبتلاء. و الفرق بينها و بين الهرب:

أنّ الهرب مطلق الحركة السريعة، من مقصد أو الى مقصد.

و أمّا الفرير و الفرار: كالشريف و الشجاع، بمناسبة كون ولد الحمار أو البقرة أو الظبى، فارّا دائما غير مستقرّ و لا طمأنينة له.

و أما ظهور السنّ من الضحك: فانّه انكشاف عن مضيقة و شدّة، و حركة الى سعة و سرور و انبساط.

و كذلك الافترار لكشف السنّ من الدوابّ: فهو لكشف التخلّص و الانكشاف في امتداد زمان عمرها، و المعرفة بخصوصيات أحوالها، فهذا لكشف حركة سريعة في التخلّص و الانكشاف.

54

فيلاحظ في مصاديق الأصل: الهرب، و التخلّص.

. فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّٰا خِفْتُكُمْ- 26/ 21. قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرٰارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ- 33/ 16. لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرٰاراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً- 18/ 18. يَقُولُ الْإِنْسٰانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ- 75/ 10 فيراد فيها الهرب من خوف أو وحشة أو رعب أو إبتلاء، حتّى يحصل التخلّص منها و ينكشف الغمّ و المضيقة.

سواء كان الفرار صحيحا لازما: كما في الآية الاولى. أو غير صحيح و غير مفيد: كما في الثانية. أو بتصوّر و تخيّل: كما في الثالثة. أو تكون الوحشة و الاضطراب بحيث تمنع عن الفرار أيضا: كما في الرابعة.

. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ- 80/ 34 الترتيب بلحاظ المعاونة و القوّة، حيث إنّ الأخ أقدم، ثمّ الأم من جهة شدّة التعلّق، ثمّ الأب، ثمّ الصاحبة و البنون و الرفقة.

و مع هذا يكون الفرار من الأخ في المرتبة الاولى: فانّ يوم القيامة لا يشفع أحد لأحد إلّا باذنه، و هو مالك يوم الدين، و الناس كلّهم فقراء محتاجون لا يملكون شيئا، و لا يدفعون عن نازلة.

. فَفِرُّوا إِلَى اللّٰهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ- 51/ 50 أى فِرّوا من مَضيق عالم المادّة و محدوديّتها و من ابتلاءات الحياة الدنيا و من الخسران و من سوء العاقبة و من المحجوبيّة و ظلمة الباطن و الجهل و من الأعمال السيّئة و الأخلاق و العقائد الباطلة الفاسدة، و كلّ هذه الأمور توجب سخطا و غضبا و عذابا من اللّٰه الواحد القهّار.

و هذا الفرار في الدنيا: يتعاقبه الفرار الى اللّٰه تعالى في يوم القيامة.

55

فرش

مصبا- فرشت البساط و غيره فرشا من باب قتل، و في لغة من باب ضرب: بسطته. و افترشته فافترش هو، و هو الفراش، مثل كتاب بمعنى المكتوب، و جمعه فرش. و هو فرش أيضا تسمية بالمصدر. و الولد للفراش- أى للزوج، فانّ كلّ واحد منهما يسمّى فراشا للآخر، كما سمّى كلّ واحد منهما لباسا للآخر. و أفرشت الرجل امرأة: زوّجته إيّاها فافترشها، أى تزوّجها. و فراش الدماغ: عظام رقيقه تبلغ القحف، الواحدة فراشة.

مقا- فرش: أصل صحيح يدلّ على تمهيد الشي‌ء و بسطه. و الفرش مصدر، و الفرش: المفروش أيضا. و سائر كلم الباب يرجع الى هذا المعنى. يقال تفرّش الطائر: إذا قرب من الأرض و رفرف بجناحه. و أفرش الرجل صاحبه: إذا اغتابه و أساء القول فيه. و كلّ خفيف فراشة. و قال قوم: الفراشة من الأرض:

الّذى نضب عنه الماء فيبس و تقشّر. و من الباب: افترش السبع ذراعيه. و الفراش:

هذا الّذى يطير، و سمّى بذلك لخفّته.

صحا- الفراش واحد الفرش، و قد يكنّى به عن المرأة، و فلان كريم المفارش: إذا تزوّج كرائم النساء. و الفرش: الزرع إذا فرّش. و الفرش الفضاء الواسع. و الفرش: صغار الإبل- حمولة و فرشا- و يحتمل أن يكون مصدرا سمّى به من قولهم- فرشها اللّه فرشا، أى بثّها. و الفرش في رجل البعير: اتّساع قليل و هو محمود. و افترش: انبسط. و المفرّش الزرع إذا انبسط. و فراشة القفل: ما ينشب فيه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو بسط شي‌ء على الأرض و هذا هو الفرق بينها و بين موادّ- البسط و البثّ و النشر:

56

فانّ البسط: مطلق الامتداد، في كلّ شي‌ء بحسبه.

و النشر: بسط بعد قبض.

و البثّ: مطلق التفريق.

و لمّا كان الأرض بمعنى ما سفل بالنسبة الى العالي: فيعمّ مفهوم الفرش أيضا الامتداد على كلّ ما يطلق عليه الأرض.

فيقال: افترش الأسد ذراعيه على الأرض، و افترش فلان فراشا تحته، و فرشت له بساطا، و الفرش من أمتعة البيت.

و يطلق الفراش و الفرش مجازا للتشبيه: على المرأة في قبال زوجها، و على اللسان إذا تكلّم كيف شاء. إلّا إذا لوحظ القيدان فعلا.

و من مصاديقه: افتراش الذراع. افتراش الفراش و البساط. و الفراشة في الأرض. و الفضاء الواسع من الأرض. و افتراش النباتات و الزرع على الأرض، و كلّما انبسط على السافل.

و التفريش: جعل شي‌ء ذا فراش. و الافتراش: إختيار الفرش. و الفريش:

ما يتّصف بالفراش و هو ذو انبساط، كما في الثور و المرأة النفساء. و كذلك الفرش و الفراش صفتين كالصعب و الجبان.

. وَ مِنَ الْأَنْعٰامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً كُلُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ- 6/ 142 فانّ الأنعام الّتى يؤكل لحمها، أو ما يستفاد منها على نوعين: حمولة تحمل الأثقال و الأحمال. و فرش فيها صفة الافتراش و حالته.

فالفرش صفة لا مصدر، بقرينة الحمولة، و ليس المراد الفراش الّذى ينسج أو يعمل من الشعر و الوبر و الصوف: بقرينة- كلوا ممّا رزقكم.

فالفرش من الأنعام ما فيه اقتضاء الافتراش و حالته، كالأغنام و المعز و البقر و الناقة، و لا مانع من جمع صفة الحمل و الفرش في بعضها.

. وَ الْأَرْضَ فَرَشْنٰاهٰا فَنِعْمَ الْمٰاهِدُونَ- 51/ 48. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرٰاشاً وَ السَّمٰاءَ بِنٰاءً- 2/ 22‌

57

أى جعلنا الأرض فراشا لكم في قبال السماء، فجعلت منبسطة ممتدّة لتستريحوا عليها.

. يَوْمَ يَكُونُ النّٰاسُ كَالْفَرٰاشِ الْمَبْثُوثِ وَ تَكُونُ الْجِبٰالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ- 101/ 5 الفراش و الفراش كالصداق و الصداق و الملاك و الملاك و الدجاج و الدجاج: بمعنى ما يفرش و ينبسط على أرض، و الفتح يدلّ على خفّة و سهولة و لينة، كما أنّ في الكسرة شدّة و صعوبة.

فالفراش ما فيه افتراش و لينة، و يناسب كونه مبثوثا. و أمّا الفراش بكونه ذا شدّة يناسب كونه أرضا، ففيه انبساط مع خشونة.

و أمّا تفسير الفراش بطائر يطير حول السراج: فليس بصحيح، و هو تجوّز.

و هذا التعبير فيه اشارة الى كمال الانكسار و الخضوع و الخفّة و الاضطراب و الاندكاك للناس يوم القيامة، فانّه لا يتصوّر اندكاك و تفرّق و انبثاث أشدّ من انبثاث ما ينبسط على أرض و هو ليّن.

. مُتَّكِئِينَ عَلىٰ فُرُشٍ بَطٰائِنُهٰا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ- 55/ 54. وَ فٰاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لٰا مَقْطُوعَةٍ وَ لٰا مَمْنُوعَةٍ وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنّٰا أَنْشَأْنٰاهُنَّ إِنْشٰاءً فَجَعَلْنٰاهُنَّ أَبْكٰاراً عُرُباً أَتْرٰاباً- 56/ 34 الاتكاء: التحمّل و الاعتماد و الرفع: يقابل الخفض في محسوس أو معنوىّ. و الإنشاء: الإحداث و التربية و العرب جمع عروب: المتبيّن المتّضح. و الأتراب جمع ترب: المنخفض المنقاد.

فالفرش المرفوعة: الموضوعات المنبسطة المرتفعة منزلة و مقاما، سواء كانت من الملكوت، كالأزواج اللطيفة المنقادة المرتفعة من عالم الملكوت و البرزخ الّتى يعبّر عنها بالحور، أو من الجبروت المنشئة المتجلّية من موادّ الصفات النفسانيّة النورانيّة و الأعمال الصالحة في النفس.

و أيّا ما كان فهو المتناسب لعالم الآخرة اللطيفة، و يتّكئ عليها من يكون‌

58

من أصحاب اليمين- راجع اليمن.

و لا يمكن لنا التوضيح و التفسير بأزيد من هذا المقدار الميسور لنا.

فرض

مصبا- فرضة القوس: موضع حزّها للوتر، و الجمع فرض و فراض. و الفرضة في الحائط و غيره كالفرجة، و من النهر الثلمة الّتى ينحدر منها الماء. و فرضت الخشبة فرضا من باب ضرب: حززتها. و فرض القاضي النفقة فرضا: قدّرها و حكم بها. و الفريضة: فعيلة بمعنى مفعولة، و الجمع فرائض، قيل اشتقاقها من الفرض الّذى هو التقدير، و قيل من فَرض القوس. و فرض اللّه الأحكام: أوجبها.

مقا- فرض: أصل صحيح يدلّ على تأثير في شي‌ء من حزّ أو غيره.

فالفرض الحزّ في الشي‌ء، يقال فرضت الخشبة. و الفرض: الثقب في الزند في الموضع الّذى يقدح منه. و المفرض: الحديدة الّتى يحزّبها. و من الباب: اشتقاق الفرض الّذى أوجبه اللّٰه تعالى، لأنّ له معالم و حدودا. و من الباب: الفرضة، و هي المشرعة في النهر و غيره. و الفرض: الترس. و سمّى بذلك لأنّه يفرض من جوانبه.

و ممّا شذّ الفارض: المسنّ و الفرض: جنس من التمر.

مفر- الفرض: قطع الشي‌ء الصلب و التأثير فيه، كفرض الحديد و فرض الزند و القوس. و المفراض و المفرض: ما يقطع به الحديد و فرضة الماء مقسمه. و الفرض كالايجاب، لكنّ الإيجاب يقال اعتبارا بوقوعه و ثباته. و الفرض بقطع الحكم فيه. و الفارض المسنّ من البقر، و انّما سمّى لكونه فارضا للأرض أى قاطعا، أو فارضا لما يحمل من الأعمال الشاقّة.

الأفعال 2/ 452- فرض اللّٰه تعالى الشي‌ء فرضا: أوجبه، و أيضا أمر به، و أيضا بيّنه، و أيضا أحلّه. و الشي‌ء فروضا: أسنّ، و أيضا اتّسع، و أيضا: عظم. و الفرضة: المدخل الى النهر، و الحزّ في السهم و القوس. و فرضت للرجل و أفرضته:

أعطيته.